Полный текст (10 576 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.
стр. 4061
دخل أبو مسلم الخولاني المسجد فنظر إلى نفر قد اجتمعوا جلوساً، فرجا أن يكونوا على ذكر، على خير، فجلس إليهم فإذا بعضهم يقول: قدم غلام لي فأصاب كذا وكذا، وقال الآخر: وأنا قد جهزت غلامي. فنظر إليهم فقال: سبحان الله هل تدرون يا هؤلاء ما مثلي ومثلكم؟ كمثل رجل أصابه مطر غزير وابل، فالتفت فإذا هو بمصراعين عظيمين فقال: لو دخلت هذا البيت حتى يذهب عني أذى هذا المطر، فدخل فإذا بيت لا سقف له، فجلست إليكم وأنا أرجو أن تكونوا على خير، على ذكر، فإذا أنتم أصحاب دنيا، فقام عنهم.
قال أبو مسلم الخولاني: أظهر اليأس مما في أيدي الناس، فإن فيه الغنى، وأقل طلب الحاجات إلى الناس، فإن فيه الفقر الحاضر، وإياك وما يعتذر منه من الكلام، وصل صلاة مودع يظن أن لن يعود، وإن استطعت أن تكون اليوم خيراً منك الأمس وتكون غداً خيراً منك اليوم فافعل.
قال مسلم بن حامد: قال لي أبو مسلم: كيف بك إذا صرت في حثالة من الناس؟ فقلت: يا أبا مسلم، وما الحثالة؟ فقال: قوم لا تعرفهم ولا يعرفونك، أولئك شرار الخلق، ألا إن أفضلكم في ذلك الزمان أخملكم ذكراً. قلت: يا أبا مسلم، وما خمالة الذكر؟ قال: من لم يعرف الناس ولم يعرفوه، ولم يتصد للفتن فتهلكه، وأخفهم حاذاً. فقلت: يا أبا مسلم، وما خفة الحاذ؟ قال: من قل أهله وعياله، ولم يكن متشاغلاً عن عبادة ربه ، إن الرجل منكم يخرج فيحتطب الدنيا من حلها وحرامها لأهله وعياله. ألا وسيعيش الرجل منكم في ذلك الزمان في حسب غيره. فقلت: يا أبا مسلم، سبحان الله! أويكون هذا؟ قال: نعم، يدرس العلم ويذهب الناس فينتمي قوم إلى غير آبائهم، ويتولى قوم إلى غير مواليهم، لا يجدون من يصدقهم ولا يكذبهم.
стр. 4062
قال أبو مسلم: كان الناس ورقاً لا شوك فيه، وإنهم اليوم شوك لا ورق فيه، إن سببتهم سبوك وإن ناقدتهم ناقدوك، وإن تركتهم لم يتركوك.
زاد في أخرى: وإن فررت منهم أدركوك، فقال رجل: فكيف أصنع؟ قال: أعط من عرضك ليوم فقرك.
قال أبو مسلم الخولاني: أربع لا يقبلن في أربع: السرقة، والخيانة، والغلول، ومال اليتيم: في الحج، والعمرة، والصدقة، والنفقة في سبيل الله .
قال أبو مسلم: مثل هذه من توفيق - وعقد طرف اصبعه - خير من مثل هذا من عقل وفرج بين يديه.
توفي أبو مسلم الخولاني بأرض الروم بحمة بسر في خلافة معاوية، فقال لبسر بن أرطأة: أمرني على من مات معك من المسلمين، واعقد لي لواء عليهم، واجعل قبري أقصى القبور إلى العدو، فإني أرجو أن آتي يوم القيامة بلوائهم.
وكان معاوية شتى بسر بن أرطأة سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة أربع وأربعين.
روي عن بعض مشيخة دمشق قال:
أقبلنا من أرض الروم قفالاً. فلما أن خرجنا من حمص متوجهين إلى دمشق مررنا بالعمير الذي يلي حمص على نحو من أربعة أميال في آخر الليل. فلما سمع الراهب الذي في الصومعة كلامنا اطلع إلينا فقال: ما أنتم يا قوم؟ فقلنا: ناس من أهل دمشق أقبلنا من
стр. 4063
أرض الروم فقال: هل تعرفون أبا مسلم الخولاني؟ فقلنا: نعم. قال: فإذا أتيتموه فأقرئوه السلام، وأعلموه أنا نجده في الكتب رفيق عيسى بن مريم. أما إنكم إن كنتم تعرفونه لا تجدونه حياً. قال: فلما أشرفنا على الغوطة بلغنا موته.
يعني سمعوا خبر وفاته بدمشق وكانت وفاته بأرض الروم.
قال معاوية: إنما المصيبة كل المصيبة لموت أبي مسلم الخولاني وكريب بن سيف الأنصاري.
توفي ابن لعتبة بن أبي سفيان فقام ناس إلى معاوية فقالوا: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، أعظم الله أجرك في ابن أخيك، وجعل ثوابك من مصيبتك به الجنة، فأسكت عنهم فردوا عليه الكلام فقال: إن موت غلام من آل أبي سفيان قبضه الله إلى جنته وكرامته ليس بمصيبة. إن المصيبة كل المصيبة على مثل أبي مسلم الخولاني وكريب بن سيف الأزدي.
عبد الله بن جابر بن عبد الله
أبو محمد الطرسوسي البزاز سمع بدمشق.
حدث عن زهير بن محمد بن قمير بسنده إلى تميم الداري قال: قال رسول الله ﷺ : الدين النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم.
وحدث عبد الله بن جابر عن ابن خبيق بسنده إلى سفيان الثوري قال: أصبنا أصل كل عداوة: اصطناع المعروف إلى اللثام.
стр. 4064
عبد الله بن جابر أبو مسلم
من جلساء الوليد بن مسلم.
حدث عبد الله بن جابر قال: سمعت الوليد بن مسلم يقول: أضاف بأبي شيخ من أهل الحجاز فبات ليلته يردد هذه الآية ويبكي إلى الصباح: " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين " فلما غدا إلى المسجد غدوت معه. قال: فقلت له: يا عم، لقد أبكتك الليلة آية ما يبكي عند مثلها، إنها آية رحمة. فقال لي: يا بن أخي، وما ينفعني أو يغني عني عرضها إن لم يكن لي فيها موضع قدم؟ قال عبد الله بن جابر: سمعت الوليد يقول في قوله : " ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين " قال: يعبدونك فيحسنون عبادتك، ولا يخرجون علينا الحد، " واجعلنا للمتقين إماماً " قال: نأتم بصالح من مضى من قبلنا ويأتم بنا صالح من يجيء من بعدنا.
وحدث عبد الله بن جابر قال: سمعت الخشني يقول في قوله تعالى: " فلنحيينه حياة طيبة " قال: لنرزقنه طاعة يجد لذتها في قلبه.
قال: وسمعت الخشني يقول: من أراد أن يغزر دمعه ويرق قلبه فليأكل وليشرب في نصفه بطنه. فحدثت به أبا سليمان فقال لي: إنما جاء الحديث ثلث طعام، وثلث شراب، وأرى هؤلاء قد حاسبوا أنفسهم فربحوا سدساً.
стр. 4065
عبد الله بن الجارود واسمه بشر
كان عبد الله بن يزيد الأسيدي ثم التميمي يكثر التعبث بعبد الله بن الجارود العبدي، وكان عبد الله بن الجارود عاملاً على البصرة من قبل سليمان بن عبد الملك، فدس عبد الله بن الجارود رجالاً من عبد القيس فشهدوا على عبد الله بن يزيد بشرب الخمر، فقبض عليه وضربه الحد ضرب التلف. فأخذ عبد الله بن يزيد يقول: ما هكذا تقام الحدود، ثم أمر به السجن، ودس إليه غلاماً له فدق عنقه في الحبس، وادعى عليه أنه مص خاتماً كان في يده تحت فصة سم. فأنشأ الفرزدق يقول من أبيات:
يال تميم ألا لله أمكم ... لقد رميتم بإحدى المصمئلات
فوجه عبد الله بن الجارود من لبب الفرزدق وقاده إلى السجن. فلما كان على باب السجن قال: أيها المسلمون، أشهدكم أنه ليس في اصبعي خاتم. ونمي الخبر إلى سليمان فعزل ابن الجارود، وأشخصه إليه، فلما دخل عليه سلم بالخلافة، فقال له سليمان: لا سلم الله عليك، قتلت من كان خيراً منك أباً وأماً. فقال له الجارود: يا أمير المؤمنين، وليتمونا بلداً ودفعتم إلينا سيفاً وسوطاً، وأمرتمونا بإقامة الحدود، فإن تهلك نفس فمن وراء الجهد، وأما قولك يا أمير المؤمنين: إنه كان خيراً مني أباً وأماً، فأما أبي فهو الجارود بن المعلى الذي قال له رسول الله ﷺ :
أسلم يا جارود، قال: اضمن لي الجنة يا رسول الله، وهو الذي قال فيه عمر: لو أدركت سالماً مولى أبو حذيفة لم يخالجني فيه الشك، ولو أدركت أعميش عبد القيس لسلمتها إليه، وأما أمي فابنة الذي أجار أباك على علي بن أبي طالب يوم الجمل. وكان جده لأمه مسمع بن مالك أبو مالك بن مسمع، وكان أجار مروان يوم الجمل على علي بن أبي طالب.
стр. 4066
عبد الله بن جراد بن المنتفق
ابن عامر بن عقيل ويقال ابن جراد بن معاوية، العقيلي.
يقال: إن له صحبة، وقدم على النبي ﷺ من مؤتة من الشام.
حدث عبد الله بن جراد قال: قال لي رسول الله ﷺ : كم إبلك؟ قال: قلت: ثلاثون. قال: إن ثلاثين خير من مئة، قلت: يا رسول الله، إنا لنرى أن المئة أكثر من ثلاثين، وهي أحب إلينا. قال: إن ربها بها معجب، وإنه لا يؤدي حقها، إن المئة مفرحةمفتنة، وكل مفرح مفتن.
وعن ابن جراد قال: قال رسول الله ﷺ : قطع العروق مسقمة، والحجامة خير منه، قطع العروق مسقمة.
