Полный текст (10 576 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.
стр. 3816
بشراب فشرب، ثم ناولني القدح، فقلت: يا أمير المؤمنينَ، قد أعلمتك رأيي في الشراب. قال: ليس لذلك أعطيتك، إنما دفعته إليك لتناوله الغلام، وغضب، فرفع القوم أيديهم، كأن صاعقة وقعت على الخِوان، فذهبت أقوم فقال: اقعد. فلما خلا البيت افترى عليّ ثم قال: يا عاضّ كذا وكذا، أردت أن تفضحني؟! لولا أنك خالي لضربتك ألف سوط، ثم نهى الحاجب عن إدخالي، وقطع عني أرزاقي، فمكثت ما شاء الله، ثم دخلت عليه يوماً متنكراً، فلم يشعر إلا وأنا بين يديه وأنا أقول من أبيات: " البسيط "
يا بن الخلائفِ ما لي بعدَ تقربةٍ ... إليك أُقصى وفي حالَيْك لي عجبُ
كأنني لم يكن بيني وبينكُم ... إلٌّ ولا خُلّة تُرعى ولا نسبُ
قد كان بالودّ قِدْماً منك أزلفني ... بقربك الودّ والإشفاق والحدّبُ
وكنتُ دونَ رجالٍ قد جعلتهم ... دوني إذا ما رأوني مقبلاً كذبوا
إن يسمعوا لخير يخفوه وإن سمعوا ... شراً أذاعوا وإن لم يسمَعوا كذبوا
قال: فتبسم، وأمرني بالجلوس، ورجع لي، وقال: إياك أن تعاود. منها:
أين الذمامةُ والحقُّ الذي نزلَت ... بحفظِه وبتعظيم له الكتبُ؟
وحَوْكي الشعرَ أُصفيه وأنظِمه ... نظمَ القلائد فيها الدُرّ والذهبُ
وإن سُخطَك شيء لم أناجِ به ... نفساً ولم يك مما كنتُ أحتسبُ
لكن أتاك بقولٍ آثمٍ كذبٍ ... قومٌ بغَوني فنالوا فيّ ما طلبوا
وهي طويلة. وقيل في سبب غضبته على طريح غير هذا.
ومن شعره في الوليد: " المنسرح "
أنت ابنُ مُسْلَنطحِ البطاحِ ولم ... تُطرقْ عليكَ الحُنيُّ والوُلُجُ
стр. 3817
لو قلتَ للسيل دَعْ طريقك وال ... موجُ عليه كالهَضْبِ يعتلجُ
لارتدّ أوساخ أو لكانَ لهُ ... في سائرِ الأرضِ عنكَ مُنعرجُ
طوبى لفرعَيْك من هنا وهنا ... طوبى لأعراقِك التي تشجُ
أراد فرعه من قبل أبيه، وهم بنو أمية، وفرعه من قبل أمه، وهم ثقيف.
دخل طُريح على المهدي، فانتسب له، وسأله أن يسمع، فقال: ألست الذي يقول للوليد بن يزيد:
أنت ابن مسلنطح البطاح ولم ... تطرق عليك الحني والولج
والله لا تقول في مثل هذا، ولا أسمع منك شعراً، وإن شئت وصلتُك.
ومن شعر طُريح: " الكامل "
والمالُ جُنّةُ ذي المعايب إن يُصب ... يُحمَدْ وإن يدع الطريقة يُعذرِ
والمرء يُحمدُ إن يصادف حظّه ... قدرٌ ويعذلُ في الذي لم يقدرِ
والناسُ أعداءُ لكلّ مُدفَّع ... صفر اليدين وإخوة للمكثرِ
وإذا امرؤ في الناس لم يك عارفاً ... بالعُرف لم يكن منكراً للمنكرِ
ومن شعره: " الطويل "
سعيتُ ابتغاءَ الشكرِ فيما صنعت بي ... فقصّرت مغلوباً وإني لشاكر
لأنكَ تعطيني الجزيلَ بداهةً ... وأنت لما استكثرتُ من ذاك حاقرُ
الطفيل بن عمرو بن حَمَمة
وقيل: الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سُليم ابن فهم بن غنم بن دوس، وقيل طفيل بن الحارث وقيل: طفيل بن ذي النور الدوسي له صحبة، وكان سيداً في قومه. قتل بأجنادين، وقيل: باليرموك، وقيل: باليمامة.
стр. 3818
قال الطفيل بن عمرو:
أقرأني أُبيّ بن كعب القرآن، فأهديت له قوساً، فغدا إلى النبي ﷺ متقلدها، فقال له النبي ﷺ : من سلّحك هذه القوس يا أبيّ؟ قال: الطفيل بن عمرو الدوسي. أقرأته القرآن، فقال له رسول الله ﷺ : تقلده شلوة من جهنم. فقال: يا رسول الله، إنا نأكل من طعامهم. فقال: أما طعامٌ صنع لغيرك فحضرته فلا بأس أن تأكله، وأمّا ما صُنع لك فإنك إن أكلته فإنما تأكل بخلاقك.
أسلم الطفيل بن عمرو بمكة، وكان يسمى ذا القطنتين. قيل: كان يجعل في أذنيه قطنتين لئلا يسمع كلام النبي ﷺ ورجع إلى بلاد قومه، ووافى النبي ﷺ في عمرة القضية وفي الفتح. وقدم المدينة في خلافة أبي بكر ﵁. فخرج إلى اليمامة فقتل بها سنة ثنتي عشرة. وقيل: إنه قدم على النبي ﷺ وهو بخيبر مع أبي هريرة.
وكان حممة بن رافع بن الحارث الدوسي من أجمل العرب وكانت له حُمّة يقال لها: الرطبة، كان يغسلها بالماء ثم يعقِصها وقد احتقن فيها الماء. فإذا مضى لها يوم رجَّلها ثم يعصرها فتملأ جلساءه، فحج على فرس له فنظرت إليه الحمامة الكنانية وهي خناس، وكانت عند رجل من بني كنانة يقال له: ابن الحمارس، فوقع بقلبها، فقالت له: من أنت؟ فوالله ما أدري أوجهك أحسن أم شعرك أم فرسك، ما أنت بالنجدي الثَّلِب، ولا التهامي الترِب، فاصدقني. قال: أنا امرؤ من الأزد من دَوس، منزلي بثَروق. قالت: فأنت قد وقعت بقلبي، فاحملني معك، فأردفها خلفه، ومضى إلى بلده. فلما أوردها أرضه قال: قد علمت هربك معي كيف كان، والله لا تهربين بعدي إلى رجل أبداً، فقطع عرقوبيها، فولدت له عمرو بن حممة. وكان سيداً. وولد عمرو بن حَممة الطفيلَ بن عَمرو، ذا النور. وفد على رسول الله ﷺ ، وخرج زوجها ابن الحمارس في طلبها، فلم يقدر عليها، فرجع وهو يقول: " الوافر ".
стр. 3819
ألا حيِّ الخناسَ على قِلاها ... وإن شحطت وإن بعدت نواها
تبدلت الطبيخ وأرض دوس ... بهجمة فارس حمرٍ ذراها
وقد خُبَرتها جاعت وذلّت ... وإن الحرّ من طود سواها
وقد خُبَرتها نجلت زكياً ... وأنواراً معرفة سواها
وقد أُنبئتُها ولدت غلاماً ... فلا شبّ الغلام ولا هناها
كان الطفيل بن عمرو رجلاً شريفاً، شاعراً، كثير الضيافة، فقدم مكة ورسول الله ﷺ بها، فمشى إليه رجال من قريش فقالوا: يا طفيل، إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا، وفرّق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته. إنا نخشى عليك وعلى قومك مثلما دخل علينا منه فلا تكلمه، ولا تسمع منه.
قال الطفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت على ألا أسمع منه شيئاً، ولا أكلمه وفي رواية حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كُرْسُفاً، فرقاً من أني يبلغني شيء من قوله. قال: فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله ﷺ يصلي عند الكعبة، فقمت قريباً منه، وأبى الله إلا أن يُسمعني بعض قوله، فسمعت كلاماً حسناً. فقلت في نفسي: واثكل أمي، والله إني لرجل لبيب شاعر، ما يخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان الذي يأتي به حسناً قبلته، وإن كان قبيحاً تركته. فمكثت حتى انصرف إلى بيته ثم اتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت معه، فقلت: يا محمد، إن قومك قالوا لي كذا وكذا الذي قالوا لي فوالله ما تركوني، يخوفونني أمرك، حتى سددت أذنيّ بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم قم إن الله أبى إلا أن يسمعنيه، فسمعت قولاً حسناً، فاعرض علي أمرك، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام، وتلا عليه القرآن، فقال: لا والله ما سمعت قولاً قط أحسن من هذا، ولا أمراً أعدل منه فأسلمت، وشهدت شهادة الحق، فقلت: يا نبيّ الله، إني امرؤ مطاع في قومي، وأنا
стр. 3820
راجع إليهم فداعيهم إلى السلام، فادع الله أن يكون لي عوناً عليهم فيما أدعوهم إليه، فقال: اللهم، اجعل له آية. قال: فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنيَّة تُطلعني على الحاضر وقع نور بين عيني مثل المصباح، فقلت: اللهم، في غير وجهي، فإني أخشى أن يظنوا أنها مَثُلة وقعت في وجهي لفراق دينهم، فتحول النور، فوقع في رأس سوطي، فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق وفي رواية: فكان يضيء في الليلة المظلمة له، فسُمي ذا النور - قال: فدخل بيته. قال: فأتى أبي، فقلت له: إليك عني يا أبتاه، فلست مني ولستُ منك. قال: ولم يا بني؟! قال: إني أسلمت، واتبعت دين محمد ﷺ . قال: يا بني، ديني دينُك. قال: فاذهب فاغتسل، وطهِّر ثيابك، ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم، ثم أتتني صاحبتي فقلت لها: إليك عني، لستُ منك، ولستِ مني. قالت: ولم بأبي أنت؟! قلت: فرق بيني وبينك الإسلام، إني أسلمت وتابعت دين محمد ﷺ . قالت: ديني دينك. قلت: فاذهبي إلى حمى ذي الشرى فتطهري منه. وكان ذو الشرى صنم دوس. والحمى حمى له يحمونه، وله وَشَل وماء يهبط من الجبل. فقالت: بأبي أنت، أتخاف على الصبية من ذي الشرى شيئاً؟! قلت: لا، أنا ضامن لما أصابك. قال: فذهبت، فاغتسلت، ثم جاءت، فعرضتُ عليها الإسلام فأسلمت، ودعوت دَوْساً فأبطؤوا عليّ، ثم جئت رسول الله ﷺ بمكة فقلت: يا رسول الله، قد غلبتني دوس، فادع الله عليهم وفي رواية: قد غلبني على دوس الزنا، فادع الله عليهم فقال: اللهم، اهدِ دوساً وفي رواية: فقلت: يا رسول الله، إن دوساً عصت وأبت، فادع الله، قال: فرفع يديه، فقلت: هلكت دوس، فقال: اللهم، اهدِ دوساً، وائت بهم قال: فقال لي رسول الله ﷺ : اخرج إلى قومك، فادعهم، وارفق بهم، فخرجت إليهم. فلم أزل بارض دوس أدعوها حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، ومضى بدر وأحد والخندق. ثم قدمت على رسول الله ﷺ بمن أسلم من قومي ورسول الله ﷺ بخيبر، حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتاً من دوس، ثم لحقنا رسول الله ﷺ بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين، وقلنا:
стр. 3821
يا رسول الله، اجعلنا ميمنتك، وأجعل شعارنا: مبرور، ففعل. فشعار الأزد كلها إلى اليوم مبرور.
