← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

قال مالك بن مسمع للأحنف بن قيس: يا أبا بحر، ما أنتفع بالشاهد إذا غبت، ولا افتقد غائباً إذا شهدت. فكأن البحتري ألّم بهذا المعنى فقال: " الطويل " رحلتَ فلم نفرح بأوبة آيبِ ... وأُبتَ فلم نجزع لغيبة غائبِ قدمتَ فأقدمت النهى يَحملُ الرضى ... إلى كلّ غضبان على الدهر عاتبِ فعادت بك الأيامُ زُهراً كأنما ... جلا الدهرُ منها عن خدود الكواعبِ قال خالد بن صفوان: كان الأحنف بن قيس يفرُّ من الشرف، والشرف يتبعه. وعن خالد بن صفوان أنه كان بالرصافة عند هشام بن عبد الملك فقدم العباس بن الوليد بن عبد الملك، فغشيه الناس، فكان خالد فيمن أتاه، وكان العباس يصوم الاثنين والخميس. قال خالد: فدخلت عليه في يوم خميس فقال لي: يا بن الأهتم، خبرني عن تسويدكم للأحنف، وانقيادكم له، وكنتم حياً لم تملكوا في جاهلية قط. فقلت له: إن شئت أخبرتك عنه بخصلة لها سُوِّد، وإن شئت بثنتين، وإن شئت بثلاث، وإن شئت حدثتك عنه بقية عشيتك حتى تنقضي، ولم تشعر بصومك. قال: هات الأولى، فإن اكتفينا وإلا سألناك. قال: فقلت: كان أعظمّ من رأينا وسمعنا - ثم أدركني ذهني فقلت: غير الخلفاء - سلطاناً على نفسه في ما أراد حملها عليه، وكفّها عنه. قال: لقد ذكرتها نجلاء كافية. فما الثانية؟ قلت: قد يكون الرجل عظيم السلطان على نفسه، ولا يكون بصيرا بالمحاسن والمساوىء ولم يرَ ولم يسمع بأحد أبصر بالمحاسن والمساوىء منه، فلا يَحمل السلطنة إلا على حسن، ولا يكفها إلى عن قبيح. قال: قد جئت بصلة الأولى لا يصلح إلا بها. فما الثالثة؟ قلت: قد يكون الرجل عظيم السلطان على نفسه بصيراً بالمحاسن والمساوىء، ولا يكون حظيظاً، فلا يفشو له ذلك في الناس، فلا يذكر به، فيكون عند الناس مشهوراً. قال: وأبيك، لقد جئت بصلة الأوليين، فما بقية ما يقطع عني العشي؟ قلت: أيامه السالفة. قال: وما أيامه السالفة؟ قلت: يوم فتح خراسان: اجتمعت إليه جموع

стр. 3782

الأعاجم بمر والرُّوذ فجاء ما لا قِبَل له به، وهو في منزل بمضيعة وقد بلغ الأمر به. فصلى عشاء الآخرة، ودعا ربه، وتضرَّع إليه أن يوفقه ثم خرج يمشي في العسكر مشي المكروب، يتسمع ما يقول الناس، فمرّ بعبد يعجن وهو يقول لصاحب له: أتعجب لأميرنا، يقيم بالمسلمين في منزل مضيعة، وقد جاءه العدو من وجوه. وقد أطافوا بالمسلمين من نواحيهم، ثم اتخذوهم أغراضاً، وله متحوَّل، فجعل الأحنف يقول: اللهم وفّق، اللهم سدّد، فقال العبد للعبد: فما الحيلة؟ قال: أن يُنادي الساعة بالرحيل، فإنما بينه وبين الغيضة فرسخ، فيجعلها خلف ظهره فيمنعه الله بها، فإذا امتنع ظهره بها بعث بمُجَنبتيه اليمنى واليسرى فيمنع الله بهما ناحيتيه ويلقى عدوه من جانب واحد. فخرّ الأحنف ساجداً ثم نادى بالرحيل مكانه، فارتحل المسلمون مكبين على رايتهم، حتى أتى الغيضة، فنزل في قَبَلها، وأصبح فأتاه العدو، فلم يجدوا إليه سبيلاً إلا من وجه واحد وضربوا بطبول أربعة، فركب الأحنف، وأخذ الراية، وحمل بنفسه على طبل ففتقه وقتل صاحبه، وهو يقول: إن على كلّ رئيس حقّا ... أن يخضِب الصَّعدة أو تندقّا ففتق الطبول الأربعة، وقتل حملتها. فلما فقد الأعاجم أصوات طبولهم انهزموا، فركب المسلمون أكتافهم، فقتلوهم قتلاً لم يقتلوا مثله قط. وكان الفتح. واليوم الثاني أن علياً لما ظهر على أهل البصرة يوم الجمل أتاه الأشتر وأهل الكوفة بعدما اطمأن به المنزل، وأثخن في القتل، فقالوا: أعطنا، إن كنا قاتلنا أهل البصرة حين قاتلناهم وهم مؤمنين فقد ركبنا حوباً كبيراً، وإن كنا قاتلناهم كفاراً وظهرنا عليهم عنوة فقد حلّت لنا غنيمة أموالهم وسبي ذراريهم، وذلك حكم الله تعالى وحكم نبيّه في الكفار إذا ظهر عليهم. فقال علي: إنه لا حاجة بكم أن تهيجوا حرب إخوانكم، وسأرسل إلى رجل منهم فأستطلع برأيهم وحجتهم فيما قلتم، فأرسل إلى الأحنف بن قيس في رهط، فأخبرهم بما قال أهل الكوفة. فلم ينطق أحد غير الأحنف، فإنه قال: يا أمير المؤمنين، لماذا أرسلت إلينا؟! فوالله إن الجواب عنا لعندك، ولا نتبع الحق إلا بك، ولا علمنا العلم

стр. 3783

إلا منك. قال: أحببت أن يكون الجواب عنكم منكم ليكون أثبت للحجة، وأقطع للتهمة فقل. فقال: إنهم قد أخطؤوا وخالفوا كتاب الله وسنّة نبيهم ﷺ إنما كان السبي والغنيمة على الكفار الذين دارهم دار الكفر. والكفر لهم جامع، ولذراريهم. ولسنا كذلك. وإنها دار إيمان يُنادى فيها بالتوحيد وشهادة الحق وإقام الصلاة. وإنما بغت طائفة أسماؤهم معلومة، أسماء أهل البغي، والثانية حجتنا أنا لم نستجمع على ذلك البغي، فإنه قد كان من أنصارك من أثبتهم بصيرة في حقك، وأعظمهم غناء عنك، طائفة من أهل البصرة، فأي أولئك يجهل حقه وينسى قرابته؟ إن هذا الذي أتاك به الأشتر وأصحابه قولُ متغلمة أهل الكوفة، وأيم الله، لئن تعرضوا لها لتكرهُنّ عاقبتها، ولا تكون الآخرة كالأولى. فقال علي: ما قلت إلا ما تعرف. فهل من شيء تخصون به إخوانكم بما قاسوا من الحرب؟ قال: نعم، أعطياتنا في بيت المال. ولم تك لتصرفها في عدلك عنا. فقد طبنا عنها نفساً في هذا العام، فاقسمها فيهم. فدعاهم علي، فأخبرهم بحجج القوم، وما قالوا، وبموافقتهم إياه. ثم قسم المال بينهم: خمسمئة لكل رجل. فهذا اليوم الثاني. وأما اليوم الثالث فإن زياداً أرسل إليه بليلٍ وهو جالس على كرسي في صحن داره، فقال: يا أبا بحر، ما أرسلت إليك في أمر تنازعني فيه مخلوجة، ولكني أرسلت إليك وأنا على صريمة، فكرهت أن يروعك أمر يحدث ولا تعلمه. قال: فما هو؟ قال: هذه الحمراء قد كثرت بين أظهر المسلمين، وكثر عددهم، وخفّت عدوتهم، والمسلمون في ثغرهم وجهادهم عدوَّهم، وقد خلفوهم في نسائم وحرمهم، فأردت أن أرسل إلى كل من كان في عرافة من المقاتلة فيأتوا بسلاحهم، ويأتيني كل عريف بمن في عرافته من عبد أو مولى فأضرب رقابهم فتؤمن ناحيتهم. قال الأحنف: ففيم القول وأنت على صريمة؟ قال: لتقولن. قال: فإن ذلك ليس لك. يمنعك من ذلك خصال ثلاث: أما الأولى فحكم الله في كتاب عن الله، وما قتل رسول الله ﷺ من الناس مَن قال: لا إله إلا الله وشهد أن محمداً رسول الله، بل حقن دمه. والثانية أنهم غلة الناس، لم يغز غازٍ فخلف لأهل ما يصلحهم إلا من غلاتهم، وليس لك أن تحرمهم. وأما الثالثة فهم يقيمون أسواق

стр. 3784

المسلمين، أفتجعل العرب يقيمون أسواقهم قصّابين وقصّارين وحجّامين؟! قال: فوثب عن كرسيه، ولم يُعلمه أنه قَبِل منه، وانصرف الأحنف. قال: فما بتّ بليلةٍ أطول منها، أتسمّع الأصوات. قال: فلما نادى أول المؤذنين قال لمولى له: ائت المسجد فانظر هل حدث أمر؟ فرجع فقال: صلى الأمير وانصرف، ولم يحدث إلا خير. كان الأحنف استُعمل على خراسان. فلما أتى فارس أصابته جنابة في ليلة باردة. قال: فلم يوقظ أحداً من غلمانه ولا جنده، وانطلق يطلب الماء. قال: فأتى على شوك وشجر حتى سالت قدماه دماً، فوجد الثلج. قال: فكسره واغتسل. قال: فقام فوجد على ثيابه نعلين محذوتين جديدتين فلبسهما. فلما أصبح أخبر أصحاب. فقالوا: والله ما علمنا بك. قال مغيرة: شكا ابن أخي الأحنف بن قيس وجعاً بضرسه فقال الأحنب: لقد ذهبت عيني منذ ثلاثين سنة، فما ذكرتها لأحد. دخل الأحنف بن قيس على معاوية فقال: أنت الشاهر علينا سيفك يوم صفين، والمخذّل عن أم المؤمنين؟! فقال: يا معاوية، لا تردّ الأمور على أدبارها، فإن السيوف التي قاتلناك بها على عواتقنا، والقلوب التي أبغضناك بها بين جوانحنا، والله لا تمدّ إلينا شبراً من غدر إلا مددنا إليك ذراعاً من خَتْر، ولئن شئت لتستصفَينّ كدر قلوبنا بصفوٍ من عفوك. قال: فإني أفعل. قال الأحنف: ما نازعني أحد قط إلا أخذت في أمري بثلاث خلال: إن كان فوقي عرفت له قدره، وإن كان دوني رفعت قدري عنه، وإن كان مثلي تفضلت عليه.

