← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

يوم منادمته في بعض الخانات. فطلبه، فلم يقدر عليه فشق عليه. فلما كان من الغد كتب: الطويل: هجرتك، لم أهجرك من كفر نعمة ... وهل يرتجى منك الزيادة بالكفر؟ ولكنني لما أتيتك زائراً ... فأفرطت في بري عجزت عن الشكر فم الآن لا آتيك إلا معذراً ... أزورك في الشهرين يوماً وفي الشهر فإن زدت في بري تزيدت جفوة ... ولم نلتق حتى القيامة والحشر وقد حدثني أمير المؤمنين المأمون عن أمير المؤمنين الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " من لا يشكر الله ، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير. " فوصله بثلاث مئة ألف درهم. وانصرف. لما قدم عبد الله بن طاهر من خراسان اعترضه دعبل الشاعر، فأنشأ يقول: المنسرح: جئتك مستشفعاً بلا سبب ... إليك إلا بحرمة الأدب فاقض دمامي فإنني رجل ... غير ملح عليك في الطلب قال: يا غلام، أعطه عشرة آلاف درهم. قال: فأعطاه وكتب إليه من الكامل أعجلتنا فأتلك عاجل برنا ... ولو انتظرت كثيره لم يقلل فخذ القليل وكن كمن لم يسأل ... ونكون نحن كأننا لم نفعل حدث محمد بن الفضل بن محمد بن منصور قال: لما افتتح عبد الله بن طاهر مصر ونحن معه سوغه المأمون خراجها سنة، فصعد المنبر فلم ينزل حتى أجاز بها كلها ثلاثة آلاف ألف دينار أو نحوها، فقبل أن ينزل أتاه معلى الطائي، وقد أعلموه ما يصنع عبد الله بن طاهر بالناسفي الجوائز، وكان عليه واجداً، فوقف بين يديه تحت

стр. 4272

المنبر قفال: أصلح الله الأمير، أنا معلى الطائي ما كان مني من جفاء وغلظ، فلا تعجله علي قلبك ولا يستخفنك ما قد بلغك، انا الذي أقول: البسيط: يا أعظم الناس عفواً عند مقدرة ... وأظلم الناس عند الجود للمال لو يصبح النيل يجري ماؤه ذهباً ... لما أشرت إلى خزن بمثقال تعنى بما فيه رق الحمد تملكه ... وليس شيء أعاض الحمد بالغالي تفك باليسر كف العسر في زمن ... إذا استطال على قوم بإقلال لم تخل كفك من جود لمختبط ... أو مرهف قاتل في رأس قتال وما بثثت رعيل الخيل في بلد ... إلا عصفن بأرزاق وآجال هل من سبيل إلى إذن فقد ظمئت ... نفسي إليك فما تروى على حال إن كنت منك على بال مننت به ... فكان شكرك من حمدي على بال مازلت مقتضياً لولا مجاهرة ... من ألسن خضن في ضري بأقوال قال: فضحك عبد الله وسر بما كان منه، وقال: يا أبا السمراء، بالله أقرضني عشرة آلاف دينار، فما أمسيت أملكها، فأقرضه، فدفعها إليه. دخل عوف بن ملحم الحراني على عبد الله بن طاهر، فسلم عليه عبد الله فلم يسمع فأعلم بذلك، فزعموا أنه ارتجل هذه القصيدة: السريع: يا بن الذي دان له المشرقان ... طراً وقد دام له المغربان إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان وبدلتني بالشطاط الحني ... وكنت كالصعدة تحت السنان وبدلتني من زمتع الفتى ... وهمتي هم الجبان الهدان

стр. 4273

وقاربت مني خطاً لم تكن ... مقاربات وثنت من عنان وأسبلت بيني وبين الورى ... عنانه من غير نسج العنان ولم تدع في لمستمتع ... إلا لساني وبحسبي لسان أدعو به الله وإنني به ... على الأمير المصعبي الهجان فقرباني بأبي أنتما ... في وطني قبل اصفرار البنان وقبل منعاتي إلى نسوة ... أوطانها حران والرقتان جاء أعرابي إلى ابن طاهر وهو راكب فأنشده: الوافر: سألت عن المكارم أين صارت ... فكل الناس أرشدني إليكا فجد لي يا بن طاهر إن فعلي ... سيثني بالذي تولي عليكا فقال له: كم ثمن هذين البيتين؟ قال: ألفا درهم. قال: لقد أرخصت. يا غلام، أعطه أربعة آلاف درهم فقال: البسيط صدقت ظني وظن الناس كلهم ... فأنت أكرمنهم نفساً وأجداداً لا زلت في روضة خضراء واسعة ... وأنت أخضرها روضاً وأعود فقال: يا غلام، أعطه أربعة آلاف أخرى فقال: من الطويل: لو كان قولي بهذا الشعر مستمعاً ... لكنت أحوي خراج الشرق والغرب أنت الكريم الذي يعطي بلا نكد ... وأنت تحيي الذي قد مات من جدب فقال: يا غلام: أعطه أربعة آلاف أخرى، فلما قبضها قال: أيها الأمير فني شعري ولم يضق صدرك. حدث عوف بن ملحم الشيباني قال: عادلت عبد الله بن طاهر إلى خراسان، فدخلنا الري في وقت السحر، فإذا قمرية

стр. 4274

تغرد على فنن شجرة فقال عبد الله بن طاهر: أحسن والله أبو كبير الهذلي جيث يقول: الطويل: ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر ... وغصنك مياد ففيم تنوح؟! ثم قال يا عوف: أجز، فقلت: أعز الله الأمير شيخ ثلب حملته على البديهة، ولا سيما في معارضة أبي كبير، ثم انفتح لي شيء فقلت: الطويل: أفي كل يوم غربة ونزوح ... أما للنوى من ونية فنريح؟ لقد طلح البين المشت ركائبي ... فهل أرين البين وهو طليح؟ وأرقني بالري نوح حمامة ... فنحت وذو الشجو الحزين ينوح على أنها ناحت ولم تذر دمعة ... ونحت وأسراب الدموع سفوح وناحت وفرخاها بحيث تراهما ... ومن دون أفراخي مهامة فيح عسى جود عبد الله أن يعكس النوى ... فنلقي عصا التطواف وهي طريح فإن الغنى يدني الفتى من صديقه ... وبعد الغنى بالمقترين طروح قال: فأذن لي من ساعتي، ووصلني بمئة ألف درهم، وردني إلى منزلي. الثلب: الهرم: والأسراب: ظهور الماء وما يسرب، فهو مثل هذا. دخل كلثوم العتابي على عبد الله بن طاهر مع أصحاب القصص. فلما نظر إليه قال: حاجتك يا شيخ؟ فأنشأ يقول: الخفيف: حسن ظني وحسن ما عود الله سواي بك الغداة أتى بي أي شيء يكون أحسن من حسن يقين ثنى إليك ركابي؟ قال كلثوم: قال: ألا أتيتنا أول الدهر، وتمر له بألفي دينار. وقيل إن العتابي دخل عليه فأنشده البيتين حسن ظني فأمر له بجائزة، ثم دخل عليه مرة أخرى فأنشده: السريع:

стр. 4275

جودك يكفينيك في حاجتي ... ورؤيتي تكفيك مني السؤال فكيف أخشى الفقر ما عشت لي ... وإنما كفاك لي بيت مال فأجازه أيضاً. ثم دخل عليه اليوم الثالث فأنشده: الخفيف أكسني ما يبيد أصلحك الله فإني أكسوك ما لا يبيد فأجازه وكساه وحمله. قال أحمد بن يزيد ين أسيد السلمي: كنت مع طاهر بن الحسين بالرقة، وأنا أحد قواده، وكانت لي به خاصة أجلس عن يمينه. فخرج علينا يوماً راكباً ومشينا بين يديه وهو يتمثل: الطويل: عليكم بداري فاهدموها فإنها ... تراث كريم لا يخاف العواقبا إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ... وأعرض عن ذكر العواقب جانبا سأرحض عني العار بالسيف جالباً ... علي قضاء الله ما كان جالبا فدار حول الرافقة ثم رجع فجلس مجلسه، فنظر في قصص ورقاع فوضع فيها صلات أحصيت ألف ألف وسبع مئة ألف. فلما فرغ نظر إلي مستطعماً الكلام فقلت: أصلح الله الأمير، ما رأيت أنبل من هذا المجلس، ولا أحسن ودعوت له، ثم قلت: لكنه سرف، فقال: السرف من الشرف، فأردت الآية التي فيها " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً " فجئت بالأخرى إليها " إن الله لا يحب المسرفين " فقال: صدق الله، وما قلنا كما قلنا. ثم ضرب الدهر حتى اجتمعنا مع ابنه عبد الله بن طاهر في ذلك القصر بعينه، فخرج علينا راكباً وهو يتمثل: البسيط: يا أيها المتمني أن يكون فتى ... مثل ابن ليلى لقد خلى لك السبلا انظر ثلاث خلال قد جمعن له ... هل سب من أحد أو سب أو بخلا