قال الطفيل: ثم لم أزل مع رسول الله ﷺ حتى فتح الله عليه مكة، فقلت: يا رسول الله، ابعثني إلى ذي الكفّين صنم عمر بن حَمَمَة حتى أحرقه، فبعثه إليه، فأحرقه. وجعل الطفيل يقول وهو يوقد النار عليه، وكان خشب: " الرجز "
يا ذا الكَفَيْن لستُ مِن عُبّادكا ... ميلادُنا أكبرُ من ميلادكا
إنا حششنا النار في فؤادكا
قال: فلما أحرقت ذا الكفين بان لم بقي ممن تمسّك به أنه ليس على شيء، فأسلموا جميعاً. ورجع الطفيل بن عمرو إلى رسول الله ﷺ فكان معه بالمدينة حتى قبض.
فلما ارتدّت العرب خرج مع المسلمين، فجاهد حتى فرغوا من طُليحة وأهل نجد كلها. ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة ومعه ابنه عمرو بن الطفيل، فقتل الطفيل بن عمرو باليمامة شهيداً، وجُرح ابنه عمرو بن الطفيل، وقطعت يده، ثم استبلّ منها، وصحت يده. فبينا هو عند عمرو بن الخطاب إذ أتي بطعام فتنحى عنه، فقال عمر: مالك! لعلك تنحّيت لمكان يدك؟ قال: أجل. قال: والله لا أذوقه حتى تسوطه بيدك، فوالله ما في القوم أحدٌ بعضُه في الجنة غيرك. ثم خرج عام اليرموك في خلافة عمر بن الخطاب مع المسلمين فقتل شهيداً، ﵀.
وفي رواية حديث آخر بمعناه: أنه لما سار مع المسلمين إلى اليمامة، ومعه ابنه عمرو بن الطفيل، فقال لأصحابه: إني قد رأيت رؤيا، فاعُبروها لي: رأيت أن رأسي قد حلق، وأنه قد خرج من فمي طائر،
стр. 3822
وأن امرأتي لقيتني فأدخلتني في فرجها، ورأيت أن ابني يطلبني طلباً حثيثاً، ثم رأيته حُبس عني. قالوا: خيراً رأيت. قال: أما والله إني قد أوّلتها. قالوا: وما ذاك؟ قال: أما حلق رأسي فوَضعه، وأما الطائر الذي خرج من فمي فروحي، وأما المرأة التي أدخلتني في فرجها فالأرض تُحفر لي فأُغَيَّب فيها، وأما طلب ابني إياي ثم حبسه عني فإني أراه سيجهد لأن يصيبه من الشهادة ما أصابني. فقتل الطفيل شهيداً باليمامة، وجُرح ابنه عمرو جراحاً شديدة، ثم قتل عام اليرموك شهيداً في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
وفي حديث آخر: لما افتتح رسول الله ﷺ حنيناً وأراد المسير إلى الطائف بعث الطفيل بن عمرو إلى ذي الكفين - صنم عمرو بن حممة - يهدمه، وأمره أن يستمدّ قومه ويوافيه بالطائف. فقال الطفيل: يا رسول الله، أوصني. قال: " أفش السلام، وابذل الطعام، واستحي من الله كما يستحيي الرجل ذو الهيئة من أهله، إذا أسأت فأحسن، ف " إنَّ الحَسَناتِ يُذهِبنَ السَّيَّئاتِ ذِلِكَ ذِكرَى للِذّاكِرِينَ " ". فخرج مسرعاً إلى قومه، فهدم ذا الكفين، وأسرع معه قومه، انحدر معه أربع مئة من قومه، فوافوا النبي ﷺ بالطائف بعد مقدمه بأربعة ايام، بدبابة ومنجنيق وقال: يا معشر الأزد، من يحمل رايتكم؟ قال الطفيل: من كان يحملها في الجاهلية. قال: أصبتم، وهو النعمان بن الزرافة اللِّبي. وممن استشهد باليمامة سنة اثنتي عشرة الطفيل بن عمرو الدوسي. وقيل: هذا وهم، وإن طفيل استشهد بأجنادين.
стр. 3823
طلحة بن أحمد بن الحسن
ويقال: ابن الحسين، أبو القاسم ويقال: أبو محمد البغدادي الخزاز الصوفي حدث عن محمد بن أحمد بن فضالة السوسي بسنده عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : " المرأة كالضِلَع فَدارِهَا تعش بها فدارها تعش بها " وحدث عن محمد بن صفوة المصيصي بسنده عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: " رأيت ليلة أسري بي رجالاً تقطع ألسنتهم بمقاريض من نار فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون الناس بما لا يفعلون " توفي طلحة ببغداد سنة ثمانين وثلاث مئة.
طلحة بن أسد بن عبد الله المختار
أبو محمد الرقي سكن دمشق.
حدث عم أبي بكر محمد بن الحسين الآجري بسنده عن تميم الداري أن رسول الله ﷺ قال: " إنَّ الدين النصيحة، إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة - ثلاثاً - لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " وحدث عنه أيضاً بسنده عن أبي الدرداء قال: لا إسلام إلا بطاعة، ولا خير إلا في جماعة، والنصح لله وللخليفة وللمؤمنين عامة.
стр. 3824
توفي طلحة بن أسد في ربيع الأول سنة أربع وتسعين وثلاث مئة. وكان ثقة مؤمناً يذكر عنه من السخاء والكرم شيء عظيم.
طلحة بن زيد
أبو مسكين ويقال: أبو محمد القرشي الرقي قيل: إنه دمشقي، وسكن الرقة.
حدث عن عُبيدة بن حسان بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: بينما نحن جلوس مع النبي ﷺ في بيت أبي حشفة في نفر من المهاجرين، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص فقال رسول الله ﷺ : " لينهض كل رجل منكم إلى كُفئِه "، قال: ونهض النبي ﷺ إلى عثمان بن عفان فاعتنقه وقال: " أنت وليي في الدنيا، وأنت وليي في الآخرة "
وحدث عن موسى بن عبيدة بسنده عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: " إن العبد ليقف بين يدي الله، فيطوّل وقوفه حتى يصيبه من ذلك كرب شديد. فيقول: يا ربّ، ارحمني اليوم. فيقول: وهل رحمتّ شيئاً من خلقي من أجلي فأرحمك، هات ولو عصفوراً " قال: فكان أصحاب النبي ﷺ ومن مضى من سلف هذه الأمة يتابعون العصافير فيعتقونها.
стр. 3825
طلحة بن أبي السن الصَّيداوي
حدث السكن بن محمد بن أحمد بن جُمَيع الصيداوي عن طلحة بن أبي السن خادم جده أبي بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن جميع الغساني - وكان زوج ابنة أخيه - قال: كان الشيخ أبو بكر يقوم الليل كله فإذا صلى الفجر نام إلى الضحى، فإذا صلى الظهر يصلي إلى العصر، فإذا صلى العصر نام إلى قبل صلاة المغرب، فإذا صلى - يعني العشاء - قام إلى الفجر، وكانت هذه عادته، فجاء رجل ذات يوم يزوره بعد العصر فقعد يتحدث معه فترك عادة النوم. فلما انصرف سألته عنه فقال: هذا عريف الأبدال يزورني في السنة مرة، فلم أزل أرصد إلى مثل ذلك الوقت حتى جاء فوقفت حتى فرغ من حديثه، ثم سأله الشيخ: إلى أين تريد؟ فقال: أزور أبا محمد الضرير في مغار عند محد العين. قال طلحة: فسألته أن يأخذني معه. قال: بسم الله، فمضيت معه، فخرجنا حتى صرنا عند قناطر الماء فأذن المؤذن عشاء المغرب قال: ثم أخذ بيدي وقال: قل: بسم الله، قال: فمشينا دون العشر خُطاً فإذا نحن عند المغار مسيرة إلى بعد الظهر، قال: فسلمنا على الشيخ وصلينا عنده وتحدث معه. فلما ذهب نحو ثلث الليل قال لي: أتحب ان تجلس ههنا أو ترجع إلى بيتك؟ قلت: أرجع، فأخذ بيدي وسمّى بسم الله فمشينا نحو العشر خُطاً فإذا نحن على باب صيدا، فتكلم بشيء فانفتح الباب ودخلت ثم عاد الباب.
стр. 3826
طلحة بن عبد الله بن خلف
ابن أسعد بن عامر بن بياضة بن سبيع بن خثعمة بن سعد بن مليح ابن عمرو بن عامر بن يحيى بن قمعة بن إلياس بن مضر أبو المطرف، وقيل: أبو محمد الخزاعي ويقال: إن أبا المطرف هو أبوه عبد الله بن خلف المعروف بطلحة الطلحات أحد الأجواد المفضلين، والأسخياء المشهورين، كان أجود أهل البصرة في زمانه.
