← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

طلحة بن أبي قنّان أبو قنّان العبدري، مولاهم حدث ابن أبي قنان أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يبول فوافى عراراً من الأرض أخذ عوداً فنكت حتى يُثير الغبار ثم يبول. طلحة بن يحيى بن طلحة ابن عُبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشي التيمي المدني نزيل الكوفة. وفد على عمر بن عبد العزيز. حدث طلحة بن يحيى عن عمته عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: دخل النبي ﷺ عليّ ذات يوم فقال: هل عندكم شيء؟ قلنا: لا، قال: فإني إذاً صائم. ثم جاء يوماً آخر فقلنا: يا رسول الله، أُهدي لنا حَيْس، فخبأنا لك منه، قال: أدِنيه، فقد أصبحت صائماً، فأكل. وحدّث بعض بني طلحة بن عبيد الله قال: كنت " عند " عمر بن عبد العزيز، فدخل عليه أبو بردة بن أبي موسى الأشعري فقال له عمر: حدثنا بأحاديث أبيك عن رسول الله ﷺ قال: سمعت أبي يقول: قال رسول الله ﷺ : " إن أمتي أمة مرحومة، جعل عذابها بأيديها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة أُتي بأهل الأديان، فأُعطي كل رجل رجلاً، فقيل له: هذا فداؤك من النار "، فدعا عمر بن عبد العزيز بقرطاس وداوة، فكتب هذا، فكان فيما كتب: الرجل الذي لم يُسمّ هو طلحة بن يحيى.

стр. 3852

وعن طلحة بن يحيى قال: كنت جالساً عند عمر فجاءه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، أبقاك الله، ما كان البقاء خيراً لك، فقال: أما ذاك فقد فرغ منه، ولكن قل: أحياك الله حياة طيبة، وتوفاك مع الأبرار. وكان طلحة بن يحيى سنّه وسنّ عمر بن عبد العزيز واحد. ولد أيام قتل الحسين بن علي بن أبي طالب أيام يزيد بن معاوية. وتوفي طلحة بن يحيى سنة ثمان وأربعين ومئة. طليب بن عُمير بن وهب ابن عبد بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب أبو عدي القرشي أمه أروى بنت عبد المطلب بن هاشم عمة رسول الله ﷺ . من المهاجرين الأولين. شهد بدراً مع رسول الله ﷺ ، واستشهد يوم اليرموك، ويقال: يوم أجنادين، وكان من مهاجرة الحبشة في الهجرة الثانية، وآخى رسول الله ﷺ بين طليب بن عُمير والمنذر بن عمرو الساعدي. وشتم عوف بن صُبيرة السهمي رسول الله ﷺ فأخذ له طليب بن عمير لحي جمل فضربه به حتى سقط مزملاً بدمه، فقيل لأمه: ألا ترين ما صنع ابنك؟! فقالت: " الرجز " إنّ طُلَيباً نصرَ ابنَ خالِهْ آساهُ في ذي ذمَّةٍ ومالِهْ قال محمد بن إبراهيم التيمي: أسلم طليب بن عمير في دار الأرقم، ثم خرج، فدخل على أمه أروى بنت عبد المطلب فقال: تبعت محمداً وأسلمت لله، فقالت أمه: إن أحقّ من وازرت وعضدت ابن خالك، والله، لو كنا نقدر على ما يقدر عليه الرجال لمنعناه وذببنا عنه. فقال:

стр. 3853

يا أمّه، فما يمنعك أن تُسلمِي وتتبعيه، فقد أسلم أخوك حمزة؟ فقالت: أنظر ما تصنع أخواتي ثم أكون إحداهن. قال: فقلت: إني أسألك بالله إلا أتيته، فسلمت عليه، وصدقته، وشهدت أن لا إله إلا الله. قالت: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ثم كانت بعدُ تعضدُ النبي ﷺ بلسانها، وتحضّ ابنها على نصرته، والقيام بأمره. وقيل: إن أبا جهل عرض ومعه عدّة من كفار قريش للنبي ﷺ ، فآذوه، فعمد طليب بن عمير إلى أبي جهل، فضربه ضربة شجّه، فأخذوه، فأوثقوه، فقام دونه أبو لهب حتى خلاّه. فقيل لأروى: ألا ترين ابنك طليباً قد صيّر نفسه غرضاً دون محمد؟ فقالت: خير أيامه يوم يذبّ عن ابن خاله، وقد جاء بالحق من عند الله، فقالوا: ولقد اتبعتِ محمداً؟ فقالت: نعم، فخرج بعضهم إلى أبي لهب فأخبره، فأقبل حتى دخل عليها، فقال: عجباً لك ولاتّباعك محمداً، وتركك دين عبد المطلب، فقالت: قد كان ذلك، فقم دون ابن أخيك، واعضُده، وامنعه، فإن يظهر أمره، فأنت بالخيار، أن تدخل معه، أو تكون على دينك، وإن يُصَب كنت قد أعذرت في ابن أخيك، فقال أبو لهب: ولنا طاقة بالعرب قاطبة؟ جاء بدِين محدث. قال: ثم انصرف أبو لهب. وقيل: إن أروى قالت يومئذ: إن طُليباً نصرَ ابنَ خالِهْ البيتين. قتل طليب بن عمير بن أجنادين شهيداً، في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، وهو ابن خمس وثلاثين سنة. وليس له عقب. وقيل: قتل يوم اليرموك.

стр. 3854

طليحة بن خويلد بن نوفل ابن نضلة بن الأشتر بن حَجْوان بن فقعس بن طَريف بن عمرو ابن قُعَين بن الحارث بن ثعلبة ابن دُودان ابن أسد بن خزيمة الأسدي الفقعسي كان ممن شهد من الأحزاب الخندق، ثم قدم على سيدنا رسول الله ﷺ سنة تسع، فأسلم، ثم أرتد، وادعى النبوة في عهد أبي بكر الصديق بأرض نجد، وكانت له مع المسلمين وقائع، ثم خذله الله، فهرب حتى لحق بأعمال دمشق، ونزل على آل جفنة، ثم أسلم، وقدم مكة معتمراً، أو حاجاً، ثم خرج إلى الشام مجاهداً، وشهد اليرموك، وشهد بعض حروب الفرس. وكان طليحة يُعَدّ بألف فارس، لشدته وشجاعته وبصره بالحرب. وعن محمد بن كعب القرظي قال: قدم عشرة نفر من بني أسد وافدين على سيدنا رسول الله ﷺ سنة تسع، وفيهم طليحة بن خويلد، ورسول الله ﷺ جالس في المسجد مع أصحابه، فأسلموا، وقال متكلمهم: يا رسول الله، إنا شهدنا أن الله وحده لا شريك له، وأنك عبده ورسوله، وجئناك يا رسول الله، ولم تبعث إلينا بعثاً ونحن لمن وراءنا سلم. فأنزل الله تعالى: " يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ". قالوا: فلما ارتدت العرب ارتد طليحة وأخوه سلمة فيمن ارتد من أهل الضاحية، وادعى طليحة النبوة، فلقيهم خالد بن الوليد ببُزاخة، فأوقع بهم، وهرب طليحة حتى قدم الشام، فأقام عند آل جفنة الغسانيين حتى توفي أبو بكر. ثم خرج محرماً بالحج، فقدم مكة. فلما رآه عمر قال: يا طليحة، لا أحبك بعد قتل الرجلين الصالحين

стр. 3855

عكاشة بن مِحْصَن، وثابت بن أقرم، وكانا طليعتين لخالد بن الوليد فلقيهما طليحة وسلمة ابنا خويلد، فقتلاهما، فقال طليحة: يا أمير المؤمنين، رجلان أكرمهما الله بيدي، ولم يُهني بأيديهما، وما كل البيوت بنيت على الحب، ولكن صفحة جميلة، فإن الناس يتصافحون على الشنآن. وأسلم طليحة إسلاماً صحيحاً، ولم يُغمَص عليه في إسلامه. وشهد القادسية ونهاوند مع المسلمين. وكتب عمر أن شاوروا طليحة في حربكم ولا تُولُّوه شيئاً. وكان طليحة في عهد النبي ﷺ فنزل بسميراء، ودعا الناس إلى أمره، وأرسل إلى النبي ﷺ يوادعه، فأرسل النبي ﷺ ضرار بن الأزور، فقدم على سنان بن أبي سنان وعل قضاعي، ثم أتى بني ورقاء من بني الصيداء وفيهم بيت الصيداء وغيرها بكتاب النبي ﷺ وأمره إلى عوف بن فلان فأجابه وقبل آمره، وعسكر المسلمون بوارداتِ، واجتمعوا إلى سنان وقضاعي وضرار وعوف، وعسكر الكافرون بسميراء، واجتمعوا إلى طليحة، واجتمع ملأ عوف وسنان وقضاعي على أن دسُّوا لطليحة مخنف بن السليل الهالكي وكان بهمة، وكان قد أسلم فحسن إسلامه، وكان بقية بن الهالك، وكانوا قيوناً، ولهم يقول الشاعر: " الوافر " جنوحُ الهالكي على يدَيْه ... مُكباً يجتلي ثقبَ النِّصالِ وكان مخنف إذا هاجت حرب سار في القبائل يسنّ السيوف. وقالوا: لا تستنكر على حالها وشأنك طليحة، ففعل. فلما وقع إليهم أرسل إليه فأعطاه سيفه، فشحذه له، ثم قام به إليه، ورجال من قومه. فنام عليه، فطبق به هامته، فما خصه، وخرّ طليحة مغشياً عليه،

