Полный текст (10 576 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.
стр. 4971
حدث أبو ثور الفهمي قال: قدمت على عثمان بن عفان، فبينا أنا عنده إذ خرجت، فإذا وفد أهل مصر، فرجعت إلى عثمان فقلت: إني أرى وفد أهل مصر قد رجعوا جيشاً عليهم ابن عديس. قال: وكيف رأيتهم؟ قال: رأيت قوماً في وجوههم الشر، فصعد ابن عديس منبر رسول الله ﷺ فصلى بهم الجمعة وقال في خطبته: إن عبد الله بن مسعود حدثني أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: إن عثمان أضل من عتبة غاب قفلها، فدخلت على عثمان وكان محصوراً فسألني: بماذا قام فيهم؟ فأخبرته، فقال: كذب والله ابن عديس ما سمعها ابن عديس عن ابن مسعود قط، ولا سمعها ابن مسعود من رسول الله ﷺ قط، ولقد اختبأت عند ربي عشراً، ولولا ما ذكر ابن عديس ما ذكرت: إني لرابع أربعة في الإسلام، ولقد ائتمنني رسول الله ﷺ على ابنته، ثم توفيت فأنكحني الأخرى، والله، ما زنيت، ولا سرقت في جاهلية ولا إسلام، ولا تغنيت، ولا تمنيت، ولا مسست فرجي بيميني منذ بايعت بها رسول الله ﷺ ولقد ختمت القرآن على عهد رسول الله ﷺ ولا مرت بي جمعة إلا وأنا عتق فيها رقبة منذ أسلمت إلا ألا أجد في تلك الجمعة ثم أعتق لها بعد.
قال محمد بن يحيى الذهلي: عبد الرحمن البلوي هو رأس الفتنة، لا يحل أن يحدث عنه بشيء.
عبد الرحمن بن عراك
أبو إدريس الأصغر الفزاري، ويقال: العدوي من أهل دمشق، من حملة القرآن.
حدث أبو إدريس قال: إذا كان رجل بأرض فلاة فتصيبه مجاعة فيقول: اللهم، ائتني برزقي الذي قدرته لي إلا أتاه الله برزقه.
стр. 4972
عبد الرحمن بن عسيلة
أبو عبد الله المرادي الصنابحي، وقيل: اسمه عبد الله بن عسيلة والصنابح: بطن من مراد، من أهل اليمن. هاجر إلى النبي ﷺ فتوفي النبي ﷺ قبل أن يقدم المدينة بخمس أو ست، وصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمى خلف أبي بكر الصديق، ولم ير النبي ﷺ وقيل إنه يشبه أن يكون له صحبة.
قال الصنابحي: دخلت على عبادة بن الصامت، وهو في الموت، فبكيت فقال: مه لم يبكي؟! فوالله إن استشهدت لأشهدن لك، وإن شفعت لأشفعن لك، وإن استطعت لأنفعنك، ثم قال: والله ما من حديث سمعته من رسول الله ﷺ لكم فيه خير إلا حدثتكموه إلا حديثاً واحداً، وسوف أحدثكموه اليوم، وقد أحيط بنفسي. سمعت رسول الله ﷺ يقول: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار.
وحدث الصنابحي عن معاذ بن جبل قال: قال النبي ﷺ : لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: شبابه فيما أبلاه، وعمره فيما أفناه، وماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وعن عمله ماذا عمل فيه. قال أبو سعيد: قال لنا صامت بن معاذ: ليس لمسألة منها جواب.
حدث أبو الأشعث الصنعاني أنه راح إلى مسجد دمشق، وهجر الرواح، فلقي شداد بن أوس والصنابحي معه فقال: أين تريدان رحمكما الله؟ قالا: نريد هاهنا، إلى أخ لنا مريض نعوده، قال: فانطلقت معهما حتى دخلا على ذلك الرجل فقالا له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بنعمة الله وفضله، قال: فقال له شداد: أبشر بكفارات السيئات، وحط الخطايا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يقول: إني إذا ابتليت عبداً
стр. 4973
من عبادي مؤمناً فحمدني على ما اتبليته فإنه يقوم من مضجعه ذلك كيوم ولدته أمه من الخطايا، ويقول الله: إني أنا قيدت عبدي هذا، وابتليته فأجروا له ما كنتم تجرون قبل ذلك، وهو صحيح.
قال يحيى بن معين: عبد الرحمن بن عسيلة أدرك عبد الملك بن مروان، وكان يجلس معه على السرير، وهو من أهل مصر. وكان ثقة قليل الحديث.
وعن عبد الله الصنابحي سمع عبادة: من سره أن ينظر إلى رجل كأنما عرج به إلى السماء ثم هبط فلينظر إلى هذا، يعني: الصنابحي.
وحدث قيس بن الحارث المذحجي
أنه دخل هو والصنابحي على عبادة بن الصامت في مرضه الذي مات فيه، فقال حين نظر إلى الصنابحي: من سره أن ينظر إلى رجل كأنما صعد إلى السماء فهو يعمل بما يرى فلينظر إلى هذا.
وفي حديث غيره: من سره أن ينظر إلى رجل كأنما رقي به فوق سبع سماوات فعمل ما عمل على ما رأى فلينظر إلى هذا.
وفي حديث غيره: من أحب أن ينظر إلى رجل عرج به إلى السماء، فنظر أهل الجنة وأهل النار فرجع وهو يعمل على ما رأى فلينظر إلى هذا.
وحدث أبو الخير عن الصنابحي أنه قال له: متى هاجرت؟ قال: خرجنا من اليمن مهاجرين، فقدمنا الجحفة، فأقبل راكب فقلت له: ما الخبر فقال: دفنا النبي ﷺ منذ خمس، قلت: هل سمعت في ليلة القدر شيئاً؟ قال: نعم، أخبرني بلال مؤذن النبي ﷺ أنه في السبع في العشرالأواخر.
стр. 4974
وفي رواية: فسألت بلالاً عن ليلة القدر فلم يغتم وقال: ليلة ثلاث وعشرين.
وعن أبي عبد الله الصنابحي أنه قال: الدنيا تدعو إلى فتنة، والشيطان يدعو إلى خطيئة، وأما الله خير من الإقامة معهما.
وكان أبو عبد الله الصنابحي يحدث الواحد والاثنين، فإذا نظر إلى الثالث قال: لا سبيل إلى الحديث سائر اليوم، فقطع الحديث.
أتى الصنابحي دمشق، فحضره الموت، فقال ليزيد بن نمران الذماري: يا يزيد، إن مت في هذا البيت فانظر لي قبراً سليماً، ولو مكثت في هذا البيت ثلاثة أيام فلا تخرجني حتى تصير لي قبراً سليماً.