стр. 3785

قال الأحنف بن قيس: من كانت فيه أربع خصال ساد قومه غير مدافَع: من كان له دِين يحجز، وحسّب يصونه، وعقل يرشده، وحياء يمنعه. قال الأحنف لرجل سأل: ما الحلم؟ فقال: هو الذلّ تصبر عليه. قال الأحنف: ليس فضل الحلم أن تُظلّم فتحلُم حتى إذا قدرت انتقمت، ولكنه إذا ظُلمت فحلمت ثم قدرت فعفوت. قال الأحنف بن قيس: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة: شريف من دنيء، وبَرّ من فاجر، وحليم من أحمق. قال الأحنف: ليس لكذوب مروءة، ولا لبخيل حياء، ولا لحاسد راحة، ولا لسيء الخلق سؤدد، ولا لملول وفاء. قال رجل للأحنف بن قيس: يا أبا بحر، دلّني على أحمدِ أمرٍ عاقبةً، فقال له: خالقِ الناس بخلق حسن، وكُفَّ عن القبيح. ثم قال له: ألا أدلك على أدْوَأ الداء؟ قال: بلى. قال: اكتساب الذم بلا منفعة، واللسان البذيء، والخلق الرديء. قال الأحنف بن قيس: مَن أسرع إلى الناس بما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون. قيل للأحنف: ما المروءة؟ قال: ألا تعمل في السر شيئاً تستحي منه في العلانية. سأل يزيد بن معاوية الأنف بن قيس عن المروءة فقال الأحنف: التُّقى والاحتمال. ثم أطرق الأحنف ساعة وقال: مجزوء الكامل. وإذا جميلُ الوجه لم ... يأتِ الجميلَ فما جمالُه؟

стр. 3786

ما خيرُ أخلاقِ الفَتى ... إلا تُقاه واحتمالُه فقال يزيد: أحسن يا أبا بحر، وافق البمّ زِيراً، قال الأحنف: ألا قلت: وافق المعنى تفسيراً؟. قال الأحنف بن قيس: رأس الأدب آلة المنطق، ولا خير في قول إلا بفعل، ولا في منظر إلا بمخبر، ولا في مال إلا بجود، ولا في صديق إلا بوفاء، ولا في فقه إلا بورع، ولا في صدقة إلا بنّية، ولا في حياة إلا بأمن وصحّة. تذاكر قوم الصمت والكلام، فقال قوم: الصمت أفضل، فقال الأحنف: المنطق أفضل، لأن فضل الصمت لا يعدو صاحبه، والمنطق الحسن ينتفع به مَن سمعه. قال الأحنف: ثلاث خصال تُجتلب بهن المحبة: الإنصاف في المعاشرة، والمواساة في الشدة، والانطواء على المودة. قال الأحنف بن قيس: إن غاصب الدنيا وظالمها أهلها، والمدعي ما ليس له منها على قتلها - وإن كان عالي المكان من سلطانها - لأقلّ منها وأذلّ. كتب الأحنف إلى صديق له: أما بعد. فإذا قَدِم عليك أخ لك موافق فليكن منك بمنزلة السمع والبصر، فإن الأخ الموافق أفضل من الولد المخالف. ألم تسمع الله يقول لنوح في ابنه: " إنّهَُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غيْرُ صالِحٍ ". رأى الأحنف في يد رجل درهماً فقال: لمن هذا الدرهم؟ فقال: لي، فقال الأحنف: ليس هو لك حتى تخرجه في أجر أو اكتساب شكر. ثم تمثّل: الرمل

стр. 3787

أنت للمالِ إذا أمسكتَه ... وإذا أنفقتَ فالمالُ لَكْ قال الأحنف بن قيس: ما خان شريف، ولا كذب عاقل، ولا اغتاب مؤمن. قال الأحنف: الرفق والأناة محبوبة إلا في ثلاث: تبادر بالعمل الصالح، وتعجّل إخراج ميتك، وتنكح الكفء أيَمك. قال الأحنف: لا ينبغي للعاقل أن ينزل بلداً ليس فيه خمس خصال: سلطان قاهر، وقاض عادل، وسوق قائمة، ونهر جار، وطبيب عالم. قال الأحنف: مِن السؤدد الصبر على الذل، وكفى بالحلم ناصراً. قال الأحنف بن قيس: جنّبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام، فإني أبغض الرجل أن يكون وصّافاً لفرجه وبطنه. وإن من المروءة أن يترك الرجل الطعام وهو يشتهيه. قال عمر بن الخطاب للأحنف بن قيس: أي الطعام أحبّ إليك؟ قال: الزبد والكمأة، فقال عمر: ما هما بأحبِّ الطعام إليه. ولكنه يُحب خصب المسلمين. يعني أن الزبد والكمأة لا تكونان إلا في سنة الخصب. قال الأحنف بن قيس: سمعت خطبة لأبي بكر وعُمر وعثمان وعلي والخلفاء بعد، فما سمعت الكلام مِن في مخلوقٍ أفخم ولا أسن من عائشة أم المؤمنين. قال عتبة بن صعصعة: رأيت مصعب بن الزبير في جنازة الأحنف متقلداً سيفاً، ليس عليه رداء وهو يقول: ذهب اليوم الحزم والرأي.

стр. 3788

توفي الأحنف سنة سبع وستين، وقيل: سنة اثنتين وسبعين. قال عبد الرحمن بن عُمارة بن عقبة بن أبي مُعيط: حضرت جنازة الأحنف بن قيس بالكوفة فكنت فيمن نزل قبره. فلما سوّيته رأيته قد فُسح له مدّ بصري، فأخبرت بذلك أصحاب فلم يَروا ما رأيت. الضحاك بن مخلد بن الضحاك ابن مسلم بن رافع بن رُفيع بن الأسود بن عمرو بن رألان بن هلال بن ثعلبة بن شيبان، أبو عاصم الشيباني البصري، المعروف بالنبيل حدث عن حنظلة بن أبي سفيان عن القاسم عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يغتسل من جنابة، فيأخذ حفنة لشقّ رأسه الأيمن، ثم يأخذ حفنة لشقّ رأسه الأيسر. ولد الضحاك سنة إحدى وعشرين. وقيل: سنة اثنتين وعشرين ومئة. وقال: ولد أمي في سنة عشر ومئة، وولدت سنة اثنتين وعشرين ومئة. ومات سنة اثنتي عشرة ومئتين، وهو ابن تسعين وأربعة أشهر. وسئل أبو عاصم: لمّ سُمِّيت نبيلاً. قال: لتجمُّل ثيابي. وكان كبير الأنف، ثم قال: أخبركم عن نفسي بشيء: تزوجت امرأة فلما بنيت بها عمدت لأقبّلها فمنعني أنفي عن القبلة، فشددت أنفي على وجهها فقالت المرأة: نحِّ ركبتك عن وجهي. قال: فقلت: ليس هذا ركبة إنما هو أنف. قال موسى بن إسماعيل قال: سمعت أبا عاصم النبيل يقول: ما اغتبت مسلماً منذ علمت أن الله حرّم الغيبة. وقال عمر بن شبة: سمعت أبا عاصم النبيل يقول: أقلّ حالات المدلّس عندي أن يدخل في حديث النبي ﷺ : المتشبّعُ بما لم يُعط كلابس ثوبيّ زور.

стр. 3789

قال أبو عاصم: من طلب هذا الحديث فقد طلب أعلى الأمور، فيجب أن يكون خير الناس. قال أبو داود سليمان بن يوسف: كنت مع أبي عاصم النبيل وهو يمشي وعليه طيلسان، فسقط عنه طيلسانه فسوّيته عليه، فالتفت إلي وقال: كل معروف صدقة. فقلت: من ذكره رحمك الله؟ فقال: أخبرنا ابن جُريج عن عطاء عن النبي ﷺ قال: كل معروف صنعته إلى غني أو فقير فهو صدقة. قال إبراهيم بن يحيى بن سعيد: رأيت أبا عاصم النبيل في منامي بعد موته فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي. ثم قال: كيف حديثي فيكم؟ قلت: إذا قلنا: أبو عاصم فليس أحد يردّ علينا. قال: فسكت عني ثم أقبل علي فقال: إنما يُعطى الناس على قدر نيّاتهم. الضحاك بن مسافر مولى سليمان بن عبد الملك حدث عن أبي حنيفة قال: صلّيت إلى جنب أبي حنيفة، فسمعني أتشهد فقال لي: يا شامي، حدثني سليمان بن مهران العمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: علمني رسول الله ﷺ التشهد: التحيات لله والصلوات والطيبات. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلى الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ثم تدعو بما أحببت.

стр. 3790

الضحاك بن المنذر بن سَلامة ابن ذي فائش بن يزيد بن مرّة بن عريب بن مَرْثَد بن يريم الحميري وفد على معاوية ذكر أبو محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهَمْداني المعروف بابن ذي الدمينة في كتاب مفاخر قحطان قال: ذكروا أن الضحاك بن المنذر الحميري - وكان أبوه وجده ملكين، وكان وسيماً جسيماً. دخل على معاوية بن أبي سفيان، فاستشرفه معاوية حين نظر إليه فقال: ممن الرجل؟ فقال: من فرسان الصّياح، الملاعبين بالرماح، المبارين للرياح، وكان معاوية متكئاً، فاستوى قاعداً، وعجب من قوله وقال: أنت إذان من قريش البطاح. قال: لست منهم، ولولا الكتاب المنزل، والنبي المرسل لكنت عنهم راغباً، ولقديمهم عائباً. قال: فأنت إذن من أهل الشراسة، ذوي الكرم والرئاسة: كنانة بن خزيمة. قال: لست منهم، وإني لأطمو عليهم ببحر زاخر، وملك قاهر، وعز باهر، وفرع شامخ، وأصل باذخ. قال: فأنت إذن من جمرة معدّ، وركنها الأشدّ أهل الغارات: بني أسد. قال: لست منهم، لأن أولئك عبيد، ولم يبق منهم إلا الشريد. قال: فأنت إذن من فرسان العرب المطعمين في الكرب، أهل القباب الحمر: تميم بن عمرّ. قال: لست منهم، لأن أولئك بدؤوا بالفرار حين أجحرتهم من الأحجار. قال: فأنت إذن من خيار بني نزار، وأحماهم للذمار، وأوفاهم بذمة الجار: بني ضبّة. قال: لست منه، لأن أولئك رعاء البقر وأهل البؤس والنكر، لا يُقْرُون الضيف، ولا يدفعون الحَيْف. قال: فأنت إذن من أهل الطلب بالأوتار، واجتماع الدار: ثقيف بن منبّه. قال: كلا. أولئك قصار الحدُود لئام الجدود، بقية ثمود،. قال: فأنت إذن من أهل الشاء والنَّعَم، والمنعة والكرم: هُذيل بن مُدركة. قال: كلا، ألهي أولئك جمع الحطب وجزر العَرب، ولا يحلُون ولا يمرّون، ولا ينفعون ولا يضرون. قال: فأنت إذن من هوازان، أهل القسر