стр. 3856

وأخذوه فقتلوه. فلما أفاق طليحة قال: هذا عمل ضرار وعوف، فأما سنان وقضاعي فإنهما تابعان لهما في هذا، وشاعت تلك الضربة في أسد وغطفان، وقالوا: لا يحيكُ في طليحة، ونما الخبر إلى المدينة، ومدت غطفان وأسد إليه أعناقهم، وصار فتنة لهم. وفي حديث آخر: وما زال المسلمون في نماء، وما زال المشركون في نقصان حتى همَّ ضرار بالسَّير إلى طليحة، ولم يبق " أحد " إلا أخذه سَلَماً إلى أن ضرب ضربة بالجُراز، فنبا عنه، فشاعت في الناس، وأتى المسلمين وهم على ذلك موت سيدنا رسول الله ﷺ ، وقال أناس لتلك الضربة: إن السلاح لا يَحيكُ في طليحة. فما أمسى المسلمون من ذلك اليوم حتى عرفوا النقصان، وأرفض الناس إلى طليحة، واستطار أمره. عن الشعبي قال: لما ارتدت العرب بعد رسول الله ﷺ عوامّ أو خواصّ، فارتدت أسد، واجتمعوا على طليحة واجتمعت عليه طيء. إلا ما كان من عدي بن حاتم، فإنه تعلق بالصدقات، فأمسكها، وجعل يكلم الغوث، وكان فيهم مطاعاً، فيتلطف لهم، ويترفق بهم، وكانوا قد استحلَوا أمر طليحة وأعجبهم، وقام عيينة في غطفان، فلم يزل بهم، حتى أجمعوا عليه. ثم أرسلوا وفوداً، وأرسل غيرهم، ممن حول المدينة وفوداً، فنزلوا على وجوه المهاجرين والأنصار ما خلا العباس، فإنه لم يُنزلهم ولم يطلب فيهم، فعرضوا أن يقيموا الصلاة، وأن يُعْفَوا من الزكاة، فخرج عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وسعد، وأمثالهم يطلبون أبا بكر، فلم يجدوه في منزله، فسألوا عنه، فقيل: هو في الأنصار، فأتوه، فوجدوه فأخبروه الخبر، فقال لهم: أترَوْن ذلك؟ فقالوا جميعاً: نعم، حتى يسكن الناس، ويرجع الجنود، فلعمري لو قد رجعت الجنود لَسمحوا

стр. 3857

بها، فقال: وهل أنا إلا رجل من المسلمين؟ ذهبوا بنا إليهم. فلما دخل المسجد نادى للصلاة جامعة. فلما تتامّوا إليه قام فحمد الله وأثنى عليه وقال: إنّ الله توكل بهذا الأمر، فهو ناصرٌ من لزمه، وخاذلٌ مَن تركه، وإنه بلغني أن وفوداً من وفود العرب قدموا يعرضون الصلاة، ويأبَون الزكاة، ألا ولو أنهم منعوني عِقالاً مما أعطوه لرسول الله ﷺ من فرائضهم ما قبلته منهم. وفي حدث آخر: لو منعوني عِقالاً لجاهدتهم عليه. قال: وكانت عُقُل الصدقة على أهل الصدقة مع الصدقة. قال: ألا برئت الذمة من رجل من هؤلاء الوفود، أجد بعد يومه وليلته بالمدينة فتأبثوا يتخطون رقاب الناس حتى ما بقي منهم في المسجد أحد، ثم دعا نفراً فأمرهم بأمره، فأمر علياً بالقيام على نقب من أنقاب المدينة، وأمر الزبير بالقيام على نقب آخر، وأمر طلحة بالقيام على نقب آخر، وأمر عبد الله بن مسعود يعسّس ما وراء ذلك بالليل والارتباء نهاراً، وجدّ في أمره، وقام على رَجْل. قالوا: فرجع وفد من يلي المدينة من المرتدة إليهم، فأخبروا عشائرهم بقلة أهل المدينة، وأطمعوهم فيها، وجعل أبو بكر ﵁ بعدما أخرج الوفد على أنقاب المدينة علياً، والزبير، وطلحة وعبد الله بن مسعود، وأخذ أهل المدينة بحضور المسجد، وقال لهم: إن الأرض كافرة، وقد رأى وفدهم منكم قلة، وإنكم

стр. 3858

لا تدرون أليلاً تؤتون أو نهاراً، وأدناهم منكم على بريد، وقد كان القوم يؤملون أن نقبل منهم، ونوادعهم، وقد أبينا عليهم، فاستعدوا وأعدوا، فما لبثوا إلا ثلاثاً حتى طرقوا المدينة غارة مع الليل. وخلفوا نصفهم بذي حساً ليكونوا ردءاً لهم، فوافق الغوار الأنقاب وعليها المقاتلة، ودونهم أقوام يدرجون. فنهنهوهم، وأرسلوا إلى ابي بكر ﵁ بالخبر، فأرسل إليهم أن الزموا مكانكم، ففعلوا، وخرج في أهل المسجد على النواضح إليهم، فانفشّ العدو، وأتبعهم المسلمون على إبلهم حتى بلغوا ذا حُساً، فخرج عليهم الرِّدء بأنحاء قد نفخوها، وجعلوا فيها الحبال ثم دهدهوها في وجوه الإبل بأرجلهم، فتدهدى كل نحي في طوَلِه، فنفرت إبل المسلمين وهم عليها، ولا تنفر من شيء نفارها من الأنحاء، ففاجت بهم ما يملكونها، حتى دخلت بهم المدينة، ولم يصرع مسلم، ولم يُصَب، فظن القوم بالمسلمين الوهن، وبعثوا إلى أهل ذي القصة بالخبر، فقدموا عليهم اغتماراً في الذين أخبروهم، وبات أبو بكر ليلته يتهيأ، فعبأ الناس، ثم خرج على تعبئته، من أعجاز ليلته، فما طلع الفجر إلا وهم والعدو بصعيد واحد، فما سمعوا للمسلمين حسّاً ولا همساً، حتى وضعوا فيهم السيوف واقتتلوا أعجاز ليلتهم. فما ذرّ قرن الشمس حتى ولوهم الأدبار، وغلبوهم على عامة ظهرهم، واتبعهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة، وكان أول الفتح، فوضع بها النعمان بن مقرّن في عدد، ورجع إلى المدينة فذلّ بها المشركون، ووثب بنو ذبيان وعبس على من كان فيهم من المسلمين فقتلوهم كل قتلة، وفعل من وراءهم فعلهم، وعزّ المسلمون بوقعة أبي بكر ﵁، وحلف أبو بكر ليقتلَنّ في المشركين كل قتل. وليقتلن كل قبيلة قتلوا من المسلمين وزيادة، وازداد المسلمون ثباتاً على دينهم في كل قبيلة، وازداد المشركون أنفشاشاً عن أمرهم في كل قبيلة.

стр. 3859

وطرقت المدينة صدقات نفر: صفوان والزبرقان وعدي بن حاتم: صفوان ثم الزبرقان ثم عدي بن حاتم، وذلك لتمام ستين يوماً من مخرج أسامة. وقدم أسامة، فاستخلفه أبو بكر على المدينة وقال له ولجنده: أريحوا وارعَوا ظهركم. ثم خرج في الذين خرجوا إلى ذي القصة، والذين كانوا على الأنقاب على ذلك الظهر، فقال له المسلمون: ننشدك الله يا خليفة رسول الله أن تعرض نفسك، فإنك إن تُصب أمّرت آخر، فقال: والله لا أفعله ولأواسينكم بنفسي، فخرج في تعبئته إلى ذي حُساً وذي القصة، وكانت الوقعة. قال الزهري: لما استخلف أبو بكر وارتدّ من ارتدّ من العرب عن الإسلام خرج أبو بكر ﵁ غازياً حتى إذا بلغ نَقْعاً من نحو البقيع خاف على المدينة، فرجع وأمرّ خالد بن الوليد سيف الله، وأمره أن يسير في ضاحية مضر فيقاتل من ارتد عن الإسلام منهم ثم يسير إلى اليمامة، فيقاتل مسيلمة الكذاب، فسار خالد بن الوليد فقاتل طليحة الكذاب الأسدي، فهزمه الله، وكان قد اتبعه عيينة بن حصن بن حذيفة. فلما رأى طليحة كثرة انهزام أصحابه قال: ويلكم! ما يهزمكم؟! قال رجل منهم: أنا أحدثك: ما يهزمنا أنه ليس منا رجل إلا وهو يحب أن يموت صاحبه قبله، وإنا لنلقى قوماً كلهم يحب أن يموت قبل صاحبه. وكان طليحة شديد البأس في القتال. فقتل طليحة يومئذ عكاشة بن محصن، وابن أقرم. فلما غلب الحق طليحة، ترجل ثم أسلم، وأهلّ بعمرة، فركب يسير في الناس آمناً حتى مرّ بأبي بكر بالمدينة، ثم نفذ إلى مكة، فقضى عمرته. استشهد طليحة بنهاوند سنة إحدى وعشرين مع النعمان بن مقرن وعمرو بن معدي كرب. ثم عدي بن حاتم، وذلك لتمام ستين يوماً من مخرج أسامة. وقدم أسامة، فاستخلفه أبو بكر على المدينة وقال له ولجنده: أريحوا وارعَوا ظهركم. ثم خرج في الذين خرجوا إلى ذي القصة، والذين كانوا على الأنقاب على ذلك الظهر، فقال له المسلمون: ننشدك الله يا خليفة رسول الله أن تعرض نفسك، فإنك إن تُصب أمّرت آخر، فقال: والله لا أفعله ولأواسينكم بنفسي، فخرج في تعبئته إلى ذي حُساً وذي القصة، وكانت الوقعة. قال الزهري: لما استخلف أبو بكر وارتدّ من ارتدّ من العرب عن الإسلام خرج أبو بكر ﵁ غازياً حتى إذا بلغ نَقْعاً من نحو البقيع خاف على المدينة، فرجع وأمرّ خالد بن الوليد سيف الله، وأمره أن يسير في ضاحية مضر فيقاتل من ارتد عن الإسلام منهم ثم يسير إلى اليمامة، فيقاتل مسيلمة الكذاب، فسار خالد بن الوليد فقاتل طليحة الكذاب الأسدي، فهزمه الله، وكان قد اتبعه عيينة بن حصن بن حذيفة. فلما رأى طليحة كثرة انهزام أصحابه قال: ويلكم! ما يهزمكم؟! قال رجل منهم: أنا أحدثك: ما يهزمنا أنه ليس منا رجل إلا وهو يحب أن يموت صاحبه قبله، وإنا لنلقى قوماً كلهم يحب أن يموت قبل صاحبه. وكان طليحة شديد البأس في القتال. فقتل طليحة يومئذ عكاشة بن محصن، وابن أقرم. فلما غلب الحق طليحة، ترجل ثم أسلم، وأهلّ بعمرة، فركب يسير في الناس آمناً حتى مرّ بأبي بكر بالمدينة، ثم نفذ إلى مكة، فقضى عمرته. استشهد طليحة بنهاوند سنة إحدى وعشرين مع النعمان بن مقرن وعمرو بن معدي كرب.

