Полный текст (10 576 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.
стр. 4621
عبد الملك بإدخاله، فأدخله، وعند رأس عبد الملك ورجليه جاريتان له وضيئتان، فسلم وجلس، فقال له عبد الملك: حاجتك؟ قال: ما لي حاجة إليك، قال: ألم يذكر لي الحاجب أنك شكوت إليه دَيناً عليك، وسألته ذكر ذلك لي؟ قال: ما فعلت وما علي دين، وإني لأيسر منك، قال: انصرف راشداً، فقام، ودعا عبد الملك الحاجب، فقال له: ألم تذكر لي ما شكا إليك ابن أبي عتيق من الدَين؟ قال: بلى، قال: فإنه أنكر ذلك! فخرج إليه الحاجب، فقال: ألم تشكُ إلي دَينك، وذكرت أنك خرجت إلى أمير المؤمنين فيه، وسألتني ذكره له؟ قال: بلى، قال: فما حملك على إنكار ذلك عند أمير المؤمنين؟ قال ابن أبي عتيق: دخلت عليه وقد أجلس الشمس عند رأسه، والقمر عند رجليه ثم قال لي: كن سؤالاً! لا والله ما كان الله تعالى ليرى هذا أبداً! فدخل الحاجب على عبد الملك، فأخبره، فضحك ووهب الجاريتين له، وقضى دينه ووصله.
قال الزبير بن بكار: ومن ولد عبد الرحمن بن أبي بكر: محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وهو أبو عتيق، وابنه: عبد الله الذي يقال له: ابن أبي عتيق، وهو: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق، وكان امرأ صالحاً، وكانت فيه دعابة، وقد سمع من عائشة أم المؤمنين، ودخل عليها في مرضها الذي ماتت فيه، فقال لها: كيف أصبحت يا أمه، جعلني الله فداك؟ فقالت له: أصبحت ذاهبة! فقال: فلا إذاً! وأمه: رميثة بنت الحارث بن حذيفة بن مالك بن ربيعة من بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة.
قال موسى بن عقبة: ما نعلم أربعةً في الإسلام أدركوا هم وأبناؤهم النبي ﷺ إلا هؤلاء الأربعة: أبو قحافة، وأبو بكر وابنه، وابن ابنه عبد الرحمن بن أبي بكر، وأبو عتيق بن عبد الرحمن بن أبي بكر، واسم أبي عتيق: محمد.
стр. 4622
قال أبو نصر الحافظ: عتيق - بفتح العين.
قال عبد الله بن كثير بن جعفر: اقتتل غلمان عبد الله بن العباس، وغلمان عائشة، فأخبرت عائشة بذلك، فخرجت في هودجٍ على بغلةٍ لها، فلقيها ابن أبي عتيق، فقال: أي أمي جعلني الله فداك، أين تريدين؟ قالت: بلغني أن غلماني وغلمان ابن عباس اقتتلوا، فركبت لأصلح بينهم، فقال: يعتق كل ما يملك إن لم ترجعي! فقالت: يا بني، ما حملك على هذا؟ قال: انقضى عنا يوم الجمل حتى تريدين أن تأتينا بيوم البغلة! قال الزبير: وحدثني أبي أن ابن عتيق دخل على أم المؤمنين عائشة وهو مشتمل على قرد، فقال لها: يا أمه، برّكي فيّ، فقالت: بارك الله فيك، قال: وفيما معي، قالت: وفيما معك، فتكشف لها عنه، فغضبت وقالت له: لقد هممت أن أدعو عليك بدعوة تدخل معك قبرك! وجاء ابن عتيق إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب، فقال له: يا أبا عبد الرحمن: من الرمل
ما ترى فيمن قد آلى جاهداً ... حالفاً بالله في قطع الرحم
قال رب الناس: صلها، قال: لا ... مثلما لو قال: لا، قال: نعم
وعبد الله بن عمر يضحك.
كان لرجلٍ على ابن أبي عتيق دين، فتقاضاه، فلما ألح عليه قال: ائتني العشية في مجلس القلادة - وكان مجلس القلادة مجلساً لقريش يتذاركون الفقه وأصناف العلوم - فاسألني عن بيت قريش، فأتاه الغريم في المجلس، فقال: إنا تلاحينا في بيت قريشٍ، ورضيناك حكماً، فقال: أعفني من الكلام في هذا، قال: لا بد من أن تقول، قال: فإن بيت قريش آل حرب بن أمية،
стр. 4623
قال: ثم من؟ قال: ثم آل أبي العاص، قال: وعبد الله بن عباس حاضر، فقال الرجل: فأين بنو عبد المطلب؟ فقال: لم أظنك تسألني عن بيت الملائكة، ومهبط جبريل، إنما ظننتك تسألني عن بيت الآدميين، فأما إذا صرت إلى بيت رسول رب العالمين، وسيد كل شهيدٍ، وعم رسول الله ﷺ ، والطيار في الجنة مع الملائكة فمن يسامي هؤلاء؟ وأي فخر إلا وهو ينقطع دونهم؟ قال: فجلا عن ابن عباس ما كان فيه، فدعاه بعد ما قام الناس، فقال: ألك حاجة؟ قال: نعم، علي دَين، فقال: قد قضيناه عنك.
وقد رويت الحكاية من وجهٍ آخر فيه الحسن بدل ابن عباس.
قال مروان بن الحكم: بغلة الحسن تعجبني، فقال له ابن أبي عتيق: فإن أخذتها لك تقضي لي أربعين حاجة؟ قال: نعم، قال: فإذا كان العشية فأذن للناس، فإني سأذكر أولية قريش إذا جلس الحسن، ولا أذكر من ناحية الحسن شيئاً، فقل: ما لك لا تذكر أبا محمد؟ قال: فلما كان عشية أذن للناس، فلما أخذوا مجالسهم أفاض ابن أبي عتيق مع مروان يذكر أولية قريش وشرفهم، فقال له مروان: أراك تذكر أولية قريش وشرفهم، ولا أسمعك تذكر أبا محمد، وحظه من ذلك الحظ الوافر؟ فقال له ابن أبي عتيق: إنا كنا في ذكر الأشراف، ولو كنا في ذكر الأنبياء لذكرنا أبا محمد، فلما قام الحسن قام معه ابن أبي عتيق، فلما خرج أضحك الحسن، وأقبل عليه، فقال: ألك حاجة؟ قال: نعم، البغلة، قال: هي لك فأعطاها مروان.
قال عبد الله بن عروة بن الزبير: لقد اشتقت إلى حديث ابن أبي عتيق، وأرسل إليه يقول له: إني قد اشتقت إلى حديثك، فأحب أن تزورني، قال: فقال ابن أبي عتيق للرسول: نعم، قال: فأين تعده؟ قال: الحوض، فرجع الرسول إلى عبد الله بن عروة، فأخبره، فقال: هذا موعد مغمس، ارجع إليه فاسأله أي حوض؟ فرجع إليه، فقال: يقول لك: أي حوض؟ قال: حوض القيامة، فذكر ذلك الرسول لعبد الله بن عروة، فضحك، وقال: قل له: أتعدنا حوضاً لا ترده؟ عن عبد الله بن نافع بن ثابت قال: جلس ابن أبي عتيق مع أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في مجلس للقضاء،
стр. 4624
فخاصمت إلى أبي بكرٍ امرأة منتقبة لها عين حسنة حوراء، فأقبل أبو بكر على ابن أبي عتيق، فقال: ما تقول في أمر هذه؟ فقال: لها عين مظلومةٍ، إلى أن طالت بها الخصومة، فأذلقتها، فكشفت وجهها، فإذا أنفها ضخم قبيح، فقال له أبو بكر: ما تقول في أمرها؟ قال: لها أنف ظالمة، وأبو بكر بن محمد إذ ذاك يلي عمل المدينة، وقضاءها.
عن إبراهيم بن أبي يحيى قال: كنا نعرض على ابن أبي عتيق وهو في المسجد، فربما أغمض فنسكت، فيقول: اقرؤوا ما لكم؟ فنقول: ظنناك نمت، فيقول: لا ولكن مر رجل يثقل علي فغمضت عينيّ.
أنشد منشد لعبد الله بن محمد بن أبي عتيق: من الطويل
وإني لأستحيي من الله أن أرى ... إذا غبت عن ليلى أُسرُّ وأفرح
وأن ترتعي عيناي في وجه غيرها ... أبى ذاك في الحشا ليس يبرح
عن ابن أبي عتيق: أنه مر به رجل ومعه كلب، فقال للرجل: ما اسمك؟ قال: وثاب، قال: فما اسم كلبك؟ قال: عمرو، قال: واخلافاه.
حضر ابن أبي عتيق عمر بن أبي ربيعة وهو ينشد: من الطويل
من كان محزوناً لإهراق دمعةٍ ... وهى عزمها فليأتنا نبكها معا
قال: قد أتيناك، ولا تبرح أو نبكي، فبكى معه.
عن الزبير بن بكار قال: لما قال عمر بن أبي ربيعة القرشي: من الوافر
أحن إذا رأيت جمال سعدى ... وأبكي إن سمعت لها حنينا
стр. 4625
فقد أزف المسير فقل لسعدى ... فديتك خبّري ما تأمرينا
قال: فخرج ابن أبي عتيق حتى أتى الجباب من أرض غطفان، ثم أتى خيمة سعدى، فاستأذن عليها، وأنشدها البيتين، ثم قال: ما تأمرين، قالت: آمره بتقوى الله.
قال عمر بن أبي ربيعة، وهو أول من وصف القوادة بهذين البيتين: من الرمل
فأتتها طبّة عالمة ... تخلط الجد مراراً باللعب
ترفع الصوت إذا لانت لها ... وتطأطي عند سورات الغضب
فقال ابن أبي عتيق: قد طلبنا مثل هذه تصلح أمر الناس يوم قتل عثمان بن عفان فلم نصبها!.
عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أسد
أبو محمد الجهني الأندلسي القرطبي روى عن حمزة بن محمد بن علي بن محمد بن العباس الكناني المصري بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ".
قال أبو محمد بن أسد: أعطيت بوادي القرى ثيابي لامرأةٍ أعرابيةٍ تغسلها، فغسلتها وأتت بها، فدقتها بحذائي بين حجرين وهو تقول: من الرجز
стр. 4626
أعط الأجير أجره وينصرف ... إن الأجير بالهوان معترف
قال: فحفظت عنها الشعر، وزدتها على أجرتها قيراطاً.
قال أبو الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف الفرضي: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أسد الجهني من أهل قرطبة، رحل إلى المشرق سنة اثنتين وأربعمائة، وتوفي يوم السبت لسبع بقين من ذي الحجة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة.
عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن الصامت
أبو هاشم حدث عن أبي لبيد محمد بن إدريس السرخسي بسنده إلى ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: المروءة مروءتان، فللسفر مروءة، وللحضر مروءة، فأما مروءة السفر فبذل الزاد، وقلة الخلاف على الأصحاب، وكثرة المزاح في غير مساخط الله، وأما مروءة الحضر فالإدمان إلى المساجد، وتلاوة القرآن، وكثرة الإخوان في الله.
سنة ست وعشرين وثلاثمائة توفي أبو هاشم بن الصامت.
عبد الله بن محمد بن عبد الغفار
ابن أحمد بن إسحاق بن ذكوان أبو محمد البعلبكي القاضي حدث عن أبي الدحداح بن محمد بن إسماعيل التميمي بسنده عن حبة العرني قال: سمعت علياً يقول: أنا أول من صلى خلف رسول الله ﷺ ، وأول من أسلم مع النبي ﷺ .
стр. 4627
وعن الحسين بن عبد الله البغراسي بسنده عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ".
توفي ابن ذكوان في سنة ثلاثٍ وثمانين وثلاثمائة، وقيل: سنة ثمانين وثلاثمائة.
عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب
ابن نصير بن عبد الوهاب بن عطاء بن واصل أبو سعيد القرشي الرازي الصوفي روى عن محمد بن أيوب الرازي بسنده عن البراء، عن النبي ﷺ قال: " إذا سئل المسلم في القبر فشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، فذلك قول الله : " يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ".
وروى عن أحمد بن عمير بن يوسف الدمشقي بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " من أكل درهم رباً فهو مثل ثلاثةٍ وثلاثين زنيةً ".
توفي أبو سعيد الرازي سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة.
عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب
ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي أبو محمد الهاشمي العقيلي المدني وفد على هشام بن عبد الملك.
стр. 4628
روى عن جابر بن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاهدت في سبيل صابراً محتسباً، مقبلاً غير مدبرٍ حتى أقتل أدخل الجنة؟ قال: " نعم، إلا أن يكون عليك دين ليس عندك له وفاء ".
قدم عبد الله بن محمد بن عقيل على هشام بن عبد الملك فأمر له بأربعة آلاف أو نحوها، فأتى هذا الدير، فنزل فيه، فطُرِق من الليل، فذُهِب بها.
قال عبيد الله بن عمرو: فنهضت أنا وأبو المليح، ورجل آخر يقال له: محمد بن عتبة من أهل الرقة، فجمعنا له مثلها أو نحوها، ثم أتيناه بها، فقال لنا: أي شيءٍ هذه؟ إن كانت صلة قبلتها، وإن كانت صدقةً فلا حاجة لي فيها، لأن رسول الله ﷺ قال: " لا تحل الصدقة لنا - أهل البيت " قلنا: بل هي صلة، قال: فأخذها.
قال مصعب بن عبد الله: انقرض ولد عقيل بن أبي طالب إلا من محمد بن عقيل، كانت عند محمد بن عقيل زينب بنت علي بن أبي طالب، فولدت له: عبد الله بن محمد بن عقيل.
قال محمد بن سعد: كان عبد الله بن محمد بن عقيل منكر الحديث، لا يحتجون بحديثه، وكان كثير العلم.
عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب قال: كنت أنطلق أنا ومحمد بن علي أبو جعفر، ومحمد بن الحنفية إلى جابر بن عبد الله الأنصاري، فنسأله عن سنن رسول الله ﷺ ، وعن صلاته، فنكتب عنه، ونتعلم منه.
стр. 4629
وقال: أتيت الربيع بنت معوذ بن عفراء، وكان رسول الله ﷺ يتوضأ عندها، فأخرجت إلي إناءً يكون مداً أو مداً وربع بمد ابن هشام، فقالت: بهذا كنت أخرج لرسول الله ﷺ الوضوء، فيبدأ، فيغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء - وزاد في رواية في المسح، قال: ثم مسح قرنيه إلى عارضيه حتى بلغ لحيته.
قال سفيان بن عيينة: رأيت ابن عقيل يحدث نفسه، فحملته على أنه قد تغير.
كان مالك لا يروي عن عبد الله بن محمد بن عقيل، ولم يدخله في كتبه، ولم يروِ عنه يحيى ابن سعيد القطان.
وسئل علي بن المديني عن عبد الله بن محمد بن عقيل، فقال: كان ضعيفاً.
وقال يحيى بن معين: لا يحتج بحديثه، وقال: ليس بذاك، ضعيف الحديث.
مات عبد الله بن محمد بن عقيل بالمدينة قبل خروج محمد بن عبد الله بن حسن، وخرج محمد بن عبد الله بن حسن سنة خمسٍ وأربعين ومائة.
أجمعوا على تضعيفه.
عبد الله بن محمد بن علي
ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أبو هاشم العلوي الهاشمي من أهل المدينة، وفد على الوليد بن عبد الملك - ويقال: على سليمان بن عبد الملك - فأدركه أجله بالبقاء في رجوعه، ودفن بالحميمة.
стр. 4630
روى عن أبيه انه سمع أباه علي بن أبي طالب يقول لابن عباس: نهى رسول الله ﷺ عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية.
قال مصعب: كان عبد الله بن محمد يكنى أبا هاشم، وكان صاحب الشيعة، فأوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ودفع إليه كتبه ومات عنده، وقد انقرض ولده إلا من قبل النساء.
قال خليفة: أمه فتاة - يعني أم ولد - توفي سنة ثمان - أو تسع - وتسعين.
قال ابن سعد: كان أبو هاشم صاحب علم ورواية، وكان ثقة قليل الحديث، وكانت الشيعة يلقونه وينتحلونه وكان بالشام مع بني هاشم.
قال البخاري: كان عبد الله يتبع السبائية.
قال عيسى بن علي: مات أبو هاشم بن الحنفية في عسكر الوليد بدمشق، فخالفني مصعب الزبيري وقال: مات بالحِجر من بلاد الثمود.
عن عبد الله بن عياش وجويرية بن أسماء:
أن أبا هاشم عبد الله بن محمد بن علي وفد إلى سليمان بن عبد الملك في حوائج عرضت له، فدخل عليه، فأكرمه سليمان، ورفعه، وسأله، فأجاب بأحسن جواب، وخاطب سليمان بأشياء مما قدم له من أموره، فأبلغ وأوجز، فاستحسن سليمان كلامه
стр. 4631
وأدبه واستعذب ألفاظه، وقال: ما كلمني قرشي قط بشبه هذا، وما أظنه إلا الذي كنا نخبر عنه أنه سيكون منه كذا وكذا، وقضى حوائجه، وأحسن جائزته وصرفه. فتوجه من دمشق يريد فلسطين، فبعث سليمان مولى له أديباً حصيفاً مكراً، فسبق أبا هاشم إلى بلاد لحمٍ وجذام، فواطأ قوماً منهم، فضربوا أبنية على الطريق كهيئة الحوانيت، وبين كل بناء نحو الميل - وأقل وأكثر - وأعدوا عندهم لبناً مسموماً، فلما مر بهم أبو هاشم، وهو راكب بغلةً له جعلوا ينادون: الشراب الشراب، اللبن اللبن، فلما تجاوز عدةً منهم تاقت نفسه إلى اللبن، فقال: هاتوا لبنكم هذا، فناولوه، فلما استقر في جوفه، وتجاوزهم قليلاً أحس بالأمر، وعلم أنه قد اغتيل، فقال لمن معه: أنا والله يا هؤلاء ميت، فانظروا القوم الذين سقوني اللبن من هم؟ فعادوا إليهم، فإذا هم قد طاروا على وجوههم، فذهبوا فقال أبو هاشم: ميلوا بي إلى ابن عمي محمد بن علي بالحميمة، وما أحسبني أدركه، فأغذوا السير، قال: فجدوا في السير حتى أدركوا الحميمة كداً - وهي من الشراة - فنزل على محمد بن علي، فقال: يا بن عم، إني ميت من سم سقيته، وأخبره الخبر، وأعلمه أن هذا الأمر صائر إلى ولده، وأوصاه في ذلك، وعرفه بما تمسك به محمد بن علي، ومات أبو هاشم من ساعته.
وذكر أبو معشر ان الذي سم أبا هاشم الوليد بن عبد الملك.
عبد الله السفاح بن محمد بن علي
ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أبو العابس، أمير المؤمنين ويقال له: المرتضى والقائم ولد بالحميمة من أرض الشراة من ناحية البلقاء، فكان بها إلى أن جاءته الخلافة، وبويع به بالكوفة، وأمه الحارثية، وهي ريطة - ويقال: رائطة - بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان بن الديان، وكانت قبل أن يتزوجها محمد عند عبد الله بن عبد الملك بن مروان.
стр. 4632
حدث عن أخيه إبراهيم بن محمد، بسنده عن علي: أن رسول الله ﷺ ذكر أنه يفد عليه وفدان في يومٍ واحدٍ من السند وإفريقية بسمعهم وطاعتهم، وتلك علامة وفاته.
