← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

عبد الجليل بن محمد بن الحسن أبو سعد الساوي البيع المعدل سمع بدمشق وبمصر وبغيرها، وسكن بغداد. حدث عن أبي عبد الله محمد بن سلامة القضاعي بسنده إلى أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: أكثروا من ذكر هادم اللذات: توفي أبو سعد عبد الجليل سنة ثلاث وتسعين وأربع مئة. ودفن عند قبر أبي حنيفة. عبد الحليم بن محمد بن عبيد الله ابن أبي المهاجر المخزومي حدث عن ابين شهاب عن محمد بن قيس بن مخرومة بن المطلب قال: فقال - يعني للزبير بن باطا القرظي الذي استوهبه ثابت بن قيس من النبي ﷺ وأهله -: ما فعل سيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب؟ قلت: هيهات! مات، قتل. قال: فنكس وقال: ما فعل الذي كان وجهه مرآة مضيئة تتراءى فيها عذارى الحي وجوههم: كعب بن أسد؟ قال: يعني. قتل. قال: فنكس. قال: فما فعل جناحنا إذا وقفنا، ومقدمتنا إذا فررنا: عزال بن سموءل؟ قلت: هيهات! قتل. فنكس. ثم رفع بصره فقال: ما فعل المجلسان كعب وعمرو ابنا قريظة؟ قلت: هيات! هلكا، فنكس ثم رفع بصره فقال: فما أنا بصابرٍ لله فتلة دلو ناضح.

стр. 4832

حدث عبد الحليم بن محمد عن عمه إسماعيل قال: قالت لي أم الدرداء: كيف يا إسماعيل ينام رجل عند رأسه عشرة آلاف؟ قال: قلت لها: لا، بل، كيف ينام إذا لم يكن تحت رأسه عشرة آلاف؟ قالت: ما أراك إلا سوف تبتلى بالدنيا! قال أبو مسهر: فابتلي بالدنيا. قال عبد الحليم بن محمد: قدم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز، فدخل عليه. قال: فذهب ليقول، فنهاه عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، إني إنما أذكر رسول الله ﷺ قال: أما رسول الله ﷺ فاذكر؟ فقال: الكامل إن الذي ابتعث النبي محمداً ... جعل الخلافة للأمير العادل رد الظالم حقها بيقينها ... عن جورها وأقام ميل المائل إني لأرجو منك خيراً عاجلاً ... والنفس موزعة بحب العاجل فقال له عمر: ما أجد لك في كتاب الله حقاً فقال: بلى يا أمير المؤمنين، إنني ابن سبيل: قال: فأمر له من خاصة ماله: خمسين ديناراً. عبد الحميد بن بكار أبو عبد الله السلمي الدمشقي ثم البيروتي حدث عن محمد بن شعيب بسنده إلى عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: ما كان رسول الله ﷺ يبرح هذا الصوت: إيماني كإيمان جبريل وميكائيل صلى الله عليها ما. وحدث عن سعيد بن بشير بسنده إلى مالك بن الحويرث قال: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه إذا كبر في الصلاة حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع.

стр. 4833

عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين أبو سعيد الدمشقي ثم البيروتي كاتب الأوزاعي حدث عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن سعيد بن المسيب: أنه لقي أبا هريرة فقال أبو هريرة: اسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الحنة، فقال سعيد: أوفيها سوق؟ قال أبو هريرة: نعم أخبرني رسول الله ﷺ أن أهل الجنة إذا دخلوها فنزلوا فيها بفضل أعمالهم، فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من ايام الدنيا، فيرون الله، ويبرز لهم عرشه ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة، فتوضع لهم منابر من ذهب ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم - وما فيهم دني - على كثبان المسك والكافور، لا يرون أن أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلساً. قال أبو هريرة: وهل نرى ربنا يا رسول الله؛ قال: هل تمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر؟ قلنا: لا، قال: كذلك لا تمارون في رؤية ربكم ، ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضر الله محاضرة حتى إنه يقول للرجال منهم: يا فلان بن فلان أتذكر يوم علمت كذا وكذا؟ فيذكره بعض غدراته في الدنيا، فيقول: رب ألم تغفر لي؟ فيقول: بلى بسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه. قال: فبينا هم على ذلك غشيتهم سحابة من فوقهم، فأمطرت عليهم طيباً لم يجدوا مثل ريحه شيئاً قط. قال: ثم يقول ربنا : قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة، فخذوا ما اشتهيتم. قال: فنأتي سوقاً قد حفت به الملائكة، فيه ما لم تنظر العيون إلى مثله، ولم يخطر على القلوب. قال: فيحمل لنا ما اشتهينا، ليس يباع فيه شيء ولا يشترى، في ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضاً. قال: فيقبل الرجل ذو المنزلة المرتفعة فيلقى من هو دونه، وما فيهم دني، فيروعه ما يرى من اللباس فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه أحسن منه، وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها. قال: ثم ننصرف إلى منازلنا، فتلقانا أزواجنا فيقولن: مرحباً وأهلاً بحبنا، لقد جئت وإن بك من الجمال والطيب أفضل مما فارقتنا عليه. قال: فيقول: إنا جالسنا اليوم ربنا ويحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلينا.

стр. 4834

عبد الحميد بن حريث بن أبي حريث أبو الحكم مولى قريش، من أهل دمشق، أخو سعيد بن حريث حدث عبد الحميد أن رجلاً قال لعمر بن عبد العزيز وهو على المنبر بخناصرة - وأنا حاضر -: يا أمير المؤمنين، هذا رجل يسبك فأعرض عنه عمر، ثم قال له الثانية فأعرض عنه، ثم قال له الثالثة فقال عمر: سنستدرجه - والله - من حيث لا يعلم. قال يونس بن ميسرة لعبد الحميد بن حريث يا أبا الحكم، إنك كنت عودتنا عادة: كنت لا تزال تصنع الخبيص، وتدعونا إليه، ثم تركت! قال: يا أبا حلبس، اما إن القدر التي كنا نعمل فيها فهي عندنا، والجارية التي كانت تعمله فهي صافية، فقد عرفتها، فعلي بعسل وسمن - وفي رواية: فاحمل إلينا شيئاً من عسل وسمن - ثم ادع بما شئت، فقال ابن حلبس: إنا لله وإنا إليه راجعون، لولا مودة كانت بيني وبين أبيك ما كلتمك أبداً، ذهب أهل الجود وبقينا في الفسفارين؟. عبد الحميد بن الحسين بن علي ابن الحسن بن محمد المعري أبو يحيى بن المعري ونسبه إلى يزدجرد بن بهرام جور. حدث عن أبيه بسنده إلى يزيد بن عمرو بن مسلم الخزاعي قال: حدثني أبي عن أبيه قال: شهدت رسول الله ﷺ ومنشد ينشده قول سويد بن عامر المصطلقي: البسيط لا تأمنن وإن أمسيت في حرمٍ ... إن المنايا بجنبي كل إنسان

стр. 4835

فاسلك طريقك تمشي غير مختشعٍ ... حتى تلاقي ما يمني لك الماني فكل ذي صاحبٍ يوماً مفارقه ... وكل زادٍ وإن أبقيته فان والخير والشر مجموعان في قرنٍ ... بكل ذلك يأتيك الجديدان فقال رسول الله ﷺ : لو أدركني هذا لأسلم فبكى أبي، قثلت: يا أبه، ما يبكيك من مشرك مات في الجاهلية؟! قال: يا بني، ما رأيت مشركة بلغت من مشرك خيراً من سويد. عبد الحميد بن حماد بن عبيد الله أبو الوليد القرشي البعلبكي حدث عن سويد بن عبد العزيز بسنده إلى أبي أمامة عن النبي ﷺ أنه قال: من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان. إن أفاضلكم أحسانكم أخلاقاً، إن من الإيمان حسن الخلق. وحدث عنه أيضاً بسنده إلى عبد الله بن عمر قال: جاء حبشي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، فضلتم علينا بالنبوة والصور، فقال عمر بن الخطاب: ما أجاد المسألة، ما أحكمها، فقال له النبي ﷺ : سل واستفهم، فقال: يا نبي الله، فضلتم علينا بالنبوة والصور والألوان أفإن آمنت بك، وعملت بالذي عملت به فإني كائن معك في الجنة؟ فقال رسول الله ﷺ : نعم، والذي نفسي بيده، من آمن بالذي آمنت به، وعمل بالذي عملت به فإنه كائن معي في الجنة، ثم قال: والذي نفسي بيده إنه ليرى بياض الأسود في الجنة من مسيرة مئة عام أو ألف عام، ثم قال رسول الله ﷺ : لا إله إلا الله كتب له بها عهد عند الله، ومن قال: سبحان الله وبحمده كتب له بها مئة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة، فقالوا: يا رسول الله