стр. 3860

طهمان بن عمرو أحد شعراء العرب وفد على عبد الملك بن مروان، وكان لصاً، فأمر بقطعه فقال: " الطويل " يدي يا أمير المؤمنين أعيذها ... بحقويك من غارٍ عليها يشينها ولاخير في الدنيا ولا في نعيمها ... إذا ما شمالي فارقتها يمينها فقال: هذا حدّ من حدود الله، ولا بدّ من إقامته، اقطع، فقامت امرأة عجوز كبيرة، وقالت: يا أمير المؤمنين، ولدي وكادّي وكاسبي، فقال: بئس الولد ولدك، وبئس الكادُّ كادُّكِ، وبئس الكاسب كاسبك. هذا حدّ من حدود الله، لابدّ من إقامته. قالت: يا أمير المؤمنين، اجعله بعض ذنوبك التي تستغفر الله منها، فعفا عنه، وأمر بتخليته. وقيل: إن نجدة الحروري أخذ طهمان، وكان لصاً، فقطعه. فلما استقام الأمر لعبد الملك أتاه طهمان فأنشده الأبيات وتتمتها، فجعل له عبد الملك أيمان مئة من بني حنيفة. فمات قبل أن يصل إليها. أسماء الرجال على

стр. 3861

حرف الظاء المعجمة ظالم بن عمرو بن ظالم ويقال: ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر ابن حَلْبس بن نُفاثة بن عدي بن الدئل ويقال: عثمان بن عمرو ويقال: عمرو بن سفيان ويقال: عمرو بن ظالم أبو الأسود الدِّيلي البصري قدم على معاوية، وهو أول من وضع للناس النحو، وولي قضاء البصرة. قال أبو الأسود الدِّيلي: أتيت المدينة وقد وقع بها مرض، فهم يموتونا موتاً ذريعاً، فجلست إلى عمر بن الخطاب، فمرت به جنازة، فأثنوا على صاحبها خيراً، فقال عمر: وجبت، ثم مرّ بأخرى فأُثني على صاحبها شراً، فقال عمر: وجبت. قال أبو الأسود: قلت: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال رسول الله ﷺ : " أيّما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة. قال: قلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة. قلنا: واثنان؟ ثم لم أسأله عن الواحد ".وعن ابن داب قال: قدم أبو الأسود الدِّيلي على معاوية بن أبي سفيان بعد مقتل علي بن أبي طالب ﵇. وقد استقامت له البلاد، فأدنى معاوية مجلسه، وأعظم جائزته، فحسده

стр. 3862

عمرو بن العاص، فقدم على معاوية، فاستأذن عليه في غير مجلس الإذن، فأذن له. فقال له معاوية: يا أبا عبد الله، ما أعجلك قبل وقت الإذن؟ قال: يا أمير المؤمنين، أتيتك لأمر قد أوجعني، وأرقني، وغاظني، وهو من بعد ذلك نصيحة لأمير المؤمنين. قال: وما ذاك يا عمرو؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن أبا الأسود رجل مفوّه، له عقل وأدب، من مثله الكلام يذكر، وقد أذاع بمصرك من الذكر لِعليّ، والبُغض لعدوه، وقد خشيت عليك أن يُثري في ذلك حتى تؤخذ بعنقك، وقد رأيت أن ترسل إليه فترهِّبه وترعِّبه، وتسبُره وتخبُره ولك من مسألته على إحدى خِبرتين: ما أن يبدي لك صفحته فتعرف مقالته، وإما أن يستقبلك، فيقول ما ليس من ورائه، فيُحتمل ذلك عنه، فيكون لك في ذلك عافية صلاح إن شاء الله، فقال معاوية: أم والله لقلما تركتُ رأيي لرأي امرىء قط إلا كنت فيه وبين أن أرى ما أكره، ولكن إن أرسلت إليه فساءلته، فخرج من مساءلتي بأمر لا أحد عليه مقدماً، ويملأني غيظاً لمعرفتي بما تُريد، وإن الرأي فيه أن نقبل منه ما أبدى من لفظه، فليس لنا أن نشرح عن صدره، وندع ما وراء ذلك يذهب جانباً. قال عمرو: أنا صاحبك يوم رفع المصاحف بصفين. وقد عرفت رأيي، ولست أرى لك خلافي، وما آلوك خيراً، فأرسِل إليه ولا تفترش مهاد العجز فتتخذه وطيئاً. فأرسل معاوية إلى أبي الأسود، فجاء حتى دخل عليه فكان ثالثاً، فرحب به معاوية وقال: يا أبا الأسود، خلوت أنا وعمرو وتشاجرنا في أصحاب محمد ﷺ ، وقد أحببت أن أكون من رأيك على يقين، قال: سل يا أمير المؤمنين عما بدا لك، قال: يا أبا الأسود، أيّهم كان أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ قال: يا أمير المؤمنين، أشدهم كان حباً لرسول الله ﷺ وأوقاهم له بنفسه؛ فنظر معاوية إلى عمرو، وحرّك رأسه، ثم تمادى في مسألته، فقال: يا أبا الأسود، فأيّهم كان أفضلهم عندك؟ قال: أتقاهم لربه، وأشدهم خوفاً لدينه، فاغتاظ معاوية على عمرو، ثم قال: يا أبا الأسود، فأيّهم أعلم؟ قال: أقولهم للصواب، وأفصلهم للخطاب، قال: يا أبا الأسود، فأيّهم كان

стр. 3863

أشجع؟ قال: أعظمهم بلاء، وأحسنهم غَناء، وأصبرهم على اللقاء، قال: فأيّهم كان أوثق عنده؟ قال: مَنْ أوصى إليها فيما بعده، قال: فأيّهم كان للنبي ﷺ صِدِّيقاً؟ قال: أولهم به تصديقاً فأقبل معاوية على عمرو وقال: لاجزاك الله خيراً، هل تستطيع أن ترد مما قال شيئاً؟! فقال أبو الأسود: يا أمير المؤمنين، إني قد عرفت من أين أتيت، فهل تأذن لي فيه؟ قال: نعم، فقل ما بدا لك، فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا الذي ترى هجا رسول الله ﷺ بأبيات من الشعر، فقال رسول الله ﷺ : اللهم، إني لا أحسن أن أقول الشعر، فالعَن عمراً، بكل بيت لعنة. أفتراه بعد هذا نائلاً فلاحاً، أو مدركاً رباحاً؟ إن أمرأ لم يعرف إلا بسهم أُجيل عليه فجال لَحقيقٌ أن يكون كليل اللسان، ضعيف الجَنان، مستشعراً للاستكانة، مقارناً للذل والمهانة، غير وَلوج فيما بين الرجال، ولا ناظر في تسطير المقال، إن قالت الرجال أصغى، وإن قامت الكرام أقعى، مبصبص بذَنبه لعظيم ذنبه، غير ناظر في أبهة الكرام، ولا منازع لهم، ثم لم يزل في دجنة ظلماء مع قلتة حياء، يعامل الناس بالمكر والخداع، والمكر والخداع في النار، فقال عمرو: يا أخا بني الدئل، والله لأنت الذليل القَليل، ولولا ماتمتّ به من نسب كنانة لاختطفتك من حولك اختطاف الأجدل الجُدّيّة، غير أنك بهم تطول، وبهم تصول، والله لقد أُعطيت مع هذا لساناً قوالاً، سيصير عليك وبالاً. وايم الله إنك لأعدى الناس لأمير المؤمنين، قديماً وحديثاً، وما كنت قط بأشد عداوة له منك الساعة، وإنك لَتُوالي عدوّه، وتعادي وليّه، وتبغيه الغوائل، ولئن أطاعني ليَقطعَنّ عنه لسانك، ولَتُخرجَنّ من رأسك شيطانك، فأنت العدو المطرق له إطراق الأفعوان في أصل السّخْبَر. قال: فتكلم معاوية فقال: يا أبا الأسود، أغرقت في النزع، ولم تدع رجعة لصالحك، وقال لعمرو: لم يغرق كما أغرقت، ولم يبلغ ما بلغت غير أنه كان منه الابتداء والاعتداء، والبادىء أظلم، والثالث أحلم، فانصرفا عن هذا القول إلى غيره، وقُوما غيرَ