قدم دمشق وافداً على يزيد بن معاوية، شافعاً في يزيد بن ربيعة بن مفرغ. وأم طلحة الطلحات صفية بن الحارث، وكان عبد الله بن خلف أبوه كاتب عمر بن الخطاب ﵁ بالمدينة.
قال الأصمعي: الطلحات المعروفون بالكرم: طلحة بن عبيد الله بن عثمان التميمي، وهو الفياض، وطلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي وهو طلحة الجود، وطلحة بن عبد الله بن عوف، ابن أخي عبد الرحمن بن عوف الزهري، وهو طلحة الندى، وطلحة بن الحسن بن علي وهو طلحة الخير، وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي، وهو طلحة الطلحات وسمي بذلك لأنه كان أجودهم، وقيل: سمي بذلك لأن أمه ابنة الحارث بن طلحة بن أبي طلحة العبدري، ولذلك سمي طلحة الطلحات.
قالت امرأة طلحة الطلحات له: ما رأيت ألأم من قومك. قال: وكيف؟ قالت: يأتونك إذا أيسرت، ويقطعونك إذا أملقت. قال: فهؤلاء أكرم قوم حين يأتوننا حيث بنا قوة على برّهم والقيام بحقوقهم، وينقطعون عنا حين نضعف عن ذلك.
стр. 3827
قال عوانة بن الحكم: دخل كثير عزة على طلحة الطلحات عائداً، فقعد عند رأسه، فلم يكلمه لشدة ما به، فأطرق ملياً ثم التفت إلى جلسائه فقال: لقد كان بحراً زاخراً وغيماً ماطراً، ولقد كان هطِل السحاب، حلو الخطاب، قريب الميعاد، صعب القياد، إن سئل جاد، وإن جاد عاد، وإن حبا غمر، وإن ابتلي صبر، وإن فوخر فخر، وإن صارع بدر، وإن جُني عليه غفر، سليط البيان، جريء الجنان في الشرف القديم والفرع الكريم والحسب الصميم، يبذل عطاءه، ويرفد جلساءه، ويرهب أعداءه. ففتح طلحة عينيه فقال: ويحك يا كثير ما تقول؟ فقال: " الكامل "
يا بن الذَّوائبِ مِنْ خُزاعة والذي ... لَبِسَ المكارمَ وارتدى بنجادِ
حلَّت بساحتِك الوفودُ من الورى ... فكأنّما كانوا على ميعادِ
لنعود سيِّدَنا وسيِّد غيرنا ... ليستَ التشكي كانَ بالعُوَّادِ
خرج وفد من أهل المدينة إلى خراسان إلى طلحة الطلحات. فلما صاروا إلى بعض البوادي رفعت لهم خيمة خفية، وقد جنَّهُم الليل، وإذا هم بعجوز ليس عندها من يحل بها ولا يرحل عنها وإلى جنب خيمتها عُنيزة، قالوا لها: هل من منزل فننزل؟ فقالت: إي ها الله، على الرحب والسعة والماء السائغ. فنزلوا فإذا ليس بقربها ولد ولا أخ ولا بعل، فقالت: ليقُم أحدكم إلى هذه العُنيزة فليذبحها، فقالوا: إذاً تهلكي والله، أيتها العجوز، إنّ عندنا من الطعام لبلاغاً، ولا حجة بنا إلى عنيزتك، فقالت: أنتم أضياف وإنا المنزولة بها، ولولا أني امرأة لذبحتها، فقام أحدهم متعجباً منها، فذبح العنز، واتخذت لهم طعاماً وقربته إليهم، فلما أصبحوا غدَّتهم ببقيتها، ثم قالت: أين تريدون؟ قالوا: طلحة الطلحات بخراسان، فقالت: إذان تأتون سيداً ماجداً صميماً، غير وحش ولا كَدوم، هل أنتم تبلغوه كتاباً إن دفعته إليكم؟ فضحكوا وقالوا: نفعل وكرامة، فدفعت إليهم كتاباً على قطعة جراب عندها. فلما قدموا على طلحة جعل يسألهم عما
стр. 3828
خلفوا وما رأوا في طريقهم، فذكروا العجوز وقالوا: نخبر الأمير عن عجب رأيناه، وأخبروه بقصة العجوز وصنيعها وقولها فيه، ثم قالوا: ولها عندنا كتاب إليك ودفعوه إليه، فلما قرأ الكتاب ضحك وقال: لحاها الله من عجوز ما أحمقها! تكتب إليَّ من أقصى الحجاز تسألني جُبْن خراسان فلم يدع للوفد حاجة إلا قضاها، فلما أرادوا الخروج قال: هل أنتم مبلغوها الجبن الذي سألت؟ قالوا: نعم، وقد كان أمير بجبنتين عظيمتين فأمر بنقبهما وملأهما دنانير وسوّى عليهما ثم قال: بلغوها الجبنتين، فلما قدموا عليها نزلوا، قالوا لها: ويحك كتبت إلى مثل طلحة الطلحات تستطعمينه جبن خراسان! قالت: أو قد بعث إلي بشيء؟ قالوا: نعم، وأخرجوا الجبنتين فكسرتهما فتناثرت الدنانير ثم قالت: أمثلي تسأل طلحة جبناً؟! ثم قالت: أقرأ عليكم كتابي إليه؟ قالوا: نعم. فإذا في كتابها: " الرجز "
يا أيُّها المائح دَلوي دونكا ... إني رأيتُ النّاس يحمدونكا
يثنون خيراً ويمجّدونكا ثم قالت: أفقرأ عليكم جوابهَ؟ قالوا: نعم، فإذا جوابه: " الرجز "
إنّا ملأناها تفيض فيضا ... فلن تخافي ما حَييت غَيضا
خذي لك الجبن وعودي أيضاً
قال الخليل بن أحمد: قال طلحة الطلحات: ما بات لرجل علي موعد منذ عقلت إلا القليل، وذلك أنه يتململ على فراشه ليغدو فينظفر بحاجته، فلأنا أشد تململاً بالخروج إليه من عدتي تخوفاً لعارض خلف، إن الخلف ليس من أخلاق الكرام.
стр. 3829
طلحة بن عبد الله بن عوف
ابن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة أبو عبد الله، ويقال: أبو محمد الزهري ابن أخي عبد الرحمن بن عوف المدني الفقيه وفد على معاوية، أمه فاطمة بنت مطيع بن الأسود بن حارثة بن نَضْلة بن عُبيد بن عويج بن عدي بن كعب.
حدث عن سعيد بن زيد يعني ابن عمرو بن نفيل قال: من ظلم شيئاً من الأرض طوّقه من سبع أرضين وفي رواية: شبراً ومن قتل دون ماله فهو شهيد.
زاد في حديث آخر: ومَنْ قُتل دونَ أهِله فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد.
وفد جماعة من قريش على معاوية بن أبي سفيان فأجازهم وفضل عليهم في الجائزة طلحة بن عبد الله بن عوف، فعاتبوه على ذلك، فقال: أنتم قدمتموه على أنفسكم، قدمتموه للصلاة في طريقكم وهي أفضل عمل المرء.
كان طلحة بن عبيد الله من سَرَوات قريش، وكان يُقال له: طلحة الندى، وكان هو وخارجة بن زيد بن ثابت في زمانهما يُستفتيان وينتهي الناس إلى قولهما، ويَقسمان المواريث بين أهلها من الدور والنخيل والأموال، ويكتبان الوثائق للناس بغير جُعْلٍ.
وكان طلحة سخياً جواداً قدم الفرزدق المدينة وقد مدحه ومدح غيره من قريش، فبدأ به فأعطاه ألف دينار، ثم أتى غيره فجعلوا يسألون كما أعطاه طلحة؟ فقيل: ألف دينار، فكانوا يكرهون أن قصّروا عن ذلك فيتعرض للسان الفرزدق،
стр. 3830
فجعلوا يتكلفون ما أعطاه طلحة فكان يقال: أتعب طلحة الناس. وكان طلحة إذا كان عنده مال فتح بابيه وغشيه أصحابه والناس، فأطعم وأجاز وحمّل، وإذا لم يكن عنده شيء أغلق بابيه فلم يأته أحد، فقال له بعض أهله: ما في الدنيا شرّ من أصحابك، يأتونك إذا كان عندك شيء، وإذا لم يكن لم يأتوك. فقال: ما في الدنيا خير من هؤلاء، لو أتونا عند العسرة أردنا أن نتكلف لهم، فإذا أمسكوا حتى يأتينا شيء فهو معروف منهم وإحسان.
وكان طلحة بن عبد الله قصيراً لطيفاً أعمش، فدخل سوق الظهر بالمدينة وفيه الفرزدق، فقال للفرزدق: اختر عشراً من هذه الإبل، ففعل، فقال: ضم إليها مثلها، فلم يزل كذلك حتى بلغت المئة ثم قال: هي لك، فسأل الفردزق عنه فقيل له: هذا طلحة بن عبد الله بن عوف، فقال يمدحه: " الكامل "
يا طلحُ أنتَ أخو الندى وعقيدُه ... إنَّ النَّدى إن ماتَ طلحةُ ماتا
وقال فيه الأشجعي: " الرجز "
طلحةُ يختارُ نَعَمْ على لا ... ثَمَّتَ لا يلقى به مطالا
إنّ له في غير لا مقالا قال ابن سلام: مرّ طلحة بن عبد الله بدار ابن أذنية الشاعر وهو ينادي عليها فقال: إن داراً قعدنا فيها وتحدثنا في ظلها لمحقوقة أن تمنع من البيع، فبعث إلى أبن أذينة بثمنها وأغناه عن بيعها.
قدم الفرزدق المدينة زائراً لطلحة، وقد توفي طلحة وهو لا يشعر، فوجد رجلاً خارجاً من المدينة فسأله عن أخبار الناس فقال له: توفي طلحة بن عبد الله، فقال له: بفيك التراب والحجر، ودخل من رأس الثنية يولول ويقول: يا أهل المدينة، كيف تركتم طلحة يموت.