стр. 4276

ثم دار حول الرافقة ثم انصرف وجلس مجلسه، وحضرنا، وحضرت رقاع وقصص فجعل يوقع فيها، وأنا أحصي، فبلغت صلاته ألفي ألف وسبع مئة ألف، زيادة ألف ألف على ما وصل أبوه ثم التفت إلي مستطعماً الكلام فدعوت له وحسنت فعاله، ثم أتبعت ذلك بأن قلت له: لكنه سرف، فقال: السرف من الشرف، فقلت: نعم اعز الله الأمير، السرف من الشرف، السرف من الشرف، كررتها. قال: لم كررتها؟ فقالت: حدث الحسين بن منصور عن جماعة من طلبة الحديث قالوا: كنا بالشام أيام عبد الله بن طاهر قال: فأملقنا حتى صرنا في غير نفقة، وكانت العلماء لا تحدث يوم الجمعة، فقلنا لأصحابنا يوم الجمعة: مروا بنا إلى الفرات نغسل هذا الشعث عنا والدنس، فذهبنا إلى الفرات فغسلنا رؤوسنا وثيابنا، فأقبل شاب بين غلالتين يتلوه خادم حتى وقف علينا فقال: من انتم؟ قلنا: شتوت من الناس ونوازع بلدان فقال: من طلبة الحديث؟ قلنا: نعم. فقال: ممن يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص؟ قلنا: نعم. قال: فما حالكم في نفقاتكم؟ قلنا: أسوأ حال. فالتفت إلى الخادم فقال: يعطون ألفاً ألفاً. قال: فمر بنا، فألقيت في أكمامنا، ألفاً ألفاً، فقلنا للخادم: من هذا؟ قال: عبد الله بن طاهر. قال سهيل بن ميسرة: لما رجع أبو العباس عبد الله بن طاهر من الشام ارتفع فوق سطح قصره، فنظر إلى دخان يرتفع في جواره فقال لعمرويه: ما هذا الدخان؟ قال: اظن القوم يجيرون قال: ويحتاج جيراننا أن يتكلفوا ذلك؟ ثم دعا حاجبه فقال له: امض ومعك كاتب، فأخص جيراننا ممن لا يقطعهم عنا شارع، فمضى فأحصاهم فبلغ عدد صغيرهم وكبيرهم أربعة آلاف نفس، فأمر لكل واحد منهم في كل يوم بمنوين خبزاً ومنا لحم، ومن التوابل في كل شهر عشرة دراهم، والكسوة في الشتاء مئة وخمسون درهماً وفي الصيف مئة درهم، وكان ذلك دأبه مقامه ببغداد. فلما خرج انقطعت الوظائف إلا الكسوة ما عاش أبو العباس.

стр. 4277

قال علي بن إسحاق: اشترى عبد الله بن طاهر جارية بخمسة وعشرين ألفاً على ابنة عمه فوجدت عليه وقعدت في بعض المقاصير، فمكثت شهرين لا تكلمه فعمل هذين البيتين إلى كم يكون العتب في كل ساعة ... وكم لا تملين القطيعة والهجرا رويدك إن الدهر فيه كفاية ... لتفريق ذات البين فانتظري الدهرا وقال للجارية: اجلسي على باب المقصورة فغني به. فلما غنت بالبيت الأول لم تر شيئاً، فلما غنت البيت الثاني فإذا قد خرجت مشقوقة الثوب حتى اكبت رجليه فقبلتهما. أنشد أبو العباس أحمد بن يحيى، ثعلب: الطويل يقول رجال إن مرو بعيدة ... وما بعدت مرو وفيها ابن طاهر وأبعد من مرو رجال أراهم ... بحضرتنا معروفهم غير حاضر أنشد أبو صادق محمد بن أحمد بن شاذان الصيدلاني لبعضهم الكامل يا من يؤمل ان تكون خصاله ... كخصال عبد الله أنصت واسمع فلأمحضن لك النصيحة والذي ... حج الحجيج إليه فاقبل أو دع أكرم وعف وكف واحلم واحتمل ... واسمع ودار وهش واصفح واسجع قال عبد الله بن طاهر ذات يوم لرجل أمره بعمل: احذر أن تخطئ، فأعاقبك بكذا وكذا، لأمر عظيم، فقال: أيها الأمير، من كانت هذه عقوبته على الخطأ فما ثوابه على الإصابة؟ حكى المبرد عن عبد الله بن طاهر قال: المال غاد ورائح، والسلطان ظل زائل والإخوان كنوز وافرة. ومن شعر عبد الله بن طاهر: الخفيف ليس في كل ساعة وثوان ... تتهيأ صنائع الإحسان فإذا أمكنت تقدمت فيها ... حذراً من تعذر الإمكان

стр. 4278

ولعبد الله بن طاهر: البسيط نبهته وظلام الليل منسدل ... بين الرياض دفيناً في الرياحين فقلت: خذ، قال: كفي لا تطاوعني ... فقلت: قم، قال: رجلي لا تواتيني إني غفلت عن الشافي فصيرني ... كما سليب العقل والدين قال محمد بن منصور البغدادي: دخلت على عبد الله بن طاهر وهو في سكرات الموت، فقلت: السلام عليك أيها الأمير فقال: لا تسمني أمير وسمني أسيراً، ولكن اكتب عني بيتين عرضا بقلبي، ما أراهما إلا آخر بيتين أقولهما ثم أنشأ يقول: السريع بادر فقد أسمعك الصوت ... إن لم تبادر فهو الفوت من لم تزل نعمته قلبه ... زال عن النعمة بالموت توفي عبد الله بن طاهر سنة ثلاثين ومئتين، مرض ثلاثة أيام بوجع أصابه في حلقه بنيسابور، فولى الواثق ابنه طاهر أعماله كلها، وكان قد أظهر التوبة وكسر آلات الملاهي وعمر رباطات خراسان، ووقف لها الوقوف، وأظهر الصدقات، ووجه أموالاً عظيمة إلى الحرمين وافتدى أسرى المسلمين من الترك، وبلغ ما أنفقه على الأسارى ألفي ألف درهم. كان زكريا بن دلويه يزور كل جمعة قبر عبد الله بن طاهر فيخرق الأسواق، وطريقه على قبر أستاذه أحمد بن حرب فلا يقف على قبره، فعوتب على ذلك فقال: إن أحمد بن حرب وغيره من العلماء والصالحين لم يفدهم زهدهم، وآثار عبد اللهبن طاهرباقية ما بقيت السموات والأرض. قال محمد بن عبد الله بن منصور لما بلغه موت عبد الله بن طاهر: الكامل هيهات لا يأتي الزمان بمثله ... إن الزمان بمثله لبخيل

стр. 4279

عبد الله بن طاهر بن محمد ابن كاكو أبو محمد المعروف بالقاضي ابن زينة الواعظ ولد بصور، ونشأ بالشام، كان يعظ في الأعزية. ذكر أنه ولد سنة سبع وثلاثين وأربع مئة. أنشد عبد الله بن طاهر قال: أنشدني أبو إسحاق الشيرازي: البسيط لما أتاني كتاب منك مبتسماً ... عن كل معنى ولفظ غير محدود حكت معانيه في أثناء أسطره ... أفعالك البيض في أحوالي السود وأنشد في وزير عزل عن الوزارة ثم أعيد: الرجز قد رجع الأمر إلى نصابه ... وأنت من كل الورى أولى به ما كان إلا السيف سلته يد ... ثم أعادته إلى قرابه توفي سنة عشرين وخمس مئة. عبد الله بن أبي بردة عامر ويقال: الحارث بن عبد الله بن قيس الأشعري والد يزيد بن عبد الله الكوفي. خرج بلال بن أبي بردة وأخوه عبد الله بن أبي بردة إلى عمر بن عبد العزيز، فاختصما إليه في الأذان في مسجدهم، فارتاب بهما عمر فدس إليهما رجلاً يقول لهما: أرأيتما إن كلمت أمير المؤمنين فولاكما العراق ما تجعلان لي؟ فبدأ الرجل ببلال فقال له ذلك فقال: أعطيك مئة ألف، ثم أتى أخاه فقال له مثل ذلك. فأخبر الرجل عمر فقال لهما: الحقا بمصركما، وكتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن: لا تول بلالاً، بليل الشر، ولا أحداً من ولد أبي موسى شيئاً. بليل الشر: صغر بلالاً.

стр. 4280

عبد الله بن عامر بن كريز ابن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف أبو عبد الرحمن القرشي العبشمي. له رواية من سيدنا رسول الله ﷺ . واستعمله عثمان على البصرة، فافتتح خراسان. وقدم على معاوية وزوجه ابنته هند، وأسكنه إل جنبه. حدث عبد الله بن عامر وعبد الله بن الزبير قالا: قال رسول الله ﷺ : " من قتل دون ماله فهو شهيد ". ولما استعمل عثمان بن عفان عبد الله بن عامر على البصرة وعزل أبا موسى الأشعري قال أبو موسى: قد أتاكم فتى من قريش كريم الأمهات والعمات والخالات. يقول بالمال فيكم هكذا هكذا. وهو الذي دعا طلحة والزبير إلى البصرة، وقال: إن لي فيها صنائع، فشخصا معه، وله يقول الوليد بن عقبة: الطويل ألا جعل الله المغيرة وابنه ... ومروان نعلي بذلة لابن عامر لكي يقياه الحر والقر والأذى ... ولسع الأفاعي واحتدام الهواجر وكان كثير المناقب وهو الذي افتتح خراسان وقتل كسرى في ولايته وأحرم من نيسابور شكراً لله، وهو الذي عمل السقايات بعرفة وكان سخياً كريماً. وأمه دجاجة بنت أسماء بن الصلت بن حبيب بن جارية بن هلال بن حرام بن سماك بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم. وأخوه لأمه عبد ربه بن قيس بن السائب بن عويمر بن عائذ بن عمران بن مخزوم. أسلم عامر بن كريز يوم فتح مكة وبقي إلى خلافة عثمان، وقدم على ابنه عبد الله بن عامر البصرة، وهو واليها لعثمان بن عفان. وولد عامر بن عبد الله بمكة بعد الهجرة بأربع سنين. فلما كان عام عمرة القضاء سنة سبع، وقدم رسول الله ﷺ مكة معتمراً

стр. 4281

حمل إليه ابن عامر وهو ابن ثلاث سنين فحنكه فتلمظ وتثائب فتفل رسول الله ﷺ في فيه وقال: هذا ابن السلمية؟ قالوا: نعم. قال: هذا ابننا وهو أشبهكم بنا، وهو مسقاء. فلم يزل عبد الله شريفاً، وكان كثير المال والولد، ولد له عبد الرحمن وهو ابن ثلاث عشرة سنة. وكريز: بضم الكاف وفتح الراء. وتوفي سيدنا رسول الله ﷺ ولعبد الله بن عامر ثلاث عشرة سنة. وتوفي هو سنة تسع وخمسين. وقيل سنة ستين. وكان عبد الله بن عامر ابن خال عثمان بن عفان: كانت أم عثمان أروى بنت كريز وأمها البيضاء أم حكيم بنت عبد المطلب بن هاشم، وكانت البيضاء وعبد الله أبو سيدنا رسول الله ﷺ توأمين. وعن أبي عبيدة النحوي أن عامر بن كريز أتى بابنه إلى النبي ﷺ وهو ابن خمس سنين أو ست سنين فتفل النبي ﷺ في فيه، فجعل يزدرد ريق النبي ﷺ ويتلمظ، فقال النبي ﷺ : إن ابنك هذا لمسقاء قال: فكان يقال: لو أن عبد الله قدح حجراً أماهه. يعني: لخرج الماء من الحجر ببركته. وكان عبد الله لا يعالج أرضاً إلا ظهر له الماء. وله النباج الذي يقال له نباج ابن عامر، وله الجحفة وله بستان ابن عامر على ليلة من مكة، وله آبار في الأرض كثيرة. قال الأصمعي: أرتج على عبد الله بن عامر بالبصرة يوم أضحى فمكث ساعة ثم قال: والله لا أجمع عليكم عياً ولؤماً. من أخذ شاة من السوق فهي له وثمنها علي.