стр. 3864

مطرودين، فقام عمرو وهو يقول: " الطويل " ول، وبهم تصول، والله لقد أُعطيت مع هذا لساناً قوالاً، سيصير عليك وبالاً. وايم الله إنك لأعدى الناس لأمير المؤمنين، قديماً وحديثاً، وما كنت قط بأشد عداوة له منك الساعة، وإنك لَتُوالي عدوّه، وتعادي وليّه، وتبغيه الغوائل، ولئن أطاعني ليَقطعَنّ عنه لسانك، ولَتُخرجَنّ من رأسك شيطانك، فأنت العدو المطرق له إطراق الأفعوان في أصل السّخْبَر. قال: فتكلم معاوية فقال: يا أبا الأسود، أغرقت في النزع، ولم تدع رجعة لصالحك، وقال لعمرو: لم يغرق كما أغرقت، ولم يبلغ ما بلغت غير أنه كان منه الابتداء والاعتداء، والبادىء أظلم، والثالث أحلم، فانصرفا عن هذا القول إلى غيره، وقُوما غيرَ مطرودين، فقام عمرو وهو يقول: " الطويل " لَعمري لقد أعيا القرونَ التي مضت ... تحوّلُ غشٍّ في الفؤادِ كمينِ وقام أبو الأسود وهو يقول: " الطويل " ألا إن عمراً رامَ خفيةٍ ... وكيفَ ينالُ الذئبُ ليثَ عرينِ؟ فانصرفا إلى منازلهما، وذاع حديثهما في البلاد، فبينا أبو الأسود في بعض الطريق إذ لقيه شاب من كلب يقال له: كليب بن مالك، شديد البغض لعلي وأصحابه، شديد الحب لمعاوية وأصحابه، فقال له: يا أبا الأسود، أنت المنازل عمراً أمس بين يدي أمير المؤمنين؟ أم والله لو شهدتك لأغرّقتُ جبينك، فقال أبو الأسود: من أنت يا بن أخي الذي بلغ بك خطرك كل هذا، وممن أنت؟ قال: أنا ممن لا ينكر، أنا امرؤ من قضاعة ثم من كلب، ثم أنا كليب بن مالك، فقال أبو الأسود: أراك كلباً من كلب، ألا أرى للكلب شيئاً؛ إذا هو نبح أفضل من أن يقطع باخساً، فاخسأ ثم اخسأ كلباً، فانصرف وخلاه. فبلغ ذلك القول معاوية فأكثر التعجب والضحك. ثم إنهما اجتماعا بعد ذلك عنده، فقال معاوية للكلبي: يا أخا كلب، ما كان أغناك من منازعة أبي الأسود، فقال الكلبي: ولم لا أنازعه؟ والله لأنا أكثر نفيراً، وأعزّ عشيراً، وأطلق لساناً، وإن شاء لأُنافِرَنّه بين يديك، فقال معاوية: والله يا أخا كلب، ما صدقت في واحدة من الثلاث، فقال أبو الأسود: والله لولا هذا الجالس يعني: يزيد بن معاوية فإنكم أخواله، لقطعت عني لسانك، فقال يزيدك يا أبا الأسود، قل، فأعمامي أحب إلي من أخوالي، فقال أبو الأسود: سل هذا يا أمير المؤمنين بمن ينافرني، بِحِمْيَر أو معَدّ؟ قال أبو حمزة الثمالي: لما بويع معاوية وفد عليه الأحنف بن قيس وأبو الأسود الدِّيلي في أهل البصرة، فقال معاوية للأحنف حين دخل عليه: أنت القاتل أمير المؤمنين، يريد عثمان، والخاذل أم المؤمنين، ومقاتلها بصفين؟ فقال له الأحنف: يا أمير المؤمنين، لا تَردُدِ الأمور على

стр. 3865

أدبارها، فإن القلوب التي أبغضناك بها في صدورنا، والسيوف التي قاتلناك بها في عواتقنا، فلا تمدّ لنا شبراً من الغدر إلا مددنا لك باعاً من الختر، وإن كنت يا أمير المؤمنين لجدير أن تستصفي كدر قلوبنا بفضل حلمك. قال: إني فاعل إن شاء الله. ثم أقبل على أبي الأسود الدِّيلي فقال له: أنت القائل لعلي: ابعثني حكماً، فوالله ما أنت هناك، إنك لَفَهيهُ المحاورة، عييّ بالجواب، فكيف كنت صانعاً؟ قال: كنت جامعاً أصحاب محمد فأقول لهم: أَبَدرِيّ، أُحُديّ، شجَريّ، عَقَبيّ أحبّ إليكم أم رجل من الطلقاء؟ فقال معاوية: مالهّ قاتله الله، والله لقد خلعني خلع الوصيف. وقيل: إن أبا الأسود قال لمعاوية: لو كنتُ بمكان أبي موسى ما صنعتُ ما صنع. قال: وما كنت تصنع؟ قال: كنت أنظر رهطاً من المهاجرين ورهطاً من الأنصار فأناشدهم الله، المهاجرون أحقّ بالخلافة أو الطلقاء؟ فقال معاوية: أقسمت عليك لا تذكرنّ هذا الحديث ما عشت. وكان أبو الأسود شاعراً متشيعاً. وكان ثقة في حديثه. وكان عبد الله بن عباس لما خرج من البصرة استخلف عليها أبا الأسود الدِّيلي، فأقرّه علي بن أبي طالب. وهو أول من تكلم في النحو، وقاتل مع علي ﵇ يوم الجمل. وهلك في ولاية عبيد الله بن زياد. والدُّيِّلي: بضم الدال وكسر الياء. وقيل: الدُّؤَلي: مضمومة الدال مفتوحة الواو، من الدُّئِل بضم الدال وكسر الياء. والدُّئِل: الدابة قيل: دابة صغيرة دون الثعلب وفوق ابن عرس ويقال لرهط أبي الأسود: الدُّؤلي، وامتنعوا أن يقولوا: أبو الأسود الدّيلي، لئلا يوالوا بين الكسرات، فقالوا: الدؤلي كما قالوا في النَّمِر: النَّمَري. واختلف في السبب الذي دعا أبا الأسود إلى ما رسمه من النحو، فقال أبو عبيدة: أخذ أبو الأسود العربية عن علي بن أبي طالب، فكان لايخرج شيئاً مما أخذه عن علي إلى

стр. 3866

أحد، حتى بعث إليه زياد: اعمل شيئاً تكون فيه إماماً ينتفع الناس به ويعرف به كتاب الله، فاستعفاه من ذلك حتى سمع أبو الأسود قارئاً يقرأ: " أنَّ الله بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ وَرَسُوله "، فقال: ما ظننت أن أمر الناس صار إلى هذا، فرجع إلى زياد فقال: أنا أفعل ما رسمه الأمير، فليبغني كاتباً لقِناً يفعل ما أقول، فأُتي بكاتب من عبد القيس، فلم يرضه، فأتي بآخر قال أبو العباس: أحسبه منهم فقال له أبو الأسود: إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقُط نقطة فوقه على أعلاه، فإن ضمت فمي فانقُط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة تحت الحرف، فإن أتبعت شيئاً من ذلك غُنَّة فاجعل ما كان النقطة نقطتين. فهذا نقط أبي الأسود. وقيل: إن رجلاً جاء إلى زايد فقال: أصلح الله الأمير، توفي أبانا، وترك بنوناً، فقال زياد: توفي أبانا، وترك بنوناً؟! ادع لي أبا الأسود، فقال: ضع للناس الذي كنت نهيتك أن تضع لهم، أبو الأسود استأذنه في أن يضع للعرب كلاماً يقيمون به كلامهم. وقيل: إن سعداً مرّ بأبي الأسود وكان رجلاً فارسياً وهو يقود فرسه، فقال: مالك يا سعد لا تركب؟ َ فقال: إن فرسي ضالع، فضحك به بعض من حضره. قال: أبو الأسود: هؤلاء الموالي قد رغبوا في الإسلام ودخلوا فيه، فصاروا لنا إخوة، فلو علمناهم الكلام، فوضع باب الفاعل والمفعول لم يزد عليه. وكان أبو الأسود من أفصح الناس. قال أبو الأسود: إني لأجد للّحن غمزاً كغمز اللحم. ويقال: إن ابنته قالت له يوماً: يا أبه، ما أحسنّ السماءِ، فقال: نجومُها، قالت: إني لم أُرد أيّ شيء أحسن منها، إنما تعجبت من حسنها. قال: إذاً فقولي: ما أحسنَ السماءَ!

стр. 3867

وقيل: إن ابنته قالت له: يا أبه، ما أشدّث الحرِّ في يوم شديد الحرّ فقال لها: إذا كانت الصقعاء من فوقك، والرمضاء من تحتك، فقالت: إنما أردت أن الحرّ شديد، قال: فقولي: ما أشدّ الحرَّ. والصقعاء: الشمس. فحينئذٍ وضع كتاباً. وقيل: إن أعرابياً قدم في زمن عمر، فقال: مَن يقرئني مما أنزل الله على محمد؟ قال: فأقرأه رجل " براءة " فقال: " أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ وَرَسُوله " بالجر، فقال الأعرابي: أوقد برىء الله من رسوله؟ إن يكن الله برىء من رسوله فأنا أبرأ منه. فبلغ عمر مقالَهُ فدعاه، فقال: يا أعرابي، أتبرأ من رسول الله ﷺ ؟ قال: يا أمير المؤمنين، إني قدمت المدينة ولا عِلم لي بالقرآن، فسألت من يقرئني، فأقرئني هذا سورة " براءة " فقال: " أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ وَرَسُوله " فقلت: أوقد برىء الله من رسوله؟ إن يكون الله برىء من رسوله، فأنا أبرأ منه. فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابي، قال: فكيف هي يا أمير المؤمنين؟ فقال: " أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ وَرَسُوله " فقال الأعرابي: وأنا والله أبرأ مما برىء الله ورسوله منه. فأمر عمر بن الخطاب ألا يقرىء القرآن إلاّ عالم باللغة، وأمر أبا الأسود فوضع النحو. قال العتبي: كتب معاوية إلى زياد يطلب عبيد الله ابنه. فلما قدم عليه كلمه، فوجده يلحن، فرده إلى زياد، وكتب إليه كتاباً يلومه فيه، ويقول: أمثل عبيد الله تصنع؟! فبعث زياد إلى أبي الأسود، فقال له: يا أبا الأسود: إن هذه الحمراء قد كثرت وأفسدت من ألسن العرب، فلو وضعت شيئاً يصلح به الناس كلامهم ويُعربُون به كتاب الله، فأبى ذلك أبو الأسود، وكره إجابة زياد إلى ما سأل، فوجه زياد رجلاً، وقال له: اقعد في طريق أبي الأسود، فإذا مر بك فاقرأ شيئاً من القرآن، وتعمّد اللحن فيه، ففعل ذلك. فلما مرّ به أبو الأسود رفع الرجل صوت يقرأ: " أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ وَرَسُوله " فاستعظم ذلك أبو الأسود، وقال: عزّ وجه الله أن يبرأ من رسوله، ثم