стр. 3831
أعطى السلطان طلحة بن عبد الله سبعة آلاف درهم فخرج بها معه غلام، فلقيه أعرابي حديث عهد بعلة، فقال له: أعني على الدهر، فقال: يا غلام انثر ما معك في كساء الأعرابي، فذهب يقلها، فعجز عنها فقعد يبكي، فقال: ما يبكيك؟ لعلك استقللت ما أعطيناك؟ قال: لا والله ما بكيت استقلالاً لها، ولكني نظرت في يسير ما سألتك من جزيل ما أعطيتني، وتفكرت في ما تأكل الأرض من كرمك فأبكاني ذلك.
توفي طلحة بن عبد الله سنة سبع وتسعين وهو ابن اثنين وسبعين سنة، وقيل: سنة تسع وسبعين. وكان بارعاً أريحياً.
طلحة بن عبيد الله بن عثمان
ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب ابن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك ابن النضر بن كنانة، أبو محمد التميمي أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الثمانية الذي سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق ﵁، وأحد الستة أصحاب الشورى الذي توفي سيدنا رسول الله ﷺ وهو عنهم راض.
حدث طلحة بن عبيد الله قال: جاء الرجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس، يسمع دوي صوته، ولا يُفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله ﷺ ، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال له رسول الله ﷺ : خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هل عليّ غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع، وقال رسول الله ﷺ : وصيام شهر رمضان، قال: هل عليَّ غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع. وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال:
стр. 3832
لا، إلا أن تطوع. قال: فأجبر الرجل ذاهباً وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقال رسول الله ﷺ : أفلح إن صدق.
وعن طلحة قال: دخلت على رسول الله ﷺ وفي يده سفرجلة فرمى بها إليَّ وقال: دونكها يا أبا محمد فإنها تجمّ الفؤاد.
وأم طلحة بن عبيد الله هي الصعبة بنت الحضرمي وهو عبد الله بن عباد بن مالك بن ربيعة بن أكبر بن مالك بن عويف بن مالك بن الخزرج بن إياد بن الصدف من حضرموت من كندة.
وقتل طلحة يوم الجمل سنة ست وثلاثين، وكان من المهاجرين الأول، كان بالشام في تجارة حيث كانت وقعة بدر، فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه. فلما قدم قال: يا رسول الله، وأجري؟ قال: وأجرك.
وكان له مع رسول الله ﷺ بلاء حسن يوم أحد، وقاه بنفسه، واتقى عنه النبل بيده حتى شلت أصبعه وضرب الضربة المصلبة في رأسه، وحمل رسول الله ﷺ على ظهره حتى استقل على الصخرة، وكان قد بدَّن وظاهر بين درعين، فلما ذهب لينهض فلم يستطع فجلس تحته طلحة فنهض حتى استوى عليها. وقال رسول الله ﷺ ذلك اليوم حين انكشف المشركون لأبي بكر الصديق: يا أبا بكر أوجب طلحة.
стр. 3833
قال طلحة بن عبيد الله: حضرت سوق بصرى فإذا راهب في صومعته يقول: سلوا أهل هذا الموسم، أفيهم أحد من أهل الحرم؟ قال طلحة: نعم، أنا، فقال: هل ظهر أحمد بعد؟ قلت: ومن أحمد؟ قال: ابن عبد الله بن المطلب، هذا شهره الذي يخرج فيه، وهو آخر الأنبياء، ومخرجه من الحرم ومهاجره إلى نخل وحرّة وسباخ، فإياك أن تُسبق إليه، قال طلحة: فوقع في قلبي ما قال، فخرجت سريعاً حتى قدمت مكة فقلت: هل كان من حدث؟ قالوا: نعم، محمد بن عبد الله الأمين تنبأ وقد تبعه ابن أبي قحافة، قال: فخرجت حتى دخلت على أبي بكر وقلت: أتبعت هذا الرجل؟ قال: نعم، فانطلق إليه فادخل عليه فاتبعه فإنه يدعو إلى الحق، فأخبره طلحة بما قال الراهب، فخرج أبو بكر بطلحة فدخل به على رسول الله ﷺ فأسلم طلحة وأخبر رسولَ الله ﷺ بما قال الراهب، فَسُر رسول الله ﷺ بذلك، فلما أسلم أبو بكر وطلحة بن عبيد الله أخذهما نوفل بن خويلد بن العدوية فشدهما في حبل واحد ولم يمنعهما بنو تميم، وكان نوفل يدعى أسد قريش، فلذلك سمي أبو بكر وطلحة: القرينين.
قال مسعود بن حراش: بينا أنا أطوف بين الصفا والمروة فإذا أناس كثير يتبعون أناساً، قال: فنظرت فإذا فتى شاب موثق يداه إلى عنقه، فقلت: ما شأن هؤلاء؟ فقالوا: هذا طلحة بن عبيد الله قد صبأ، وإذا وراءه امرأة تذمره وتسبه، قلت: من هذه المرأة؟ قالوا: هذه أمه الصعبة بن الحضرمي، قالوا: وإن عثمان بن عبيد الله أخا طلحة قرن طلحة مع أبي بكر ليحبسه عن الصلاة ويرده عن دينه، وخرز يده ويد أبي بكر في قِدّ، فلم يرعهم إلا وهو يصلي مع أبي بكر.
وعن ابن عباس قال: أسلمت أم أبي بكر وأم عثمان وأم طلحة وأم الزبير وأم عبد الرحمن بن عوف وأم عمار بن ياسر.
ولما ارتحل سيدنا رسول الله ﷺ من الخرّار في هجرته إلى المدينة فكان الغد لقيه طلحة بن عبيد الله جائياً من الشام في عير، فكسا رسول الله ﷺ وأبا بكر من ثياب
стр. 3834
الشام، وخبّر رسول الله ﷺ أن من بالمدينة من المسلمين قد استبطأوا رسول الله ﷺ فعجل رسول الله ﷺ أن من بالمدينة من المسلمين قد استبطأوا رسول الله ﷺ فعجل رسول الله ﷺ السير، ومضى طلحة إلى مكة حتى فرغ من حاجته، ثم خرج بعد ذلك بآل أبي بكر، فهو الذي قدم بهم المدينة.
ولما آخى رسول الله ﷺ بين الصحابة بمكة قبل الهجرة آخى بين طلحة والزبير.
وقيل: إن رسول الله ﷺ كان مقدمه المدينة مهاجراً قد آخى بين المهاجرين والأنصار يتوارثون دون ذوي الأرحام حتى نزلت آية الفرائض " وَأُولُوْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلِى بِبَعْضٍ في كِتَابِ اللهِ "، فآخى بين طلحة بن عبيد الله وبين أبي أيوب خالد بن زيد.
وعن طلحة قالِ: لما وقى رسول الله ﷺ بيده يوم أحد فقطعت فقال: حسِّ. فقال له: لو قلت: بسم الله لرأيت بناءك الذي بنى الله لك في الجنة وأنت في الدنيا.
وفي رواية: لو قلت: بسم الله لطارت بك الملائكة والناس ينظرون إليك.
وفي رواية: حملتك الملائكة.
وفي رواية: لو قتل: بسم الله، أو ذكرت الله لرفعتك الملائكة، والناس ينظرون حتى تلج بك في جو السماء.
стр. 3835
قال جابر:
لما كان يوم أُحد وولى الناس كان رسول الله في ناحية في اثني عشر رجلاً من الأنصار وفيهم طلحة بن عبيد الله فأدركه المشركون، فالتفت رسول الله ﷺ فقال: من للقوم؟ فقال طلحة: أنا، فقال رسول الله ﷺ : كما أنت، فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، فقال: أنت، فقاتل حتى قتل، ثم التفت فإذا بالمشركين فقال: من للقوم؟ فقال طلمة: أنا يا رسول الله، فقال: كما أنت. فقال رجل من الأنصار: أنا، فقال: أنت، فقاتل قتال صاحبه حتى قتل، ثم لم يزل يقول ذلك ويخرج إليهم رجل من الأنصار ويقاتل من قبله حتى يقتل حتى بقي رسول الله ﷺ وطلحة بن عبيد الله فقال رسول الله ﷺ : من للقوم؟ فقال طلحة: أنا يا رسول الله، فقاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى ضربت يده فقطعت أصابعه فقال: حس، فقال رسول الله ﷺ : لو قلت: بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون، ثم ردّ الله المشركين.
وعن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: كان أبو بكر ﵁ إذا ذكر يوم أحد بكى ثم قال: ذاك كله لطلحة، ثم أنشأ يحدث قال: كنت أول من فاء يوم أحد، فرأيت رجلاً يقاتل مع رسول الله ﷺ دونه وأراه قال: يحميه قال: فقلت: كن طلحة حيث فاتني ما فاتني، فقلت: يكون رجل من قومي أحبّ إليّ، وبيني وبين المشركين رجل لا أعرفه وأنا اقرب إلى رسول الله ﷺ منه وهو يخطف المشي خطفاً لا أخطفه، فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح فانتهينا إلى رسول الله ﷺ وقد كسرت رباعيته وشج في وجهه، وقد دخل في وجنتيه حلقتان من حلق المغفر فقال رسول الله ﷺ : عليكما صاحبكما يريد طلحة وقد نزف فلم نلتفت إلى قوله قال: فذهبت لأنزع ذاك من وجهه فقال أبو عبيدة: أقسمت عليك بحقي لما تركتني فتركته، فكره أني تناولهما بيده فيؤذي النبي ﷺ فأزَمَ عليها بفيه
стр. 3836
فاستخرج إحدى الحلقتين ووقعت ثنيته مع الحلقة، وذهبت لأصنع ما صنع فقال: أقسمت عليك بحقي لما تركتني قال: ففعل مثلما فعل في المرة الأولى فوقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة. فكان أبو عبيدة من أحسن الناس هتماً فأصلحنا من شأن النبي ﷺ . ثم أتينا طلحة في بعض تلك الحفار فإذا به بضع وسبعون أو اقل أو أكثر بين طعنة ورمية وضربة فإذا قد قطعت أصبعه فأصلحنا من شأنه.