وعنه: أن النبي ﷺ كان: إذا ضربت راحلته دعا بلبن فشرب، فقطرت على ثوبه قطرة، فدعا بماء فغسله وقال: هو يخرج من بين فرث ودم، وهو طعام المسلمين وشراب أهل الجنة.
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : كل شيء يتوضأ منه إلا الحلواء، وكان إذا أكل دعا بماء فتمضمض.
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : الضيف لا ينقص من كرامته ثلاثة أيام.
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : من أطعم كبداً جائعاً أطعمه الله من أطيب طعام الجنة يوم القيامة.
стр. 4067
وعنه قال: قالرسول الله ﷺ : من برد كبداً عطشان سقاه الله، وأرواه من شراب الجنة يوم القيامة.
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أتاك أخوك المسلم عطشان فأروه، فإن لك في ذلك أجراً.
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أقرض أحدكم قرضاً فليوفه ثناء وحمداً.
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : في الجنة شجرة تسمى السخاء، منها يخرج السخاء، وفي النار شجرة تسمى الشح، منها يخرج الشح، ولن يلج الجنة شحيح.
وعنه أنه سأل النبي ﷺ فقال: يا نبي الله، هل يزني المؤمن؟ قال: قد يكون ذلك. قال: هل يسرق المؤمن؟ قال: قد يكون ذلك. قال: هل يكذب المؤمن؟ قال: لا، ثم أتبعها نبي الله ﷺ حيث قال هذه الكلمة: " لا " " إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون ".
وعنه قال: صحبني رجل من مؤته فأتى النبي ﷺ وأنا معه فقال: يا رسول الله، ولد لي مولود فما خير الأسماء؟ قال: إن خير أسماءكم الحارث وهمام. ونعم الاسم عبد الله وعبد الرحمن، وسموا بأسماء الأنبياء ولا تسموا بأسماء الملائكة. قال: وباسمك؟ قال: وباسمي ولا تكنوا بكنيتي.
стр. 4068
عبد الله بن جرير بن عبد الله
البجلي الكوفي.
حدث عن أبيه عن النبي ﷺ قال: من لا يرحم لا يرحم.
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما من يكون بين أظهرهم رجل يعمل بالمعاصي هم أمنع منه وأعز، لا يغيرون عليه إلا أصابهم الله بعقاب.
عبد الله بن جعفر ذي الجناحين
الطيار بن أبي طالب أبو جعفر ويقال: أبو محمد.
ولد بأرض الحبشة إذ كان أبواه مهاجرين بها، وأمه أسماء بنت عميس، وكان جواداً ممدوحاً.
سكن المدينة، وقدم دمشق على معاوية ويزيد وعبد الملك بن مروان، وأمر له يزيد بن معاوية بألفي ألف.
حدث عبد الله بن جعفر قال: رأيت النبي ﷺ يأكل القثاء بالرطب.
وعنه قال: أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه، فأسر إلي حديثاً لا أحدث به أحداً من الناس. قال: وكان أحب ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدف أو حائش نخل، فدخل حائط رجل من الأنصار فإذا جمل. فلما رأى النبي ﷺ حن وذرفت عيناه، فأتاه
стр. 4069
النبي ﷺ فمسح سراته وذفراه فسكن، ثم قال: من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل. فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله، فقال: ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا إلى أنك تجيعه وتدئبه.
وعن عبد الله بن جعفر قال:
بعث رسول الله ﷺ جيشاً واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: إن قتل زيد واستشهد فأميركم جعفر، فإن قتل واستشهد فأميركم عبد الله بن رواحة. فلقوا العدو فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل، ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه، وأتى خبرهم النبي ﷺ فخرج إلى الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن إخوانكم لقوا العدو، وإن زيداً أخذ الراية فقاتل أو استشهد، ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبي طالب فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل أو استشهد، ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه، ثم أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ادعوا لي بني أخي. قال: فجيء بنا كأننا أفرخ فقال: ادعوا لي الحلاق؛ فجيء بالحلاق فحلق رؤوسنا ثم قال: أما محمد فشبه عمنا أبي طالب، وأما عبد الله فشبه خلقي وخلقي، ثم أخذ بيدي فأشالها فقال: اللهم، اخلف جعفراً في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه، قالها ثلاث مرات. قال: فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا، وجعلت تفرخ له، فقال: آلعيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟ قال عبد الله بن جعفر: إنما أحفظ حين دخل رسول الله ﷺ على أمي فنعى لها أبي، فأنظر إليه وهو يمسح على رأسي ورأس أخي، وعيناه تهراقان الدموع حتى تقطر لحيته ثم قال: اللهم إن جعفراً
стр. 4070
قد قدم إلى أحسن الثواب فاخلفه في ذريته ما خلفت أحداً من عبادك في ذريته، ثم قال يا أسماء: ألا أبشرك؟ قالت: بأبي وأمي، قال: فإن الله جل وعز جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة. قالت: بأبي وأمي يا رسول الله فأعلم الناس ذلك، فقام رسول الله ﷺ وأخذ بيدي يمسح بيده رأسي حتى رقي على النبر وأجلسني أمامه على الدرجة السفلي والحزن يعرف عليه فتكلم فقال: إن المرء كثير بأخيه وابن عمه، ألا إن جعفراً قد استشهد وقد جعل الله له جناحين يطير بهما في الجنة، ثم نزل رسول الله ﷺ فدخل بيته وأدخلني، وأمر بطعام يصنع لأهلي وأرسل إلى أخي فتغدينا عنده والله غداءً طيباً مباركاً. عمدت سلمى خادمه إلى شعير فطحنته ثم نسفته ثم أنضجته ثم أدمته بزيت، وجعلت عليه فلفلاً فتغديت أنا وأخي معه، فأقمنا ثلاثة أيام في بيته ندور معه، كلما صار في بيت إحدى نسائه، ثم رجعنا إلى بيتنا. فأتى رسول الله ﷺ وأنا أساوم بشاة أخ لي فقال: اللهم بارك له في صفقته. قال عبد الله: فما بعت شيئاً ولا اشتريت إلا بورك لي فيه.
وعن عروة: أن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر بايعا النبي ﷺ وهما ابنا سبع سنين، وإن رسول الله ﷺ لما رآهما تبسم وبسط يده فبايعهما.
وعن عبد الله بن جعفر قال: كان النبي ﷺ إذا قدم من سفر تلقي بصبيان أهل بيته، وإنه قدم من سفر فسبق بي إليه فحملني بين يديه، ثم جيء بأحد ابني فاطمة إما حسن وإما حسين فأردفه خلفه فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة.
وعن عبد الله بن جعفر قال: سمعت من رسول الله ﷺ كلمة ما أحب أن لي بها حمر النعم. سمعت رسول الله ﷺ يقول: جعفراً أشبه خلقي وخلقي. وأما أنت يا عبد الله فأشبه خلق الله بأبيك. وعنه أن رسول الله ﷺ قال: يا عبد الله، هنيئاً لك مريئاً: خلقت من طينتي وأبوك يطير مع الملائكة في السماء.
стр. 4071
خطب الحسن والحسين ﵉ وعبد الله بن جعفر ﵉ إلى المسيب بن نجية ابنته الجنان، فقال لهم: إن لي فيها أميراً لن أعدو أمره، فأتى علي بن أبي طالب فأخبره خبرهم واستشاره، فقال له علي: أما الحسن فإنه رجل مطلاق وليس يحظين عنده، وأما الحسين فإنما هي حاجة الرجل إلى أهله، وأما عبد الله بن جعفر فقد رضيته لك فزوجه السائب ابنته.
وعن ابن عمر: أنه كان يأتي عبد الله بن جعفر فقال له الناس: إنك تكثر إتيان عبد الله بن جعفر فقال ابن عمر: لو رأيتم أباه أحببتم هذا، وجد فيما بين قرنه إلى قدمه سبعون بين ضربةٍ بسيف وطعنةٍ برمح.
وفد عبد الله بن جعفر على معاوية فأنزله في داره، فقالت له ابنة قرظة امرأته: إن جارك هذا يسمع الغناء، قال: فإذا كان ذلك فأعلميني، فأعلمته، فاطلع عليه وجارية له تغنيه:
إنك والله لذو ملةٍ ... يطرفك الأدنى عن الأبعد
وهو يقول: يا صدقكاه. قال: ثم قال: اسقني، قالت: ما أسقيك؟ قال: ماء وعسلاً، قال: فانصرف معاوية وهو يقول: ما رأى بأساً. فلما كان بعد ذلك قالت له: إن جارك هذا لا يدعنا ننام الليل من قراءة القرآن. قال: هكذا قومي: رهبان بالليل ملوك بالنهار.