عبد الرحمن بن عسيلة المرادي الصنابحي، شهد الفتح بمصر.
وعسيلة بعين مهملة مضمومة وسين مفتوحة.
عبد الرحمن بن علي بن الحسين بن صفوان
أبو القاسم المرادي المكي حدث بدمشق.
روى عن عمر بن حفص الشطوي بسنده إلى ابن عمر قال: كان لنعل النبي ﷺ قبالان.
стр. 4975
عبد الرحمن بن علي بن العجلان القرشي الدمشقي
حدث عن عبد الملك بن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : أول بقعة وضعت في الأرض موضع البيت، ثم مدت الأرض، وإن أول جبل وضعه الله على وجه الأرض أبو قبيس، ثم مدت منه الجبال.
عبد الرحمن بن علي بن القاسم بن أحمد بن إبراهيم
أبو القاسم بن أبي الحسن الصوري المعدل البيع، المعروف بابن الكاملي سمع بدمشق وغيرها.
حدث بصور عن أبي عبد الله محمد بن علي بن عبد الله النصيبي بسنده إلى جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : من لا يرحم الناس لا يرحمه الله.
ولد عبد الرحمن في المحرم سنة تسع عشرة وأربع مئة، وتوفي في رمضان سنة تسعين وأربع مئة بصور.
عبد الرحمن بن علي بن محمد بن عمر بن رجاء بن عمر
أبو القاسم بن أبي العيش، أخو أبي العيش الجمحي الأطرابلسي حدث عن أبي محمد خلف بن محمد بن علي حمدون الواسطي الحافظ بسنده إلى أنس أن النبي ﷺ قال: خير نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون.
توفي أبو القاسم بن أبي العيش في جمادى الأولى من سنة أربع وستين وأربع مئة.
стр. 4976
عبد الرحمن بن عمر بن نصر بن محمد
أبو القاسم الشيباني السامري البزاز المؤدب حدث عن أبي علي الحسن بن حبيب بسنده إلى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: ليس بين العبد والكفر والشرك إلا ترك الصلاة.
وحدث عن خيثمة بسنده إلى محمد بن شعيب: في قوله: " إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها " قال: هي الصلاة، والصيام، والغسل من الجنابة.
توفي أبو القاسم عبد الرحمن الشيباني في رجب سنة عشر وأربع مئة، وكان يتهم بالاعتزال، واتهم في ابن أبي ثابت. والله أعلم.
عبد الرحمن بن عمر
أبو عمر، مولى بني ليث بن بكر بن عبد مناة المدني، المعروف بدحمان كان جمالاً يكري إلى المواضع، ويتجر، وكانت له مروءة.
قال في حكاية:
ثم خرجت إلى الشام، فبينا أنا ذات يوم نازل إذا أنا براكب قد طلع، فسلم علينا، فرددنا ﵇، وقال: أتأذنون لي أن أنزل تحت ظلكم هذا ساعة؟ قلنا: نعم، فأقبل علي وقال لي: أتبعيني هذه الجارية؟ لجارية كانت كعي فقلت: نعم، قال: بكم؟ فقلت له كالعابث: بعشرة آلاف دينار، قال: قد أخذتها، فهلم دواة وقرطاساً، فجئته بذلك فكتب: ادفع إلى حامل كتابي هذا ساعة تقرأه عشرة آلاف دينار، واستوص به خيراً، وأعلمني بمكانه، وختم الكتاب، وقال: إذا دخلت البخراء
стр. 4977
فأسأل عن فلان، وادفع كتابي هذا إليه، وقبض منه مالك، ثم انصرف بالجارية. قال: ومضيت. فلما دخلت البخراء سألت عن اسم الرجل فدللت عليه، فدخلت عليه، ودفعت الكتاب إليه فقبله، ووضعه على عينيه ودعا بعشرة آلاف دينار، فدفعها إلي وقال: هذا كتاب أمير المؤمنين. يعني: الوليد بن يزيد.
عبد الرحمن بن عمرو
ابن عبد الله بن صفوان بن عمرو أبو زرعة النصري - بالنون - الحافظ الدمشقي شيخ الشام في وقته، وداره بدمشق.
حدث عن أحمد بن خالد عن محمد بن إسحاق عن عياض بن دينار قال: دخلت المسجد وأبو هريرة يخطب الناس خليفة لمروان على المدينة أيام الحج في يوم الجمعة، قال: قال أبو القاسم ﷺ : أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر، ثم التي تليها على أشد نجوم السماء إضاءة. قال: ونحن الآخرون السابقون، وذلك أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، اليهود غداً والنصارى بعد غد، وهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، وهدانا الله له، في يوم الجمعة ساعة لا توافق مؤمناً وهو يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه. قال أبو القاسم ﷺ : لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، ويفيض المال، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج. قيل: يا رسول الله، ما الهرج؟ قال: القتل، القتل، القتل.
قال أبو زرعة: سألني أحمد بن مدبر عن بيع الكلأ فأعلمته أن الأوزاعي يقول: الناس فيه أسوة. قال أبو زرعة: فتظلم إلى ابن مدبر رجل من الرعية على رجل يدعي كلأ له فلم يعده، وقال: فقيه أهل الشام لا يرى لك حقاً.
توفي أو زرعة بدمشق سنة ثمانين، وقيل: سنة إحدى وثمانين ومئتين.
стр. 4978
عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الرحمن
ويقال: ابن عبد الرحيم - أبو عمرو الرحبي الحمصي حدث عن العباس بن الوليد بن مزيد بسنده إلى أنس عن النبي ﷺ قال: رأيت يوسف ليلة أسري بي في السماء الثالثة، وإذا أنا برجل راعني حسنه، شاب فضل على الناس بالحسن، قيل: هذا أخوك يوسف.
وجدث عن أبي عتبة أحمد بن الفرج بسنده إلى أبي الدرداء عن رسول الله ﷺ قال: فرغ الله إلى كل عبد من خمس: خلقه، وخلقه، وأثره، ومضجعه، ورزقه.
عبد الرحمن بن عمرو بن عبد الرحمن
دحيم بن إبراهيم أبو سعيد حدث عن إسماعيل بن عبد الرحمن الكناني الدمشقي بسنده إلى أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ سئل عن العزل فقال: أنت تخلقه؟ أنت ترزقه؟ أقره قراره.
عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد أبي عمرو
أبو عمرو الأوزاعي إمام أهل الشام في الحديث والفقه. كان يسكن دمشق خارج باب الفراديس بمحلة الأوزاع، ثم تحول إلى بيروت، فسكنها مرابطاً إلى أن مات بها.
