Полный текст (10 576 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.
стр. 4656
أعددت للضيفان كلباً ضارياً ... عندي، وفضل هراوةٍ من أرزن
ومعاذراً كذباً، ووجهاً باسراً ... وتشكياً عض الزمان الألزن
قال: فما بقي أحد في المجلس إلا كتب عن المنصور.
قال أبو العيناء: دخل المنصور من باب الذهب، فإذا ثلاثة قناديل مصطفة، فقال: ما هذا؟ أما واحد من هذا كان كافياً؟ يقتصر من هذا على واحدٍ، فلما أصبح أشرف على الناس وهم يتغدون، فرأى الطعام قد خف من بين أيديهم من قبل أن يشبعوا، فقالوا: يا غلام، علي بالقهرمان، قال: ما لي رأيت الطعام قد خف من بين أيدي الناس قبل أن يشبعوا؟ قال: يا أمير المؤمنين، رأيتك قد قدرت الزيت فقدرت الطعام، قال: فقال: وأنت لا تفرق بين زيتٍ يحترق في غير ذات الله، وهذا طعام إذا فضل فضل وجدت له آكلاً! ابطحوه، فبطحوه فضربه سبع دررٍ.
عن الربيع الحاجب قال: لما مات المنصور قال لي المهدي: يا ربيع، قم بنا حتى ندور في خزائن أمير المؤمنين، قال: فدرنا فوقعنا على بيتٍ فيه أربعمائة حبٍّ مطينة الرؤوس، قال: فقلنا: ما هذه؟ قيل: هذه فيها أكباد مملحة، أعدها المنصور للحصار.
عن يونس قال: كتب زياد بن عبيد الله الحارثي إلى المنصور يسأله الزيادة في عطائه وأرزاقه، وأبلغ في كتابه فوقّع المنصور في القصة: إن الغنى والبلاغة إذا اجتمعا في رجلٍ أبطراه، وأمير المؤمنين يشفق عليك من ذلك، فاكتف بالبلاغة.
стр. 4657
قال المنصور: إذا مد إليك عدوك يده، فإن قدرت على قطعها وإلا قبلها.
عن محمد بن سلام قال: رأت جارية للمنصور قميصه مرقوعاً، فقالت: خليفة وقميصه مرقوع؟! فقال: ويحك! أما سمعت ما قال ابن هرمة: من الكامل
قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه ... خلق، وجيب قميصه مرقوع
لما قتل المنصور أبا مسلم قال وهو طريح بين يديه: من الوافر
قد اكتنفتك خلات ثلاث ... جلبن عليك محتوم الحمام
خلافك وامتناعك من يميني ... وقودك للجماهير العظام
وله لما عزم على قتله: من الطويل
إذا كنت ذا رأيٍ فكن ذا عزيمةٍ ... فإن فسادها الرأي أن تترددا
ولا تمهل الأعداء يوماً بقُدرةٍ ... وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا
قال الربيع الحاجب: حججت مع المنصور أبي جعفر، فلما كنا بالقادسية، قال لي: يا ربيع، إني مقيم بهذا المنزل ثلاثاً، فناد في الناس، فناديت، فلما كان من الغد قال لي: يا ربيع، أجمت المنزل، فناد بالرحيل، فقلت: ناديت أمس أنك مقيم بهذا المنزل ثلاثاً، وترحل الساعة!؟ قال: أجمت المنزل، فرحل، ورحل الناس، وقربت له ناقة ليركب، وجاؤوه بمجمرٍ ليتبخر، فقمت بين يديه، فقال: ما عندك؟ فقلت: رحل الناس، فأخذ فحمة من المجمر، فبلها بريقه، وقام إلى الحائط، فجعل يكتب على الحائط بريقه
стр. 4658
حتى كتب أربعة أسطرٍ، ثم قال: اركب يا ربيع، فكان في نفسي هم لأعلم ما كتب، ثم حججنا، فكان من أمر وفاته ما كان، ثم رجعت من مكة، فبسط لي في الموضع الذي بسط له فيه في القادسية، فدخلت وفي نفسي أن أعلم ما كتب على الحائط، فإذا هو قد كتب على الحائط: مجزوء الكامل
المرء يأمل أن يعي ... ش وطول عمرٍ قد يضره
تبلى بشاشته ويب ... قى بعد حلو العيش مره
وتخونه الأيام حت ... ى لا يرى شيئاً يسره
كم شامتٍ بي إن هلك ... ت وقائلٍ لله دره
وقال: لما مرض أمير المؤمنين المنصور بالله مرضه الذي مات فيه بمكة أتيته يوماً وهو وحده، فنظر إلى القبلة، فرأى فيها كتاباً، فقرأه وقال: يا ربيع، قم بيني وبين القبلة، فإذا الكتابة في صدري، فقال: افتح الباب، فعاد الكتاب إلى القبلة، فقال: ظننت هذا من حيلة الآدميين، وإذا فيه: من الطويل
أبا جعفرٍ حانت وفاتك وانقضت ... سنوك وأمر الله لا بد واقع
أبا جعفرٍ هل كاهن أو منجمٍ ... لك اليوم من ريب المنية دافع
قال طيفور: كان سبب إحرام المنصور من خضراء مدينة السلام أنه نام ليلةً، فانتبه فزعاً، ثم عاود النوم، فانتبه فزعاً ثم راجع النوم، فانتبه فزعاً، فقال: يا ربيع، قال: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: لقد رأيت في منامي عجباً، قال: ما رأيت، جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت كأن آتياً أتاني، فهينم بشيءٍ لم أفهمه، فانتبهت فزعاً، ثم عاودت النوم، فعاودني يقول ذلك الشيء، ثم عاودني يقوله، حتى فهمته، وحفظته، وهو: من الطويل
стр. 4659
كأني بهذا القصر قد باد آهله ... وعري منه أهله ومنازله
وصار رئيس القوم من بعد بهجةٍ ... إلى جدثٍ تبنى عليه جنادله
وما أحسبني يا ربيع إلا قد حانت وفاتي، وحضر أجلي، ومالي غير ربي.
قال بعض أهل العلم: كان آخر ما تكلم به عند الموت أبو جعفر عبد الله بن محمد: اللهم بارك لي في لقائك، وكان نقش خاتمه: الله ثقة عبد الله، وبه يؤمن.
قال فليح بن سليمان: قال لي أبو جعفر سنة حج، فمات فيها: ابن كم أنت؟ قلت: ابن ثلاثٍ وستين، قال: تلك سني، ثم قال: تدري ما كانت العرب تسميها؟ قلت: لا، قال: مدقة الأعناق، ثم مضى فمات فيها.
قال الحكم بن عثمان: قال المنصور أبو جعفر أمير المؤمنين عند موته: اللهم إنك تعلم أني قد ارتكبت من الأمور العظام جرأةً مني عليك، وإنك تعلم أني قد أطعتك في أحب الأشياء إليك، شهادة أن لا إله إلا الله مخلصاً، مناً منك لا مناً عليك، ثم خرجت نفسه.
عن هارون الفروي: حدثني من رأى أبا جعفر محمولاً على السرير ميتاً مكشوف الوجه، وكان مات محرماً، قال: وبصرت برجلٍ أبصره على تلك الحال تمثل هذا البيت: من المتقارب
وافى القبور أبو مالكٍ ... برغم العداة وأوتارها
стр. 4660
ومات أبو جعفر ببئر ميمون يوم السبت لسبع خلون من ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، وصلى عليه عيسى بن موسى بن محمد بن علي - ويقال: إبراهيم بن يحيى بن محمد، وكانت خلافته ثنتين وعشرين سنةً، ودفن مكشوف الوجه.
قال أبو شيخ: كنت حاجاً في سنة ثمان وخمسين - وقد حج فيها أبو جعفر - فلما قربنا من مكة رأيت كان رأسي قطع، فأخبرت بذاك عديلي سعيد بن خالد، فقال: الرأس أبو جعفر، ولا أراه إلا يموت، فما مكثنا إلا أياماً حتى مات أبو جعفر.
عبد الله بن محمد بن علي
ابن نفيل بن زراع بن عبد الله بن قيس أبو جعفر النفيلي الحراني روى عن محمد بن سلمة بسنده عن عبد الله بن زمعة بن الأسود قال: لما استعز برسول الله ﷺ وأنا عنده أتاه بلال، فآذنه بالصلاة، فقال: " مروا من يصلي بالناس ".
قال الخطيب في ولد بَصَر - بالباء المعجمة بواحدة -: أبو جعفر النفيلي المحدث، واسمه: عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل، بن زراع بن عبد الله ابن قيس بن عُصُم بن كوز بن هلال بن عصم بن بصر بن زِمّان.
وقال أبو علي التنوخي في نسب تنوخ: وبعض النساب يقول: نصْر - بالنون وبالصاد الساكنة.