ولا يعلم أن السفاح روي عنه حديث مسند غير هذا الحديث.
بويع أبو العباس السفاح بالكوفة ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلةً خلت من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ومات بالجدري بالأنبار سنة خمس وثلاثين ومائة، وكان مولده سنة ثمان ومائة، وموته في سنة خمس وثلاثين ومائة يوم الأحد لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة، وهو ابن ثمان وعشرين سنة، وصلى عليه عيسى بن علي، وكانت ولايته أربع سنين وتسعة أشهر وفي تاريخ مولده ووفاته ومدة خلافته خلاف، وكان نقش خاتمه: الله ثقة عبد الله وكان أبو العباس طوالاً، أبيض، أقنى، ذا شعرة جعدةٍ، حسن اللحية جعدها.
عن أبي سعيدٍ قال: قال رسول الله ﷺ : " يخرج عند انقطاعٍ من الزمان، وظهورٍ من الفتن رجل يقال له السفاح فيكون إعطاؤه المال حثياً ".
عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " منا السفاح، ومنا المنصور، ومنا المهدي ".
وعن ابن عباس قال: " والله لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لأدال الله من بني أمية، ليكونن منا السفاح والمنصور والمهدي ".
стр. 4633
عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : " يقتتل عند كنزكم هذا ثلاثة كلهم ولد خليفةٍ، لا تصير إلى واحد منهم، ثم تقبل الرايات السود من خراسان، فيقتلونكم مقتلةً لم تروا مثلها - ثم ذكروا شيئاً - فإذا كان ذلك فأتوه ولو حبواً على الثلج، فإنه خليفة الله - وفي رواية: ثم تجيء الرايات السود، فيقتلونكم قتلاً لم يقتله قوم، ثم يجيء خليفة الله المهدي، فإذا سمعتم به فأتوه فبايعوه، فإنه خليفة الله المهدي ".
عن عائشة أم المؤمنين قالت: قال رسول الله ﷺ : " الحجر الأسود من حجارة الجنة، وزمزم خطفة مقام جبريل ﵇، وسيكون لبني العباس رايةً، فمن تبعها رشد، ومن تخلف عنها هلك، ولن يخرج الأمر منهم إلى غيرهم ".
عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ :
" تخرج رايات سود من قبل خراسان، فلا يردها شيء حتى تنصب بإيلياء ".
عن ابن عباس قال: إني لأرجو ألا تذهب الأيام والليالي حتى يبعث الله منا غلاماً شاباً، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، لم يلبس الفتن، ولم تلبسه الفتن، وإني لأرجو أن يختم الله بنا هذا الأمر كما فتحه، فقال له رجل: يا أبا عباس، عجزت عنها شيوخكم وترجوها لشبابكم؟ قال: إن الله يفعل ما يشاء.
وعن ابن عباس قال: قال حذيفة وكعب: إذا ولي بنوك - يعني الخلافة - لم تخرج منهم حتى يدفعوها إلى عيسى ﵇.
стр. 4634
عن محمد بن علي بن عبد الله قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز، وعنده رجل من النصارى، فقال له عمر بن عبد العزيز: من تجدون الخليفة بعد سليمان؟ قال له النصراني: أنت، قال: فأقبل عمر بن عبد العزيز عليّ، فقال: دمي في ثيابك يا أبا عبد الله! قال محمد بن علي: فلما كان بعد ذلك جعلت ذلك النصراني من بالي، فرأيته يوماً، فأمرت غلامي أن يحبسه عليّ، وذهبت به إلى منزلي، وسألته عما يكون، وقلت له: خلفاء بني مروان واحداً واحداً؟ فعد لي خلفاء بني مروان واحداً واحداً، وتجاوز عن مروان بن محمد، قال محمد بن علي: فقلت له: ثم من؟ قال: ثم ابنك ابن الحارثية، وهو اليوم حمل.
حدثني عبد الله بن المغيرة عن أبيه قال: رأيت أبا العباس حين الجمعة على برذونٍ أشهب قريبٍ من الأرض بين عمه داود بن علي وأخيه أبي جعفر، شاباً جميلاً تعلوه صفرة، فأتى المسجد فصعد المنبر، فتكلم فصعد داود بن علي فقام عتبتين من المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، والله ما علا منبركم هذا خليفة بعد علي بن أبي طالب غير ابن أخي هذا، ووعد الناس، ومناهم.
قال: فقال أبي: ثم إني رأيته الجمعة الثانية كأن وجهه ترس، وكأن عنقه إبريق فضةٍ، وقد ذهبت الصفرة، والله ما كان بينهما إلا أسبوع.
عن سعيد بن سلم الباهلي قال: حدثني من حضر مجلس السفاح، وهو أحشد ما كان ببني هاشم، والشيعة، ووجوه الناس. فدخل عبد الله بن حسن بن حسن ومعه مصحف، فقال: يا أمير المؤمنين، أعطنا حقنا الذي جعله الله لنا في هذا المصحف، قال: فأشفق الناس من أن يعجل السفاح بشيء إليه، فلا يريدون ذلك في شيخ بني هاشم في وقته، أو يعيا بجوابه،
стр. 4635
فيكون ذلك نقصاً له، وعاراً عليه، قال: فأقبل عليه غير مغضب ولا مزعجٍ، فقال: إن جدك علياً - وكان خيراً مني وأعدل - ولي هذا الأمر، فأعطى جديك الحسن والحسين - وكانا خيراً منك - وكان الواجب أن أعطيك مثله؛ فإن كنت فعلت قد أنصفتك، وإن كنت زدتك فما هذا جزائي منك، قال: فما رد عبد الله جواباً، وانصرف والناس يعجبون من جوابه له.
قال يعقوب بن إبراهيم بن سعد: دخل عمران بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع العدوي على أبي العباس في أول وفدٍ وفد عليه من المدينة، فأمروا بتقبيل يده، فتبادروها، وعمران واقف، ثم حياه بالخلافة وهنأه، وذكر حسبه ونسبه، ثم قال: يا أمير المؤمنين إنها والله لو كانت تزيدك رفعةً، وتزيدني من الوسيلة إليك ما سبقني بها أحد؛ وإني لغني عما لا أجر لنا فيه، وعلينا فيه ضعة، قال: ثم جلس. قال: فوالله ما نقص من حظّ أصحابه.
قال ابن النطاح: روينا أن السفاح عمل بيتين ووجه برجلٍ إلى عسكر مروان ليقوم على الجبل ليلاً فيصيح بهما، وينغمس، فلا يوجد، وهما هذان البيتان: من البسيط
يا آل مروان إن الله مهلككم ... ومبدل أمنكم خوفاً وتشريدا
لا عمّر الله من أنسالكم أحداً ... وبثكم في بلاد الخوف تطريدا
قال: ففعل ذلك، فدخلت قلوبهم مخافة.
стр. 4636
قال جعفر بن يحيى: نظر أمير المؤمنين السفاح في المرآة، وكان من أجمل الناس وجهاً، فقال: اللهم إني لا أقول كما قال عبد الملك: أنا الملك الشاب، ولكني أقول: اللهم عمرني طويلاً في يطاعتك مُمتّعاً بالعافية، فما استتم كلامه حتى سمع غلاماً يقول لغلامٍ آخر: الأجل بيني وبينك شهران وخمسة أيامٍ، فتطير من كلامه، وقال: حسبي الله، ولا قوة إلا بالله عليه توكلت وبه أستعين، فما مضت الأيام حتى أخذته الحمى، فجعل يوم يتصل بيوم إلى يوم حتى مات بعد شهرين وخمسة أيام.
عن أبي عبيد الله محمد بن عمران بن موسى قال: قال أبو العباس في علته التي مات فيها، وجسه الطبيب: من مجزوء الكامل
انظر إلى ضعف الحرا ... ك وذله بيد السكون
ينبئك أن بيانه ... هذا مقدمة المنون
وله - وقال له الطبيب: إنك صالح: من الوافر
يبشرني بأني ذو صلاحٍ ... يبين له وبي داء دفين
لقد أيقنت أني غير باقٍ ... ولا شك إذا وضح اليقين
حدث إسحاق بن عيسى بن علي عن أبيه: أنه دخل في أول النهار من يوم عرفة على أبي العباس، وهو في مدينته بالأنبار، قال إسحاق: قال أبي: وكنت قد تخلفت عنه أياماً لم أركب إليه فيها، فعابتني على تخلفي عنه، فأعلمته أني كنت أصوم منذ أول يوم من أيام العشر، فقبل عذري، وقال لي: أنا في يومي هذا صائم، فأقم عندي لتقضيني فيه بمحادثتك إياي ما فاتني من محادثتك
стр. 4637
في الأيام التي تخلفت عني فيها، ثم تختم ذلك بإفطارك عندي، فأعلمته أني أفعل ذلك، فأقمت إلى أن تبينت النعاس في عينيه، قد غلب عليه، فنهضت عنه، واستمر به النوم، فميّلت بين القائلة في داره، وبين القائلة في داري، فمالت نفسي إلى الانصراف إلى منزلي، لأقيل في الموضع الذي اعتدت القائلة فيه، فصرت إلى منزلي، وقلت إلى وقت الزوال، ثم ركبت إلى دار أمير المؤمنين، فوافيت باب الرحبة الخارج، فإذا برجلٍ دحداحٍ، حسن الوجه، مؤتزر بإزارٍ، متردٍّ بآخر، فسلم علي، فقال: هنأ الله الأمير هذه النعمة، وكل نعمة البشرى، أنا وافد أهل السند، أتيت أمير المؤمنين بسمعهم وطاعتهم، وبيعتهم، فما تمالكت سروراً أن حمدت الله على توفيقه إياي في الانصراف رغبةً في أن أبشر أمير المؤمنين بهذه البشرى، فما توسطت الرحبة حتى وافى رجل في مثل لونه وهيئته، وقريب الصورة من صورته، فسلم علي كما سلم الآخر، وهنأني بمثل تهنئته، وذكر أنه وافد أهل إفريقية إلى أمير المؤمنين بسمعهم وطاعتهم، فتضاعف سروري، وأكثرت من حمدي على ما وفقني له من الانصراف، ثم دخلت الدار، فسألت عن أمير المؤمنين، فأخبرت أنه في موضع كان يتهيأ فيه للصلاة، وكان يكون فيه سواكه، وتسريح لحيته، فدخلت إليه وهو يسرح لحيته، فابتدأت بتهنئته، وأعلمته أني رأيت ببابه رجلين، فسقط عليه زمع، وقال: الآخر وافد أهل إفريقية بسمعهم وطاعتهم؟ فقلت: نعم، فوقع المشط من يده، ثم قال: سبحان الله، كل شيءٍ بائد سواه! نعيت والله نفسي.