قدم عبد الله بن جعفر على معاوية وكانت له منه وفادة في كل سنة، يعطيه ألف ألف درهم، ويقضي له مئة حاجة، فقال: يا أمير المؤمنين، اقض عني ديني فإني إنما أخذته عليك، وابسط أملي بإعطاء يومك، ودعني وغداً، فإنك غداً خير منك اليوم، كما أنك اليوم خير منك أمس ثم قال:
стр. 4072
يوماك: يوم يفيض نائله ... وخير يوميك ما بقيت غدا
ولا يمنعك من قضاء حقنا، وصلة أرحامنا حاجتنا إليك، وغناك عنا، فإنه ليس كل حاجة تتم، ولا كل غنى يدوم، وقد عودتنا من نفسك عادة صارت لنا عليك فريضة إن تقف بنا عندها رضينا بها، وإن زدتنا عليها حملنا زيادتها، ونحن وأنت كما قال الأعشى لقيس بن النمر:
عودت كندة عادةً فاصبر لها ... اغفر لجاهلها وروّ سجالها
وأعلم أنك لا تقضي لنا حاجة إلا قضينا لك مثلها، ولا تقبض عنا يدك فوالله إنه لتجيء منك الفلتة من الحرمان فكأنما جاءت من غيرك، يشك فيها الشاهد، ويكذب بها الغائب، ويطلب لها أهل الرأي المخرج لك منها حتى يبتغوا لك من الغدر ما يجوز الحرمان، وكذلك بحظك الغالب وقدرك الجالب. فقال معاوية: حسبك فما يتسع بيت ما لي لمكافأتك، والله ما في قريش رجل أحب أن يكون ابن هند منك، ولكني إذا ذكرت مكانك من علي ومكان علي منك انقبضت عنك، ثم أذكر أني لا أقيس بك رجلاً من قريش إلا عظمت عنه، ولا أزنك إلا رجحت به فعطفت عليك. فالغالب على ذلك الأوليان، بك مني وسيلة لا أخيب دالتها، وأثرة لا أستكثر عطيتها، وأما ما عودتكم فهو لكم ما كنتم لي، وأما أن تقضي من حقك فإني لا أكون على حال إلا وفي يديك مني أكثر مما في يدي منك، وأما البخل فكيف أبخل بمال، إنما تغيب عني أربعة أشهر حتى يرجع إلي بيت مالي، فقد اعتقدت به المنن، وما أحبسه إلا لأعطيه، وما أجمعه لأمنعه، ولأنا بإعطائه أشد سروراً منكم بأخذه، وقد قدمت علي وقد خلفت الحقوق في المال، ولك عودة، والدهر بيني وبينك أطرق مشتت، فلا تضربن بيني وبينك بالإساءة. كم دينك يا بن جعفر؟ قال: ألف ألف درهم. فقال معاوية: يا سعد، اقضها عنه، واجبهاغداً من فسا ودرابجرد، فغضبت قريش الشام حين أعطاه ألف ألف درهم فقالت: نظن معاوية هائباً لابن جعفر، فقال معاوية من أبيات:
تقول قريش حين خفت حلومها ... نظن ابن هند هائباً لابن جعفر
стр. 4073
فمن ثم يقضي ألف ألف ديونه ... وحاجته مقضية لم تؤخر
فقلت: ادعوا لي لا أباً لأبيكم ... فما منكم فيض له غير أعور
أليس فتى البطحاء ما تنكرونه ... وأول من أثني بتقواه خنصرى
وكان أبوه جعفر ساد قومه ... ولم يك في الحرب العوان بجيدر
فما ألف ألف فاسكتوا لابن جعفركثير ولا أمثالها لي بمنكر
ولا تحسدوه وافعلوا كفعاله ... ولن تدركوه كل ممشى ومحضر
دخل عبد الله بن جعفر على معاوية وعنده يزيد ابنه، فجعل يزيد يعرض بعبد الله في كلامه وينسبه إلى الإسراف في غير مرضاة الله، فقال عبد الله ليزيد: إني لأرفع نفسي عن جوابك، ولو صاحب السرير يكلمني لأجبته. فقال معاوية: كأنك تظن أنك أشرف منه. قال: أي، والله ومنك ومن أبيك وجدك. فقال معاوية: ما كنت أحب أن أحداً في عصر حرب بن أمية أشرف من حرب بن أمية. فقال عبد الله: بلى والله أشرف من حرب من أكفأ عليه إناءه، وأجاره بردائه. قال: صدقت يا أبا جعفر، وسل حاجتك، فقضى حوائجه وخرج.
قال الشعبي:
ومعنى قول عبد الله لمعاوية: إن أشرف من حرب من أكفأ عليه إناءه وأجاره بردائه، لأن حرب بني أمية كان إذا كان في سفر وعرضت له ثنية أو عقبة تنحنح، فلم يجترئ أحد أن يربأها حتى يجوز حرب بن أمية، فكان في سفر، فعرضت له ثنية فتنحنح، فوقف الناس ليجوز، فجاء غلام من بني تميم فقال: ومن حرب؟ ثم تقدمه فنظر إليه حرب فتهدده وقال: سيمكنني الله تعالى منك إذا دخلت مكة. فضرب الدهر من ضربه. ثم إن التميمي بدت له حاجة بمكة فسأل عن أعز أهل مكة فقيل له: عبد المطلب بن هاشم فقال: أردت دون عبد المطلب فقيل له: الزبير بن عبد المطلب، فقدم إلى مكة فأتى باب الزبير بن عبد المطلب فقرع عليه بابه، فخرج إليه الزبير فقال: ما أنت؟ إن كنت
стр. 4074
مستجيراً أجرناك، وإن كنت طالب قرى قريناك، فأنشأ التميمي يقول:
لاقيت حرباً بالثنية مقبلاً ... والصبح أبلج ضوءه للساري
قف لا تصاعد واكتنى ليروعني ... ودعا بدعوة معلن وشعار
فتركته خلفي وسرت أمامه ... وكذاك كنت أكون في الأسفار
فمضى يهددني الوعيد ببلدة ... فيها الزبير كمثل ليث ضار
فتركته كالكلب ينبح وحده ... وأتيت قرم مكارم وفخار
قرما هزبراً يستجار بقربه ... رحب المياه مكرماً للجار
وحلفت بالبيت العتيق وركنه ... وبزمزم والحجر ذي الأستار
إن الزبير لما نعي بمهند ... عضب المهزة صارم بتار
فقال الزبير: قد أجرتك وأنا ابن عبد المطلب، فسر أمامي فإنا - معشر بني عبد المطلب - إذا أجرنا رجلاً لم نتقدمه، فمضى بين يديه والزبير في إثره فليقه حرب فقال: التميمي، ورب الكعبة، ثم شد عليه ثم اخترط سيفه الزبير، ونادى في إخوته، ومضى حرب يشتد، والزبير في إثره حتى صار إلى دار عبد المطلب، فلقيه عبد المطلب خارجاً من الدار فقال: مهيم ياحرب، فقال: ابنك. قال: ادخل الدار، فدخل فأكفأ عليه جفنة هاشم التي كان يهشم فيها الثريد. وتلاحق بنو عبد المطلب بعضهم على إثر بعض، فلم يجترئوا أن يدخلوا دار أبيهم فاحتبوا بحمائل سيوفهم، وجلسوا على الباب فخرج إليهم عبد المطلب. فلما نظر إليهم سره ما رأى منهم فقال: يا بني، أصبحتم أسود العرب. ثم دخل إلى حرب فقال له: قم فاخرج، فقال: يا أبا الحارث، هربت من واحد وأخرج إلى عشرة؟! فقال: خذ ردائي هذا فالبسه، فإنهم إذا رأوا ردائي عليك لم يهيجوك، فلبس رداءه وخرج فرفعوا رؤوسهم، فلما نظروا إلى الرداء عليه نكسوا رؤوسهم، ومضى حرب، فهو قوله: إن أشرف من حرب من أكفأ عليه إناءه وأجاره بردائه.
قال عمرو بن العاص لعبد الله بن جعفر عند معاوية ليصغر منه: يا بن جعفر، فقال له عبد الله: لئن نسبتيني إلى جعفر فلست بدعي ولا أبتر، ثم ولى وهو يقول:
стр. 4075
تعرضت قرن الشمس وقت ظهيرة ... لتستر منها ضوءها بظلامكا
كفرت اختياراً ثم آمنت خيفة ... وبغضك إيانا شهيد بذلكا
قوله: لست بدعي ولا أبتر لأن العاص قال: إن محمد ﷺ أبتر، فأنزل الله " إن شانئك هو الأبتر ".
روي عن عبد الله بن جعفر أنه أسلف الزبير بن العوام ألف ألف درهم. فلما توفي الزبير قال ابن الزبير لعبد الله بن جعفر: إني وجدت في كتب أبي أن له عليك ألف ألف درهم، فقال: هو صادق فاقبضها إذا شئت. ثم لقيه بعد فقال: يا أبا جعفر، إنما وهمت، المال لك عليه، قال: فهو له. قال: لا أريد ذلك، قال: فاختر، إن شئت فهو له، وإن كرهت ذلك فلك فيه نظرة ما شئت، فإن لم ترد ذلك فبعني من ماله ما شئت، قال: أبيعك، ولكني أقوم فقوم الأموال ثم أتاه فقال: أحب ألا يحضرني وإياك أحد. فقال له عبد الله: يحضرنا الحسن والحسين فيشهدان لك، قال: ما أحب أن يحضرنا أحد. قال: انطلق، فمضى معه فأعطاه خراباً وسباخاً لا عمارة له، وقومه عليه، حتى إذا فرغ قال عبد الله لغلامه: ألق لي في هذا الموضع مصلى، فألقى له في أغلظ موضع من تلك المواضع مصلى، فصلى ركعتين وسجد فأطال السجود يدعو. فلما قضى ما أراد من الدعاء قال لغلامه: احفر في موضع سجودي فحفر، فإذا عين قد أنبطها، فقال له ابن الزبير: أقلني. قال: أما دعائي وإجابة الله إياي فلا أقيلك، فصار ما أخذ منه أعمر ما في أيدي ابن الزبير.
وعن عبد الله بن جعفر قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله مع الدائن حتى يقضي دينه ما لم يكن فيما يكره الله.
فكان عبد الله بن جعفر يقول لخازنه اذهب فخذ لي بدين، فإني أكره أن أبيت ليلة إلا والله معي بعد الذي سمعت من رسول الله ﷺ .
وعن الحسين قال: علمنا عبد الله بن جعفر السخاء.
стр. 4076
وعن هشام: أن دهقانا كلم عبد الله بن جعفر أن يكلم علي بن أبي طالب في حاجة، فكلمه فقضاها: فأهدى إليه الدهقان أربعين ألفاً فردها عليه وقال: إنا لا نأخذ على المعروف ثمناً.
حج معاوية فنزل في دار مروان بالمدينة، فطال عليه النهار يوماً، وفرغ من القائلة فقال: يا غلام، انظر من بالباب، هل ترى الحسن بن علي أو الحسين أو عبد الله بن جعفر أو عبد الله بن أبي أحمد بن جحش، فأدخله علي، فخرج الغلام فلم ير منهم أحداً، وسأل عنهم فأخبر أنهم مجتمعون عند عبد الله بن جعفر يتغدون عنده، فأتاه فأخبره فقال: والله ما أنا إلا كأحدهم، ولقد كنت أجامعهم في مثل هذا، فقام فأخذ عصاً فتوكأ عليها وقال: سر يا غلام، فخرج بين يديه حتى دق عليهم الباب فقال: هذا يا أمير المؤمنين فدخل فأوسع له عبد الله بن جعفر عن صدر فراشه فجلس فقال: غداءً يا بن جعفر، قال: ما يشتهي أمير المؤمنين من بيتي فليدع به قال: أطعمنا مخاً، قال: يا غلام، هات مخاً. قال: فأتي بقصعة فيها مخ، فأقبل معاوية يأكل، ثم قال عبد الله: يا غلام زدنا مخاً، فزاد، ثم قال: يا غلام مخاً، فزاد. فقال معاوية: إنما كنا نقول: يا غلام زدنا سخيناً، فأما قولك: يا غلام، زدنا مخاً فلم أسمع به قبل اليوم، يا بن جعفر، ما يسعك إلا الكثير، فقال عبد الله: يعين الله على ما ترى يا أمير المؤمنين. قال: فأمر له يومئذ بأربعين ألف دينار، وكان عبد الله بن جعفر قد ذبح ذلك اليوم كذا وكذا من شاة، وأمر بمخهن فنكت له، فوافق ذلك معاوية.