стр. 4836

كيف نهلك بهد هذا؟ فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده، إن العبد ليجيء يوم القيامة، معه من الحسنات ما - لو كان على جبلٍ لأثقله، قال: ثم تقوم نعمة مما أنعم الله عليه، فتكاد تذهب بذلك كله، حتى يتطول الله عليه منه برحمة. قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ " هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً " حتى انتهى إلى قوله: " وإذا رأيت نعيماً وملكاً كبيراً " قال الحبشي: يا رسول الله، إن عيني هاتين لتريان ما ترى عيناك يوم القيامة. قال: واستبكى الحبشي شوقاً إلى الجنة حتى خرجت نفسه. قال ابن عمر: وأنا رأيت رسول الله ﷺ حين دلاه في قبره. عبد الحميد بن شميط حكى عبد الحميد أن رجلاً استأجر لعابين ثلاثة أيام بسبعة دنانير، فلعبوا له بالوجوه كلها، فمطل الرجل اللعابين، فأتوا به نمير بن أوس - وكان قاضي دمشق زمن هشام بن عبد الملك - فقضى عليهم، وقال: إنا لا نقضي لكم بعمل الشياطين، فأبطل أجورهم. عبد الحميد بن عبد الرحمن ابن زيد بن الخطاب بن نفيل أبو عمر القرشي العدوي الخطابي كان عامل عمر بن عبد العزيز على الكوفة، ووفد عليه. حدث عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن عبد الله بن عباس أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقيه أمير الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام. قال ابن عباس: فقال عمر بن الخطاب: ادع لي المهاجرين الأولين، فدعاهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم: قد خرجت لأمرٍ وما نرى أن ترجع عنه

стр. 4837

وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ﷺ ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي الأنصار، فدعوتهم فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي من كان ها هنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعاهم، فلم يختلف عليه منهم رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس، ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرار من قدر الله! فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، وكان عمر يكره خلافه، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كانت لك إبل كثيرة فهبطت وادياً له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيباً في بعض حاجته، قفال: إن عندي من هذا علماً، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا سمعتم به بأرضٍ فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه. قال: فحمد الله عمر ثم انصرف. وحدث عبد الحميد بن عبد الرحمن قال: أتينا عبد الله بن عباس وهو مسند ظهره إلى سارية من سواري مسجد رسول الله ﷺ فسلمت عليه وانتسبت فقال لي: أنت ابن العامرية؟ قلت: نعم، وأخذ بيدي وأدناني منه حتى لصقت ركبتي برأسه، فقلت: يا عم، أخبرني عن الوضوء، فقبض يده، ثم بسطها وقال: سألت عمك عمر بن الخطاب عن الوضوء، فقبض على يدي وقال: سألت رسول الله ﷺ عن الوضوء ففعل مثل ذلك وقال: الوضوء ثلاثاً ثلاثاً. وحدث عبد الحميد بن عبد الرحمن عن ابن يسار أن عمر بن الخطاب ﵁ سئل عن هذه الآية " وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم " الآية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذريته ثم قال: خلقت هؤلاء للجنة،

стр. 4838

وبعمل أهل الجنة يعملون، وخلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون. قال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ فقال رسول الله ﷺ : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على أعمال أهل الجنة، ويدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على أعمال أهل النار، فيدخله الله به النار. وحدث عبد الحميد عن مقسم عن ابن عباس عن النبي ﷺ وفي الرجل يأتي امرأته وهي حائض قال: يتصدق بدينار أو نصف دينار. قال عبد الله: هذه سنة تفرد بها أهل المدينة، وهذا عبد الحميد من ولد عمر بن الخطاب ثقة مأمون. وعبد الحميد بن عبد الرحمن ولي الكوفة لعمر بن عبد العزيز، وهو الأعوج، وكان معه أبو الزناد عبد الله بن ذكوان كاتباً له. قال ميمون بن مهران: دخلت على عمر بن عبد العزيز وهو متغيظ على عبد الحميد، وهو على الكوفة فقال عمر: بلغني أنه قال: لا اطلع على شاهد زور إلا قطعت لسانه. قال ميمون: قلت يا أمير المؤمنين، إنه ليس بفاعل، إنما أراد أن يؤدب أهل مصره، فقال عمر: انظروا إلى هذا الشيخ، إن خلتين خيرهما الكذب لخلتا سوء. وأم عبد الحميد ميمونة بنت بشر بن معاوية بن ثور بن معاوية. قال أبو يعقوب بن زيد: أجاز عمر بن عبد العزيز عبد الحميد بن عبد الرحمن، وكان عامله على العراق بعشرة آلاف درهم. كتب عبد الحميد بن عبد الرحمن إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد، يا أمير المؤمنين، فإن الناس قد اصابوا من الخير قبلنا خيراً كثيراً، حتى لقد تخوفت أن ذلك سيطغيهم. فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: أما بعد، فإن الله لما أدخل أهل الجنة الجنة، وأسكنهم داره وأحلهم جواره، رضي منهم بأن قالوا: الحمد الله رب العالمين. فآمر من قبلك أن يحمدوا الله على ما رزقهم. توفي عبد الحميد بحران في خلافة هشام بن عبد الملك.

стр. 4839

عبد الحميد بن عبد العزيز بن عبد الحميد أبو خازم السكوني القاضي ولي قضاء دمشق، والأردن، وفلسطين في أيام أحمد بن طولون في خلافة المعتمد وكان ممن أفتى بدمشق بخلع أبي أحمد الموفق. حدث عن شعيب بن أيوب بسنده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : شاهد الزور لا تزول قدماه حتى تجب له النار. أبو خازم بالخاء المعجمة. قاضي مدينة السلام وغيرها. كان عراقي المذهب، وكان عفيفاً، ورعاً، فاضلاً، نبيلاً، أديباً. وكان حنفي المذهب، عالما بمذهب أهل العراق، والفرائض، والحساب، والزرع، والقسمة، حسن العلم بالجبر، والمقابل، وحساب الدور، وغامض الوصايا والمناسخات. قدوة في العلم بصناعة الحكم ومباشرة الخصوم وأحذق الناس بعمل المحاضر والسجلات والإقرارات. أخذ العلم عن هلال بن يحيى وجماعة. كان يفضل عليهم. وأما عقله قالوا: لا نعلم أحداً رآه فقال: إنه رأى أعقل منه. وبلغ من شدته في الحكم أن المعتضد وجه إليه بطريف المخلدي فقال له: إن على الضبعي بيعاً كان للمعتضد، ولغيره مالاً، وقد بلغني أن غرماءه ثبتوا عندك، وقد قسطت لهم من ماله، فاجعلنا كأحدهم، فقال أبو خازم: قل له: أمير المؤمنين - أطال الله بقاءه - ذاكر لما قال لي وقت قلدني: إنه قد أخرج الأمر من عنقه وجعله في عنقي ولا يجوز لي أن أحكم في مال رجل لمدع إلا ببينة، فرجع إليه طريف فأخبره، فقال: قال له: فلان وفلان يشهدان - يعني لرجلين جليلين - كانا في ذلك الوقت - فقال: يشهدان عندي، وأسأل عنهما، فإن زكيا قبلت شهادتهما وإلا أمضيت ما قد ثبت عندي، فامتنع أولئك من الشهادة فزعاً، ولم يدفع إلى المعتضد شيئاً. وحدث وكيع القاضي قال: كنت أتقلد لأبي خازم وقوفاً في أيام المعتضد، منها وقوف الحسن بن سهل. فلما

стр. 4840

استكثر المعتضد من عمارة القصر المعروف بالحسني أدخل إليه بعض وقوف الحسن بن سهل التي كانت في يدي ومجاورة للقصر، وبلغت السنة آخرها، وقد حببت مالها إلا ما أخذه المعتضد، فجئت إلى أبي خازم فعرفته اجتماع مال السنة، واستأذنته في قسمته في سبيله وعلى أهل الموقف، فقال لي: فهل جبيت ما على أمير المؤمنين؟ فقلت له: ومن يجسر على مطالبة الخليفة؟! فقال: والله لا قسمت الراتفاع أو تأخذ ما عليه، والله إن لم يزح العلة لا وليت له عملاً، ثم قال: امض إليه الساعة وطالبه فقلت: من يوصلني إليه؟ فقال لي: امض إلى صافي الحرمي، وقل إنك رسول أنفذت في مهم، فإذا وصلت فعرفه ما قلتلك. فجئت فقلت لصافي ذلك، فأوصلني، وكان آخر النهار. فلما مثلت بين يدي الخليفة ظن أن أمراً عظيماً قد حدث وقال: هيه! قل، كأنه متشوف، فقلت له: إني ألي لعبد الحميد قاضي أمير المؤمنين وقوف الحسن بن سهل، وفيها ما قد أدخله أمير المؤمنين إلى قصره، ولما جئت بمال هذه السنة امتنع من تفرقته إلى أن أجبي ما على أمير المؤمنين، وقد أنفذني الساعة قاصداً بهذا السبب، وأمرني أن أقول: إني حضرت في مهم، لأصل. فسكت ساعة مفكراً لم قال: أصاب عبد الحميد، يا صافي، هات الصندوق. قال: فأحضره صندوقاً لطيفاً، فقال: كم يجب لك؟ فقلت: الذي جبيت عام أول من ارتفاع هذا العقار: أربع مئة دينار. قال: كيف حذقك بالنقد والوزن؟ قلت: أعرفهما، قال: هاتوا ميزاناً، فجاؤوا بميزان، فأخرج من الصندوق دنانير عيناً، فوزن لي منها أربع مئة دينار، فقبضتها وانصرفت إلى أبي خازم بالخبر، فقال: أضفها إلى ما اجتمع للوقف عندك، وفرقه في غدٍ في سبيله، ولا تؤخر ذلك، ففعلت. فكثر شكر الناس لأبي خازم بهذا السبب وإقدامه على الخليفة بمثل ذلك، وشكرهم للمعتضد في إنصافه.