стр. 4282

وقيل: إنه صعد منبر البصرة فحصر، فشق ذلك عليه فقال له زياد: أيها الأمير، إنك إن أقمت عامة من ترى أصابه أكبر مما أصابك. وعن زياد بن كسيب العدوي قال: كان عبد الله بن عامر يخطب الناس، عليه ثياب رقاق مرجل شعره. قال: فصلى يوماً ثم دخل. قال: وأبو بكر جالس إلى جنب المنبر، فقال مرداس أبو بلال: ألا ترون إلى أمير الناس وسيدهم يلبس الرقاق، ويتشبه بالفساق؟! فسمعه أبو بكر فقال لابنه الأصيلع: ادع لي أبا بلال فدعاه فقال له أبو بكرة: أما أني قد سمعت نقالتك للأمير آنفاً، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من أكرم سلطان الله أكرمه الله، ومن أهان سلطان الله أهانه الله ". وذكرت لعبد الله بن عامر بعوث وسرايا وفتوحات وغنائم كثيرة. قالا: ولما أحرم ابن عامر بالحج من خراسان كتب إليه عثمان يتوعده ويضعفه ويقول: تعرضت للبلاء، حتى قدم على عثمان، فقال له: صل قومك من قريش ففعل، وأرسل إلى علي بثلاثة آلاف درهم وكسوة، فلما جاءته قال: الحمد لله إنا نرى تراث محمد يأكله غيرنا، فبلغ ذلك عثمان فقال لابن عامر: قبح الله رأيك أترسل إلى علي بثلاثة آلاف درهم؟! قال: كرهت أن أغرق ولم أدر ما رأيك. قال: فأغرق. قال: فبعث إليه بعشرين ألف درهم وما يتبعها. قال: فراح علي إلى المسجد فانتهى إلى حلقته وهم يتذاكرون غير مدافع. قال: وتكلمت الأنصار فقال: أبت الطلقاء إلا عداوة، فبلغ ذلك عثمان فدعا ابن عامر فقال: أبا عبد الرحمن قِ عرضك ودار الأنصار، فألسنتهم ما قد علمت، قال: فأفشى فيهم الصلات والكسا فأثنوا عليه، فقال له عثمان: انصرف إلى عملك، فانصرف والناس يقولون: قال ابن عامر، وفعل ابن عامر. فقال ابن عمر: إذا طابت المكسبة زكت النفقة. ولم تحتمله البصرة فكتب إلى عثمان يستأذنه في الغزو فأذن له، فكتب إلى ابن سمرة أن تقدم فتقدم فافتتح بست وما يليها، ثم مضى إلى كابل وزابلستان فافتتحهما، وبعث بالغنائم إلى ابن عامر. قالوا: ولم يزل ابن عامر ينتقص شيئاً شيئاً من خراسان حتى افتتح

стр. 4283

هراة وبوشنج وسرخس وأبر شهر والطالقان الفارياب وبلخ، فهذه خراسان التي كانت في زمن ابن عامر وزمن عثمان. ومن حديث آخر: ثم كانت بالعراق غزوة جور وأميرها عبد الله بن عامر بن كريز يريد اصطخر، وعلى مقدمته عبيد الله بن معمر، وباصطخر يومئذ يزدجرد بن شهريار بن كسرى وهو ابن الختانة. فلما بلغه ذلك بعث جيشاً فلقوا عبيد الله فقاتلوه برام جرد فقتل عبيد الله بن معمر ورجع الآخرون، وخرج يزدجرد في مئة ألف مقاتل حتى أتى مرو فنزلها، وخلف على اصطخر رجلاً من الفرس، فأتاها عبد الله بن عامر فافتتحها، وقد كانت فتحت ذلك ولكن الفرس رجعوا إليها، وقتل يزدجرد بمرو، وكل من كان معه إلا رجلاً واحداً أخذ ابنه من أبيه الملك. ثم أتى جرجان فكان بها، ومضى عبد الله بن عامر حتى نزل بأبرشهر وبها ابنتا كسرى فحاصر أهلها، فصالحوه على أنفسهم أنهم آمنون وعلى ابنتي كسرى أنهما آمنتان وفتحوها له. وكان ابن عامر هو اتخذ للناس السوق بالبصرة. اشترى دوراً فهدمها وجعلها سوقاً. وهو أول من لبس الخز بالبصرة، لبس جبة دكناء فقال الناس: لبس الأمير جلد دب، ثم لبس جبة حمراء فقالوا: لبس الأمير قميصاً أحمر. وهو أول من اتخذ الحياض بعرفة وأجرى إليها العين، وسقى الناس الماء، فذلك جار إلى اليوم. فلما استعتب عثمان من عماله كان فيما شرطوا عليه أن يقر ابن عامر على البصرة لتحببه إليهم، وصلته هذا الحي من قريش. فلما شتت الناس في أمر عثمان دعا ابن عامر مجاشع بن مسعود فعقد له على جيش إلى عثمان، فساروا حتى إذا كانوا بأداني بلاد الحجاز خرجت خارجة من أصحابه فلقوا رجلاً فقالوا: ما الخبر؟ قال: قتل عدو الله نعثل، وهذه خصلة من شعره، فحمل عليه

стр. 4284

زفر بن الحارث وهو يومئذ غلام مع مجاشع بن مسعود فقتله، فكان أول مقتول في دم عثمان. ثم رجع مجاشع إلى البصرة. فلما رأى ذلك ابن عامر حمل ما في بيت المال واستعمل على البصرة عبد الله بن عامر الحضرمي، ثم شخص إلى مكة فوافى بها طلحة والزبير وعائشة وهم يريدون الشام فقال: لا بل ائتوا البصرة، فإن لي بها صنائع، وهي أرض الأموال وبها عدد الرجال. والله لو شئت ما خرجت حتى أضرب بعض الناس ببعض، فقال طلحة: هلا فعلت؟ أأشفقت على مناكب تميم؟ ثم أجمع رأيهم على المسير إلى البصرة ثم أقبل بهم. فلما كان من أمر الجمل ما كان وهزم الناس، جاء عبد الله بن عامر إلى الزبير فأخذ بيده فقال: أبا عبد الله، أنشدك الله في أمة محمد، فلا أمة محمد بعد اليوم أبداً، فقال الزبير: خل بين الغارين يضطربان فإن مع الخوف الشديد المطامع، فلحق ابن عامر بالشام حتى نزل دمشق، وقد قتل ابنه عبد الرحمن يوم الجمل وبه كان يكنى. ولما خرج ابن عامر عن البصرة بعث علي إليهما عثمان بن حنيف الأنصاري، فلم يزل بها حتى قدم طلحة والزبير وعائشة، ولم يزل عبد الله بن عامر مع معاوية بالشام ولم يسمع له بذكر في صفين، ولكن معاوية لما بايعه الحسن بن علي ولى بسر بن أبي أرطأة البصرة ثم عزله، فقال له ابن عامر: إن لي بها ودائع عند قوم، فإن تولني البصرة ذهبت، فولاه البصرة ثلاث سنين. ومات ابن عامر قبل معاوية بسنة، فقال معاوية: يرحم الله أبا عبد الرحمن، بمن نفاخر وبمن نباهي. ولما فتح عبد الله بن عامر خراسان قال: لأجعلن شكري لله أن أخرج من موضعي محرماً، فأحرم من نيسابور. فلما قدم على عثمان لامه على ما صنع وقال: ليتك تضبط من الوقت الذي يحرم فيه الناس. قال أبو بكر الهذلي: قال علي بن أبي طالب يوم الجمل: أتدرون من حاربت؟ حاربت أمجد الناس أو أنجد الناس يعني ابن عامر، وأشجع الناس يعني الزبير، وأدهى الناس يعني طلحة. كان عبد الله بن عامر، بالبصرة عاملاً لمعاوية، فضعفه في عمله ضعفاً شديداً حتى شكي إلى معاوية. فلما أكثر عليه في أمره كتب إليه يسأله أن يزوره، فقدم عليه وكان