كتب رجل إلى عبد الله بن جعفر رقعة، فجعلها في ثني وسادة التي يتكئ عليها، فقلب عبد الله الوسادة فبصر بالرقعة فقرأها، فردها في موضعها، وجعل مكانها كيساً فيه خمسة آلاف دينار، فجاء الرجل فقال: قلب المرفقة فخذ ما تحتها فأخذ الكيس وخرج وأنشأ يقول:
زاد معروفك عندي عظماً ... أنه عندك مستور حقير
تتناساه كأن لم تأته ... وهو عند الله مشهور كبير
خرج عبد الله بن جعفر إلى حيطان المدينة، فبينا هو كذلك إذ نظر إلى أسود على بعض الحيطان وهو يأكل وبين يديه كلب، وعبد الله بن جعفر واقف على دابته ينظر
стр. 4077
إليه، فلما فرغ دنا منه فقال له: يا غلام لمن أنت؟ فقال: لورثة عثمان بن عفان فقال: لقد رأيت منك عجباً فقال له: وما الذي رأيت من العجب؟ قال: رأيتك تأكل، فكلما أكلت لقمة رميت للكلب لقمة، فقال: يا مولاي، هو رفيقي منذ سنين، ولا بد أن أجعله كأسوتي في الطعام، فقال له: فدون هذا يجزئك؟ فقال له: يا مولاي، إني لأستحي من الله أن آكل، وعين تنظر إلي لا تأكل. ثم مضى عنه حتى ورثة عثمان بن عفان فنزل عندهم فقال: جئت في حاجة، تبيعوني الحائط الفلاني قالوا: قد وهبناه لك فقال: لست آخذه إلا بضعف فباعوه، فقال لهم: وتبيعوني الغلام الأسود؟ فقال له: إن الأسود ربيناه وهو كأحدنا، فلم يزل بهم حتى باعوه، فلما أصبح غدا على الغلام وهو في الحائط، فخرج إليه فقال له: أشعرت أني قد اشتريتك واشتريت الحائط من مواليك؟ فقال: بارك الله لك فيما اشتريت، ولقد غمني مفارقتي لموالي، إنهم ربوني، فقال له: فأنت حر والحائط لك فقال: إن كنت صادقاً يا مولاي فاشهد أني أوقفته على ورثة عثمان بن عفان. فتعجب عبد الله بن جعفر منه وقال: ما رأيت كاليوم، فقال: بارك الله فيه ودعا له ومضى.
قال معاوية لعبد الله بن جعفر: ما العيش يا أبا جعفر؟ قال: ركوب الهوى وترك الحياء.
خرج حسين بن علي وعبد الله بن جعفر وسعيد بن العاص إلى مكة في حج أو عمرة. فلما قفلوا اشتاقوا إلى المدينة، فركبوا صدور رواحلهم بأبدانهم، وخلفوا أثقالهم، وكان ذلك في الشتاء فلما بلغوا المنحنين قرب الليل أصابهم مطر واشتد عليهم البرد، فاحتاجوا إلى مبيت وكن، فنظروا إلى نار تلوح لهم عن ناحية من الطريق، فأموها، فإذا هي نار لإنسان من مزينة فسألوا المبيت فقال: نعم، والقرى، فأنزلهم وأدخلهم خباءه وحجز بينهم وبين امرأته وصبيانه بكساء أو شيء ثم قام إلى شاة عنده فذبحها وسلخها، ثم قربها إليهم، وأضرم لهم ناراً عظيمة، فباتوا عليها، ودخل على امرأته وهو يظن أنهم قد ناموا فقالت له: ويحك، ما صنعت بأصبيتك؟! فجعتهم بشويهتهم، لم يكن لهم غيرها يصيبون من لبنها، لقوم مروا بك كسحابة أفرغت ما فيها ثم استقلت، لا خير عندهم.
стр. 4078
قال: ويحك، والله لقد رأيت أوجهاً صباحاً لا تسلمهم إلا إلى خير. قال: فباتوا عنده. فلما أرادوا المضي قالوا: يا أخا مزينة، هل عندك من صحيفة ودواة؟ قال: لا والله، إن هذا الشيء ما اتخذته قط. قال: فكتبوا أسماءهم في خرقة بحممة ثم قالوا: احتفظ بها، قال: فأكنها المزني. وأيس من خيرهم. فمكث بذلك ما شاء الله. ثم إنه نزل قوم من أهل المدينة قريباً منه، فذهب إليهم بالخرقة فقال: أتعرفون هؤلاء بأبي أنتم؟ قالوا: ويلك من أين لك هؤلاء؟ فأخبرهم بقصتهم فقالوا: انطلق معنا. قال: فانطلق المزني مع المدنيين حتى قدم المدينة فغدا إلى سعيد وهو كان أمير المدينة، فلما نظر إليه رحب به وقال: أنت المزني؟ قال: نعم، قال: جئت واحداً من أصحابي؟ قال: لا. قال: يا كعب، اذهب فأعطه ألف شاة ورعاتها، فقال له كعب: إن شئت اشترينا لك وإن شئت فإغلاء القيمة، فاختار الثمن، فأعطاه الثمن.
ثم صار إلى حسين فرحب به وقال: جئت واحداً من أصحابي؟ قال: نعم سعيداً. قال: فما صنع بك؟ قال: أعطاني ألف شاة ورعاتها فقال لقيمه: أعطه ألف شاة ورعاتها وزده عشرة آلاف درهم. فقال: إن شئت اشترينا لك، فاختار الثمن.
ثم ذهب إلى عبد الله بن جعفر فرحب به وقال: هل جئت أحداً من أصحابي؟ قال: نعم كلاهما. قال: فما صنعا؟ قال: أما سعيد فأعطاني ألف شاة برعاتها، وأما حسين فأعطاني ألف شاة ورعاتها وعشرة آلاف درهم. قال: يا بديح، أعطه ألف شاة ورعاتها وسجل له فلانة بينبع، قال: لعين عظيمة الخطر تغل مالاً كثيراً.
قال: هم أولئك المزنيون الذين يسكنون الخليج، وهم مياسير إلى اليوم.
قال بديح مولى عبد الله بن جعفر: خرجت معه في بعض أسفاره فنزلنا إلى جانب خباء من شعر وإذا بصاحب الخباء رجل من بني عذرة، فبينا نحن كذلك إذا أعرابي يسوق ناقة حتى وقف علينا ثم قال: ابغوني شفرة فناولناه الشفرة، فوجأ في لبتها، وقال شأنكم بها. قال: وأقمنا اليوم الثاني
стр. 4079
وإذا نحن بالشيخ العذري يسوق ناقة أخرى فقال: ابغوني شفرة. قال: فقلنا: إن عندنا من اللحم ما ترى فقال: أبحضرتي تأكلون الغاب؟! ناولوني الشفرة فوجأ في لبتها ثم قال: شأنكم بها، وبقينا اليوم الثالث، فإذا نحن بالعذري يسوق أخرى فقال: أي قوم، ابغوني شفرة فقلنا: إن معنا من اللحم ما ترى، قال: أبحضرتي تأكلون الغاب؟! إني لأحسبكم قوماً لئاماً، ناولوني الشفرة فناولناه، فوجأ في لبتها ثم قال: شأنكم بها. قال: وأخذنا في الرحيل، فقال ابن جعفر لخازنه: ما معك؟ قال: رزمة ثياب وأربع مئة دينار. قال: اذهب بها إلى الشيخ العذري، فذهب بها فإذا جارية في الخباء فقال: يا هذه، خذي هدية ابن جعفر، قالت: إنا قوم لا نقبل على قرانا أجراً، فجاء إلى ابن جعفر فأخبره فقال: عد إليها، فإن هي قبلت وإلا فارم بها على الخيمة، فعاودها فقالت: اذهب عنا، فوالله لئن جاء شيخي فرآك ها هنا لتلقن منه أذى، فرمى بالرزمة والصرة على باب الخباء، ثم ارتحلنا، فما سرنا إلا قليلاً حتى إذا نحن بالشيخ العذري ومعه الصرة والرزمة فرمى بذلك إلينا ثم ولى مدبراً، فجعلنا ننظر في قفاه هل يلتفت فهيهات. فكان جعفر يقول: ما غلبنا بالسخاء إلا الشيخ العذري.
جاءت امرأة إلى عبد الله بن جعفر بدجاجة مسموطة في مكتل، فقالت: بأبي أنت، هذه الدجاجة كانت مثل بنيتي، آكل من بيضها وتؤنسني، فآليت أن لا أدفنها إلا في أكرم موضع أقدر عليه، ولا والله ما في الأرض موضع أكرم من بطنك. قال: خذوها منها، واحملوا إليها من الحنطة كذا ومن التمر كذا، وأعطوها من الدراهم كذا، فعدد شيئاً. فلما رأت ذلك قالت: بأبي " إن الله لا يحب المسرفين ".
قال ابن أبي الفخر: سمنت بهمة لي ثم خرجت بها أبيعها، فمررت بعبد الله بن جعفر. قال: يا صاحب البهمة، أتبيع؟ قلت: لا والله ولكن هي لكم، ثم انصرفت وتركته، فأقمنا أياماً، ثم إذا الحمالون على الباب، فإذا عشرون يحملون حنطة، وعشرة يحملون زيتاً، وخمسة يحملون كسوة، وواحد يحمل مالاً حتى أدخلت علينا.
