← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

وروى أبو أبي: صلوا الصلاة لوقتها. قال إبراهيم بن أبي عبلة: كنت أنا وابن الديلمي في مسجد بيت المقدس فدخل واثلة بن الأسقع وعبد الله بن أم حرام، فقمت إلى ابن أم حرام وقام ابن الديلمي إلى واثلة بن الأسقع، فأخبرني ابن أم حرام أنه صلى مع رسول الله ﷺ القبلتين. وحدثني ابن الديلمي أن واثلة بن الأسقع حدثه قال: أتينا النبي ﷺ في صاحب لنا قد أوجب فقال: " اعتقوا عنه رقبة، يفك الله تعالى عنه بكل عضو منها عضواً من النار ". وقال إبراهيم بن أبي عبلة: رأيت من أصحاب رسول الله ﷺ : عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن أم حرام، وواثلة بن الأسقع وغيرهم، كانوا يلبسون البرانس، ويقصون شواربهم ولا يحفون حتى ترى الجلدة ولكن يكشفون الشفة، ويخضبون بالحناء والكتم. عبد الله بن إسحاق بن إسماعيل ابن مسروق العذري عم أبي قصي. حدث عن معروف الخياط عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : من حمل بجوانب السرير الأربع غفر له أربعين كبيرة. وفي رواية أخرى قال: قال رسول الله ﷺ : " من شهد جنازة ومشى أمامها، وجلس حتى يأخذ بأربع زوايا السرير، وجلس حتى يدفن كتب له قيرطان من أجر، أخفهما في ميزانه يوم القيامة أثقل من أحد ".

стр. 4027

عبد الله بن إسماعيل بن عبد كلال المعروف بوضاح اليمن من أهل صنعاء، من الأبناء، ويقال عبد الرحمن بن إسماعيل بن عبد كلال بن داد بن أبي حمد، من آل خولان. لقب بوضاح اليمن لجماله. قيل: إنه قدم دمشق على الوليد بن عبد الملك فأحسن رفده. حدث أبو مسهر قال: كان وضاح اليمن يشاهد وأم البنين صغيرين فأحبها وأحبته فكان لا يصبر عنها، حتى إذا بلغت حجبت عنه، فطال بهما البلاء فحج الوليد بن عبد الملك فبلغه جمال أم البنين وأدبها فتزوجها ونقلها معه إلى الشام. قال: فذهب عقل وضاح عليها، وجعل يذوب وينحل، فلما طال عليه البلاء خرج إلى الشام فجعل يطيف بقصر الوليد بن عبد الملك في كل يوم لا يجد حيلة حتى رأى يوماً جارية صفراء فلم يزل حتى تأنس بها، فقال لها: هل تعرفين أم البنين؟ قالت: إنك تسأل عن مولاتي فقال: إنها لابنة عمي وإنها لتسر بموضعي لو أخبرتها، قالت: إني أخبرها، فمضت الجارية فأخبرت أم البنين فقالت: ويلك أوحي هو؟ قالت: نعم قالت: قولي له: كن مكانك حتى يأتيك رسولي فلن أدع الاحتيال لك؛ فاحتالت أن أدخلته إليها في صندوق فمكث عندها حيناً حتى إذا أمنت أخرجته فقعد معها، وإذا خافت عين رقيب أدخلته الصندوق. فأهدي يوماً للوليد بن عبد الملك جوهر فقال لبعض خدمه: خذ هذا الجوهر فامض به إلى أم البنين وقل لها: أهدي هذا إلى أمير المؤمنين فوجه به إليك، فدخل الخادم من غير استئذان ووضاح معها فلمحه ولم تشعر أم البنين، فبادر إلى الصندوق فدخله، فأدى الخادم الرسالة إليها وقال: هبي لي من هذا الجوهر حجراً فقال: لا أم لك وما تصنع أنت بهذا؟ فخرج وهو عليها حنق، فجاء الوليد فخبره الخبر ووصف له الصندوق الذي رآه دخله، فقال له: كذبت لا أم لك، ثم نهض الوليد مسرعاً فدخل عليها وهي في ذلك البيت وفيه صناديق عداد، فجاء حتى جلس على ذلك الصندوق الذي وصف له الخادم فقال لها: يا أم البنين، هبي لي صندوقاً من صناديقك

стр. 4028

هذه فقالت: يا أمير المؤمنين هي وأنا لك فقال: ما أريد غير هذا الذي تحتي قالت: يا أمير المؤمنين، إن فيه شيئاً من أمور النساء قال: ما أريد غيره فقالت: هو لك فأمر به فحمل ودعا بغلامين وأمرهما بحفر بئر حق إذا حفرا فبلغ الماء وضع فمه على الصندوق وقال: أيها الصندوق، قد بلغنا عنك شيء فإن كان حقاً فقد دفنا خبرك ودرسنا أثرك، وإن كان كذباً فما علينا في دفن الصندوق من خشب حرج، ثم أمر به فألقي في الحفرة وأمر بالخدم فقذف في ذلك المكان فوقه، وطم عليهما جميعاً التراب. قال: فكانت أم البنين توجد في ذلك المكان تبكي إلى أن وجدت فيه يوماً مكبوبة على وجهها ميتة. وحكي عن هشام بن محمد بن السائب: أن أم البنين كانت عند يزيد بن عبد الملك فكان لها من قلبه موضع، وأنه سير إليها جوهراً مع الخادم فوجد عندها وضاح اليمن - وحكى مثل الصورة - إلى أن رماه في الحفيرة وأهال عليه التراب حتى استوى، فلم ير وضاح اليمن حتى الساعة. قال: ولا والله ما بان لها في وجهه ولا في خلائقه ولا في شيء حتى فرق الموت بينهما. عبد الله بن إسماعيل بن يزيد ابن حجر أبو عمر البيروتي ابن بنت الأوزاعي حدث عن أبيه عن جده الأوزاعي قال: من تعلم باباً من العلم كان أفضل من عبادة حول يصام نهاره ويقام ليله. وعن أبيه قال: كان بلال بن سعد يقول: يا عباد الله، هل أتاكم مخبر يخبركم أن أعمالكم تقلبت وخطاياكم غفرت أم " حسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون ".

стр. 4029

وكان بلال يقول أيضاً: يا عباد الله، كما ترجون رحمة الله بما تأتون من طاعته فكذلك فأشفقوا من عذاب الله بما تأتون من معاصيه. عبد الله بن إسماعيل الديلي حدث ببيروت عن حمد بن عبد الملك بسنده عن مالك بن الحويرث قال: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه إذا كبر لافتتاح الصلاة، ويرفع يديه إذا كبر للركوع، ويرفع يديه إذا قال: سمع الله لمن حمده. عبد الله بن أوفى ويقال عبد الله بن عمرو ابن النعمان بن ظالم بن مالك بن أبي بن عصر بن سعد بن عمرو بن جشم أبو عمرو ويقال: ابن الكواليشكري، المعروف بابن الكوا قال عوانة: قدم على معاوية قوم من أهل الكوفة، فيهم صعصعة بن صوجان العبدي وعبد الله بن الكواليشكري، فأنزلهم معاوية داراً من دور دمشق وأمرهم أن لا يخرجوا منها، وكان في الدار مسجد يخرجون إليه، ويتحدثون فيه. فبينما هم يتحدثون أقبل معاوية ودخل إليهم فقال: هذا خير لكم من الفتنة. أنشدكم الله أي رجل أنا؟ فسكتوا ثم نشدهم مرتين فقال له ابن الكوا: أما إذا نشدتنا الله فإنك واسع الدنيا، ضيق الآخرة، قريب المرعى، بعيد الثرى، تجعل الظلمات نوراً، والنور ظلمات، فقام ولم يقل شيئاً. فلما أصبح أمر لهم بجوائزهم وردهم إلى الكوفة. وفي حديث آخر أنه لما قدم مسيرة أهل الكوفة على معاوية أنزلهم داراً ثم خلا بهم فقال لهم، وقالوا

стр. 4030

له. فلما فرغوا قال: لم تؤتوا إلا من الحمق، والله ما أرى منطقاً سديداً، ولا عذراً مبيناً، ولا حلماً، ولا قوة، وإنك يا صعصعة لأحمقهم، اصنعوا وقولوا ما شئتم ما لم تدعوا شيئاً من أمر الله تعالى، فإن كل شيء يحتمل لكم إلا معصية الله تعالى، فأما فيما بيننا وبينكم فأنتم أمراء أنفسكم، فرآهم بعد وهم يشهدون الصلاة ويقضون مع قاضي الجماعة، فدخل عليهم يوماً وبعضهم يقرىء بعضاً فقال: إن في هذا لخلفاً مما قدمتم به علي من النزاع إلى أمر الجاهلية، اذهبوا حيث شئتم واعلموا أنكم إن لزمتم جماعتكم سعدتم بذلك دونهم، وإن لم تلزموها شقيتم بذلك دونهم، ولم تضروا أحداً، فجزوه خيراً، وأثنوا عليه فقال: يا بن الكوا، أي رجل أنا؟ قال: بعيد الثرى، كثير المرعى، طيب البديهة، بعيد الغور، الغالب عليك الحلم، ركن من أركان الإسلام، سدت بك فرجة مخوفة، قال: فأخبرني عن أهل الأحداث من أهل الأمصار فإنك من أفضل أصحابك فقال: كاتبوني وكاتبتهم فأنكروني وعرفتهم. فأما أهل الأحداث من أهل المدينة فهم أحرص الأمة على الشر وأعجزه عنه، وأما أهل الأحداث من أهل الكوفة فإنهم أنظر الناس في صغير وأركبه لكبير، وأما أهل الأحداث من أهل البصرة فإنهم يردون جميعاً ويصدرون شتى، وأما أهل الأحداث من أهل الشام فأطوع الناس لمرشدهم وأعصاهم لمغويهم. قال علي بن ربيعة: سأل ابن الكوا علياً: ما " الذاريات ذرواً " قال: الريح، قال: فما " الحاملات وقراً " قال: السحاب، قال: فما " الجاريات يسراً " قال: السفن. قال: فما " المقسمات أمراً " قال: الملائكة. قال: هذه اللطمة في القمر، قال الله : " وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ". يا بن الكوا، أما والله ما العلم أردت ولكنك أردت العنت، فكيف بقولك - ثكلتك أمك، لو تعنت يا بن الكوا -: من رب الناس؟ قال: الله، قال: فمن مولى