стр. 4285

يزوره ويأتيه ويتغدى عنده، ثم دخل إليه يودعه راجعاً إلى عمله فودعه، وقبل وداعه ثم قال: إني سائلك ثلاثاُ فقال: هي لك وأنا ابن أم حكيم قال: ترد علي عملي ولا تغضب علي، قال: قد فعلت. قال: وتهب لي مالك بعرفة. قال: قد فعلت. قال: وتهب لي دورك بمكة قال: قد فعلت. قال: وصلتك رحم، قال: وإنيسائلك يا أمير المؤمنين ثلاثاً فقل: قد فعلت. قال: قد فعلت وأنا ابن هند. قال: ترد إلي مالي بعرفة. قال: قد رددت إليك مالك بعرفة. قال: وتنكحني هند بنت معاوية قال: وقد فعلت. قال: ولا تحاسب لي عاملاً، ولا تتبع أثري. قال: قد فعلت. وحدث قبيصة بن جابر عن معاوية في حديثه: لما سأله عمن يرى لهذا الأمر من بعده، يعني الخلافة. قال: وأما فتاها حياء وحلماً وسخاءً فابن عامر. قال عبد الله بن محمد الفروي: اشترى عبد الله بن عامر من خالد بن عقبة بن أبي معيط داره التي في السوق ليشرع بها داره على السوق، بثمانين أو بسبعين ألف درهم. فلما كان الليل سمع بكاء أهل خالد فقال لأهله: ما هؤلاء؟ قال: يبكون دارهم. قال: يا غلام. فائتهم فأعلمهم أن الدار والمال لهم جميعاً. ولما ولي ابن عامر البصرة انحدر عليه صديقان له من أهل المدينة حتى سارا إلى البصرة. ثم إن أحدهما ندم على مسيره، وكان نزيهاً غني القلب فقال لصاحبه: أنا راجع قال: أنشدك الله، أبعد الشقة البعيدة والنفقة الكبيرة ترجع صفراً؟! قال: إني لم أزل عن ابن عامر غنياً، والذي أغناه قادر أن يغنيني عنه، ثم اعتزم فرجع عنه ولم يبق ابن عامر. قال: فقال صاحبه: ما علمت من رجوعه شيئاً إلا وقد ساءني غير أني كنت أتسلى عن ذلك بفراغ وجه ابن عامر لي، وأملت أن يجعل صلتي وصلة صاحبي. قال: وكان لابن عامر رجل مقيم بالمدينة، فكتب إليه بشخوص من شخص يريده ولا يقدم الرجل إلا على جائزة معدة، وأمر قد أحكم له. قال: فلما دخل عليه قال له أين أخوك؟ فقص عليه

стр. 4286

القصص. قال: فأمر للمقيم بصلة، وأضعف ذلك للظاعن، فخرج المقيم متوجهاً وهو يقول: الطويل: أمامة ما حرص الحريص بنافع ... فتيلاً ولا زهد المقيم بضائر خرجنا جميعاً من مساقط روسنا ... على ثقة منا بجود ابن عامر فلما أنخنا الناعجات ببابه ... تخلف عني الخزرجي ابن جابر فقال ستكفيني عطية قادر ... على ما أراد اليوم للناس قاهر فقلت: خلا لي وجهه ولعله ... سيجعل لي حظ الفتى المتأخر فلما رآني سال عنه صبابة ... إليه كما حنت طراب الأباعر فأضعف عبد الله إذ غاب حظه ... على حظ لهفان من الجوع فاغر وأبت وقد أيقنت أن ليس نافعي ... ولا ضائري شيء خلاف المقادر وفي حديث آخر بمعناه: أن الرجلين اللذين قصداه هما ابن جابر بن عبد الله الأنصاري وآخر من ثقيف، وأن الأنصاري لما كانا بناحية البصرة قال للثقفي: هل لك في رأي رأيته؟ قال: اعرضه. قال: رأيت أن ننيخ رواحلنا ونتناول مطاهرنا ونمس ماء ونصلي ركعتين، ونحمد الله على ما قضى من سفرنا. قال: هذا الذي لا يرد، فتوضيا ثم صليا ركعتين ركعيتن، فالتفت الأنصاري للثقفي فقال: يا أخا ثقيف ما رأيك؟ قال: وأي موضع رأي هذا؟! قضيت سفري، وأنصبت بدني، وأنضيت راحلتي، ولا مؤمل دون ابن عامر، فهل لك رأي غير هذا؟ قال: نعم، إني لما صليت هاتين الركعتين فكرت، فاستحييت من ربي أن يراني طالباً رزقاً من غيره، اللهم رازق ابن عامر ارزقني من فضلك، ثم ولى راجعاً إلى المدينة الحديث. قال مغراء الضبي: لما قدم عبد الله بن عامر الشام أتاه من شاء الله أن يأتيه من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم إلا أبو الدرداء، فإنه لم يأته، فقال: لا أرى أبا الدرداء أتاني فيمن أتى، فلآتينه

стр. 4287

ولأقضين من حقه، فأتاه فسلم عليه وقال له: أتاني أصحابك زلم تأتني، فأجبت أن آتيك وأقضي من حقك، فقال له أبو الدرداء: ما كنت قط أصغر في عين الله ولا في عيني منك اليوم، إن رسول الله ﷺ أمرنا أن تنغير عليكم إذا تغيرتم. لما مرض عبد الله بن عامر مرضه الذي مات فيه دخل عليه أصحاب النبي ﷺ وفيهم ابن عمر قال: ما ترون في حالي؟ فقالوا: ما نشك لك في النجاة، قد كنت تقري الضيف وتعطي المختبط. المختبط: الذي يسأله عن غير معرفة كانت بينهما، ولا يد سلفت منه إليه ولا قرابة. وعن ميمون قال: بعث عبد الله بن عامر حين حضرته الوفاة إلى مشيخة أهل المدينة وفيهم ابن عمر، فقال: أخبروني كيف كانت سيرتي؟ قالوا: كنت تصدق، وتعتق، وتصل رحمك. قال: وابن عمر ساكت، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما يمنعك أن تتكلم؟ قال: قد تكلم القوم. قال: عزمت عليك لتكلمن، فقال ابن عمر: إذا طابت المكسبة زكت النفقة، وستقدم فترى. توفي عبد الله بن عامر سنة سبع، أو ثمان وخمسين. وقيل: سنة تسع وخمسين. عبد الله بن عامر أبو عمران ويقال: أبو عبيد الله ويقال: أبو نعيم، ويقال: أبو عامر اليحصبي قارئ أهل الشام. حدث عبد الله بن عامر: أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر بدمشق يقول: يا أيها الناس، إياكم وأحاديث رسول الله ﷺ إلا حديثاً كان يذكر في عهد عمر، فإن عمر رجل يخيف الناس في الله . قال: ثم قال: ألا إني سمعت رسول الله صلى اله عليه وسلم يقول: " من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ". ألا وإني سمعت رسول الله ﷺ : " إنما أنا خازن وإنما الله عز وجل

стр. 4288

يعطي، فمن أعطيته عن طيب نفس فالله يبارك فيه، ومن أعطيته عطاء عن شرة وشدة مساءلة فهو كالذي يأكل ولا يشبع. ألا وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول ": لا تزال أمة من أمتي قائمة على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس. قال عبد الله بن عامر: قال لي فضالة بن عبيد: أمسك علي هذا المصحف، ولا تردن علي ألفاً ولا واواً، وسيأتي أقوام لا يسقط عليهم ألف ولا واو. وذكر الحديث. قال عبد الله بن عامر اليحصبي: كنت عند فضالة بن عبيد الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ فجاءه رجلان يختصمان في باز، فقال أحدهما: وهبته له، وأنا أرجو أن يثيبني منه، وقال الآخر: وهب لي بازاً ولم أسأله إياه ولم أتعرض له. فقال: اردد إليه بازه أو أثبه منه، فإنما يرجع في المواهب النساء وشرار الأقوام. قال الهيثم بن عمران: كان رأس المسجد بدمشق زمان الوليد بن عبد الملك وبعده، عبد الله بن عامر اليحصبي، وكان يزعم أنه من حمير، وكان يغمز في نسبه، فحضر شهر رمضان فقال: من يؤمنا؟ فذكروا رجالاً وذكروا المهاجر بن أبي المهاجر، فقال: ذاك مولى ولسنا نريد يؤمنا مولى، فبلغت سليمان. فلما استخلف بعث إلى مهاجر فقال: إذا كان الليلة أول ليلة في شهر رمضان فقف خلف الإمام، فإذا تقدم ابن عامر قبل أن يكبر فخذ بثيابه من خلفه ثم اجذبه وقل: تأخر فلن يتقدمنا دعي، وصل أنت بالناس. ففعل. توفي عبد الله بن عامر سنة ثماني عشرة ومئة. عبد الله بن أبي عائشة حدث أن عمر بن عبد العزيز لم يغتسل من أهله من حين ولي إلا ثلاث مرات

стр. 4289

عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف أبو العباس الهاشمي بن عم سيدنا رسول الله ﷺ وحبر الأمة وعالمها، وترجمان القرآن. قدم دمشق وافداً على معاوية في السنة التي قتل فيها علي ﵇. قال سعيد بن أبي الحسن: كنت عند ابن عباس إذ أتاه رجل فقال: إني إنسان، إنما معيشي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير، قال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت رسول الله ﷺ : سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من صور صورة فإن الله يعذبه يوم القيامة حتى ينفخ فيها " وليس بنافع أبداً، قال: فربا لها الرجل ربوة شديدة واصفر وجهه، ثم قال: ويحك، إن أتيت الآن تصنع فعليك بهذا الشجر، وكل شيء ليس فيه روح. قال عبد الله بن عباس: دخلت على معاوية حين كان الصلح، وأول ماالتقيت أنا وهو، فإذا عنده أناس فقال: مرحباً يا بن عباس، ما تحاكت الفتنة بيني وبين أحد كان أعز علي بعداً ولا أحب إلي قرباً منك، الحمد لله الذي أمات علياً، قلت: إن الله لا يذم في قضائه، وغير هذا الحديث أحسن منه، هل لك فيه؟ قال: ما هو؟ قلت: تعفيني من ذكر ابن عمي وأعفيك من ذكر ابن عمك. قال: ذلك لك، أنشدك الله يا بن عباس إلا حدثتني عن أبي سفيان، فقد حضرك من حضرك. قلت: تجر فربح، وأسلم فأفلح، وولد فأنجح، وكان في الشرك فكان نكساً حتى يقضي فقال: رحمك الله يا بن عباس، فوالله ما يعجزك في علمك أن تسر به جليسك، ولولا أن تراني قارضتك لأجزتك عن نفسك. وعن مجاهد قال: قال ابن عباس: لما كان النبي ﷺ وأهل بيته بالشعب قال: أتى أبي النبي ﷺ فقال: يا محمد، أرى أم