حدثني إبراهيم الإمام، عن أبي هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب، عن علي بن أبي طالب عن رسول الله ﷺ : " أنه يقدم عليّ في يومٍ واحدٍ في مدينتي هذه وافدان، وافد السند، والآخر وافد إفريقية بسمعهم وطاعتهم، وبيعتهم، فلا تمضي بعد ذلك ثلاثة أيام حتى أموت " وقد أتاني الوافدان، فأعظم الله أجرك يا عم في ابن أخيكّ فقلت له: كلا يا أمير المؤمنين -
стр. 4638
إن شاء الله - قال: بلى - إن شاء الله - لئن كانت الدنيا حبيبةً إليّ فصحة الرواية عن رسول الله ﷺ أحب إليّ منها، والله ما كذبت، ولا كُذبت، ثم نهض، وقال لي: من مكانك حتى أخرج إليك، فما غاب حيناً حتى آذنه المؤذنون بصلاة الظهر، فخرج إلي خادم له، فأمرني بالخروج إلى المسجد، والصلاة بالناس، ففعلت ذلك، ورجعت إلى موضعي حتى آذنه المؤذنون بصلاة العصر، فخرج إلي الخادم، فأمرني بالصلاة بالناس، والرجوع إلى موضعي، ففعلت، ثم آذنه المؤذنون بصلاة المغرب، فخرج الخادم، فأمرني بمثل ما كان أمرني به في صلاة الظهر والعصر، ففعلت ذلك، ثم عدت إلى مكاني، ثم آذنه المؤذنون بصلاة العشاء، فخرج إلي الخادم، فأمرني بمثل ما كان يأمرني به، ففعلت مثل ما كنت أفعل، ولم أزل مقيماً بمكاني إلى أن مر الليل، ووجبت صلاته، فقمت، فتنفلت حتى فرغت من صلاة الليل والوتر إلا بقية بقيت من القنوت، فخرج عند ذلك ومعه كتاب، فدفعه إليّ حين سلمت، فإذا هو معنون مختوم:
" من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين، إلى الرسول والأولياء وجميع المسلمين " وقال: يا عم، اركب في غدٍ، فصل بالناس في المصلى، وانحر، وأخبر بعلة أمير المؤمنين، وأكثر لزومك داره، فإذا قضى نحبه فاكتم وفاته حتى تقرأ هذا الكتاب على الناس، وتأخذ عليهم البيعة للمسمى في هذا الكتاب، فإذا أخذتها، واستحلفت الناس عليها بمؤكدات الأيمان فانعَ إليهم أمير المؤمنين، وجهزه وتول الصلاة عليه، ثم انصرف في حفظ الله، فتأهب لركوبك، فقتل: يا أمير المؤمنين، هل وجدت علة؟ فقال: يا عم، وأي عِلَّةٍ هي أقوى وأصدق من الخبر الصادق عن رسول الله ﷺ ؟ فأخذت الكتاب ونهضت، فما مشيت إلا خطىً حتى هتف بي يأمرني بالرجوع، فرجعت وقال لي: إن الله قد ألبسك كمالاً أكره أن يُحظّك الناس فيه، وكتابي الذي في يديك مختوم، وسيقول من يحسدك على ما جرى على يديك من هذا الأمر الجليل: إنك إنما وفيت للمسمى في هذا الكتاب؛ لأن الكتاب كان مختوماً وقد رأى أمير المؤمنين أن يدفع إليك خاتمه ليقطع بذلك ألسنة الحسدة عنك، فوالله لتفين للمسمى في هذا
стр. 4639
الكتاب، وليَلِيَنَّ الخلافة ما كذبت ولا كُذبت، وانصرف. وتأهبت للركوب فركبت وركب معي الناس حتى صليت بأهل العسكر، ونحرت وانصرفت إليه، فسألته عن خبره، فقال: خبر ما، به الموت لا محالة! فقلت: يا أمير المؤمنين، هل وجدت شيئاً؟ فأنكر عليّ قولي، وكشر في وجهي وقال: يا سبحان الله! أقول لك: إن رسول الله ﷺ قال: " إنه يموت " فتسألني عما أجد؟! لا تعد لمثل هذا الذي كان منك! ثم دخلت إليه عشية يوم العيد، وكان من أحسن من عاينته عيناي وجهاً، فرأيته في تلك العشية وقد حدثت في وجهه وردية لم أكن أعرفها، فزادت وجهه كمالاً، ثم بصرت بإحدى وجنتيه في الحمرة مثل حبة الخردل بيضاء، فارتبت بها، ثم صوبت بطرفي إلى الوجنة الأخرى، فوجدت فيها حبةً أخرى، ثم أعدت نظري إلى الوجنة التي عاينتها بدياً فرأيت الحبة قد صارت ثنتين، ثم لم أزل أرى الحب يزداد حتى رأيت في كل جانب من وجنتيه مقدار الدينار حباً أبيض صغاراً، فانصرفت وهو على هذه الحال.
وغَلّست غداة اليوم الثاني من أيام التشريق فوجدته قد هجر، وذهبت عنه معرفتي ومعرفة غيري، فرحت إليه بالعشي، فوجدته قد صار مثل الزق المنفوخ، وتوفي في اليوم الثالث من أيام التشريق، فسجيّته كما أمرني، وخرجت إلى الناس فقرأت عليهم الكتاب وكان فيه: سلام عليكم، أما بعد فقد قلّد أمير المؤمنين الخلافة عليكم بعد وفاته أخاه، فاسمعوا له وأطيعوا، وقد قلد الخلافة بعد عبد الله: عيسى بن موسى - إن كان.
ثم أخذت البيعة على الناس، وجهزته، وصليت عليه، ودفنته في اليوم الثالث عشر من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة.
стр. 4640
وقيل: كان آخر ما تكلم به عند موته: " الملك لله الحي القيوم، ملك الملوك، وجبار الجبابرة ".
عبد الله بن محمد بن علي
ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم أبو جعفر المنصور بويع له بالخلافة بعد أخيه أبي العباس السفاح، وأمه أم ولد بربرية اسمها سلامة.
روى عن أبيه عن جده عن ابن عباس: أن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه.
كان المنصور حاجاً في وقت وفاة السفاح، فعقد له البيعة بالأنبار عمه عيسى بن علي، وورد الخبر على المنصور في أربعة عشر يوماً، وكان له من السن إذ ذاك إحدى وأربعون سنة وشهور، وكان مولده بالحُميمة سنة خمسٍ وتسعين.
وصفه علي بن ميسرة الرازي فقال: رأيت سنة خمسٍ وعشرين أبا جعفر المنصور بمكة فتىً أسمر رقيق السمرة، موفر اللمة، خفيف اللحية، رحب الجبهة، أقنى الأنف، بيّن القنى، أعين، كأن عينيه لسانان ناطقان، تخالطه أبهة الملوك بزي النساك، تقبله القلوب، وتتبعه العيون، يعرف الشرف في تواضعه، والعتق في صورته، واللب في مشيته.
خرج أبو جعفر المنصور إلى بيت المقدس سنة أربع وخمسين، واستقرى الجزيرة وأجناد الشام مدينةً مدينةً، ودخل دمشق مرتين.
стр. 4641
عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " منا القائم، ومنا المنصور، ومنا السفاح، ومن المهدي، فأما القائم فتأتيه الخلافة ولم يهرق فيها محجمةً من دمٍ، وأما المنصور فلا ترد له راية، وأما السفاح فهو يسفح المال والدم، وأما المهدي فيملؤها عدلاً كما ملئت ظلماً ".
عن سعيد بن جبير قال: كنا عند ابن عباس، فذكرنا المهدي، وكان منضجعاً فاستوى جالساً، فقال: " منا السفاح، ومنا المنصور، ومنا المهدي ".
قالت سلامة أم أمير المؤمنين المنصور: لما حملت بأبي جعفر رأيت كان أسداً خرج من فرجي، فأقعى وزأر وضرب بذنبه، فرأيت الأُسد تقبل من كل ناحية إليه، فكلما انتهى إليه أسد منها سجد له.
حدث أبو سهل بن علي بن نوبخت قال: كان جدنا نوبخت على دين المجوسية، وكان في علم النجوم نهايةً، وكان محبوساً بسجن الأهواز، فقال: رأيت أبا جعفر المنصور وقد أدخل السجن، فرأيت من هيبته وجلالته، وسيماه وحسن وجهه وبنائه ما لم أرَ لأحدٍ قط، قال: فصرت من موضعي إليه، فقلت: يا سيدي، ليس وجهك من وجوه أهل هذه البلاد! فقال: أجل يا مجوسي، قلت: فمن أي بلادٍ أنت؟ فقال: من أهل المدينة، فقلت: أي مدينةٍ؟ فقال: من مدينة الرسول ﷺ ، فقلت: وحق الشمس والقمر إنك لمن ولد صاحب المدينة؟ قال: لا، ولكني من عرب المدينة، قال: فلم أزل أتقرب إليه وأخدمه حتى سألته عن كنيته؟ فقال: كنيتي أبو جعفر، فقلت: أبشر فوحق المجوسية لتملكن جميع
стр. 4642
ما في هذه البلدة حتى تملك فارس، وخراسان، والجبال، فقال لي: وما يدريك يا مجوسي؟ قلت: هو كما أقول، فاذكر لي هذه البشرى، فقال: إن قضي شيء فسوف يكون، قال: قلت: قد قضاه الله من السماء فطب نفساً، وطلبت دواةً، فوجدتها فكتب لي: بسم الله الرحمن الرحيم: يا نوبخت، إذا فتح الله على المسلمين، وكفاهم مؤونة الظالمين، ورد الحق إلى أهله لم نُغفل ما يجب من حق خدمتك إيانا.