стр. 4661
قال أبو جعفر بن نفيل: قدم علينا أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فسألني يحيى وهو يعانقني، فقال: يا أبا جعفر، قرأت على معقل بن عبيد الله، عن عطاء: " أدنى وقت الحائض يوم "؟ فقال: له أبو عبد الله: لو جلست! فقال: أكره أن يموت، أو يفارق الدنيا قبل أن أسمعه.
ثم قال: حدثك نضر بن عربي، عن عكرمة أن النبي ﷺ فرش له في قبره قطيفة بيضاء بعلبكية؟ وذكر أبو عبد الله أبا جعفر النفيلي فأثنى عليه خيراً، وقال: كان يجيء معي إلى مسكين بن بكير.
قال صالح بن علي النفيلي:
سألت النفيلي عن تفضيل أصحاب رسول الله ﷺ وجرى بيني وبينه كلام - فقلت: يا أبا جعفر، فأنا أريد أن أجعلك حجةً بيني وبين الله قال: ومن أنا؟ قلت: لم أرَ مثلك، قال: يا بن أخي، فإنا نقول: خير الناس بعد رسول الله ﷺ : أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. قلت: يا أبا جعفر، إن أحمد بن حنبل، ويعقوب ابن كعب يقولان: عثمان، ويقفان عن علي، قال: أخطآ جميعاً؛ أدركت الناس وأهل السنة والجماعة على هذا.
وقال أبو جعفر النفيلي: من شرب مسكراً فقد شرب خمراً، ولو أن رجلاً حلف بالطلاق لا يشرب خمراً، فشرب نبيذاً مسكراً، فإن كانت له نية في خمر العنب فهو ونيته، وأن لم يكن له نية قلت له: اعتزل امرأتك.
وقال: المسكر حرام، المسكر حرام.
مات أبو جعفر النفيلي سنة أربعٍ وثلاثين ومائتين.
стр. 4662
وثقه النسائي والدارقطني.
عبد الله بن محمد بن علي الهمداني الدينوري القاضي
سمع أبا زرعة الدمشقي يقول: سمعت أبا مسهر يقول: سأل المأمون مالك بن أنسٍ: هل لك دار؟ فقال: لا، فأعطاه ثلاثة آلاف دينارٍ، وقال: اشتر بها داراً، قال: ثم أراد المأمون الشخوص، وقال لمالك: تعال معنا؛ فإني عزمت على أن أحمل الناس على الموطأ كما حمل عثمان الناس على القرآن، فقال مالك: ليس إلى ذلك سبيل؛ وذاك أن أصحاب النبي ﷺ افترقوا بعده في الأمصار، فحدثوا، فعند كل أهل مصر علم، ولا سبيل إلى الخروج معك؛ فإن النبي ﷺ قال: " والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون " وقال: " المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد " وهذه دنانيركم، فإن شئتم فخذوه، وإن شئتم فدعوه.
روى عبد الله بن محمد بن القاضي الهمداني، عن أبي زرعة قال: قلت لأحمد بن حنبل: مالك أفقه أو الأوزاعي؟ قال: مالك، قلت: مالك أفقه أو الثوري؟ قال: مالك، قلت: مالك أفقه أو الليث بن سعد؟ قال: مالك.
стр. 4663
عبد الله بن محمد بن عمر
ابن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أبو محمد العلوي روى عن أبيه، عن جده، عن علي قال: كان أحب ما في الشاة إلى رسول الله ﷺ الذراع.
قال الزبير بن بكار: وولد محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: عمر، وعبد الله، وعبيد الله، وأم كلثوم، أمهم: خديجة بنت علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأمها أم ولد، وولد عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب: أحمد، ومحمداً، يكنى أبا عمر؛ وأمهما أم ولد، وعيسى يلقب مباركاً، كان راوية للشعر والحديث، وكان شاعراً، ويحيى وأم عبد الله أمهم أم الحسين بنت عبد الله بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب؛ وأمها أم ولد.
كان عبد الله بن محمد بن عمر يلقب دافناً، مات في آخر زمن أبي جعفر، وكان قليل الحديث.
عبد الله بن محمد بن عمر بن العباس بن الوليد
ابن سليمان بن الوليد أبو العباس المعروف بابن الجليد الأسدي روى عن هشام بن عمار بسنده عن عائشة: أن رجلاً ابتاع غلاماً من رجلٍ، فكان عنده ما شاء الله، ثم ردّه من عيب وجد به،
стр. 4664
فقال الرجل: قد كان استعمل غلامي منذ كان، فقال النبي ﷺ : " الخراج بالضمان ". قال ابن ماكولا: جليد - بفتح الجيم وكسر اللام.
توفي أبو العباس بن الجليد سنة سبع وثلاثمائة.
عبد الله بن محمد بن عمرو بن الجراح
أبو العباس الأزدي الغزي روى عن محمد بن يوسف الفريابي بسنده عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ : " تَمَسَّحوا بالأرض؛ فإنها بكم برة ".
وعن الفريابي بسنده عن جرير قال: قال النبي ﷺ : " من لم يرحم الناس لا يرحمه الله ".
قال أبو العباس الغزي: كتب أحمد بن حنبل إلى أبي مسهر أن يكتب إليه بهذا الحديث؛ يعني حديث أم حبيبة: " من مس فرجه فليتوضأ " فقلت لأبي مسهر: اكتب به معي، لأتبجح به عنده، فقال لي: كتب إليّ: اكتب بخطك، وأنا الساعة في شغل.
стр. 4665
عبد الله بن محمد بن الفضيل
ويقال: ابن الفضل الصيداوي حدث عن محمد بن صالح بسنده عن سليمان التيمي قال: ليس قوم أشد نقصاً للإسلام من الجهمية والقدرية؛ فأما الجهمية فقد بارزوا الله، وأما القدرية فإنهم قالوا في الله.
عبد الله بن محمد بن القاسم بن حزم بن خلف
أبو محمد الأندلسي الثغري القلعي من أهل قلعة أيوب، كان شيخاً جليلاً من أهل العلم والزهد والشجاعة، رحل إلى المشرق سنة خمسين وثلاثمائة، ودخل العراق والشام، ثم انصرف إلى الأندلس، فلزم العبادة والجهاد، واستقضاه المستنصر بالله الأموي، ثم استعفاه من القضاء، فأعفاه.
وكان فقيهاً، فاضلاً، ديناً، ورعاً، صليباً في الحق، لا يخاف في الله لومة لائم كان يشبه بسفيان الثوري في زمانه.
وأنكر على بعض أسباب السلطان شيئاً في ناحيته، فبغي به، فعهد بإسكانه قرطبة، فقدمها سنة خمسٍ وسبعين وثلاثمائة، قرأ عليه أبو الوليد بن الفرضي كتاب: معاني القرآن، للزجاج.
توفي سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة بقلعة أيوب، وهو ابن ثلاث وستين سنة.
стр. 4666
عبد الله بن محمد بن مسلم
أبو بكر الأسفرائيني الجوربذي من قرية جوربذ.
روى عن عيسى بن أبي عمر البزاز عن عتبة بن عبد السلمي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " النار لها سبعة أبوابٍ، والجنة لها ثمانية أبوابٍ ".
وروى عن محمد بن عزيز الأيلي بسنده عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : " إن الله يحب الملحين في الدعاء ".
كان عبد الله بن محمد بن مسلم النيسابوري من الأثبات المجودين الجوالين في أقطار الأرض. ولد سنة تسع وثلاثين ومائتين، وتوفي سنة ثمان عشرة وثلاثمائة.
عبد الله بن محمد بن المُسلَّم
أبو المفضل الهاشمي روى عن أبوي القاسم السميساطي والحنائي بسندهما عن أنس: أن النبي ﷺ دخل يوم فتح مكة وعلى رأسه المغفر.
عبد الله بن محمد بن منصور
أبو منصور الهروي البزاز قال: سمعت هشام بن عمار: وبلغه أن ناساً ينسبونه إلى اللفظية، فغضب، وخطب خطبةً أثنى فيها على الله
стр. 4667
تعالى، ووصفه بالآيات الست من أول الحديد؛ وتلاها علينا، وذكر من عظمة الله ما عجب منه السامعون، من حسنه، ثم ذكر القرآن فقال: القرآن كلام الله، وليس بمخلوقٍ، ومن قال: القرآن - أو قدرة الله أو عزة الله - مخلوق؛ فهو من الكافرين.
فقيل له: ما تقول فيمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق؟ فقال: " قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد " هذا الذي قرأت كلام الله، فقيل له: تحدث الناس ببغداد أنك كتبت إلى الكرابيسي! فقال: ومن الكرابيسي، ما رأيته قط!؟ ولا أدري من هو، والله ما كتبت إليه.
توفي عبد الله بن محمد بن منصور البزاز سنة تسع وثمانين ومائتين.