стр. 4031

الناس؟ قال: الله. قال: كذبت " الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ". وعن أبي الطفيل مختصراً قال: قال علي بن أبي طالب: سلوني عن كتاب الله ، فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليلٍ أنزلت أو نهار، أو في سهل أو جبل فسألت عن الآيات التي تقدم ذكرها. وفيه: وقال: يقول الله : " ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار " قال: نزلت في الأفخرين من قريش. قال: وهذه الآية: " هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً " قال: أولئك أهل حروراء. قال: أما هذا القوس قزح؟ قال: أمان من الغرق، علامة كانت بين نوح وبين ربه. قال: أفرأيت ذا القرنين، أنبي كان أو ملك؟ قال: لا واحد منهما، ولكن كان عبداً صالحاً أحب الله فأحبه، وناصح الله فنصحه، ودعا قومه إلى الهدى فضربوه على قرنه، فانطلق فمكث ما شاء الله أن يمكث فدعاهم إلى الهدى فضربوه على قرنه الآخر فسمي ذا القرنين: ولم يكن له قرنان كقرني الثور. وفي حديث آخر عن النزال بن سبرة قال: وافقنا من علي بن أبي طالب ذات يوم طيب نفس ومزاج. وذكر الحديث وفيه: قالوا: يا أمير المؤمنين، إن الله يقول: " وأما بنعمة ربك فحدث " قال: كنت أمرأ أبتدأ فأعطى وأسكت فأبتدأ، وإن تحت الجوارح مني لعلماً جماً. سلوني. فقام ابن الكوا فسأله. وذكر الحديث، وفيه: قال: فقوله: " والسماء ذات الحبك " قال: ويحك، ذات الخلق الحسن. وفيه: قال: فأخبرنا عن المجرة التي في السماء. قال: هي أبواب السماء التي

стр. 4032

صب الله منها الماء المنهمر على قوم نوح. وفيه: قال: فأخبرنا: كم ما بين المشرق والمغرب؟ قال: مسيرة يوم للشمس، من قال غير هذا فقد كذب. قال: يا أمير المؤمنين، كم بين السماء والأرض؟ قال: دعوة مستجابة فمن قال غير هذا فقد كذب. قال: فأخبرنا عن قوله: " هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً " أولئك القسيسون والرهبان، ومد علي بها صوته. قال: وما أهل النهر منهم غداً ببعيد، قال: وما خرج أهل النهر بعد. قال: يا أمير المؤمنين، لا أسأل أحداً سواك ولا آتي غيرك. قال: فقال: إن كان الأمر إليك فافعل. قال: فلما خرج أهل النهر خرج معهم ثم رجع تائباً. قال معاوية لابن الكوا: صف لي الزمان والإخوان فقال: أنت الزمان والإخوان، فإن تصلح صلحاً وإن تفسد فسداً. قال: صدقت. ومن حديث: قدم عبد الله بن الكوا على معاوية. قال: فأخبرني عن أهل مصر. قال: لقمة آكل. قال: فأخبرني عن أهل الجزيرة. قال: كناسة بين مدينتين. قال: فأخبرني عن أهل الموصل. قال: قلادة وليدة فيها من كل خرزة. قال: فأخبرني عن أهل الشام قال: جند أمير المؤمنين ولا أقول فيهم شيئاً. قال: لتقولن، قال: أطوع الناس لمخلوق وأعصاهم لخالق، ولا يحسبون للسماء ساكناً. قال عبد الله بن شداد: قدمت على عائشة ﵂، فبينا نحن جلوس عندها مرجعها من العراق ليالي قوتل علي، إذ قالت لي: يا عبد الله بن شداد، هل أنت صادقي عما أسألك عنه؟ حدثني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي، قلت: وما لي لا أصدقك، قالت: فحدثني عن قصتهم قلت: إن علياً لما أن كاتب معاوية وحكم الحكمين خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس، فنزلوا أرضاً من جانب الكوفة، يقال لها حروراء، وأنهم أنكروا عليه فقالوا: انسلخت من

стр. 4033

قميص ألبسكه الله وأسماك به، ثم انطلقت فحكمت في دين الله ولا حكم إلا لله، فلما بلغ علياً ما عتبوا عليه وفارقوه أمر فأذن مؤذن: لا يدخلن على أمير المؤمنين إلا رجل قد حمل القرآن. فلما أن امتلأ من قراء الناس الدار دعا بمصحف عظيم فوضعه علي بين يديه فطفق يصكه بيديه ويقول: أيها المصحف حدث الناس، فناداه الناس فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما تسأله عنه! إنما هو ورق ومداد ونحن نتكلم بما روينا منه، فماذا تريد؟ قال: أصحابكم الذين خرجوا، بيني وبينهم كتاب الله، يقول الله في امرأة ورجل: " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً " فأمة محمد ﷺ أعظم حرمة من امرأة ورجل، ونقموا علي أن كاتبت معاوية وكتبت: علي بن أبي طالب وقد جاء سهيل بن عمرو ونحن مع رسول الله ﷺ بالحديبية حين صالح قومه قريشاً فكتب رسول الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل: لا تكتب بسم الله الرحمن الرحيم قلت: فكيف أكتب؟ قال: اكتب: باسمك اللهم، فقال رسول الله ﷺ : اكتبه ثم قال: اكتب: من محمد رسول الله فقال: لو نعلم أنك رسول الله لم نخالفك فكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله قريشاً، يقول الله في كتابه " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر " فبعث إليهم علي بن أبي طالب عبد الله بن عباس، فخرجت معهم حتى إذا توسطنا عسكرهم، قام ابن الكوا فخطب الناس فقال: يا حملة القرآن، إن هذا عبد الله بن عباس، فمن لم يكن يعرفه فأنا أعرفه من كتاب الله. هذا ممن نزل فيه وفي قومه " بل هم قوم خصمون " فردوه إلى صاحبه ولا تواضعوه كتاب الله. قال: فقام خطباؤهم فقالوا: والله لنواضعنه كتاب الله، فإذا جاء بالحق نعرفه اتبعناه، ولئن جاءنا بباطل لنبكتنه بباطله ولنردنه إلى صاحبه، فواضعوه على كتاب الله ثلاثة أيام، فرجع منهم أربعة آلاف كلهم، فأقبل بهم ابن الكوا حتى أدخلهم على علي، فبعث عليّ إلى بقيتهم فقال: قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم، قفوا حيث شئتم حتى تجتمع أمة محمد ﷺ وتنزلوا فيها حيث شئتم، بيننا وبينكم أن تقيكم رماحنا ما لم تقطعوا سبيلاً، أو تطلبوا دماً، فإنكم

стр. 4034

إن فعلتم ذلك فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء " إن الله لا يحب الخائنين " فقالت له عائشة: يا بن شداد، فقد قتلهم، فقال: والله ما بعث إليهم حتى قطعوا السبيل وسفكوا الدماء وقتلوا ابن خباب واستحلوا أهل الذمة، فقالت: الله، قلت: الله الذي لا إله إلا هو لقد كان. قالت: فما شيء بلغني عن أهل العراق يتحدثون به، يقولون: ذو الثدي، ذو الثدي؟ قلت: قد رأيته في مسجد بني فلان يصلي، ورأيته في مسجد بني فلان يصلي، فلم يأتني بثبت يعرف إلا ذلك. قالت: فما قول عليّ حين قام عليه كما يزعم أهل العراق؟ قلت: سمعته يقول: صدق الله ورسوله. قالت: أجل، صدق الله ورسوله، يرحم الله علياً، إنه من كلامه، كان لا يرى شيئاً يعجبه إلا قال: صدق الله ورسوله. وعن ابن شهاب قال: خاصمت الحرورية علياً ﵇ ستة أشهر فقالوا: شككت في أمر الله الذي ولاك، وحكمت عدوك ووهنت في الجهاد، وتأولوا على علي وأصحابه " إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين " وتأولوا قول الله: " والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء " فطالت خصومتهم وخصومة علي بالكوفة، ثم أصبحوا يوماً وقد زالوا براياتهم، وهم خمسة آلاف عليهم ابن الكوا، فقطع بقتالهم وأرسل إليهم عبد الله بن عباس وصعصعة بن صوحان من عبد القيس، فناشدوهم ودعوهم إلى الجماعة فأبوا عليهم. فلما رأى ذلك علي أرسل إليهم: إنا ندعوكم إلى مدة نتدارس فيها كتاب الله لعلنا نصطلح، فمادوه بضع عشرة ليلة فقال علي: ابعثوا منكم اثني عشرة نقيباً ونبعث منا مثلهم، ثم ابرزوا منا إلى مكان سماه يجتمع الناس فيه ويقوم فيه خطباؤنا بحججنا ففعلوا ورجعوا إلى الناس، فقام علي فتشهد، ثم قال: أما بعد. فإني لم أكن أحرضكم على هذه القضية وعلى التحكيم، ولكنكم وهنتم في القتال وتفرقتم علي وحاكمتوني بالقرآن، فخشيت أن أبيت الذي عرض علينا القوم من كتاب الله أن يتأولوا كتاب الله علي: " ألم ترى إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم

стр. 4035

يتولى فريق منهم وهم معرضون ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون " وخشيت أن يتأولوا علي قول الله: " يا آيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هدياً بالغ الكعبة " وخشيت أن يتأولوا علي قول الله في الرجل وامرأته: " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما " فيقولوا لي إن أبيت أن أحكم فيها: قد دعاك القوم إلى كتاب الله فتحكم بينهم، قد فرض الله في الكتاب حكمين في أصغر من هذا الأمر الذي فيه سفك الدماء وقطع الأرحام وانتهاك المحارم فيخاصموني من كتاب الله بما ترون أن لكم الحجة علي، فأجبت حين دعيت إلى الحكم بكتاب الله، وخشيت وهنكم وتفرقكم، ثم قامت خطباء علي فنحو بالنحو الذي احتج به علي، حتى إذا فرغوا قام خطباء الحرورية فقالوا: إنكم دعوتمونا إلى كتاب الله فأجبناك ودعوتمونا إلى العمل به حتى قتلت عليه القتلى يوم الجمل ويوم صفين، وقطعت فيه الأرحام، ثم شككت في أمرك وحكمت عدوك، فنحن على أمرك الذي تركت وأنت اليوم على غيره إلا أن تتوب وتشهد على نفسك بالضلالة فيما سلف فلما فرغوا من قولهم قال علي: أما أن أشهد على نفسي بالضلالة، فمعاذ الله أن أكون ارتبت منذ اهتديت بل بنا هداكم الله، وبنا استنقذكم الله من الضلالة، ولكن حكمت منا حكماً ومنهم حكماً، وأخذت عليهما أن يحكما بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ والسنة الجامعة غير المفرقة. فإذا فعلاً كنت ولي هذا الأمر، وإن خالفا لم يكن لهما علي حكم. فكثر قول علي وقولهم واختصامهم ثم تفرقوا. فنبذ بعضهم إلى بعض، فأرسل إليهم علي عبد الله بن عباس وصعصة بن صوحان فكلمهم فقال: اسمعوا مني أعظكم بكلمات فإن الخصومة قد طالت منذ هذه الأشهر. يا قوم، أذكركم الله والإسلام أن تكونوا شيناً لأهل القرآن، فإنكم - والله - لقد فتحتم أمراً لو دخلت فيه هذه الأمة بأسرها ما بلغت غورة أبداً. قالوا: يا صعصعة، إنا نخشى إن أطعناك اليوم أن نفتتن عاماً قابلاً، قال: يا قوم، إني أذكركم الله والإسلام أن تعجلوا فتنة العام خشية فتنة عام قابل، قال ابن الكوا - وهو رأسهم