стр. 4290

الفضل قد اشتملت على حمل، فقال: لعل الله أن يقرأ أعينكم. قال: فأتى بي النبي ﷺ وأنا في خرقة، فحنكني بريقه. قال مجاهد: فلا نعلم أحداً حنك بريق النبي ﷺ غيره. وفي رواية: فقال رسول الله ﷺ : " عسى الله أن يبيض وجوهنا بغلام، فولدت عبد الله بن عباس. قالوا: وولد قبل الهجرة بثلاث سنين وهو في الشعب. وعن ابن عباس قال: قبض رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين مختون. وفي رواية: وقد قرأت القرآن. وفي رواية: وقد جمعت المحكم. قيل: وما المحكم. قيل: وما المحكم؟ قال المفصل. وفي رواية: توفي النبي ﷺ وأنا ابن خمس عشرة سنة وأنا ختين. وعن ابن عباس قال: أقبلت راكباً على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي. قال محمد بن عمر: لا اختلاف عند أهل العلم عندنا أن ابن عباس ولد في الشعب وبنو هاشم محصورون، فولد ابن عباس قبل خروجهم منه بيسير، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، فتوفي رسول الله ﷺ وابن عباس ابن ثلاث عشرة سنة. ألا تراه يقول في الحديث: راهقت الاحتلام في حجة الوداع.

стр. 4291

قال عبيد الله بن أبي يزيد: سمعت ابن عباس يقول: أنا وأمي من المستضعفين، كانت أمي من النساء وأنا من الولدان. ودعا سيدنا رسول الله ﷺ لعبد الله بن العباس وقال: اللهم أعطه الحكمة وعلمه التأويل وكان بحراً لا ينزف، ورأى جبريل ﵇، وقال رسول الله ﷺ : " عسى ألا يموت حتى يؤتى علماً ويذهب بصره. وكان عمر يأذن له مع المهاجرين ويسأله ويقول: غص غواص، وكان إذا رآه مقبلاً قال: أتاكم فتى الكهول، له لسان سؤول وقلب عقول. وقيل في كنيته عبد الله بن العباس: أبو عبد الرحمن. وكان قد عمي قبل وفاته. ومات سنة ثمان وستين بالطائف في فتنة ابن الزبير، فصلى عليه محمد بن الحنيفية. وغزا عبد الله بن عباس إفريقيةمع عبد الله بن سعد سنة سبع وعشرين. وأمه أم الفضل أخت ميمونة زوج النبي صلى عليه وسلم واسمها لبابة الصغرى بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوزان بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وكان بنو العباس بن عبد المطلب عشرة: الفضل، وعبد الله، وعبيد الله، ومعبد، وقثم، وعبد الرحمن، وأمهم أم الفضل بنت الحارث. وكثير، والحارث، وعون، وتمام وهو أصغرهم فكان العباس يحمله يحمله ويقول: الرجز تموا بتمام فصاروا عشرة ... يا رب فاجعلهم كراماً برره واجعلهم ذكراً وأنم الثمره مات كثير وقثم بينبع أخذته الذبحة، واستشهد الفضل بأجنادين، وعبد الرحمن

стр. 4292

ومعبد بإفريقية، وعبد الله بالطائف، وعبيد الله باليمن. ويقال: مات قثم بسمرقند، وكان خرج مع سعيد بن عثمان بن عفان في زمن معاوية. قبره بها. وكان مسلم بن قمادين المكي يقول: ما رأيت مثل بني أم واحدة إشراقةً، ولدوا في دار واحدة، أبعد قبوراً من بني أم الفضل. وكان عبد الله أبيض طويلاً مشرباً صفرة، جسيماً، وسيماً، صبيح الوجه، له وفرة، يخضب بالحناء، وكان يسمى الحبر والبحر لكثرة علمه وحدة فهمه، حبر الأمة وفقيهها، ولسان العشرة ومنطيقها، محنك بريق النبوة، ومدعو له بلسان الرسالة: فقهه في الدين وعلمه التأويل. ترجمان القرآن، سمع نجوى جبريل ﵇ للرسول وعاينه. ومولده كان عام الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين. وقبض النبي ﷺ وهو ختين. وكانوا يختتنون للبلوغ، وتوفي بالطائف سنة ثمان وستين. وقيل سنة سبعين، وصلى عليه محمد بن الحنفية وسماه رباني هذه الأمة، وجاء طير أبيض فدخل في أكفانه، وسمع هاتف يهتف من قبره يقول: " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضيةً مرضيةً " الآية. وكان عمر بن الخطاب يدنيه ويسأله ويستشيره، ويدخله مع مشيخة أهل بدر، وكان له الجواب الحاضر والوجه الناضر، صبيح الوجه، له وفرة مخضوبة بالحناء، أبيض طويل، مشرب صفرة، جسيم، وسيم، علمه غزير وخيره كثير، يصدر الجاهل عن علمه وحكمته يقظان، والجائع عن خيره ومائدته شبعان. وكانت عائشة تقول: هو أعلم من بقي بالسنة، وكان ابن عمر يقول: هو أعلم الناس بما أنزل على محمد ﷺ . وشهد ابن عباس مع علي بن أبي طالب ﵇ صفين وقتال الخوارج

стр. 4293

بالنهروان، وورد في صحبته المدائن، وكان ابن عباس إذا قعد أخذ مقعد الرجلين، وكان يخضب بالسواد. قال ابن جريج: كنا جلوساً مع عطاء بن أبي رباح في المسجد الحرام فتذاكرنا ابن عباس وفضله، وعلي بن عبد الله في الطواف وخلفه محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فعجبنا من تمام قامتهما وحسن وجوههما، قال عطاء: وأين حسنهما من حسن عبد الله بن عباس، ما رأيت القمر ليلة أربع عشرة وأنا في المسجد الحرام طالعاً من جبل أبي قبيس إلا ذكرت وجه عبد الله بن عباس، ولقد رأيتنا جلوساً معه في الحجر إذ أتاه شيخ فديم بدوي من هذيل يهدج على عصاه فسأله عن مسألة فأجابه، فقال الشيخ لبعض من معه: من هذا الفتى؟ قالوا: هذا عبد الله بن عباس بن عبد المطلب. قال الشيخ: سبحان الله الذي غيّر حسن عبد المطلب إلى ما أرى. قال عطاء: فسمعت ابن عباس يقول: سمعت أبي يقول: كان عبد المطلب أطول الناس قامة، وأحسن الناس وجهاً وما رآه أحد قط إلا أحبه. وكان له مفرش في الحجر لا يجلس عليه غيره، ولا يجلس عليه معه أحد، وكان الندي من قريش حرب بن أمية فمن دونه يجلسون حوله دون المفرش، فجاء رسول الله ﷺ وهو صغير، لم يبلغ، فجلس على المفرش فجبذه رجل، فبكى رسول الله ﷺ فقال عبد المطلب - وذلك بعدما كف بصره -:ما لابني يبكي؟! قالوا له: أراد أن يجلس على المفرش فمنعوه، فقال عبد المطلب: دعوا ابني يجلس عليه، فإنه يحس من نفسه بشرف، وأرجو أيبلغ من الشرف ما لم يبلغ عربي قبله ولا بعده، ومات عبد المطلب والنبي ﷺ ابن ثماني سنين، وكان خلف جنازة عبد المطلب يبكي حتى دفن بالحجون. قال عكرمة: كان ابن عباس إذا مرّ في الطريق قلن النساء على الحيطان: أمر المسك أم مرّ ابن عباس؟

стр. 4294

قال ابن عباس: أجلسني رسول الله ﷺ في حجره، ومسح رأسي، ودعا لي بالبركة. وعن ابن عباس قال: أتيت رسول الله ﷺ من آخر الليل، فصليت خلفه، فأخذ بيدي فجرني حتى جعلني حذاءه. فلما أقبل رسول الله ﷺ على صلاته خنست، فأخذ بيدي فجعلني حذاءه. فلما أقبل رسول الله ﷺ على صلاته خنست، فصلى رسول الله ﷺ . فلما انصرف قال لي: ما شأني أجعلك حذائي فتخنس؟! فقلت: يا رسول الله، أو ينبغي لأحد أن يصلي حذاءك وأنت رسول الله ﷺ الذي أعطاك الله ؟ قال: فأعجبه، فدعا الله لي أن يزيدني علماً وفهماً. قال: ثم رأيت رسول الله ﷺ نام حتى سمعته نفخ، ثم أتاه بلال فقال: يا رسول الله، الصلاة، فقام فصلى ما أعاد وضوءاً. قال ابن عباس: دعا لي رسول الله ﷺ أن يؤتيني الحكمة والتأويل، قال: والحكمة: القرآن، والتأويل: تفسيره. وعن ابن عباس قال: دعا رسول الله ﷺ بخير كثير. وقال: نعم ترجمان القرآن أنت. وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ وضع يده على رأس عبد الله فقال: اللهم، أعطه الحكمة، وعلمه التأويل، ووضع يده على صدره، فوجد عبد الله بن العباس بردها في ظهره، ثم قال: اللهم احش جوه حكماً وعلماً، فلم يستوحش في نفسه إلى مسألة أحد من الناس، ولم يزل حبر هذه الأمة حتى قبضه الله . وعن عمر قال النبي ﷺ : إن أرأف أمتي بها أبو بكر، وإن أصلبها في أمر الله لعمر، وإن أشدها حياء لعثمان،