عبد الله بن محمد بن نصر بن طويط
ويقال: طويت أبو الفضيل البزاز الرملي الحافظ.
روى عن محمد بن علي، ابن أخي رواد بن الجراح بسنده عن أبي هريرة وعائشة، قال رسول الله ﷺ : " السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه ولذته، فإذا فرغ أحدكم من حاجته فليتعجل إلى أهله ".
عبد الله بن محمد بن وهب
ابن بشر بن صالح بن حمدان أبو محمد الدينوري الحافظ روى عن العباس بن يزيد البحراني بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ".
стр. 4668
قال أبو علي الحافظ: كان عبد الله بن محمد بن وهب الدينوري صاحب حديث حافظاً، بلغني أن أبا زرعة كان يعجز عن مذاكرته في زمانه.
قال الدارقطني: عبد الله بن وهب الدينوري متروك، يضع الحديث.
عبد الله بن محمد بن يزداذ بن سويد
أبو صالح الكاتب أصله من مرو، كان أبوه وزيراً للمأمون، ووزر هو للمستيعن نحواً من شهر، ووزر أيضاً للمهتدي، وقدم دمشق في صحبة المتوكل.
ذكره أبو بكر محمد بن يحيى الصولي في كتاب: الوزراء، وذكر من شعره: من الخفيف
ضاق صدري لما بعدت ولو كن ... ت قريباً إذاً لما ضاق صدري
يا خلياً مما ألاقيه فيه ... ليس بالحب والصبابة تدري
بأبي وجهك الذي لم يزل لي ... قائماً عند من يلوم، بعذر
وذكر له أيضاً: من المجتث
سكرت من حب شكر ... وبعت عرفاً بنكر
وأكثرت ذكر هجري ... فصار منها كهجر
ومن شعره: من البسيط
لا تجحد الذنب ثم اطلب تجاوزنا ... عنه؛ فإن جحود الذنب ذنبان
وامحُ الإساءة بالإحسان مقتبلاً ... إن الإساءة قد تمحى بإحسان
стр. 4669
وله يفخر بما كان المأمون عقده لأبيه من ولائه لبني هاشم: من الخفيف
إن بيتي من الأكاسرة الغر ... ر مكاناً تحله العيوق
ولها من ولاء أحمد خير ال ... ناس ما نحوه النفوس تتوق
تتلظى الأعداء شحاً عليه ... ما لهم من جمالة ثفروق
والإمام المأمون أكد منه ... سبباً زاده له التوفيق
مات أبو صالح بن يزداد وهو مستخفٍ في داره، ودفن؛ فشاع موته، فنُبش حتى نُظر إليه، ثم رُدّ في قبره في رجب سنة إحدى وستين ومائتين.
/
стр. 4670
عبد الله بن محمد بن أبي يزيد الخلنجي القاضي ولي قضاء الكرخ ببغداد. وقيل: ولي قضاء دمشق. وكان من رؤوس أصحاب أحمد بن أبي داؤد. وكان الخلنجي من المجردين للقول بخلق القرآن المعلنين به. وكان حاذقاً بالفقه، على مذهب أبي حنيفة، واسع العلم، ضابطاً. وتقلد المظالم. فأخبر ابن أبي دؤاد أنه مشتغل عالم بالقضاء ووجوهه، فكلم ابن أبي دؤاد المعتصم فولاه قضاء همذان، فأقام نحو عشرين سنة لا يشكى، وتلطف له محمد بن الجهم في مال عظيم فلم يقبله. ولما ولي الشرقية ظهرت عفته وديانته لأهل بغداد. وكان فيه كبر شديد، وكتب إليه المعتصم في أن يمتحن الناس، وكان يضبط نفسه، فتقدمت إليه امرأة فقالت: إن زوجي لا يقول بقول أمير المؤمنين في القرآن ففرق بيني وبينه، فصاح عليها. فلما كان في سنة سبع وثلاثين في جمادى عزله المتوكل، وامره أن يكشف ليفضحه بسبب ما امتحن الناس في خلق القرآن، فما انكشف عليه أنه أخذ حبة واحدة.
وكان القاضي عبد الله هو ابن أخت علوية المغني، وكان تياهاً صلفاً. وكان يجلس إلى أسطوانة من أساطين المسجد فيستند إليها بجميع جسده ولا يتحرك، فإذا تقدم إليه الخصمان أقبل عليهما بجميع جسده وترك الاستناد حتى يفصل بينهما ثم يعود إلى حاله،
стр. 4671
فعمد بعض المجان إلى رقعة من الرقاع التي يكتب فيها الدعاء وألصقها في موضع ذنبته وطلاها بدبق، وجاء الخلنجي فجلس كما كان يجلس فالتصقت ذنبته بالدبق وتمكن منها.
فلما تقدم إليه الخصوم وأقبل عليهم بجميع جده كما كان يفعل انكشف رأسه وبقيت الذنبة في موضعها مصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلموبة، فقام الخلنجي مغضباً وعلم أنها حيلة وقعت عليه. فغطى رأسه بطيلسانه وانصرف وتركها مكانها حتى جاء بعض أصحابه فأخذها. وقال بعض شعراء أهل عصره فيه: المنسرح
إن الخلنجي من تتايهه ... أثقل بادٍ لنا بطلعته
ماتيه ذي نخوةٍ مناسبة ... بين أخاوينه وقصعته
يصالح الخصم من يخاصمه ... خوفاً من الجورفي قضيته
لو لم تدبقه كف قانصه ... لطار تيهاً على رعيته
قال: وشهرت الأبيات والقصة ببغداد، وعمل علوية حكاية أعطاها للزفانين والمخنثين فأحرجوه فيها. وكان علوية يعاديه لمنازعةٍ كانت بينهما، ففضحه. واستعفى الخلنجي من القضاء ببغداد، وسأل أن يولى بعض الكور البعيدة، فولي جند دمشق أو حمص. فلما ولي المأمون الخلافة غناه علوية بشعر الخنلجي وهو: الطويل
برئت من الإسلام إن كان ذا الذي ... أتاك به الواشون عني كما قالوا
ولكنهم لما رأوك غريةً ... بهجري تواصوا بالنميمة واحتالوا
فقد صرت أذناً للوشاة سميعةً ... ينالون من عرضي ولو شئت ما نالوا
فقال له المأمون: من يقول هذا الشعر؟ قال: دمشق. فأمر المأمون بإحضاره فحضر، وجلس المأمون وأحضر علوية ودعا بالقاضي فقال له: أنشدني قولك: برئت من الإسلام إن كان ذا الذي. فقال له: يا أمير المؤمنين، هذه أبيات قلتها منذ
стр. 4672
أربعين سنة وأنا صبي، والذي أكرمك بالخلافة، وورثك ميراث النبوة ما قلت شعراً من أكثر من عشرين سنة إلا في زهدٍ أو عتاب صديق فقال له: اجلس فجلس، فناوله قدح نبيذ كان في يده وقال له: اشرب فأرعد وبكى، وأخذ القدح من يده وقال: والله يا أمير المؤمنين ما غيرت الماء بشيء قط مما يختلف في تحليله فقال: لعلك تريد نبيذ التمر والزبيب، فقال: لا والله يا أمير المؤمنين ما أعرف شيئاً منها، فأخذ القدح من يده وقال: أما والله لو شربت شيئاً من هذا لضربت عنقك، ولقد ظننت أنك صادق في قولك كله، ولكن لا يتولى القضاء أبداً رجل بدأ في قوله بالبراءة من الإسلام. انصرف إلى منزلك وأمر علوية فغير هذه الكلمة وجعل مكانها:
حرمت مناي منك إن كان ذا الذي
وقد رويت هذه القصة لغير الخلنجي وذكر أنها لعمر بن أبي بكر المؤملي. وسيأتي ذكره.
قال علي بن محمد بن الفرات: لما تولى الخلنجي قضاء الشرقية كثر من يطالبه بفك الحجر، فدعا بالأمناء وقال لهم: من كان منكم في يده مال ليتيم فليشتر له منه مراً وزبيلاً يكون قبله، وليدفع إليه ماله. فإن أتلفه عمل بالمر والزبيل.
قال داود بن علي: سمعت بعض شهود الخلنجي يقول: ما علمت أن القرآن مخلوق إلى اليوم.. فقلت: وكيف علمت! أجاءك وحي؟ قال: سمعت القاضي يقول..
توفي الخلنجي سنة ثلاث وخمسين ومئتين.
стр. 4673
عبد الله بن محمد
والصواب عبد الملك بن محمد الصنعاني من صنعاء دمشق.
حدث عن سعيد بن عبد العزيز بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : استحيوا فإن الله لا يستحي من الحق. لا تأتوا النساء في أدبارهن.
قال: كذا وقع في هذه الرواية. وإنما هو عبد الملك بن محمد.