стр. 3868

رجع من فوره إلى زياد، فقال: يا هذا، قد أجبتك إلى ما سألتك، ورأيت أن أبدأ بإعراب القرآن، فابعث إلى ثلاثين رجلاً، فأحضرهم زياد، فاختار منهم أبو الأسود عشرة، ثم لم " يزل " يختارهم حتى اختار منهم رجلاً من عبد القيس، فقال: خذ المصحف وصبغاً يخالف لون المداد، فإذا فتحت شفتي فانقط واحدة فوق الحرف، وإذا ضممتها، فاجعل النقطة إلى جانب الحرف، فإذا كسرتها فاجعل النقطة في أسفله، فإن أتبعت شيئاً من هذه الحركات غُنَّة فانقط نقطتين، فابتدأ بالمصحف حتى أتى على آخره، ثم وضع " المختصر " المنسوب إليه بعد ذلك. قال محمد بن سلاّم الجمحي: أول مَن أسس العربية، وفتح بابها، وأنهج سبلها، ووضع قياسها أبو الأسود، وكان رجلَ أهلِ البصرة. وإنما فعل ذلك حين اضطرب كلام العرب فغلبت السليقية. السليقية من الكلام ما كان الغالب عليه السهولة، وهو مع ذلك فصيح اللفظ، منسوب إلى السليقة، وهي الطبيعة، ومعناه: ما سمح به الطبع، وسهُل على اللسان من غير أن يتعمد لإعرابه. يقال: فلان يقرأ بالسليقة أيى بطبعه. لم يقرأ على القراء، ولم يأخذه عن تعليم. قال الشافعي ﵀: كان مالك بن أنس يقرأ بالسليقية، يستقصره في ذلك. والسليقية تذم مرة وتمدح أخرى: إذا ذُمّت فلعدم الإعراب، وإذا مُدِحت فللدراية والفصاحة. قال الشاعر: " الطويل " ولستُ بنحويٍّ يَلوكُ لسانَهُ ... ولكن سليقيٌّ أقولُ فأعربُ وعن أبي الأسود قال: إعادة الحديث أشدّ من نقل الصخر من الجبل. قال الأصمعي: كان أبو الأسود يكثر الركوب، فقيل له: يا أبا الأسود: لقد قعدت في منزلك كان أودع لبدنك وأروح، فقال أبو الأسود: صدقت. ولكن الركوب أتفرج فيه، وأستمع من الخبر ما لا أسمعه في منزلي، وأستنشق الريح، فترجع إليَّ نفسي، وأُلاقي الإخوان،

стр. 3869

ولو جلست في منزلي اغتمّ بي أهلي، واستأنس بي الصبي، واجترأت عليّ الخادم، وكلمني من أهلي من يهاب أن يكلمني. باع أبو الأسود داراً له، فقيل له: بعت دارك! قال: لا، ولكني بعثت جيراني. قال أبو الأسود لبنيه: أحسنت إليكم كباراً وصغاراً، وقبل أن تكونوا. قالوا: أحسنت إلينا كباراً وصغاراً، فكيف أحسنت إلينا قبل أن نكون؟ قال: لم أضعكم موضعاً تستحيون منه. قال رجل لأبي الأسود: أنت والله ظريفُ لفظٍ، ظريفُ علمٍ، وعاء حِلم، غير أنك بخيل، فقال: وما خير ظريفٍ لا يُمسك ما فيه؟ كان أبو الأسود الدُّئلي ينزل في بني قُشَير، وكانوا عثمانية، وكان أبو الأسود علوي الرأي، فكان بنو قُشَير يسيئون جواره، ويؤذونه، ويرجمونه بالليل، فعاتبهم على ذلك فقالوا: ما رجمناك، ولكن الله رجمك، قال: كذبتم، لأنكم إذا رجمتموني أخطأتموني، ولو رجمني الله ما أخطأني. ثم انتقل عنهم إلى هذيل، وقال فيهم: " الكامل " شتموا علياً ثم لم أزجرْهُمُ ... عنهُ وقلتُ مقالةَ المتردِّدِ اللهُ يعلُم أنّ حبّي صادقٌ ... لِبني النبيّ وللإمامِ المهتدي وقال في بني قشير من أبيات: " الوافر " يقولُ الأرذلون بنو قُشَير ... طوالَ الدّهر لا تنسى علياً! أُحِبُّ محمداً حُبّاً شديداً ... وعباساً وحمزة والوصيّا بنو عمِّ النبيّ وأقربوه ... أحبّ الناسٍ كلِّهمُ إليّا فإن يكُ حبُّهُم رُشداً أَنلْهُ ... أوليسَ بضائري إن كان غيّا فكتب معاوية إلى عبيد الله بن زياد: إن عرفت أبا الأسود، وإلاّ فاسأل عنه، ثم أخبره أنه قد شكّ في دينه، فإذا قال: بماذا؟ فأخبِره بقوله: فإن يكُ حبُّهم رشداً أنلْهُ

стр. 3870

البيت. فبعث عبيد الله إلى أبي الأسود فأخبره بمقالة معاوية، فقال أبو الأسود: فاقرئه السلام، وأخبره بأني إنما قلت ما قال العبد الصالح: " وَإِنَّ أَوْ إيَّاكُمْ لَعَلي هُدىً أوْ فِي ضَلالٍ مُبِيْنٍ " افتراه شكّ في دينه؟ رأى عبيد الله بن أبي بكرة على أبي الأسود الدِّيلي جبّة رثّة كان يكثر لبسها، فقال: يا أبا الأسود: أما تملّ هذه الجبّة؟ فقال: ربّ مملول لا يستطاع فراقه. قال: فبعث إليه بمئة ثوب، فأنشأ أبو الأسود يقول: " الطويل " كساني وَلم أستكسِه فحمدتُه ... أخٌ لك يعطيكَ الجزيلَ وناصرُ وإنّ أحقَّ الناسِ إن كنتَ شاكراً ... بشكركَ مَن أعطاكَ والعِرضُ وافرُ دخل أبو الأسود على عبيد الله بن زياد وقد أسنّ فقال له يهزأ به -: يا أبا الأسود، إنك لجميل فلو تعلقت تميمة، فقال أبو الأسود: " البسيط " أفنى الشبابَ الذي أفنيتُ جِدَّتَه ... كرُّ الجديدَيْنِ من آتٍ ومنطلقِ لم يتركا ليَ في طولِ اختلافهما ... شيئاً أخاف عليه لذعةَ الحدَقِ كانت لأبي الأسود من معاوية ناحية حسنة، فوعده وعداً فأبطأ عليه، فقال له أبو الأسود: " الرمل " لا يكن برقُك برقاً خُلَّباً ... إن خيرَ البرقِ ما الغيثُ معَهْ لا تهنّي بعدَ إذ أكرمتني ... فشديدٌ عادةٌ مُنْتَزَعَهْ أطلع أبو الأسود مولى له على سرّ له، فبثّه، فقال أبو الأسود: " الطويل " أمنتُ على السرّ امرأ غيرَ حازمِ ... ولكنه في النصح غيرُ مُريبِ فذاع به في الناس حتى كأنه ... بعلياءَ نارٌ أُوقدَتْ بثَقوبِ وما كل ذي نصحٍ بمؤتيك نصحَهُ ... ولا كلُّ من ناصحتَه بلبيبِ ولكن إذا ما استجمعا عندَ واحدٍ ... فحقٌّ له من طاعةٍ بنصيبِ

стр. 3871

وقال أبو السود: " المتقارب " إذا أنت لم تعفُ عن صاحبٍ ... أساء وعاقبتَه إن عثَرْ بقيتَ بلا صاحبٍ فاحتمِلْ ... وكن ذا قَبولٍ إذ ما اعتذرْ وقال أبو الأسود: " الكامل " وإذا طلبت إلى كريمٍ حاجةً ... فلقاؤه يكفيك والتسليمُ وإذا تكون إلى لئيمٍ حاجةٌ ... فألحَّ في رفقٍ وأنت مُديمُ والزم قبالة بابه وفِنائِهِ ... كأشدِّ ما لزمَ الغريمَ غريمُ حتى يريحَك ثم تهجرَ بابَه ... دهراً وعرضُكَ إن فعلت سليمُ مات أبو الأسود في طاعون الجارف سنة تسع وستين، وهو ابن خمس وثمانين. وقيل: إنه مات قبل الطاعون. وهو الأشبه، لأنه لم يسمع له في فتنة مصعب وأمر المختار خبر. ظبيان بن خلف بن نجيم ويقال: نجم بن عبد الوهاب أبو بكر المالكي الفقيه المتكلم من أهل الإقليم سكن دمشق. حدث عن عبد العزيز بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله يقول: أنا مع عبدي ما ذكرني، وتحركت بي شفتاه ". توفي ظبيان سنة أربع وتسعين وأربع مئة.

стр. 3872

ظفر بن دَهي الدليل شهد فتوح الشام ودمشق مع خالد بن الوليد. حدث ظفر بن دهي قال: فأغار بنا خالد من سُوى على المُصَيَّخ، مصَيَّخ بَهراء بالقُصْواني - ماء من المياه فصبح المصيخ، والنَّمِر وإنهم لغارون، وإن رفقة لتشرب في وجه الصبح، وساقيهم يغنّيهم، ويقول: " الطويل " ألا فاصبحاني قبلَ جيشِ أبي بكر ... لعلّ منايانا قريبٌ ولا ندري فضربت عنقه فاختلط دمَه بِخَمْرِه. ظفر بن محمد بن خالد ابن العلاء بن ثابت بن مالك أبو نصر الحارثي السرّاج حدث عن بكر بن سهل الدمياطي بسنده عن مسلمة بن مخلد أن رسول الله ﷺ قال: " اغروا النساء يَلزمْنَ الحَجال ". وحدث ظفر أيضاً عن أبي جعفر محمد بن عبد الحميد الليثي بسنده عن بكر بن عبد الله المزني قال: أحق الناس بلطمةٍ رجلٌ دُعي إلى طعام فذهب معه بآخر. وأحق الناس بلطمتين رجلٌ دخل على قوم فقالوا له: اجلس ها هنا، قال: لا، بل ها هنا. وأحق الناس بثلاث لطمات رجلٌ دخل على قوم قدموا له طعاماً قال: قولوا لربّ البيت يأكل معي.