стр. 3791

القهر، والنعم الدُّثر. قال: كلا، أولئك أهل الشِّرات، علاج الكَرَات، شعر الرقاب وغبش الكلاب. قال: فأنت إذن من قاتلي الملوك الجبابر، وأحلاف السيوف البواتر: من عبس أو مرّة. قال: لست منهم، لأنا منعناهم هاربين، وقتلناهم غادرين. قال: فأنت إذن من أهل الراية الحمراء، والقبة القتراء سُليم بن منصور. قال: كلا. ألهي أولئك أكل الحصى ورضخ النوى. قال: فأنت إذن من أوغاد اليمانين، الذين لايعقلون شيئاً. قال: أنا ابن ذي فائش. مهلاً يا معاوية، فإن أولئك كانوا للعرب قادة، وللناس سادة، ملكوا أهل الأرض طوعاً، وأجبروهم كرهاً، حتى دانت لهم الدنيا بما فيها، وكانوا الأرباب وأنتم الأذناب، وكانوا الملوك وأنتم السوقة، حتى دعاهم خير البرية بالفضل والتحية محمد ﷺ ، فعزّروه أيَّما تعزير، وشمّروا حوله أيّما تشمير، وشهروا دونه السيوف، وجهزوا الألوف بعد الألوف، وجادوا له بالأموال والنفوس، وضربوا معدّاً حتى دخلوا في الإسلام كرهاً، وقتلوا قريشاً يوم بدر، فلم يطلبوهم بثأر، فأصبحت يا معاوية، تحمل ذلك علينا حقداً، وتشتمنا عليه عمداً. وتقذف بنا في لجج البحار، وتكفّ شرّك عن بني نزار. ونحن منعناك يوم صفين، ونصرناك على الأنصار والمهاجرين، وآثرناك على الإمام التقي الوصي الوفي، ابن عم النبي ﷺ . فبنا علَوْت المنابر، ولولا نحن لم تعلُها، وبنا دانت لك المعاشر، ولولا نحن لم تَدِن لك، فأنكرت منا ما عزمت، وجهلت منا ما علمت. فلولا أنّا كما وصفت، وأحلامنا كما ذكرت لمنعناك العهد، ولشددنا لغيرِك العقد، ولقرعت قرعاً تتطأطأ منه وتتقبض. فغاظ معاوية ما كان من كلامه، وضاق به ذرعه، فلم يتمالك أن قال: اضربوا عنقه. فلم يبق في مجلسه يمانٍ إلا قام سالاً سيفه، ولا مضريّ إلا عاضاً على شفته، ودنا من معاوية فقام زرعة بن عُفير بن سيف اليزني - وقيل: عُفير بن زرعة بن عامر بن سيف، وهكذا هو - فقال: أما والله يا معاوية، إنا لنراك تكظم الغيظ من غيرنا على القول الفظيع الكثير، وتسفظع منا اليسير - يريد ما يسمع من قريش - وذلك والله أنا لم نطعن عليك في أمرك، فكأنك بالحرب قد رفعناها إليك، فستعلم أن رجالنا ضراغم، وأن

стр. 3792

سيوفنا صوارم، وأن خيولنا ضوامر، وأنّ كُماتنا مساعر، ثم قعد، وقام حَيْوة بن شريح الكَلاعي فقال: يا معاوية، أنصفنا من نفسك وآس بيننا وبين قومك. وإلا تغلغلت بنا وبهم الصفاح، أو لننْطَحنَّهم بها أشد النطاح ولنُوردَنّهم بها حوض المنيّة المتاح، فقايضنا بفعلنا حذو النعل بالنعل، وإلا والله أقمنا دَرْأك بعدلنا، ولقينا صَغوك بعزمنا حتى ندعك أطوع من الرداء، وأذل من الحذاء. ثم دنا كريب بن أبرهة بن شرحيبل بن أبرهة بن الصباح - أو ابن السامي فقال: يا هذا، أنصفنا من نفسك لنكون وزراً على عدوك، ونكون لك على الحق أعواناً، وفي الله إخواناً، وإلا والله أقمنا مَيْلك، وردعنا سفَهك، وخالفنا فيك هواك، فتُلفى فريداً وحيداً، ثم تصبح هيناً مذموماً مدحوراً، مغلوباً مقهوراً. ثم دنا يريم بن حبيب المرادي فقال: يا معاوية، والله إن سيوفنا لحِداد، وإن سواعدنا لشداد، وإن رجالنا لأنجاد، وإن خيولنا معدّة، وإنا لأهل بأس ونجدة، فاستملْ من هوانا من قبل أن نجمع عليك ملأنا، فندعك نكالاً لمن ولي هذا الأمر من بعدك. ثم دنا ناتل بن قيس بن حيا الجُذامي فقال: يا معاوية، قد ترعف " فِعْل " ابن الزبير بك، وقد خالفك في ابنك يزيد، ولقيك بالأمر الشديد، فطلبت منه السلامة، وأهديت له الكرامة، وذلك والله أنه أحسن ثورك، وبلغ منك عَوَرك، وقمع بالشغب طورك، وايم الله، لنحن أكثر منك نفراً وجمعاً، فاربع على ظَلْعاك من قبل أن نقرعك حتى يسمع بخوارك من لا ينفعك من أنصارك. ثم دنا فروة بن المنذر الغساني فقال: يا معاوية، اعرف لكهلنا حقّه، واحتمل من كريمنا قوله، فإن خطّره فينا عظيم، وعهده بالملك حديث. فأن أبيت إلا أن تعدو طورك، وتُجاوز قدرك مشينا إليك بأسيافنا، وضربناك بأيماننا حتى تُنيب إلى الحق، وتترك الباطل بكهرك. فراع معاوية ما كان منهم ثم قال: عزمت عليكم لما قعدتم.

стр. 3793

الضحاك المُعافري حدث عن سليمان بن موسى عن كريب قال: سمعت أسامة بن زيد يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: " ألا هل مشمّر للجنة؟ فإن الجنة لاخطر لها. هي ورب الكعبة نور تتلألأ كلها، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرّد، وثمرة ناضجة، وزوجة حسناء جميلة، وملك كبير، ومقام في أبد، في دار سليمة، وفاكهة، وخضرة، ونعمة وحَبْرة، في جنة عالية بهية ". قالوا: نحن المشمّرون لها يا رسول " الله " قال: " فقولوا: إن شاء الله "، فقال القوم: إن شاء الله. زاد في حديث آخر بمعناه: ثم ذكر الجهاد، وحضّ عليه. ضرار بن الأزور مالك بن أوس بن خزيمة بن ربعية بن مالك بن ثعلبة ابن دودان بن أسد بن خزيمة الأسدي له صحبة، وحدث عن سيدنا رسول الله ﷺ ، وشهد اليرموك، وارتُثّ يومئذ. وشهد فتح دمشق. حدث ضرار ببن الأزور قال: أهديت لرسول الله ﷺ لقحة، فأمرني أن أحلبها، فحلبتها، فجهدت حلبها فقال: دع داعي اللبن. وكان ضرار فارساً شاعراً، وكان شهد اليمامة، فقاتل أشد القتال حتى قطعت ساقاه جميعاً، فجعل يجثو ويقاتل وتطؤه الخيل حتى غلبه الموت.

стр. 3794

وقيل: إنه مكث باليمامة مجروحاً، فقَبْلَ أن يدخل خالد بيوم مات ضرار. وقيل: إنه استشهد يوم جسر أبي عبيد في خلافة عمر. أقبل ضرار بن الأزور إلى النبي ﷺ وقد خلّف ألف بعير برُعاتها، فأخبره بما خلف وبُبُغضه للإسلام. ثم إن الله هداه وحبّب إليه الإسلام، وقال: يا رسول الله، إني قد قلت شعراً فاسمعه، فقال النبي ﷺ : هيه. قال: قلت: " المتقارب " تركتُ القداحَ وعزفَ القيان ... والخمر أشربُها والثمالا وشدَّ المحبَّرِ في غمرةٍ ... وكرّي على المسلمين القِتالا وقالت جميلة شتّتنا ... وبددت أهلي شتى شِلالا فيا رب بعني به جنّةً ... فقد بعتُ أهلي ومالي بدالا فقال رسول الله ﷺ : " وجب البيع ". مرتين أو ثلاثاً. فقتل يوم مسيلمة. وزاد في رواية أخرى: فيا رب لا أُغبّنَنْ صفقتي ... فقد بعتُ أهلي ومالي ابتدالا فقال النبي ﷺ : " ما غُبنت صفقتك يا ضرار ". وفي رواية: " ربح البيع، ربح البيع، ربح البيع ". بعث عمر بن الخطاب خالد بن الوليد في جيش. فبعث خالد ضرار بن الأزور في سرية في خيل، فأغاروا على حي من بني أسد. فأصابوا امرأة عروساً جميلة، فأعجبت ضراراً، فسالها أصحابّه، فأعطَوه إياها، فوقع عليها. فلما قفل ندم، وسُقط في يده. فلما رفع إلى خالد أخبره بالذي فعل، قال: خالد: فإني قد أجزتها لك وطيبتها. قال:

стр. 3795

لا، حتى تكتب بذلك إلى عمر، فكتب عمر أن ارضخه بالحجارة. فجاء كتاب عمر بن الخطاب وقد توفي، فقال: ما كان الله ليخزي ضرار بن الأزور. كتب أبو عبيدة إلى عمر أن نفراً من المسلمين أصابوا الشراب منهم ضرار وأبو جندل، فسألناهم فتأوّلوا وقالوا: خُيّرنا فاخترنا. قال: " فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُوْنَ " ولم يعزم. فكتب إليه عمر فذلك بيننا وبينهم: " فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُوْنَ " يعني: فانتهوا. وجمع الناس فاجتمعوا على أن يضربوا فيها ثمانين جلدة، ويضمنوا النفس. ومن تأوَّل عليها بمثل هذا، فإن أبي قتل، وقالوا: من تأول على ما فسر رسول الله ﷺ منه بالفعل والقتل. فكتب عمر إلى أبي عبيدة أن ادعُهم، فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم، وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين. فبعث إليهم، فسألهم على رؤوس الأشهاد، فقالو: حرام، فجلدهم ثمانين ثمانين، وحدَّ القوم، وندموا على لجاجتهم، وقال: ليحدُثَنَّ فيكم يا أهل الشام حادث، فحدثت الرمادة. قال الحكم بن عتيبة: لمّا كتب أبو عبيدة في أبي جندل وضرار بن الأزور جمع عمر الناس فاستشارهم في ذلك الحدث، فأجمعوا أن يحدّوا في شرب الخمر - والسكر من الأشربة - حدّ القاذف، وإن مات في حدٍّ من هذا الحدّ فعلى بيت المال ديته، لأنه شيء رأوه هم. فالعطاء: وقالوا - وجاشت الروم - دعونا نغزُهم، فإن قضى الله تعالى لنا بالشهادة فذاك، وإلا عمدت للذي تريد، فاستشهد ضرار بن الأزور في قوم، وبقي الآخرون فحُدّوا. قالوا: وقيل: قُتل ضرار بن الأزور يوم أجنادَين سنة ثلاث عشرة.