قال نوبخت: فلما ولي الخلافة صرت إليه، فأخرجت الكتاب، فقال: أنا له ذاكر، ولك متوقع، فالحمد لله الذي صدق وعده، وحقق الظن، ورد الأمر إلى أهله، فأسلم نوبخت، فكان منجّماً لأبي جعفر.
عن الربيع بن حظيان قال: كنت مع أبي جعفر المنصور في مسجد دمشق عند المقصورة أيام مروان بن محمد، فقال لي: يا ربيع، ترى لهذا الأمر من فرج؟ ثم تذاكرنا الأمر، فقلت: من ترى لهذا الأمر؟ فقال: ما أعرف له أحداً إلا عبد الله بن حسن بن حسن، فقلت: ما هو لها بأهلٍ، لا في فضله، ولا في عقله، قال: لا تقل ذاك يغفر الله لك، إن له برسول الله ﷺ قرابةً قريبة، فقال لي: فأنت من ترى لها؟ فقلت له: أنت؟ ووالله الذي لا إله غيره ما علمت يومئذٍ أحداً أحق بها منه. قال: فلما ولي الخلافة أرسل إليّ، فدخلت عليه فقال لي: يا ربيع الحديث الذي كان بيني وبينك بدمشق تحفظه؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: والله يا ربيع لو نازعني فيها أحد من الناس لضربت ما بين عينيه بالسيف، قال: ثم لم يزل يحادثني ويذاكرني أمر عبد الله بن حسن، وقال: قد وليتك دار الضرب بدمشق، فاخرج إليها.
واستخلف أبو جعفر المنصور - وهو عبد الله الأكبر، ويقال له: عبد الله الطويل الأكبر - يوم توفي العباس بالأنبار، وأبو جعفر يومئذٍ بمكة في الحج، وأنفذ إليه الخبر بذلك، فلقيه الرسول في منصرفه من الحج بمنزلٍ يقال له: صُفَينة، من ناحية طريق
стр. 4643
الجادة، فتفاءل باسم المنزل، وقال: صفت لنا - إن شاء الله - وأغذ السير، ثم قدم الأنبار، وهي يومئذٍ دار الملك، فاستقبل بخلافته المحرم من سنة سبع وثلاثين، فكانت خلافته ثنتين وعشرين سنةً تنقص أياماً، وتوفي بأكناف مكة وهو محرم، وكان يلقب في أيام أبيه مدرك الترات.
ويحكى أن أبا جعفر المنصور كان يرحل في طلب العلم قبل الخلافة، فبينا هو يدخل منزلاً من المنازل قبض عليه صاحب الرصد، فقال: زن درهمين، قال: خل عني؛ فإني من بني أعمام رسول الله ﷺ ، قال: زن درهمين، قال: خل عني، فإني رجل قارئ لكتاب الله، قال: زن درهمين، قال: خل عني فإني رجل عالم بالفقه والفرائض، قال: زن درهمين، قال: فلم أعياه أمرُه وزن الدرهمين، ولزم جمع المال، والتدنيق فيه، فبقي على ذلك بُرهةً من زمانه إلى أن قلد الخلافة، وبقي عليه فصار الناس يبخلونه، فلقب بأبي الدوانيق.
عن الأصمعي قال: قالت أعرابية للمنصور في طريق مكة بعد وفاة أبي العباس: أعظم الله أجرك في أخيك، لا مصيبة على الأمة أعظم من مصيبتك، ولا عوض لها أعظم من خلافتك.
قال المنصور: الخلفاء أربعة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والملوك أربعة: معاوية، وعبد الملك، وهشام، وأنا.
عن مالك بن أنس قال: دخلت على أبي جعفر الخليفة فقال: من أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: فهجم عليّ أمر لم أعلم رأيه، قال: قلت: أبو بكر، وعمر، قال: أصبت، وذلك رأي أمير المؤمنين.
стр. 4644
وأقام الحج أبو جعفر المنصور سنة ست وثلاثين ومائة، وسنة أربعين ومائة، وسنة أربع وأربعين ومائة، وسنة سبع وأربعين ومائة، وسنة اثنتين وخمسين ومائة.
عن إسماعيل الفهري قال: سمعت المنصور في يوم عرفة على منبر عرفة يقول في خطبته: أيها الناس، إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه ورشده، وخازنه على فيئه بمشيئته، أقسمه بإرادته، وأعطيه بإذنه، وقد جعلني الله تعالى عليه قفلاً إذا شاء أن يفتحني لإعطائكم، وقسم أرزاقكم، وإذا شاء أن يقفلني عليه أقفلني، فارغبوا إلى الله تعالى، أيها الناس، وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم فيه من فضله ما أعلمكم به في كتابه إذ يقول: " اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً " أن يوفقني للصواب، ويسددني للرشاد، ويلهمني الرأفة بكم، والإحسان إليكم، ويفتحني لإعطائكم، وقسم أرزاقكم بالعدل عليكم، فإنه سميع مجيب.
عن الأصمعي قال: صعد أبو جعفر المنصور المنبر، فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأؤمن به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فقام إليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، اذكر من أنت في ذكره! فقال أبو جعفر: مرحباً، مرحباً، لقد ذكرت جليلاً، وخوفت عظيماً، وأعوذ بالله من أن أكون ممن إذا قيل له: اتق الله أخذته العزة بالإثم، والموعظة منا بدت، ومن عندنا خرجت، وأنت يا قائلها، فأحلف بالله ما الله أردت بها، وإنما أردت أن يقال: قام، فقال: فعوقب، فصبر، فأهون بها من قائلها، وإياكم - معشر الناس - وأمثالها.
قال أبو الفضل الربعي: حدثني أبي قال: بينما المنصور ذات يومٍ يخطب، وقد علا بكاؤه، إذ قام رجل فقال: يا وصاف،
стр. 4645
تأمر بما تحتقبه، وتنهى عما تركبه؟ بنفسك فابدأ، ثم بالناس. فنظر إليه المنصور وتأمله ملياً، وقطع الخطبة، ثم قال: يا عبد الجبار خذه إليك، فأخذه عبد الجبار، وعاد إلى خطبته حتى أتمها، وقضى الصلاة، ثم دخل ودعا بعبد الجبار، فقال له: ما فعل الرجل؟ قال: محبوس عندنا يا أمير المؤمنين، قال: أملٍ عليه ثم عرض له بالدنيا، فإن صدف عنها، وقلاها فلعمري إنه لمريد، وإن كان كلامه ليقع موقعاً حسناً، وإن مال إلى الدنيا، ورغب فيها إن لي فيه أدباً يزعه عن الوثوب على الخلفاء، وطلب الدنيا بعمل الآخرة.
فخرج عبد الجبار، فدعا بالرجل، وقد دعا بغدائه، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: حق لله كان في عنقي، فأديته إلى خليفته، قال: ادن فكل من هذا الطعام حتى يدعو بك أمير المؤمنين، قال: لا حاجة لي فيها، قال: وما عليك من أكل الطعام؟ إن كانت نيتك حسنةً فلا يفثؤك عنها شيء، فدنا، فأكل فلما أكل طمع فيه، فتركه أياماً، ثم دعاه فقال: لَهِيَ عنك أمير المؤمنين وأنت محبوس، فهل لك في جارية تؤنسك، وتسكن إليها؟ قال: ما أكره ذلك، فأعطاه جاريةً، ثم أرسل إليه: هذا الطعام قد أكلت، والجارية قد قبلت، فهل لك في ثيابٍ تكتسيها، وتكسو عيالك - إن كان لك عيال - ونفقة تستعين بها على أمرك إلى أن يدعو بك أمير المؤمنين؟ قال: ما أكره ذلك، فأعطاه، ثم قال له: ما عليك أن تصنع خلة تبلغ بها الوسيلة من أمير المؤمنين إن أردت الوسيلة عنده، إذا ذكرك، قال: وما هي؟ قال: أوليك الحسبة والمظالم، فتكون أحد عماله، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، قال: ما أكره ذلك، فولاه الحسبة والمظالم، فلما انتهى شهر قال عبد الجبار للمنصور: الرجل الذي تكلم بما تكلم به، فأمرت بحبسه قد أكل من طعام أمير المؤمنين، ولبس من ثيابه، وعاث في نعمته، وصار أحد ولاته، وإن أحب أمير المؤمنين أن أدخله إليه في زي الشيعة فعلت. قال: فأدخله، فخرج عبد الجبار إلى الرجل، فقال: قد دعا بك أمير المؤمنين وقد
стр. 4646
أعلمته أنك أحد عماله على المظالم والحسبة، فادخل عليه في الزي الذي يحب، فدخل، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، قال: وعليك، ألست القائم بنا والواعظ لنا ومذكرنا بأيام الله على رؤوس الملأ؟ قال: نعم، قال: فكيف ملت عن مذهبك؟ قال: يا أمير المؤمنين فكرت في أمري فإذا أنا قد أخطأت فيما تكلمت به، ورأيتني مصيباً في مشاركة أمير المؤمنين في أمانته، فقال: هيهات أخطأت استك الحفرة! هبناك يوم أعلنت الكلام، وظننا أنك أردت الله به، فكففنا عنك! فلما تبين لنا أنك الدنيا أردت جعلناك عظةً لغيرك حتى لا يجترئ بعدك مجترئ على الخلافة، أخرجه يا عبد الجبار، فاضرب عنقه! فأخرجه فقتله.