حدث عن أبي جعفر محمد بن علي بسنده إلى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: مثل الراجع في صدقته كالكلب يقيء فيرجع في قيئه فيأكله.
стр. 4979
وحدث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير بسنده إلى ربيعة بن كعب قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فآتيه بوضوئه وحاجته، فكان يقوم من الليل فيقول: سبحان ربي وبحمده، سبحان ربي وبحمده، القوي، سبحانرب العالمين، سبحان رب العالمين، سبحان رب العالمين القوي. قال: فقال رسول الله ﷺ هل لك حاجة قلت: يا رسول الله، مرافتك في الجنة، قال: فأعني بكثرة السجود.
والأوزاع بطن من همدان، وهو من أنفسهم. ولد سنة ثما وثمانين، وقيل: سنة ثلاث وتسعين، والأول أصح. وكان ثقة، مأموناً، حافظاً، صدوقاً، فاضلاً، خيراً، كثير الحديث والعلم، والفقه، حجة.
قال محمد بن إسماعيل:
عبد الرحمن الأوزاعي، ولم يكن منهم، نزل فيهم، والأوزاع من حمير الشام. وقال غيره: الأوزاع قرية بدمشق، إذا خرجت من باب الفراديس. قالوا: وكان ينزل الأوزاع فنسب إلى الأوزاع، وليس منهم. وعرض هذا القول على أحمد بن عمير - وكان علامة بحديث الشام وأنساب أهلها - فلم يرضه، وقال: إنما قيل أوزاعي لأنه من أوزاع القبائل، والأوزاع من قبائل شتى، وهو ابن عم يحيى بن أبي عمرو السيباني لحاً، وقول من نسبه إلى القرية التي هي خارج باب الفراديس أصح، وهو موضع مشهور بربض مدينة دمشق يعرف بالأوزاع، سكنه في صدر الإسلام بقايا من قبائل شتى.
قال الأصمعي: الأوزاع: الفرق يقول: وزعت الشيء على القوم إذا فرقته عليهم، وهذا اسم جمع لا واحد له.
قال الرياشي: والأوزاع: بطون من العرب يجمعها هذا الاسم.
وقال العباس بن الوليد: إنما سمي الأوزاعي لأنه كانت هجرته معهم فنسب إليهم، وهو سيباني من بني سيبان، وكان اسمه عبد العزيز فسمى هو نفسه عبد الرحمن، وكان أصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمه من سباء السند فكان ينزل في الأوزاع، فغلب عليه ذلك، والأوزاع قبيلة من حمير.
стр. 4980
وإليه فتوى الفقه لأهل الشام لفضله فيهم وكثرة روايته، وكانفصيحاً، وكانت صنعته الكتابة والترسل، ورسائله تؤثر وتكتب.
روى عن مالك بن يخامر قال: رسول الله ﷺ : العرب كلها بنو إسماعيل بن إبراهيم إلا أربع قبائل: إلا السلف، والأوزع، وحضرموت، وثقيف.
قال الأوزاعي: كنت محتلماً أو شبيهاً به في خلافة عمر بن عبد العزيز.
قال العباس بن الوليد بن مزيد سمعت أبي يقول: كان مولد الأوزاعي ببعلبك، ومنشؤه بالبقاع، ثم نقلته أمه إلى بيروت، فما رأيت أبي يتعجب من شيء مما رآه في الدنيا تعجبه منه، فكان يقول: سبحانك تفعل ما تشاء. كان الأوزاعي يتيماً فقيراً في حجر امرأة تنقله من بلد إلى بلد، وقد جرى حكمك فيه بأن بلغته حيث رأيته، ثم يقول: يا بني، عجزت الملوك أن تؤدب أنفسها وأولادها، أدبه في نفسه، ما سمعت منه كلمة قط فاضلة إلا احتاج مستمعوها إلى إثباتها عنه، ولا رأيته ضاحكاً قط حتى يقهقه، ولا يلتفت إلى شيء إلا باكياً، ولقد كان إذا أخذ في ذكر المعاد أقول في نفسي: أترى في المجلس قلب لم يبك، ولا يرى ذلك فيه.
وكان الأوزاعي فوق الربعة، خفيف اللحية، به سمرة، وكان يخضب بالحناء.
قال الأوزاعي: مات أبي وأنا صغير، فذهبت ألعب مع الغلمان، فمر بنا فلان - وذكر شيخاً من العرب جليلاً - قال: ففر الصبيان حين رأوه، وثبت أنا، فقال: ابن من أنت فأخبرته، فقال: ابن أخي، يرحم الله أباك، فذهب بي إلى بيته، فكنت معه حتى بلغت، فألحقني في الديوان، وضرب علينا بعثاً إلى اليمامة. فلما قدمت اليمامة، ودخلنا مسجد الجامع، فلما خرجنا قال لي رجل من أصحابنا: رأيت يحيى بن أبي كثير معجباً بك، يقول: ما رأيت في هذا البعث أهدأ من هذا البعث أهدأ من هذا الشاب. قال: فجالسته فكتبت عنه أربعة عشر كتاباً أو ثلاثة عشر، فاحترق كله.
خرج الأوزاعي في بعث إلى اليمامة. فلما وصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلم إليها دخل مسجدها، فاستقبل
стр. 4981
سارية يصلي إليها، وكان يحيى بن أبي كثير قريباً منه، فجعل يحيى ينظر إلى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلماته فأعجبته، وقال: ما أشبه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلماة هذا لافتى بصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلماة عمر بن عبد العزيز، قال: فقام رجل من جلساء يحيى فانتظر حتى إذا فرغ الأوزاعي من صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلماته أخيبره بما قال يحيى، فجاء الأوزاعي الديوان وأقام عند يحيى مدة يكتب عنه، ويمسع منه، فقال له يحي: ينبغي لك أن تبادر إلى البصرة لعلك أن تدرك الحسن البصري ومحمد بن سيرين، فتأخذ عنهما، فانطلق إليهما فوجد الحسن قد مات قبل دخوله بشهرين، وابن سيرين حي، فذكر الأوزاعي أنه أتى بابه وهو مريض، قال: فكنا ندخل فنعوده، ونحن قيام لا نتكلم، وهو أيضاً لا يتكلم، فمكثنا أياماً فخرج إلينا الرجل الذي كان يوصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمنا إليه، فقلنا له: ما خبر الشيخ؟ قال: تركته قد لزق لسانه بحنكه، وهو يقول: لا إله إلا الله، ومات من يومه ذلك، وكان به البطن.