стр. 3873

ظفر بن محمد بن ظفر ابن عمر بن حفص بن عمر بن سعيد ابن أبي عزيز جندب بن النعمان، أبو نصر الأزدي الزملكاني حدّث عن أبي الأزهر جماهر بن محمد الزملكاني بسنده عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بأصبعه المشيرة والوسطى كفرسَي رهان، استبقا فسبق أحدهما صاحبه بإذنه جاء الله سبحانه، جاءت الملائكة، جاءت الجنة، يا أيها الناس استجيبوا لربكم والقوا إليه السِّلَم ". توفي ظفر بن محمد سنة أربعين وثلاثة مئة. ظفر بن مظفر بن عبد الله بن كِتنَّة أبو الحسن الحلبي الناصري الفقيه الشافعي حدّث عن عبد الرحمن بن عمر بن نصر بسنده عن فُضيل بن عياض قال: ما كان ينبغي أن يكون أحد أطول حزناً، ولا أكثر بكاءً، ولا أَدْوَم صلاةً من العلماء في هذه الدنيا، لأنهم الدعاة إلى الله . توفي ظفر بن المظفر في سنة تسع وعشرين وأربع مئة. ظفر بن منصور بن الفتح أبو الفتح دمشقي. حدّث عن الحسن بن عبد الرحمن بسنده عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : " أحبب حبيبك هَوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما. وأبغض بغيضك هَوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما ". أسماء الرجال على

стр. 3874

حرف العين المهملة عاصم بن أبي بكر بن عبد العزيز ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي المصري حدّث عاصم بن أبي بكر أنه قدم على سليمان بن عبد الملك ومعه عمر بن عبد العزيز فنزلت على عبد الملك وهو أعزب، وكنت معه في بيته. فلما صلينا العشاء، وأوى كل رجل منا إلى فراشه أوى عبد الملك إلى فراشه. فلما ظن أن قد نمنا قام إلى المصباح فأطفأه، وأنا أنظر إليه، ثم جعل يصلي حتى ذهب بي النوم. قال: فاستيقظت، فإذا هو يقرأ في هذه الآية: " أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِيْنَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ " ثم بكى، ثم رجَع إليها، ثم بكى، ثم لم يزل يفعل ذلك حتى قلت: سيقتله البكاء. فلما رأيت ذلك قلت: سبحان الله، والحمد لله، كالمستيقظ من النوم لأقطع ذلك عنه. فلما سمعني ألبد، فلم أسمع له حسّاً. قتل عاصم بن أبي بكر بقَلَنْسُوَة سنة ثلاث وثلاثين في آخرين من بني أمية حُملوا من مصر.

стр. 3875

عاصم بن بهدلة أبي النجود أبو بكر الأسدي الكوفي المقرىء صاحب القراءة المعروفة حدّث عاصم عن زِرّ قال: سألت أُبيّ بن كعب عن ليلة القدر فحلف لا يستثني إنها ليلة سبع وعشرين. فقلت: لم تقول ذلك أبا المنذر؟ قال: بالآية أو بالعلامة التي قال رسول الله ﷺ إنها تصبح من ذلك اليوم: تطلع الشمس، وليس لها شعاع. وعن عاصم عن زِرّ قال: أتيت صفوان بن عسّال المرادي فقال لي: ما جاء بك؟ قلت: جئت ابتغاء العلم، قال: فإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يطلب. قلت: حكّ في نفسي أو في صدري مسحٌ على الخفين بعد الغائط والبول، فهل سمعت من رسول الله ﷺ في ذلك شيئاً؟ قال: نعم. كان يأمرنا إذا كنا سَفْراً أو مسافرين ألا تنزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة. ولكن من غائط أو بول أو نوم. قلت: هل سمعته يذكر الهوى؟ قال: نعم، بينا نحن معه في مسيرٍ إذ ناداه أعرابي بصوت له جَهْوَريّ قالِ: يا محمد، فأجابه على نحوٍ من كلامه: هاه، قال: أرأيت رجلاً أحبَّ قوماً ولما يلحق بهم؟ قال: " المرء مع مَن أحبّ ". ولم يزل يحدثنا أنّ من قِبَل المغرب باباً يفتح الله للتوبة، مسيرة عرضه أربعون سنة، فلا يُغلق حتى تطلع الشمس من قِبَله. وذلك قوله: " يَوْمَ يَأْتِيْ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيْمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنْتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيْ إِيْمَانِهَا خَيْراً ". وعن عاصم بن بهدلة قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز، فإذا ثيابه غسيلة، فقوَّمت كلّ شيء كان عليه ستين درهماً، عِمامته وغيرها. قال: ورجل يكلمه قد رفع صوته، فقال عمر: مَهْ، بحسب المرء المسلم من الكلام ما يُسمع صاحبه.

стр. 3876

وعاصم بن أبي النجود: من قال: النَّجود بفتح النون فهي الأتان. ومن قال النُّجُود بضم النون فجمع نجد وهو الطريق. قال الحسن بن صالح: دخلت على عاصم وقد احتُضر - فجعلت أسمعه يردد هذه الآية، يحققها كأنه في المحراب: " ثُمَّ رُدُّوا إلى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقُّ ألاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِيْنَ ". قال: ودخلت على الأعمش وقد حضره الموت فقال: لا تُؤِذِنَنّ بي أحداً، فإذا أصحبت فأخرجني إلى الجبّان، فألقني ثَمّ، ثُمّ بكى. توفي عاصم بن بهدلة سنة سبع وعشرين ومئة. وقيل: سنة ثمان وعشرين ومئة. عاصم بن حُميد السَّكوني الحمصي شهد خطبة عمر بالجابية. قال عاصم بن حميد: سمعت عوف بن مالك يقول: قمت مع رسول الله ﷺ ليلة، فبدأ فأستاك ثم توضأ، ثم قام يصلي، فقمت معه، فبدأ فاستفتح من البقرة لا يمرّ بآيةِ رحمةٍ إلا وقف فسأل. ولا يمرّ بآيةِ عذابٍ إلاّ وقف فتعوَّذ، ثم ركع، فمكث راكعاً بقدر قيامه، يقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت، والكبرياء والعظمة، ثم سجد بقدر ركوعه يقول في سجوده: سبحان ذي الجبروت والملكوت، والكبرياء والعظمة. ثم قرأ آل عمران، ثم سورة سورة، يفعل مثل ذلك. وروى عاصم بن حميد عن معاذ عن النبي ﷺ : في تأخير صلاة العَتَمة.

стр. 3877

عاصم بن رجاء بن حيوة الكندي الفلسطيني وفد على عمر بن عبد العزيز. حدّث عن داود بن جميل عن كَثير بن قيس قال: كنت جالساً مع أبي الدّرداء في مسجد دمشق، فأتاه رجل، فقال: يا أبا الدّرداء، إني أتيتك من المدينة، مدينة الرسول ﷺ ، لحديث بلغني أنك تحدّث به عن رسول الله ﷺ . قال أبو الدّرداء: ما جئت لحاجة، وما جئت لتجارة، وما جئت إلاّ لهذا الحديث؟ قال: نعم. قال: فني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يطلب، وإن العالم يستغفر له من في السماء ومن في الأرض، والحيتان في جوف البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن العلماء ثم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً، وأورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بخط وافر ". وحدّث عالم عن أبي عمران الأنصاري بسنده عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : " الصبر الرضى ". وعن عاصم بن رجال قال: سمعت عمر بن عبد العزيز وهو ينادي على المنبر: من أذنب ذنباً فليستغفر الله ثم لتيُب، فإن عاد فليستغفر الله ثم ليتُب، فإن عاد فليستغفر الله ثم ليتُب، فإنها خطايا موصوفة في أعناق رجالٍ قبل أن يخلقوا، وإن الهلاك كلّ الهلاك الإصرار عليها.

стр. 3878

عاصم بن سفيان بن عبد الله ابن أبي ربيعة بن الحارث الثقفي الطائفي قدم على معاوية غازياً. حدّث عاصم بن سفيان: أنهم غزوا غزوة السلاسل، ففاتهم الغزو، فرابطوا، ثم رجعوا إلى معاوية، وعنده أبو أيوب وعقبة بن عامر، فقال عاصم: يا أبا أيوب، فاتنا الغزو العام، وقد بلغنا أنه من صلى في المساجد الأربعة غفر الله له ذنبه. قال: يا بن أخي، أدلّك على أيسر من ذلك: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من توضأ كما أُمِر، وصلّى كما أُمِر غفر الله له ما قدّم من عمل ". أكذلك يا عقبة؟ قال: نعم. عاصم بن عبد الله بن نُعَيم أبو عبد الغني القَيني من أهل الشام ثم من الأردن. حدث عاصم عن أبيه عن عروة بن محمد عن أبيه عن جده أنه قدم على رسول الله ﷺ في وفد من قومه من ثقيف. فلما دخلوا على النبي ﷺ كان فيما ذكروا أن سألوه، فقال لهم: هل قدم معكم غيركم؟ قالوا: نعم، فتى منا خلّفناه في رحالنا، قال: فأرسلوا إليه، قال: فلما دخلت عليه وهم عنده فاستقبلني فقال: إن اليد المنطية هي العليا، وإن السائلة هي السفلى، فما استغنيت فلا تسأل، وإن مال الله مسؤول عنه ومُنطى.

стр. 3879

عاصم بن عبيد الله بن عاصم ابن عمرو بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي وفد على عمر بن عبد العزيز. حدّث عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر عن أبيه أن امرأة من بني فزارة تزوجت رجلاً على نعلين، فرُفع ذلك إلى النبي ﷺ فقال لها: أرضيت لنفسك نعلين؟ قالت: إني رأيت ذلك، قال: وأنا أرى ذلك. وفي حديث آخر. فقال لها: أرضيت؟ فقالت: نعم، ولو لم يعطني لرضيت، قال: شأنك وشأنها. وحدث عنه أيضاً عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : " تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد ". زاد في حديث آخر: ويزيدان في العمر والرزق. ضعّفه جماعة. مات في خلافة أبي العباس، وكان قد وفد إليه. عاصم بن عمر بن قتادة ابن النعمان أبو عُمر ويقال: أبو عَمرو الأنصاري الظَّفَري حدث عن محمود بن لَبيد أن النبي ﷺ قال: " إن الله ليحمي عبده المؤمن الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه ". وحدث عنه أيضاً عن رافع بن خديج قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أسفِروا بالصبح، فإنه أعظم للأجر ".