وفي حديث آخر معناه: من أحب أن ينظر إلى رجل يمشي في الدنيا وهو من أهل الجنة فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله، طلحة ممن قضى نحبه.
وقال طلحة: لما جال المسلمون تلك الجولة، ثم تراجعوا أقبل رجل من بني عامر يجر رمحاً له على فرس كميت أغر مدججاً في الحديد يصيح: أنا ابن ذات الودع، دلوني على محمد، فأضرب عرقوب فرسه، فاكتسعت ثم أتناول رمحه فوالله ما أخطأت به عن حدقته فخار كما يخور الثور، فما برحت به واضعاً رجلي على خده حتى أزرته شَعُوب.
قالوا: ولما كان يوم الجمل وقتل علي من قتل من المسلمين ودخل البصرة جاءه رجل من العرب فتكلم بين يديه ونال من طلحة فزبره علي وقال: إنك لم تشهد يوم أحد وعظم غنائه عن الإسلام مع مكانه من رسول الله ﷺ فانكسر الرجل وسكت، فقال رجل من القوم: وما كان غناؤه وبلاؤه يوم أحد يرحمه الله؟ فقال عليّ نعم، فيرحمه الله، فلقد رأيته وإنه لَيترِّس بنفسه دون رسول الله ﷺ وإن السيوف لتغشاه والنبل من كل
стр. 3837
ناحية، وإنْ هو إلا جُنة بنفسه لرسول الله ﷺ فقال قائل: إن كان يوماً قد قتل فيه أصحاب رسول الله ﷺ وأصاب رسول الله ﷺ فيه الجراحة، فقال علي: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: ليت أني غودرت مع أصحاب نُحْصِ الجبل، ثم قال: لقد رأيتني يومئذ وإني لأذبهم في ناحية، وإن أبا دجانة في ناحية يذب طائفة منهم، وإن سعد بن أبي وقاص يذب طائفة منهم حتى فرج الله ذلك كله، ولقد رأيتني وانفردَت منهم يومئذ فرقة خشناء فيها عكرمة بن أبي جهل فدخلت وسطهم بالسيف فضربت به واشتملوا عليَّ حتى أفضيت إلى آخرهم، ثم كررت فيهم الثانية حتى رجعت من حيث جئت، ولكن الأجل استأخر، ويقضي الله أمراً كان مفعولاً.
وعن عائشة وأم إسحاق ابنتي طلحة قالتا:
جرح أبونا يوم أحد أربعاً وعشرين جراحة وقع منها في رأسه شجة مربعة وقطع نساه يعني عرق النسا وشلت أصبعه وسائر الجراح في سائر جسده، وقد غلبه الغشي، ورسول الله ﷺ مكسورة رباعيتاه، مشجوج في وجهه قد علاه الغشي وطلحة محتمله يرجع به القهقرى، كلما أدركه أحد من المشركين قاتل دونه حتى أسنده إلى الشعب.
وعن طلحة قال: لقد جرحتُ مع رسول الله ﷺ في جسدي كله، حتى لقد جرحتُ في ذكري.
وعن طلحة قال: لما رجع النبي ﷺ من أُحُد صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه ثم قرأ هذه الآية: " رِجَالٌ صَدَقُوا ما عَاهَدوا واللهَ عَلَيْهِ " الآية كلها، فقام إليه رجل، فقال يا رسول الله، من هؤلاء فأقبلتُ وعليّ ثوبان أخضران، فقال: أيها السائل، هذا منهم.
وعن علي قال: قالوا: حدثنا عن طلحة قال: ذاك امرؤ نزلت فيه آية من كتاب الله : " فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ " طلحة ممن قضى نحبه، لا حساب عليه فيما يستقبل.
стр. 3838
وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : " من سرّه أن ينظر إلى شهيد يمشي على ظهر الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله ".
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان على حراء هو وأبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، والزبير، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله ﷺ : " اهدّ، فما عليك إلا نبي، أو صِدِّيق، أو شهيد ".
وفي حديث آخر زيادة: وسعد، وعبد الرحمن، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل.
قال عبد الرحمن بن الأخنس: كنت عند المغيرة بن شعبة في المسجد، فجاء سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، فجلس مع المغيرة، فدخل رجل من النَّخَع، فنال من علي بن أبي طالب، فغضب سعيد بن زيد، وقال: ألا أرى أصحاب رسول الله ﷺ يُسَبُّون عندك، هو يشهد يعني نفسه أنه كان مع رسول الله ﷺ عاشر عشرة، فقال رسول الله ﷺ : " أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة ". قال: يصيب الناس، يسألونه: مَن التاسع؟ فقال: أنا، ثم بكى.
وعن الزبير بن العوام قال: قال رسول الله ﷺ في غزوة تبوك: " اللهم، إنك باركت لأمتي في صحابتي، فلا تسلبهم البركة، وباركت لأصحابي في أبي بكر، فلا تسلبهم البركة، واجمعْهُم عليه، ولا تعسر أمره، فإنه لم يزل يؤثر أمرك على أمره، اللهم، وأعزّ عمر بن الخطاب، وصبِّر عثمان بن عفان، ووفق علي بن أبي طالب، وثبت الزبير، واغفر لطلحة، وسلم سعداً، ووفق عبد الرحمن بن عوف، وألحق بي السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان ".
стр. 3839
وعن علي قال: سمعت أذناي مِن في رسول الله ﷺ وهو يقول: " طلحة والزبير جاراي في الجنة ".
وعن طلحة قال: كان بيني وبين عبد الرحمن بن عوف مال، فقاسمته إياه، وأراد شرباً في أرضي، فمنعته، فأتى النبي ﷺ ، فشكاني إليه، فقال النبي ﷺ : امسكوا رجلاً قد أوجب، فأتاني فبشرني، فقلت: يا أخي، بلغ من هذا المال ما تشكوني فيه إلى رسول الله ﷺ ؟! قال: قد كان ذاك، قال: فإني أشهد الله، وأشهد رسول الله ﷺ أنه لك.
وعن طلحة قال: لما كان يوم أحد سماه النبي ﷺ طلحة الخير، وفي غزوة العشيرة طلحة الفياض، ويوم حنين طلحة الجود.
عن سلمة بن كهيل قال: ابتاع طلحة بئراً بناحية الجبل، ونحر جزوراً فأطعم الناس، فقال رسول الله ﷺ إنه طلحة الفياض.
قال محمد بن إبراهيم بن الحارث التميمي: مرّ رسول الله ﷺ في غزوة ذي قرد على ماء يقال له بَيْسان، فسأل عنه، فقيل اسمه يا رسول الله بيسان وهو مالح، فقال رسول الله ﷺ : لا، بل، هو نَعْمان، وهو طيب، فغيّر رسول الله ﷺ الاسم، وغيّر الله الماء، فاشتراه طلحة بن عبيد الله، ثم تصدق به، وجاء النبي ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ : ما أنت يا طلحة إلا فياض، فلذلك سُمّي طلحة الفياض.
قال طلحة بن عبيد الله:
إن رسول الله ﷺ كان إذا قعد سأل عني، وقال: ما لي لا أرى الصبيح، المليح، الفصيح.
стр. 3840
وعن طلحة قال: كان رحلة رسول الله ﷺ وطيبه إليّ، فأتاه رجل يسأله أحدهما. قال: فقال: ذاك إلى طلحة بن عبيد الله، فأتاني، فأعلمني، فأبيت عليه، فرجع إلى النبي ﷺ فأعلمه، فقال له مثل ذلك، ورجع إلي، فقلت في نفسي، فما بعثه إلا وهو يحب أن يقضي حاجته، وكان رسول الله ﷺ لا يكاد يُسأل شيئاً إلا فعله، فقلت: لأن آتي مسرة رسول الله ﷺ أحبُّ إليّ من أن أليّ رحلته، فدفعتها إليه، وأراد النبي ﷺ سفراً، فأمر أن يرحلها له، فأتاني فقال: أي الرحلتين كانت أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ فقلت الطائفية، فرحله له، ثم قربها إليه. فلما ثارت به انكبت به، فقال: من رحل هذه؟ قالوا: فلان، قال: رُدّوها إلى طلحة، فردت إلي، فقال طلحة: والله ما غششت أحداً في الإسلام غيره لكي ترجع رحلة رسول الله ﷺ إليه.
وعن عمر أنه قال: ما أحد أحق بهذا الأمر من هؤلاء الذي توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، ثم سمّى عثمان، وعلياً، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص.
وعن موسى بن طلحة بن عبيد الله قال: دخلت مع أبي بعض المجالس، فأوسعوا من كل ناحية، فجلس في أدناها ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن من التواضع لله الرضى بالدون من شرف المجالس.
سمع علي بن أبي طالب رجلاً ينشد " الطويل "
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويُبعده الفقرُ
قال: ذاك أبو محمد طلحة بن عبيد الله يرحمه الله.
قال: وكان طلحة حسن الوجه، جواداً.
قال قبيصة بن جابر: صحبت طلحة بن عبيد الله فما رأيت رجلاً أعطى لجزيل مال من غير مسألة منه.
стр. 3841
وعن سعدى بنت عوف المُرّيَّة قالت: دخل علي طلحة بن عبيد الله يوماً خاثراً، فقلت له: ما لي أراك خاثراً؟ أرابك منا ريب فنُعتبك؟ فقال: ما رابني منك ريب، ولنعم حليلة المرء المسلم أنت، إلا أنه اجتمع في بيت المال مال كثير قد غمني، قالت: فقلت له: وما يمنعك منه، أرسل إلى قومك فاقسمه بينهم، قالت: فأرسل إلى قومه، فقسمه بينهم. قالت سعدى: فسألت الخازن: كما كان؟ قال: أربع مئة ألف.
وعن الحسن أن طلحة بن عبيد الله باع أرضاً له من عثمان بن عفان بسبع مئة ألف، قال: ثم حملها. فلما جاء بها الرسول قال: إن رجلاً يبيت وهذه في بيته لا يدري ما يطرقه من الله لعزيز بالله، قال: فجعل رسوله يختلف في سِكك المدينة يقسمها، فما أصبح وعنده منها درهم.