عبد الله بن محمد الدمشقي
قال: سمعت محمد بن المبارك الصوري يقول: أعمال الصادقين لله بالقولب، وأعمال المرائين بالجوارح للناس، فمن صدق فليقف موقف العمل لله لعلم الله به، لا لعلم الناس بمكان عمله.
عبد الله بن محمد المعروف بابن الوسخ
البزار، اشيخ الصالح حدث عن سليمان بن عبد الرحمن بسنده إلى عروة أن الزبير أعلم يوم بدر بعمامة صفراء.
عبد الله بن محمد النسائي
أبو أحمد حدث عن هشام بن عمار بسنده إلى معاذ بن جبل قال: كنت مع رسول الله ﷺ في منزل أبي أيوب. قال: فتلا رسول الله ﷺ هذه الآية: يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً فرأيت رسول الله ﷺ قد تغرغرت -
стр. 4674
يعني: عينيه - فقلت: يا رسول الله، ما تفسير هذه الآية " يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً " فبكى حتى غشي عليه ثم أفاق، فإذا هو ينتفض ويفيض عرقاً، ثم قلت: يا رسول الله، ما قوله: فتأتون أفواجاً؟ قال: يا معاذ لقد سألتني عن أمر عظيم، وبكى حتى ظننت أني أسأت إلى النبي ﷺ ثم أقبل علي فقال: يا معاذ، هل تدري عم سألت؟ قلت: أخبرني يا رسول الله عن قوله " فتأتون أفواجاً " قال: إنك أول من سألني عنها: إذا كان يوم القيامة تجزأ أمتي عشرة أجزاء، يحشرون على عشرة أفواج: صنف على صورة القردة، وصنف على صورة الخنازير، وصنف على صورة الكلاب، وصنف على صورة الحمر، وصنف على صورة الذر، وصنف على صورة البهائم، وصنف على صورة السباع، وصنف يحشرون على وجوههم، وصنف ركبان، وصنف مشاة:
فأما الذين يحشرون على صورة القردة فهم قوم من هذه الأمة يسمون القدرية. قلت: يا رسول الله، وما علاماتهم وقولهم؟ قال: يا معاذ، إنهم مشركو أمتي، يزعمون أن الله تعالى قدر بعض الأشياء ولم يقدر بعضها، وأن المعاصي ليست بمخلوقة، أولئك مشركو هذه الأمة، يعذبهم الله تعالى في النار على صورة القردة قال: قلت: يا رسول الله، فمن هؤلاء الذين يحشرون على صورة الخنازير؟ قال: يا معاذ، أولئك آفة أهل الإسلام، وهلاك الدين، المكذبين بما جئت به. قلت: من هم؟ قال: قوم يسمون بالمرجئة، قلت: يا رسول الله، وما علاماتهم وقولهم؟ قال: يا معاذ، إنهم يزعمون أن الإيمان قول لا يضرهم مع القول كثرة المعاصي، كما لا ينفع أهل الشرك كثرة من صالح الأعمال، أولئك يعذبهم الله في النار مع هامان في صورة الخنازير. قلت: يا رسول الله، فما الصنف الذين يحشرون على صورة الكلاب؟ قال: يا معاذ؛ أولئك قوم من أهل الدعوة مرقوا من الدين، واستحلوا دماء أمتي واستباحوا حرمهم، وتبرؤوا من أصحابي، يسمون بالحرورية، أولئك كلاب النار. ثلاثاً، لو قسم عذابهم على الثقلين لأوسعهم، لهم في الدنيا نباح كنباح الكلاب. قلت: يا رسول الله، فما الصنف الذين يحشرون على صورة الحمر؟ قال: صنف من هذه الأمة يسمون الرافضة. قالت: يا رسول الله، فما علامتهم؟ قال: إنهم مشركون ينتحلون حبنا، ويتبرؤون من أبي بكر وعمر، ويشتمونهما لهم نبز. لا يرون جمعة ولا جماعة، أولئك في النار شر مكاناً. قلنا:
стр. 4675
يا رسول الله، أليس هؤلاء الأصناف مؤمنون؟ قال: يا معاذ، ما نفعهم إيمانهم شيئاً إذا تركوا الإيمان وخالفوا ما جئت به، أولئك لا تنالهم شفاعتي. قلت: يا رسول الله، فما الصنف الذين يحشرون على صورة السباع؟ قال: يا معاذ، زنادقة الأمة. قلت: يا رسول الله، صفهم، وما قولهم. قال: ينكرون حوضي وشفاعتي، ويكفرون بفضائلي، الا إن الله يعني، جعل منهم قوماً يحشرون عطاشاً إلى النار على صورة السباع - قلت: يا رسول الله، اتنفعهم شفاعتك؟ قال: يا معاذ، كيف تنفعهم شفاعتي ولم يقروا بشفاعتي؟ قلت: يا رسول الله، فما الصنف الذين يحشرون على صورة الذر؟ قال: يا معاذ، المتكبرون المتعظمون من أمتي، وأصحاب البغي على أمتي، وأصحاب التطاول، يحشرون على صورة الذر إلى النار. قالت: يا رسول الله؛ فما الصنف الذين يحشرون على صورة البهائم؟ قال: أولئك أكلة الربا، الذين لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس قالت: يا رسول الله، فما الصنف الذين يحشرون على وجوههم؟ قال: أولئك المصورون، والهمازون، واللمازون، والسعاة من هذه الأمة. قلت: يا رسول الله، فما الصنف الذين يحشرون مشاة؟ قال: أولئك أهل اليمين. قلت: فما الصنف الذين يحشرون ركوباً؟ قال: أولئك المقربون إلى جنات عدن.
قال: هذا حديث منكر. وفي إسناده غير واحد من المجهولين.
عبد الله بن محمد أبو العباس
الأنباري، المعروف بابن شرشير الناشئ الشاعر المتكلم قدم دمشق، وله كتب ينقض فيها كتاب المنطق، وأشعار في ذلك. وكان شاعراً، وله قصيدة على روي واحد وقافية واحدة تكون أربعة آلاف بيت، ذكرها الناجم، وذكر أنه أنشده إياها، وكان يقول في خلاف كل معنى قالت فيه الشعراء. وكان متهوساً شديد الهوس، وشعره كثير، وهو مع كثرته قليل الفائدة، وكان أخذ نفسه بالخلاف على أهل المنطق والشعراء والعروضيين وغيرهم، ورام أن يحدث لنفسه أقوالاً ينقض بها ما هم عليه، فسقط ببغداد، فلجأ إلى مصر، فشخص إليها وأقام بها بقية عمره.
стр. 4676
رئي الناشئ في مسجد دمشق وقد خلع سراويله ليبيعه، فقيل له: لو تعرضت لهؤلاء الملوك، فأنشأ يقول: من الطويل
وإني لأرض باليسير تعففاً ... ولي همة تسطو على نوب الدهر
أفكر في بيعي قبائي بهمتي ... فأرتاح من ذل السؤال إلى الفقر
مخافة أن ألقى بخيلاً مصرداً ... يثمن لي نزر العطية بالشكر
ومن شعر أبي العباس المتكلم: المتقارب
وكان لنا أصدقاء حماة ... واعداء سوءٍ فما خلدوا
تساقوا جميعاً كؤوس الحمام ... فمات الصديق ومات العدو
ومن شعره: الكامل
إني ليهجرني الصديق تجنياً ... فأريه أن لهجره أسبابا
وأراه إن عاتبته أغريته ... فيكون تركي للعتاب عتابا
وإذا بليت بجاهلٍ متحلمٍ ... يجد المحال من المور صوابا
أوليته مني السكوت وربما ... كان السكوت عن الجواب جوابا
مات أبو العباس الناشئ سنة ثلاث وتسعين ومئتين.
عبد الله بن محمد الرعيني
حدث عن محمد بن الوزير بسنده إلى سليمان بن موسى أن أبا سيارة المتعي أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي نخلاً، قال: أد العشر. قال: يا نبي الله، احم جبلها قال: يحمى له جبلها.
سمع بدمشق سنة ثلاث عشرة وثلاث مئة.
стр. 4677
عبد الله بن محمد أبو القاسم
الدمشقي الساجي الصوفي صنف كتاب مقالات الصوفية.
حكى عن إبراهيم بن المولد قال: قال أبو سعيد الخزاز: علامة العبودية ثلاث: الوفاء لله على الحقيقة، والمتابعة للرسول ﷺ في الشريعة، والنصيحة لجميع الأمة.
وروى عن السلبي قال: الورع أن يتورع عن كل ما سوى الله.
وحكى عن إبراهيم بن المولد قال: سألت ابن أجلا: متى يستحق الفقير اسم الفقير؟ قال: إذا لم يبق عليه بقية منه، فقلت: كيف ذاك؟ فقال: إذا كان له فليس له، وإذا لم يكن له فهو له.