стр. 4080
وعن محمد بن سيرين أن رجلاً جلب سكراً إلى المدينة فكسد عليه. فقالوا له: ائت عبد الله بن جعفر، فأتاه فاشتراه منه بده دوازده وقال: من شاء أخذ، فقال الرجل: آخذ معهم؟ قال: خذ.
جاء أعرابي إلى عبد الله بن جعفر وهو محموم، فأنشأ يقول:
كم لوعة للندى وكم قلق ... للجود والمكرمات من قلقك
ألبسك الله منه عافية ... في نومك المعتري وفي أرقك
أخرج من جسمك السقام كما ... أخرج ذم الفعال من عنقك
فأمر له بمئة ألف دينار.
قال أبو إسحاق المالكي: وجه يزيد بن معاوية إلى عبد الله بن جعفر مالاً جليلاً هدية له، ففرقه في أهل المدينة، ولم يدخل منزله منه شيئاً، فبلغ ذلك عبد الله بن الزبير فقال: إن عبد الله بن جعفر لمن المسرفين. فأنهي ذلك إلى عبد الله بن جعفر فقال:
بخيل يرى في الجود عاراً وإنما ... على المرء عار أن يضن ويبخلا
إذا المرء أثرى ثم لم يرج نفعه ... صديق فلاقته المنية أولا
فبلغ ما فعل عبيد الله بن قيس الرقيات فقال في قصيدة له يمدح بها بعض الأمراء:
وما كنت إلا كالأعز ابن جعفر ... رأى المال لا يبقى فأبقى به ذكرا
دخل ابن أبي عمار وهو فقيه الحجاز يومئذ على نخاس يعترض منه جارية، فعرض عليه جارية بأكثر مما كان معه من الثمن، وكانت حسنة الوجه جداً، فعلق بها. وأخذه أمر
стр. 4081
عظيم، ورآه النخاس فتباعد عليه في الثمن، واستهتر بذكرها، فمشى إليه عطاء وطاوس ومجاهد يعذلونه فكان جوابه أن قال:
يلومني فيك أقوام أجالسهم ... فما أبالي أطار اللوم أو وقعا
فبلغ خبره عبد الله بن جعفر فلم يكن له همة غيرها. فبعث إلى مولى الجارية فاشتراها بأربعين ألف درهم، وأمر قيمة جواريه أن تزينها، وتحليها ففعلت، وقدم المدينة، فجاءه الناس يسلمون عليه، وجاءه جلة أهل الحجاز فقال: ما لي لا أرى ابن أبي عمار زائراً؟ فأخبر الشيخ فأتاه. فلما أراد أن ينهض استجلسه، فقال له ابن جعفر: ما فعل حبك فلانة؟ قال: في اللحم والدم والمخ والعصب والعظام. قال: أتعرفها إن رأيتها؟ قال: جعلت فداك، هي مصورة نصب عيني عند كل خطرة وفكرة، ولو أدخلت الجنة ما كنت أنكرها. قال: والله ما نظرت إليها مذ ملكتها، يا جارية، أخرجيها فأخرجت ترفل في الحلي والحلل فقال: هي هذه وأنشأ يقول:
هي التي هام قلبي من تذكرها ... والنفس مشغولة أيضاً بذكراها
قال: فشأنك بها فخذها، بارك الله فيها. قال: جعلت فداك، لقد تفضلت بشيء ما كان يتفضل به إلا الله. فلما ولى بها قال: يا غلام، احمل معها مئة ألف درهم كي لا يهتم بها ولا تهتم به. فبكى ابن أبي عمار سروراً ثم قال: الله يعلم حيث يجعل رسالاته، والله - جعلت فداك - لئن كان الله وعدنا بنعيم الآخرة لقد عجلت نعيم الدنيا.
كانت عند عبد الله بن جعفر جارية مغنية يقال لها عمارة وكان يجد بها وجداً شديداً وكان له منه مكان لم يكن لأحد من جواريه. فلما وفد عبد الله بن جعفر على معاوية خرج بها معه. فزاره يزيد ذات يوم فأخرجها إليه، فلما نظر إليها وسمع غناءها وقعت في نفسه، فأجره عليها مالاً لا يملكه، وجعل لا يمنعه أن يبوح بما يجد بها إلا مكان أبيه مع يأسه من الظفر بها. فلم يزل يكاتم الناس أمرها إلى أن مات معاوية وأفضى الأمر إليه، فاستشار بعض من قدم عليه من أهل المدينة وعامة من يثق به في أمرها، وكيف الحيلة
стр. 4082
فيها: فقيل له: إن عبد الله بن جعفر لا يرام، ومنزلته من الخاصة والعامة ومنك ما قد علمت، وأنت لا تستجيز إكراهه وهو لا يبيعها بشيء أبداً، وليس يغني في هذا إلا الحيلة، قال: انظروا لي رجلاً عراقياً له أدب وظرف ومعرفة، فطلبوه فأتوه به. فلما دخل رأى بياناً وحلاوة وفهماً. فقال يزيد: إنني دعوتك لأمر إن ظفرت به فهو حظوتك آخر الدهر ويد أكافئك عليها إن شاء الله، ثم أخبره بأمره فقال له: إن عبد الله بن جعفر ليس يرام ما قبله إلا بالخديعة، ولن يقدر أحد على ما سألت، فأرجو أن أكونه، والقوة بالله فأعني بالمال. قال: خذ ما أحببت، فأخذ من طرف الشام وثياب مصر، واشترى متاعاً للتجارة من رقيق ودواب وغير ذلك، ثم شخص إلى المدينة فأناخ بعرصة عبد الله بن جعفر، واكترى منزلاً إلى جانبه ثم توسسل إليه وقال: رجل من أهل العراق قدمت بتجارة فأحببت أن أكون في عز جوارك وكنفك إلى أن أبيع ما جئت به، فبعث عبد الله إلى قهرمانة أن أكرم الرجل ووسع عليه في نزله، فلما اطمأن العراقي سلم عليه أياماً وعرفه نفسه وهيأ له بغلة فارهة وثياباً من ثياب العراق، وألطافاً، فبعث بها إليه وكتب معه: يا سيدي، إني رجل تاجر ونعمة الله علي سابغة، وقد بعثت إليك بشيء من لطف، وكذا وكذا من الثياب والعطر، وبعثت ببغلة خفيفة العنان وطيئة الظهر فاتخذها لرحلك، فأنا أسألك بقرابتك من رسول الله ﷺ إلا قبلت هديتي ولم توحشني بردها، فإني أدين الله بمواصلتك، فأمر عبد الله بقبض هديته وخرج إلى الصلاة. فلما رجع مر بالعراقي في منزله فقام إليه وقبل يده واستكثر منه، فرأى أدباً وظرفاً وفصاحة فأعجب به، وسر بنزوله عليه، فجعل العراقي في كل يوم يبعث إلى عبد الله بلطف يطرفه، فقال عبد الله: جزى اله ضيفنا هذا خيراً، فقد ملأنا شكراً، وما نقدر على مكافأته.
فإنه لكذلك إلى أن دعاه عبد الله ودعا بعمارة وبجواريه. فلما طاب لهما المجلس وسمع غناء عمارة تعجب، وجعل يزيد في عجبه. فلما رأى ذلك عبد الله سر به إلى أن قال: هل رأيت مثل عمارة قال: لا والله يا سيدي، ما رأيت مثلها، وما تصلح إلا لك، وما ظننت أن يكون في الدنيا مثل هذه الجارية حسن وجه وحسن عمل، قال: فكم تساوي عندك؟ قال: ما لها ثمن إلا الخلافة، قال: تقول هذا لتزين لي رأيي فيها، وتجتلب سروري، فقال له: يا سيدي، والله إني لأحب سرورك، وما قلت إلا الجد، وبعد فإني تاجر أجمع
стр. 4083
الدرهم طلباً للربح، ولو أعطيتها بعشرة آلاف دينار لأخذتها، فقال عبد الله: عشرة آلاف دينار؟ قال: نعم، ولم يكن في ذلك الزمان جارية تعرف بهذا الثمن. فقال له عبد الله: أنا أبيعكها بعشرة آلاف دينار. قال: قد أخذتها. قال: هي لك. قال: قد وجب البيع، وانصرف العراقي.
فلما أصبح عبد الله لم يشعر إلا بالمال قد وافى، فقيل لعبد الله: قد بعث العراقي بعشرة آلاف دينار وقال: هذا ثمن عمارة. فردها وكتب إليه: إنما كنت أمزح معك، وأعلمك أن مثلي لا يبيع مثلها، فقال له: جعلت فداك إن الجد والهزل في البيع سواء، فقال عبد الله: ويحك ما أعلم جارية تساوي ما بذلت، ولو كنت بائعها من أحد لآثرتك، ولكني كنت مازحاً وماأبيعها بملك الدنيا لحرمتها لي وموضعها من قلبي، فقال العراقي: إن كنت مازحاً فإني كنت جاداً، وما اطلعت على ما في نفسك، وقد ملكت الجارية وبعثت بثمنها إليك، وليست تحل لك ومالي من أخذها بد، فمانعه إياها، فقال له: ليست لي بينة، ولكني أستحلفك عند قبر رسول الله صلىالله عليه وسلم ومنبره. فلما رأى عبد الله الجد قال: بئس الضيف أنت، ما طرقنا طارق أعظم بلية منك أتحلفني فيقول الناس: اضطهد عبد الله ضيفه وقهره وألجأه إلى أن استحلفه؟ أما والله ليعلمن الله أني ساءلته في هذا الأمر الصبر وحسن العزاء، ثم أمر قهرمانه بقبض المال منه وبتجهيز الجارية بما يشبهها من الثياب والخدم والطيب، فجهزت بنحو من ثلاثة آلاف دينار وقال: هذا لك ولها عوضاً مما ألطفتنا، والله المستعان. فقبض العراقي الجارية وخرج بها.