стр. 4036

الذي دعاهم إلى البدعة التي ركبوا -: يا قوم، ألستم تعلمون أني دعوتكم إلى هذا الأمر وأنا رأسكم اليوم فيه؟ قالوا: بلى قال: فإني أول من أطاع، فإن هذا واعظ شفيق على الدين، فقاموا معه قريب من خمس مئة ودخلوا في جماعة أمر علي وبقي قريب من خمسة آلاف فقاتلهم وقاتلوه حتى أبادهم، اعتزل منهم أهل النخيلة، وهم قريب من ألف رجل، فأقرهم علي، يأخذون أعطيتهم لا يزيدون عليها من كل مال مر بهم، ولا يبتزون أحداً ولا يقطعون سبيلاً. وقال علي: ذروهم ما تركركم. فلم يزالوا كذلك حتى قتل علي ﵇. عبد الله بن الأهتم واسم الأهتم سمي ابن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، أبو معمر المنقري. وفد على سليمان بن عبد الملك رسولاً من يزيد بن المهلب. قال خالد بن معدان: دخل عبد الله بن الأهتم على عمر بن عبد العزيز مع العامة فلم يفجأ عمر إلا وهو بين يديه يتكلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد. فإن الله خلق الخلق غنياً عن طاعتهم آمناً لمعصيتهم، والناس يومئذ في المنازل، والرأي مختلفون، والعرب بشر تلك المنازل، أهل الحجر وأهل الوبر وأهل الدبر تحتاز دونهم طيبات الدنيا ورخاء عيشها، لا يسألون الله جماعة، ولا يتلون كتاباً، ميتهم في النار، وحيهم أعمى يحشر مع ما لا يحصى من المرغوب عنه والمزهود فيه. فلما أن أراد الله أن ينشر عليهم رحمته بعث إليهم رسولاً من أنفسهم ﷺ ورحمة الله وبركاته فلم يمنعهم ذلك أن جرحوه في جسمه، ولقبوه في اسمه، ومعه كتاب من الله ناطق لا يقدم إلا بأمره، ولا يرحل إلا بإذنه. فلما

стр. 4037

أمر بالعزمة وحمل على الجهاد انبسط لأمر الله فأفلج الله حجته، وأجاز كلمته، وأظهر دعوته، وفارق الدنيا تقياً نقياً. ثم قام بعده أبو بكر فسلك سنته وأخذ سبيله، وارتدت العرب - أو من فعل ذلك منهم - فأبى أن يقبل منهم بعد رسول الله ﷺ إلا الذي كان قابلاً، أشرع السيوف من أغمادها، وأوقد النيران في شعلها ثم ركب بأهل الحق أهل الباطل، فلم يبرح يقطع أوصالهم ويسقي الأرض دماءهم حتى أدخلهم في الذي خرجوا منه، وقررهم بالذي نفروا عنه، وقد كان أصاب من مال الله بكراً يرتوي عليه، وحبشية أرضعت ولداً له فرأى ذلك عند موته غصة في حلقه، فأدى ذلك إلى الخليفة من بعده وفارق الدنيا تقياً نقياً على منهاج صاحبه. ثم قام بعده عمر بن الخطاب فمصر الأمصار وخلط الشدة باللين. وحسر عن ذراعيه وشمر عن ساقيه، وأعد للأمور أقرانها، وللحرب آلتها. فلما أصابه قين المغيرة بن شعبة أمر ابن عباس يسأل الناس: هل يثبتون قاتله؟ فلما قيل: قين المغيرة بن شعبة استهل بحمد ربه أن لا يكون أصابه ذو حق في الفيء فيحتج عليه بأنه إنما استحل دمه بما استحل من حقه. وقد كان أصاب من مال الله بضعة وثمانين ألفاً فكسر لها رباعه وكره بها كفالة أولاده، فأداها إلى الخليفة من بعده وفارق الدنيا تقياً نقياً على منهاج صاحبه. ثم إنك يا عمر بني الدنيا، ولدتك ملوكها وألقمتك ثديها فربيت فيها تلتمسها مظانها. فلما وليتها ألقيتها حيث ألقاها الله، هجرتها وجفوتها وقذرتها إلا ما تزودت منها. فالحمد لله الذي جلا بك حوبتنا، وكشف بك كربتنا فامض ولا تلتفت، فإنه لا يعز على الحق شيء، ولا يذل على الباطل شيء. أقول قولي وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات. قال أبو أيوب: فكان عمر بن عبد العزيز يقول في شيء قال لي ابن الأهتم: امض ولا تلتفت.

стр. 4038

كنا عند الحسن بن علي فأتاه آت فقال: يا أبا سعيد، دخلنا آنفاً على عبد الله بن الأهتم فإذا هو يجود بنفسه فقلنا: أبا معمر، كيف تجدك؟ قال: أجدني والله وجعاً ولا أظنني إلا لمآبي. ولكن ما تقولون في مئة ألف في هذا الصندوق لم تؤد منها زكاة، ولم يوصل منها رحم؟ قلنا: يا أبا معمر، فلمن كنت تجمعها؟ قال: كنت أجمعها لروعة الزمان، وجفوة السلطان، ومكاثرة العشيرة. فقال الحسن: البائس، انظروا أنى أتاه شيطانه فحذره روعة زمانه وجفوة سلطانه عما استودعه الله إياه وعمره فيه. فخرج والله منه سليباً حزيناً ذميماً مليماً، إيهاً عنك أيها الوارث لا تخدع عما خدع صويحبك أمامك، أتاك هذا المال حلالاً فإياك وإياك أن يكون وبالاً عليك، أتاك ممن كان له جموعاً منوعاً، يدأب فيه الليل والنهار، ويقطع فيه المغاوز والقفار، من باطل جمعة ومن حق منعه، جمعه فأوعاه وشده فأوكاه، لم يؤد منه زكاة، ولم يصل فيه رحماً، إن يوم القيامة ذو حسرات، وإن أعظم الحسرات غداً أن يرى أحدكم ماله في ميزان غيره، أو تدرون كيف ذاكم؟ رجل آتاه الله مالاً فأمره بإنفاقه في صنوف حقوق الله فبخل به. فورثه هذا الوارث فهو يرى ماله في ميزان غيره، فيا لها عثرة لا تقال وتوبة لا تنال. عبد الله بن أبي زكريا إياس ابن يزيد أبو يحيى الخزاعي من فقهاء أهل دمشق، كانت داره بدمشق إلى جانب دار الحجارة، فباعها واشترى داراً بباب الشرقي رغبة في كثرة الخطا إلى المسجد الجامع. ذكر الواقدي أنه كان يعدل بعمر بن عبد العزيز. حدث عبد الله بن أبي زكريا عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء أبائكم، فحسنوا أسماءكم. استزار عمر بن عبد العزيز عبد الله بن أبي زكريا وهو بدير سمعان فأتاه فقال له: يا بن زكريا، مرحباً بك قال: وبك يا أمير المؤمنين أهلاً وسهلاً. قال: يا بن أبي زكريا، عرضت لي إليك حاجة، قال: على الرأس والعينين يا أمير المؤمنين

стр. 4039

قال: تدعو الله أن يميت عمر، قال: يا أمير المؤمنين، بئس وافد المسلمين أنا إذاً، نعمة أنعمها الله على أمة محمد ﷺ أدعو الله أدعو الله أن يزيلها عنهم! قال: قد وعدتني يا بن أبي زكريا. قال: فاستقبل القبلة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: اللهم عبدك قد توسل بي إليك فاقبضه إليك، ولا تبقني بعده، فبينا هم كذلك إذ جاء ابن له صغير فوقع في حجره فقال: يا بن أبي زكريا وهذا معنا، فإني أحبه فقال: اللهم وابنه هذا فاقبضه إليك، قال: فما شبهت الثلاثة إلا بخرازات ثلاث في سلك قطع أسفله، فتتابعن في جمعة. قال اليمان بن عدي: كان عبد الله بن أبي زكريا عابد الشام، وكان يقول: ما عالجت من العبادة شيئاً أشد من السكوت. قال عبد الله بن أبي زكريا: عالجت الصمت عشرين سنة قبل أن أقدر منه على ما أريد. قال: وكان لا يغتاب في مجلسه أحد. يقول: إن ذكرتم الله أعناكم وإن ذكرتم الناس تركناكم. قال ابن أبي زكريا: لو خيرت بين أن أعمر مئة سنة من ذي قبل في طاعة الله أو أن أقبض في يومي هذا، أو في ساعتي هذه لاخترت أن أقبض في يومي هذا، أو في ساعتي هذه شوقاً إلى الله، وإلى رسوله، وإلى الصالحين من عباده. قال عبد الله بن أبي زكريا: ما مسست ديناراً قط ولا درهماً، ولا اشتريت شيئاً قط، ولا بعته، ولا ساومت به إلا مرة: فإنه أصابني الحصر فرأيت جوربين معلقين عند باب جيرون عند صيرفي فقلت: بكم هذا؟ ثم ذكرت فسكت. وكان من أبش الناس وأكثرهم تبسماً. قال بقية: قلت لمسلم: كيف هذا؟ قال: كان له إخوة يكفونه. توفي عبد الله بن أبي زكريا سنة سبع عشرة ومئة.