стр. 4841

حدث أبو عبد الله الصيمري أن عبد الله بن سليمان الوزير وجه بأبي إسحاق الزجاج إلى أبي خازم القاضي وأبي عمر محمد بن يوسف يسألهما في رجل محبوس بدين ثابت عندهما، فبدأ أبو إسحاق بأبي خازم، فجاء إليه وقد علا النهار، ودخل داره، فقال أبو إسحاق للبواب: استأذن لإبراهيم الزجاج، فقال: إن القاضي الآن دخل إلى الدار، وليس العادة بعد أن يقوم من مجلسه، ويدخل الدار أن يستأذن عليه، حتى يصلي العصر، فقال له أبو إسحاق: تعلمه أن الزجاج بالباب، فأبى عليه ذلك، فقال: تعلمه أن رسول الوزير عبيد الله بن سليمان بالباب، فأبى عليه ذلك فقال تعلمه أن رسول الوزير عبيد الله فقال: لو جاء الوزير الساعة لم يستأذن عليه. فانصرف أبو إسحاق وقعد في المسجد مغتاظاً مما جرى، غير أنه لا يشتهي الانصراف إلى الوزير إلا بعد قضاء الحاجة، وقعد إلى وقت العصر، فخرج البواب وكنس الباب ورش، وقال للزجاج: القاضي قد جلس، فإن كان لك رأي في الدخول إليه فقم، فقام أبو إسحاق، فدخل على أبي خازم، فسلم عليه، وتعرف كل واحد منهما خبر صاحبه، غير أنه لم يكن منه من الإقبال ما كان أبو إسحاق يعتقد منه، فأدى أبو إسحاق الرسالة، فقال أبو خازم: تقرأ على الوزير - أعزه الله - السلام وتقول له: إن هذا الرجل محبوس لخصمه في دينه، وليس بمحبوس لي، فإن أراد الوزير إطلاقه، فإما أن يسأل خصمه إطلاقه، أو يقضي عنه دينه، فإن الوزير لا يعجزه ذلك. قال أبو إسحاق: جئت إلى هاهنا قبل الظهر فامتنع البواب من الاستئذان على القاضي، فجلست إلى الآن للدخول عليه - وهو يقصد بهذا أن ينكر القاضي على البواب - فقال له: نعم، هكذا عادتي، إذا قمت من مجلسي، ودخلت إلى داري اشتغلت ببعض الحوائج التي تخصني، فإن القاضي لا بد له من خلوة وتودع، فاغتاظ أبو إسحاق من ذلك أكثر، وقال له مبكتاً له؛ كنت بحضرة الوزير في بعض هذه الليالي، فأنشدت بين يديه: المتقارب.

стр. 4842

أذل فيا حبذا من مذل ... ومن سافكٍ لدمي مستحل إذا ما تعزز قابلته ... بذل وذلك جهد المقل فسأل عن ذلك فقيل: إنها للقاضي أعزه الله، فقال أبو خازم: نعم هذه الأبيات قلتها في والدة هذا الصبي - لغلام قاعد بين يديه، في يده كتاب من الفقه، يقرأ عليه وهو ابنه - فإني كنت ضعيف الحال أول ما عرفتها، وكنت مائلاً إليها، ولم يمكن إرضاؤها بالمال، فكنت أطيب قلبها بالبيت والبيتين. فقام أبو إسحاق وودعه، ومضى إلى أبي عمر فاستقبله حجابه من باب الدار، وأدخلوه إلى الدار، فاستقبله القاضي من مجلسه بخطوات، وأجلسه في موضعه، وأكرمه كما يكرم من يكون خصيصاً بوزير إذا جاء إلى ناظر من قبله، فقال له: في أي شيء يرسم؟ فأدى إليه رسالة الوزير في باب الرجل المحبوس، فقال أبو عمر: السمع والطاعة لأمر الوزير، أنا أسأل صاحب الحق حتى يفرج عنه، فإن فعل، وإلا وزنت الدين من مالي إجابة لمسألة الوزير، فقام أبو إسحاق فودعه، وانصرف إلى الوزير ضيق الصدر من أبي خازم، مسروراً بصنيع أبي عمر، فاستبطأه الوزير، فحكى له ما جرى من كل واحد منهما، فقال له الوزير: فأي الرجلين أفضل عندك يا أبا إسحاق؟ فقال: أبو عمر، في عقله وسداده وحسن عشرته ومعرفته بحقوق الوزير يغري بأبي حازم: فقال الوزير: دع هذا عنك، أبو خازم دين كله، وأبو عمر عقل كله. وحكى أبو عبد الله الصيمري قال: كتب عبيد الله بن سليمان رقعة إلى أبي خازم القاضي يسأله في ضيعة ليتيم يبيعها بثمنها أو أكثر من بعض الدهاقين الكبار له ملك يجاور هذه الضيعة، فوقف أبو خازم على الرقعة وكتب إليه: إن هذه الضيعة لا حاجة باليتيم إلى بيعها، لو كان ثمنها في ملك اليتيم لرأيت أن أشتري له مثلها، إذ كانت هذه الضيعة مما يرغب هذا الدهقان في شرائها، وإن رأى الوزير أن يجعلني أحد رجلين: إما رجل صين الحكم به أو صين الحكم عنه، والسلام. جلس أبو خازم القاضي في الشرقية - وهو قاضيها - للحكم، وارتفع إليه خصمان، فاجترأ أحدهما بحضرته إلى ما أوجب التأديب، فأمر بتأديبه، فأدب، فمات في الحال،

стр. 4843

وكتب إلى المعتضد من المجلس: اعلم أمير المؤمنين - أطال الله بقاءه - أن خصمين حضراني فاجترأ أحدهما إلى ما وجب عليه معه الأدب عندي، فأمرت بتأديبه، فأدب فمات، وإذا كان المراد بتأديبه مصلحة المسلمين فمات في الأدب فالديه واجبة في بيت مال المسلمين، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بحمل الدية لأحملها إلى ورثته، فعاد الجواب إليه بأنا قد أمرنا بحمل الدية إليك، وحمل إليه عشرة آلاف درهم، فأحضر ورثة المتوفى ودفعها إليهم. حدث مكرم بن بكر - وكان من فضلاء الرجال وعلمائهم - قال: كنت في مجلس أبي خازم القاضي، فتقدم رجل شيخ، ومعه غلام حدث، فادعى الشيخ عليه ألف دينار عيناً ديناً، فقال له: ما تقول؟ فأقر، فقال للشيخ: ما تشاء؟ قال: حبسه، فقال للغلام: قد سمعت، فهل لك أن تنقده البعض وتسأله إنظارك؟ فقال: لا، فقال الشيخ: إن رأى القاضي أن يحبسه. قال: فتفرس أبو خازم فيها ساعة ثم قال: تلازما إلى أن أنظر بينكما في مجلس آخر. قال: فقلت لأبي خازم: وكان بيننا أنسة: لم أخر القاضي حبسه؟ فقال لي: ويحك! إني أعرف في أكثر الأحوال في وجه الخصوم وجه المحق من المبطل، وقد صارت لي بذلك دربة لا تكاد تخطئ وقد وقع لي في أن سماحة هذا بالإقرار هي عن بلية وأمرٍ بعيد من الحق، وليس في كلزومهما بطلان حق، ولعله ينكشف لي من أمرهما ما أكون معه على وثيقة مما أحكم به بينهما، أما رأيت قلة تغاضبهما في المناظرة، وقلة اختلافهما، وسكون طباعهما مع عظم المال؟ وما جرت عادة الأحداث بفرط التورع حتى يقر بمثل هذا طوعاً عجلاً بمثل هذا المال. قال: فنحن كذلك نتحدث إذ استؤذن على أبي خازم لبعض وجوه الكوخ من مياسير التجار، فأذن له فدخل وسلم، وتثبت لكلامه، فأحسن فقال: قد بليت بابن لي حدث يتقاين، ويتلف كل ما ظفر به من مالي في القيان عند فلان المقين، فإذا منعته مالي احتال بحيل تضطرني إلى التزام غرم له، وإن عددت ذلك طال، وأقربه أن قد نصب المقين اليوم ليطالبه بألف دينار عينا ديناً حالاً، وبلغني أنه تقدم إلى القاضي ليقر له بها، فيحبس، وأقع مع أمه فيما ينغص عيشي إلى أن أزن ذلك عنه للمقين، فإذا قبضه المقين حاسبه بذلك من الجذور. ولما سمعت بذلك بادرت إلى القاضي لأشرح له هذا الأمر فيداويه بما يشكره