قال أبو عبيد الله: سمعت المنصور أمير المؤمنين يقول لأمير المؤمنين المهدي: يا أبا عبد الله، إن الخليفة لا يصلحه إلى التقوى، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة، والرعية لا يصلحها إلا العدل، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلاً من ظلم من هو دونه.
وقال له: لا تبرمن أمراً حتى تفكر فيه؛ فإن فكرة العاقل مرآة تريه قبيحه وحسنه.
عن الأصمعي أن المنصور قال لابنه: أي بني ائتدم النعمة بالشكر، والمقدرة بالعفو، والطاعة بالتآلف والنصر بالتواضع والرحمة للناس.
عن المبارك بن فضالة قال: كنا عند أمير المؤمنين المنصور فدعا برجلٍ، ودعا بالسيف، فأخرج المبارك رأسه
стр. 4647
في السماط، فقال: يا أمير المؤمنين، سمعت الحسن يقول: قال رسول الله ﷺ فلما سمعه المنصور يقول: قال رسول الله ﷺ أقبل عليه بوجهه يسمع منه، فقال: قال رسول الله ﷺ : " إذا كان يوم القيامة قام منادٍ من عند الله ينادي: ليقم الذين أجرهم على الله، فلا يقوم إلا من عفا " فقال المنصور: خلوا سبيله، ثم أقبل على جلسائه يخبرهم بعظيم جرمه، وما صنع.
حدث قطن بن معاوية الغلابي قال: كنت ممن سارع إلى إبراهيم، واجتهد معه؛ فلما قتل طلبني أبو جعفر، واستخفيت فقبض أموالي ودوري، فلحقت بالبادية، فجاورت في بني نصر بن معاوية، ثم في بني كلاب، ثم في بني فزارة، ثم في بني سليم، ثم تنقلت في بلاد قيس أجاورهم حتى ضقت ذرعاً، فأزمعت على القدوم على أبي جعفر، والاعتراف له؛ فقدمت البصرة فنزلت في طرفٍ منها، ثم أرسلت إلى أبي عمرو بن العلاء، وكان لي وداً، فشاورته في الذي أزمعت عليه، فقيَّل رأيي، وقال: والله إذا ليقتلنك، وإنك لتعين على نفسك، فلم ألتفت إليه، وشخصت حتى قدمت بغداد، وقد بنى أبو جعفر مدينته، ونزلها، وليس من الناس أحد يركب فيها ما خلا المهدي، فنزلت الخان، ثم قلت لغلماني: أنا ذاهب إلى أمير المؤمنين، فأمهلوا ثلاثاً، فإن جئتكم وإلا فانصرفوا.
ومضيت حتى دخلت المدينة، فجئت دار الربيع، والناس ينتظرونه وهو يومئذٍ داخل المدينة في الشارعة على قصر الذهب، فلم ألبث أن خرج يمشي، فقام إليه الناس، وقمت معهم، فسلمت عليه فرد علي وقال: من أنت؟ قلت: قطن بن معاوية، قال: انظر ما تقول! قلت: أنا هو. فأقبل على مسودةٍ معه، فقال: احتفظوا بهذا. قال: فلما حرست لحقتني ندامةً، وتذكرت رأي أبي عمرو، فتأسفت عليه، ودخل الربيع، فلم يطل حتى خرج خصيّ فأخذ بيدي فأدخلني قصر الذهب، ثم أتى بيتاً حصيناً فأدخلني فيه، ثم أغلق بابه وانطلق فاشتدت ندامتي، وأيقنت بالبلاء،
стр. 4648
وخلوت بنفسي ألومها، فلما كانت الظهر أتاني الخصي بماءٍ، فتوضأت وصليت وأتاني بطعامٍ، فأخبرته أني صائم، فلما كانت المغرب أتاني بماءٍ، فتوضأت وصليت، وأرخى الليل علي سدوله، فيئست من الحياة، وسمعت أبواب المدينة تغلق، وأقفالها تشدد، فامتنع مني النوم، فلما ذهب صدر الليل أتاني الخصي، ففتح عني، ومضى بي فأدخلني صحن دارٍ ثم أدناني من سترٍ مسدولٍ، فخرج علينا خادم، فأدخلنا، فإذا أبو جعفر وحده والربيع قائم في ناحيةٍ، فأكب أبو جعفر هنيهةً مطرقاً، ثم رفع رأسه فقال: هيه! قلت: يا أمير المؤمنين أنا قطن ابن معاوية، قد والله جهدت عليك جهدي؛ فعصيت أمرك، وواليت عدوك، وحرصت على أن أسلبك ملكك؛ فإن عفوت فأهل ذاك أنت، وإن عاقبت فبأصغر ذنوبي تقتلني، قال: فسكت هنيهةً، ثم قال: هيه!؟ فأعدت مقالتي، فقال: فإن أمير المؤمنين قد عفا عنك.
وكتب إلى عامله على البصرة برد جميع ما اصطفى له.
قال الأصمعي: أُتي المنصور برجلٍ يعاقبه على شيءٍ بلغه عنه، فقال: يا أمير المؤمنين الانتقام عدل، والتجاوز فضل، ونحن نعيذ أمير المؤمنين بالله أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين دون أن يبلغ أرفع الدرجتين، فعفا عنه.
ولقي أبو جعفر المنصور أعرابياً بالشام فقال: احمد الله يا أعرابي الذي رفع عنكم الطاعون بولايتنا - أهل البيت - قال: إن الله لم يجمع علينا حشفاً وسوء كيلٍ؛ ولايتكم والطاعون!.
стр. 4649
قال عباد بن كثير لسفيان الثوري: قلت لأبي جعفر المنصور: أتؤمن بالله!؟ قال: نعم، قلت: فحدثني عن الأموال التي اصطفيتموها من أموال بني أمية، فوالله لئن كانت صارت إليهم ظلماً وغصباً لما رددتموها إلى أهلها الذين ظلموا وغُصبوا؟! ولئن كانت الأموال لهم لقد أخذتم ما لا يحل، ولا يطيب، إذا دعيت يوم القيامة بنو أمية بالعدل جاؤوا بعمر بن عبد العزيز، فإذا دعيتم أنتم بالعدل وأنتم أمس رحماً برسول الله ﷺ لم تجيئوا بأحدٍ، فكن أنت ذاك الأحد؛ فقد مضت خلافتك ست عشرة سنةً، وما رأينا خليفةً قبلك بلغ اثنتين وعشرين سنةً، فهبك تبلغها، فما ست سنين تعدل فيها؟! عن النضر بن زرارة قال: أدخل سفيان الثوري على أبي جعفر المنصور أمير المؤمنين، فأقبل عليه أبو جعفرٍ يوبخه، فقال: تُبغِضنا، وتبغض هذه الدعوة، وتُبغِض عِترة رسول الله ﷺ ، قال: وسفيان ساكت يقول: سَلْم، سلم. قال: فلما قضى أبو جعفر كلامه، قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: " ألم تر كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد " إلى قوله: " إن ربك لبالمرصاد " قال: ونكس أبو جعفرٍ رأسه، وجعل ينكت بقضيبٍ في يده الأرض، فقال سفيان: البول البول، قال: قم، قال: فخرج وأبو جعفر ينظر إليه.
عن بكر العابد قال: قال سفيان الثوري لأبي جعفر المنصور.
إني لأعلم رجلاً إن صلح صلحت الأمة، قال: ومن هو؟ قال: أنت.
قال محمد بن منصور البغدادي: قام بعض الزهاد بين يدي المنصور، فقال: إن الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك ببعضها، واذكر ليلة تبيت في القبر لم تبت قبلها ليلةً، واذكر ليلةً تمخّض عن يومٍ لا ليلة بعده.
стр. 4650
قال: فأفحم أبو جعفر من قوله، فقال الربيع: أيها الرجل، إنك قد عممت أمير المؤمنين! فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، هذا صحبك عشرين سنةً لم يرَ لك عليه أن ينصحك يوماً واحداً، ولا عمل وراء بابك بشيءٍ من كتاب الله ﵎، ولا بسنة رسول الله ﷺ ، فأمر له المنصور بمالٍ، فقال: لو احتجت إلى مالك لما وعظتك.
عن عقبة بن هارون قال:
دخل عمرو بن عبيد على أبي جعفرٍ المنصور، وعنده المهدي، بعد أن بايع له ببغداد، فقال له: يا أبا عثمان، عظني، فقال: إن هذا الأمر الذي أصبح في يدك لو بقي في يد غيرك ممن كان قبلك لم يصل إليك، فأحذِّرك ليلةً تمخّض بيومٍ لا ليلة بعده.