стр. 4040

عبد الله بن أيوب بن أبي عائشة حدث أن عمر بن عبد العزيز لم يغتسل من أهله من حين ولي إلا ثلاث مرات. عبد الله بن البختري أبو الطيب الناسخ حدث عن أستاذ له، من أولاد اليونانية - وكان قد عمر - أن أباه كان يقرأ كتب اليونانية، فحدثه أن على باب جيرون في أعلى الحصن حجراً مكتوباً عليه باليونانية: اللاعب بالعجين ما يجمع مالاً متعوب النفس، قليل ذات اليد، وعلى حجر أسفل الحصن مما يلي باب البريد خارج ثلاثة الأبواب مما يلي قبلة الباب حجر مكتوب عليه باليونانية تفسيره: لا تغتر بهواء دمشق ولا بسعرها ولا بناسها، إن أحببت أن تسكنها. قال: وعلى حجر مكتوب في الحصن الذي فيه باب البريد: لا تتبع ما كفيت ولا تضيع ما وليت. قال: وعلى حجر آخر مكتوب في الحصن الذي فيه دار الوليد بن عبد الملك من خارجه: دمشق يطرد أهلها وإن تطاولت بهم المدد، ويملكها الغرباء من غيرهم، فإذا كان ذلك قرب منهم ما بعد. قال: وعلى حجر آخر خارج الحصن عند دار مسلمة مكتوب: يا حاسد، أتعبت نفسك، واستعجلت الغم لروحك وأضعفت قوتك. عشت محسوراً ومت مذبولاً. وعلى الحجر الشرقي من الفصيل في الخضراء: احتفظ بما في يديك وإن قل يصنك عن ابذال جاهل. ونظف لباسك تكثر هيبتك، وإياك ومخالفة الجماعة فيما يهوونه فتتخذهم لك أعداء، وإذا غلبك أمر فاعتزل، واحذرأن يكثر غرماؤك لك وعليك تفتقر، ولا تحرص فيما لا تناله تستجهل، واقصد ما يعينك ترشد، واحذر الأحمق تسلم، والملك القديم يعينك على ذلك. قال: وما حجر آخر خارج الحصن مما يلي نهر بردى وهو اليوم في دار ماخور مكتوب: أسست هذه المدينة على الحصا، وظهر في أكثر أمكنة منها الماء، وجعلت أبوابها النحاس، وتحصنت فيها من الأعداء، فوجدت فيها يوماً إنساناً لا أعرفه ولا عرفه أحد من أهلها، فكلمناه فلم نعرف لسانه ولا عرف لساننا وإذا هو غريب عنها قد

стр. 4041

دخل إليها ولم يعلم به. فجعلت في نفسي أن الغريب يملكها. فيا ليت مخبراً يخبرني كيف يكون حالها، أتبقى عليهم أم يطردون عليها. وعلى حجر آخر من خارج الزاوية القبلية الغربية مكتوب: ادخل أو مر، ادخل أو مر يا غريب تغنم، اترك التعدي تسلم. لا تشمخ فتندم. وعلى حجر مكتوب في قناطر المزة وحافات القناة مكتوب فيه: لا تتعرض لما لا تعرفه تتعب فيما تعرفه، اتبع الرئيس فيما يأمرك به تنج من الخطأ، الظالم على الأرض ثقيل، لا تتخذه لك أخاً، تباعد من الشر ولا تدخل فيه، التجارب محمودة العاقبة. بهذا أخبرنا الديان الأكبر. وعلى حجر مكتوب - وهو اليوم في عقبة الصوف - العبد الصالح المتجنب للخطايا يحذر فتنة العبد الخاطئ، لأنا وجدنا في كثير من التجارب أن الخطيئة إذا نزل عقابها من الملك حلت بالخاطئ وبمن قرب منها. فتباعد من الشر تقرب من الخير. عبد الله بن بريدة بن الحصيب أبو سهل الأسلمي وفد على معاوية. حدث عن سمرة بن جندب أن امرأة ماتت في نفاسها على عهد رسول الله ﷺ فصلى النبي ﷺ عليها فقام عند وسطها. وعن عبد الله بن بريدة قال: قالت أم المؤمنين عائشة: يا رسول الله، إن وافقت ليلة القدر بم أدعو؟ قال: قولي: اللهم إني أسألك العفو والعافية. قال عبد الله بن بريدة: دخلت أنا وأبي على معاوية، فأجلسنا على الفرش ثم أتينا بالطعام فأكلنا ثم أتينا بشراب فشرب معاوية ثم ناول أبي ثم قال: ما شربته منذ حرمه رسول الله ﷺ ثم قال

стр. 4042

معاوية: كنت أجمل شباب قريش وأجوده ثغراً، وما شيء أجد له لذة كما كنت أجده وأنا شاب غير اللبن، أو إنسان حسن الحديث يحدثني. حدث عبد الله بن بريدة قال: ولدت لثلاث خلون من خلافة عمر. قال يحيى بن معين: عبد الله بن بريدة وسليمان بن بريدة توأم، ولد هذا قبل هذا بساعة. قال يونس بن عبيد الله: أراد قتيبة بن مسلم أن يولي على خراسان، فأشاروا عليه بعبد الله بن بريدة فسأله فأبى وقال: لا أقعد على القضاء بعد حديث حدثنيه أبي قال: قال رسول الله ﷺ : القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة: قاضٍ قضى بغير الحق وهو يعلم فهو في النار، وقاضٍ قضى بغير الحق وهو لا يعلم فهو في النار، وقاضٍ قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة. وعن أبي بريدة قال: ينبغي للرجل أن يتعاهد من نفسه ثلاثاً: ينبغي له أن لا يدع المشي، فإن احتاج إليه يوماً يقدر عليه، وينبغي له ألا يدع الأكل فإن أمعاءه تضيق، وينبغي له أن لا يدع الجماع فإن البئر إذا لم تنزح ذهب ماؤها. مات سليمان بن بريدة وهو على القضاء بها، سنة خمس ومئة وولي أخوه بعده القضاء بها، فكان على القضاء بمرو إلى أن مات سنة خمس عشرة ومئة.

стр. 4043

عبد الله بن بسر أبو صفوان ويقال أبو بسر المازني، مازن بن منصور أخي سليمان بن منصور. له صحبة من سيدنا رسول الله ﷺ . قدم الشام أو ساحلها مجتازاً من حمص إلى عكا، وركب منها البحر لغزو قبرس مع معاوية. سئل عبد الله بن بسر عن النبي ﷺ هل كان في رأسه ولحيته شيء من الشيب؟ قال: لا، إلا في غنفقته شعرات بيض فكان إذا ادهن تغير به. قال عبد الله بن بسر: أهديت للنبي ﷺ شاة، والطعام يومئذ قليل، فقال لأهله: اطبخوا هذه الشاة وانظروا إلى هذا الدقيق فاخبزوه واطبخوا وأثردوا عليه. قال: وكانت للنبي ﷺ قصعة يقال لها الغراء يحملها أربعة رجال. فلما أصبح وسبح الضحى أتى بتلك القصعة فالتفوا عليها، فإذا كثر الناس جثا رسول الله ﷺ فقال الأعرابي: ما هذه الجلسة؟! فقال: إن الله تعالى جعلني عبداً كريماً ولم يجعلني جباراً عنيداً، ثم قال: كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها يبارك الله فيها، ثم قال: خذوا فكلوا، فوالذي نفس محمد بيده لتفتحن عليكم أرض فارس والروم حتى يكثر الطعام فلا يذكر اسم الله تعالى عليه. وعن عبد الله بن بسر: أن أعرابياً قال: يا رسول الله، من خير الناس؟ قال: من طال عمره وحسن عمله. أسلم أبو صفوان هو وأبوه وأمه، ومات بالشام سنة ثمان وثمانين وهو آخر أصحاب رسول الله ﷺ وفاةً بالشام، وهو ابن أربع وتسعين سنة. قال أبو زرعة: في تسمية من نزل الشام من أصحاب رسول الله ﷺ من مصر: عبد الله بن بسر،

стр. 4044

وعطية بن بسر، والصماء بنت بسر واسمها بهيمة وأبوهما بسر، أربعة صحبوا رسول الله ﷺ من قيس من بني مازن. وقيل: إن عبد الله عاش مئة سنة، ومات في خلافة سليمان بن عبد الملك، واستخلف سليمان سنة ست وتسعين. وقبره في قرية يقال لها تنونية. وكان ممن صلى مع رسول الله ﷺ القبلتين. ووضع النبي ﷺ يده على رأسه وبارك عليه، ودعا له، وكان يصفر لحيته ورأسه وهو حاسر عن رأسه، وكانت ثيابه مشمرة ورداؤه فوق القميص، وكان إذا مر بحجر على الطريق نحاه، وكانت له جمة، لم ير عليه عمامة ولا قلنسوة شتاء ولا صيفاً، وقيل: كان شعره مفروقاً يغطي أذنيه، وشاربه مقصوص مع الشفة. قال عبد الله بن بسر: بعثني أبي إلى رسول الله ﷺ أدعوه إلى طعام فجاء معي، فلما دنوت من المنزل أسرعت فأعلمت أبوي فخرجا فتلقيا رسول الله ﷺ ورحبا به، ووضعنا له قطيفة كانت عندنا زبيرية، فقعد عليها ثم قال أبي لأمي: هاتي طعامك، فجاءت بقصعة فيها دقيق قد عصدته بماء وملح فوضعته بين يدي رسول الله ﷺ فقال: خذوا بسم الله من حواليها وذروا ذروتها فإن البركة فيها، فأكل رسول الله ﷺ وأكلنا معه وفضل منها فضلة، ثم قال رسول الله ﷺ : اللهم اغفر لهم، وارحمهم، وبارك عليهم، ووسع عليهم في أرزاقهم. وفي حديث بمعناه: فما زلنا نتعرف البركة والسعة في الرزق إلى اليوم. وفي حديث آخر بمعناه عن ابني بسر: وأنزل عليه الوحي في بيتنا، وقدمنا إليه زبداً وتمراً، وكان يحب البسر، وكان في رأس أحدهما في قرنه شعر مجتمع كأنه قرن فقال: ألا أرى في أمتي قرناً، الحديث.