قال الأوزاعي: حججت، فلقيت عبدة بن أبي لبابة بمنى، فقال لي: هل لقيت الحكم؟ قال: قلت: لا، قال: فاذهب فالقه، فما بين لاييتها أفقه منه، قال: فلقيته، فإذا برجل حسن السمت مقنع.
قال أبو رزين اللخمي: أول ما سئل الأوزاعي عن الفقه سنة ثلاث عشرة ومئة وهو يومئذٍ ابن خمس وعشرين سنة، ثم لم يزل يفتي بعد ذلك بقية عمره إلى أن توفي رحمة الله عليه.
قال هقل بن زياد: أجاب الأوزاعي في سبعين ألف مسألة، أو نحوها من العلم، قال: وسئل يوماً عن مسألة فقال: ليس عندي فيه خبر، أي إن الذي أفتيتها كلها كان عندي أخبار.
قال إسماعيل بن عياش: انقلب الناس من غزاة الندوة سنة أربعين ومئة فسمعتهم يقولون: الأوزاعي اليوم عالم الأمة.
стр. 4982
فال أبو شعيب: قلت لأمية بن زيد بن أبي عثمان: أين الأوزاعي من مكحول؟ فقال: هو عندنا أرفع من مكحول، فقلت له: إن مكحولاً قد رأى أصحاب رسول الله ﷺ قال: وإن كان قد رآهم، فأين فضل الأوزاعي في نفسه؟ وقد جمع العبادة، والورع، والعلم، والقول، الحق.
قال إسحاق بن عباد الختلي: حدثني أبي قال: حججت في بعض السنين، فرأيت شيوخاً أحدهم راكب، والآخر يسوق به، وآخر يقود به، يقولون: أوسعوا للشيخ، وأسعوا للشيخ، فقلت: من الراكب؟ ومن القائد؟ ومن السائق؟ فقالوا: الراكب الأوزاعي، والقائد مالك، والسائق الثوري، قال: لولا أنهم رأوا أنه أفضلهم ما فعلوا به ذلك.
بلغ سفيان الثوري وهو بمكة مقدم الأوزاعي، فخرج حتى لقيه بذي طوى. فلما لقيه حل رسن البعير من القطار، فوضعه على رقبته، فجعل يتخلل به، فإذا مر بجماعة قال: الطريق للشيخ.
قال عثمان بن عاصم، أخو علي بن عاصم: رأيت شيخاً بين الصفا والمروة على ناقة وشيخاً يقوده، واجتمع أصحاب الحديث عليه، فجعل الشيخ الذي يقود يقول: يا معشر الشباب، كفوا حتى نسأل الشيخ فقلت: من هذا الراكب؟ قالوا: هذا الأوزاعي، فقلت: من هذا الذي يقوده؟ قالوا: هذا سفيان الثوري.
قال احمد بن حنبل: دخل سفيان الثوري والأوزاعي على مالك. فلما خرجا قال مالك: أحدهما أكثر علماً من صاحبه ولا يصلح للإمام، والآخر يصلح للإمامة، يعني الأوزاعي للإمامة، ولا يصلح سفيان.
لم يكن لمالك في سفيان رأي.
стр. 4983
ذكر الأوزاعي عند مالك فقال: ذاك إمام يقتدى به.
قال محمد بن عبد الحكم: جاء أهل الثغر إلى مالك فقالوا له: إن رأي هذين الرجلين قد غلب على أهل الثغر: سفيان الثوري، والأوزاعي، فرأي من ترى نأخذ؟ فقال: مالك: كان الأوزاعي عندنا إماماً.
قال يحيى بن سعيد القطان: قال مالك بن أنس: اجتمع عندي الأوزاعي وسفيان الثوري وأبو حنيفة فقلت: فأيهم وجدته أكثر علماً؟ قال: كان أرجحهم الأوزاعي.
قال عبد الرحمن بن القاسم:
جئت يوماً إلى منزل مالك بن انس، فوجدت سفيان الثوري وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي خارجين من عنده، فدخلت إلى مالك فقلت له: أبا عبد الله، لقيت الساعة الأوزاعي والثوري خارجين من عندك، فقال لي: أما أحدهما فمن الراسخين في العلم، يريد: عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي.
قال عون بن حكيم: حججت مع الأوزاعي وكان حجاجاً، فلما أتينا المدينة أتى المسجد، فبلغ مالكاً مقدمه، فأتاه فسلم عليه، قال: فجلسا بين الظهر والعصر يتذاكران الفقه، فلا يذكران باباً من أبواب العلم إلا ذهب الأوزاعي عليه، ثم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلميا العصر، فعاودا المذاكرة، فلم يزل الأوزاعي على تلك الحال حتى اصفرت الشمس، فناظره مالك في كتاب المكاتب والمدبر فخالفه فيه. فلما صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلميا المغرب قلت لأصحابه: كيف رأيتم صاحبنا من صاحبكم؟ فقالوا: لو لم يكن في صاحبكم إلا سمته لأقررنا بفضله.
стр. 4984
وروي أن مالكاً والأوزاعي اجتمعا في مسجد سيدنا رسول الله ﷺ فتناظرا في المغازي فغمره الأوزاعي، ثم تناظرا في الفقه فغمره مالك.
قال سفيان بن عيينة: اجتمع الأوزاعي والثوري بمنى، فقال الأوزاعي للثوري: لم لا ترفع يديك في خفض الركوع ورفعه؟ فقال الثوري: حدثنا يزيد بن أبي زياد، فقال الأوزاعي: أروي لك عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ وتعارضني بيزيد بن أبي زياد؟! يريد: رجل ضعيف الحديث، وحديثه مخالف للسنة، قال: فاحمار وجه سفيان الثوري، فقال الأوزاعي: كأنك كرهت ما قلت! قال الثوري: نعم، فقال الأوزاعي: قم بنا إلى المقام، نلتعن أينا على الحق، قال: فتبسم الثوري لما رأى الأوزاعي قد احتد، وقال: أنت المقدم.
قال الوليد بن مسلم: قال لي سعيد بن عبد العزيز: أما رأيت ابن عمرو الأوزاعي؟ قلت: بلى، قال: فاقتد يه، فقد كفاك من كان قبله.
قال علي بن بكار: سمعت أبا إسحاق الفزاري يقول: ما رأيت مثل رجلين: الأوزاعي، والثوري، فأما الأوزاعي فكان رجل عامة، وأما الثوري فكان رجل خاصة نفسه، ولو خيرت لهذه الأمة لاخترت لها الأوزاعي. قال علي بن بكار: فقلت في نفسي: لو خيرت لهذه الأمة اخترت لها أبا إسحاق الفزاري.
وفي رواية: لو قيل لي: اختر لهذه الأمة: سفيان أو الأوزاعي لاخترت لها الأوزاعي لأنه كان أكثر توسعاً.