стр. 4844

الله ، فجئت فوجدتهما على الباب. قال: فحين سمع ذلك أبو خازم تبسم وقال لي: كيف رأيت؟ قال: فقلت: لهذا ولمثله فضل الله القاضي، وجعلت أدعو له، فقال: علي بالغلام والشيخ فدخلا، فأرهب أبو خازم على الشيخ، ووعظ الغلام. قال: فأقر الشيخ بأن الصورة كما بلغ القاضي، وأنه لا شيء له على الغلام، وأخذ الرجل بيد ابنه وانصرفوا. مات أبو خازم سنة اثنين وتسعين ومئتين، وله خمس وتسعون سنة. عبد الحميد بن محمود بن خالد بن يزيد أبو بكر السلمي حدث عن سليمان بن عبد الرحمن بسنده إلى أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : إذا سها أحدكم في صلاته فلا يدري أثلاثاً صلى أم أربعاً فليسجد سجدتين وهو جالس. وحدث على إبراهيم بن المنذر بسنده إلى عامر بن سعد أن النبي ﷺ خطب فقال: أما بعد. وحدث عن موسى بن أيوب بسنده إلى عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : من ابتلي بشيء من البنات فأحسن صحبتهن كن له ستراً من النار. وحدث عن أبيه بسنده إلى عباية بن رافع قال: كنا عند رافع بن خديج فقال: تحدثوا بما شئتم فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار. توفي عبد الحميد بن محمود سنة أربع وستين ومئتين. وقيل: سنة ست وستين بدمشق.

стр. 4845

عبد الحميد بن يحيى بن داود أبو محمد البويطي حدث بالرملة عن أبي عبد الله أحمد بن هشام بن عمار بسنده إلى عبادة بن الصامت قال: قال رجل: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله، وتصديق بوعده، وجهاد في سبيله. قال: أريد أهون من ذلك، قال: السماحة والصبر، قال: أريد أهون من ذلك، قال: لا تتهم الله في قضائه. عبد الحميد بن يحيى بن سعد أبو يحيى الكاتب مولى بني عامر بن لؤي، ويقال بني عامر بن كنانة، الذي يضرب به المثل في الكتابة. كان كاتباً لمروان بن محمد بن مروان بن الحكم، وهو صاحب الرسائل والبلاغات، وهو مولى قريش. حدث عبد الحميد بن يحيى بسنده إلى زيد بن ثابت كاتب الوحي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا كتبت فبين السينة في: بسم الله الرحمن الرحيم. قال أحمد بن يوسف الكاتب: رآني عبد الحميد بن يحيى أكتب خطاً رديئاً فقال لي: إن أردت أن تجود خطك فأطل جلفتك وأسمنها، وحرف قطتك وأيمنها ثم قال: الطويل إذا جرح الكتاب كان قسيهم ... دوياً وأقلام الدوي لهم نبلا

стр. 4846

قال الأخفش: قوله: جلفتك أراد: فتحة رأس القلم. وقيل: إن عبد الحميد من سبي القادسية. يتولون عامر بن لؤي. قيل: إن عبد الحميد استجلي بعد قتل مروان فوجد بالشام أو بالجزيرة، فدفعه السفاح إلى عبد الجبار بن عبد الرحمن - وكان على شرطة - فكان يحمي طستاً بالنار ويضعها على رأسه حتى مات. ومن شعر عبد الحميد الكاتب: المتقارب ترحل ما ليس بالقافل ... وأعقب ما ليس بالآفل فلهفي من الخلف البادل ... ولهفي على السلف الراحل أبكي على ذا وأبكي لذا ... بكاء المولهة الثاكل تبكيٍ من ابن لها قاطعٍ ... وتبكي على ابنٍ لها واصل عبد الخالق بن زيد بن واقد الدمشقي حدث عن أبيه عن مكحول عن عبادة بن الصامت قال: سألت رسول الله ﷺ عن قول الناس في العيد: يقبل الله منا ومنكم. قال: ذاك فعل أهل الكتابين، وكرهه. وحدث عن أبيه أيضاً بسنده إلى أم سلمة عن النبي ﷺ قال: من لبس ثوباً يتباهى به ليروه الناس لم ينظر الله إليه حتى ينزعه. ضعيف منكر الحديث.

стр. 4847

عبد الخالق بن محمد بن محمد بن عبد الوهاب أبو العز الأصبهاني حدث عن محمد بن أحمد البصري بسنده إلى سلمان قال: قال عمر بن الخطاب لكعب الأحبار: أخبرنا من فضائل رسول الله ﷺ قبل مولده، قال: نعم يا أمير المؤمنين، قرأت فيما قرأت أن إبراهيم الخليل وجد حجراً مكتوباً عليه أربعة أسطرٍ الأول: أنا الله لا إله أنا فاعبدني، والثاني: إني أنا الله لا إله إلا أنا، محمد رسول الله، طوبى أمن به واتبعه، والثالث: إني أنا الله لا إله إلا أنا، من اعتصم بي نجا، والرابع: إني أنا الله لا إله إلا أنا. الحرم لي، والكعبة بيتي، من دخل بيتي أمن عذابي. عبد الخالق بن منصور أبو عبد الرحمن القشيري النيسابوري سكن الشام أو مصر. حدث عن أبي النضر هاشم بن القاسم بسنده إلى عون بن عبد الله عن أبيه قال: ما مات رسول الله ﷺ حتى كتب وقرأ. قال مجاهد: فذكرت ذلك للشعبي فقال: قد صدق، قد سمعت من أصحابنا يذكرون ذلك. توفي عبد الخالق سنة ست وأربعين ومئتين. عبد الدائم بن الحسن بن عبيد الله ابن عبد الله بن عبد الوهاب بن صالح بن سليمان بن علي وفي نسبه اختلاف. حدث عن أبي الحسين عبد الوهاب بن الحسن الكلابي بسنده إلى عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يتعوذ يقول: اللهم، إني أعوذ بك من فتنة النار وعذاب

стр. 4848

النار وفتنة القبر وعذاب القبر، وشر فتنة الغنى، وشر فاتنة الفقر. اللهم، وإني أعوذ بك من شر فتنة المسيح الدجال. اللهم، اغسل قلبي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب. اللهم، وإني أعوذ بك من الكسل والمأثم والمغرم. ولد أبو الحسن عبد الدائم سنة إحدى وثمانين وثلاث مئة بدمشق، وتوفي سنة ستين وأربع مئة. عبد الدائم بن المحسن بن عبد الله بن خليل أبو القاسم حدث عن أبي بكر محمد بن سليمان بن يوسف الربعي السمسار بسنده إلى أبي جحيفة قال: قال رسول الله ﷺ : أما أنا فلا آكل متكئاً. عبد ربه بن صالح القرشي من أهل دمشق. حدث عن عروة بن رويم عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن النبي ﷺ قال: لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة: ربنا خلقتهم يأكلون، ويشربون، وينكحون، ويركبون، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، فقال الله ﵎: لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له: كن فيكون.

стр. 4849

عبد ربه بن ميمون أبو عبد الملك الأشعري النحاس قاضي دمشق. حدث عن النعمان عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵂ أنها كانت تضع لرسول الله ﷺ الخمرة في المسجد وهي حائض. وحدث عن العلاء بن الحارث عن مكحول - رفعه - قال: أيما شجرة أظلت على قوم فصاحبه بالخيار من قطع ما أظل منها أو أكل ثمرها. وحدث عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن أم الدرداء عن أبي الدرداء أنه قال في مري النينان: غيرته الشمس. عبد الرب بن محمد بن عبد الله ابن أبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر أبو ذر الغساني حدث عن أبيه بسنده إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: من صبغ بالسواد لم ينظر الله إليه يوم القيامة، ومن نتف شيبه قمعه الله بمقاميع من نار يوم القيامة. كان أبو ذر من بيت علم. وتوفي سنة ثلاثين وثلاث مئة. وجد أبيه أبو مسهر محدث الشام في زمانه.