стр. 4295

وإن أقرأها لأبي، وإن أفرضها لزيد، وإن أقضاها لعلي، وإن أعلمها بالحلال والحرام لمعاذ، وإن أصدقها لهجة لأبو ذر، وإن أمير هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، وإن حبر هذه الأمة لعبد الله بن عباس. وعن ابن عباس قال: انتهيت إلى النبي ﷺ وعنده جبريل ﵇، فقال له جبريل: إنه كائن حبر الأمة فاستوص به خيراً. وعن ابن عمر قال: دعا النبي لعبد الله بن العباس فقال: اللهم، بارك فيه وانشر منه. وعن ابن عباس قال: مررت برسول الله وعليه ثياب بياض نقية، وهو يناجي دحية بن خليفة الكلبي، وهو جبريل، وأنا لا أعلم، قال: فلم أسلم. قال جبريل: يا محمد، من هذا؟ قال: هذا ابن عمي، هذا ابن عباس قال: ما أشد وضح ثيابه، أما إن ذريته ستسود بعده، لو سلم لرددنا عليه. قال: فلما رجعت قال: فلما رجعت قال لي رسول الله ﷺ : ما منعك أن تسلم؟ قال: قلت يا رسول الله، رأيتك تناجي دحية الكلبي، فكرهت أن تقطعا منجاتكما. قال: وقد رأيته؟ قال: قلت: نعم، قال: أما إنه سيذهب بصرك، ويرده الله عليك في موتك. قال: فلما قبض ابن عباس ووضع على سريره جاء طير أبيض شديد الوضح فدخل في أكفانه فلمسوه، فقال لي عكرمة: ما تصنعون؟ هذه بشرى النبي ﷺ . قال: فلما وضع في لحده تلقي بكلمة سمعها من كان على شفير القبر " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ". وفي حديث آخر بمعناه: ورجل يناجيه ولم يذكر دحية الكلبي. وفي حديث آخر بمعناه عن سعيد بن جبير قال: مر العباس وابنه على النبي ﷺ جبريل، فسلم العباس يعني: على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 4296

فلم يرد عليه النبي ﷺ قال: فشق عليه. قال: فلما جاز قال: يقول له ابنه: أبه، من الرجل الذي كان عند النبي ﷺ ؟ قال: فشق على العباس وخشي أن يكون قد عرض لابنه شيء لأنه لم ير هو مع النبي ﷺ أحداً، قال: فجاء العباس فقال: يا رسول الله، مررت بك فسلمت فلم ترد علي السلام. فلما مضيت قال لي ابني: من الرجل الذي مع النبي ﷺ قال: فلقد رآه؟ ذاك جبريل. قال: فمسح النبي ﷺ رأسه ودعا له بالعلم. وعن أنس قال: نظر علي بن أبي طالب إلى جبريل عله السلام مرة، ونظر إليه ابن عباس مرة. وعن عبد الله بن عباس قال: دخلت على خالتي ميمونة في يومها من رسول الله ﷺ وهو نائم، ورأسه في حجرها، فقلت يا أمه، أو يا خالة، دعيني أغمز رجل رسول الله ﷺ قالت: شأنك، فتناولت رجليه فجعلتهما في حجري، فانتبه رسول الله ﷺ فقال: يا عبد الله، أحبك الذي أحببتني له، أما إن جبريل قد أوصى بك خيراً، وقال: إن عبد الله من خيار هذه الأمة وإن ولده يرزقون الخلافة في آخر الزمان، ويرزقون حسن مشية الدواب. وعن ابن عباس قال: كنت ردف رسول الله ﷺ فقال لي: يا غلام، ألا أعلمك شيئاً ينفعك الله به؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، ولو جهد الخلائق أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا، ولو جهد الخلائق أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا على ذلك. وعن ابن عباس قال: كنت ردف النبي ﷺ فقال: إني سألت الله لكم يابني عبد المطلب أن يهدي ضالكم، وأن يثبت قائلكم، وكلمة سقطت عن ابن القاسم، وأن يجعلكم نجباً نجداً جوداً، ولو أن أحداً صفن صلاة ما بين الركن والمقام ثم مات وهو مبغض لكم دخل النار.

стр. 4297

وعن ابن عباس شرب النبي ﷺ وابن عباس عن يمينه وخالد بن الوليد عن شماله، فقال له النبي ﷺ : الشربة لك، فإن شئت آثرت بها خالداً، قال: ما أوثر على سؤر رسول الله ﷺ أحداً. وعن ابن عباس قال: لما قبض رسول الله ﷺ قلت لرجل من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب النبي ﷺ نتعلم منهم فإنهم كثير، فقال: العجب والله لك يا بن عباس أترى الناس يحتاجون إليك وفي الأرض من ترى من أصحاب محمد ﷺ فتركت ذلك، وأقبلت على المسألة وتتبع أصحاب رسول الله ﷺ فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل سمعه عن النبي ﷺ فآتيه فأجده قائلاً، فأتوسد ردائي على بابه، تسفي الرياح على وجهي حتى يخرج، فإذا خرج قال: ما جاء بك يا بن عم رسول الله ﷺ فأقول: جئت، بلغني أنك تحدث عن النبي ﷺ فأحببت أن أسمعه منك، فيقول: هلا بعثت إلي حتى آتيك؟ فأقول: أنا كنت أحق أن آتيك. فكان هذا الرجل يمر بي وقد ذهب أصحاب النبي ﷺ واحتاج الناس إلي فيقول: أنت كنت أعقل مني. وعن ابن عباس قال: كنت أكرم الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، وأسألهم عن مغازي رسول الله ﷺ وما نزل من القرآن في ذلك، وكنت لا آتي أحداً منهم إلا سر بإتياني لقربى من رسول الله ﷺ فجعلت أسأل أبي بن كعب يوماً وكان من الراسخين في العلم عما نزل من القرآن بالمدينة فقال: نزل سبع وعشرون سورة، وسائرها بمكة. وكان ابن عباس يأتي أبا رافع مولى رسول الله ﷺ فيقول: ما صنع النبي ﷺ يوم كذا وكذا؟ ومع ابن عباس ألواح يكتب ما يقول. قال معمر: عامة علم ابن عباس عن ثلاثة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب.

стр. 4298

قال ابن عباس: طلبت العلم فلم أجده أكثر منه في الأنصار، فكنت آتي الرجل فأسأل عنه فيقال لي: نائم، فأتوسد ردائي ثم أضطجع حتى يخرج إلي الظهر فيقول: متى كنت ها هنا يا بن عم رسول الله ﷺ فأقول: منذ طويل فيقول: بئس ما صنعت، هلا أعلمتني؟ فأقول: أردت أن تخرج إلي وقد قضيت حاجتك. وعن طاوس قال: قال ابن عباس: إن كنت لأسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ . وقيل لابن عباس لطلب العلم، فعززت مطلوباً. وعن ابن عباس قال: كل القرآن أعلمه إلا ثلاثاً الرقيم وغسلين وحناناً. وعن ابن عباس قال: قد حفظت السنة كلها، غير أني لا أدري أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر أم لا، ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف " وقد بلغت من الكبر عتياً " أو عسياً. قال ابن عباس: دخلت على عمر بن الخطاب يوماً فسألني عن مسألة كتب إليه بها يعلى بن أمية من اليمن، فأجبته فيها، فقال عمر: أشهد أنك تنطق عن بيت نبوة. وعن سعيد بن جبير قال: قال عمر لابن عباس: لقد علمت علماً ما علمناه. وعن سعيد بن جبير قال: كان أناس من المهاجرين قد وجدوا على عمرفي إدنائه ابن عباس دونهم قال: وكان

стр. 4299

يسأله فقال عمر: أما إني سأريكم اليوم منه ما تعرفون فضله، فسألهم عن هذه الصورة: " إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا " قال بعضهم: أمر الله نبيه إذا رأى الناس يدخلون في دين الله أفواجاً أن يحمدوه ويستغفروه. قال: فقال عمر: يا بن عباس، ألا تكلم قال: فقال: أعلمه من يموت. قال: " إذا جاء نصر الله والفتح " وفي رواية: والفتح فتح مكة " ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا " فهي آيتك من الموت: فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا " قال: ثم سألهم عن ليلة القدر فأكثروا فيها. فقال بعضهم: كنا نرى أنها في العشر الأوسط، ثم بلغنا أنها في العشر الأواخر، قال: فأكثروا فيها، فقال بعضهم: ليلة إحدى وعشرين، وقال بعضهم: ثلاث وعشرين، وقال بعضهم: سبع وعشرين، فقال بعضهم لابن عباس: ألا تكلم! قال: الله أعلم. قال: قد نعلم أن الله أعلم، إنما نسألك عن علمك فقال ابن عباس: الله وتر يحب الوتر، خلق من خلقه سبع سموات فاستوى عليهن، وخلق الأرض سبعاً، وخلق عدة الأيام سبعاً، ورمي الجمار سبعاً، وبين الصفا والمروى سبعاً، وخلق الإنسان من سبع، وجعل رزقه من سبع. قال: فقال عمر: وكيف خلق الإنسان من سبع، وجعل رزقه من سبع فقد فهمت من هذا الأمر ما فهمته؟ قال ابن عباس: إن الله يقول: " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين " حتى بلغ إلى قوله: " فتبارك الله أحسن الخالقين " قال: ثم قرأ: " أنا صببنا الماء صباً ثم شققنا الأرض شقاً فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً وحدائق غلباً وفاكهة وأباً " وأما السبعة فلبني آدم، وأما الأب فما أنبتت الأرض للأنعام، وأما ليلة القدر فما نراها إن شاء الله إلا ليلة ثلاث وعشرين يمضين وسبع بقين. وعن ابن عباس قال: كان عمر يجلس مع الأكابر من أصحاب محمد، ويقول لي: لا تكلم حتى يتكلموا، ثم