стр. 4985
حدث الفزاري عن الأوزاعي قال: وكان والله إماماً إذ لا نصيب اليوم إماماً.
وقال إبراهيم بن محمد الفزاري: لو أن الأمة أصابتها شدة، والأوزاعي فيهم لرأيت لهم أن يفزعوا إليه.
قال محمد بن عبد الوهاب بن هشام بن الغاز: كنا عند أبي إسحاق الفزاري يوماً فذكر الأوزاعي فقال: إن ذاك رجل كان شأنه عجباً. قال: فقال بعض أهل المجالس: وما كان عجبه يا أبا إسحاق؟ قال: يسأل عن الشيء، عندنا فيه الأثر، فيقول: ما عندي فيه شيء، وأنا أكره التكلف، ولعله يبتلى بلجاجة السائل حتى يردد عليه، فلا يعدو الأثر الذي عندنا، فقال بعض أهل المجلس: هذا أشبه بالوحي يا أبا إسحاق! قال: فأغضبه ذلك، وقال: من هذا نعجب كان والله يرد الجواب كما هو عندنا في الأثر، ولا يقدم منه مؤخراً، ولا يؤخر منه مقدماً.
قال أبو إسحاق الفزاري: ما رأيت أحداً كان أشد تواضعاً من الأوزاعي، ولا أرحم بالناس منه، وإن كان الرجل ليناديه فيقول: لبيك. وكان الأوزاعي أفضل أهل زمانه.
قال عبد الرحمن بن مهدي: إنما الناس في زمانهم أربعة: حماد بن زيد بالبصرة، وسفيان بالكوفة، ومالك بن أنس بالحجاز، والأوزاعي بالشام.
قال بقية: إنا لنمتحن الناس بالأوزاعي، فمن ذكره بخير عرفنا أنه صاحب سنة، ومن طغى عليه عرفنا أنه صاحب بدعة.
قال الوليد بن مسلم: كان الأمر لا يبين على الأوزاعي حتى يتكلم، فإذا تكلم جل وملأ القلب.
قال صدقة بن عبد الله: ما رأيت أحداً أحلم، ولا أكمل، ولا أجمل فيما جمل من الأوزاعي.
стр. 4986
قال العباس بن الوليد البيروتي: سمعت أبي يقول: ما رأيت الأوزاعي قط ضاحكاً مقهقهاً. وكان إذا أخذ في الفرائض كثر تبسمه، ولا رأيته باكياً قط.
قال موسى بن يسار: صحبت مكحولاً أربع عشرة سنة. قال عقبة: فسمعت موسى بن يسار يقول: ما رأيت أحداً قط أحد نظراً ولا أنفى للغل عن الإسلام من الأوزاعي.
قال محمد بن عجلان: ما أعلم مكان أحد أنصح للمسلمين من الأوزاعي.
قال إسحاق بن إبراهيم: إذا اجتمع سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي على أمر فهو سنة، وإن لم يكن في كتاب ناطق فإنهم أئمة.
قال عبد الرحمن بن مهدي: سفيان الثوري إمام في الحديث، وليس بإمام في السنة، والأوزاعي إمام في السنة، وليس بإمام في الحديث، ومالك بن أنس إمام فيهما جميعاً.
قال إبراهيم بن إسحاق الحربي: سألت أحمد بن حنبل قلت: ما تقول في مالك بن أنس؟ فقال: حديث صحيح ورأي ضعيف. قلت: فالأوزاعي؟ قال: حديث ضعيف ورأي ضعيف. قلت: فالشافعي؟ قال: حديث صحيح ورأي صحيح.
قال أحمد البيهقي: قوله في الأوزاعي: حديث ضعيف يريد به بعض ما احتج به، لا انه ضعيف في الرواية، والأوزاعي إمام ثقة في نفسه، لكنه قد يحتج في بعض مسائله بأحاديث من عساه لم يقف على حاله، ثم يحتج بالمراسيل والمقاطيع وذلك بين في كتبه.
стр. 4987
وعن الأوزاعي قال: كان السلف إذا صدع الفجر أو قبله شيئاً كأنما على رؤوسهم الطير مقبلين على أنفسهم، حتى لوأن حميماً لأحدهم غاب عنه حيناً ثم قدم ما التفت إليه، فلا يزالون كذلك حتى يكون قريباً من طلوع الشمس، ثم يقوم بعضهم إلى بعض فيتحلقون، فأول ما يقتضون فيه أمر معادهم وما هم صائرون إليه، ثم يتحلقون إلى الفقه والقرآن.
وعن الأوزاعي قال: طالب العلم بلا سكينة ولا حلم كالإناء المنخرق، كلما حمل فيه شيء تناثر.
قال الأوزاعي: كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما يعرض الدرهم المزيف، فما عرفوا منه أخذنا، وما أنكروا منه تركنا.
قال الوليد بن مسلم: كنا إذا جالسنا الأوزاعي فرأى فينا حدثاً قال: يا غلام، قرأت القرآن؟ فإن قال: نعم قال: " يوصيكم الله في أولادكم " فإن قال: لا، قال: اذهب تعلم القرآن قبل أن تطلب العلم.
قال عمرو بن أبي سلمة: قلت للأوزاعي: في المناولة أقول فيها: حدثنا؟ قال: إن كنت حدثتك فقل، فقلت: أقول أخبرنا؟ قال: لا، قلت: فكيف أقول؟ قل: قال أبو عمرو، وعن أبي عمرو.
وعن الأوزاعي قال: ما زال هذا العلم غزيراً يتلاقاه الرجال حتى وقع في الصحف، فحمله أو دخل فيه غير أهله.
وفي رواية: كان هذا الأمر شيئاً شريفاً إذ كان الناس يتلاقونه بينهم. فلما كتب ذهب نوره، وصار إلى غير أهله.
стр. 4988
قال أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر: بكر أصحاب الحديث على الأوزاعي، قال: فالتفت إليهم فقال: كم من حريص خاشع ليس بمنتفع ولا نافع.
قال أبو مسهر: وكان الأوزاعي لا يلحن.
قال بشر بن أبي بكر: سئل الأوزاعي فقيل: يا أبا عمرو، الرجل يسمع الحديث عن النبي ﷺ فيه لحن أيقيمه على عربيته؟ قال: نعم، إن سول الله ﷺ لا يتكلم إلا بعربي.
وقال الأوزاعي: أعربوا الحديث، فإن القوم كانوا عرباً.
وقال الأوزاعي: لا بأس يا صلاح الخطأ واللحن في الحديث.