стр. 4045

وحدث عبد الله بن بسر قال: كانت أختي تبعثني إلى رسول الله ﷺ بالهدية فيقبلها. وعن عبد الله بن بسر قال: ترون يدي هذه ضربت بها على يد رسول الله ﷺ وفي رواية - بايعت بها رسول الله ﷺ وسمعته يقول: لا تصوموا يوم السبت إلا في فريضة، وإن لم يجد أحدكم إلا عود كرم أو لحاء شجرة. زاد في غيره: فليفطر عليه. وعن عبد الله بن بسر وكان عبد الله شريكاً لأبيه في قرية يقال لها تمونية يرعيان فيها خيلاً لهم قال: أتى رسول الله ﷺ منزلنا مع أبي فقام إلى قطيفة لنا قليلة الخمل فجمعها بيده ثم ألقاها للنبي ﷺ فقعد عليها ثم قال أبي لأمي: هل عندك شيء تطعميناه فقالت: نعم، شيء من حيس، قال: فقربته إليهما فأكلا، ثم دعا لنا رسول الله ﷺ ثم التفت إلي رسول الله ﷺ وأنا غلام فمسح بيده على رأسي ثم قال: " يعيش هذا الغلام قرناً " قال: فعاش مئة سنة. وفي حديث آخر قال عبد الله: فلقد عشت خمساً وتسعين، وبقيت خمس سنين إلى أن أتم قول رسول الله ﷺ . قال: فحسبنا بعد ذلك خمس سنين ثم مات. وفي حديث آخر عنه: وكان في وجهه ثؤلول فقال: لا يموت هذا الغلام حتى يذهب هذا الثؤلول. فلم يمت عبد الله حتى ذهب الثؤلول من وجهه. وعن عبد الله بن بسر قال: لقد سمعت حديثاً منذ زمان: إذا كنت في قوم، عشرين رجلاً أو أقل أو أكثر فتصفحت في وجوههم فلم تر فيهم رجلاً يهاب من الله فاعلم أن الأمر قد رق.

стр. 4046

لما فرغ مسلم بن سليم من تزيين مسجد حمص كتب إليه الوليد بن عبد الملك أن أحضره أناساً من قدمائهم وصالحيهم فليدعوا لأمير المؤمنين بالصلاح والعافية والبقاء، فدعا ناساً من الجند فيهم عبد الله بن بسر فقال له مسلم: يا أبا صفوان، كيف ترى هذا المسجد؟ قال: أراه حسناً ملهياً. وعن أم هاشم الطائية قالت: رأيت عبد الله بن بسر جالساً يتوضأ، فبينا هو يتوضأ إذ خرجت نفسه. قال أبو مسلم: مات عبد الله بن بسر سنة سبع وثمانين. عبد الله بن بسر النصري والد عبد الواحد بن عبد الله له صحبة ورواية عن سيدنا رسول الله ﷺ حدث عبد الرحمن بن عمر الأوزاعي قال: مررت بعبد الواحد بن عبد الله بن بسر وأنا غاز وهو أمير على حمص فقال لي: يا أبا عمرو، ألا أحدثك بحديث يسرك؟ فوالله ربما كتمته الولاة. قلت: بلى. قال: حدثني أبي عبد الله بن بسر قال: بينما نحن بفناء رسول الله ﷺ جلوس إذ خرج علينا مشرق الوجه، يتهلل، فقمنا في وجهه، فقلنا: يا رسول الله، سرك الله، إنه ليسرنا ما نرى من إشراق وجهك وتطلقه، فقال رسول الله ﷺ : " إن جبريل أتاني آنفاً فبشرني أن الله قد أعطاني الشفاعة " فقلنا: يا رسول الله، أفي بني هاشم خاصة. قال: " لا ". قال: فقلنا: أفي قريش عامة. قال: " لا ". فقلنا: في أمتك؟ فقال: " هي في أمتي للمذنبين المثقلين ".

стр. 4047

عبد الله بن بشر بن عميرة ابن الصدي بن جميل بن شرحبيل بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب أبو محمد الطالقاني البكري من بكر بن وائل سمع بدمشق وبمصر وغيرهما. حدث عن أسد بن محمد المصيصي بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " لا عقل كالتدبير ". وحدث عن محمد بن كثير الحراني بسنده عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله ". وحدث عن العباس بنالوليد بسنده عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة ". وعميره جده: بفتح العين وكسر الميم. قال أبو جعفر محمد بن صالح بن هانئ: سمعت أبا محمد عبد الله بن بشر يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، وبكلامه خلق الخلق، وكون الأشياء، وليس من الخلاق العليم شيء مخلوق، ومن زعم أن كلامه مخلوق فقد زعم أن الله شيئاً مخلوقاً، فتعالى الله عن هذا. فلقد جاء قائل هذا القول شيئاً نكراً، وافترى عظيماً، قال الله : " ألا له الخلق والأمر " ففصل الخلق من الأمر وقال جل ثناؤه: " كن " فكان، وكلامه من أمره مخلوق، خلق الخلق .

стр. 4048

قال أبو عبد الله محمد بن يعقوب: سمعت عبد الله بن بشر الطالقاني يقول: أرجو أن يأتيني أمر الله بين يدي ولم يفارقني القلم والمحبرة، وكان عبد الله بن بشر يحضر المجالس ويكتب ويسمع ويكتب بخطه إلى أن مات. توفي عبد الله الطالقاني سنة خمس وسبعين ومئتين. عبد الله بن بكر بن محمد ابن الحسين بن محمد أبو أحمد الطبراني الزاهد ساكن أكواخ بانياس. حدث بسنده عن أحمد بن عبد الوهاب الذهبي عن مشايخه قال: قال حذيفة: كفى من العلم الخشية، وكفى من الجهل أن يذكر العالم حسناته وينسى سيئاته، وكفى من الكذب أن يتوب من الذنب ثم يعود فيه. قال أبو محمد عبد الله بن جعفر الخبازي: سمعت أبا أحمد عبد الله بن بكر العالم الزاهد بالشام في جبل لبنان يقول: أبرك العلوم وأفضلها وأكثرها نفعاً في الدين والدنيا بعد كتاب الله أحاديث رسول الله ﷺ لما فيه من كثرة الصلوات عليه، وإنها كالرياض والبساتين تجد فيها كل خير وبر وفضل وذكر. كان أبو أحمد ثقة ثبتاً مكثراً، وكان بأكواخ بانياس، يتعبد في أصل جبل هناك، وتوفي سنة تسع وتسعين وثلاث مئة. وكان يرمى بالتشيع. عبد الله بن تمام الكلاعي القاضي كان قاضياً لعبد الملك. جاءت امرأة تخاصم زوجها إلى عبد الله بن تمام وهو يومئذ قاضٍ لعبد الملك بن مروان فذكرت أن زوجها لا يأتيها فقضى لها بيوم من أربعة، فقال أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي:

стр. 4049

لقيت من الغانيات العجابا ... لو أدرك مني العذارى الشبابا ولكن جمع العذارى الحسان ... عناء شديد إذا المرء شابا يرضن بكل عصا رائض ... ويصبحن كل غداة غضابا علام يكحلن حور العيون ... ويحدثن بعد الخضاب الخضابا ويبرقن إلا لما تعلمون ... فلا تحرموا المؤمنات الضرابا فلو كلت بالمد للغانيات ... وأطهرت بعد الثياب الثيابا ولم يغش فيهن من ذاك ذاك ... بغينك عند الأمير الكذابا إذا لم يخالطن كل الخلا ... ط أصبحن مخرنطمات غضابا يميت الخلاط عتاب النساء ... ويحيي اجتناب الخلاط العتابا وكان عبد الملك يقول لأيمن: أنشدني شعراً في النساء فإذا أنشده قال: ما عامل النساء معاملتك أحد قط، ولا أبصر منهن ما أبصرت، هن على ما ذكرت، غير أني لم أسمعك ذكرت أربهن ومكرهن، وقال عبد الملك: نعم الشفيع أيمن لهن. قال الحافظ: لا أعرف ابن تمام هذا في قضاة دمشق. قال: ولعله كان قاضياً في بعض أعمالها. عبد الله بن ثابت بن يعقوب ابن قيس بن إبراهيم بن عبد الله أبو محمد العبقسي التوزي البحراني القاضي المقرئ. حدث بدمشق عن يوسف بن موسى القطان بسنده عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ليودن أهل العافية يوم القيامة أن جلودهم قرضت بالمقاريض، مما يرون من ثواب أهل البلاء. قال عبد الله بن ثابت: أنشدنا المبرد محمد بن يزيد:

стр. 4050

حتى متى أنا في حل وترحال ... وطول سعي بإدبارٍ وإقبال ونازح الدار لا أنفك مغترباً ... عن الأحبة لا يدرون ما حالي في مشرق الأرض طوراً ثم مغربها ... لا يخطر الموت من حرصي على بالي ولو قنعت أتاني الرزق في دعةٍ ... إن القنوع الغنى لا كثرة المال وأنشد عبد الله بن ثابت المقرئ: إذا لم تكن حافظاً واعياً ... فعلمك في البيت لا ينفع وتحضر بالجهل في موضعٍ ... وعلمك في البيت مستودع ومن يك في دهره هكذا ... يكن دهره القهقري يرجع توفي عبد الله بن ثابت سنة ثمان وثلاث مئة، وقيل إنه قال: ولدت سنة ثلاث وعشرين ومئتين في آخرها. عبد الله بن ثعلبة بن صعير ويقال ابن أبي صعير، أبو محمد العذري حليف بني زهرة أدرك سيدنا رسول الله ﷺ ومسح على وجهه، ودعا له وحفظ عنه حديثاً، وشهد خطبة عمر بالجابية. حدث ابن أبي الصعير قال: أشرف رسول الله ﷺ على قتلى أحد فقال: زملوهم بدمائهم وكلومهم، فإني شهدت عليهم. وعن عبد الله بن ثعلبة وكان رسول الله ﷺ قد مسح وجهه أن رسول الله قال لقتلى أحد الذين قتلوا، ووجدهم قد مثل بهم فقال: زملوهم بجراحاتهم، فإنه ما كلم يكلمه في الله إلا يأتي يوم القيامة لونه لون دم وريحه ريح المسك. زاد في حديث آخر: وكان عبد الله بن ثعلبة ولد عام الفتح.

стр. 4051

وفي آخر: انظروا أكثرهم جمعاً للقرآن فاجعلوه أمام صاحبه في القبر. وكانوا يدفنون الاثنين والثلاثة في القبر. وحدث عبد الله بن ثعلبة: أن المستفتح يوم بدر أبو جهل بن هشام. قال: لما التقى الجمعان قال: اللهم، أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة، فقتل. وفيه أنزل الله " إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم ". وحدث عبد الله بن ثعلبة قال: صلينا مع عمر بن الخطاب بالجابية صلاة الصبح فقرأ سورة الحج فسجد فيها سجدتين. وكان ثعلبة أبو عبد الله شاعراً وكان حليفاً لبني زهرة. وصعير: بضم الصاد المهملة وفتح العين المهملة. ولد عبد الله بن ثعلبة قبل الهجرة بأربع سنين، وتوفي رسول الله ﷺ وهو ابن أربع عشرة سنة. وتوفي سنة تسع وثمانين وهو ابن ثلاث وتسعين. وقيل: توفي سنة سبع وثمانين وهو ابن ثلاث وثمانين سنة. وكان عالماً بالأنساب. عبد الله بن ثوب وقيل ابن ثواب وقيل: ابن أثوب. ويقال: ابن عبد الله - أبو مسلم الخولاني الداراني الزاهد - ويقال: ابن عبد - ويقال: ابن عوف - ويقال: ابن مسلم - ويقال: اسمه يعقوب بن عوف. أدرك الجاهلية، وسكن الشام فنزل بداريا، أصله من اليمن، قارئ أهل الشام.