стр. 4300

يسألني، ثم يقبل عليهم فيقول: ما يمنعكم أن تأتونيبمثل ما يأتيني به هذا الغلام الذي لم تستو شؤون رأسه؟! وفي حديث آخر عن ابن عباس قال: كان عمر بن الخطاب يأذن لأهل بدر، ويأذن لي معهم. فقال بعضهم: يأذن لهذا الفتى معنا ومن أبنائنا من هو مثله، فقال عمر: إنه ممن قد علمتم. قال: فأذن لهم ذات يوم، وأذن لي معهم فسألهم عن هذه السورة: " إذا جاء نصر الله والفتح " وساق الحديث بمعنى ما تقدم. وعن الزهري قال: قال المهاجرون لعمر: ألا ندعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟ قال: ذاكم فتى الكهول، إن له لساناً سؤولاً وقلباً عقولاً. وعن ابن عباس قال: قدم على عمر رجل، فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: يا أمير المؤمنين، قرأ منهم القرآن كذا وكذا، فقال ابن عباس: والله ما أحب أن يسارعوا يومهم هذا في القرآن هذه المسارعة. قال: فزبرني عمر ثم قال: مه، قال: فانطلقت إلى منزلي مكتئباً حزيناً، فقلت: قد كنت نزلت من هذا الرجل بمنزلة ما أراني إلا أني قد سقطت من نفسه، قال: فرجعت إلى منزلي فاضطجعت على فراشي حتى عادني نسوة أهلي وما بي وجع، وما هو إلا الذي نقلني به عمر، قال: فبينا أن كذلك إذ أتاني رجل فقال: أجب أمير المؤمنين، قال: فخرجت فإذا هو قائم قريباً ينتظرني، فأخذ بيدي ثم خلا بي فقال: ما كرهت مما قال الرجل؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين، إن كنت أسأت فأستغفر الله وأتوب إليه، وأنزل حيث أحببت، قال: لتحدثني ما الذي كرهت مما قال الرجل، فقلت: يا أمير المؤمنين إنهم متى سارعوا هذه المسارعة يحتقوا ومتى يحتقوا اختلفوا، ومتى اختلفوا يقتتلوا، قال: لله أبوك، والله لقد كنت أكاتمها الناس حتى جئت بها.

стр. 4301

وعن أبي الزناد: أن عمر بن الخطاب دخل على ابن عباس يعوده وهو يحم، فقال له عمر: أخل بنا مرضك، فالله المستعان. وعن عبد الله بن عباس قال: قال لي أبي: إن عمر بن الخطاب يدنيك فاحفظ عني ثلاثاً: لا تشفين له سراً، ولا تغتابن عنده أحداً، ولا يجربن عليك كذباً. قال الشعبي: قلت لابن عباس: كل واحدة خير من ألف. قال: بل خير من عشرة آلاف. وفي حديث آخر: ولا ابتدأته بشيء حتى يسألك عنه، عوضاً عن الكذب. وفي حديث آخر: أن العباس بن عبد المطلب قال لابنه عبد الله بن العباس: يا بني أنت أعلم مني وأنا أفقه منك، إن هذا الرجل يدنيك، يعني: عمر بن الخطاب، فاحفظ عني ثلاثاً الحديث. وعن عطاء بن يسار: أن عمر وعثمان كانا يدعوان ابن عباس فيسير مع أهل بدر، وكان يفتي في عهد عمر وعثمان إلى يوم مات. قال المدائني: قال علي بن أبي طالب في عبد الله بن عباس: إنه ينظر إلى الغيب من ستر رقيق، لعقله وفطنته بالأمور. وعن عكرمة: أن علياً حرق ناساً ارتدوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار، إن رسول الله ﷺ قال: " لا تعذبوا بعذاب الله "، وكنت قاتلهم لقول

стр. 4302

رسول الله ﷺ : " من بدل دينه فاقتلوه "، فبلغ ذلك عليا فقال: ويح ابن أم الفضل إنه لغواص على الهنات. وعن سعد بن أبي وقاص قال: ما رأيت أحداً أحضر فهماً، ولا ألب لباً، ولا أكثر علماً، ولا أوسع حلماً من ابن عباس. ولقد رأيت عمر بن الخطاب يدعوه للمعضلات ثم يقول: عندك، قد جاءتك معضلة، ثم لا يجاوز قوله، وإن حوله لأهل بدر من المهاجرين والأنصار. وعن مسروق قال: قال عبد الله: لو أن ابن عباس أدرك أسناننا ما عاشره منا أحد. وفي رواية عنه قال: لوأن هذا الغلام من بني عبد المطلب أدرك ما أدركنا ما تعلقنا منه بشيء. سألت امرأة ابن عمر عن مسألة فقال: ائتي ابن عباس، فإنه أعلم الناس بما أنزل الله على محمد ﷺ . وعن ابن عمر: أن رجلاً أتاه يسأله عن " السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناها "، قال: اذهب إلى ذلك الشيخ فسله ثم تعال فأخبرني ما قال. فذهب إلى ابن عباس فسأله، فقال ابن عباس: كانت السموات رتقاً لا تمطر، وكانت الأرض رتقاً لا تنبت، ففتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات. فرجع الرجل إلى ابن عمر، فأخبره، فقال: إن ابن عباس قد أوتي علماً. صدق، هكذا كانت، ثم قال ابن عمر: قد كنت أقول: ما تعجبني جرأة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن قد علمت أنه قد أوتي علماً. ولما مات ابن عباس قال جابر بن عبد الله لما بلغه موته، وصفق بإحدى يديه على الأخرى: مات أعلم الناس، وأحلم الناس، ولقد أصيبت به هذه الأمة مصيبة لا ترتق.

стр. 4303

ولما مات ابن عباس قال رافع بن خديج: مات اليوم من كان يحتاج إليه من بين المشرق والمغرب في العلم. وعن عائشة ﵂ قالت: ابن عباس أعلم الناس بالحج. قال الشعبي: ركب زيد بن ثابت، فأخذ ابن عباس بركابه، فقال: لا تفعل يابن عم رسول الله ﷺ قال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، فقال له زيد: أرني يديك، فأخرج يديه فقبلهما، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا. وعن ابن عباس قال: نحن أهل البيت شجرة النبوة، ومختلف الملائكة، وأهل بيت الرسالة، وأهل بيت الرحمة، ومعدن العلم. وعن ابن عباس قال: لو كان المهدي في زماني لكنته، ولكنه في آخر الزمان، رجل من ولدي، أو قال مني. وعن عكرمة قال: قال كعب الأخبار: مولاك رباني هذه الأمة هو أعلم من مات ومن عاش. قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: ما رأيت أحداً كان أعلم بالسنة ولا أجلد رأياً، ولا أثقب نظراً حين ينظر من ابن عباس، وإن كان عمر بن الخطاب يقول له: لقد طرأت علينا عضل أقضية أنت لها، ولا منا لها، ثم يقول عبيد الله: وعمر عمر في جده في ذات الله وحسن نظره للمسلمين. وعنه قال: كان ابن عباس قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبقه، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه،

стр. 4304

وحلم ونسب ونائل. ما رأيت أحداً كان أعلم بما سبقه من حديث النبي ﷺ منه، ولا بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه، ولا أفقه في رأي منه، ولا أعلم بشعر ولا عربية، ولا بتقسيم القرآن، ولا بحساب، ولا بفريضة منه، ولا أعلم بما مضى، ولا أثقب رأياً فيما احتيج إليه منه. ولقد كان يجلس يوماً ما يذكر فيه إلا الفقه، ويوماً التأويل، ويوماً المغازي، ويوماً الشعر، ويوماً أيام العرب. وما رأيت عالماً قط جلس إليه إلا خضع له، وما رأيت سائلاً قط سأله إلا وجد عنده علماً. وقال عطاء: ما رأيت مجلساً قط كان أكرم من مجلس ابن عباس، أكثر علماً وأعظم جفنة، وإن أصحاب القرآن عنده يسألونه، وأصحاب النحو عنده يسألونه، وأصحاب الشعر عنده يسألونه، وأصحاب الفقه عنده يسألونه، كلهم يصدرهم في واد واسع. وقال عطاء: كان أناس يأتون ابن عباس في الشعر والأنساب، وناس لأيام العرب ووقائعها، وناس للعلم، فما منهم من صنف إلا يقبل عليهم بما شاؤوا. وعن طاوس قال: كان ابن عباس قد سبق على الناس في العلم كما تبسق النخلة السحوق على الودي الصغار. وعن طاوس قال: ما رأيت أحداً خالف ابن عباس قط فتركه حتى يقرره. وعن ليث بن أبي سليم قال: قلت لطاوس: لزمت هذا الغلام يعني ابن عباس، وتركت الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ إذا تدارؤوا في أمر صاروا إلى قول ابن عباس.

стр. 4305

وعن طاوس قال: أدركت خمسين أو سبعين من أصحاب رسول الله ﷺ إذا سئلوا عن شيء فخالفوا ابن عباس لا يقومون حتى يقولوا: هو كما قلت، أو صدقت. وعن ليث قال: قال لي طاوس: ما تعلمت من شيء فتعلم لنفسك، فإن الناس قد ذهبت منهم الأمانة. قال: وما رأيت رجلاً أعلم من ابن عباس ولا رأيت رجلاً أورع من ابن عمر. قال: وكان طاوس يعد الحديث حرفاً حرفاً. وعن مجاهد قال: ما رئي مجلس ابن عباس. ولقد مات يوم مات، وإنه لحبر هذه الأمة. وفي رواية: وما رأيت مثله قط أو قال: ما سمعت إلا أن يقول رجل: قال رسول الله ﷺ . وقال مجاهد: كان عبد الله بن العباس أمدهم قامة، وأعظمهم جفنة، وأوسعهم علماً. ولو شاء أن أبكي كلما ذكرته بكيت. قال: وكان ابن عباس يسمى البحر، لكثرة علمه. وعن مجاهد قال: كنا نفخر على الناس بأربعة: نفخر بفقيهنا، ونفخر بقاضينا، ونفخر بقارئنا ونفخر بمؤذننا: فأما فقيهنا فابن عباس، وأما قاضينا فعبيد بن عمير، وأما قارئنا فعبد الله بن السائب، وأما مؤذننا فأبو محذورة. قال مجاهد: كان ابن عباس إذا فسر الشيء رأيت عليه نوراً.