стр. 3880

وحدث عاصم عن جابر بن عبد الله قال: جاء يعود المقنَّع بن سنان وكان خال عاصم أخا أمّه فسلم عليه، وهو في رداء وإزار، وقد أصيب بصره، فقال: ماذا تشتكي؟ وقد مسّ رأسه ولحيته بشيء من صفرة، قال: خُرّاج منع مني النوم، وأسهرني. قال جابر: يا غلام، ادع لنا حجّاماً، قال المقنع: وما تصنع بالحجام؟ يا أبا عبد الله؟ قال: أريد أن أعلق به مِحْجماً، فقال: غفر الله لك، إن الثوب ليصيبني، أو الذباب يقع عليه فيؤذيني. فلما رأى جزعه من ذلك أنشأ يحدثنا عن رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن كان في شيء من أدويتكم خيرٌ أو أن يكونَ ففي شَرطة محجم أو شَربة من عسل أول لذعَة نار توافق داء، وما أحب أن اكتوي ". فدعا بحجام، فأعلق المحجم في خداعه. فلما بلغ منه حاجته شرط بمشرط معه، فأخرج الله ما كان فيه من صديد، وعوفي. قتادة بن النعمان جد عاصم هو أخو أبي سعيد الخدري لأمّه. وكان عاصم له رواية للعلم، وعلم بالسيرة ومغازي سيدنا رسول الله ﷺ . وكان ثقة. ووفد على عمر بن عبد العزيز في خلافته في دين لزمه. فقضاه عنه عمر، وأمر له بعد ذلك بمعونة، وأمره أن يجلس في مسجد دمشق فيحدث الناس بمغازي رسول الله ﷺ ومناقب أصحابه، وقال: إن بني مروان كانوا يكرهون هذا، وينهون عنه، فاجلس فحدث الناس بذلك، ففعل. ثم رجع إلى المدينة، فتوفي بها سنة عشرين ومئة وفي خلافة هاشم بن عبد الملك. وقيل: توفي سنة تسع وعشرين ومئة. عاصم بن عمرو ويقال ابن عوف البجلي أحد الشيعة. قدم به مع حجر بن عدي في اثني عشر رجلاً إلى عذراء في خلافة

стр. 3881

معاوية، فقتل بعضهم، ونجا بعضهم، وكان عاصم ممن أطلق لشفاعة يزيد بن أسد وكتاب جرير بن عبد الله البجليين. وقد ذكر ذلك في ترجمة أرقم بن عبد الله. حدث عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: " يبيت قوم من هذه الأمة على طعم وشرب، ولهو ولعب فيصبحون قد مسخوا قردة وخنازير، وليصبنهم خسف وقذف حتى يصبح الناس، فيقولون: خسف الليلة ببني فلان، وخسف الليلة بدار فلان، خواص، وليرسلن عليهم حاصباً حجارة من السماء كما أرسلت على قوم لوط، على قبائل منها، وعلى دور، وليرسلن عليهم الريح العقيم التي أهلكت عاداً على قبائل منها، وعلى دور لشربهم الخمر، ولبسهم الحرير، واتخاذهم القينات، وأكلهم الربا، وقطيعتهم الرحم "، وخصلةٍ نسيها جعفر. وفي رواية أخرى: " ويبعث على أحياء من أحيائهم ريح فتنسفهم كما تنسف من كان قبلهم باستحلالهم الخمر، وضربهم الدفوف، واتخاذهم القينات ". وحدث عاصم بن عمرو قال: خرج نفر من أهل العراق إلى عمر. فلما قدموا عليه قال لهم: ممن أنتم؟ قالوا: من أهل العراق. قال: بإذنٍ جئتم؟ قالوا: نعم، فسألوه عما يحلّ للرجل من امرأته وهي حائض، وعن غُسل الجنابة، وعن صلاة الرجل في بيته، فقال لهم عمر: أسَحَرة أنتم؟ قالوا: لا، والله ما نحن بسحرة، قال: سألتموني عن خصال ما سألني عنها أحد بعد إذ سألت رسول الله ﷺ عنها غيركم، فقال: " أما صلاة الرجل في بيته فَنُورٌ، فنوِّروا بيوتكم، وأما ما للرجل من امرأته وهي حائض فله ما فوق الإزار، وأما غسل الجنابة فتوضّأ وضوءك للصلاة، ثم أغسل رأسك، ثم افِض على سائل جسدك ". وزاد في حديث بمعناه: " ثم تنحّ من مُغتَسلك فاغسل رجليك؟ ".

стр. 3882

عاصم بن محمد بن أبي مسلم أبو الفتح الدينوري سمع بدمشق. ذكر في هذه الترجمة حديثاً عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : " من اشتاق إلى الجنة سابق إلى الخيرات، ومن أشفق من النار لها عن الشهوات، ومن ترقب الموت صبر عن اللذات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات ". حدث عاصم بن محمد عن أبي حفص عمر بن أحمد بن عيسى بسنده عن بعض شيوخه قال: أزرى رجل على الخليل فقال الخليل: " الطويل " سأُلزمُ نفسي الصفحَ عن كلِّ مذنبٍ ... وإن كثَرتْ منه عليّ الجرائمُ وما الناسُ إلا واحدٌ من ثلاثةٍ ... شريفٌ ومشروفٌ ومثلي مقاومُ فأما الذي فوقي فأعرفُ فضلَهُ ... وأتبعُ فيه الحقَّ والحقُّ لازمُ وأما الذي مثلي فإن زلَّ أو هفا ... تفضّلتُ إنّ الفضلَ بالعزّ حاكمُ وأما الذي دوني فإن قالَ صُنت عن ... إجابته عِرضي وإن لامَ لائمُ عاصم الدمشقي حدث عن آدم بن أبي إياس قال: سمعته يقول: مِن قَبْلِ أن يحدث يجثو على ركبه في المجلس ويقول: والله الذي لا إله إلا هو، ما من أحدٍ إلا وسيخلو به ربّه ليس بينه وبينه ترجمان يقول الله له: ألم أكن رقيباً على قلبك إذا اشتهيتَ به ما لا يحلّ لك عندي؟ ألم أكن رقيباً على عينيك إذ نظرتَ بهما إلى ما لا يحلّ لك عندي؟ ألم أكن رقيباً على سمعك إذا أنصتّ به إلى ما لا يحل لك عندي؟ ألم أكن رقيباً على يديك إذ بطشت بهما إلى ما لا يحلّ لك عندي؟ ألم أكن رقيباً على قدميك إذ سعَيت بهما إلى ما لايحلّ لك، آستحييت من المخلوقين، وكنتُ أهون الناظرين إليك؟! فأحسب أن هذا كان منه، يقول:

стр. 3883

يا رب، لَتأمُرُ بي النار أهونُ علي من هذا التوبيخ، فيقول له: عبدي، هذا ما بيني وبينك، مغفور لك قد سترته عن الحفَظَة، اذهبوا بعبدي إلى الجنة. قال: فلربما انقضى المجلس بغير سماع، قال: فيأخذ الناس في البكاء، حتى ينقضي المجلس بغير سماع. العاص بن سُهيل بن عمرو ابن عبد شمس بن عبدود بن نضر بن مالك بن حِسل بن عامر بن لؤي بن غالب أبو جندل العامري القرشي له صحبة. وهو صاحب القصة المعروفة في صلح الحديبية. أسلم قبل أبيه، وخرج معه مجاهداً إلى الشام وهلك به. كان العاص بن سهيل أسلم بمكة، فطرحه أبوه في حديد. فلما كان يوم الحديبية جاء يرسُف في الحديد إلى رسول الله ﷺ وقد كتب سهيل كتاب الصلح بينه وبين رسول الله ﷺ فقال سهيل: هو لي، فنظروا في كتاب الصلح فإذا سهيل قد كتب أن من جاءك منا فهو لنا، فرُدَّه علينا، فخلاّه رسول الله ﷺ لأبيه، فقام إليه سهيل بغصن شوك، فجعل يضرب به وجهه، فجزع من ذلك عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، علام نعطي الدنية في ديننا:؟ فقال له أبو بكر الصديق: الزم غرزه يا عمر، فإنه رسول الله حقاً حقاً. فقام عمر، فجعل يمشي إلى جنب أبي جندل والسيف في عنق عمر ويقول لأبي جندل: يا أبا جندل، إن الرجل المؤمن يقتل أباه في الله . قال عمر: فضنّ أبو جندل بأبيه، فلحق بأبي بَصير الثقفي، فكان معه في سبعين رجلاً من المسلمين فرّوا من قريش، وخافوا أن يردهم رسول الله ﷺ إليهم إن طلبوهم، فاعتزلوهم

стр. 3884

فكانوا بالعيص يقطعون على ما مرّ بهم من عِير قريش وتجارتهم حتى شقّ ذلك على قريش بفكتبوا إلى رسول الله ﷺ أن يضَّمهم إليه، فلا حاجة لهم فيهم، فضمّهم إليه. وفي حديث آخر: أن سهيلاً لما ضرب أبا جندل صاح بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أأُرَدُّ إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فزاد المسلمين ذلك شراً إلى ما بهم، وجعلوا يبكون لكلام أبي جندل. قال: يقول حُوَيطب بن عبد العزّى لمِكرَز بن حفص: ما رأيت قوماً قط أشدّ حباً لمن دخل معهم من أصحاب محمد لمحمد، وبعضهم لبعض. أما إني أقول لك: لا تأخذ من محمد نصَفاً أبداً بعد هذا اليوم حتى يدخلها عَنْوة، فقال مِكرَز: وأنا أرى ذلك. قال سهيل: هذا أول من قاضيتُك عليه، رُدَّه، فقال رسول الله ﷺ : إنا لم نقض الكتاب بعد، فقال سهيل: والله لا أكاتبك على شيء حتى تردّه إليّ، فردّه رسول الله ﷺ ، فكلم رسول الله ﷺ سهيلاً أن يتركه، فأبى سهيل، فقال مكرز بن حفص وحويطب: يا محمد، نحن نجيره لك، فأخلاه فُسطاطاً، فأجاراه، وكف أبوه عنه. ثم رفع رسول الله ﷺ صوته فقال: يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعِلٌ لك ولمن معك فرجاً ومخرجاً، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً، وأعطيناهم وأعطونا على ذلك عهداً، وإنا لانغدر. وعن داود بن أبي هند في قوله: " وَالّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ في الدُّنْيا حَسَنَةً " الآية، نزلت في أبي جندل بن سهيل بن عمرو. حدث يحيى بن عروة عن أبيه قال: شرب عبد بن الأزور وضرار بن الخطاب وأبو جندل بن سهيل بن عمرو بالشام، فأتى بهم أبو عبيدة بن الجراح. قال أبو جندل: والله ما شربتها إلا على تأويل: إني سمعت