قال الوليد بن مسلم: احترقت كتب الأوزاعي زمنه الرجفة، ثلاثة عشر قنداقاً، فأتاه رجل بنسخها، قال: يا أبا عمرو، هذه نسخة كتابك، وإصلاحك بيدك، فما عرض لشيء منها حتى فارق الدنيا.
مر إبراهيم بن أدهم ﵀ بالأوزاعي وحوله الناس فقال: على هذا عهدت الناس، كأنك معلم وحولك الصبيان، والله لوأن هذه الحلقة على أبي هريرة لعجز عنهم. قال: فقام الأوزاعي وترك الناس.
стр. 4989
قال أبو عبيد الله كاتب المنصور: كانت ترد على المنصور من الأوزاعي ﵀ كتب يتعجب منها، ويعجز كتابه عن الإجابة، فكانت تنسخ في دفاتر، وتوضع بين يدي المنصور، فيكثر النظر فيها استحساناً لألفاظها، فقال لسليمان بن مجالد: وكان من أحظى كتابه عنده، وأشدهم تقدماً في صنعته: ينبغي أن نجيب الأوزاعي عن كتبه جواباً تاماً، فقال: يا أمير المؤمنين، ما أحسن ذلك وإنما أرد عليه ما أحسن، وإن له نظماً في الكتب لا أظن أحداً من جميع الناس يقدر على إجابته عنه، وأنا أستعين بألفاظه على من لا يعرفها ممن نكاتبه في الآفاق.
قال الوليد بن مسلم:
ما كنت أحرص على السماع من الأوزاعيحختى رأيت النبي ﷺ في المنام فقيل لي: إنه ها هنا في شبه غار. قال: فدخلت على النبي ﷺ فإذا الأوزاعي جالس إلى جنبه. قال: فقلت: يا رسول الله، عمن أحمل العلم؟ قال لي: عن هذا، واشار إلى الأوزاعي رحمة الله عليه.
وعنه قال: رأيت النبي ﷺ في منامي، فقلت: يا رسول الله، عمن أكتب العلم؟ فقال: عن الأوزاعي. قال: فقلت له: عبد الله بن سمعان؟ قال: لا.
وعنه قال: رأيت النبي ﷺ في المنام، فسلمت عليه فقلت: يا رسول الله، ائذن لي في تقبيل يدك، قال: ومالك وتقبيل اليد؟ إنما تقبيل اليد من شكل الأعاجم، ثم قام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 4990
في مصلى ذلك البيت يصلي. قال الوليد: فحانت مني التفاتة، فإذا أنا بالأوزاعي قائم في مصلى النبي ﷺ .
وعنه قال: رأيت في المنام كأني دفعت إلى النبي ﷺ وإذا شيخ جالس إلى جنب النبي ﷺ وإذا الشيخ مقبل على النبي ﷺ يحدثه، وإذا النبي ﷺ مقبل على الشيخ يسمع حديثه، قال: فسلمت على النبي ﷺ فرد علي السلام، ثم جلست إلى بعض الجلساء، فقتل للذي جلست إليه: من ذلك الشيخ الذي قد أقبل عليه النبي ﷺ وهو يسمع حديثه؟ قال: وما تعرف هذا؟ قال: قلت: لا قال: هذا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي. قال: إنه لذو منزلة من رسول الله ﷺ ! قال: نعم.
قال الأوزاعي: رايت كأن ملكين عرجا بي، وأوقفاني بين يدي رب العزة، فقال لي: أنت عبدي عبد الرحمن الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ فقتل: بعزتك أي رب، أنت أعلم. قال: فهبطا بي حتى رداني إلى مكاني.
وفي رواية: فقال: يا عبد الرحمن، أنت الذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فقلت: بفضلك يا رب، فقلت: يا رب أمتني على الإسلام، فقال: وعلى السنة.
قال محمد بن الأوزاعي: قال لي أبي: يا بني، أريد أن أحدثك بشيء، ولا أفعل حتى تعطيني موثقاً إنك لا تحدث به ما دمت حياً، قال: فقلت: افعل يا أبه، قال: إني رأيت فيما يرى النائم أني أدخلت الجنة، فإذا رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر، وهم يعالجون مصراع باب الجنة، فإذا ردوه زال، ثم يعالجونه فإذا ردوه زال، قال: فقال لي رسول الله ﷺ يا عبد الرحمن، ألا تمسك معنا؟ قال: فجئت فأمسكت معهم، فثبت. قال العباس: ونرى ذلك مما كان يذب عن السنة.
стр. 4991
قال محمد بن شعيب: جلست إلى شيخ في المسجد - يعني: مسجد دمشق - فقال: أنا ميت يوم كذا وكذا. فلما كان ذلك اليوم أتيته فإذا به في الصحن يتفلى فقال: ما أخذتم السرير؟ خذوه قبل أن تسبقوا إليه. قلت: ما تقول رحمك الله؟ قال: هو ما أقول لك، إني رايت في المنام كأن طائراً وقع على ركنٍ من أركان هذه القبة، فسمعته يقول: فلان قدري، وفلان كذا، وأبو حفص عثمان بن أبي العاتكة نعم الرجل وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي خير من يمشي على الأرض، وأنت ميت يوم كذا وكذا. قال: فما جاء الظهر حتى مات وأخرج بجنازته.
كان الأوزاعي من العبادة على شيء لم يسمع بأحد قوي عليه، ما اتى عليه زوال قط إلا وهو فيه قائم يصلي.
قا الأوزاعي: من أطال القيام بالليل هون الله عليه طول القيام يوم القيامة.
قال ضمرة بن ربيعة: حججنا مع الأوزاعي سنة خمسين ومئة، فما رأيته مضطجعاً على المحمل في ليلٍ ولا نهار قط، كان يصلي، فإذا غلبه النوم استند إلى القتب.
وكان الأوزاعي لا يكلم أحداً بعد صلاة الفجر حتى يذكر الله تعالى، فإن كلمه أحد أجابه.
وقال بشر بن المنذر: رأيت الأوزاعي كأنه أعمى من الخشوع.
قال ابن عفان: حدثتني أمي قالت: دخلت على امرأة الأوزاعي فرأيت الحصير الذي يصلي عليه مبلولاً، فقلت: يا أختي، أخاف أن يكون الصبي بال على الحصير، فبكت وقالت: ذلك دموع الشيخ.
стр. 4992
قال أبو مسهر: ما رئي الأوزاعي باكياً قط، ولا ضاحكاً حتى تبدو نواجذه، وإنما كان يتبسم أحياناً. كما روي في الحديث. وكان يحيي الليل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلماةً وقرآنا وبكاء.