стр. 4306

وقال: ما رأيت أحداً قط أعرب لساناً من ابن عباس. وعن عمرو بن دينار قال: ما رأيت مجلساً قط أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس، للحلال والحرام وتفسير القرآن والعربية والطعام، قال أبو هلال: ولا أراه إلا قال: والشعر. وقال عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين: ما رأيت بيتاً كان أكثر طعاماً ولا شراباً ولا فاكهة ولا علماً من بيت عبد الله بن عباس. وقال الضحاك: ما رأيت بيتاً أكثر خبزاً ولحماً وعلماً من بيت ابن عباس. قال أبو صالح: لقد رأيت في ابن عباس مجلساً لو أن جميع قريش فخرت به لكان لها فخراً. لقد رأيت الناس اجتمعوا حتى ضاق بهم الطريق، فما كان أحد يقدر على أن يجيء ولا أن يذهب. قال: فدخلت عليه فأخبرته بمكانهم على بابه، فقال: ضع لي وضوءاً قال: فتوضأ وجلس وقال: اخرج فقل لهم: من كان يريد أن يسأل عن القرآن وحروفه، وما أراد منه فليدخل وقال: فخرجت، فأذنتهم، فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم عنه وزادهم مثلما سألوا عنه أو أكثر، ثم قال: إخوانكم. قال: فخرجوا، ثم قال: اخرج فقل: من أراد أن يسأل عن تفسير القرآن أو تأويله فليدخل. قال: فخرجت فأذنتهم فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به، وزادهم مثلما سألوا عنه أو أكثر، ثم قال: إخوانكم. قال: فخرجوا فقلت لهم. قال: فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به، وزادهم مثله، ثم قال: إخوانكم، قال: فخرجوا، ثم قال: اخرج فقل: من أراد أن يسأل عن الفرائض وما أشبهها فليدخل. قال: فخرجت فأذنتهم، فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم، وزادهم مثله، ثم قال: إخوانكم. قال: فخرجوا، ثم قال:

стр. 4307

اخرج فقل: من أراد أن يسأل عن العربية والشعر والغريب من الكلام فليدخل. قال: فدخلوا حتى ملؤوا البيت والحجرة، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به، وزادهم مثله. قال أبو صالح: ولو أن قريشاً كلها فخرت بذلك لكان فخراً. فما رأيت مثل هذا لأحد من الناس. قال جابر بن زيد: سألت البحر وكان يسمي ابن عباس البحر عن لحوم الحمر، فقرأ هذه الآي " قل لا أجد فيما أوحي غلي محرماً على طاعم يطعمه " إلى آخر الآية. وفي حديث ابن الفرا: عن تحريم الخمر. وهو تصحيف. وعن الحسن: أن ابن عباس كان من الإسلام بمنزل، وكان ابن عباس من القرآن بمنزل. قال: وكان يقوم على منبرنا هذا فيقرأ البقرة وآل عمران فيفسرها آية آية. وكان مثجه غرباً غرباً، وكان عمر إذا ذكره قال: ذاكم فتى الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول. قال أبو بكر الهذلي: دخلت على الحسن بن أبي الحسن، فجلست عنده وهو يصلي، فتذاكرنا آيات من القرآن. فلما انصرف قال: ما كنتم تقولون؟ قلنا: " حم " و" طسم ". قال. فواتح يفتح الله بها القرآن، فقلت له: فإن مولى ابن عباس يقول: كذا وكذا. قال: إن ابن عباس كان من الإسلام بمنزل. وساق بقية الحديث. قوله: كان مثجاً هو من العج والثج: السيلان. يريد أنه يصب الكلام صباً. وعن ميمون بن مهران قال: لو أتيت ابن عباس بصحيفة فيها ستون حديثاً لرجعت ولم تسأله عنها، وسمعتها. قال: يسأله الناس فيكفونك.

стр. 4308

قال عبد الله بن أبي الهذيل: أردت الخروج، فعلم بي أهل الكوفة، فجمعوا مسائل، ثم أتوني بها في صحيفة. فلما قدمت على ابن عباس خرج، فقعد للناس، فما زال يسألونه حتى ما بقي في صحيفتي شيء إلا سألوه عنه. وعن مسروق انه قال: كنا إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، فإذا نطق قلت: أفصح الناس، فإذا تحدث قلت: أعلم الناس. قال ابن أبي ملكية: دخلنا على ابن عباس فقال: إني لم أنم الليل، فقلنا له: لم يا أبا عباس؟ قال: طلع الكوكب ذوالذنب فخشيت أن يطرق الدخان. سلوني عن سورة البقرة، سلوني عن سورة يوسف، فإني قرأت القرآن وأنا صغير. وعن عكرمة قال: كان ابن عباس أعلمهما بالقرآن، وكان علي أعلمهما بالمبهمات، وسئل إسحاق بن إبراهيم الحنظلي عن معنى قول عكرمة: إن ابن عباس أعلم بتفسير القرآن من علي، فقال: لم سمع ابن عباس عامة التفسير من علي فوعاه وجمعه، ثم ضم إليه ما سمعه من غيره مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وعامة أصحاب النبي ﷺ . فلما ضم علم هؤلاء في التفسير إلى علم علي كان أعلم منه بالتفسير. وقد كان النبي ﷺ دعا له فقال ": اللهم علمه الكتاب وفهمه التأويل، وعلي أعلم منه بالمبهمات ومن غيره، فقد شهد عامة التنزيل فروى فيم نزل، وفي أي أمر كان. قال شقيق: خطب ابن عباس وهو على الموسم، فافتتح سورة البقرة، فجعل يقرؤها ويفسر، فجعلت أقول: ما رأيت ولا سمعت كلام رجل مثله. لو سمعت فارس والروم لأسلمت. وفي حديث بمعناه: فقرأ سورة النور. وعن ابن عباس قال: لقد علمت علما من القرآن ما يسألني عنه أحد، لا أدري علمه الناس فلم يسألوا عنه أو لم يعلموها فيسألوا عنها.

стр. 4309

وعن ابن عائشة قال: ما زال ابن عباس يستفيد حتى مات. وكان يقول: ما علمت ما " فاطر " حتى سمعت أعرابياً يخاصم رجلاً في بئر واحدهما يقول: أنا فطرتها، وكنت لا أدري ماء البعل حتى سمعت أعرابياً ينادي آخر يقول: يا بعل الناقة، فعلمت أنه ربها. وعن ابن عباس قال: كل القرآن أعلمه إلا أربع: غسلين، وحناناً، والأواه، والرقيم. وعن عبيد الله بن أبي يزيد قال: كان ابن عباس إذا سئل عن شيء، فإن كان في كتاب الله قال به، وإن لم يكن في كتاب الله وكان رسول الله ﷺ فيه شيء قال به، فإن لم يكن رسول الله ﷺ فيه شيء قال بما قال به أبو بكر وعمر، فإن لم يكن لأبي بكر وعمر، فيه شيء قال برأيه. وعن القاسم بن محمد قال: ما رأيت في مجلس ابن عباس باطلاً قط. وعن سفيان بن عيينة قال: علماء الأزمنة ثلاثة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، وسفيان الثوري في زمانه. ورد صعصعة بن صوحان على علي بن أبي طالب من البصرة، فسأله عن عبد الله بن عباس، وكان على خلافته بها، فقال صعصعة: يا أمير المؤمنين، إنه آخذ بثلاث وتارك لثلاث: آخذ بقلوب الرجال إذا حدث، ويحسن الاستماع إذا حدث، وبأيسر الأمرين إذا خولف. تارك للمراء، وتارك لمقاربة اللئيم، وتارك لما يعتذر منه. وعن عبد الله بن بريدة قال: شتم رجل ابن عباس، فقال: إنك تشتمني وفي ثلاث خصال: إني لآتي على الآية من كتاب الله فلوددت أن جميع الناس علموا منها مثل الذي أعلم، وإني لأسمع الحاكم

стр. 4310

من حكام المسلمين يقضي بالعدل فأفرج به ولعلي لا أقاضي إليه أبداً وإني لأسمع بالغيث يصيب الأرض من أرض المسلمين فأفرج به ومالي سائمة أبداً. وعن ابن أبي ملكية قال: صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة، ومن المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، إذا نزل قام ينتظر الليل، فيرتل القرآن حرفاً حرفاً، ويكثر من النشيج قلت: وما النشيج؟ قال: النحيب، البكاء، ويقرأ: " وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ". قال شعيب بن درهم: كان هذا الموضع وأومأ إلى مجرى الدموع من خديه من خدي ابن عباس، مثل الشراك البالي من كثرة البكاء. جاء رجل إلى ابن عباس فقال: يا بن عباس، كيف صومك؟ قال: أصوم الاثنين والخميس، قال: ولم؟ قال: لأن الأعمال ترفع فيها، وأحب أن ترفع أعمالي وأنا صائم. قال معاوية يوماً لعبد الله بن عباس: إنه ضربتني البارحة أمواج القرآن في آيتين لم أعرف تأويلهما، ففزعت إليك، فقال ابن عباس: ما هما؟ فقال معاوية: قول الله : " وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن تقدر عليه " فقلت: يونس رسول الله ظن أنه بقوته إذا أراده، ما ظن هذا مؤمن، وقول الله : " حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا " فقلت سبحان الله! كيف يكون هذا أن يستيئس الرسل من نصر الله، أو
следующие страницы →