فلما برز من المدينة قال لها: يا عمارة، إني والله ما ملكتك قط، ولا أنت لي ملا مثلي يشتري جارية بعشرة آلاف دينار، وما كنت لأقدم على ابن عم رسول الله ﷺ فأسلبه أحب الناس إليه لنفسي، ولكني دسيس من يزيد بن معاوية وأنت له، وفي طلبك بعثني فاستتري مني، وإن داخلني الشيطان في أمرك أو تاقت نفسي إليك فامتنعي، ثم مضى بها حتى ورد دمشق فتلقاه الناس بجنازة يزيد وقد استخلف ابنه معاوية بن يزيد بن معاوية، فأقام الرجل أياماً ثم تلطف للدخول عليه، فشرح له القصة ولم يكن أحد من بني أمية يعدل بمعاوية بن يزيد في زمانه نبلاً ونسكاً. فلما أخبره قال: هي لك وكل ما دفعه إليك في أمرها لك، وارحل من يومك ولا أسمع خبرك في شيء من بلاد الشام، فرحل
стр. 4084
العراقي، ثم قال للجارية: إني قلت لك ما قلت حين خرجت بك من المدينة، وأخبرتك أنك ليزيد وقد صرت لي وأنا أشهد الله أنك لعبد الله بن جعفر، وإني قد رددتك عليه فاستتري.
ثم خرج بها حتى قدم المدينة فنزل قريباً من عبد الله بن جعفر فقيل لعبد الله: هذا العراقي ضيفك الذي صنع بنا ما صنع قد نزل العرصة لا حياه الله، فقال عبد الله: مه، أنزلوا الرجل وأكرموه، فلما استقر بعث إلى عبد الله بن جعفر: جعلت فداك إن رأيت أن تأذن لي أذنة خفيفة لأشافهك بشيء فعلت: فأذن له. فلما دخل سلم عليه وقبل يديه، وقربه عبد الله، ثم قص عليه القصة حتى فرغ، ثم قال: قد والله وهبتها لك قبل أن أراها أو أضع يدي عليها، فهي لك ومردودة عليك، وقد علم الله إني ما رأيت لها وجهاً إلا عندك، وبعث إليها فجاءت، وجاءت بما جهزها به موفراً، فلما نظرت إلى عبد الله خرت مغشياً عليها، وأهوى إليها فضمها إليه، وخرج العراقي وتصايح أهل الدار: عمارة عمارة، فجعل عبد الله يقول ودموعه تجري: أحلم هذا؟ أحق هذا؟ ما أصدق بهذا. فقال له العراقي جعلت فداك، ردها الله عليك بإيثارك الوفاء وصبرك على الحق وانقيادك له، فقال عبد الله: الحمد لله، اللهم إنك تعلم أني صبرت عنها، وآثرت الوفاء، وسلمت لأمرك، فرددتها علي بمنك. قالت: الحمد لله، ثم قال: يا أخا العراق، ما في الأرض أعظم منك منة وسيجازيك الله تعالى. فأقام العراقي أياماً وباع عبد الله غنماً بثلاثة آلاف دينار، وقال لقهرمانه: احملها إليه وقل له: اعذر واعلم أني لو وصلتك بكل ما أملك لرأيتك أهلاً لأكثر منه، فرحل العراقي محموداً وافر العرض والمال.
قيل لمعاوية بن عبد الله: ما بلغ من كرم عبد الله بن جعفر؟ قال: كان ليس له مال دون الناس، هو والناس في ماله شركاء، كان من سأله أعطاه ومن استمنحه شيئاً منحه، لا يرى أنه يقتصر فيقصر، ولا يرى أنه يحتاج فيدخر. قال الشماخ بن ضرار لعبد الله بن جعفر:
إنك يا بن جعفر نعم الفتى ... ونعم مأوى طارق إذا أتى
ورب ضيف طرق الحي سرى ... صادف زاداً وحديثاً ما اشتهى
إن الحديث جانب من القرى
стр. 4085
قال خلف الأحمر: ومن سنة الأعراب إذا حدثوا الغريب وهشوا إليه وفاكهوه أيقن بالقرى، وإذا أعرضوا عنه أيقن بالحرمان. فمن ثم قيل: إن الحديث جانب من القرى.
بعث رجل من أهل المدينة بابنة له إلى عبد الله بن جعفر فقال: إنا نريد أن نخدرها وقد أحببت أن تمسح يدك على ناصيتها، وتدعو لها بالبركة. قال: فأقعدها في حجره ومسح بيده على ناصيتها ودعا لها بالبركة، ثم دعا مولى له فساره بشيء، فذهب المولى ثم جاء فأتاه بشيء، فصره عبد الله في خمار الجارية، ثم دفعها إلى الرسول. قال: فنظروا، فإذا لؤلؤة، فأخرجت إلى السوق لتباع فعرفت وقيل: لؤلؤة ابن جعفر حبا بها ابنة جاره. قال: فبيعت بثلاثين ألف درهم.
مر عبد الله بن جعفر ومعه عدة من أصحابه بمنزل رجل قد أعرس، وإذا مغنية تقول:
قل لكرام ببابنا يلجوا ... ما في التصابي على الفتى حرج
فقال عبد الله لأصحابه: لجوا فقد أذن لنا القوم، فنزل ونزلوا فدخلوا. فلما رآه صاحب المنزل تلقاه وأجلسه على الفرش، فقال للرجل: كم أنفقت على وليمتك؟ قال: مئتي دينار. قال: فكم مهر امرأتك؟ قال: كذا وكذا، فأمر له بمئتي دينار ومهر امرأته وبمئة دينار بعد ذلك معونة، واعتذر إليه وانصرف.
قال إبراهيم بن صالح: عوتب عبد الله بن جعفر على السخاء فقال: يا هؤلاء إني عودت الله عادة وعودني عادة، وإني أخاف إن قطعتها قطعني.
بلغ معاوية أن عبد الله بن جعفر أصابه جهد فكتب إليه:
لمال المرء يصلحه فيغني ... مفاقره أعف من القنوع
يسد به نوائب تعتريه ... من الأيام كالنهل الشروع
стр. 4086
وكتب إليه يأمره بالقصد ويرغبه فيه، وينهاه عن السرف ويعيبه عليه. قال: فأجابه عبد الله بن جعفر:
سلي الطارق المعتر يا أم خالد ... إذا ما أتاني بين ناري ومجزري
أأبسط وجهي إنه أول القرى ... وأبذل معروفي لهم دون منكري
وقد أشتري عرضي بمالي وما عسى ... أخول إذا ما ضيع العرض يشتري
يؤدي إلي الليل إتيان ماجد ... كريم ومالي سارح مال مقتر
فأعجب معاوية ما كتب إليه به، وبعث بأربعين ألف دينار عوناً له على دينه.
قال عبد الله بن جعفر:
ليس الجواد الذي يعطي بعد المسألة، لأن الذي يبذل السائل من وجهه وكلامه أفضل مما يبذل من نائله، وإنما الجواد الذي يبتدئ بالمعروف.
قال محمد بن سلام الجمحي: رئي عبد الله بن جعفر يماكس في دهم فقيل له: تماكس في درهم وأنت تجود من المال بكذا وكذا؟! فقال: ذلك مالي جدت به، وهذا عقلي بخلت به.
أنشد عبد الله بن جعفر:
إن الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى يصاب بها طريق المصنع
فقال: هذا رجل أراد أن يبخل الناس، أمطر المعروف مطراً، فإن صادفت موضعاً فذاك ما أردت، وإلا رجع إليك فكتب أهله.
قال أعرابي لعبد الله بن جعفر: لا ابتلاك الله ببلاء يعجز عنه صبرك، وأنعم عليك نعمة يعجز عنها شكرك.
كان عبد الله بن جعفر يصبغ بالوسمة.
стр. 4087
توفي عبد الله بن جعفر سنة ثمانين وهو عام الجحاف - سيل كان ببطن مكة جحف الحاج، وذهب بالإبل وعليها الحمولة - وكان الوالي يومئذ أبان بن عثمان في خلافة عبد الملك بن مروان وكان عمر عبد الله بن جعفر تسعين سنة. وحمل أبان السرير بين العمودين فما فارقه حتى وضعه بالبقيع، ودموعه تسيل وهو يقول: كنت، والله خيراً لا شر شققن الجيوب، والناس يزدحمون على سريره.
وقيل: توفي عبد الله سنة ست وثمانين.
وقيل: إنه كان يوم توفي سيدنا رسول الله ﷺ ابن عشر سنين.
وقيل: إنه ولد في السنة التي توفي فيها سيدنا رسول الله ﷺ .
وقيل: سنة أربع أو خمس وثمانين وهو ابن ثمانين سنة.
قال: وهذا أشبه بالصواب.
وقيل: إن عبد الله بن جعفر توفي سنة تسعين وهو ابن تسعين.
قال هشام بن سليمان المخزومي: أجمع أهل الحجاز وأهل البصرة وأهل الكوفة أنهم لم يسمعوا بيتين أحسن من بيتين رأوهما على قبر عبد الله بن جعفر بن أبي طالب:
مقيم إلى أن يبعث الله خلقه ... لقاؤك لا يرجى وأنت قريب
تزيد بلى في كل يوم وليلة ... وتنسى كما تبلى وأنت حبيب
стр. 4088
عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن
ابن المسور بن مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة أبو جعفر القرشي الزهري المخرمي المديني.
حدث عبد الله بن جعفر عن سعد بن إبراهيم قال: سألت القاسم عن رجل، له مساكن، فأوصى بثلث مساكن فقال: لا، تجمع له في مسكن واحد، وأخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ".
توفي عبد الله بن جعفر سنة تسعين ومئة. وقيل: سنة سبعين ومئة، وهو ابن بضع وسبعون سنة. وكان ثقة. قيل إنه قتل مع الحسين بن علي بفخ، فمن ثم كره أهل المدينة أن يحدثون عنه، إلا أنه ثقة في الحديث.
وقال يحيى بن معين - وقد سئل عن عبد الله بن جعفر -: هو صويلح، وسليمان بن بلال فوقه، لم يعب إلا بولايته السوق.
وكان عالماً بالمغازي والفتوى، ولم يزل يؤمل فيه أن يلي القضاء بالمدينة حتى مات ولم يله، وكان قصيراً دميماً قبيحاً.
قال ابن أبي الزناد: ما عزل قاض عن المدينة أو مات إلا قيل يولى عبد الله بن جعفر لكماله ومروءته وعلمه. فمات قبل أن يليه.
قال عبد الرحمن: وما أحسبه قعد به عن ذلك إلا خروجه مع محمد بن عبد الله بن حسن.