стр. 4052

حدث أبو مسلم الخراساني قال: حدثني الحبيب الأمين - أما هو إلي فحبيب، وأما هو عندي فأمين - عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا عند رسول الله ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: ألا تبايعون رسول الله ﷺ فرددها ثلاث مرات، فقدمنا أيدينا فبايعنا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله، قد بايعناك فعلى أي شيء نبايعك؟ قال: على أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئاً، والصلوات الخمس، وأسر كلمة خفية: ألا تسألوا الناس شيئاً. قال: فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوطه فما يقول لأحد يناوله إياه. أسلم أبو مسلم في عهد سيدنا رسول الله ﷺ ، وقيل: إنه أسلم على عهد معاوية، فقيل له: ما منعك أن تسلم على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان؟ فقال: إني وجدت هذه الأمة على ثلاثة أصناف: صنف يدخلون الجنة بغير حساب، وصنف يحاسبون حساباً يسيراً، وصنف يصيبهم شيء، ثم يدخلون الجنة، فأردت أن أكون من الأولين، فإن لم أكن منهم كنت من الذين يحاسبون حساباً يسيراً، فإن لم أكن منهم كنت من الذين يصيبهم شيء ثم يدخلون الجنة. وقيل: إنما كان إسلامه في عهد أبي بكر، ولكن هاجر إلى الأرض المقدسة أيام معاوية من قبل عمر وسكنها. قال المصنف: المحفوظ أن أبا مسلم الخولاني تقدم إسلامه، والذي تأخر إسلامه أبو مسلم الجليلي، فسأله أبو مسلم الخولاني عن سبب تأخر إسلامه، فذكر معنى ما في الحديث. وكان إسلام أبي مسلم الجليلي في خلافة عمر. حدث شرحبيل بن مسلم الخولاني أن الأسود بن قيس تنبأ باليمن فبعث إلى أبي مسلم الخولاني فقال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع. قال: فتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. فرددها عليه مرات. فلما رأى أنه لا يجيبه أمر بنار عظيمة فأججت ثم قذف أبا مسلم فيها فلم تضره، فقال له من اتبعه: إن لم تنف هذا عنك أفسد عليك أمر من اتبعك فأمره بالرحيل، فأتى المدينة فأناخ راحلته بباب المسجد، وعمد إلى سارية من سواري المسجد ليصلي إليها، فبصر به عمر، فأقبل إليه فقال: السلام عليك، فقال: وعليك السلام، فقال: من أين أقبلت؟ قال:

стр. 4053

من اليمن. قال: فما فعل الذي حرقه الكذاب بالنار؟ قال: ذاك عبد الله بن ثوب. قال أنشدك بالله أنت هو! قال: اللهم نعم، فاعتنقه وبكى، وأخذ بيده وانطلق به إلى أبي بكر ﵁ حتى أجلسه فيما بينه وبينه، وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد ﷺ من فعل به مثلما فعل بإبراهيم خليل الرحمن فلم تضره النار. قال ابن عياش: وأنا أدركت من اليمن من ريما مازح بعضهم بعضاً فيقول الخولانيون للعنسيين: صاحبكم الكذاب أحرق صاحبنا بالنار فلم تضره. لقي كعب أبا مسلم الخولاني فقال: كيف كرامتك على قومك؟ قال: إني عليهم لكريم. قال: إني أجد في التوارة غير ما تقول. قال: فصدقت التوراة، وكذب أبو مسلم. قال: فما وجدت في التوراة؟ قال: وجدت في التوراة أنه لم يكن حكيم من قوم إلا كان أزهدهم فيه قومه ثم الأقرب فالأقرب، فإذا كان في حبسه شيء عيروه به، وإن كان عمل برهة من دهره ذنباً عيروه به، فقالوا: فلان يعيرنا وابن فلان يعيرنا. وفي رواية: إذاً، ما كان رجل حكيم في قوم إلا بغوا عليه وحسدوه. رأى كعب أبا مسلم الخولاني فقال: من هذا؟ قالوا: أبو مسلم. فقال: هذا حكيم هذه الأمة. كان أبو مسلم الخولاني يعلق سوطه في مسجده، فإذا غلبه النوم مشق ساقيه، ويقول: أنت أحق بالضرب من البهائم، فإذا غلبه النوم. قال: منك لا مني. قال الزهري: كنت عند الوليد فكاد يتناول عائشة فقلت له: يا أمير المؤمنين، ألا أحدثك عن رجل من أهل الشام كان قد أوتي حكمة؟ قال: ومن هو؟ قلت: أبو مسلم الخولاني، وسمع أهل الشام كأنهم ينالون من عائشة فقال: ألا أخبركم بمثلكم ومثل أمكم هذه؟ كمثل عينين في رأسه تؤذيان صاحبهما ولا يستطيع أن يعاقبهما إلا بالذي هو خير لهما. قال: فسكت.

стр. 4054

قال عثمان بن أبي العاتكة: كان من أمر أبي مسلم أن علق سوطاً في مسجده ويقول: أنا أولى بالسوطمن الدواب، فإذا دخلته فترة مشق ساقيه سوطاً أو سوطين، وكان يقول: لو رأيت الجنة عياناً ما كان عندي مستزاد، ولو رأيت النار عياناً ما كان عندي مستزاد. وعن شرحبيل: أن رجلين أتيا أبا مسلم في منزله فقال بعض أهله: هو المسجد فأتيا المسجد فوجداه يركع، فانتظرا انصرافه، وأحصيا ركوعه، فأحصى أحدهما أنه ركع ثلاث مئة ركعة، والآخر أربع مئة ركعة قبل أن ينصرف، فقال له: يا أبا مسلم، كنا قاعدين خلفك ننتظرك. فقال: إني لو عرفت مكانكما لانصرفت إليكما، وما كان لكما أن تحفظا علي صلاتي، وأقسم لكما بالله إن خير كثرة السجود اليوم القيامة. قال: وكان أبو مسلم يتكلف حضور صلاة الجماعة من داريا إلى المسجد الجامع بدمشق التماس الفضيلة. وبين داريا والمسجد أربعة أميال. وكان أول من دخل المسجد لصلاة الصبح. قيل لأبي مسلم الخولاني حين كبر: إنك كبرت ورققت، فلو رفقت بنفسك، قال: أليس إذا أرسلت الحلبة فقلت لفرسانها: ارفقوا بها وسددوا بها، فإذا دنوتم من الغاية فلا تستبقوا منها؟ قال: فقد رأيت الغاية فدعوني. قال عطية بن قيس: دخل أناس من أهل دمشق على أبي مسلم وهو غاز في أرض الروم، وقد احتفر جورة في فسطاطه وجعل فيها نطعاً وأفرغ فيه الماء وهو يتصلق فيه فقالوا: ما حملك على الصيام وأنت مسافر وقد أرخص لك في الفطر في الغزو والسفر؟! فقال: لو حضرت قتال لأفطرت، ولتهيأت له وتقويت، إن الخيل لا تجري الغايات وهي بدن، إنما تجري وهي ضمر، ألا وإن أيامنا باقية جائية، لها نعمل.

стр. 4055

قال أبو مسلم الخولاني: ما عرضت لي دعوة قط فذكرت جهنم إلا صرفتها إلى الاستجارة من النار والاستعاذة منها. كان أبو مسلم يكثر أن يرفع صوته بالتكبير حتى مع الصبيان، وكان يقول: اذكر الله حتى يرى الجاهل أنك مجنون. أتى رجل أبا مسلم الخولاني فقال له: أوصني يا أبا مسلم قال: اذكر الله تحت كل شجرة وحجر، فقال: ذرني. قال: اذكر الله حتى يحسبك الناس من ذكر الله مجنوناً. قال: فكان أبو مسلم يكثر ذكر الله ، فقال: أمجنون صاحبكم هذا؟ فسمعه أبو مسلم فقال: ليس هذا بالجنون يا بن أخي، ولكن هذا دواء الجنون. كان من هدي أبي مسلم الخولاني إذا انصرف إلى منزله بعد العشاء إظهار التكبير، فإذا دنا من منزله وسمعته أم مسلم أجابته، فإذا دخل منزله سلم وقال: يا أم مسلم، شدي رحلك، فإنه ليس على جسر جهنم معبر. قال أبو مسلم: ما عملت عملاً أبالي من رآه إلا أن يخلو الرجل بأهله، أو يقضي حاجة غائط. كان أبو مسلم الخولاني إذا غزا أرض الروم فمروا بنهر قال: أجيزوا بسم الله، ويمر بين أيديهم فيمرون بالنهر الغمر، فربما لم يبلغ من الدواب إلا الركب أو بعض ذلك قريباً من ذلك، فإذا جازوا قال للناس: هل لكم شيء؟ من ذهب له شيء فأنا له ضامن. قال: فألقى بعضهم مخلاة عمداً، فلما جاوزوا قال الرجل: مخلاتي وقعت في النهر قال له: اتبعني فإذا المخلاة قد تعلقت ببعض أعواد النهر، فقال: خذها. وعن أبي مسلم الخولاني أنه أتى على دجلة وهو يرمي بالخشب من مدها، فوقف عليها ثم حمد الله ﵎ وأثنى عليه، وذكر سير بني إسرائيل في البحر ثم لهز دابته فخاضت الماء وتبعه الناس حتى قطعوا، ثم قال: هل فقدتم شيئاً من متاعكم فأدعوا الله أن يرده علي؟ اشترى أبو مسلم بغلة فقالت له امرأته: ادع الله لنا فيها بالبركة. قال: اللهم بارك