стр. 4850

عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن أبو الفضل العجلي الرازي رحل وسمع بدمشق وبمصر وبغيرهما. حدث بأصبهان سنة اثنتين وخمسين واربع مئة عن أبي مسلم محمد بن أحمد بن علي البغدادي الكاتب بسنده إلى ابن مسعود أنه حدثهم عن رسول الله ﷺ قال: يكون في النار قوم ما شاء الله أن يكونوا، ثم يرحمهم الله فيخرجهم، فيكونون في وادٍ أدنى الجنة، فيغتسلون في نهر الحياة، فيسميهم أهل الجنة الجهنميين، لو أضاف أحدهم أهل الدنيا لأطعمهم وسقاهم، وفرشهم ولحفهم - وأحسبه قال: وزوجهم - لا ينقص ذلك مما عنده شيئاً. كان عبد الرحمن بن أحمد شيخاً فاضلاً، ثقة، إماماً في القرآن، جوالاً في الآفاق في طلب الحديث. وكان الشيوخ يكرمونه ويعظمونه. وكان لا يسكن الخانقاهات، ولكنه كان يأوي إلى مسجد خراب يسكنه في أطراف البلد، يطلب الخلوة فيه، فإذا عرف مكانه تركه، وانتقل إلى مسجد آخر، وكان فقيراً قليل الانبساط لا يأخذ من أحد شيئاً، فإذا فتح عليه بشيء أعطاه غيرة وأنفقه. قال الإمام أبو الفضل عبد الرحمن: يحتاج العالم إلى ثلاثة أشياء: جنان مفكر، ولسان معبر، وبيان مصور. قال أبو الفضل الرازي: هذه الأوراق تحل منا محل الأولاد. ومن شعر أبي الفضل عبد الرحمن الرازي: السريع

стр. 4851

يا موت ما أجفاك من زائر ... تنزل بالمرء على رغمه وتأخذ العذراء من خدرها ... وتاخذ الواحد من أمه توفي أبو الفضل سنة أربع وخمسين وأربع مئة. وقيل: سنة خمس وخمسين وأربع مئة. عبد الرحمن بن أحمد بن الحسين أبو محمد النيسابوري الواعظ قدم دمشق حاجاً، وحدث بها. حدث بدمشق سنة تسع وخمسين وأربع مئة بمشهد زين العابدين علي بن الحسين ﵉ عن أبي الحسن عبيد الله بن محمد بن منده الأصبهاني بسنده إلى آنس بن مالك عن رسول الله ﷺ أنه قال: من قال حين يصلي الغداة: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله رضى نفسه، سبحان الله زنة عرشه، والحمد لله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، والله أكبر مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك فذلك خير له من أن يجمع له ما بين الشرق والغرب ويدأب الملائكة أياماً يكتبون ولا يحصون ما قال. أنشد أبو محمد عبد الرحمن قال: أنشدنا السيد أبو الحسن محمد بن عبد الله البلخي لنفسه: مجزوء الكامل ما واحد من واحدٍ ... أولى ببعد من جهاله وأحق بالشيم الحمي ... دة والنزوع عن الضلالة ممن تقلب أصله ... بين الوصاية والرساله

стр. 4852

عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن الفضل أبو بشر الأصبهاني المديني المعروف بالولادي المتعبد سمع بدمشق وغيرها. من كبار المتعبدين. حدث عن أبي نعيم الحافظ بسنده إلى ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : صلاة الليل والنهار مثنى مثنى. توفي أبو بشر بعد الثمانين ومئتين. حدث عن العراقيين والشاميين والمصريين. عبد الرحمن بن أحمد بن عطية ويقال: عبد الرحمن بن عطية - ويقال: عبد الرحمن بن عسكر أبو سليمان العنسي الداراني الزاهد من صليبة العرب. وقيل: إن أصله من واسط. قال أبو سليمان الداراني: سمعت علي بن الحسن بن أبي الربيع الزاهد يقول: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: سمعت ابن عجلان يذكر عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : من صلى قبل الظهر أربعاً غفر له ذنوبه يومه ذلك قال أبو سليمان الداراني: اقام داود الطائي أربعاً وستين عزباً، فقيل له: كيف صبرت عن النساء؟! قال: قاسيت شهوتهن عند إدراكي سنة، ثم ذهبت شهوتهن من قلبي. كان أبو سليمان أستاذ أحمد بن أبي الحواري، له الكلام المتين، والأحوال السنيات، والرياضات والسياحات، شهرته تغني عن الإكثار فيه.

стр. 4853

وكان من أهل داريا، وهي ضيعة إلى جنب دمشق. كان أحد عباد الله الصالحين، ومن الزهاد المتعبدين. قدم إلى بغداد وأقام بها مدة، وعاد إلى الشام، فأقام بداريا حتى توفي. وهو العنسي بالنون. حكي عن أبي سليمان قال: اختلفت إلى مجلس قاص، فاثر كلامه في قلبي. فلما قمت لم يبق في قلبي منه شيء، فعدت ثانياً فسمعت كلامه فبقي في قلبي كلامه في الطريق، ثم زال، ثم عدت ثالثاً فبقي أثر كلامه في قلبي حتى رجعت إلى منزلي، وكسرت آلات المخالفات ولزمت الطريق فحكى هذه الحكاية ليحيى بن معاذ فقال: عصفور اصطاد كركياً: أراد بالعصفور القاص وبالكركي أبا سليمان الداراني. قال أبو جعفر محمد بن أحمد بن أبي المثنى الموصلي: رأيت أبا سليمان الداراني ببغداد سنة ثنتين ومئتين مخضوب اللحية، له شعيرة، في مسجد عبد الوهاب الخفاف، فقيل له: إن عبد الوهاب الخفاف يقول بشيء من القدر، فترك الصلاة في مسجده، وذهب إلى مسجد آخر. قال أبو جعفر: وإني لأرجو برؤيته خيراً. وقال أبو سليمان: صل خلف كل صاحب بدعة إلا القدري، لا تصل خلفه وإن كان سلطاناً. قال أحمد: وبه نأخذ. قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان يقول: صليت وخلفي قدري. قال: فلما سلمت إذا هو خلفي رافع يديه يدعو. قال: فضربت بيدي إلى يديه أمسكتهما، فقلت له: إيش تسأل أنت؟ دعني أنا أسأل الذي أزعم أني لا أقدر على شيء، واذهب أنت اعمل الذي تزعم أنك تعمل ما تريد. قال

стр. 4854

أبو محمد عباس العكي في قول الله " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " قال: الذين يعملون بما يعلمون يهديهم الله إلى ما لا يعلمون، فحدثت به أبا سليمان، فأعجبه وقال: ليس ينبغي لمن ألهم شيئاً من الخير أن يعمل به حتى يسمعه في الآثر، فإذا سمع به في للآثر عمل به، وحمد الله حين وافق ما في قلبه. قال أبو سليمان: ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أياماً فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة. وقال أبو سليمان: أفضل الأعمال خلاف هوى النفس. وقال: لكل شيء علم، وعلم الخذلان ترك البكاء. وقال: لكل شيء صدأ، وصدأ نور القلب شبع البطن. وقال: كل ما شغلك عن الله من أهل، أو مال، أو ولد فهو عليك مشؤوم. وقال أبو سليمان: كنت ليلة باردة في المحراب، فأقلقني البرد، فخبأت إحدى يدي من البرد، وبقيت الأخرى ممدودة، فغلبتني عيني، فهتف بي هاتف: يا أبا سليمان، قد وضعنا في هذه ما أصابها، ولو كانت الأخرى لوضعنا فيها، فآليت على نفسي أن لا أدعو إلا ويداي خارجتان حراً كان حراً أو برداً. وقال: نمت ليلة عن وردي، فإذا أنا بحوراء تقول لي: تنام وأنا أربى لك في الخدور منذ خمس مئة عام؟.

стр. 4855

قال: ربما أقمت في الآية الواحدة خمس ليال، ولولا أني بعد أدع الفكر فيها ما جزتها أبداً. ولربما جاءت الآية من القرآن تطير العقل فسبحان الذي رده إليهم بعد. وقال: خير ما أكون أبداً إذا لزق بطني بظهري، فلربما شبعت شبعة فأخرج. فإنما عيناي تطمحان، وربما جعت الجوعة فترحمني المرأة فما ألتفت إليها. قال أبو سليمان: لأن أترك من عشائي لقمة أحب إلي من أن أقوم الليل إلى آخره. قال أبو سليمان: مفتاح الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع. وأصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله ، وإن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب، ومن لا يحب، وإن الجوع عنده في خزائن مدخرة، فلا يعطي إلا لمن أحب خاصة. وقال أبو سليمان في قول الله " أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى " قال: أزال عنهم الشهوات. قال أبو سليمان: إذا جاع القلب وعطش صفا ورق، وإذا شبع وروي عمي. حدث أحمد بن أبي الحواري قال: قال أبو سليمان: يا أحمد، جوع قليل، وذل قليل، وعري قليل، وفقر قليل، وضر قليل، وقد انقضت عنك أيام الدنيا. قال: وقال: يا أحمد، ما أنجب من أنجب إلا بالقبول من مشايخهم، كم أقول لك: لا تفتح أصابعك في القصعة، فأنت لا تقبل مني، يا أحمد عهدت قوماً من القراء، وشهدت طوائف من الصوفية يعدون الجوع فيهم غنيمة كما تعد أنت وأصحابك الشبع غنيمة.