قال عبد الله الدمشقي: أنشدني بعضهم: الوافر
هجرتك لا قلى مني ولكن ... رأيت بقاء ودك في الصدود
كهجر الحائمات الورد لما ... رأت أن المنية في الورود
تفيض نفوسها ظمأ وتخشى ... حذاراً وهي تنظر من بعيد
تصد بوجه ذي البغضاء عنه ... وترمقه بألحاظ الودود
قال عبد الله بن محمد الدمشقي: كنت واقفاً على حلقة الشلبي، فجعل يبكي ولا يتكلم، فقال له رجل: ما هذا البكاء؟! فأنشأ يقول: الوافر
إذا عاتبته أو عاتبوه ... شكا فعلي وعدد سيئاتي
فيا من دهره غضب وسخط ... أما أحسنت يوماً في حياتي؟
стр. 4678
عبد الله بن محمد أبو القاسم المقدسي الإمام
حدث بدمشق عن أبي حفص عمر بن يوسف بن سليمان البغدادي المذكر، المعروف بالباقلاني بسنده قال: سمعت ميمون بن سياه يقول: سمعت حرسياً يقول: قال الله : وعزتي وجلا لي وجودي ومجدي، ما من عين بكت من مخافتي إلا بدلتها ضحكاً في نور قدسي في جواري حيث تسمع كلامي.
قال الحافظ: كذا وجد المقدسي وأظنه القرشي، وقد يصحف عليهم.
عبد الله بن محمد أبو محمد بن الزجاج الوشاء
حدث بدمشق إملاء من لفظه عن أبي بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي بسنده إلى أسيد بن صفوان - وكانت له صحبة برسول الله ﷺ قال: لما كان اليوم الذي قبض فيه أبو بكر الصديق ﵁ ارتجت المدينة بالبكاء، ودهش الناس كيوم قبض رسول الله ﷺ وجاء علي ﵇ باكياً مسرعاً وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوة حتى وقف على البيت الذي فيه أبو بكر مسجى فقال: رحمك الله أبا بكر، كنت أول القوم إسلاماً، وأخلصهم إيماناً. فذكره بطوله.
عبد الله بن المبارك بن واضح
أبو عبد الرحمن الحنظلي، مولاهم، المروزي من أئمة المسلمين. قدم دمشق.
حدث عن حميد الطويل عن أنس بن مالك، قال: كان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية يسأل رسول الله ﷺ . فأتى أعرابي فسأله، فقال: يا رسول الله، متى قيام الساعة؟ وأقيمت الصلاة فنهض فصلى. فلما فرغ
стр. 4679
من صلاته قال: أين السائل؟ قال: أنا يا رسول الله. قال: وما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاةٍ ولا صيام، إلا أني أحب الله ورسوله. فقال النبي ﷺ : المرء مع من أحب. قال: فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم به.
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها أن ترجع إلى الدنيا ولها الدنيا وما فيها إلا الشهيد، لما يرى من فضل الشهادة فيتمنى أن يرجع فيقتل مرة أخرى.
وحدث ابن المبارك عن سليمان التيمي عن أنس بن مالك شك في رفعه، ووقع عن محمد بن عبد الله الأنصاري عن سليمان عن أنس مرفوعاً قال: قال رسول الله ﷺ لا هجرة بين المسلمين فوق ثلاثة أيام أو قال: ثلاث ليالٍ.
قال عبد الله بن المبارك:
قدمت الشام على الأوزاعي - قريته ببيروت - فقال لي: يا خاساني، من هذا الذي خرج بالكوفة؟ - يعني: أبا حنيفة - فرجعت إلى بيتي فأقبلت على كتب أبي حنيفة فأخرجت منها مسائل من جياد المسائل، وبقيت في ذلك ثلاثة أيام، فجئته يوم الثالث وهو مؤذن مسجدهم وإمامهم، والكتاب في يدي، فقال: أي شيء هذا الكتاب؟ فناولته، فنظر في مسألة منها، وقعت عليها: قال النعمان بن ثابت: ... فما زال قائماً بعدما أذن حتى قرأ صدراً من الكتاب، ثم وضع الكتاب في كمه، ثم أقام وصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمى، ثم أخرج الكتاب حتى أتى عليها. فقال لي: يا خراساني، من النعمان بن ثابت هذا؟ قلت: شيخ لقيته بالعراق، فقال: هذا نبيل من المشايخ، اذهب فاستكثر منه.
قلت: هذا أبو حنيفة الذي نهيت عنه.
قال ابن المبارك: قال ابن المبارك: ذاكرني عبد الله بن إدريس السن فقال: ابن كم أنت؟ فقلت: إن العجم لا يكادون يحفظون ذلك، ولكني أذكر أني لبست السواد وأنا صغير عندما خرج أبو مسلم، فقال لي:
стр. 4680
وقد ابتليت بلبس السواد؟ قلت: إني كنت أصغر من ذلك. كان أبو مسلم أخذ الناس كلهم بلبس السواد، الصغار والكبار.
وعبد الله بن المبارك الخراساني مولى عبد شمس من بني سعد بني تميم، وكانت أم عبد الله بن المبارك خوارزمية وأبوه تركي. وكان عبداً لرجلٍ من التجار من همذان من بني حنظلة، وكان عبد الله إذا قدم همذان يخضع لولده ويعظمهم.
وروى عبد الله بن المبارك كثيراً، وطلب العلم، وصنف٦ كتباً كثيرة في أبواب العلم وصنوفه، حملها عنه قوم، وكتبها الناس عنهم، وسمع علماً كثيراً وكان ثقة، مأموناً، إماماً، حجةً، كثير الحديث.
وقال سلام بن أبي مطيع: ما خلف بالمشرق مثله.
وكان من الربانيين في العلم، الموصوفين بالحفظ، ومن المنادين بالزهد.
سئل ابن المبارك عن أول زهدة فقال: إني كنت يوماً في بستان، وأنا شاب مع جماعة من أترابي، وذلك في وقت الفواكه، فأكلنا وشربنا، وكنت مولعاً بضرب العود، فقمت في بعض الليل، وإذا غصن يتحرك تحت رأسي، فأخذت العود لأضرب به فإذا بالعود ينطق وهو يقول: " ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله " قال: فضربت بالعود الأرض فكسرته، وصرفت ما عندي من جميع الأمور التي كنت عليها مما شغل عن الله، وجاء التوفيق من الله تعالى، فكان ما سهل لنا من الخير بفضل الله ورحمته.
قال ابن المبارك: كنا نطلب هذا الحديث وفي خفافنا المباخر، وكنا نطلبه لغير الله فردنا إلى الله.
стр. 4681
سأل أبو خراش بالمصيصة عبد الله بن المبارك: إلى متى تطلب اعلم؟ قال: لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم أسمعها بعد.
وفي رواية قال: لعل الكلمة التي أنتفع بها لم أسمعها بعد.
وفي رواية قال: أرجو أن تروني فيه إلى أن أموت.
اجتمع ابن المبارك ووكيع عند شريك يكتبان عنه، فكان وكيع إذا سود ورقتيه تركهما تجف وأخذ في الكلام، وكان ابن المبارك إذا سود ورقتيه تركهما تجف وقام يركع.
وسمع ابن المبارك وكيعاً يقدم علياً على عثمان فقال له: يا أبا سفيان، وإنك لعلى هذا! إنك لرجل لا كلمتك حتى ألقى الله .
قال أحمد بن يونس: سمعت عبد الله بن المبارك قرأ شيئاً من القرآن ثم قال: من زعم أن هذا مخلوق فقد كفر بالله العظيم.
وعن ابن المبارك قال: القرآن كلام الله ليس بخالق ولا مخلوق.
قال سفيان بن سعيد: أحببت أن أكون خمسة أيام على وتيرة ابن المبارك، فلم أقدر عليه، وأربعة أيام فلم أقدر عليه، وثلاثة أيام فلم أقدر عليه، ويومين فلم أقدر عليه.
قال شعيب: كنا نأتي ابن المبارك فنحفظ عنه هل نستطيع أن نتعلق عليه بشيء فلا نقدر على شيء من ذلك.
стр. 4682
قال عمران بن موسى الطرسوسي: جاء رجل فسأل سفيان الثوري عن مسألة فقال له: من أين أنت؟ قال: من أهل المشرق. قال: أوليس عندكم أعلم أهل المشرق؟ قال: ومن هو يا أبا عبد الله؟ قال: عبد الله بن المبارك. قال: هو أعلم أهل المشرق؟ قال: نعم، واهل المغرب.
قال ابن عيينة: نظرت في أمر الصحابة وأمر ابن المبارك فما رأيت لهم عليه فضلاً إلا بصحبتهم للنبي ﷺ وغزوهم معه.
قال أبو إسحاق الفزاري: ابن المبارك إمام المسلمين أجمعين.