وعن طلحة بن عبيد الله أنه أتاه مال من حضرموت سبع مئة ألف. قال: فبات ليلته يتململ، فقالت له زوجته: يا أبا محمد، مالي أراك منذ الليلة تململُ، أرابك منا أمر فنُعتبك؟ قال: لا، لعمري، لنعم زوجة المرء أنت، ولكن تفكرت منذ الليلة فقلت: ما ظن رجل بربه يبيت وهذا المال في بيته؟ قالت: فأين أنت عن بعض أخلاقك؟ قال: وما هو؟ قالت: إذا أصبحت دعوت بجفان وقصاع فقسمتها على بيوت المهاجرين والأنصار على قدر منازلهم قال: فقال لها: يرحمك الله، إنك ما علمت موفقة بنت موفَّق، وهي أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق ﵃. فلما أصبح دعا بجفان وقصاع فقسمها بين المهاجرين والأنصار، فبعث إلى علي بن أبي طالب منها بجفنة، فقالت له زوجته: أبا محمد، أما كان لنا في هذا المال من نصيب؟ قال: فأين كنت منذ اليوم؟ فشأنك بما بقي، قال: فكانت صرة نحو من ألف درهم.
كان طلحة بن عبيد الله يغل بالعراق ما بين أربع مئة ألف إلى خمس مئة ألف،
стр. 3842
ويغل بالسرَّاة عشرة آلاف دينار أو أقل أو أكثر، وبالأعراض له غلات، وكان لا يدع أحداً من بني تميم عائلاً إلا كفاه مؤنته ومؤنة عياله، وزوج أياماهم، وأخدم عائلهم، وقضى دين غارمهم، ولقد كان يرسل إلى عائشة إذا جاءت غلته كل سنة بعشرة آلاف، ولقد قضى على صُبيحة التميمي ثلاثين ألف درهم.
اشترى عبيد الله بن معمر وعبد الله بن عامر بن كريز من عمر بن الخطاب رقيقاً ممن سبى، ففضل عليهما من ثمنهم ثمانون ألف درهم فأمر بهما عمر أن يلزمهما، فمرّ بهما طلحة وهو يريد الصلاة في مسجد سيدنا رسول الله ﷺ فقال: ما لابن معمر يلازم؟ فأخبره خبره، فأمر بالأربعين ألف التي عليه تقضى عنه، فقال عبيد الله بن معمر لعبد الله بن عامر: إنها إن قضيت عني بقيت ملازماً، وإن قضيت عنك لم يتركني طلحة حتى يقضي عني، فدفع إليه الأربعين ألف درهم فقضاها عبد الله بن عامر عن نفسه وخلي سبيله، فمرّ طلحة منصرفاً من الصلاة، فوجد عبيد الله بن معمر يلازم، فقال: ما لابن معمر ألم آمر بالقضاء عنه؟ فأخبر بما صنع، فقال: أما ابن معمر فقد علم أن له ابن عم لا يسلمه، احملوا أربعين ألف درهم، واقضوها عنه، ففعلوا، فخلي سبيل عبيد الله بن معمر.
وكانت غلة طلحة كل يوم ألف وافٍ.
سأل معاوية موسى بن طلحة: كم ترك أبو محمد يرحمه الله من العين؟ قال: ترك ألفي درهم ومئتي ألف درهم ومئتي ألف دينار، وكان ماله قد اغتيل. كان يُغل كل سنة من العراق مئة ألف سوى غلاته من السّراة وغيرها، ولقد كان يدخل قوت أهله بالمدينة سنتهم من مزرعته بقناة كان يزرع على عشرين ناضحاً، وأول من زرع القمح بقناة هو، فقال معاوية: عاش حميداً سخياً شريفاً، وقتل فقيداً، ﵀.
وعن سعدى بنت عوف امرأة طلحة بن عبيد الله قالت: لقد تصدق طلحة يوما بمئة ألف، ثم حبسه عن الرواح إلى المسجد أن جمعت له بين طرفي ثوبه.
стр. 3843
كان لعثمان على طلحة خمسون ألف درهم فخرج عثمان يوماً إلى المسجد، فقال له طلحة: قد تهياً لك مالك فاقبضه، قال: هو لك يا أبا محمد معونة لك على مروءتك.
وكان طلحة بن عبيد الله من حلماء قريش وقال: إن أقل عيب الرجل جلوسه في بيته. وكان طلمة لا يشاور بخيلاً في صله ولا جباناً في حرب ولا شاباً في جاريه.
وقال طلحة: الكسوة تظهر النعمة والدهن يذهب البؤس، والإحسان إلى الخادم يكبت الأعداء.
قال طلحة: لما كان يوم أحد ارتجزت بهذا الشعر.
نحنُ حماة غالبٍ ومالكِ
نذبُّ عن رسولِنا المباركِ
نصرفُ عنه القوم في المعاركِ
صرف صفاح الكوم في الْمَباركِ
وما انصرف النبي ﷺ يوم أحد حتى قال لحسان قل في طلحة فقال: " الطويل "
وطلحة يوم الشِّعب آسى محمداً ... على ساعة ضاقت عليه وشقّتِ
يقيه بكفّيه الرماحَ وأسلمت ... أشاجعه تحت السيوف فشلَّتِ
وكان إمام الناس إلا محمداً ... أقام رحا الإسلام حتى استقلَّتِ
وقال أبو بكر الصديق: " البسيط "
حمى نبيَّ الهدى والخيلُ تتبعُهُ ... حتى إذا ما لقوا حامى عن الدينِ
стр. 3844
صبراً على الطعن إذ ولت جماعتهم ... والناس من بين مهديّ ومفتونِ
يا طلحة بن عبيد الله قد وجبّت ... لك الجِنانُ وزوّجت المها العينِ
وقال عمر بن الخطاب: " البسيط "
حمى نبيَّ الهدى بالسيف منصلتاً ... لما تولّى جميعُ الناسِ وانكشفوا
قال: فقال النبي ﷺ : صدقت يا عمر.
قال علقمة بن وقّاص الليثي: لما خرج طلحة والزبير وعائشة لطلب دم عثمان عرجوا من منصرفهما بذات عرق، فاستصغروا عروة بن الزبير وأبا بكر بن عبد الرحمن فردوهما، قال: ورأيت طلحة وأحبّ المجالس إليه أخلاها، وهو ضارب بلحيته على زّوره. قال: فقلت: يا أبا محمد، إني أراك وأحبُّ المجالس إليك أخلاها، وأنت ضارب بلحيتك على زَورك، إن كنت تكره هذا الأمر فدعه، فليس يكرهك عليه أحد، فقال: يا علقمة بن وقاص لا تلمني، كنا أمس يداً واحدة على من سوانا، فأصبحنا اليوم جبلين، من حديد، يزحف أحدنا إلى صاحبه، ولكنه كان مني في أمر عثمان ما لا أرى كفارته إلا بسفك دمي، وطلب دمه. قال: فقلت: محمد بن طلحة لِمَ تخرجه معك، ولك ولد صغار؟! دعه، فإن كان أمر خلفك في تزهد، قال: هو أعلم، أكره أن أرى أحداً له في هذا الأمر نية، فأردّه، قال: فكلمت محمد بن طلحة في التخلف، فقال: أكره أن أسأل الرجال عن أبي.
حدث رفاعة بن إياس الضبي عن أبيه عن جده قال:
كنت مع علي في الجمل، فبعث إلى طلحة أن القني، فلقيه، فقال: أنشدك الله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم، والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه؟ قال: نعم، وذكره. قال: فلِمَ تقاتلني؟!.
وعن حكيم بن جابر الأحمسي قال: قال طلحة بن عبيد الله يوم الجمل: إنا داهنّا في أمر عثمان، فلا نجد اليوم شيئاً أمثل من أن نبذل دماءنا فيه. اللهم، خذ لعثمان مني اليوم حتى ترضى.
ولما التقى القوم يوم الجمل قام كعب بن سور الأزدي، ومعه المصحف، فنشره بين
стр. 3845
الفريقين، ونشدهم الله والإسلام في دمائهم، فما زال بذلك المنزل حتى قتل. فكان طلحة من أول قتيل، وذهب الزبير يريد أن يلحق ببنيه فقتل.
قالوا: وأقبل كعب بن سور حتى أتى عائشة، فقال: أدركي، فقد أبى القوم إلا القتال، لعل الله تعالى يصلح بك، فركبت، وألبسوا هودجها الأدراع، ثم بعثوا جملها، وكان جملها يدعى عسكراً، حملها عليه يعلى بن أمية، اشتراه بمئتي دينار. فلما برزت من البيوت وكانت بحيث تسمع الغوغاء وقفت، فلم تلبث أن سمعت غوغاء شديدة، فقالت: ما هذا؟ فقالوا: ضجة العسكر، قالت: بخير أم بشرّ؟ قالوا: بشرّ. قالت: فأي الفريقين كانت منهم هذه الضجة. فهم المهزومون، وهي واقفة، فما فجئنا إلا الهزيمة، فمضى الزبير من سننه في وجهه فسلك وادي السباع، وجاء طلحة سهم غَرب فخلى ركبته بصفحة الفرس. فلما امتلأ مَوْزَجه دماً وثقل قال لغلامه: أردفني، وأمسكني، وابغني مكانً أنزل فيه، فدخل البصرة وهو يتمثل مثله ومثل الزبير: " الوافر "
فإن تكنِ الحوادثُ أقصدتني ... وأخطاهن سهمي حين أرمي
فقد ضيعت حين تبعتُ سهماً ... سفاهاً ما سفت وضلّ حلمي
ندمتُ ندامة الكسعيِّ لما ... شريتُ رضى بني سهم برغمي
أطعتهم بفرقة آل لأي ... فألقَوا للسباع دمي ولحمي
فلما انهزم الناس في صدر النهار نادى الزبير: أنا الزبير، هلموا إلي أيها الناس، ومعه مولى له ينادي: عن حواريّ رسول الله ﷺ تنهزمون؟ وانصرف الزبير نحو وادي السباع، واتبعه فرسان، وتشاغل الناس عنه بالناس، فلما رأى الفرسانَ تتبعه عطف عليهم، ففرق بينهم، فكروا عليه. فلما عرفوه قالوا: الزبير، دعوه، فإذا نفر منهم علباء بن الهيثم، ومرّ القعقاع في نفر بطلحة وهو يقول: إلي عباد الله، الصبر، الصبر، فقال له: يا أبا محمد، إنك لجريح، وإنك عما تريد لعليل، فادخل الأبيات، فقال: يا غلام، أدخلني، وابغني مكاناً، فدخل البصرة، ومع غلام ورجلان، واقتتل الناس
стр. 3846
بعده، وأقبل الناس في هزيمتهم تلك، وهم يريدون البصرة. فلما رأوا الجمل أطافت به مضر، فعادوا قلباً كما كانوا حيث التقوا، وعادوا في أمر جديد، ووقفت ربيعة البصرة ميمنة، وتميمهم ميسرة، وقالت عائشة: خلِّ يا كعب عن البعير، وتقدم بكتاب الله فادعهم إليه، ودفعت إليه مصحفاً، واقبل القوم، وأمامهم السبائية يخافون أن يجري الصلح، فاستقبلهم كعب بالمصحف، وعلي من خلفهم يوزِّعهم، ويأبَون إلا إقداماً. فلما دعاهم كعب رشقوه رشقاً واحداً فقتلوه، ثم راموا أم المؤمنين في هودجها، فجعلت تنادي، يا بني، البقية، البقية ويعلوا صوتها كثرة الله، الله، اذكروا الله والحساب، ويأبون إلا إقداماً، فكان أول شيء أحدثته حين أبَوا أن قالت: أيها الناس، العنوا قتلة عثمان وأشياعهم، وأقبلت تدعو.