стр. 4856

قال: وقال: أي شيء يزيد الفاسقون عليكم؟ إذا كان كلما اشتهيتم شيئاً أكلتموه وأولئك كلما أرادوا شيئاً فعلوه؟. قال أحمد: اشتهى أبو سليمان رغيفاً حاراً بملح، فجئت به إليه، فعض منه عضة، ثم طرحه، وأقبل يبكي ويقول: يا رب، عجلت لي شهوتي، لقد أطلت جهدي وشقوتي، وأنا تائب، فاقبل توبتي. قال أحمد: ولم يذق أبو سليمان الملح حتى لحق بالله . قال أحمد: سمعت أبا سليمان يقول: قدم أهلي إلي مرة خبزاً وملحاً، فكان في الملح سمسمة، فأكلتها، فوجدت رانها على قلبي بعد سنة. قال أبو سليمان: ما رضيت عن نفسي طرفة عين، ولو أن أهل الأرض اجتمعوا على أن يضعوني كاتضاعي عن نفسي ما أحسنوا. وقال: من رأى لنفسه قيمة لم يذق حلاوة الخدمة. وقال: إذا تكلف المتعبدون أن لا يتكلموا إلا بالإعراب ذهب الخشوع من قلوبهم. وقال أبو سليمان: ليس شيء أحب إلي من أن أكفى المؤونة يتحدث رجل، وأسمع أنا، ولربما حدثني الرجل بالحديث أنا أعلم به منه فأنصت إليه كأني ما سمعته قط، ولربما مشيت إلى الرجل هو أولى بالمشي إلي مني إليه. وقال: من حسن ظنه بالله ثم لا يخاف فهو مخدوع.

стр. 4857

قال أحمد بن أبي الحواري: قال لي أبو سليمان: يا أحمد، أيكون شيء أعظم ثواباً من الصبر؟ قال: قلت: نعم، الرضى عن الله . قال: ويحك إذا كان الله تعالى يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب، فانظر إلى ما يفعل بالراضي عنه. وقال أبو سليمان: أرجو أن أكون عرفت طرفاً من الرضى لو أنه أدخلني النار لكنت بذلك راضياً. قال أبو سليمان: ربما مثل لي أني على قنطرة من قناطير جهنم بين حجرين، فكيف يكون عيش من هو هكذا؟. قال أبو سليمان: لولا الذنوب لسألناه أن يقيم القيامة، ولكن إذا ذكرت الخطيئة قلت: أبقى لعلي أتوب. قال أبو سليمان: ما يسرني أن لي من أول الدنيا إلى آخرها أنفقه في وجوه البر وأني أغفل عن الله طرفة عين. قال رجل لأبي سليمان: أوصني، فقال أبو سليمان: قال زاهد لزاهد: أوصني، قال: لا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك، قال: زدني، قال: ما عندي زيادة. قال أبو سليمان: وقعت أمي من فوق وتكسرت، فأهمني أمرها، فقلت: يا رب، من يخدمها؟ فجعلت أبكي في سجودي، فإذا بهاتف يهتف: يا أبا سليمان، قم إلى الحائط فخذ ما فيه وادع به، فقمت، فإذا بقرطاس ما رأيت على نقائه وبياضه، بخط ما رأيت مثله حسناً، تفوح منه رائحة المسك، وإذا فيه مكتوب: يا مدرك الفوت بعد الفوت، ويا من يسمع في ظلم

стр. 4858

الليل الصوت، ويا من يحيى العظام وهي رميم بعد الموت، فدعوت بها وأنا ساجد، فإذا أمي تقول: يا أبا سليمان، ما فعلت الغلة؟ قال: قلت لها: قد قمت؟ قالت: نعم. قال أحمد بن أبي الحواري: بات أبو سليمان ذات ليلة. فلما انتصف الليل قام ليتهيأ. فلما أدخل يده في الإناء بقي على حالته حتى انفجر الصبح وحان وقت الإقامة، فخشيت أن تفوت صلاته فقلت: الصلاة يرحمك الله، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال: يا أحمد، أدخلت يدي في الإناء فعارضني عارض من سري: هب أنك غسلت بالماء ما ظهر منك، فبماذا تغسل قلبك؟ فبقيت متفكراً، فألهمت حتى قلت: بالغموم والأحزان فيما يفوتني من الأنس بالله. قال ابن أبي الحواري: كنت مع أبي سليمان حين أراد الإحرام، فلم يلب حتى سرنا ميلاً، وأخذه كالغشية في المحمل ثم افاق فقال: يا أحمد، إن الله ﵎ أوصى إلى موسى: مر ظلمة بني إسرائيل أن يقلوا من ذكري، فإني أذكر من ذكرني منهم باللعنة حتى يسكت، ويحك يا أحمد! بلغني أنه من حج من غير حله، ثم لبى قال الله له: لا لبيك ولا سعد يك حتى ترد ما في يديك، فما يؤمننا أن يقال لنا ذلك؟. قال أبو سليمان: ينبغي للخوف أن يكون أغلب على الرجاء، فإذا غلب الرجاء على الخوف فسد القلب. قال أبو سليمان: من أحسن في نهاره كوفئ في ليله، ومن أحسن في ليله كوفئ في نهاره، ومن صدق في ترك شهوة ذهب الله بها من قلبه، والله تعالى أكرم من أن يعذي قلباً لشهوة تركت له. قال أبو سليمان: إذا سكنت الدنيا القلب ترحلت منه الآخرة.

стр. 4859

قال: إذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا تزحمها، وإذا كانت الدنيا في القلب لم تزحمها الاخرة. إن الآخرة كريمة، والدنيا لئيمة. قال أبو سليمان: إن في الجنة أنهاراً، وعلى شاطئها خيام، فيهن الحور ينشئ الله خلق إحداهن إنشاء، فإذا تكامل خلقها ضربت الملائكة عليهن الخيام، جالسة على كرسي، ميل في ميل، قد خرجت عجيزتها من جوانب الكرسي. قال: فيجيء أهل الجنة من قصورهم يتنزهون ما شاؤوا، يخلو كل رجل منهم بواحدة منهن. قال أبو سليمان: كيف يكون في الدنيا حال من يريد يفتض الأبكار على شاطئ الأنهار في الجنة؟. قال أحمد بن أبي الحواري: دخلت على ابي سليمان يوماً وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟! فقال: يا أحمد ولم لا أبكي؟ إذا جن الليل، ونامت العيون، وخلا كل حبيب بحبيبه افترش أهل المحبة أقدامهم، وجرت دموعهم على خدودهم، وتقطرت في محاريبهم أشرف الجليل سبحانه فنادى: يا جبريل بعيني من تلذذ بكلامي، واستراح إلى ذكري، وإني لمطلع عليهم في خلواتهم أسمع أنينهم، وأرى بكاءهم، فلم لا تنادي فيهم يا جبريل: ما هذا البكاء؟ هل رايتم حبيباً يعذب أحباءه؟! أم كيف يجمل بي أن آخذ قوماً إذا جنهم الليل تملقوا في، حلفت إذا وردوا علي القيامة لأكشفن لهم عن وجهي الكريم حتى ينظروا إلي، وأنظر إليهم. قال أحمد بن أبي الحواري: بت عند أبي سليمان الداراني، فسمعته يقول: وعزتك وجلالتك لئن طالبتني بذنوبي لأطالبنك بعفوك، ولئن أمرت بي إلى النار لأخبرنهم أني كنت أحبك. قال أبو سليمان: لو شك الناس كلهم في الحق ما شككت فيه وحدي. قال أحمد بن أبي الحواري: كان قلبه في هذا مثل قلب أبي بكر الصديق يوم الردة.

стр. 4860

قال أبو سليمان: كنت نائماً في بيت فوقه علية فجاءني حين رقدت فحركني، فقال: يا عبد الرحمن، قم، وتوضأ، وصل، قلت: بكلامك يا لعين أصلي أنا؟ فرقدت وتركته، قال: فجاءني بعد فحركني، فقال: يا عبد الرحمن، افتح عينيك، قال: ففتحتهما، فإذا بحيطان البيت والجدر والسقف وشي محبرة قال: فرقدت، وتركته. قال: ثم جاءني بعد فحركني، فقال: يا عبد الرحمن، افتح عينيك، فإذا سقف البيت وسقف العلية قد انفرج. قال: فجعلت أنظر إلى النجوم، وأنا في الفراش. قال: وقال أبو سليمان: رأيت لصاً قط يجيء إلى خربة، ينقبها، وهو يدخل من أي أبوابها شاء؟ إنما يجيء إلى بيت، قد جعل فيه رزم بر، وأقفل، فينقب حائطاً يستخرج رزمة، كذلك إبليس ليس يجيء إلا إلى كل قلب عامرٍ ليستنزله عن شيء. قال أبو سليمان: ما خلق الله خلقاً أهون علي من إبليس، ولولا أني أمرت أن أتعوذ منه ما تعوذت منه أبداً، ولو بدا لي ما لطمت إلا صفحة وجهه. قال أبو سليمان: إذا أخلص العبد انقطع عنه الوسواس والرؤيا. قال: وربما أقمت سنين فما ارى في النوم شيئاً. قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان يقول: أقمت عشرين سنة لم أحتلم، فدخلت مكة، فأحدثت فيها حدثاً، فما أصبحت حتى احتلمت، فقلت له: وأي شيء كان الحدث؟ قال: فاتتني صلاة العشاء في جماعة.