стр. 4089
قال محمد بن عمر: لما جاء نعي أبي عمر بن واقد احتبست في البيت ثلاثة أيام، ثم غدوت فإذا أنا بعبد الله بن جعفر على بغلته عند سوق الحنطة. فلما رآني حبس بغلته وقال: ما حبسك عني؟ قد سألت جحدراً يعني غلاماً: أجاء فرددته أم لم تعلمني بمكانه؟ فقال: ما جاء، فما حبسك؟ قلت: جاء نعي أبي عمر: فلم يكلمني كلمةً حتى رد بغلته راجعاً، ثم جاءني في بيته ماشياً يعزيني، فقلت: حفظك الله ما أحب أن تتعنى وتجيء ماشياً، قال: إن أحب ذلك إلي أن أقضي فيه الحق أشقه علي. ألم تسمع حديث أم بكر بنت المسور بن مخرمة؟ قلت: لا، قال: حدثتني أم بكر بنت المسور أن المسور اعتل فجأة ابن عباس نصف النهار يعوده، فقال له المسور: يا أبا عباس هل ساعةً غير هذه؟ فقال ابن عباس: إن أحب الساعات إلي أن أؤدي فيها الحق إليك أشقها علي.
عبد الله بن جعفر بن محمد
أبو محمد الخبازي الطبري الحافظ قدم دمشق وسمع بها.
حدث عن أبي الحسن علي بن محمد بن عمر الفقيه بسنده إلى عبد الله بن عباس أنه قال:
من صلى ليلةً تسع وعشرين من رجب ثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة منها بفاتحة الكتاب وسورة فإذا فرغ من صلاته قرأ بفاتحة الكتاب سبع مرات وهو جالس، ثم قال: سبحان الله والحمد لله ولا إلهإلاالله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أربع مرات، ثم أصبح صائماً حط الله عنه ذنوبه ستين سنة، وهي ليلة بعث فيها النبي ﷺ .
стр. 4090
عبد الله بن جعفر
أبو القاسم المالكي الضرير حدث بالجامع بدمشق عن أحمد بن إبراهيم البغدادي المعروف بابن زوران بسنده إلى علي أنه قيل له: أن الناس قد أقبلوا على الحديث، وتركوا القرآن قال: أو فعلوها؟! أما أنه نزل جبريل على النبي ﷺ فقال: يا محمد إن أمتك مفتونة من بعدك، قال: فما المخرج من ذلك؟ قال: كتاب الله المنزل. يقولها ثلاثاً. فذكر الحديث بطوله.
عبد الله بن أبي جعفر
حدث عن محمد بن جعفر قال: سمعت المبرد ينشد:
إذا شئت أن تبقى من الله نعمة ... عليك فسارع في حوائج خلقه
ولا تعصين الله ما نلت ثروة ... فيحظر عنك الله واسع رزقه
عبد الله بن الحارث بن أمية بن عبد شمس
وفد على معاوية، وهو كبير. فقربه حتى مست ركبتاه فراشه ثم قال له معاوية: ما بقي منك؟ قال: ذهب والله، خيري وشري. قال معاوية: ذهب والله خير قليل وبقي شر كثير، فما لنا عندك؟ قال: إن أحسنت لم أحمدك، وإن أسأت لمتك. قال: ما انصفتني. قال: ومتى أنصفتك، ولقد شججت أخاك حنظلة فما أعطيتك عقلاً ولا قوداً، وأنا الذي أقول:
أصخر بن حرب لا نعدك سيداً ... فسد غيرنا إذا كنت لست بسيد
فقال معاوية: وأنت الذي تقول:
شربت الخمر حتى صرت كلاً ... على الأدنى وما لي من صديق
стр. 4091
وحتى ما أوسد من وساد ... إذا أنشو سوى التراب السحيق
فوثب على معاوية يخبطه بيده، ومعاوية ينحاز ويضحك.
عبد الله بن الحارث بن نوفل
ابن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي النوفلي من أهل المدينة، وسكن البصرى، واصطلح عليه أهلها حين مات يزيد بن معاوية واستخفى عبد الله بن زياد، وقدم الشام مع عمر بن الخطاب، وشهد خطبته بالجابية، ثم قدم دمشق على بعض خلفاء بني أمية. وروى عن سيدنا رسول الله ﷺ مرسلاً، ويقال إنه ولد في زمنه، وكان يلقب ببة.
حدث عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: قال رسول الله ﷺ : " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم هو لي وأنا أجزي به، للصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ".
وعن عبد الله بن الحارث قال: كان رسول الله ﷺ يصلي وأمامه بنت أبي العاص - بنت زينب - على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا قام حملها.
وعن عبد الله بن الحارث قال: سمعت العباس قال: قلت: يا رسول الله، إن أبا طالب كان يحوطك ونفعك، فهل ينفعه؟ قال: نعم، وجدته في غمرات النار فأخرجته إلى ضحضاح.
قال عبد الله بن الحارث: شهدت عمر بن الخطاب يخطب بالجابية وثم الجاثليق رأس النصارى، فلما قال عمر: من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له قال: " برقس " ونفض جيب قميصه،
стр. 4092
فقال عمر: ما تقول يا عدو الله؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، يقولوا: أن الله يهدي ولا يضل. قال: كذبت، بل الله خلقك ثم أضلك ثم يميتك ثم يدخلك النار، إن شاء الله، والله لولا ولث من عهد لك لضربت عنقك. إن الله لما خلق آدم بث ذريته في يده فقال: هؤلاء أهل الجنة، وما كانوا عاملين لليمنى، وهؤلاء أهل النار وما كانوا عاملين للأخرى، وهؤلاء لهذه، وهؤلاء لهذه، قال: فافترق الناس، وما يختلف في القدر اثنان.
وأم عبد الله بن الحارث هند بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية.
قالت هند بنت أبي سفيان وهي تنقز ابنها ببة: عبد الله بن الحارث:
يا ببه يا ببه ... لأنكحن ببه
جارية بنقبه ... تسود أهل الكعبة
فعمر حتى زوجته خالدة بنت معتب بن أبي لهب، واسمه عبد العزى بن عبد المطلب.
كان الحارث بن نوفل رجلاً على عهد سيدنا رسول الله ﷺ ، وصحب رسول الله ﷺ ، وروى عنه، وأسلم عند إسلام أبيه، فولد له ابنه عبد الله بن الحارث على عهد رسول الله ﷺ ، فأتت به أمه هند بنت أبي سفيان، أختها أم حبيبة، فدخل عليها سيدنا رسول الله ﷺ فقال: من هذا يا أم حبيبة؟ قالت: هذا ابن عمك وابن أختي، هذا ابن الحارث بن نوفل وابن هند بنت أبي سفيان بن حرب. قال: فتفل سيدنا رسول الله في فيه، ودعا له. وكان ثقة كثير الحديث، وتحول إلى البصرة مع أبيه، وابتنى بها داراً وكان يلقب ببه. ولما كان أيام مسعود بن عمرو خرج عبيد الله بن زياد عن البصرة واختلف الناس بينهم، وتداعت القبائل أجمعوا أمرهم، وولوا عبد الله بن الحارث صلاتهم وفيئهم، وكتبوا بذلك إلى الزبير: إنا قد رضينا به، فأقره عبد الله بن الزبير على البصرة، فصعد عبد الله بن الحارث بن نوفل المنبر، فلم يزل يبايع الناس لعبد الله بن
стр. 4093
الزبير حتى نعس، وجعل يبايعهم وهو نائم ماد يده، فقال سحيم بن وثيل اليربوعي:
بايعت أيقاظاً فأوفيت ببيعتي ... وببة قد بايعته وهو نائم
فلم يزل عبد الله بن الحارث عاملاً لعبد الله على البصرة سنة، ثم عزله، واستعمل الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي وخرج عبد الله بن الحارث إلى عمان، فمات بها. وكان خرج هارباً من الحجاج. توفي سنة أربع وثمانين. وقيل: سنة ثلاث وثمانين. وكان من أفاضل المسلمين.
وببة لقبه. بباء أولى مفتوحة، وباء ثانية مشددة.
وقال الشعبي وغيره: رجع ابن عباس إلى البصرة يعني من صفين فأقام بها، فلم يزل بها حتى قتل علي، فحمل ما حمل من المال، ثم مضى إلى الحجاز، واستخلف عبد الله بن الحارث بن نوفل على البصرة.
عبد الله بن حبيب أبو محمد المجهز
حدث عن أبي القاسم علي بن يعقوب بن أبي العقب بسنده إلى محمد بن عمرو بن عطاء.
أن زينب بنت أبي سلمة سألته: ما سميت ابنتك؟ وروى الحافظ هذا الحديث أعلى من هذا وأتم: ذكر بسنده إلى محمد بن عمرو بن عطاء أن زينب بنت أبي سلمة سألته: ما سميت ابنتك؟ قال: سميتها برة، فقالت: فإن رسول الله ﷺ قد نهى عن هذا الاسم، سميت برة. فقال رسول الله ﷺ : لا تزكوا أنفسكم، الله أعلم بأهل البر منكم، فقالوا: ما نسميها؟ قال: سموها زينب.
стр. 4094
عبد الله بن الحجاج بن محصن
ابن جندب الثعلبي شاعر شجاع فاتك. وفد على عبد الملك بن مروان مستأمناً. وقيل: إنه كان مع عمرو بن سعيد الأشدق حين غلب على دمشق. ووفد على الوليد بن عبد الملك. وكان من أصحاب الزبير فضربه كثير بن شهاب الحارثي - وكان أميراً على الري - في الخمر، فاغتاله عبد الله بن الحجاج ليلة بالكوفة فضربه على وجهه ضربة أثرت فيه، وقال:
من مبلغ أفناه قيس أنني ... أدركت طائلتي من ابن شهاب
أدركته ليلاً بعقوة داره ... فضربته قدماً على الأنياب
هلا خشيت وأنت عاد ظالم ... بقصور أبهر أسرتي وعقابي؟
فطلبه عبد الملك بن مروان فصار إليه ليلاً وهو يعشي الناس فأنشده من أبيات:
منع القرار فجئت نحوك هارباً ... جيش يجر ومقنب يتلمع
فأمنه.