وضج أهل البصرة بالدعاء، وسمع علي الدعاء فقال: ما هذه الضجة؟ قالوا: عائشة تدعو ويدعون معها على قتلة عثمان وأشياعها، فأقبل يدعو وهو يقول: اللهم، العن قتلة عثمان وأشياعهم. فأرسلت إلى عبد الرحمن بن عتّاب وعبد الرحمن بن الحارث اثبتا مكانكما، وذمّرت الناس حين رأت أن القوم لا يريدون غيرها، ولا يكفون عن الناس، فازدلفت مضر " البصرة "، فقصفت مضر الكوفة حين زوحم علي، فنخس علي قفا محمد، فقال: احمل، فنكل، فأهوى علي إلى الراية ليأخذها منه، فحمل، فترك الراية في يده، وحملت مضر الكوفة فاجتلدوا قدام الجمل حتى ضرسوا، والمجنِّبات على حالها لا تضع شيئاً، ومع علي أقوام غير مضر فيهم زيد بن صوحان، فقال له رجل من قومه: تنح إلى قومك، مالك ولهذا الموقف؟! ألست تعلم أن مضر بحيالك؟ وأن الجمل بين يديك؟ وأن الموت دونه؟ فقال: الموت خير من الحياة. الموت ما أريد، فأصيب هو وأخوه سيحان، وأرتث صعصعة، واشتدت الحرب. فلما رأى ذلك علي بعث إلى اليمن وإلى ربيعة: أن اجتمعوا على من يليكم، فقام رجل من عبد القيس فقال: ندعوكم إلى كتاب الله، قالوا: كيف يدعونا إلى كتاب الله من لا يقيم حدود الله، ومن قد قتل داعي
стр. 3847
الله كعب بن سور، فرمته ربيعة، رشقاً واحداً فقتلوه وقام مسلم بن عبيد العجلي مقامه، فرشقوه رشقاً واحداً، فقتلوه، ودعت يمن الكوفة يمن البصرة فرشقوهم.
ولما رأى مروان بن الحكم طلحة بن عبيد الله في الخيل قال: من ذا؟ قالوا: طلحة، فقال: هذا أعان على عثمان، لا أطلب بثأري بعد اليوم فرماه بسهم في ركبته. قال: فما زال الدم حتى مات.
وقيل: إن طلحة قال لمولى له: ابغني مكاناً، قال: لا أقدر عليه، قال: هذا والله سهم أرسله الله، اللهم، خذ لعثمان حتى ترضى، ثم وسدّ حجراً فمات.
وقيل: إن طلحة قال عن الموت: " الطويل "
أرى الموت أعداد النفوس ولا أرى ... بعيداً غداً ما أقربَ اليومَ من غدِ
ولما خرج طلحة حملوه، فقالوا: أين نذهب بك؟ فقال: إن شئتم فشرّقوا، وإن شئتم فغرّبوا، ما رأيت كاليوم قط مصرع شيخ.
رأى علي بن أبي طالب طلحة ملقى في بعض الأودية فنزل، فمسح التراب عن وجهه، ثم قال: عزيز علي أبا محمد بأن أراك مجدّلاً في الأودية، وتحت نجوم السماء، ثم قال: إلى الله أشكو عُجَري وبُجَري.
قال الأصمعي: معناه: سرائري وأحزاني التي تموج في جوفي.
وقيل: إن علياً انتهى إلى طلحة وقد مات، فنزل عن دابته، وأجلسه، فجعل يمسح الغبار عن وجهه ولحيته، وهو يترحم عليه، ويقول: ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.
ولما قتل طلحة والزبير جعل علي وأصحابه يبكون.
стр. 3848
حدث محمد بن عبيد الأنصاري عن أبيه قال: شهدت علياً مراراً يقول: اللهم، إني أبرأ إليك من قتلة عثمان. قال: وجاء رجل يوم الجمل، فقال: ائذنوا لقاتل طلحة، قال: سمعت علياً يقول: بشّره بالنار.
قال أبو حبيبة مولى طلحة: دخلت على علي مع عمران بن طلحة بعدما فرغ من أصحاب الجمل، قال: فرحب به، وأدناه، وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وإياك من الذين قال الله: " وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُوْرِهِمْ مِنْ غِلٍّ إخْواناً على سُرُرٍ مُتَقابِلِيْنَ " فقال: يا بن أخ، كيف فلانة كيف فلانة؟ قال: وسأله عن أمهات أولاد أبيه، قال: ثم قال: لم نقبض أرضكم هذه السنين إلا مخافة أن ينتهبها الناس، يا فلان، انطلق معه إلى ابن قَرظة، مُره فليعطه غلته هذه السنين، ويدفع إلي أرضه. قال: فقال رجلان جالسان ناحية، أحدُهما الحارث الأعور: الله أعدل من ذلك: أن تقتلهم ويكونوا إخواناً في الجنة. قال: قوما أبعدَ أرض الله، وأسحقها، فمن هو إذا لم أكن أنا وطلحة؟ يا بن أخي، إذا كانت لك حاجة فأتنا.
وعن ربعي بن خِراش قال: إني لعند علي جالس إذ جاء ابن طلحة يسلم على علي، فرحب به علي، فقال: ترحب بي يا أمير المؤمنين وقد قتلت والدي، وأخذت مالي؟! قال: أما مالك فهو معزول في بيت المال، فاغدُ إلى مالك فخذه، وأما قولك: قتلت أبي، فإني أرجو أن أكون أنا وأبوك من الذين قال الله : " وَنَزَعْنا مَا فِي صُدُوْرِهِمْ مِنْ غِلٍّ إخْواناً على سُرُرٍ مُتَقابِلِيْنَ " فقال رجل من همدان أعور: الله أعدل من ذلك، فصاح علي صيحة تداعى لها القصر، قال: فمن ذاك إذا لم نكن أولئك؟ وفي رواية
أن الذي قال ذلك ابن الكوا. فقام إليه بدِرَّته فضربه، وقال: أنت لا أم لك وأصحابك تنكرون هذا؟
стр. 3849
وعن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال: كان قدر ما ترك طلحة بن عبيد الله من العقار والأموال، وما ترك من الناضّ ثلاثين ألف ألف درهم، ترك من العين إلى ألف ومئتي ألف درهم، ومئتي ألف دينار، والباقي عُروض.
وعن النعمان بن بشير، وكان ممن يسمر مع علي أن علياً خرج فتلا هذه الآية: " إِنَّ الَّذِيْنَ سَبَقَتْ لُهُمْ مِنّا الحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ " قال: أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير، فما زال يتلو حتى دخل في الصلاة.
قتل طلحة ﵁ يوم الجمل سنة ست وثلاثين وهو ابن أربع وستين سنة.
وقيل: هو ابن اثنتين وستين سنة.
وقيل: ابن ثلاث وستين، وقيل: ابن ستين سنة.
وعن عائشة بنت طلحة أنها رأت أباها طلحة في المنام فقال لها: يا بنية، حوليني من هذا المكان، فقد أَضرّ بي الندى، فأخرجته بعد ثلاثين سنة أو نحوها، فحولته من ذلك النّز وهو طري لم يتغير منه شيء، فدفن في الهجرتين بالبصرة، وتولى إخراجه عبد الرحمن بن سلامة التميمي.
وعن قيس بن أبي حازم قال: رمى مروان بن الحكم طلحة يوم الجمل في ركبتيه، فجعل الدم يغذو يسيل، فإذا أمسكوه استمسك، فإذا تركوه سال. قال: والله، ما بلغت إلينا سهامهم بعد، ثم قال: دعوه، فإنما هو سهم أرسله الله، فمات، فدفنوه على شط الكلاء، فرأى بعض أهله أنه قال: ألا تريحوني من هذا الماء؟ فإني قد غرقت، ثلاث مرات يقولها، فنبشوه من قبره
стр. 3850
أخضر كأنه السلق، فنزفوا عنه الماء، ثم استخرجوه، فإذا ما يلي الأرض من لحيته ووجهه قد أكلته الأرض، فاشتروا داراً من دور آل أبي بكرة فدفنوه فيها.
وعن علي بن زيد بن جدعان قال: كنت جالساً إلى سعيد بن المسيب فقال: يا أبا الحسن، مر قائدك يذهب بك، فتنظر إلى وجه هذا الرجل وإلى جسده، فانطلق، قال: فإذا وجهه وجه زنجي وجسده أبيض، فقال: إني أبيت على هذا وهو يسب طلحة والزبير وعلياً، فنهيته فأبى، فقلت: إن كنت كاذباً فسوّد الله وجهك. فخرجت في وجهه وقرحة فاسودّ وجهه.