стр. 4861

قال أبو سليمان: الزاهد حقاً لا يذم الدنيا ولا يمدحها، ولا ينظر إليها، ولا يفرح بها إذا أقبلت، ولا يخزن عليها إذا ولت. قال الجنيد: شيء يروى عن أبي سليمان الداراني أنا أستحسنه كثيراً: قوله: من اشتغل بنفسه شغل عن الناس، ومن اشتغل بربه شغل عن نفسه وعن الناس. قال أبو سليمان الداراني: إذا أحب العبد الدنيا فآثرها يقول الله : لأنسينه معرفتي حتى يلقاني وهو لا يعرفني. قال أبو سليمان: خير السخاء ما وافق الحاجة. قال أبو سليمان: إن في خلق الله خلقاً، ما تشغلهم الجنان وما فيها من النعيم عنه، فكيف يشتغلون بالدينا؟ قال أبو سليمان: الدنيا عند الله أقل من جناح بعوضة، فما قيمة جناح بعوضة حتى يزهد فيها؟ وإنما الزهد في الجنة والحور العين، وكل نعيم خلقه الله ويخلقه، حتى لا يرى الله في قلبك غير الله. قال أبو سليمان: من طلب الدنيا حلالاً واستعفافاً عن المسألة واستغناء عن الناس لقي الله يوم يلقاه ووجهه كالقمر ليلة البدر، ومن طلب الدنيا حلالاً مكاثراً مفاخراً مرائياً لقي الله وهو عليه غضبان.

стр. 4862

قال أبو سليمان: ليس الزاهد من ألقى غم الدنيا واستراح منها إنما تلك راحة، وإنما الزاهد من ألقى غمها، وتعب فيها لآخرته. قال أبو سعيد: يقول: كما يزهد فيها يزهد في الراحة، فإن الراحة في الدنيا من الدينا ومن نعيمها. قال أبو سليمان: إن قوماً طلبوا الغنى فحسبوا أنه في جمع المال ألا وإنما الغنى في القناعة، وطلبوا الراحة في الكثرة، وإنما الراحة في القلة، وطلبوا الكرامة من الخلق ألا وهي في التقوى، وطلبوا النعمة في اللباس الرقيق اللين، وفي طعام طيب، والنعمة في الإسلام والستر والعافية. قال أبو سليمان: في قول الله " وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً " قال: عن الشهوات. قال أبو سليمان: نظروا إلى آخر غاية فجعلوها أول غاية: لباس الصوف. ينبغي إذا لم يبق في القلب شهوة من الدنيا تدرع العباء، لأنها علم الزهد، أما يستحي أحدكم أن يلبس عباء بثلاثة دراهم وفي قلبه شهوة بخمسة؟! قال أبو سليمان: لأهل الطاعة في ليلهم ألذ من أهل اللهو بلهوهم، ولربما رأيت القلب يضحك ضحكاً. زاد في حديث آخر: ولولا الليل ما أحببت البقاء. قال أبو سليمان: إنما الأخ الذي يعظك برؤيته قبل أن يعظك بكلامه، لقد كنت أنظر إلى الأخ من إخواني بالعراق فأعمل على رؤيته شهراً.

стр. 4863

قال أبو سليمان: لا يكون العبد تائباً حتى يندم بالقلب، ويستغفر باللسان، ويرد المظالم فيما بينه وبين الناس، ويجتهد في العبادة. قال أحمد بن أبي الحواري: ذكرات أبا سليمان الصبر، فقال: والله، ما نصبر على ما نحب فكيف نصبر على ما نكره؟ قال أحمد بن أبي الحواري: تنهدت يوماً عند أبي سليمان الداراني فقال لي: إنك عنها مسؤول يوم القيامة، فإن كان على ذنب سلف فطوباك، وإن كان على الدنيا فويل لك. قال أبو سليمان: إنما رجع القوم من الطريق قبل الوصول، ولو وصلوا إلى الله ما رجعوا. قال ابن المبارك: لا تقل: ما أجرأ فلاناً على الله! فإن الله تعالى أكرم من أن يجترأ عليه، ولكن قل: ما أعز فلاناً بالله قال أبو سليمان: صدق ابن المبارك، هو أكرم من أن يجترأ عليه، ولكنهم هانوا عليه فتركهم ومعاصيهم، ولو كرموا عليه لمنعهم منها. قال أحمد بن أبي الحواري: قلت لأبي سليمان: أريد أن أدع السوق وأتعبد، فقال: الزم السوق وتعبد. قال: قلت: فليس في السوق ما يكفيني، قال: فتحتاج إلى درهم؟ قلت: نعم، قال: فتكسب في السوق دانقاً؟ قلت: نعم. قال: فتحتال خمسة دوانيق خير من أن تحتال الدرهم كما هو. قال: وقلت لأبي سليمان: تخالف العلماء؟ فغضب، وقال: رأيت عالماً قط بعينك؟ رأيت عالماً يأتي أبواب السلطان فيأخذ دراهمهم؟ قال أبو سليمان: إذا دخلت الدنيا من باب البيت خرجت الآخرة من الكوة.

стр. 4864

قال أبو سليمان: من صارع الدنيا صارعته. قال احمد بن أبي الحواري: حججت أنا وأبو سليمان، فبينا نحن نسير إذ سقطت السطحية مني، فقلت لأبي سليمان: فقدت السطحية وبقينا بلا ماء، وكان برد شديد، فقال أبو سليمان: يا راد الضالة، ويا هادي من الضلالة، اردد علينا الضالة، فإذا واحد ينادي: من ذهبت له سطحية؟ قال: فقلت: أنا، فأخذتها. فبينا نسير وقد تدرعنا بالفراء لشدة البرد، فإذا نحن بإنسان عليه طمران، وهو يترشح عرقاً، فقال أبو سليمان: تعال ندفع إليك شيئاً مما علينا من الثياب، فقال: يا أبا سليمان، أتشير إلى الزهد وتجد البرد؟ أنا أسيح في هذه البرية منذ ثلاثين سنة، ما انتفضت، ولا ارتعدت، يلبسني في البرد فيحاً من محبته، ويلبسني في الصيف مذاق برد محبته، ومر. قال ابن أبي الحواري: قلت لأبي صفوان: ما رأيت مثل أبي عبد الله النباجي، فقال لي: ما رأيت أنت أحداً قط مثل أبي سليمان، ولكن أخبرك بقصتك حين فضلت أبا عبد الله: إن أبا سليمان زرع في قلبك حبيبة أصابها عطش، فسقاها النباجي فأنبتت، فالأصل بركة أبي سليمان. مات أبو سليمان سنة أربع ومئتين. وقيل: سنة خمس ومئتين. وقيل: سنة خمس عشرة ومئتين. وقيل: سنة خمس وثلاثين ومئتين. قال أحمد بن أبي الحواري: قلت لمروان حين مات أبو سليمان: لقد أصيب به أهل دمشق، قال: أهل دمشق؟! لقد أصيب به أهل الإسلام.

стр. 4865

قال أحمد بن أبي الحواري: تمنيت أن أرى أبا سليمان الداراني في المنام، فرأيته بعد سنة، فقلت له: يا معلم، ما فعل الله بك؟ قال: يا أحمد، دخلت من باب الصغير فرايت وسق شيح، فأخذت منه عوداً، فلا أدري تخللت به ام رميت به؟ فأنا في حسابه من سنة إلى هذه الغاية. عبد الرحمن بن أحمد بن علي بن صابر أبو محمد السلمي، يعرف بابن سيده كان ثقة متحرزاً. ولد سنة إحدى وستين وأربع مئة. حدث عن أبي الحسن علي بن الحسن بن عبد السلام بن أبي الحزور بسنده إلى شقيق قال: كنت أنا وحذيفة إذ جاء شبث بن ربعي، فقام يصلي، فبزق بين يديه. فلما انفتل قال له حذيفة: يا شبث لا تبزق بين يديك ولا عن يمينك، عن يمينك كاتب الحسنات، وابزق عن يسارك أو خلفك، فإن الرجل إذا قام يصلي استقبله الله بوجهه فلا يصرفه حتى يكون هو الذي يصرفه، أو يحدث حدث سوء. توفي أبو محمد سنة إحدى عشرة وخمس مئة. عبد الرحمن بن أحمد بن عمران أبو القاسم الدينوري الواعظ حدث عن عبد الله بن محمد بن وهب بن حمدان بسنده إلى عائشة قالت: لما فتح الله علينا خيبر قلت: يار سول الله، الآن نشبع من التمر. كان أبو القاسم عبد الرحمن الواعظ قلما خلا مجلس وعظه إلا وهو يقول: قال ابن السماك: الكامل يا أيها الرجل المعلم غيره ... ألا لنفسك كان ذا التعليم؟

стр. 4866

تصف الدواء من السقام لذي الطنى ... ومن الطنى هذا وأنت سقيم لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم توفي أبو القاسم الدينوري الواعظ بقينية سنة إحدى وستين وثلاث مئة. عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عوف أبو علي المزني الأعرج حدث عن أبي بكر يوسف بن القاسم الميانجي بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب. عبد الرحمن بن أحمد أبو غالب ابن بنت علي بن عيسى الوزير أنشد أبو غالب لابن بسام العريب: الخفيف إن صحبنا الملوك ملوا وصدوا ... واستبدوا بالأمر دون الجليس أوصحبنا التجار عدنا إلى الذر ... وصرنا إلى حساب الفلوس فلزمنا البيوت نتخذ الحب ... ر ونملا به وجوه الطروس عبد الرحمن بن إبراهيم بن زياد أبو طاهر المعروف بالحراني حدث عن أبي زكريا يحيى بن عبد الله الواقدي الحراني بسنده إلى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله، إنا نتساءل بيننا، قال: فليسأل أحدكم في فتق أو جائحةٍ فإذا بلغ أو كرب أمسك.