стр. 3885

الله يقول: " لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقُوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ". فكتب أبو عبيدة إلى عمر بأمرهم، فقال عبد بن الأزور: إنه قد حضر لنا عدونا فإن رأيت أن تؤخرنا إلى أن نلقى عدونا غداً، فإنِ الله أكرمنا بالشهادة كفاك ذاك، ولم يقمنا على خزاية، وإن نرجع نظرت إلى ما أمرك به صاحبك، فأمضيتَه. قال أبو عبيدة: فنعم. فلما التقى الناس قُتل عبد بن الأزور شهيداً، فرجع الكتاب، كتاب عمر: إن الذي أوقع أبا جندل في الخطيئة قد تهيأ له فيها بالحجة، فإذا أتاك كتابي هذا فأقم عليهم حدَّهم، والسلام. فدعا بهما أبو عبيدة فحدَّهما. وأبو جندل له شرف ولأبيه، فكان يحدث نفسه حتى قيل إنه قد وُسوِس. فكتب أبو عبيدة إلى عمر: أما بعد. فإني قد ضربت أبا جندل حدّه، وإنه قد حَّث نفسه حتى قد خشينا عليه أنه قد هلك. فكتب عمر إلى أبي جندل: أما بعد، فإن الذي أوقعك في الخطيئة قد خزن عليك التوبة: بسم الله الرحمن الرحيم، " حَمَ تَنْيزِلُ الكتاب مِنَ اللهِ العَزِيزِ العَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَابِ ذي الطَّوْلِ لا إِلهَ إلاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ". فلما قرأ كتابَ عمر ذهب عنه ما كان به، كأنما أُنشِط من عقال. مات أبو جندل سنة ثمان عشرة في طاعون عمواس. عالي بن عثمان بن جني أبو سعد بن أبي الفتح البغدادي النحوي سمع بدمشق. وحدث بصيدا عن الوزير أبي القاسم عيسى بن علي بن عيسى بن داود بن الجراح بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : " من كاتب مملوكه على مئة وُقِيّة فأدّاها غير عشر أواقٍ فهو رقيق ". كان عالي حياً سنة اثنتين وخمسين وأربع مئة.

стр. 3886

عامر بن خُرَيم بن محمد أبو القاسم المري حدث عن شعيب بن إسحاق بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه ". عامر بن ربيعة بن كعب ابن مالك بن ربيعة بن عامر بن مالك بن ربيعة عن حجر بن سَلامان بن مالك. بن ربيعة بن رُفيدة بن عَنز بن وائل بن قاسط بن هِنْب ابن أفصى بن دُعمِيّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار أبو عبد الله العنزي العدوي، حليف بني عدي بن كعب من المهاجرين الأولين، ممن شهد بدراً، وأحداً، والخندق، والمشاهد كلها مع سيدنا رسول الله ﷺ . وهاجر الهجرتين، وقدم الجابية مع عمر بن الخطاب. حدث عامر بن ربيعة عن النبي ﷺ قال: " إن رأيتم الجنازة فقوموا حتى تخلّفكُم أو توضع ". وفي رواية أخرى عنه أنه قال: " إذا رأى أحدكم الجنازة فإن لم يكن ماشياً معها فليقم حتى تخلّفه أو توضع من قبل أن تخلّفه ". مات بالمدينة حين نشِب الناس في أمر عثمان. وقيل: مات قبل قتل عثمان بأيام. وقد كان لزم بيته، فلم يشعر الناس إلا بجنازته قد أخرجت. وكان حليفاً للخطاب بن نفيل، وكان الخطاب لما حالفه عامر تبناه وادعى إليه، فكان يقول: عامر بن الخطاب،

стр. 3887

حتى نزل القرآن: " ادعُوهُم لآبَائِهِمْ " فرجع عامر إلى نسبه، فقيل: عامر بن ربيعة. وهو صحيح النسب في وائل. وهاجر عامر بن ربيعة إلى أرض الحبشة الهجرتين جميعاً، ومعه امرأته ليلى بنت أبي حثمة العدوية. وآخى رسول الله ﷺ بين عامر بن ربيعة ويزيد بن المنذر بن سرح الأنصاري. وتوفي سنة اثنتين وثلاثين. وقيل إن قوله تعالى: " ادعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ " الآية، نزلت في عامر بن الخطاب وزيد بن حارثة، وسالم مولى أبي حذيفة، والمقداد بن عمرو، فعرف آباؤهم غير سالم، فإنه لم يعرف أبوه، فثبت على ولاءِ أبي حذيفة. وعن عائشة ﵂ قالت: لما صدر السبعون من عند رسول الله ﷺ طابت نفسه، وقد جعل الله مَنَعَة وقوماً أهلَ حرب وعدةٍ ونجدة، وجعل البلاء يشتد على المسلمين من المشركين لما يعلمون من الخروج، فضيقوا على أصحابه، وتعبّثوا بهم، ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالون من الشتم والأذى، فشكا ذلك أصحاب رسول الله ﷺ إلى رسول الله ﷺ واستأذنوه في الهجرة، فقال: " قد أُريتُ دار هجرتكم، أُريت سبَخة ذات نخل بين لابَتيْن وهما الحرّتان ولو كانت الشراة أرض نخل وسباخ لقلت: هي هي "، ثم مكث أياماً، ثم خرج إلى أصحابه مسروراً، فقال: " قد أُخبرتُ بدار هجرتكم، وهي يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها "، فجعل القوم يتجهزون، ويترافقون، ويتواسَوْن، ويخرجون ويُخفون ذلك، فكان أولّ من قدم المدينة من أصحاب رسول الله ﷺ أبو سلمة بن عبد الأسد، ثم قدم بعده عامر بن ربيعة، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة، فهي أول ظعينة قدمت المدينة، ثم قدم أصحاب رسول الله ﷺ أرسالاً، فنزلوا على الأنصار في دورهم، فآوَوْهم، ونصروهم، وآسَوْهم.

стр. 3888

وعن ابن عباس قال: " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاسِ " قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة. وعن عامر بن ربيعة أنه نزل به رجل من العرب، فأكرم عامر مثواه، وكلّم فيه رسول الله ﷺ ، فجاءه الرجل فقال: إني استقطعت رسول الله ﷺ وادياً، ما في العرب وادٍ أفضل منه، وقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك، قال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا: " اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَِ ". حدث عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: قام عامر بن ربيعة فصلى من الليل، وذلك حين شغب الناس في الطعن على عثمان، فصلى من الليل ثم قام، فأُتي في منامه فقيل له: قم، فسَلِ الله أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالحَ عبادِه، فقام فصلى ثم اشتكى. قال: فما خرج قط إلا جنازةً. توفي عامر بن ربيعة سنة ثلاث وثلاثين. وقيل: سنة سبع وثلاثين. وقيل: سنة ست وثلاثين. عامر بن سعيد أبو حفص القرشي الخراساني البزاز نزيل دمشق. حدث عن أبي معاوية بسنده عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : " إن في الجنة لسوقاً، ما فيها شراء ولا بيع إلا الصور من النساء والرجال ".

стр. 3889

وحدث عن القاسم بن مالك بسنده عن كردم بن أبي السائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي أطلب حاجة لنا، وذلك أول ما ذُكر رسول الله ﷺ بمكة، فآواني المبيت إلى صاحب غنم، فجاء الذئب نصف الليل، فأخذ حملاً من غنمه، فنادى: يا عامر، الوادي جارك، فإذا منادٍ لا يراه: يا سرحان، أرسله، فجاءَ الحمل، ما به كَدْمة، حتى دخل في الغنم، وأُنزل على رسول الله ﷺ بمكة: " وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الجِنِّ فزَادُوهُمْ رَهَقاً ". وحدث عامر عن هشام بن يوسف بسنده عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : " سُدوّا هذه الأبواب الشوارع إلى المسجد إلا باب أبي بكر ". عارم بن شبل الجرمي قال عامر بن شبل: سمعت أبا قلابة يقول: في الجنة قصر لصوّام رجب. وقال عامر: رأيت أبا قلابة يرفع يديه في قنوته. عامر بن شراحيل بن عَبد أبو عَمرو الشعبي الكوفي قدم دمشق. روى الشعبي قال: كان أبو سعيد جالساً فمرت به جنازة، فقام، فقال له مروان: اجلس، فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ قام، فقام مروان معه.

стр. 3890

وحدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " قال الله : ابن آدم، إنك ما ذكرتني شكرتني، وما نسيتني كفرتني ". ذكر الشعبي أنه ولد عام جلولاء. وقيل: كان عام جلولاء سنة سبع عشرة. وقيل: ولد سنة عشرين. وقيل: إحدى وعشرين. وقيل: سنة ثمان وعشرين. قال محمد بن سعد: في الطبقة الثانية من أهل الكوفة عامر بن شراحيل بن عبد الشعبي، وهو من حِمْيَر، وعداده في هَمْدان. قال محمد بن أبي أمية، وكان عالماً: إن مطراً أصاب اليمن، فجعف السيل موضعاً، فأبدى عن أَزَجٍ عليه باب من حجارة، فكسر الغَلْق فدخل، فإذا بهو عظيم فيه سرير من ذهب، وإذا عليه رجل، قال: فشبرناه فإذا طوله اثنا عشر شبراً وإذا عليه جِباب من وشي منسوجة بالذهب، وإلى جنبه مِحْجَن من ذهب على رأسه ياقوتة حمراء، وإذا رجل أبيض الرأس واللحية، له ضفيرتان، وإلى جنبه لوح مكتوب فيه بالحِمْيَرية: باسمك اللهم، ربّ حِمْيَر، أنا حسان بن عمرو القَيْل، إذ لا قَيْل إلا الله، عشتُ بأمل، ومتّ بأجل، أيام وَخْز هَيْد، وما وخز هيد، هلك فيه اثنا عشر ألف قَيْل فكنت آخرهم قَيْلاً. فأتيت جبل ذي شَعْبين لُيجيرني من الموت فأخفرني، وإلى جنبه سيف مكتوب فيه بالحميرية: أنا قُبار، بي يدرك الثار.
следующие страницы →