стр. 4056

لنا فيها، فأصبحت وقد نفقت. ثم اشترى بغلة ثانية فقالت له مثلها، فأصبحت وقد نفقت. ثم اشترى الثالثة فقالت: أبا مسلم، ادع الله لنا فيها بالبركة. قال: اسكتي يا حمقاء، اللهم متعنا بها. كان أبو مسلم الخولاني إذا دخل سلم، فإذا بلغ وسط الدار كبر وكبرت امرأته، فإذا بلغ البيت كبر وكبرت امرأته قال: فيدخل فينزع رداءه وحذاءه وتأتيه بطعام فيأكل، فجاء ذات ليلة فكبر فلم تجبه ثم أتى باب البيت فكبر وسلم وكبر فلم تجبه، وإذا البيت ليس فيه سراج وإذا هي جالسة بيدها ود في الأرض تنكت به، فقال لها: ما لك؟ قالت: الناس بخير وأنت أبو مسلم لو أنك أتيت معاوية فيأمر لنا بخادم ويعطيك شيئاً نعيش به، فقال: اللهم، من أفسد علي أهلي فأعم بصره. قال: وكانت امرأة فقالت: أنت امرأة أبي مسلم، فلو كلمت زوجك يكلم معاوية ليخدمكم ويعطيكم قال: فبينا هذه المرأة في منزلها والسراج يزهر إذ أنكرت بصرها، فقالت: سراجكم طفئ قالوا: لا. قالت: إنا لله ذهب بصري، فأقبلت كما هي إلى أبي مسلم فلم تزل تناشده الله وتطلب إليه، فدعا الله، فرد بصرها، ورجعت امرأته إلى حالها التي كانت عليها. حدث بلال بن كعب قال: كان الظبي يمر بأبي مسلم الخولاني فيقول له الصبيان: يا أبا مسلم، ادع ربك يحبس علينا هذا الظبي فيدعو الله فيحبسه حتى يأخذوه بأيديهم. قالت امرأة أبي مسلم: يا أبا مسلم، ليس لنا دقيق. قال: عندك شيء؟ قالت: درهم بعنابه غزلاً. قال: ابغينيه، وهاتي الجراب، فدخل السوق، فوقف على رجل يبيع الطعام فوقف عليه سائل فقال: يا أبا مسلم، تصدق علي فهرب منه وأتى حانوتاً آخر وتبعه السائل فقال: تصدق علينا. فلما أضجره أعطاه الدرهم، ثم عمد إلى الجراب فملأه من نحاتة النجارين مع التراب ثم أقبل إلى باب منزله فنقر الباب وقلبه مرعوب من أهله. فلما ذهب من الليل الهديء جاء أبو مسلم فنقر الباب. فلما دخل وضعت بين يديه خواناً

стр. 4057

وأرغفة حواري فقال: من أين لكم هذا؟ قالت: يا أبا مسلم، من الدقيق الذي جئت به، فجعل يأكل ويبكي. حدث الأوزاعي قال: أتى أبا مسلم نفر من قومه فقالوا: يا أبا مسلم، أما تشتاق إلى الحج؟ قال: بلى، لو أصبت لي أصحاباً، قال: فقالوا: نحن أصحابك، قال: لستم لي بأصحاب، إنما أصحابي قوم لا يريدون الزاد ولا المزاد، قالوا: سبحان الله وكيف يسافر قوم بلا زاد ولا مزاد؟! قال لهم: ألا ترون إلى الطير تغدو وتروح بلا زاد ولا مزاد، والله يرزقها وهي لا تبيع ولا تشتري، ولا تحرث ولا تزرع والله يرزقها؟ قال: فإنا نسافر معك، فقال: تهيؤوا على بركة الله تعالى، قال: فغدوا من غوطة دمشق ليس معهم زاداً ولا مزاد، قال: فلما انتهوا إلى المنزل قالوا: يا أبا مسلم، طعام لنا وعلف لدوابنا قال: فقال لهم: نعم، فتنحى غير بعيد فتسنم مسجد أحجار، فصلى فيه ركعتين ثم جثا على ركبتيه قال: إلهي قد تعلم ما أخرجني من منزلي، وإنما خرجت زائراً لك، وقد رأيت البخيل من ولد آدم تنزل به العصابة من الناس فيوسعهم قرى، وإنا أضيافك وزوارك فأطعمنا واسقنا، واعلف دوابنا، قال: فأتي بسفرة فمدت بين أيديهم وجيء بجفنة من ثريد تبخر، وجيء بقلتين من ماء وجيء بالعلف لا يدرون من يأتي به. فلم تزل حالهم منذ خرجوا من عند أهاليهم حتى رجعوا، لا يتكلفون زاداً ولا مزاداً. كان بيد أبي مسلم الخولاني سبحة يسبح بها قال: فنام والسبحة في يده. قال: فاستدارت السبحة فالتفت على ذراعه وجعلت تسبح، فالتفت أبو مسلم والسبحة تدور في ذراعه وهي تقول: سبحانك يا منبت النبات، ويا دائم الثبات. قال: فقال: هلمي يا أم مسلم وانظري إلى أعجب الأعاجيب قال: فجاءت أم مسلم والسبحة تدور تسبح. فلما جلست سكتت. قالت جارية أبي مسلم الخولاني: يا أبا مسلم، لقد جعلت لك السم في طعامك منذ كذا وكذا فما أراه يضرك. فقال: ولم فعلت ذلك؟ قالت: أنا جارية شابة، ولا أنت تدنيني من فراشك. فقال: إني كنت

стр. 4058

أقول إذا قرب إلي طعامي: بسم الله خير الأسماء الذي لا يضر مع اسمه داء، رب الأرض ورب السماء. وأعتقها. حدث سعيد بن عبد العزيز: إن الناس كانوا بأرض الروم فبعثوا سرية، فأبطأت عن وقت قدومها، فأحزن ذلك الجيش. فبينا أبو مسلم الخولاني يصلي إلى رمحه إذا بطائر قد وقع على سنان الرمح فقال: يا أبا مسلم، أبشر وبشر المسلمين بأن الله قد سلم السرية وغنموا كذا، وهم قادمون في وقت كذا، فقال أبو مسلم: من أنت رحمك الله؟ قال: أنا ارزبابيل. فذهب الحزن من صدور المؤمنين. وفي رواية: مسلي الحزن عن قلوب بني آدم. قال أبو مسلم لجارية له: لولا أن الله تعالى يقول: " قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله "، لأوجعتك. قال: فقالت: يرحمك الله فوالله، إنني لممن يرجو أيامه فما لك لا توجعني؟ فقال: إن الله يأمرني أن أغفر للذين لا يرجون أيامه فعمن يرجو أيامه أحرى، فانطلقي فأنت حرة. انصرف أبو مسلم الخولاني إلى منزله فإذا جاريته تبكي فقال لها: يا بنية ما يبكيك؟! فقالت: ضربني سيدي ابنك، فدعا ابنه فقال: كيف ضربك؟ قالت: لطمني. قال لابنه: اجلس فجلس فقال لها: الطميه كما لطمك فقالت: لا ألطم سيدي، فقال لها: عفوت عنه؟ قالت: نعم، قال: لا تطلبينه في الدنيا ولا في الآخرة؟ قالت: نعم. قال: اذهبي حتى تشهدي على ما تقولين. فدعت رجالاً فقال لها أبو مسلم: إن ابني لطمها لطمة، فدعوتها لتقتص من ابني فأبت أن تقتص، فزعمت أنها قد عفت عنه لا تطلبه لا في الدنيا ولا في الآخرة. فكذلك؟ قالت: نعم. قال: أشهدكم أنها حرة لوجه الله. فأقبل عليه بعض

стр. 4059

القوم فقال: أعتقتها من أجل أن لطمها ابنك وليس لك خادم غيرها؟ قال: دعونا عنكم أيها القوم ليتنا نفلت كفافاً، لا لنا ولا علينا. عن أبي مسلم الخولاني: أنه سمع مكفوفاً بالمدينة وهو يلعن عثمان وما ولد، فقال: يا مكفوف، ألعثمان تقولون هذا يا أهل المدينة؟! كنتم بين قاتل وخاذل فكلاً جزى الله شرأ. يا أهل المدينة، لأنتم شر من ثمود، إن ثموداً قتلوا ناقة الله وأنتم قتلتم خليفة الله، وخليفة الله أكرم على الله من ناقته. يا أهل المدينة، لو لم يكن في عثمان إلا أني رأيت في المنام كأن السماء، فإذا بالنبي ﷺ وأبو بكر عن يمينه وعمر عن يساره، وإذا بالسماء تقطر دماً وقائل يقول: هذا دم عثمان قتل مظلوماً. مر بأبي مسلم الخولاني رجال من أهل المدينة قدموا من الحج وهو عند معاوية بدمشق، فخرج فلقيهم فقال لهم: هل مررتم بإخوانكم من أهل الحجر؟ قالوا: نعم. قال: فكيف رأيتم صنع الله بهم؟ قالوا: بذنوبهم. قال: أشهد أنكم عند الله مثلهم. قال: فدخلوا على معاوية فقالوا له: ما لقينا من هذا الشيخ الذي خرج من عندك؟! فبعث إليه فجاءه فقال: ما لك ولبني أخيك؟ قال: قلت لهم: مررتم على الحجر؟ قالوا: نعم فقلت: كيف رأيتم صنع الله بهم؟ فقالوا: صنع الله بهم بذنوبهم، فقلت: أشهد أنكم عند الله مثلهم. فقالوا: كيف يا أبا مسلم؟ قال: قتلوا ناقة الله وقتلتم خليفته، وأشهد على ربي لخليفته أكرم عليه من ناقته. قال أبو مسلم الخولاني: مثل الإمام كمثل عين عظيمة صافية طيبة الماء، يجري منها إلى نهر عظيم فيخوض الناس النهر فيكدرونه، ويعود عليهم صفو العين، فإن كان الكدر من قبل العين فسد النهر. قال: ومثل الإمام العادل ومثل الناس كمثل فسطاط لا يستقم إلا بعمود، ولا يقوم العمود إلا بأطناب وأتاد، فكلما نزع وتد ازداد العمود وهناً، فلا يصلح الناس إلا بالإمام ولا يصلح الإمام إلا بالناس.