стр. 3796

ضرار بن الخطاب ابن مرداس بن كبير بن عمرو بن حبيب بن عمرو بن شيبان ابن محارب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، الفهري له صحبة. أسلم يوم فتح مكة، وشهد مع أبي عبيدة فتوح الشام. وكان ضرار يوم الفجار على بني محارب بن فهر، وكان أبو خطاب بن مرداس يأخذ المرباع. وهو الذي غزا بني سليم، وهو رئيس بن فهرز. وجده عمرو بن حبيب هو آكل السَّقْب. وذلك بأنه أغار على بني بكر، ولهم سَقْب يعبدونه، فأخذ السَّقب فأكله. وكان عمه حفص بن مرداس شريفاً. وكان ضرار بن الخطاب فارس قريش وشاعرهم، وحضر معهم المشاهد كلها، فكان يقاتل أشد القتال، ويحرض المشركين بشعره. وهو قتل عمرو بن معاذ أخا سعد بن معاذ يوم أحد. وقال حين قتله: لا تعدمَنّ رجلاً زوّجك من الحور العين. وكان يقول: زوجت عشرة من أصحاب محمد ﷺ . وأدرك عمر بن الخطاب فضربه بالقناة ثم رفعها عنه وقال: يا بن الخطاب، إنها نعمة مشكورة. والله ما كنت لأقتلك. وهو الذي نظر يوم أحد إلى خَلاء الجبل من الرماة فأعلم خالد بن الوليد، فكرّا جميعاً بمن معهما، حتى قتلوا من بقي من الرماة على الجُبَيل، ثم دخلوا عسكر المسلمين من ورائهم. وكان له ذكر بالخندق. ثم إن الله منّ عليهم بالإسلام. وسلم يوم فتح مكة، فحسن إسلامه. وكان يذكر ما كان فيه من مشاهدته القتال ومباشرته ذلك، ويترحم على الأنصار، ويذكر بلاءهم ومواطنهم وبذلهم أنفسهم لله من تلك المواطن الصالحة. وكان يقول: الحمد لله الذي أكرمنا بالإسلام، ومنّ علينا بمحمد ﷺ . قال الزبير بن بكار: لما بلغ دَوساً قتل هشام بن الوليد بن المغيرة أبا أزيهر وثبوا على من كان فيهم من قريش فقتلوه، وقتل بجير بن العوام. وكان الذي قتل بجير بن العوام صبيحُ بن سعد بن هانىء الدوسي جدّ أبي هريرة أبو أمه. وكان ضرار بن الخطاب المحاربي فيهم، فأجارته أم غيلان وابنها عوف، وهم موالي دوس. وكانت أم غيلان تمشط النساء. قال ضرار بن

стр. 3797

الخطاب: أدخلتني في درعها حتى وجدت تسبيد ركنها - يعني الشعر - فبذلك سميت أم غيلان إحدى الموفيات. وذكر البلاذري أنه لما وثبت دوس على ضرار بن الخطاب بن مرداس ليقتلوه بأبي أزيهر سعى حتى دخل بيت امرأة من الأزد يقال لها: أم جميل، وأتبعه رجل منهم ليضربه، فوقع ذباب السيف على الباب، وقامت في وجوههم فذبّتهم، ونادت قومها فمنعوه لها. فلما استخلف عمر بن الخطاب ظنت أنه أخوه، فأتت المدينة، فلما كلمته عرف القصة، فقال: لست بأخيه إلا في الإسلام. وهو غاز بالشام. وقد عرفنا منَتكْ عليه، فأعطاها على أنها بنت سبيل. وقيل: كان اسمها أم غيلان. وقال ضرار بن الخطاب من أبيات: " الطويل " جزى اللهُ عنا أمّ غيلانَ صالحاً ... ونسوتَها إذ هُنّ شعثّ عواطلُ فهن دفعنّ الموتَ بعدَ اقترابِهِ ... وقد برزت للثائرين المقاتلُ قال الضحاك بن عثمان: امترى مجلس من الأوس والخزرج أيّهم كان أحسن بلاءً يوم أحد، فمرّ بهم ضرار بن الخطاب فقالوا: هذا ضرار قد قاتلنا يومئذ، وهو عالم بما اختلفتما فيه، فأرسلوا إليه فتى منهم، فسأله: من كان أشجعَ يومَ أحدٍ: الأوس أم الخزرج؟ قال: لا، ما أدري ما أوسُكم من خزرجكم. ولكني زوجت يومئذ أحد عشر منكم من الحور العين. ولما التقى عبد الله بن جحش يوم أحد هو وضرار بن الخطاب، فلما عرفه ضرار قال: إليك يا بن جحش - وكان ضرار قد آلى ألا يقتل مضرياً - فقال له عبد الله بن جحش: ما كان دمك - يا عدو الله - أعجب إلي منه الآن حين جمعت كفراً وعصبية، فنادى ضرار: يا معشر قريش، اكفوني ابن جحش، فانتظموه برماحهم، وقال ضرار بن الخطاب لأبي بكر الصديق: نحن كنا خيراً لقريش منكم، نحن أدخلناهم الجنة، وأنت أدخلتموهم النار.

стр. 3798

قال السائب بن يزيد: بينا نحن مع عبد الرحمن بن عوف في طريق الحج، ونحن نؤمّ مكة اعتزل عبد الرحمن بن عوف الطريق، ثم قال لرباح بن المغترف: غنّنا يا أبا حسان - وكان يحسن النصب - فبينا رباح يغنيهم أدركهم عمر بن الخطاب في خلاته فقال: ما هذا؟! فقال عبد الرحمن: ما بأس بهذا، نلهو ونقصّر عنا سفرنا، فقال عمر: فإن كنت آخذاً فعليك بشعر ضرار بن الخطاب. ضرار بن ضَمْرة الكناني وفد على معاوية: قال أبو صالح: دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية فقال له: صف لي علياً، فقال: أو أعفيتني يا أمير المؤمنين؟ قال: لا أعفيك، فقال له: إذ لا بدّ فإنه كان - والله - بعيد المدى، شديد القوى، يقول فضلاً، ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يشتوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته. كان - والله - غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، ويعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما جشَبه. كان - والله - كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إلى سألناه، وكان مع تقربه إلينا وقربه منا لا نكلمه هيبة له. فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم. يعظّم أهل الدين، ويحبّ المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا يأيس الضعيفُ من عدله. فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، يتمثل في محراب قابضاً على لحيته، يتململ تملمُل السليم، ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه الآن وهو يقول: يا ربنا، يا ربنا، يتضرع إليه، ثم يقول للدنيا: إليَّ تعرضت أم لي تشوّفت؟ هيهات هيهات، غُرِّي غيري، قد بَتَتُّكِ ثلاثاً، فعمرك قصير، ومجلسك حقير، وخطرك يسير، آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة

стр. 3799

الطريق. فوكفت دموع معاوية على لحيته، ما يملِكها، وجعل ينشفها بكمه، وقد أختنق القوم بالبكاء، فقال: هكذا كان أبو الحسن ﵀، فكيف وجدك عليه يا ضرار؟ قال: وجَدُ من ذُبح أو حدُها في حجرها لا ترقأ دمعتها، ولا تسكن حسرتها. ثم قام فخرج. زاد في حديث آخر بمعناه قال: فقال معاوية: لكن أصحابي لو سئلوا عني بعد موتي ما أخبروا بشيء مثلِ هذا. ضمرة بن ربيعة أبو عبد الله القرشي من أهل دمشق. نزل الرملة. وهو مولى علي بن أبي حَمَلة، وهو مولى آل عتبة بن ربيعة. وقيل مولى غيره. حدث عن ميسرة بن معبد عن نافع عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : " ما اجتمع ثلاثة في حضر أو بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان ". وحدث عن الأوزاعي بسنده عن أبي ثعلبة الخشني أن النبي ﷺ قال: " كُلْ ما ردَّت عليك قوسك ". وحدث ضمرة عن سفيان بسنده عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: " من ملك ذا رحم فهو حرّ ". وأنكر أحمد هذا الحديث. وكان ضمرة من الثقات المأمونين. رجل صالح، مليح الحديث. لم يكن بالشام رجل يشبهه. توفي ضمرة بن ربيعة بالرملة سنة اثنتين وثمانين ومئة. وقيل: سنة اثنتين ومئتين.