وعبد الله بن الحجاج هو القائل لأبي داود يزيد بن هبيرة المحاربي، وقد ولي ولايات:
رأيت أبا داود في المجد نابهاً ... زعيماً على قيس لقد أبرح الدهر
يقود الجياد المسنفات كأنما ... نماه زهير للرئاسة أو بدر
كان عبد الله بن الحجاج من أشد الناس على عبد الملك بن مروان في طاعة ابن الزبير مع القيسية، فلما قتل ابن الزبير أرسل عبد الملك يطلب عبد الله بن الحجاج فلم يظفر به،
стр. 4095
فلما خاف عبد الله بن حجاج أن يظفر به أقبل فدخل على عبد الملك اليوم الذي يطعم فيه أصحابه فمثل بين يديه ثم قال:
منع القرار نحوك هارباً ... جيش يجر ومقنب يتلمع
قال: أي الأخابيث أنت!؟ قال:
ارحم أصيبيتي هديت فإنهم ... حجل تدرج بالشربة جوع
قال: أجاع الله بطونهم. قال:
مال لهم فيما يظن جمعته ... يوم القليب فحيز عنهم أجمع
قال: احسبه كان كسب سوء، قال:
أدنو لترحمني وتقبل توبتي ... وأراك تدفعني فأين المدفع؟
قال: إلى النار، قال:
ضاقت ثياب الملبسين ونفعهم ... عني فسألبسني فثوبك أوسع
فنزع مطرفاً كان عليه فطرحه عليه، ثم قال: أآكل؟ قال: كل، فلما وضع يده على الطعام قال: أمنت ورب الكعبة، قال: كن من كنت إلا عبد الله بن حجاج. قال: فأنا عبد الله بن حجاج، قال: أولى لك.
وفي خبر آخر: أن عبد الله قال له: لا سبيل لك إلى قتلي، قد جلست في مجلسك، وأكلت طعامك، ولبست من ثيابك.
стр. 4096
عبد الله بن أبي حدرد
واسمه سلامة أبو محمد الأسلمي له صحبة مع سيدنا رسول الله ﷺ ورواية.
عن ابن حدرد قال: قال رسول الله ﷺ : تمعدوا واخشوشنوا وانتعلوا وامشوا حفاة.
قال الحافظ: هكذا أخرجه البغوي في ترجمة عبد الله معتقداً أن ابن أبي حدرد هو عبد الله، وإنما هو القعقاع بن
عبد الله بن أبي حدرد ابنه. كذلك رواه جماعة، فيكون الحديث مرسلاً، لآن القعقاع لا صحبة له، قال: وقد أخرجه البغوي في حرف القاف في ترجمة القعقاع. قال: وذلك من الأوهام العجيبة.
وعن عبيد الله بن حدرد قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية إلى إضم قبل مخرجه إلى مكة. قال: فمر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي، فحيانا بتحية الإسلام. قال: فنزعنا وحمل عليه محلم بن جثامة لشيء كان بينه وبينه في الجاهلية، فقتله واستلبه بعيراً له ووطباً ومتيعاً كان له. قال: فانتهينا بشأنه إلى رسول الله ﷺ وأخبرناه بخبره فأنزل الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم " وفي رواية: "
стр. 4097
السلام " " لست مؤمناً " وكان في تلك السرية أبو قتادة الحارث.
وعن عبد الله بن حدرد الأسلمي قال: لما قدمنا مع عمر بن الخطاب الجابية إذا هو بشيخ من أهل الذمة يستطعم، فسأل عنه فقلنا: يا أمير المؤمنين، هذا رجل من أهل الذمة كبر وضعف فوضع عنه عمر الجزية التي في رقبته وقال: كلفتموه الجزية حتى إذا ضعف تركتموه يستطعم، فأجرى عليه من بيت المال عشرة آلاف دراهم، وكان له عيال.
وأول مشهد شهده عبد الله بن أبي حدرد مع سيدنا رسول الله ﷺ الحديبية ثم خيبر وما بعد ذلك من المشاهد.
وعن ابن أبي حدرد قال: كنت في خيل خالد بن الوليد الذي أصاب بها جذيمة، فقال لي فتى منهم، هو في السبي وقد جمعت يده إلى عنقه برمة، ونسوة مجتمعات غير بعيد منه: يا فتى هلأنت آخذ بهذه الرمة وتدنيني إلى هذه النسوة حتى أقضي إليهن حاجة ثم تردني بعد فتصنعون بي ما بدا لكم؟ قلت: والله ليسير ما طلبت، فأخذت بيده فقربت به حتى أوقفته عليهن فقال: أسلم حبيش قبل نفاذ العيش:؟ أرأيت إن طالبتكم فوجدتكم بحلية أو ألفيتكم بالخوانق
ألم يك حقاً أن ينول عاشق ... تكلف إدلاج السرى والودائق
فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا معاً ... أثيبي بود قبل إحدى الصفائق
أثيبي بود قبل أن تشحط النوى ... وينأى الأمير بالحبيب المفارق
стр. 4098
فإني لا ضيعت سر أمانة ... ولا راق في عيني تقول رائق
على أن ناب العشيرة شاغل ... عن اللهو إلا أن تكون بوائق
ثم قالت: وأنت حييت عشراً، وسبعاً وتراً، وثماني تترى، قال: ثم انصرفت به فضربت عنقه.
وعن إسماعيل بن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد أنه قال: تزوج جدي عبد الله بن أبي حدرد امرأة بأربعة أواق، فأخبر ذلك رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : لو كنتم تنحتون من قباء جبل - أو قال: من أحد - ما زدتم على ذلك، عندنا نصف صداقها، قال عبد الله: فانطلقت فجمعتها فأديتها إلى امرأتي، ثم أنبأت بذلك رسول الله ﷺ فقال: ألم أكن قلت لك: عندنا نصف الصداق؟ فلعلك إنما فعلت ذلك لما كان من قولي، فقلت: لا يا رسول الله، وما كان بي إلا ذلك.
وعن كعب بن مالك
أنه تقاضى ابن أبي حدرد ديناً كان له على عهد رسول الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله ﷺ حتى كشف سجف حجرته، ونادى كعب بن مالك فقال: يا كعب، قال: لبيك يا رسول الله، فأشار إليه بيده أن ضع الشطر من دينك. قال كعب: قد فعلت يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ قم فاقضه.
وعن ابن أبي حدرد الأسلمي: أنه كان ليهودي عليه أربعة الدراهم، فاستعدى عليه فقال: يا محمد، إن لي على هذا أربعة الدراهم وقد غلبني عليها، فقال: أعطه حقه، قال: والذي بعثك بالحق ما أقدر عليها، قال: أعطه حقه، قال: والذي نفسي بيده ما أقدر عليها، قد أخبرته أنك تبعثنا إلى خيبر فأرجو أن تغنمنا شيئاً فأرجع فأقضيه، قال: أعطه حقه. قال: وكان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 4099
إذا قال ثلاثاً لم يراجع، فخرج به ابن أبي حدرد إلى السوق، وعلى رأسه عصابة وهو متزر ببردة، فنزع العمامة عن رأسه فاتزر بها ونزع البردة فقال: اشتر مني هذه البردة فباعها منه بأربع الدراهم، فمرت عجوز فقالت: ما لك يا صاحب رسول الله ﷺ فأخبرها، فقالت: ها، دونك هذا، ببرد عليها طرحته عليه.
توفي عبد الله بن أبي حدرد سنة إحدى وسبعين، وسنه إحدى وثمانون. وقيل: توفي سنة اثنتين وسبعين.
عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدن بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص
ابن كعب بن؟؟؟؟ لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، أبو حذافة القرشي السهمي.
صحب سيدنا رسول الله ﷺ وأسلم قديماً، وهاجر إلى الحبشة، وبعثه سيدنا رسول الله ﷺ رسولاً إلى كسرى، وخرج إلى الشام مجاهداً فأسرته الروم على قيسارية وحمل إلى الطاغية، ففتنه عن دينه فلم يفتتن فأطلقه.
وقيل إن عمر كتب فيه إلى قسطنطين فخلى عنه. ومات في خلافة عثمان.
حدث عبد الله بن حذافة السهمي قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي في أهل منى في مؤذنين ألا يصوم هذه الأيام أحد، فإنها أيام أكل وشرب وذكر.
وعن عبد الله بن حذافة قال: أمره رسول الله ﷺ في رهط أن يطوفوا في طواف منى في حجة الوداع يوم النحر أن هذه أيام أكل وشرب وذكر لله . فلا صوم فيهن إلا صوم في هدي.
стр. 4100
وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن حذافة يطوف في منى ألا تصوموا هذه الأيام، فإنها أيام أكل وشرب وذكر.
وفي رواية: وذكر الله .
وقد اختلف في عبد الله بن حذافة أكان من أهل بدر أم لا، وورد في الحديث أنه من أهل بدر. قيل إنه توفي بمصر، وقبر في مقبرتها، وله بها دار، وفيه نزلت: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول " وكان امرأ فيه دعابة.
عن أبي سعيد الخدري قال: أمر رسول الله ﷺ عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي على سرية، بعثه - وكان من أصحاب بدر - وأنا في ذلك الجيش: وكانت في عبد الله دعابة. فنزلنا بعض الطريق فأوقد ناراً وقال لهم: عليكم السمع والطاعة. قالوا: نعم، قال: فلست آمركم بشيء إلا فعلتموه. قالوا: نعم، قال: فإني أعزم عليكم بحقي وطاعتي إلا توثبتم في هذه النار، فقام بعض القوم فتحجزوا، وظنوا أنهم واثبون فيها، فقال لهم: اجلسوا فإنما كنت أضحك بكم، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ بعد أن قدم فقال: من أمركم بمعصية فلا تطيعوه.
وعن أبي سلمة: أن عبد الله بن حذافة قام يصلي فجهز بالقراءة فقال له النبي ﷺ : يا أبا حذافة، لا تسمعني وسمع الله.
وعن عبد الله بن وهب قال: قال الليث في حديث عبد الله بن حذافة صاحب النبي ﷺ : إنه كانت فيه دعابة قال: بلغني أنه حل حزام راحلة النبي ﷺ في بعض أسفاره، حتى كاد رسول الله ﷺ أن يقع. قلت لليث: ليضحكه بذلك؟ قال: نعم.
следующие страницы →