стр. 4060

قام أبو مسلم الخولاني إلى معاوية بن أبي سفيان وهو على المنبر فقال: يا معاوية، إنما أنت قبر من القبور. إن جئت بشيء كان لك شيء، وإلا فلا شيء لك. يا معاوية، لا تحسب أن الخلافة جمع المال وتفريقه، إنما الخلافة القول بالحق والعمل بالمعدلة، وأخذ الناس في ذات الله، يا معاوية، إنا لا نبالي بكدر الأنهار ما صفا لنا رأس عيننا، يا معاوية، وإياك أن تميل على قبيلة من العرب فيذهب حيفك بعدلك. قال: ثم جلس فقال له معاوية: يرحمك الله يا أبا مسلم، يرحمك الله يا أبا مسلم. دخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقال الناس: الأمير يا أبا مسلم، ثم قال: السلام عليك أيها الأجير. فقال الناس: الأمير. فقال معاوية: دعوا أبا مسلم فهو أعلم بما يقول. قال أبو مسلم: إنما مثلك مثل رجل استأجر أجيراً فولاه ماشيته، وجعل له الأجر على أن يحسن الرعية، ويوفر جزازها وألبانها، فإن هو أحسن رعيتها ووفر جزازها حتى تلحق الصغيرة، وتسمن العجفاء، أعطاه أجره وزاده من قبله زيادة، وإن هو لم يحسن رعيتها وأضاعها حتى تهلك العجفاء، وتعجف السمينة ولم يوفر جزازها وألبانها غضب عليه صاحب الأجر فعاقبه ولم يعطه الأجر. فقال معاوية: ما شاء الله. كان أبو مسلم الخولاني يقول: مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء، إذا بدت لهم اهتدوا وإذا خفيت عليهم تحيروا. قال: ومثل الصالحين مثل الأميال في الأرض، ينجو بها السالك من الضلالة. وكان يقول: يا معشر القراء، استقيموا فقد سبقتم سبقاً بيناً بعيداً. وإن أخذتم يميناً وشمالاً فقد ضللتم ضلالاً بعيداً. قال: وكان يقول: كلمة العالم الذي لا يعمل بها تزل عن القلب كما يزل القطر عن الصفا. قال أبو مسلم الخولاني: العلماء ثلاثة؛ رجل عاش في علمه وعاش الناس فيه، ورجل عاش في علمه ولم يعش معه فيه أحد، ورجل عاش الناس في علمه وكان وبالاً عليه.

стр. 4061

دخل أبو مسلم الخولاني المسجد فنظر إلى نفر قد اجتمعوا جلوساً، فرجا أن يكونوا على ذكر، على خير، فجلس إليهم فإذا بعضهم يقول: قدم غلام لي فأصاب كذا وكذا، وقال الآخر: وأنا قد جهزت غلامي. فنظر إليهم فقال: سبحان الله هل تدرون يا هؤلاء ما مثلي ومثلكم؟ كمثل رجل أصابه مطر غزير وابل، فالتفت فإذا هو بمصراعين عظيمين فقال: لو دخلت هذا البيت حتى يذهب عني أذى هذا المطر، فدخل فإذا بيت لا سقف له، فجلست إليكم وأنا أرجو أن تكونوا على خير، على ذكر، فإذا أنتم أصحاب دنيا، فقام عنهم. قال أبو مسلم الخولاني: أظهر اليأس مما في أيدي الناس، فإن فيه الغنى، وأقل طلب الحاجات إلى الناس، فإن فيه الفقر الحاضر، وإياك وما يعتذر منه من الكلام، وصل صلاة مودع يظن أن لن يعود، وإن استطعت أن تكون اليوم خيراً منك الأمس وتكون غداً خيراً منك اليوم فافعل. قال مسلم بن حامد: قال لي أبو مسلم: كيف بك إذا صرت في حثالة من الناس؟ فقلت: يا أبا مسلم، وما الحثالة؟ فقال: قوم لا تعرفهم ولا يعرفونك، أولئك شرار الخلق، ألا إن أفضلكم في ذلك الزمان أخملكم ذكراً. قلت: يا أبا مسلم، وما خمالة الذكر؟ قال: من لم يعرف الناس ولم يعرفوه، ولم يتصد للفتن فتهلكه، وأخفهم حاذاً. فقلت: يا أبا مسلم، وما خفة الحاذ؟ قال: من قل أهله وعياله، ولم يكن متشاغلاً عن عبادة ربه ، إن الرجل منكم يخرج فيحتطب الدنيا من حلها وحرامها لأهله وعياله. ألا وسيعيش الرجل منكم في ذلك الزمان في حسب غيره. فقلت: يا أبا مسلم، سبحان الله! أويكون هذا؟ قال: نعم، يدرس العلم ويذهب الناس فينتمي قوم إلى غير آبائهم، ويتولى قوم إلى غير مواليهم، لا يجدون من يصدقهم ولا يكذبهم.

стр. 4062

قال أبو مسلم: كان الناس ورقاً لا شوك فيه، وإنهم اليوم شوك لا ورق فيه، إن سببتهم سبوك وإن ناقدتهم ناقدوك، وإن تركتهم لم يتركوك. زاد في أخرى: وإن فررت منهم أدركوك، فقال رجل: فكيف أصنع؟ قال: أعط من عرضك ليوم فقرك. قال أبو مسلم الخولاني: أربع لا يقبلن في أربع: السرقة، والخيانة، والغلول، ومال اليتيم: في الحج، والعمرة، والصدقة، والنفقة في سبيل الله . قال أبو مسلم: مثل هذه من توفيق - وعقد طرف اصبعه - خير من مثل هذا من عقل وفرج بين يديه. توفي أبو مسلم الخولاني بأرض الروم بحمة بسر في خلافة معاوية، فقال لبسر بن أرطأة: أمرني على من مات معك من المسلمين، واعقد لي لواء عليهم، واجعل قبري أقصى القبور إلى العدو، فإني أرجو أن آتي يوم القيامة بلوائهم. وكان معاوية شتى بسر بن أرطأة سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة أربع وأربعين. روي عن بعض مشيخة دمشق قال: أقبلنا من أرض الروم قفالاً. فلما أن خرجنا من حمص متوجهين إلى دمشق مررنا بالعمير الذي يلي حمص على نحو من أربعة أميال في آخر الليل. فلما سمع الراهب الذي في الصومعة كلامنا اطلع إلينا فقال: ما أنتم يا قوم؟ فقلنا: ناس من أهل دمشق أقبلنا من

стр. 4063

أرض الروم فقال: هل تعرفون أبا مسلم الخولاني؟ فقلنا: نعم. قال: فإذا أتيتموه فأقرئوه السلام، وأعلموه أنا نجده في الكتب رفيق عيسى بن مريم. أما إنكم إن كنتم تعرفونه لا تجدونه حياً. قال: فلما أشرفنا على الغوطة بلغنا موته. يعني سمعوا خبر وفاته بدمشق وكانت وفاته بأرض الروم. قال معاوية: إنما المصيبة كل المصيبة لموت أبي مسلم الخولاني وكريب بن سيف الأنصاري. توفي ابن لعتبة بن أبي سفيان فقام ناس إلى معاوية فقالوا: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، أعظم الله أجرك في ابن أخيك، وجعل ثوابك من مصيبتك به الجنة، فأسكت عنهم فردوا عليه الكلام فقال: إن موت غلام من آل أبي سفيان قبضه الله إلى جنته وكرامته ليس بمصيبة. إن المصيبة كل المصيبة على مثل أبي مسلم الخولاني وكريب بن سيف الأزدي. عبد الله بن جابر بن عبد الله أبو محمد الطرسوسي البزاز سمع بدمشق. حدث عن زهير بن محمد بن قمير بسنده إلى تميم الداري قال: قال رسول الله ﷺ : الدين النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم. وحدث عبد الله بن جابر عن ابن خبيق بسنده إلى سفيان الثوري قال: أصبنا أصل كل عداوة: اصطناع المعروف إلى اللثام.

стр. 4064

عبد الله بن جابر أبو مسلم من جلساء الوليد بن مسلم. حدث عبد الله بن جابر قال: سمعت الوليد بن مسلم يقول: أضاف بأبي شيخ من أهل الحجاز فبات ليلته يردد هذه الآية ويبكي إلى الصباح: " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين " فلما غدا إلى المسجد غدوت معه. قال: فقلت له: يا عم، لقد أبكتك الليلة آية ما يبكي عند مثلها، إنها آية رحمة. فقال لي: يا بن أخي، وما ينفعني أو يغني عني عرضها إن لم يكن لي فيها موضع قدم؟ قال عبد الله بن جابر: سمعت الوليد يقول في قوله : " ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين " قال: يعبدونك فيحسنون عبادتك، ولا يخرجون علينا الحد، " واجعلنا للمتقين إماماً " قال: نأتم بصالح من مضى من قبلنا ويأتم بنا صالح من يجيء من بعدنا. وحدث عبد الله بن جابر قال: سمعت الخشني يقول في قوله تعالى: " فلنحيينه حياة طيبة " قال: لنرزقنه طاعة يجد لذتها في قلبه. قال: وسمعت الخشني يقول: من أراد أن يغزر دمعه ويرق قلبه فليأكل وليشرب في نصفه بطنه. فحدثت به أبا سليمان فقال لي: إنما جاء الحديث ثلث طعام، وثلث شراب، وأرى هؤلاء قد حاسبوا أنفسهم فربحوا سدساً.

стр. 4065

عبد الله بن الجارود واسمه بشر كان عبد الله بن يزيد الأسيدي ثم التميمي يكثر التعبث بعبد الله بن الجارود العبدي، وكان عبد الله بن الجارود عاملاً على البصرة من قبل سليمان بن عبد الملك، فدس عبد الله بن الجارود رجالاً من عبد القيس فشهدوا على عبد الله بن يزيد بشرب الخمر، فقبض عليه وضربه الحد ضرب التلف. فأخذ عبد الله بن يزيد يقول: ما هكذا تقام الحدود، ثم أمر به السجن، ودس إليه غلاماً له فدق عنقه في الحبس، وادعى عليه أنه مص خاتماً كان في يده تحت فصة سم. فأنشأ الفرزدق يقول من أبيات: يال تميم ألا لله أمكم ... لقد رميتم بإحدى المصمئلات فوجه عبد الله بن الجارود من لبب الفرزدق وقاده إلى السجن. فلما كان على باب السجن قال: أيها المسلمون، أشهدكم أنه ليس في اصبعي خاتم. ونمي الخبر إلى سليمان فعزل ابن الجارود، وأشخصه إليه، فلما دخل عليه سلم بالخلافة، فقال له سليمان: لا سلم الله عليك، قتلت من كان خيراً منك أباً وأماً. فقال له الجارود: يا أمير المؤمنين، وليتمونا بلداً ودفعتم إلينا سيفاً وسوطاً، وأمرتمونا بإقامة الحدود، فإن تهلك نفس فمن وراء الجهد، وأما قولك يا أمير المؤمنين: إنه كان خيراً مني أباً وأماً، فأما أبي فهو الجارود بن المعلى الذي قال له رسول الله ﷺ : أسلم يا جارود، قال: اضمن لي الجنة يا رسول الله، وهو الذي قال فيه عمر: لو أدركت سالماً مولى أبو حذيفة لم يخالجني فيه الشك، ولو أدركت أعميش عبد القيس لسلمتها إليه، وأما أمي فابنة الذي أجار أباك على علي بن أبي طالب يوم الجمل. وكان جده لأمه مسمع بن مالك أبو مالك بن مسمع، وكان أجار مروان يوم الجمل على علي بن أبي طالب.
следующие страницы →