стр. 3800

ضمرة بن يحيى الصوفي من دمشق. قال ضمرة بن يحيى الدمشقي: سمعت أبا بكر بن الأنباري يقول: كتب الفضل بن سهل إلى بعضهم: أحتج عليك بغالب القضاء، وأعتذر إليك بصدق النية. قال ضمرة بن يحيى: أنشدنا أبو بكر بن الأنباري لمروان بن أبي حفصة: " الكامل " عند الملوكِ منافعٌ ومضرَّةٌ ... وأرى البرامك لا تضرّ وتنفعُ إن كان شراً كان غيرهُمُ لهُ ... والخير منسوبٌ إليهم أجمعُ وإذا جهلتَ من امرىء أعراقَه ... وأمورَه فانظُر إلى ما يصنعُ ضمضم بن زرعة قيل إنه ابن ثوب فإن كان أبوه زرعة بن ثوب فهو دمشقي مَقراني. قال الحافظ: وعندي أن ضمضماً حضرمي، من أهل حمص. حدث عن شريح بن عبيد عن أبي أمامة الباهلي وغيره من الصحابة عن رسول الله ﷺ قال: إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم. وحدث عن شريح بن عبيد عن كثير بن مُرّة عن عتبة بن عبد السلمي أن النبي ﷺ قال: الخلافة في قريش، والحكم في الأنصار، والدعوة في الحبشة، والجهاد والهجرة في المسلمين والمهاجرين بَعد. أسماء الرجال على

стр. 3801

حرف الطاء المهملة طارق بن شهاب بن عبد شمس أبن سلمة بن هلال بن عوف بن جُشَم بن نقر ابن عمرو بن لؤي بن رُهم بن معاوية بن أسلم بن أحمس أبو عبد الله الأحمسي البجلي الكوفي رأى النبي ﷺ . وغزا في خلافة أبي بكر ﵁. حدث طارق بن شهاب أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ وقد وضع رجله في الغرز: أي الجهاد أفضل؟ قال: " كلمة حقّ عند سلطان جائر ". وعن طارق عن شهاب قال: قال النبي ﷺ : " عليكم بألبان الإبل والبقر، فإنها تَرُمّ من الشجر كله. وهو دواء من كل داء ". وعن طارق بن شهاب بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ : " ما أنزل الله داء إلا وله دواء. فعليكم بألبان البقر، فإنها تَرُمّ من كل الشجر ". قال طارق بن شهاب: قدم وفد نجيلة على النبي ﷺ فقال: " ابدؤوا بالأحمسين ". ودعَا لنا. قال طارق بن شهاب: أتانا كتاب عمر لما وقع الوباء بالشام. فكتب عمر إلى أبي عبيدة أنه قد عرضت لي

стр. 3802

إليك حاجة لا غنى لي عنها، فقال أبو عبيدة: يرحم الله أمير المؤمنين، يريد بقاء قوم ليسوا بباقين. قال: ثم كتب إليه أبو عبيدة: إن في جيش من جيوش المسلمين لست أرغب بنفسي. فلما قرأ الكتاب استرجع، فقال الناس: مات أبوعبيدة؟ قال: لا، وكأن. وكتب إليه بالعزيمة: فاظهر من أرض الأردن، فإنها عَمْقة وَبِئَة إلى أرض الجابية، فإنها نزهة، ندية. فلما أتاه الكتاب بالعزيمة أمر مناديه: أذّن في الناس بالرحيل. فلما قُدّم إليه ليركب وضع رجله في الغرز ثم ثنى رجله، فقال: ما أرى داءكم إلا قد أصابني. قال: ومات أبو عبيدة، ورُفع الوباء عن الناس. توفي طارق سنة اثنتين وثمانين وقيل ثلاث وثمانين. وقيل: أربع وثمانين. وقيل: توفي زمن الحجاج أيام الجماجم. وقيل: توفي سنة ثلاث وعشرين ومئة. طارق بن عمرو مولى عثمان بن عفان وجَهه عبد الملك بن مروان من الشام، فغلب له على المدينة سنة ثلاث وسبعين. حدث سليمان بن يسار أن طارقاً قضى بالعُمْرى للوارث عن قول جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ . طالوت ملك بني إسرائيل واسمه بالسريانية شاول بن قيس بن أمال بن ضرار بن يحرب بن أفيح بن أسن بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. وقيل: اسمه شارك. وإنما سمي طالوت

стр. 3803

لطوله. وهو الذي ذكر الله قصته في القرآن العزيز، ومحاربته لجالوت. وكان داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام زوجَ ابنته. وعن قتادة في قوله ﵎: " إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيْكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَنْ لم يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي " قال: هو نهر بين الأردن وفلسطين " إِلا مَنْ أغَتَرفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ " قال: كان الكفار يشربون فلا يروون. وكان المسلمين يغترفون غرفة فتجزيهم ذلك. وعن ابن عباس في قوله : أَلَمْ تَرَ إِلى المَلأَ مِنْ بَنِيْ إِسرَائيْلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لنَبِيٍّ لَهُمْ " يعني ألم تخبر يا محمد عن الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم: أشمويل " ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقَاتِلْ في سَبِيْلِ اللهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا وَمَالَنا ألا نُقَاتِلَ في سَبيْلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَنْبَائِنا " يعني أخرجتنا العمالقة. وكان رأس العمالقة يومئذ جالوت. فلما كتب الله عليهم القتال تولُّوا إلا قليلاً منهم. فسأل نبيُّهم اللهَ أن يبعث لهم ملكاً. قال كعب: بعث الله لهم طالوت، ملكاً، راعي حمير. وكان فقيراً ليس له مال. وخرج من قريته يطلب حمارين له أضلهما. فلما أدركه الليل، ولم يجدهما، وتمادى به الطلب، فدخل مدينة بني إسرائيل، واضطره الجوع، فأوى إلى اشمويل، وكان مأوى المساكين، فأوحى الله تعالى لى أشمويل أني قد بعثت إليك هذا الذي ينشُد الحمار ملكاً على بني إسرائيل، فإذا أصبحت فقس طوله بقصبة، ثم ادفعها إلى بني إسرائيل فقل لهم: إن الله قد بعث لكما ملكاً طوله هذه القصبة، فاطلبوه حيثما كان من أسباط بني إسرائيل، فهو

стр. 3804

عليكم. وكان طول القصبة ثماني أذرع. فلما دفعها إليهم، فلم يُعَذِّروا في الطلب، ولم يبالغوا، وقالوا لنبيهم: لم نجد هذا، فقال لهم نبيهم: هو طالوت صاحب الحمار، فقالوا: أين هو؟ قال: عهدي به البارحة. فلما وجدوه قاسوه بالصقبة، فكان قدرها، فقالوا له: من أي سبط أنت؟ قال: من سبط يامين، فنفروا من ذلك وكرهوه. وقيل: إنا سألوا ذلك أنهم كانوا في مدينة لهم قد بارك الله لهم في مكانهم، لا يدخله عليهم عدو، ولا يحتاجون إلى غيره. قال: كان أحدهم يجمع التراب على صخرة، ثم ينبذ فيه الحب، فيُخرج الله منه ما يأكل سَنَتَه هو وعياله، ويكون لأحدهم محارم الله ، وجاروا في الحكم نزل بهم عدوهم فخرجوا إليهم، وأخرجوا التابوت، وكان يكون التابوت أمامهم في القتال، فقدموا التابوت، فسُبي التابوت، وكان عليه ملك يقال له إيلاف، فأخبر الملك أن التابوت قد سبي واستلب، فمالت عنقه فمات كمداً عليه، فمرَجَت أمروهم، وظهر عدوهم، وأصيب من أبنائهم ونسائهم فعند ذلك قالوا: " ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيْلِ اللهِ " فسأل الله لهم نبيُّهم أن يبعث لهم ملكاً، فأوحى الله إليه أن أنظر الفرن الذي في بيتك، فيه الدهن؛ فإذا دخل عليك رجل فنشّ الدهن الذي في الفرن، فإنه ملك بني إسرائيل، فادهن رأسه منه، وملّكه عليهم، فجعل ينظر مَن ذلك الرجل الداخل عليه؟ وكان طالوت رجلاً دباغاً من سبط ابن يامين، وكان سبط ابن يامين لم يكن فيه نبوّة، ولا ملك، فخرج طالوت يطلب حماراً مع غلام له، فمرّ ببيت اشمويل النبي صلى الله على نبينا وعليه سلم. فدخل عليه مع غلامه، فذكر له أمر حماره إذ نشّ الدهن في الفرن، فقام إليه النبي ﷺ فأخذه، ثم قال لطالوت: قرِّب رأسك فقرّبه، فدهنه، فقال: يا منشد الحمار، هذا خير لك مما تطلب، أنت ملك بني إسرائيل الذي مرني " ربي " أن أملكه عليهم. وكان اسم طالوت بالسريانية شارك، وخرج من عنده، فقال الناس: ملَك طالوت. فأتى عظماءُ بني إسرائيل النبيَّ ﷺ فقالوا له: ما شأن طالوت يملك علينا، وليس من بيت النبوّة ولا المملكة، وقد عرفت أن الملك

стр. 3805

والنبوة في آل لاوي وآل يهوذا؟! قال: " إِنَّ اللهُ اصْطَفَاه عَلَيْكُمْ " للذي سبق له أن يملككم " وَزَادَهُ بَسْطَةً فِيْ العِلْمِ وَالْجِسْمِ " فيه تقديم، يعني: في الجسم والعلم. كان أطولهم بسطة رِجل - وقال الحسن: لم يكن بأعلمهم، ولكن كان أعلمهم بالحرب، فذلك قوله: في العلم، إنه كان مجرباً: " واللهُ يُؤتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ " يعني الملك بيد الله يضعه الله حيث يشاء. ليس لكم أن تخيّروا. وكان طالوت رجلاً فقيراً مغموراً فيهم بالدَّين، فمن ذلك قالوا: " وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المَالِ " وكيف يكون له الملك علينا وهو مغمور بالدين؟! قالوا: ما آية ذلك تُعرّفه أنه ملك؟ قال: آيته أن يتيكم التابوت. فقالوا: إن ردّ علينا التابوت فقد رضينا وسلمنا. وكان الذين أصابوا التابوت أسفل من جبل إيلياء، فما بينهم وبين مصر، وكانوا أصحاب أوثان، وكان فيهم جالوت. وكان له جسم وخَلق وقوة في البطش، وشدة في الحرب. فلما وقع التابُوت في أيديهم جعلوا التابوت في قرية من قرى فلسطين، فوضعوه في بيت أصنامهم، فأصبحت أصنامهم منكوسة. وكان لهم صنم، كبير أصنامهم، من ذهب، وله حدقتان من ياقوتتين حمراوين، فخرّ ذلك الصنم ساجداً للتابوت، وانحدرت حدقتاه على وجنتيه يسيل منها الماء. فلما دخلت سدنة بيت أصنامهم ورأوا ذلك نتفوا شعورهم، ومزقوا جيوبهم، وأخبروا ملكهم. وسلط الله الفأر على أهل تلك القرية، فتجيء الفأرة إلى الرجل وهو نائم فتأكل جوفه، وتخرج من دبره، حتى طافت عليهم فماتوا، فقالوا: ما أصابنا هذا إلا في سبب هذا التابوت، فأرادوا حرقه، فلم تحرقه النار، وأرادوا كسره، فلم يحكّ فيه الحديد، فقالوا: أخرجوه عنكم، فوضعُوه على ثورين على عجلة فسيّبوه فساقته الملائكة إليهم. وقال قتادة في قوله: " وقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ " إن نبيهم الذي كان بعد موسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم: يوشع بن نون، وهو أحد الرجلين اللذين أنعم الله عليهما. قال: وأحسبه هو فتى موسى.