стр. 4867

وجاء من طريق آخر عنه قال: قلت: يا رسول الله، إنا قوم نتساءل أموالنا قال: يسأل الرجل في الجائحة أو الفتق ليصلح به بين قومه، فإذا بلغ أو كرب استعف. وحدث أبو طاهر عن أبي زكريا أيضاً بسنده إلى عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه. توفي أبو طاهر عبد الرحمن سنة ثمان وعشرين وثلاث مئة. عبد الرحمن بن إبراهيم بن عمرو بن ميمون أبو سعيد، المعروف بدحيم الفقيه قاضي دمشق وطبرية. حدث عن الوليد بن مسلم بسنده إلى أبي سعيد الخدري أن أعرابياً سأل رسول الله ﷺ عن الهجرة فقال: ويحك! إن شأن الهجرة شديد، فهل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فهل تؤدي صدقتها؟ قال: نعم قال: فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك. ولد عبد الرحمن سنة سبعين ومئة، وكان ثقة مأموناً، توفي سنة خمس وأربعين ومئتين وقد جاوز خمساً وسبعين سنة. قالوا: وكان عبد الرحمن بن إبراهيم، دحيم ثقة وكان يختلف إلى بغداد، وسمعوا منه، فذكروا الفئة الباغية هم أهل الشام، فقال: من قال هذا فهو ابن الفاعلة، فنكب الناس عنه ثم سمعوا منه. قال أبو عمر الكندي في كتاب قضاة مصر: فوليها الحارث بن مسكين إلى أن صرف عنها. وورد كتاب المتوكل على دحيم عبد الرحمن بن إبراهيم بن سعيد بن ميمون مولى

стр. 4868

يزيد بن معاوية بن أبي سفيان وهو على قضاء فلسطين يأمره بالانصراف إلى مصر ليليها، فتوفي بفلسطين سنة خمس وأربعين ومئتين. وقيل: توفي بالرملة: وقيل في نسبه: أبو سعيد دحيم بن إبراهيم القرشي، المنسوب إلى اليتيم. عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي حدث عن ليث بن سعد بسنده إلى عقبة بن عامر قال: قال ﷺ : لما عرج لي إلى السماء دخلت جنة عدن، فوقعت في كفي تفاحة، وانفلقت عن حوراء مرضية، كأن شفار عينيها مقادم أجنحة النسور، فقلت: لمن أنت؟ فقالت: أنا للخليفة من بعدك المقتول عثمان بن عفان. قال العقيلي: عبد الرحمن بن ابراهيم يحدث عن الليث بن سعد مجهول بالنقل، وحديثه موضوع لا أصل له. عبد الرحمن بن آدم يعرف بصاحب السقاية البصري مولى أم برثن، ويقال له ابن أم برثن، لأنها تبنته. وفد على يزيد بن معاوية متظلماً من ابن زياد. حدث عبد الرحمن مولى أم برثن قال: حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله ﷺ لم يقوموا لنا حلب شاة أن كفيناهم، فبينا نحن نسوقهم في أدبارهم إذ انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء، فإذا هو رسول الله ﷺ فتلقتنا عنده رجال حسان، بيض الوجوه. قالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا، فرجعنا، وركبوا أكتافنا وكانت إياها.

стр. 4869

وحدث عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد، وأنا أولى بعيسى بن مريم، لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع، إلى الحمرة والبياض، بين ممصرتين كأن رأسه يقطر، ولم يصبه بلل، وإنه يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويفيض المال، حتى يهلك الله في زمانه الملل كلها غير الإسلام، وحتى يهلك الله في زمانه الملل كلها غير الاسلام وحتى يهلك الله في زمانه مسيح الضلالة، الأعور الكذاب، وتقع الأمنة في الأرض، حتى يرعى الأسد مع الإبل، والنمر مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات فلا يضر بعضهم بعضاً، يبقى في الأرض أربعين سنة، ثم يموت، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه. وحدث عبد الرحمن قال: دخلت مسجد دمشق، فإذا رجل من أصحاب النبي ﷺ يحدثهم قال: قال رسول الله ﷺ : إياكم والبدع، فإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة تصير إلى النار. استعمل عبيد الله بن زياد عبد الرحمن بن أم برثن ثم غضب عليه، فعزله وأغرمه مئة ألف، فخرج إلى يزيد، فذكر عبد الرحمن أنه لما صار من دمشق على مرحلة قال: فنزلت وضرب لي خباء وحجرة، فإني لجالس إذا كلب سلوقي قد دخل، في عنقه طوق من ذهب، يلهث، فأخذته، وطلع رجل على فرس. فلما رأيت هيبته أدخلته الحجرة، وأمرت بفرسه يعود، فلم ألبث أن توافت الخيل، فإذا هو يزيد بن معاوية، فقال لي بعدما صلى: من أنت؟ وما قصتك؟ فأخبرته، فقال: إن شئت كتبت لك من مكانك وإن شئت دخلت، قال: بل تكتب لي من مكاني. قال: فأمر، فكتب لي: إلى عبيد الله بن زياد أن اردد عليه مئة ألف، فرجعت. قال: واعتق عبد الرحمن يومئذ في المكان الذي كتب له فيه الكتاب ثلاثين مملوكاً، وقال لهم: من أحب أن يرجع معي فليرجع، ومن أحب أن يذهب فليذهب. وكان عبد الرحمن يتأله. ورمى غلاماً له يوماً بسفود فأخطأ الغلام وأصاب رأس ابنه فنثر دماغه، فخاف

стр. 4870

الغلام حين قتل عبد الرحمن ابنه بسببه أن يقتله، فدعاه فقال: يا بني، اذهب فأنت حر، فما أحب أن ذلك كان بك، لأني رميتك متعمداً، فلو قتلتك هلكت، وأصبت ابني خطأ. ثم عمي عبد الرحمن بعد ومرض، فدعا الله في مرضه ذلك ألا يصلي عليه الحكم، ومات من مرضه، وشغل الحكم ببعض أموره، فلم يصل عليه، وصلى عليه الأمير قطن بن مدرك فيما يقال. وكان شأن عبد الرحمن - فيما ذكر جويرية بن أسماء - أن أم برثن كانت امرأة من بين ضبيعة تعالج الطيب، وكانت تخالط آل عبيد الله بن زياد، فأصابت غلاماً لقطة، فربته وتبنته حتى أدرك وسمته عبد الرحمن، فكلمت نساء عبيد الله بن زياد فكلمن عبيد الله فيه فولاه، فكان يقال له: عبد الرحمن بن أم برثن، كما يقال فيروز حصين. ويقال: ابن برثن، وابن برثم، ونسب إلى آدم أبي البشر صلوات الله على نبينا محمد وعليه وسلامه لأنه لا يعرف أبوه. عبد الرحمن بن آدم الأزدي ويقال الأودي قال الوليد بن مسلم: ذكرت لعبد الرحمن بن آدم أمر الرايات السود فقال: سمعت عبد الرحمن بن الغاز بن ربيعة الجرشي يقول: إنه سمع عمرو بن مرة الجهني صاحب رسول الله ﷺ يقول: ليخرجن من خراسان راية سوداء حتى تربط خيولها بهذا الزيتون الذي بين بيت لهيا وحرستا. قال عبد الرحمن بن الغاز: فقلنا له: والله، ما نرى بين هاتين القريتين زيتونة قائمة! فقال عمرو بن مرة: إنه ستنصب فيما بينهما؛ حتى تجيء أهل تلك الراية، فتنزل تحتها وتربط بها خيولها. قال عبد الرحمن بن آدم: فحدثت بهذا الحديث أبا الأعيس عبد الرحمن بن سلمان السلمي فقال: إنما يربطها أصحاب الراية السوداء الثانية التي تخرج على الراية الأولى منهم، فإذا نزلت تحت الزيتون خرج عليهم خارج فهزمهم.
следующие страницы →