قال عبد الرحمن بن مهدي:
ما رأت عيناي مثل أربعة: ما رأيت أحفظ للحديث من الثوري، ولا أشد تقشفاً من شعبة، ولا اعقل من مالك بن أنس، ولا أنصح للأمة من عبد الله بن المبارك.
قال شعيب بن حرب: ما لقي ابن المبارك رجلاً إلا وابن المبارك أفضل منه.
وقال علي بن صدقة: سمعت أبا أسامة يقول: ابن المبارك في أصحاب الحديث مثل أمير المؤمنين في الناس.
قال معاذ بن خالد: تعرفت إلى إسماعيل بن عياش بعبد الله بن المبارك، فقال إسماعيل بن عياشِ: ما على وجه الأرض مثل عبد الله بن المبارك، ولا أعلم أن الله خلق خصلة من خصال الخير إلا وجعلها في عبد الله بن المبارك، ولقد حدثني أصحابي أنهم صحبوه من مصر إلى مكة فكان يطعمهم الحبيس، وهو الدهر صائم.
قال أسود بن سالم: كان ابن المبارك إماماً اقتدى به، كان من أثبت الناس في السنة. إذا رأيت رجلاً يغمز ابن المبارك بشيء فاتهمه على الإسلام.
стр. 4683
قال محمد بن معتمر: قلت لأبي: من فقيه العرب؟ قال: سفيان الثوري. فلما مات سفيان قلت له: من فقيه العرب؟ قال: عبد الله بن المارك.
وقال المعتد أيضاً: ما رأيت مثل ابن المبارك نصيب عنده الشيء الذي لا نصيبه عند أحد.
قال الحسن بن عيسى: اجتمع جماعة من أصحاب ابن المبارك مثل الفضل بن موسى ومخلد بن حسين ومحمد بن النضر فقالوا: تعالوا حتى نعد خصال ابن المبارك من أبواب الخير فقالوا: جمع العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والزهد، والشعر، والفصاحة، والورع، والإنصاف، وقيام الليل والعبادة، والحج، والغزو، والسخاء، والشجاعة، والفروسية، والشدة في بدنه، وترك الكلام فيما لا يعنيه، وقلة الخلاف على أصحابه.
وكان كثيراً ما يتمثل: الرمل
وإذا صاحبت فاصحب ما جداً ... ذا حياءٍ وعفافٍ وكرم
قوله للشيء لا إن قلت لا ... وإذا قلت نعم قال نعم
قال جعفر بن أبي عثمان الطيالسي: قلت ليحي بن معين: إذا اختلف يحيى القطان ووكيع؟ قال: القول قول يحيى.
قلت: إذا اختلف عبد الرحمن ويحي؟ قال: يحتاج من يفصل بينهما. قلت: أبو نعيم وعبد الرحمن؟ قال: يحتاج من يفصل بينهما. قلت: الأشجعي؟ قال: مات الأشجعي ومات حديثه معه. قلت: ابن المبارك؟ قال: ذلك أمير المؤمنين.
وقال عمار بن الحسن يمدح ابن المبارك: الطويل
إذا سار عبد الله من مرو ليلةً ... فقد سار منها نورها وجمالها
إذا ذكر الأخيار في كل بلدةٍ ... فهم أنجم فيها وأنت هلالها
стр. 4684
قال ابن المبارك: استعرت قلماً بأرض الروم، فذهبت على أن أرده إلى صاحبه. فلما قدمت مرو نظرت فإذا هو معي، فرجعت إلى ارض الشام حتى رددته على صاحبه.
قال أبو وهب: مر ابن المبارك برجل أعمى. قال: فقال: أسألك أن تدعو الله أن يرد علي بصري قال: فدعا الله فرد عليه بصره، وانا أنظر.
قال الحسن بن عيسى: رأيت ابن المبارك دخل زمزم، فاستقى دلواً واستقبل البيت ثم قال: اللهم، إن عبد الله بن المؤمل حدثني عن ابن الزبير عن جابر أن النبي ﷺ قال: ماء زمزم لما شرب له. اللهم، إني أشربه لعطش يوم القيامة. فشرب.
زاد في رواية: قال الحسن بن عرفة: ما رأيت أكثر شرباً من يومئذٍ.
قيل لابن المبارك: رجلان أحدهما أخوف، والآخر قتل في سبيل الله. فقال: أحبهما إلي أخوفهما.
دخل شيخ على عبد الله بن المبارك فرآه على وسادة حسنة مرتفعة. قال: فأردت أن أقول له، فرأيت به من الخشية حتى رحمته، فإذا هو يقول: قال الله : " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم " قال: لم يرض الله أن ننظر إلى محاسن المرأة فكيف بمن يزني بها؟ وقال الله : " ويل للمطففين " في الكيل والوزن فكيف بمن يأخذ المال كله؟ وقال الله تعالى: " ولا يغتب بعضكم بعضاً " ونحو هذا. فكيف بمن يقتله؟ قال: فرحمته وما رأيته فيه فلم اقل له شيئاً.
سئل ابن المبارك: من أحسن الناس حالاً؟ قال: من انقطع إلى الله .
стр. 4685
قال النضر بن مساور: قلت لعبد الله بن المبارك: هل تتحفظ الحديث؟ قال: فتغير لونه، وقال: ما تحفظت حديثاً قط، إنما آخذ الكتاب فأنظر فيه، فما اشتهيته علق بقلبي.
قال عبد الله بن المبارك: قال لي أبي: لئن وجدت كتبك لأحرقنها؟ قال: قلت: وما علي من ذلك، وهو في صدري؟ حدث صخر صديق ابن المبارك قال:
كنا غلماناً في الكتاب، فمررت أنا وابن المبارك ورجل يخطب خطبة طويلة. فلما فرغ قال لي ابن المبارك: وقد حفظتها، فسمعه رجل من القوم فقال له: هاتها، فأعادها عليهم ابن المبارك وقد حفظها.
قال فضالة النسوي: كنت أجالس أصحاب الحديث بالكوفة، فكانوا إذا تشاجروا في حديث قالوا: مروا بنا إلى هذا الطبيب حتى نسأله. يعنون عبد الله بن المبارك.
قال يحيى بن آدم: كنت إذا طلبت الدقيق من المسائل فلم أجده في كتب ابن المبارك أيست منه.
قال ابن المبارك: من ضن بالحديث ولم يفده ابتلي بإحدى ثلاث: إما أن يصحب السلطان فيذهب علمه، أو يكذب في الحديث، او يموت.
قال بعض الشعراء، ويقال: هو ابن المبارك: الطويل
تعلم فليس المرء يخلق عالماً ... وليس أخو علمٍ كمن هو جاهل
وإن كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفت عليه المحافل
ذكر لعبد الله بن المبارك رجل ممن كان يدلس فقال فيه قولاً شديداً، وأنشد: السريع
стр. 4686
دلس للناس أحاديثه ... والله لا يقبل تدليسا
وكان يقول: لأن يخر من السماء أحب إليه من أن يدلس حديثاً.
قال محمد بن حميد ونوح بن حبيب: كنا عند ابن المبارك فألحوا عليه فقال: هاتوا كتبكم حتى أقرأ، فجعلوا يرمون إليه الكتب من قريب ومن بعيد، وكان رجل من أهل الري يسمع كتاب الاستئذان فرمى بكتابه، فأصاب صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمعة ابن المبارك حرف كتابه فانشق، وسال الدم، فجعل ابن المبارك يعالج الدم حتى سكن، ثم قال: سبحان الله كاد أن يكون قبالاً، ثم بدأ بكتاب الرجل فقرأه.
حضر ابن المبارك عند حماد بن زيد مسلماً عليه، فقال أصحاب الحديث لحماد بن زيد: يا أبا إسماعيل، تسأل أبا عبد الرحمن أن يحدثنا؟ فقال: يا أبا عبد الرحمن، تحدثهم فإنهم قد سألوني؟ قال: سبحان الله يا أبا إسماعيل، أحدث وأنت حاضر! قال: فقال: أقسمت لتفعلن. قال: فقال ابن المبارك: خذوا: حدثنا أبو إسماعيل حماد بن زيد. فما حدث بحرفٍ إلا عن حماد بن زيد.
قال ابن المبارك: من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته.
عطس رجل عند ابن المبارك، فقال له ابن المبارك: أي شيء يقول الرجل إذا عطس؟ قال: يقول: الحمد الله، فقال له ابن المارك: يرحمك الله، فعجب من حضر من حسن أدبه.
قال ابن المبارك لأصحاب الحديث: انتم إلى قليل من الأدب أحوج منكم إلى كثير من العلم.
قال عباد بن زياد: سمعت ابن المبارك يقول: يا بن المبارك، إذا عرفت نفسك لم يضرك ما قيل فيك.