стр. 3806

وقيل: كان طالوت سقاء، يبيع الماء. رواه عمران عن عكرمة، ولم يُدر مَن عمران هذا الراوي. قال ابن عباس: وضعوه على عجل حولي ثم سيَّبوه فساقته الملائكة حتى أدخلوه محلة بني إسرائيل فذلك قوله: " أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ " إلى قوله: " تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةْ " فكان في التابوت " سَكِيْنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ " قال: أما البقية فرُضاض الألواح، وعصا موسى، وعمامة هارون، وقَباء هارون الذي كان فيه علامات الأسياط في الغلول. وكان فيه طست من ذهب، فيه صاع من مَنّ الجنة، وكان يفطر عليه يعقوب. وأما السكينة فكان مثل رأس هرة من زبرجدة خضراء. وقيل: إن الألواح التي كتب الله لموسى فيها التوراة، ثم أعطاه إياها، كانت الألواح من زبرجد. فلما ألقى موسى الألواح، وأخذ براس أخيه كان موسى حزناً ألا يلقى الألواح التي أعطاه الله بيده، فنسخ الألواح من جبل الطور، والبقية التي قال الله: كسر من الألواح من جبل الطور. وقيل: السكينة: ريح هفافة، لها وجه كوجه الإنسان. وقيل: السكينة: لها وجه كوجه الهرة، ولها جناحان. وقيل: لها جناحان وذنب مثل ذنب الهرّة. وقيل: كانت هرة، رأسها من زمردة، وظهرها من درّ، وبطنها من ياقوت وذنبها وقوائمها من لؤلؤ. فإذا أرادوا القتال قدّموا التابوت، ثم تكون أعلامهم وراياتهم خلف التابوت. وهم وقوف خلف ذلك ينتظرون تحريك التابوت، فتصيح الهرة فيسمعون صراخاً كصراخ الهرة، فتخرج من التابوت ريح هفافة، فترفع التابوت بين السماء والأرض، ويخرج منها لسانان: ظلمة ونور، فتضيء على المسلمين وتظلم على الكفار، فيُقاتل القوم وينصرون.

стр. 3807

فلما رأوا التابوت قد ردّ عليهم أقرّوا لطالوت بالملك، واستوسقوا له على التابوت، فخرج بهم طالوت وجدّوا في حرب عدوهم، ولم يتخلف عنه إلا كبير وضرير ومعذور ورجل في ضيعة لابد له من التخلف، فقالوا لنبيهم: إن الجباب والآبار لا تحملنا، فادع الله لنا أن يُجري لنا نهراً، فدعا ربه، فأجرى لهم نهراً من الأردن، فقال لهم نبيهم أشمويل: اعلموا أن الله " مُبْتَلِيْكُمْ بِنَهرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ " فاقتحم فيه " فَلَيْسَ مِنِّي ". وقال لطالوت: ليس ممن يقاتل معك، فرُدّهم عنك؛ " وضمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي " يُقاتل معك. فامض بهم. فذلك قوله : " إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ " وكانت الغرفة للرجل ودوابَه وعياله تملأ قربته. قال: " فَشَرِبُوُا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ ". قال ابن عباس: كانوا مئة ألف وثلاثة آلاف وثلاث مئة عشر رجلاً. فشربوا منه كلهم إلا ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلاً عدة أصحاب النبي ﷺ يوم بدر. قال: فردهم طالوت، ومضى في ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلاً. فلما جاوز النهر - يعني طالوت - والذين لبثوا معه. قالوا: " لاَ طَاقَةَ لَنَا اليَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قاَلَ الّذِيْنَ يَظُنُّوْنَ أَنَّهُم مُلاَقُوا اللهِ " يعني يؤمنون ويوقنون بالبعث " كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيْلَةٍ غَلَبَتْ كثِيْرَةً بِإِذْنِ اللهِ واللهُ معَ الصَّابِرِينَ " وكان أشمويل النبي ﷺ دفع إلى طالوت درعاً، فقال له: من استوى هذا الدرعُ عليه فإنه يقتل جالوت بإذن الله ، ونادى منادي طالوت: مَن قتل جالوت زوجته ابنتي، وله نصف ملكي ومالي. وكان إخوة داود معه، وهم أربعة إخوة، وكان إيشا أبو داود حبس داود عنده، وسرح ثلاثة إخوةِ داود مع طالوت. وكان الأمر الله سبب هذا الأمر على يدي داود ابن إيشا. وهو من ولد حصرون بن قانص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم على نبينا وعليهم الصلاة والسلام. قال أبو أيوب الأنصاري: قال لنا رسول الله ﷺ ونحن بالمدينة: هل لكم أن نخرج فنلقى هذه العير، لعل الله يغنمنا؟ قلنا: نعم، فخرجنا.

стр. 3808

فلما سرنا يوماً أو يومين أمرنا رسول الله ﷺ أن نتعادّ، فإذا نحن ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلاً، فأخبرنا النبي ﷺ بعدتنا، فسُرّ بذلك، وحمد الله، وقال: عدة اصحاب طالوت. وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ خرج يوم بدر بثلاث مئة وخمسة عشر من المقاتلة، كما خرج طالوت، فدعا لهم حين خرج: اللهم، إنهم حفاة فاحملوهم، اللهم، إنهم عراة فاكسُهم، اللهم، إنهم جياع فأطعمهم. ففتح الله يوم بدر، فانقلبوا حين انقلبوا، وما منهم رجل إلا بجمل أو جملين، واكتسَوا وشبعوا. قال وهب بن منبه: لما تقدم داود أدخل يده في مخلاته، فإذا تلك الحجارة الثلاثة صارت حجراً واحداً. قال: فأخرجه، فوضعه في مقلاعه، وأوحى الله إلى الملائكة أن أعينوا عبدي داود، وانصروه. قال: فتقدم داود وكبّر. قال: فأجابه الخلق غير الثقلين: الملائكةُ وحملَةُ العرش فمن دونهم، فسمع جالوت وجنده شيئاً ظنوا أن الله قد حشر عليهم أهلّ الدنيا، وهبت ريح، وأظلمت علهيم، وألقت بيضة جالوت، وقذف داود الحجر في مقلاعه، ثم أرسله، فصار الحجر ثلاثة، فأصاب أحدها جبهة جالوت، فنفذها منه فألقاه قتيلاً، وذهب الحجر، فأصاب ميمنة جند جالوت، فهزمهم، والثالث أصاب الميسرة، فهزمهم. وظنوا أن الجبال قد خرّت عليهم، فولُّوا مدبرين، وقتل بعضهم بعضاً. ومنح الله بني إسرائيل أكتافهم حتى أبادوهم، وانصرف طالوت ببني إسرائيل مظفراً، قد نصرهم الله على عدوهم، فزوج ابنته من داود، وقاسمه نصف ماله. وكان لا يرى رأيه، فاجتمعت بنو إسرائيل فقالوا: نخلع طالوت، ونجعل علينا داود، فإنه من آل يهوذا، وهو أحق بالملك من هذا. فلما أحسّ طالوت بذلك وخاف على ملكه أراد أن يغتال داود فيقتله، فأشار عليه بعض وزرائه أنك لا تقدر على قتله إلا أن تساعدك ابنتك، فدخل طالوت على ابنته فقال لها: يا بُنّيَّة، إني أريد أمراً أحب أن تساعديني عليه. قالت: وما ذاك يا أبه؟ قال: إني أريد أ، أقتل داود، فإنه قد فرّق عليّ الناس، واختلفوا، فقالت: يا أبه، زعمت أنك تريد أن تقتل داود لما قد أفسد عليك، وأعلم أن داود رجل له

стр. 3809

صولة. شديد الغضب. فلستُ آمن عليك إن لم تستطع قتله إن ظفر بك قتلك، فإذا أنت قد لقيت الله تعالى قاتلاً لنفسك، مستحلاً لدم داود، وعجباً منك ومما أعرف من حِلمك وسداد رأيك، كيف أسلماك إلى هذا الرأي القصير، وهذه الحيلة الضعيفة بالتقدم على داود، وأنت تعلم أنه أشد أهل الأرض نفساً، وأبسله عند الموت، فقال طالوت: إني لأسمع قول امرأة مفتونة بزوج قد منعتها الفتنة وحبّها إياه أن تقبل عن أبيها وتناصحه، وأعلمي أني لم أدعُكِ إلى ما دعوتك إليه من أمر داود إلا وقد عرفت أني لم أنظر فيه نظر مثلي، وقد وطنت نفسي على قطع صهره، إما أن أقتلك وإما أن تقتليه. قالت: فأمهلني حتى إذا وجدت فرصة أعلمتك. وعن ابن عباس أنها انطلقت فاتخذت زقاً على صورة داود ثم ملأته خمراً، ثم طيبته بالمسك والعنبر وأنواع الطيب، ثم أضجعت الزق على سرير داود ولَحَفَته بلحاف داود، وأفشت إلى داود ذلك، وأدخلت داود المخدع، وعلمت أن أباها سيندم على قتله إن قتله. قال فأعلمت طالوت، فقالت: هلم إلى داود فاقتله. قال: فجاء طالوت حتى دخل البيت، ومعه السيف، فقالت: هو ذاك، فشأنك وشأنه. قال: فوضع السيف على قلبه ثم اتكأ عليه حتى أنفذه، فانتضح الخمر ونفخ منه ريح المسك والطيب. قال: يا داود ما أطيبك ميتاً، وكنت أطيب وأنت حيّ، وكنت طاهراً نقياً، وندم فبكى، فأخذ السيف، فأهوى به إلى نفسه ليقتلها، فاحتضنته ابنته، فقالت له: يا أبه، مالك قد ظفرت بعدوك وقتلته، وأراحك الله ، وصفا لك الملك. قال: يا بنيّة، قد علمت أن الحسد والبغي حملاني على قتله، فصرت من أهل النار، وإن بني إسرائيل لا يرضون بذلك، فأنا قاتل نفسي. قالت: يا أبه، أفكان يسرّك أنك لم تكن قتلته؟ قال: نعم، فأخرجت داود من البيت، فقالت: يا أبه، إنك لم تقتله، وهذا داود وقال داود: قد علمت أن الشيطان قد زين لك هذا، وندم طالوت. قال مكحول: زعم أهل الكتاب الأُول أن طالوت طلب التوبة إلى الله، وجعل يلتمس التنصل من ذلك الذنب إلى الله ، وأنه أتى عجوزاً من عجائز بني إسرائيل كانت تحسن الأسم الذي يُدعى الله به فيُجيب، فقال لها: إني قد أخطأت خطيئة لا يُخبرني عن