عن إسحاق بن الفضل، قال: إني لعلى باب المنصور، وإلى جنبي عمارة بن حمزة إذا طلع عمرو بن عبيد على حماره، فنزل عن حماره، ونحى البساط برجله، وجلس دونه، فالتفت إلي عمارة، فقال: لا تزال بصرتكم، قد رمتنا بأحمق! فما فصل كلامه من فيه حتى خرج الربيع وهو يقول: أبو عثمان عمرو بن عبيد، قال: فوالله ما دل على نفسه حتى أرشد إليه، فاتكأ بيده ثم قال: أجب أمير المؤمنين، جعلني الله فداك، فمر متوكئاً عليه، فالتفت إلى عمارة، فقلت: إن الرجل الذي استحمقت قد دعي وتركنا! فقال: كثيراً ما يكون مثل هذا، فأطال اللبث، ثم خرج الربيع وعمرو متوكئاً عليه، وهو يقول: يا غلام، حمار أبو عثمان! فما برح حتى أقره على سرجه، وضم إليه نشر ثوبه، واستودعه الله، فأقبل عمارة على الربيع فقال: لقد فعلتم اليوم بهذا الرجل فعلاً لو فعلتموه بوليِّ عهدكم لكنتم قد قضيتم حقه! قال: فما غاب عنك والله مما فعله أمير المؤمنين أكثر وأعجب! قال: فإن اتسع لك الحديث فحدثنا فقال: ما هو إلا أن سمع أمير المؤمنين بمكانه، فما أمهل حتى أمر بمجلسٍ ففرش لبوداً، ثم
стр. 4651
انتقل هو والمهدي، وعلى المهدي سواده وسيفه، ثم أذن له، فلما دخل سلم عليه بالخلافة فرد عليه، وما زال يدنيه حتى أتكأه على فخذه، وتخفى به، ثم سأله عن نفسه، وعن عياله، يسميهم رجلاً رجلاً، وامرأةً امرأةً، ثم قال: يا أبا عثمان عظني، فقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: " والفجر، وليالٍ عشر، والشفع والوتر، والليل إذا يسر، هل في ذلك قسم لذي حجر، ألم تر كيف فعل ربك بعادٍ، إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد، الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب، إن ربك - يا أبا جعفر - لبالمرصاد " قال: فبكى بكاءً شديداً، كأنه لم يسمع تلك الآيات إلا تلك الساعة، ثم قال: يا أبا عثمان، هل من حاجة؟ قال: نعم، قال: وما هي؟ قال: لا تبعث إلي حتى آتيك، قال: إذاً لا نلتقي، قال: عن حاجتي سألتني! قال: فاستخلفه الله وودعه، ونهض، فلما ولى أمده بصره وهو يقول: مجزوء الكامل
كلكم يمشي رويد ... كلكم يطلب صيدْ
غير عمرو بن عبيد
عن عبد السلام بن حرب قال: قدم أبو جعفر المنصور البصرة، فنزل عند الجسر، فبعث إلى عمرو بن عبيد، فجاءه، فأمر له بمالٍ، فأبى أن يقبله، فقال المنصور: والله لتقبلنه، فقال: لا والله لا أقبله، فقال له المهدي: يحلف عليك أمير المؤمنين، فتحلف ألا تقبله! فقال: أمير المؤمنين أقوى على كفارة اليمين من عمك، فقال المنصور: يا أبا عثمان، علمت أني جعلت هذا ولي عهدي؟ قال: يا أمير المؤمنين يأتيه الأمر يوم يأتيه وأنت مشغول.
стр. 4652
عن عبد الله بن صالح قال: كتب أبو جعفر إلى سوار بن عبد الله قاضي البصرة: انظر الأرض التي يخاصم فيها فلان القائد فلاناً التاجر، فادفعها إلى فلانٍ القائد.
فكتب إليه سوار: إن البينة قد قامت عندي أنها لفلانٍ التاجر، فلست أخرجها من يديه إلا ببينة. فكتب إليه أبو جعفر المنصور: والله الذي لا إله إلا هو لتدفعنها إلى فلان القائد! فكتب إليه سوار: والله الذي لا إله إلا هو لا أخرجتها من يد فلانٍ التاجر إلا بحق! فلما جاءه الكتاب قال أبو جعفر: ملأتها والله عدلاً، صار قضاتي يردوني إلى الحق.
قالوا: شُكي سوار بن عبد الله القاضي إلى أبي جعفر المنصور، وأُثني عليه عنده شراً، قال: فاستقدمه، فلما قدم دخل عليه، فعطس المنصور، فلم يشمته سوار، فقال: ما يمنعك من التشميت؟ قال: لأنك لم تحمد الله، فقال: حمدت في نفسي، قال: فقد شمتك في نفسي، فقال: ارجع إلى عملك، فإنك إذا لم تحابني لم تحاب غيري.
عن نمير المدني قال:
قدم علينا أمير المؤمنين المنصور المدينة، ومحمد بن عمران الطلحي على قضائه، وأنا كاتبه، فاستعدى الجمالون على أمير المؤمنين في شيءٍ ذكروه، فأمرني أن أكتب إليه كتاباً بالحضور معهم، وإنصافهم، فقلت: تعفيني من هذا، فإنه يعرف خطي، فقال: اكتب! فكتبت، ثم ختمه، فقال: لا يمضي به والله غيرك، فمضيت به إلى الربيع وجعلت أعتذر إليه، فقال: لا عليك فدخل عليه بالكتاب، ثم خرج الربيع فقال للناس: - وقد حضر وجوه أهل المدينة والأشراف وغيرهم - إن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام، ويقول لكم: إني قد دعيت إلى مجلس الحكم، فلا أعلمن أحداً قام إليّ، إذا خرجت أو تدانى بالسلام، ثم خرج المسيب بين يديه، والربيع، وأنا خلفه، وهو في إزارٍ ورداء، فسلم على الناس، فما قام إليه أحد، ثم مضى حتى بدأ بالقبر، فسلم على
стр. 4653
رسول الله ﷺ ، ثم التفت إلى الربيع، فقال: يا ربيع، ويحك! أخشى إن رآني ابن عمران أن يدخل قلبه لي هيبة، فيتحول عن مجلسه، وبالله لئن فعل لا ولي ولايةً أبداً! فلما رآه وكان متكئاً أطلق رداءه عن عاتقه ثم احتبى به، ودعا بالخصوم والجمالين، ثم دعا بأمير المؤمنين، ثم ادعى عليه القوم، فقضى لهم عليه، فلما دخل الدار قال للربيع: اذهب فإذا قام وخرج من عنده من الخصوم فادعه، فقال: يا أمير المؤمنين ما دعا بك إلا بعد أن فرغ من أمر الناس جميعاً، فلما دخل عليه سلم، فقال: جزاك الله عن دينك، وعن نبيك، وعن حسبك، وعن خليفتك أحسن الجزاء، قد أمرت لك بعشرة آلاف دينارٍ فاقبضها، وكانت عامة أموال محمد بن عمران من تلك الصلة.
قال المعلى بن أيوب: دخل رجل على المنصور، فقال له: ما مالك؟ فقال: ما يكف وجهي، ويعجز عن بر الصديق، فقال المنصور: لقد تلطف للسؤال، ووصله.
قال محمد بن يزيد المبرد: دخل أعرابي على المنصور، فكلمه بكلام أعجبه، فقال له المنصور: سل حاجتك، فقال: ما لي حاجة يا أمير المؤمنين، فأطال الله عمرك، وأنعم على الرعية بدوام النعمة عليك، قال: ويحك! سل حاجتك؛ فإنه لا يمكنك الدخول علينا كلما أردت، ولا يمكننا أن نأمر لك كلما دخلت، قال: ولِمَ يا أمير المؤمنين وأنا لا أستقصر عمرك، ولا أغتنم مالك؟ وإن العرب لتعلم في مشارق الأرض ومغاربها أن مناجاتك شرف، وما للشريف عنك منحرف، وإن عطاءك لزين، وما مسألتك بنقصٍ ولا شين، فتمثل المنصور بقول الأعشى: من البسيط
стр. 4654
فجربوه فما زادت تجاربهم ... أبا قدامة إلا المجد والفنعا
ثم قال: يا غلام أعطه ألف دينار.
قال محمد بن حفص العجلي: ولد لأبي دلامة ابنة فغدا على أبي جعفر المنصور فقال له: يا أمير المؤمنين، إنه ولد لي الليلة ابنة، قال: فما سميتها؟ قال: أم دلام، قال: وأي شيءٍ تريد؟ قال: أريد أن يعينني عليها أمير المؤمنين، ثم أنشده: من البسيط
لو كان يقعد فوق الشمس من كرمٍ ... قوم لقيل اقعدوا يا آل عباس
ثم ارتقوا في شعاع الشمس كلكم ... إلى السماء، فأنتم أكرم الناس
قال: فهل قلت فيها شيئاً؟ قال: نعم قلت: من الوافر
فما ولدتك مريم أم عيسى ... ولم يكفلك لقمان الحكيم
ولكن قد تضمك أم سوءٍ ... إلى لباتها وأن لئيم
قال: فضحك أبو جعفر ثم أخرج أبو دلامة خريطة من خرق، فقال: ما هذه؟ قال: يا أمير المؤمنين أجعل فيها ما تحبوني به، قال: املؤوها له دراهم، فوسعت ألفي درهم.
عن بعض الهاشميين قال: كنت جالساً عند المنصور بإرمينية، وهو أميرها لأخيه أبي العباس، وقد جلس للمظالم، فدخل عليه رجل، فقال: إن لي مظلمةً، وإني أسألك أن تسمع مني مثلاً أضربه قبل أن أذكر مظلمتي، قال: قل، قال: إني وجلت لله ﵎؛ خلق الخلق
стр. 4655
على طبقَاتٍ، فالصبي إذا خرج إلى الدنيا لا يعرف إلا أمه، ولا يطلب غيرها، فإذا فزع من شيءٍ لجأ إليها، ثم يرتفع عن ذلك طبقةً، فيعرف أن أباه أعز من أمه، فإن أفزعه شيء لجأ إلى أبيه، ثم يبلغ، ويستحكم، فإن أفزعه شيء لجأ إلى سلطانه، فإن ظلمه ظالم انتصر به، فإذا ظلمه السلطان لجأ إلى ربه، واستنصره، وقد كنت في هذه الطبقات وقد ظلمني ابن نهيك في ضيعةٍ لي في ولايته، فإن نصرتني عليه، وأخذت بمظلمتي وإلا استنصرت إلى الله ولجأت إليه، فانظر لنفسك أيها الأمير، أو دع!
فتضاءل أبو جعفر، وقال: أعد علي الكلام؟ فأعاده، فقال: أما أول شيءٍ فقد عزلت ابن نهيك عن ناحيته، وأمر برد ضيعته.