طلحة بن عبَيد الله بن كَريز
ابن جابر بن ربيعة بن هلال بن عبد مناف بن ضاطر ابن حَبْشِيَّة بن سلول بن كعب، أبو المطرف الخزاعي الكوفي روى طلحة عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : " ما من مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال له الملك: ولك بمثل، ولك بمثل ".
وحدث عنها أيضاً قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنه يستجاب للمرء بظهر الغيب لأخيه، فما دعا لأخيه بدعوة إلا قال الملك: ولك بمثل ".
وفي رواية قالت الملائكة: آمين، ولك بمثل.
وحدث عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ خلّل لحيته.
стр. 3851
طلحة بن أبي قنّان
أبو قنّان العبدري، مولاهم حدث ابن أبي قنان أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يبول فوافى عراراً من الأرض أخذ عوداً فنكت حتى يُثير الغبار ثم يبول.
طلحة بن يحيى بن طلحة
ابن عُبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشي التيمي المدني نزيل الكوفة. وفد على عمر بن عبد العزيز.
حدث طلحة بن يحيى عن عمته عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: دخل النبي ﷺ عليّ ذات يوم فقال: هل عندكم شيء؟ قلنا: لا، قال: فإني إذاً صائم. ثم جاء يوماً آخر فقلنا: يا رسول الله، أُهدي لنا حَيْس، فخبأنا لك منه، قال: أدِنيه، فقد أصبحت صائماً، فأكل.
وحدّث بعض بني طلحة بن عبيد الله قال: كنت " عند " عمر بن عبد العزيز، فدخل عليه أبو بردة بن أبي موسى الأشعري فقال له عمر: حدثنا بأحاديث أبيك عن رسول الله ﷺ قال: سمعت أبي يقول: قال رسول الله ﷺ : " إن أمتي أمة مرحومة، جعل عذابها بأيديها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة أُتي بأهل الأديان، فأُعطي كل رجل رجلاً، فقيل له: هذا فداؤك من النار "، فدعا عمر بن عبد العزيز بقرطاس وداوة، فكتب هذا، فكان فيما كتب: الرجل الذي لم يُسمّ هو طلحة بن يحيى.
стр. 3852
وعن طلحة بن يحيى قال:
كنت جالساً عند عمر فجاءه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، أبقاك الله، ما كان البقاء خيراً لك، فقال: أما ذاك فقد فرغ منه، ولكن قل: أحياك الله حياة طيبة، وتوفاك مع الأبرار.
وكان طلحة بن يحيى سنّه وسنّ عمر بن عبد العزيز واحد. ولد أيام قتل الحسين بن علي بن أبي طالب أيام يزيد بن معاوية.
وتوفي طلحة بن يحيى سنة ثمان وأربعين ومئة.
طليب بن عُمير بن وهب
ابن عبد بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب أبو عدي القرشي أمه أروى بنت عبد المطلب بن هاشم عمة رسول الله ﷺ . من المهاجرين الأولين. شهد بدراً مع رسول الله ﷺ ، واستشهد يوم اليرموك، ويقال: يوم أجنادين، وكان من مهاجرة الحبشة في الهجرة الثانية، وآخى رسول الله ﷺ بين طليب بن عُمير والمنذر بن عمرو الساعدي. وشتم عوف بن صُبيرة السهمي رسول الله ﷺ فأخذ له طليب بن عمير لحي جمل فضربه به حتى سقط مزملاً بدمه، فقيل لأمه: ألا ترين ما صنع ابنك؟! فقالت: " الرجز "
إنّ طُلَيباً نصرَ ابنَ خالِهْ
آساهُ في ذي ذمَّةٍ ومالِهْ
قال محمد بن إبراهيم التيمي: أسلم طليب بن عمير في دار الأرقم، ثم خرج، فدخل على أمه أروى بنت عبد المطلب فقال: تبعت محمداً وأسلمت لله، فقالت أمه: إن أحقّ من وازرت وعضدت ابن خالك، والله، لو كنا نقدر على ما يقدر عليه الرجال لمنعناه وذببنا عنه. فقال:
стр. 3853
يا أمّه، فما يمنعك أن تُسلمِي وتتبعيه، فقد أسلم أخوك حمزة؟ فقالت: أنظر ما تصنع أخواتي ثم أكون إحداهن. قال: فقلت: إني أسألك بالله إلا أتيته، فسلمت عليه، وصدقته، وشهدت أن لا إله إلا الله. قالت: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ثم كانت بعدُ تعضدُ النبي ﷺ بلسانها، وتحضّ ابنها على نصرته، والقيام بأمره.
وقيل: إن أبا جهل عرض ومعه عدّة من كفار قريش للنبي ﷺ ، فآذوه، فعمد طليب بن عمير إلى أبي جهل، فضربه ضربة شجّه، فأخذوه، فأوثقوه، فقام دونه أبو لهب حتى خلاّه. فقيل لأروى: ألا ترين ابنك طليباً قد صيّر نفسه غرضاً دون محمد؟ فقالت: خير أيامه يوم يذبّ عن ابن خاله، وقد جاء بالحق من عند الله، فقالوا: ولقد اتبعتِ محمداً؟ فقالت: نعم، فخرج بعضهم إلى أبي لهب فأخبره، فأقبل حتى دخل عليها، فقال: عجباً لك ولاتّباعك محمداً، وتركك دين عبد المطلب، فقالت: قد كان ذلك، فقم دون ابن أخيك، واعضُده، وامنعه، فإن يظهر أمره، فأنت بالخيار، أن تدخل معه، أو تكون على دينك، وإن يُصَب كنت قد أعذرت في ابن أخيك، فقال أبو لهب: ولنا طاقة بالعرب قاطبة؟ جاء بدِين محدث. قال: ثم انصرف أبو لهب.
وقيل: إن أروى قالت يومئذ:
إن طُليباً نصرَ ابنَ خالِهْ
البيتين.
قتل طليب بن عمير بن أجنادين شهيداً، في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، وهو ابن خمس وثلاثين سنة. وليس له عقب. وقيل: قتل يوم اليرموك.
стр. 3854
طليحة بن خويلد بن نوفل
ابن نضلة بن الأشتر بن حَجْوان بن فقعس بن طَريف بن عمرو ابن قُعَين بن الحارث بن ثعلبة ابن دُودان ابن أسد بن خزيمة الأسدي الفقعسي كان ممن شهد من الأحزاب الخندق، ثم قدم على سيدنا رسول الله ﷺ سنة تسع، فأسلم، ثم أرتد، وادعى النبوة في عهد أبي بكر الصديق بأرض نجد، وكانت له مع المسلمين وقائع، ثم خذله الله، فهرب حتى لحق بأعمال دمشق، ونزل على آل جفنة، ثم أسلم، وقدم مكة معتمراً، أو حاجاً، ثم خرج إلى الشام مجاهداً، وشهد اليرموك، وشهد بعض حروب الفرس. وكان طليحة يُعَدّ بألف فارس، لشدته وشجاعته وبصره بالحرب.
وعن محمد بن كعب القرظي قال: قدم عشرة نفر من بني أسد وافدين على سيدنا رسول الله ﷺ سنة تسع، وفيهم طليحة بن خويلد، ورسول الله ﷺ جالس في المسجد مع أصحابه، فأسلموا، وقال متكلمهم: يا رسول الله، إنا شهدنا أن الله وحده لا شريك له، وأنك عبده ورسوله، وجئناك يا رسول الله، ولم تبعث إلينا بعثاً ونحن لمن وراءنا سلم. فأنزل الله تعالى: " يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ".
قالوا: فلما ارتدت العرب ارتد طليحة وأخوه سلمة فيمن ارتد من أهل الضاحية، وادعى طليحة النبوة، فلقيهم خالد بن الوليد ببُزاخة، فأوقع بهم، وهرب طليحة حتى قدم الشام، فأقام عند آل جفنة الغسانيين حتى توفي أبو بكر. ثم خرج محرماً بالحج، فقدم مكة. فلما رآه عمر قال: يا طليحة، لا أحبك بعد قتل الرجلين الصالحين
стр. 3855
عكاشة بن مِحْصَن، وثابت بن أقرم، وكانا طليعتين لخالد بن الوليد فلقيهما طليحة وسلمة ابنا خويلد، فقتلاهما، فقال طليحة: يا أمير المؤمنين، رجلان أكرمهما الله بيدي، ولم يُهني بأيديهما، وما كل البيوت بنيت على الحب، ولكن صفحة جميلة، فإن الناس يتصافحون على الشنآن. وأسلم طليحة إسلاماً صحيحاً، ولم يُغمَص عليه في إسلامه. وشهد القادسية ونهاوند مع المسلمين. وكتب عمر أن شاوروا طليحة في حربكم ولا تُولُّوه شيئاً.
وكان طليحة في عهد النبي ﷺ فنزل بسميراء، ودعا الناس إلى أمره، وأرسل إلى النبي ﷺ يوادعه، فأرسل النبي ﷺ ضرار بن الأزور، فقدم على سنان بن أبي سنان وعل قضاعي، ثم أتى بني ورقاء من بني الصيداء وفيهم بيت الصيداء وغيرها بكتاب النبي ﷺ وأمره إلى عوف بن فلان فأجابه وقبل آمره، وعسكر المسلمون بوارداتِ، واجتمعوا إلى سنان وقضاعي وضرار وعوف، وعسكر الكافرون بسميراء، واجتمعوا إلى طليحة، واجتمع ملأ عوف وسنان وقضاعي على أن دسُّوا لطليحة مخنف بن السليل الهالكي وكان بهمة، وكان قد أسلم فحسن إسلامه، وكان بقية بن الهالك، وكانوا قيوناً، ولهم يقول الشاعر: " الوافر "
جنوحُ الهالكي على يدَيْه ... مُكباً يجتلي ثقبَ النِّصالِ
وكان مخنف إذا هاجت حرب سار في القبائل يسنّ السيوف. وقالوا: لا تستنكر على حالها وشأنك طليحة، ففعل. فلما وقع إليهم أرسل إليه فأعطاه سيفه، فشحذه له، ثم قام به إليه، ورجال من قومه. فنام عليه، فطبق به هامته، فما خصه، وخرّ طليحة مغشياً عليه،
следующие страницы →