стр. 3810

كفارتها إلا اليسع، فهل أنت منطلقة إلى قبره، فتدعين الله فيبعثه حتى أسأله عن خطيئتي ما كفارتها؟ قالت: نعم. فانطلق بها إلى قبره، فقال لها: هذا قبره، فقالت له: انظر، إياك أن تخطئه، ما كانت علامته حين دفن؟ قال: دُفن وفي يده سواران من ذهب. قال: فصلت ركعتين ثم دعت الله، فخرج إليه اليسع، فقال: يا طالوت، ما بلغت خطيئتك أن أخرجتني من مضجعي الذي أنا فيه؟؟ قال: يا نبي الله، ضاق علي أمري فلم يكن لي بدّ من مسألتك عنه. قال: كفارة خطيئتك أن تجاهد بنفسك، وأهل بيتك حتى لا يبقى منكم أحد. ثم رجع اليسع إلى مضجعه، وفعل طالوت ذلك حتى قتل هو وأهل بيته، فاجتمت بنو إسرائيل إلى داود، وآتاه الله الزبور، وعلمه صنعة الدروع، وأمر له الجبال والطير يسبّحن معه إذا سبّح. قال الطبري: زعم أهل التوراة أن مدة ملك طالوت من أولها إلى أن قتل في الحرب مع ولده كانت أربعين سنة. طاهر بن أحمد بن علي ابن محمود. أبو الحسين المحمودي القايني الفقيه الشافعي سكن دمشق. حدث عن أبي الفضل منصور بن نصر بن عبد الرحيم بن مت بن بجير الكاغدي السمرقندي بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، أَوَلاً أدلكم علي شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم ". توفي طاهر بن أحمد وهو راجع من الحجاز في سنة ثلاث وستين وأربع مئة.

стр. 3811

طاهر بن سهل بن بشر بن أحمد ابن سعيد. أبو محمد بن أبي الفرج الأسفراييني الصائغ حدث عن أبي الحسين محمد بن مكي بسنده عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إن شرّ الناس ذو الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه ". توفي سنة إحدى وثلاثين وخمس مئة. وكان مولده سنة خمسين وأربع مئة. طاهر بن عبد السلام الدرجي حدث عن أبيه عن أشياخه أنهم لما فتحوا دمشق في أيام عمر بن الخطاب ﵁ وجدوا حجراً في جيرون مكتوباً عليه باليونانية. قال: فبعثوا إلى النصارى فلم يقرؤوه، وإلى اليهود فلم يقرؤوه، فجاؤوا برجل يوناني يقرؤه فإذا فيه مكتوب: دمشق جبارة، لا يهمّ بها جبار إلا قصمه الله. الجبابرة تبني، والقرود تخرب، والآخر شرّ، الآخر شرّ إلى يوم القيامة. طاهر بن علي بن عبدوس أبو الطيب، مولى بني هاشم الطبراني القطان القاضي حدث عن عصام بن روّاد بن الجراح بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا فرغ أحدكم من التشهد فليتعوذ من هذه الأربع: من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال ". كذا قال، وسقط منه واحد. وجاء من طريق غير هذه بزيادة: عذاب جهنم. وحدث طاهر بن علي بالطبرية عن نوح بن حبيب قال: سمعت الشافعي يقول كلاماً، ما سمعت قط أحسن منه، سمعته يقول: قال إبراهيم خليل الله صلوات الله على نبينا وعليه لولده في وقتِ ما قصّ عليه ما رأى: " مَاذَا

стр. 3812

تَرَى " أي ماذا تُشير به؟ ليَستخرج بهذه اللفظة منه ذكر التفويض والصبر، والتسليم والانقياد لأمر الله لا لمؤامراته له مع أمر الله فقال: " يا أبَتِ افعَلْ ما تؤمَرُ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ " قال الشافعي: والتفويض هو الصبر، والتسليم هو الصبر، والانقياد هو ملاك الصبر، فجمع له الذبيح جميع ما ابتغاه في هذه اللفظة اليسيرة. توفي طاهر بن علي سنة سبع عشرة وثلاث مئة. طاهر بن محمد بن الحكم أبو العباس التميمي البزار المعلم إمام مسجد سوق الأحد. حدث عن هشام بن عمار بسنده عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا ينجي أحداً عمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة، فسدِّدوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيئاً من القصد تبلغوا ". وحدث عنه بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ لكاتبه: " إذا كتبت فضع قلمك على أذنك، فإنه أذكر لك ". توفي طاهر في سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة. طاهر بن محمد بن سلامة بن جعفر أبو الفضل بن القاضي أبي عبد الله القضاعي المصري قدم دمشق رسولاً إلى القسطنطينية.

стр. 3813

حدث عن القاضي أبو مطر علي بن عبد الله بن الحسن بن أبي مطر الاسكندراني بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " من كثر ضحكه استخف بحقه، ومن كثرت دعابته ذهبت جلالته، ومن كثر مزاحه ذهب وقاره، ومن شرب الماء على الريق ذهب بنصف قوته، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت خطاياه، ومن كثرت خطاياه كان النار أولى به ". قال الحافظ: غريب الإسناد والمتن. طاهر بن محمد بن أبي القاسم ابن كاكويه. أبو القاسم المروروذي الفقيه الواعظ، والد أبي محمد بن زينة قدم الشام. وحدث عن أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " بادروا بالأعمال الصالحة فتناً كقطع الليل المظلم، ويصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً. ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعَرَض من الدنيا ". توفي طاهر سنة ثلاث وستين وأربع مئة. طاهر بن محمد البكري الضرير حدث عن أبي علي الحسن بن حبيب الدمشقي عن الربيع بن سليمان قال: كنت عند الشافعي فأتته رقعة من الصعيد فيها مسألة: ما يقول الشيخ في قوله الله تعالى: " كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لمَحْجُوبُونَ "؟ قال الشافعي: إذا حجب الكفار بالسخط دليل أن المؤمن غير محجوب في الرضا.

стр. 3814

طراد بن الحسين بن حمدان أبو فراس الأمير حدث عن أبي عبد الله الحسين بن عبد الله بن محمد بن أبي كامل بسنده عن أبي هريرة قال: بَصَرُ عينيّ هاتين وسَمْعُ أذنيّ رسولَ الله ﷺ أخذ بيد الحسن أو الحسين وهو يقول: ترَقَّ، عين بقة. قال: فوضع الغلام قدميه على قدم رسول الله ﷺ فيرفعه إلى صدره. قال: ويقول له: افتح. قال: فيرفع فاه فيقبّله النبي ﷺ ثم قال: اللهم، إن أحبّه فأحبّه. وحدث عنه أيضاً بسنده عن علي ﵇ أن جبريل أتى النبي ﷺ فوافقه مغتماً، فقال: يا محمد، ما هذا الغمّ الذي أراه في وجهك؟! قال: الحسن والحسين أصابتهما عين. قال: صدّق العين، فإن العين حقّ، أفلا عوّذتهما بهؤلاء الكلمات؟ قال: وما هنّ يا جبريل؟ قال: قل: اللهم، ذا السلطان العظيم، ذا المنّ المن القديم. ذا الوجه الكريم ولي الكلمات القامات والدعوات المسقابات عافِ الحسن والحسين من أنفس الجن وأعين الإنس. فقالها النبي ﷺ فقاما يلعبان بين يديه. فقال النبي ﷺ : عوذوا أنفسكم ونساءكم وأولادكم بهذا التعويذ، فإنه لم يتعوّذ المتعوذون بمثله. طرفة بن أحمد بن محمد بن طرفة ابن الكميت. أبو صالح الحرستاني الماسح حدث عن عبد الوهاب الكلابي بسنده عن محمود بن الربيع قال: عقلتُ مجّة مجّها رسول الله ﷺ في وهي من دلو معلّقة في دارنا. قال محمد: فحدثني عتبان بن مالك قال: قلت: يا رسول الله، إن بصري قد ساء وإن الأمطار إذا اشتدت، وسال الوادي

стр. 3815

حال بيني وبين الصلاة في مسجد قومي. فلو صليتَ في منزلي مكاناً أتخذه مصلّى؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : نعم. فغدا علي رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر، فاستأذنا فأذنت لهما، فما جلس حتى قال: أين تحب أن تصلي من منزلك؟ فأشرت له إلى ناحية، فتقدم رسول الله ﷺ فصففنا خلفه فصلى، وحبَسْنا رسول الله ﷺ على خزيرة صنعناها له. توفي طرفة بن أحمد سنة خمس وأربعين وأربع مئة. طُرَيح بن إسماعيل بن سعيد ابن عبيد بن أَسِيد بن عمرو بن عِلاج بن أبي سلمة بن عبد العزى بن نحِيرَة بن عوف بن قسيّ وهو ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازان، أبو الصلت ويقال: أبو إسماعيل الثقفي الطائفي شاعر، حسن الشعر، بديع النظم، من شعراء بني أمية. وفد على الوليد بن يزيد، إذ كان ولي عهد في حياة هشام لأجل خؤولته، فإن أم الوليد ثقفية. وأقام عنده إلى أن صار الأمر إليه، واستفرغ شعره في مديحه، وبقي إلى أول الدولة العباسية، ومدح السفاح والمنصور. قال طريح: خصصت بالوليد حتى صرت أخلوا معه، فقلت له ذات يوم ونحن في مشرقة: يا أمير المؤمنين، خالك يحب أن تعلم شيئاً من خلقه. قال: وما هو؟ قلت: لم أشرب شراباً ممزوجاً قط إلا من لبن أو عسل. قال: قد عرفت ذلك، ولم يباعدك من قلبي. قال: ودخلت يوماً إليه وعنده الأمويون فقال: إليّ يا خال، فأقعدني إلى جنبه، ثم أتى