قيل لأبي جعفر المنصور: هل بقي لذات الدنيا شيء لم تنله؟ قال: بقيت خصلة؛ أن أقعد في مصطبةٍ وحولي أصحاب الحديث، يقول المستملي: من ذكرت - رحمك الله -؟ قال: فغدا عليه الندماء، وأبناء الوزير بالمحابر والدفاتر فقال: لستم به، إنما هم الدنسة ثيابهم، المشققة أرجلهم، الطويلة شعورهم برد الآفاق ونقلة الحديث.
عن محمد بن سلام والزيادي قالا: اجتمع جماعة من أهل العلم عند المنصور فيهم عمرو بن عبيد، فسأل المنصور عمرو بن عبيد عن الحديث: " فيمن اقتنى كلباً لغير زرعٍ، ولا حراسة، إنه ينقص كل يومٍ من أجره قيراط " فقال له عمرو بن عبيد: هكذا جاء الحديث، قال المنصور: خذها بحقها؛ إنما قيل ذلك لأنه ينبح الضيف، ويروّع السائل، ثم أنشد: من الكامل
стр. 4656
أعددت للضيفان كلباً ضارياً ... عندي، وفضل هراوةٍ من أرزن
ومعاذراً كذباً، ووجهاً باسراً ... وتشكياً عض الزمان الألزن
قال: فما بقي أحد في المجلس إلا كتب عن المنصور.
قال أبو العيناء: دخل المنصور من باب الذهب، فإذا ثلاثة قناديل مصطفة، فقال: ما هذا؟ أما واحد من هذا كان كافياً؟ يقتصر من هذا على واحدٍ، فلما أصبح أشرف على الناس وهم يتغدون، فرأى الطعام قد خف من بين أيديهم من قبل أن يشبعوا، فقالوا: يا غلام، علي بالقهرمان، قال: ما لي رأيت الطعام قد خف من بين أيدي الناس قبل أن يشبعوا؟ قال: يا أمير المؤمنين، رأيتك قد قدرت الزيت فقدرت الطعام، قال: فقال: وأنت لا تفرق بين زيتٍ يحترق في غير ذات الله، وهذا طعام إذا فضل فضل وجدت له آكلاً! ابطحوه، فبطحوه فضربه سبع دررٍ.
عن الربيع الحاجب قال: لما مات المنصور قال لي المهدي: يا ربيع، قم بنا حتى ندور في خزائن أمير المؤمنين، قال: فدرنا فوقعنا على بيتٍ فيه أربعمائة حبٍّ مطينة الرؤوس، قال: فقلنا: ما هذه؟ قيل: هذه فيها أكباد مملحة، أعدها المنصور للحصار.
عن يونس قال: كتب زياد بن عبيد الله الحارثي إلى المنصور يسأله الزيادة في عطائه وأرزاقه، وأبلغ في كتابه فوقّع المنصور في القصة: إن الغنى والبلاغة إذا اجتمعا في رجلٍ أبطراه، وأمير المؤمنين يشفق عليك من ذلك، فاكتف بالبلاغة.
стр. 4657
قال المنصور: إذا مد إليك عدوك يده، فإن قدرت على قطعها وإلا قبلها.
عن محمد بن سلام قال: رأت جارية للمنصور قميصه مرقوعاً، فقالت: خليفة وقميصه مرقوع؟! فقال: ويحك! أما سمعت ما قال ابن هرمة: من الكامل
قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه ... خلق، وجيب قميصه مرقوع
لما قتل المنصور أبا مسلم قال وهو طريح بين يديه: من الوافر
قد اكتنفتك خلات ثلاث ... جلبن عليك محتوم الحمام
خلافك وامتناعك من يميني ... وقودك للجماهير العظام
وله لما عزم على قتله: من الطويل
إذا كنت ذا رأيٍ فكن ذا عزيمةٍ ... فإن فسادها الرأي أن تترددا
ولا تمهل الأعداء يوماً بقُدرةٍ ... وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا
قال الربيع الحاجب: حججت مع المنصور أبي جعفر، فلما كنا بالقادسية، قال لي: يا ربيع، إني مقيم بهذا المنزل ثلاثاً، فناد في الناس، فناديت، فلما كان من الغد قال لي: يا ربيع، أجمت المنزل، فناد بالرحيل، فقلت: ناديت أمس أنك مقيم بهذا المنزل ثلاثاً، وترحل الساعة!؟ قال: أجمت المنزل، فرحل، ورحل الناس، وقربت له ناقة ليركب، وجاؤوه بمجمرٍ ليتبخر، فقمت بين يديه، فقال: ما عندك؟ فقلت: رحل الناس، فأخذ فحمة من المجمر، فبلها بريقه، وقام إلى الحائط، فجعل يكتب على الحائط بريقه
стр. 4658
حتى كتب أربعة أسطرٍ، ثم قال: اركب يا ربيع، فكان في نفسي هم لأعلم ما كتب، ثم حججنا، فكان من أمر وفاته ما كان، ثم رجعت من مكة، فبسط لي في الموضع الذي بسط له فيه في القادسية، فدخلت وفي نفسي أن أعلم ما كتب على الحائط، فإذا هو قد كتب على الحائط: مجزوء الكامل
المرء يأمل أن يعي ... ش وطول عمرٍ قد يضره
تبلى بشاشته ويب ... قى بعد حلو العيش مره
وتخونه الأيام حت ... ى لا يرى شيئاً يسره
كم شامتٍ بي إن هلك ... ت وقائلٍ لله دره
وقال: لما مرض أمير المؤمنين المنصور بالله مرضه الذي مات فيه بمكة أتيته يوماً وهو وحده، فنظر إلى القبلة، فرأى فيها كتاباً، فقرأه وقال: يا ربيع، قم بيني وبين القبلة، فإذا الكتابة في صدري، فقال: افتح الباب، فعاد الكتاب إلى القبلة، فقال: ظننت هذا من حيلة الآدميين، وإذا فيه: من الطويل
أبا جعفرٍ حانت وفاتك وانقضت ... سنوك وأمر الله لا بد واقع
أبا جعفرٍ هل كاهن أو منجمٍ ... لك اليوم من ريب المنية دافع
قال طيفور: كان سبب إحرام المنصور من خضراء مدينة السلام أنه نام ليلةً، فانتبه فزعاً، ثم عاود النوم، فانتبه فزعاً ثم راجع النوم، فانتبه فزعاً، فقال: يا ربيع، قال: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: لقد رأيت في منامي عجباً، قال: ما رأيت، جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت كأن آتياً أتاني، فهينم بشيءٍ لم أفهمه، فانتبهت فزعاً، ثم عاودت النوم، فعاودني يقول ذلك الشيء، ثم عاودني يقوله، حتى فهمته، وحفظته، وهو: من الطويل
стр. 4659
كأني بهذا القصر قد باد آهله ... وعري منه أهله ومنازله
وصار رئيس القوم من بعد بهجةٍ ... إلى جدثٍ تبنى عليه جنادله
وما أحسبني يا ربيع إلا قد حانت وفاتي، وحضر أجلي، ومالي غير ربي.
قال بعض أهل العلم: كان آخر ما تكلم به عند الموت أبو جعفر عبد الله بن محمد: اللهم بارك لي في لقائك، وكان نقش خاتمه: الله ثقة عبد الله، وبه يؤمن.
قال فليح بن سليمان: قال لي أبو جعفر سنة حج، فمات فيها: ابن كم أنت؟ قلت: ابن ثلاثٍ وستين، قال: تلك سني، ثم قال: تدري ما كانت العرب تسميها؟ قلت: لا، قال: مدقة الأعناق، ثم مضى فمات فيها.
قال الحكم بن عثمان: قال المنصور أبو جعفر أمير المؤمنين عند موته: اللهم إنك تعلم أني قد ارتكبت من الأمور العظام جرأةً مني عليك، وإنك تعلم أني قد أطعتك في أحب الأشياء إليك، شهادة أن لا إله إلا الله مخلصاً، مناً منك لا مناً عليك، ثم خرجت نفسه.
عن هارون الفروي: حدثني من رأى أبا جعفر محمولاً على السرير ميتاً مكشوف الوجه، وكان مات محرماً، قال: وبصرت برجلٍ أبصره على تلك الحال تمثل هذا البيت: من المتقارب
وافى القبور أبو مالكٍ ... برغم العداة وأوتارها
стр. 4660
ومات أبو جعفر ببئر ميمون يوم السبت لسبع خلون من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، وصلى عليه عيسى بن موسى بن محمد بن علي - ويقال: إبراهيم بن يحيى بن محمد، وكانت خلافته ثنتين وعشرين سنةً، ودفن مكشوف الوجه.
قال أبو شيخ: كنت حاجاً في سنة ثمان وخمسين - وقد حج فيها أبو جعفر - فلما قربنا من مكة رأيت كان رأسي قطع، فأخبرت بذاك عديلي سعيد بن خالد، فقال: الرأس أبو جعفر، ولا أراه إلا يموت، فما مكثنا إلا أياماً حتى مات أبو جعفر.
عبد الله بن محمد بن علي
ابن نفيل بن زراع بن عبد الله بن قيس أبو جعفر النفيلي الحراني روى عن محمد بن سلمة بسنده عن عبد الله بن زمعة بن الأسود قال: لما استعز برسول الله ﷺ وأنا عنده أتاه بلال، فآذنه بالصلاة، فقال: " مروا من يصلي بالناس ".
قال الخطيب في ولد بَصَر - بالباء المعجمة بواحدة -: أبو جعفر النفيلي المحدث، واسمه: عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل، بن زراع بن عبد الله ابن قيس بن عُصُم بن كوز بن هلال بن عصم بن بصر بن زِمّان.
وقال أبو علي التنوخي في نسب تنوخ: وبعض النساب يقول: نصْر - بالنون وبالصاد الساكنة.
следующие страницы →