стр. 4687
قدم الرشيد هارون أمير المؤمنين الرقة فانجفل الناس خلف عبد الله بن المبارك، وتقطعت النعال، وارتفعت الغبرة، فأشرفت أم ولد لأمير المؤمنين من برج من قصر الخشب. فلما رأت الناس قالت: ما هذا؟ قالوا: عالم من أهل خراسان قدم الرقة يقال له عبد الله بن المبارك، فقالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان.
قال عبدة بن سليمان: كنا في سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم فصادفنا العدو. فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو، فدعا إلى البراز، فخرج إليه رجل فقتله، ثم آخر فقتله ثم آخر فقتله. ثم دعا إلى البراز، فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه، فقتله، فازدحم إليه الناس. فكنت فيمن ازدحم إليه وهو يلثم وجهه بكمه، فأخذت بطرف كمه فمددته، فإذا هو عبد الله بن المبارك، فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع علينا؟! قال محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة: أملى علي عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس، وودعته للخروج وأنفذها معي لفضيل بن عياض في سنة سبعين ومئة. وقيل: في سنة سبع وسبعين: الكامل
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت انك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطلٍ ... فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا ... قول صحيح صادق لا يكذب:
لا يستوي وغبار خيل الله في ... أنف امرئ ودخان نارٍ تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا ... ليس الشهيد بميتٍ لا يكذب
فلقيت الفضيل بن عياض في مسجد الحرام بكتابه، فلما قرأه ذرفت عيناه، ثم قال: صدق أبو عبد الرحمن ونصحني، ثم قال: أنت ممن يكتب الحديث؟ قلت: نعم
стр. 4688
يا أبا علي. قال: فاكتب هذا الحديث كراء حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا وأملى علي الفضيل بسنده إلى أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله، علمني عملاً أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله، فقال له النبي ﷺ : هل تستطيع أن تصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمي فلا تفتر، وتصوم فلا تفطر؟ فقال: يانبي الله. أنا أضعف من أن أستطيع ذلك، ثم قال النبي ﷺ : فو الذي نفسي بيده لو طوقت ذلك ما بلغت فضل المجاهدين في سبيل الله، أما علمت أن فرس المجاهد ليستن في طوله، فتكتب بذلك الحسنات؟.
قال عبد الله بن المبارك: خرج ابن المبارك من بغداد يريد المصيصة فصحبه الصوفية فقال لهم: أنتم لكم أنفس، تحتشمون أن ينفق عليكم، ياغلام، هات الطست، فألقى على الطست منديلاً ثم قال: يلقي كل رجل منكم تحت المنديل ما معه، قال: فجعل الرجل يلقي عشرة دراهم، والرجل يلقي عشرين درهماً، فأنفق عليهم إلى المصيصة. فلما بلغ المصيصة قال: هذه بلاد نفير فنقسم ما بقي، فجعل يعطي الرجل عشرين ديناراً فيقول يا أبا عبد الرحمن: إنما أعطيت عشرين درهماً، فيقول: وما تنكر؟ إن الله تعالى وتبارك يبارك للغازي في نفقته.
قال علي بن الحسن بن شقيق: كان ابن المبارك إذا كان وقت الحج اجتمع إليه إخوته من أهل مرو فيقولون: نصحبك، فيقول لهم: هاتوا نفقاتكم، فيأخذ نفقاتهم فيجعلها في صندوق ويقفل عليها ثم يكتري لهم، ويخرجهم من مرو إلى بغداد، ولا يزال ينفق عليهم ويطعمهم أطيب الطعام وأطيب الحلوى، ثم يخرجهم من بغداد بأحسن زي وأكمل مروءة حتى يصلوا إلى مدينة سيدنا رسول الله ﷺ فيقول لكل رجل منهم: ما امرك عيالك أن تشتري لهم من طرف
стр. 4689
المدينة؟ فيقول: كذا وكذا فيشتري لهم، ثم يخرجهم من مكة، فينفق عليهم إلى أن يصلوا إلى مرو فإذا صاروا إلى مرو صنع لهم بعد ثلاثة أيام وليمة وكساهم، إذا أكلوا وسروا دعا بالصندوق ففتحه، ودفع إلى كل رجل منهم صرته بعد أن كتب عليها اسمه، فحدث خادمه انه عمل آخر سفرة سافرها دعوة، فقدم إلى الناس خمسة وعشرين خواناً فالوذج، قال: وكان ينفق على الفقراء في كل سنة مئة ألف درهم.
قال المسيب بن واضح: كنت عند ابن المبارك إذ كلموه في رجل يقضي عنه سبع مئة درهم ديناً، فكتب إلى وكيله أن يدفع له سبعة آلاف درهم. فلما ورد الكتاب على الوكيل قال للرجل: أي شيء قصتك؟ قال: كلموه أن يقضي عني سبع مئة درهم، فقال: الكتاب أصبت فيه غلطاً، ولكن اقعد موضعك حتى أجري عليك، من مالي وأبعث إلى صاحبي فأوامدة فبك فكتب إلى عبد الله بن المبارك اتاني كتابك وسألت صاحبه فذكر أنه كلمك في سبع مئة درهم وها هنا سبعة آلاف درهم، فإن يكن منك غلطاً فاكتب إلي، فكتب إليه: إذا أتاك كتابي هذا فادفع إلى صاحب الكتاب أربعة عشر ألفاً، فكتب إليه: إن كان على هذا الفعل تفعل، ما أسرع ما تبيع الضيعة، فكتب إليه عبد الله: إن كنت وكيلي فأنفذ ما آمرك به، وإن كنت أنا وكيلك فتعال إلى موضعي حتى أصير إلى موضعك فأنفذ ما تامرني به.
قال محمد بن عيسى:
كان عبد الله بن المبارك كثير الاختلاف إلى طرسوس، وكان ينزل الرقة في خان، فكان شاب يختلف إليه ويقوم بحوائجه، ويسمع منه الحديث. قال: فقدم عبد الله الرقة مرة فلم ير ذلك الشاب، وكان مستعجلاً، فخرج في النفير، فلما قفل من غزوته ورجع إلى الرقة سأل عن الشاب فقالوا: إنه محبوس لدين ركبه. قال: فقال عبد الله: وكم يبلغ دينه؟ قالوا: عشرة آلاف درهم، فلم يزل يستقصي حتى دل على صاحب المال، فدعا به ليلاً ووزن له عشرة آلاف درهم وحلفه ألا يخبر أحداً ما دام عبد الله حياً، وقال: إذا أصبحت فأخرج الرجل من الحبس، وأدلج عبد الله فأخرج الفتى من الحبس، وقيل له: عبد الله بن المبارك كان ها هنا وكان يذكرك، وقد خرج، فخرج الفتى في أثره
стр. 4690
فلحقه على مرحلتين أو ثلاث من الرقة، فقال: يا فتى، أين كنت؟ لم أرك في الخان، قال: نعم يا أبا عبد الرحمن، كنت محبوساً بدين، قال: فكيف كان سبب خلاصك؟ قال: جاء رجل فقضى ديني، ولم أعلم به حتى خرجت من الحبس، فقال لي عبد الله: يا فتى، احمد الله على ما وفق لك من قضاء دينك، فلم يخبر ذلك الرجل أحداً إلا بعد موت عبد الله.
قال حبان بن موسى: عوتب ابن المبارك فيما يفرق المال في البلدان، ولا يفعل في أهل بلده فقال: إني لأعرف مكان قوم، ولهم فضل وصدق، طلبوا الحديث، فأحسنوا الطلب للحديث، وحاجة الناس إليهم شديدة، وقد احتاجوا، فإن تركناهم ضاع علمهم، وإن أغنيناهم بثوا العلم لأمة محمد ﷺ ، ولا أعلم بعد النبوة درجة أفضل من بث العلم.
قال علي بن الفضيل: سمعت أبي يقول لابن المبارك: أنت تامرنا بالزهد والتقلل وبالبلغة، ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خراسان إلى البلد الحرام، كيف ذا، وأنت تأمرنا بخلاف ذا؟! فقال ابن المبارك: يا أبا علي، أنا أفعل لأصون بها وجهي وأكرم بها عرضي، وأستعين بها على طاعة ربي، لا أرى لله حقاً إلا سارعت إليه حتى أقوم به، فقال له الفضيل: يا بن المبارك، ما احسن ذا إن تم ذا.
قال نعيم بن حماد: قيل لابن المبارك: يا أبا عبد الرحمن، تكثر القعود في البيت وحدك! قال: أنا وحدي! أنا مع النبي ﷺ وأصحابه. يعني النظر في الحديث.
قال الأصمعي: سمعت ابن المبارك يقول: إنه ليعجبني من القراء كل طلق مضحاك، فأما من تلقاه بالبشر ويلقاك بالعبوس كأنه يمن عليك بعمله فلا أكثر الله في القراء مثله.