стр. 3816

بشراب فشرب، ثم ناولني القدح، فقلت: يا أمير المؤمنينَ، قد أعلمتك رأيي في الشراب. قال: ليس لذلك أعطيتك، إنما دفعته إليك لتناوله الغلام، وغضب، فرفع القوم أيديهم، كأن صاعقة وقعت على الخِوان، فذهبت أقوم فقال: اقعد. فلما خلا البيت افترى عليّ ثم قال: يا عاضّ كذا وكذا، أردت أن تفضحني؟! لولا أنك خالي لضربتك ألف سوط، ثم نهى الحاجب عن إدخالي، وقطع عني أرزاقي، فمكثت ما شاء الله، ثم دخلت عليه يوماً متنكراً، فلم يشعر إلا وأنا بين يديه وأنا أقول من أبيات: " البسيط " يا بن الخلائفِ ما لي بعدَ تقربةٍ ... إليك أُقصى وفي حالَيْك لي عجبُ كأنني لم يكن بيني وبينكُم ... إلٌّ ولا خُلّة تُرعى ولا نسبُ قد كان بالودّ قِدْماً منك أزلفني ... بقربك الودّ والإشفاق والحدّبُ وكنتُ دونَ رجالٍ قد جعلتهم ... دوني إذا ما رأوني مقبلاً كذبوا إن يسمعوا لخير يخفوه وإن سمعوا ... شراً أذاعوا وإن لم يسمَعوا كذبوا قال: فتبسم، وأمرني بالجلوس، ورجع لي، وقال: إياك أن تعاود. منها: أين الذمامةُ والحقُّ الذي نزلَت ... بحفظِه وبتعظيم له الكتبُ؟ وحَوْكي الشعرَ أُصفيه وأنظِمه ... نظمَ القلائد فيها الدُرّ والذهبُ وإن سُخطَك شيء لم أناجِ به ... نفساً ولم يك مما كنتُ أحتسبُ لكن أتاك بقولٍ آثمٍ كذبٍ ... قومٌ بغَوني فنالوا فيّ ما طلبوا وهي طويلة. وقيل في سبب غضبته على طريح غير هذا. ومن شعره في الوليد: " المنسرح " أنت ابنُ مُسْلَنطحِ البطاحِ ولم ... تُطرقْ عليكَ الحُنيُّ والوُلُجُ

стр. 3817

لو قلتَ للسيل دَعْ طريقك وال ... موجُ عليه كالهَضْبِ يعتلجُ لارتدّ أوساخ أو لكانَ لهُ ... في سائرِ الأرضِ عنكَ مُنعرجُ طوبى لفرعَيْك من هنا وهنا ... طوبى لأعراقِك التي تشجُ أراد فرعه من قبل أبيه، وهم بنو أمية، وفرعه من قبل أمه، وهم ثقيف. دخل طُريح على المهدي، فانتسب له، وسأله أن يسمع، فقال: ألست الذي يقول للوليد بن يزيد: أنت ابن مسلنطح البطاح ولم ... تطرق عليك الحني والولج والله لا تقول في مثل هذا، ولا أسمع منك شعراً، وإن شئت وصلتُك. ومن شعر طُريح: " الكامل " والمالُ جُنّةُ ذي المعايب إن يُصب ... يُحمَدْ وإن يدع الطريقة يُعذرِ والمرء يُحمدُ إن يصادف حظّه ... قدرٌ ويعذلُ في الذي لم يقدرِ والناسُ أعداءُ لكلّ مُدفَّع ... صفر اليدين وإخوة للمكثرِ وإذا امرؤ في الناس لم يك عارفاً ... بالعُرف لم يكن منكراً للمنكرِ ومن شعره: " الطويل " سعيتُ ابتغاءَ الشكرِ فيما صنعت بي ... فقصّرت مغلوباً وإني لشاكر لأنكَ تعطيني الجزيلَ بداهةً ... وأنت لما استكثرتُ من ذاك حاقرُ الطفيل بن عمرو بن حَمَمة وقيل: الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سُليم ابن فهم بن غنم بن دوس، وقيل طفيل بن الحارث وقيل: طفيل بن ذي النور الدوسي له صحبة، وكان سيداً في قومه. قتل بأجنادين، وقيل: باليرموك، وقيل: باليمامة.

стр. 3818

قال الطفيل بن عمرو: أقرأني أُبيّ بن كعب القرآن، فأهديت له قوساً، فغدا إلى النبي ﷺ متقلدها، فقال له النبي ﷺ : من سلّحك هذه القوس يا أبيّ؟ قال: الطفيل بن عمرو الدوسي. أقرأته القرآن، فقال له رسول الله ﷺ : تقلده شلوة من جهنم. فقال: يا رسول الله، إنا نأكل من طعامهم. فقال: أما طعامٌ صنع لغيرك فحضرته فلا بأس أن تأكله، وأمّا ما صُنع لك فإنك إن أكلته فإنما تأكل بخلاقك. أسلم الطفيل بن عمرو بمكة، وكان يسمى ذا القطنتين. قيل: كان يجعل في أذنيه قطنتين لئلا يسمع كلام النبي ﷺ ورجع إلى بلاد قومه، ووافى النبي ﷺ في عمرة القضية وفي الفتح. وقدم المدينة في خلافة أبي بكر ﵁. فخرج إلى اليمامة فقتل بها سنة ثنتي عشرة. وقيل: إنه قدم على النبي ﷺ وهو بخيبر مع أبي هريرة. وكان حممة بن رافع بن الحارث الدوسي من أجمل العرب وكانت له حُمّة يقال لها: الرطبة، كان يغسلها بالماء ثم يعقِصها وقد احتقن فيها الماء. فإذا مضى لها يوم رجَّلها ثم يعصرها فتملأ جلساءه، فحج على فرس له فنظرت إليه الحمامة الكنانية وهي خناس، وكانت عند رجل من بني كنانة يقال له: ابن الحمارس، فوقع بقلبها، فقالت له: من أنت؟ فوالله ما أدري أوجهك أحسن أم شعرك أم فرسك، ما أنت بالنجدي الثَّلِب، ولا التهامي الترِب، فاصدقني. قال: أنا امرؤ من الأزد من دَوس، منزلي بثَروق. قالت: فأنت قد وقعت بقلبي، فاحملني معك، فأردفها خلفه، ومضى إلى بلده. فلما أوردها أرضه قال: قد علمت هربك معي كيف كان، والله لا تهربين بعدي إلى رجل أبداً، فقطع عرقوبيها، فولدت له عمرو بن حممة. وكان سيداً. وولد عمرو بن حَممة الطفيلَ بن عَمرو، ذا النور. وفد على رسول الله ﷺ ، وخرج زوجها ابن الحمارس في طلبها، فلم يقدر عليها، فرجع وهو يقول: " الوافر ".

стр. 3819

ألا حيِّ الخناسَ على قِلاها ... وإن شحطت وإن بعدت نواها تبدلت الطبيخ وأرض دوس ... بهجمة فارس حمرٍ ذراها وقد خُبَرتها جاعت وذلّت ... وإن الحرّ من طود سواها وقد خُبَرتها نجلت زكياً ... وأنواراً معرفة سواها وقد أُنبئتُها ولدت غلاماً ... فلا شبّ الغلام ولا هناها كان الطفيل بن عمرو رجلاً شريفاً، شاعراً، كثير الضيافة، فقدم مكة ورسول الله ﷺ بها، فمشى إليه رجال من قريش فقالوا: يا طفيل، إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا، وفرّق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته. إنا نخشى عليك وعلى قومك مثلما دخل علينا منه فلا تكلمه، ولا تسمع منه. قال الطفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت على ألا أسمع منه شيئاً، ولا أكلمه وفي رواية حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كُرْسُفاً، فرقاً من أني يبلغني شيء من قوله. قال: فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله ﷺ يصلي عند الكعبة، فقمت قريباً منه، وأبى الله إلا أن يُسمعني بعض قوله، فسمعت كلاماً حسناً. فقلت في نفسي: واثكل أمي، والله إني لرجل لبيب شاعر، ما يخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان الذي يأتي به حسناً قبلته، وإن كان قبيحاً تركته. فمكثت حتى انصرف إلى بيته ثم اتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت معه، فقلت: يا محمد، إن قومك قالوا لي كذا وكذا الذي قالوا لي فوالله ما تركوني، يخوفونني أمرك، حتى سددت أذنيّ بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم قم إن الله أبى إلا أن يسمعنيه، فسمعت قولاً حسناً، فاعرض علي أمرك، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام، وتلا عليه القرآن، فقال: لا والله ما سمعت قولاً قط أحسن من هذا، ولا أمراً أعدل منه فأسلمت، وشهدت شهادة الحق، فقلت: يا نبيّ الله، إني امرؤ مطاع في قومي، وأنا

стр. 3820

راجع إليهم فداعيهم إلى السلام، فادع الله أن يكون لي عوناً عليهم فيما أدعوهم إليه، فقال: اللهم، اجعل له آية. قال: فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنيَّة تُطلعني على الحاضر وقع نور بين عيني مثل المصباح، فقلت: اللهم، في غير وجهي، فإني أخشى أن يظنوا أنها مَثُلة وقعت في وجهي لفراق دينهم، فتحول النور، فوقع في رأس سوطي، فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق وفي رواية: فكان يضيء في الليلة المظلمة له، فسُمي ذا النور - قال: فدخل بيته. قال: فأتى أبي، فقلت له: إليك عني يا أبتاه، فلست مني ولستُ منك. قال: ولم يا بني؟! قال: إني أسلمت، واتبعت دين محمد ﷺ . قال: يا بني، ديني دينُك. قال: فاذهب فاغتسل، وطهِّر ثيابك، ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم، ثم أتتني صاحبتي فقلت لها: إليك عني، لستُ منك، ولستِ مني. قالت: ولم بأبي أنت؟! قلت: فرق بيني وبينك الإسلام، إني أسلمت وتابعت دين محمد ﷺ . قالت: ديني دينك. قلت: فاذهبي إلى حمى ذي الشرى فتطهري منه. وكان ذو الشرى صنم دوس. والحمى حمى له يحمونه، وله وَشَل وماء يهبط من الجبل. فقالت: بأبي أنت، أتخاف على الصبية من ذي الشرى شيئاً؟! قلت: لا، أنا ضامن لما أصابك. قال: فذهبت، فاغتسلت، ثم جاءت، فعرضتُ عليها الإسلام فأسلمت، ودعوت دَوْساً فأبطؤوا عليّ، ثم جئت رسول الله ﷺ بمكة فقلت: يا رسول الله، قد غلبتني دوس، فادع الله عليهم وفي رواية: قد غلبني على دوس الزنا، فادع الله عليهم فقال: اللهم، اهدِ دوساً وفي رواية: فقلت: يا رسول الله، إن دوساً عصت وأبت، فادع الله، قال: فرفع يديه، فقلت: هلكت دوس، فقال: اللهم، اهدِ دوساً، وائت بهم قال: فقال لي رسول الله ﷺ : اخرج إلى قومك، فادعهم، وارفق بهم، فخرجت إليهم. فلم أزل بارض دوس أدعوها حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، ومضى بدر وأحد والخندق. ثم قدمت على رسول الله ﷺ بمن أسلم من قومي ورسول الله ﷺ بخيبر، حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتاً من دوس، ثم لحقنا رسول الله ﷺ بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين، وقلنا:
следующие страницы →