قال: وأخبرني بعض إخواني من أهل بيروت أن أمه كانت تدخل منزل الأوزاعي وتتفقد موضع مصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلماه، فتجده رطباً من دموعه في الليل. قال: وتفقدت ذلك في الشتاء، فلم يكن الموضع يجف في الصيف حتى يقلع الحصير من موضعه ويبسط غيره فيكون سبيله سبيل الأول.
دخل محمد بن عبد الله دمشق فهرب الأوزاعي، فبقي ثلاثة أيام صائماً يطوى، لا يجد ما يأكله، فقصد صديقاً له عند الإفطار، فقدم إليه، فقال: لو علمت قبل هذا لتقدمنا لك، فقام الأوزاعي وخرج عنه، ولم يفطر.
قال العباس بن مزيد: سمعت أصحابنايقولون: صار إلى الأوزاعي أكثر من سبعين ألف دينار، يعني من السلطان من بني امية وبني العباس. فلما مات ما خلف إلا سبعة دنانير، بقية من عطائه، وما كان له أرض ولا دار. قال العباس: نظرنا فإذاه قد أخرجها كلها في سبيل الله والفقراء.
وعن الأوزاعي: أنه ذكر الخردل، كان يحبه أو يتدواى به، فقال رجل من أهل صفورية: انا أبعث إليك منه يا أبا عمرو، فإنه ينبت عندنا كثير، بري. قال: فبعث إليه منه بصرة، وبعث بمسائل فبعث الأوزاعي بالخردل إلى السوق، فباعه، وأخذ ثمنه فلوساً فصرها في رقعته، وأجابه في المسائل، وكتب إليه: أن لم يحملني على ما صنعت شيء تكرهه، ولكن كانت معه مسائل فخفت أن يكون كهيئة الثمن لها.
قال محمد بن عيسى بن الطباع: أهدوا للأوزاعي هدية أصحاب الحيدث. فلما اجتمعوا قال لهم: أنتم بالخيار: إن شئتم قبلت هديتكم ولم أحدثكم وإن شئتم حدثتكم ورددت هديتكم.
стр. 4993
قال أحمد بن أبي الحواري: بلغني أن نصرانياً أهدى إلى الأوزاعي جرة عسل، فقال له: يا أبا عمرو، تكتب إلى ملك بعلبك، فقال: إن شئت رددت الجرة وكتبت لك، وإلا قبلت الجرة ولم أكتب لك. قال: فرد الجرة، وكتب له، فوضع عنه ثلاثين ديناراً.
قال محمد بن الأوزاعي: قال لي أبي: يا بني، لوكنا نقبل من الناس كل ما يعرضون علينا لأوشك بنا أن نهون عليهم.
قال أبو هزان: كان الأوزاعي من أسخا الناس، وإن كان الرجل ليعرض بالشيء فينقلب الأوزاعي، فيعالج الطعام فيدعوه.
كان الأوزاعي يقول: ندور مع السنة حيثما دارت.
وعن الأوزاعي قال: اصبر على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل فيما قالوا، وكف عما كفوا، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما يسعهم.
وعن الأوزاعي قال: يا بقية، لا تذكر أحداً من أصحاب نبيك إلا بخير، وأزيدك يا بقية: ولا أحداً من أمتك، قال بقية: إذا سمعت الرجل يقع في غيره فهو يقول: انا خير منه.
وقال لي الأوزاعي، يا بقية، العلم ما جاء عن أصحاب محمد ﷺ . وما لم يجئ عن أصحاب محمد ﷺ فليس بعلم.
وعن الأوزاعي قال: لا يجتمع حب علي وعثمان إلا في قلب مؤمن.
وعن الأوزاعي قال: إذا أراد الله بقوم شراً فتح عليهم الجدل، ومنعهم العمل.
стр. 4994
وعن الهيثم بن عمران قال: لي الأوزاعي: أعرى الإسلام تقوى في كل يوم، وتزيد أم تضعف وتضحل وترق؟ قلت: بل تضعف، وتضمحل وترق، فقال: صدقت، ولو كان القدر من عرى الإسلام لضعف واضمحل ورق، ولكنه بدعة وهو يطول وينمو أو يزيد.
قال الأوزاعي: لا يكون في آخر الزمان شيء أعز من أخ مؤنس، أو كسب درهم من حله، أو سنة يعمل بها.
قال الأوزاعي: كتب إلي قتادة من البصرة: إن كانت الدار فرقت بيننا وبينك فإن ألفة الإسلام بين أهلها جامعة.
قال الأوزاعي: جئت إلى بيروت أرابط فيها، فلقيت سوداء عن المقابر فقلت لها: يا سوداء، أين العمارة؟ فقالت لي: أنت في العمارة، وإن أردت الخراب فبين يديك، فقلت: هذه سوداء تقول هذا؟! لأقيمن بها، فأقمت ببيروت.
قال الأوزاعي: خرجت إلى الصحراء فإذا أنا برجل من جراد في السماء، وإذا أنا برجل راكب على جرادة منها، وهوشاكٍ في الحديد، وكلما قال بيده هكذا مال الجراد مع يده، وهو يقول: الدنيا باطل، باطل ما فيها، الدنياباطل، باطل ما فيها، الدنيا باطل، باطل ما فيها.
قال الأوزاعي: كان عندنا رجل صياد يسافر يوم الجمعة يصطاد، ولا ينتظر الجمعة، فخرج يوماً فخسف ببغلته، فلم يبق منها إلا أذنها.
стр. 4995
كان الأوزاعي على باب دكان بحذاء درج مسجد بيروت، وحذاءه صاحب دكان يبيع فيه ناطفاً، وإلى جانبه صاحب دكان يبيع بصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلماً، وهو يقول: يا أحلى من الناطف، فقال الأوزاعي: سبحان الله، ما يرى هذا بالكذب بأساً.
حدث الوليد عن مكحول أنه قال: لو خيرت بين القضاء وبين ضرب رقبتين لاخترت ضرب رقبتي. قال: ثم قدم علينا الأوزاعي، وقد كانوا يريدون يولونه القضاء. قال: فحدثته بقول مكحول، ثم رأيته بعد وقد صرف ذلك عنه، قال: إن كنت لمن سدد لي رأيي.
قال سليمان بن عبد الرجمن: قال عقبة بن علقمة: أرادوا الأوزاعي للقضاء فامتنع، وأبى، فتركوه. قال: فقلت لعقبة: هم كانوا يكرهون الناس على ما يريدون، فكيف لم يكرهوا الأوزاعي؟! فقال: هيهات، إنه كان في أنفسهم أعظم قدراً من ذلك.
وعن الأوزاعي قال: كنا قبل اليوم نمزح ونضحك، فأما إذا صرنا أئمة ينظر إلينا ويقتدى بنا، فينبغي لنا أن نتحفظ.