стр. 4691
سئل ابن المبارك: ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: غريزة عقل. قيل: فإن لم يكن؟ قال: أدب حسن. قيل: فإن لم يكن؟ قال: أخ صالح بستشيره. قيل: فإن لم يكن؟ قال صمت طويل. قيل: فإن لم يكن؟ قال: موت عاجل.
كان عبد الله بن المبارك كثيراً كان يتمثل بأييات حميد النحوي: الخفيف
اغتنم ركعتين زلفى إلى الله إذا كنت فارغاً مستريحا
وإذا ما هممت بالنطق في البا ... طل فاجعل مكانه تسبيحا
فاغتنام السكوت أفضل من خوضَ ... وإن كنت بالحديث فصيحا
سمع ابن المبارك رجلاً يتكلم بما لا يعنيه فقال: المتقارب
تعاهد لسانك إن اللسان ... سريع إلى المرء في قتله
وهذا اللسان بريد الفؤاد ... يدل الرجال على عقله
قال محمد بن إدريس الحنظلي: قال عبد الله بن المبارك: المنسرح
أدبت نفسي فما وجدت لها ... من بعد تقوى الإله من أدب
في كل حالاتها وإن قصرت ... أفضل من صمتها عن الكذب
وغيبة الناس إن غيبتهم ... حرمها ذو الجلال في الكتب
إن كان من فضةٍ كلامك يا ... نفس فإن السكوت من ذهب
قال أبو أمية الأسود: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: أحب الصالحين ولست منهم، وأبغض الصالحين وأنا شر منهم، ثم أنشأ عبد الله يقول: مجزوء الكامل
الصمت أزين بالفتى ... من منطقٍ في غير حينه
والصدق أجمل بالفتى ... في القول عندي من يمينه
стр. 4692
وعلى الفتى بوقاره ... سمة تلوح على جبينه
فمن الذي يخفى عليك ... إذ نظرت إلى قرنيه
رب امرئٍ متيقنٍ ... غلب الشقاء على يقينه
فأزاله عن رأيه ... فابتاع دنياه بدينه
كان عبد الله بن المبارك يقول:
سخاء النفس عما في أيدي الناس أكثر من سخاء النفس بالبذل، والقناعة والرضا أكثر من مروءة الإعطاء، وانشد: البسيط
ماذاق طعم الغنى من لا قنوع له ... ولن ترى قانعاً ما عاش مفتقرا
فالعرف من يأته تحمد عواقبه ... ما ضاع عرف وإن أوليته حجرا
وعن عبد الله بن المبارك: البسيط
لا تضرعن لمخلوقٍ على طمعٍ ... فإن ذاك مضر منك بالدين
واسترزق الله مما في خزائنه ... فإنما هي بين الكاف والنون
ألا ترى كل من ترجو وتامله ... من البرية مسكين ابن مسكين؟
قال عبد الله بن المبارك: لن يخلو المؤمن من ثلاثة: من نفس تدعوه، وشيطان يبغيه، ومنافق يحسده.
سئل ابن المبارك: من الناس؟ قال: العلماء. قال: فمن الملوك؟ قال: الزهاد. قال: فمن السفلة؟ قال: الذي يأكل بدينه. قيل له: فمن الغوغاء؟ قال: خزيمة بن حازم وأصحابه. قيل له: فمن الدنيء؟ قال: الذي يذكر غلاء السعر عند الضيف.
كان ابن المبارك يقول: من طلب العلم تعلم العلم، ومن تعلم العلم خاف من الذنب، ومن خاف من الذنب هرب من الذنب، ومن هرب من الذنب نجا من الحساب.
стр. 4693
قال زرقان: سمعت ابن المبارك يقول على سور طرسوس: الكامل
ومن البلاء وللبلاء علامة ... ألا يرى لك عن هواك نزوع
العبد عبد النفس في شهواتها ... والحر يشبع مرة ويجوع
أنشد الحسن بن إبراهيم البجلي لعبد الله بن المبارك: الكامل
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا محال في الفعال بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
قال الأصمعي: سمعت ابن المبارك يقول: الرمل
خالق المناس بخلقٍ حسنٍ ... لاتكن كلباً على الناس تهر
كان ابن المبارك يقلو: إذا تاكد الإخاء قبح الثناء.
قال عبد الله بن المبارك: إن العبد إذا استخف بستر الله عليه أنطق الله لسانه بمعايب نفسه حتى يكفي الناس مؤنته.
سأل حاتم بن عبد الله العلاف ابن المبارك حين أراد الخروج إلى مكة فقال: أما توصينا؟ فقال عبد الله بن المبارك: الوافر
إذا صاحبت في الأسفار قوماً ... فكن لهم كذي الرحم الشفيق
بعيب النفس ذا بصرٍ وعلمٍ ... غني النفس عن عيب الرفيق
ولا تأخذ بعثرة كل قومٍ ... ولكن قل هلم إلى الطريق
فإن تأخذ بعثرتهم يقلوا ... وتبقى في الزمان بلا صديق
قال عبد الله بن المبارك: حفروا بخراسان حفيراً، فوجدوا رأس إنسان فوزنوا سناً من أسنانه فإذا فيه سبعة اسانين
стр. 4694
وفي رواية: فوزنهما أو وزن أحدهما فإذا فيه منوان وزيادة في كل سن، فقال عبد الله من أبيات: المتقارب
أرى الناس يبكون موتاهم ... وما الحي أبقى من الميتينا
أليس مصيرهم للفناء ... وإن عمر القوم أيضاً سنينا
يساقون سوقاً إلى يومهم ... فهم في السياق وما يشعرونا
فإن كنت تبكين من قد مضى ... فبكي لنفسك في الهالكينا
أتيت بسنين قد رمتا ... من الحصن لما أثاروا الدفينا
على وزن منيين إحداهما ... تقل به الكف شيئاً رزينا
ثلاثين أخرى على قدرها ... تباركت يا أحسن الخالقينا
فماذا يقوم لأجرامهم ... وما كان يملأ تلك البطونا
إذا ما تذكرت أجسامهم ... تصاغرت النفس حتى تهونا
وكل على ذاك لاقي الردى ... فبادوا جيمعاً فهم خامدونا
وعن أبي موسى الأشعري قال: يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: فأما عرضان فجدال ومعاذير وأما العرضة الثالثة فتطاير الصحف في الأيدي. ثم قال عبد الله بن المبارك: البسيط
وطارت الصحف في الأيدي منشرةً ... فيها السرائر والأخبار تطلع
فكيف سهوك والأنباء واقعة ... عما قليلٍ ولا تدري بما يقع
أفي الجنان وفوز لا انقطاع له ... أم الجحيم فما تبقي وما تدع
تهوي بسكانها طوراً وترفعهم ... إذا رجوا مخرجاً من غمها وقعوا
طال البكاء فلم ينفع تضرعهم ... هيهات لا رقة تجزي ولا جزع
стр. 4695
لن ينفع العلم قبل الموتٍ عالمه ... قد سال قوم بها الرجعى فما رجعوا
كان ابن المبارك يقول في دعائه: اللهم، إني أسألك الشهادة في غير جهد بلية ولا تبديل نية، فأجيبت دعوته، فمات شهيداً غريباً في غير تربته من غير جهد في الشهادة ولا تبديل في الإرادة.
ولما حضرت ابن المبارك الوفاة قال لنصر مولاه: اجعل رأسي على التراب. قال: فبكى نصر، فقال له: ما يبكيك؛ قال: أذكر ما كنت فيه من النعيم، وأنت هو ذا تموت فقيراً غريباً فقال له: اسكت، فإني سألت الله ﵎ أن يجنبني جباه الأغنياء، وان يميتني ميتة الفقراء. ثم قال: لقني، ولا تعد علي إلا أن أتكلم بكلام ثان.
لما حضر ابن المبارك جعل رجل يلقنه: قل: لا إله إلا الله، فأكثر عليه، فقال: إنك ليس تحسن، وأخاف أن تؤذي بها رجلاً مسلماً بعدي. إذا لقنتني فقلت: لا إله إلا الله ثم لم أحدث كلاماً بعدها فدعني، فإذا أحدثت كلاماً بعدها فلقني حتى تكون آخر كلامي.
لما احتضر ابن المبارك فتح عينيه وضحك وقال: " لمثل هذا فليعمل العاملون ".
لما مات ابن المبارك قال هارون أمير المؤمنين: مات سيد العلماء.
قال ابن المديني: مات خيار الرض جميعاً في سنة واحدة: مالك، وحماد، وخالد، وسلام بن سليم أبو الأحوص، وعبد الله بن المبارك سنة تسع وسبعين ومئة.
قال: وهذا القول وهم، والمحفوظ أن عبد الله خرج إلى العراق سنة إحدى وأربعين ومئة ومات بهيت وعانات في رمضان سنة إحدى وثمانين ومئة. مات سحراً ودفن بهيت، وهو ابن ثلاث وستين سنة. وكان منصرفاً من الغزو.
следующие страницы →