وفي رواية: فلما صرنا يقتدى بنا خشيت أن لا يسعنا التبسم.
كان الأوزاعي يقول: إن المؤمن قليلاً، ويعمل كثيراً. وإن المنافق يقول كثيراً، ويعمل قليلاً.
وقال: من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير من العمل، ومن عرف أن منطقه من عمله قل كلامه.
كتب الأوزاعي إلى أخ له: أما بعد فقد أحيط بك من كل جانب، واعلم أنه يشار بك كل يوم وليلة، فاحذر الله والمقام بين يديه، وأن يكون آخر عهدك به. والسلام.
стр. 4996
وقال الأوزاعي: لؤم بالرجل ودناءه نفس يفوته وقت الصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلماة بكسب دانق.
حدث الهقل بن زياد: أن الأوزاعي وعظ فقال في موعظته: أيها الناس، تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من " نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة " فإنكم في دارٍ، الثواء فيها قليل، وأنتم فيها مرحلون، خلائف بعد القرون الذين استقبلوا من الدنيا أنفسها وزهرتها، فهم كانوا أطول منكم أعماراً، وأمد أجساماً، وأعظم آثاراً، فجددوا الجبال، وجابوا الصخور، ونقبوا في البلاد، مؤيدين ببطش شديد، وأجساد كالعماد، فما لبثت الأيام والليالي أن طوت مدتهم، وعفت آثارهم، وأخوت منازلهم، وأنست ذكرهم، فما تحسن منهم من أحد، ولا تسمع لهم ركزاً، كانوا بلهو الأمل آمنين، لميقات يوم غافلين، ولصباح قوم نادمين، ثم إنكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم بياتاً من عقوبة الله ، فأصبح كثير منهم في ديارهم جاثمين وأصبح الباقون ينظرون في آثار نقمه وزوال نعمه، ومساكن خاوية، فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم، وعبرة لمن يخشى، وأصبحتم من بعدهم في أجل منقوص، ودنيا مقبوضة في زمان قد ولى عفوه، وذهب رخاؤه، فلم يبق منه إلا حمة شر، وصبابة كدر، وأهاويل غير، وعقوبات عبر، وأرسال فتن، وتتابع زلازل، ورذالة خلف، بهم ظهر الفساد في البر والبحر، فلا تكونوا أشباهاً لمن خدعه الأمل، وغره طول الأجل، وتبلغ بالأماني، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن وعى وانتهى، وعقل مثواه فمهد لنفسه.
قال محمد بن كثير: سمعت الأوزاعي يقول: البسيط
الملك ملكان مقرونان في قرن ... فأهنأ العيش عندي خفة المؤن
стр. 4997
وصحة الجسم ملك ليس يعدله ... ملك وما الملك إلا صحة البدن
قال أبو سعيد هاشم بن مزيد: سمعت أحمد بن الغمر يقول: سمعت عبد الله بن أبي السايب يقول:
قلت لأبي عمرو الأوزاعي: يا أبا عمرو، رضي الله عنك، أخبرني عن تفسير حديث رسول الله ﷺ : يأتي على الناس زمان، المتمسك فيه بدينه كالقابض على الجمر، متى هو؟ قال الأوزاعي: إن لم يكن زماننا هذا فلا أدري متى هو. قال أبو سعيد: فقلت لأبي عبد الله، أحمد بن الغمر: يا أبا عبد الله، أخبرني عن قول الأوزاعي: زماننا هذا وما بعده أشد منه كما جاءت به الآثار. فلما جاءت المحنة التي نزلت به - لما نزل عبد الله بن علي حماة - بعث إلى الأوزاعي: فأشخص إليه. قال: فنزل على ثور بن يزيد الحمصي. قال الأوزاعي: فلم يزل ثور يتكلم في القدر من بعد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلماة العشاء الآخرة إلى أن طلع الفجر، والأوزاعي ساكت، ما أجابه بحرف. فلما انفجر الفجر قام فتوضأ لصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلماة الصبح، ثم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمى، وركب، فأتى حماة، فدخل الآذن، فأذن للأوزاعي. قال: فدخلت على عبد الله، وهو على سريره، وفي يده خيزرانة ينكت بها الأرض، وحوله المسودة بالسيوف المصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمتة والغمد الحديد، والسيف والنطع بين يديه، فسلمت: فنكت في الأرض ثم رفع رأسه إلي وقال: يا أوزاعي، أتعد مقامنا هذا - أو مسيرنا - رابطاً؟ فقلت: جاءت الآثار عن رسول الله ﷺ أنه قال: من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لامرأة يتزوجها، أو دنيا يصيبها فهجرته إلى ما هاجر إليه. قال: فنكت
стр. 4998
بالخيزرانة نكتاً هو أشد من النكت الأول، وجعل من حوله يعضون لي أيديهم، ثم رفع رأسه فقال: يا أوزاعي، ما تقول في دماء بني أمية؟ قلت: جاءت الآثار عن رسول الله ﷺ .
أنه لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الزاني بعد إحصان، والمرتد عن الإسلام، والنفس بالنفس، فنكت بالخيزرانة نكتاً هو أشد من ذلك وأطرق ثم رفع رأسه، فقال: يا أوزاعي، ما تقول في أموال بني أمية؟ فقلت: إن كانت لهم حراماً فهي عليك حرام، وإن كانت لهم حلالاً فما أحلها الله لك إلا بحقها. قال: فنكت بالخيزرانة نكتاً هو أشد من ذلك وأطرق ملياً ثم رفع رأسه، فقال: يا أوزاعي، هممت أن أوليك القضاء، فقلت: اصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمح الله الأمير، قد كان انقطاعي إلى سلفك ومن مضى من أهل بيتك، وكانوا بحقي عارفين، فإن رأى الأمير أن يستتم ما بتدأه آباؤه فليفعل. قال: كأنك تريد الإذن، قلت: إن ورائي لحرماً بهم حاجة إلى قيامي بهم وستري لهم. قال: فذاك لك. قال: فخرجت فركبت دابتي، وانصرفت. قال: فلم أعلم حين وصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمت إلى بيروت إلا وعثمان على البريد. قال: قلت: بدأ الرجل في، فقال: إن الأمير غفل عن جائزتك، وقد بعث لك بمئتي دينار.
قال أحمد: قال ابن أبي العشرين - يعني: عبد الحميد: فلم يبرح الأوزاعي مكانه حتى فرقها في الأيتام والأرامل والفقراء، ثم وضع الرسائل في رد ما سمع من ثور بن يزيد في القدر.
وزاد في حديث آخر بمعناه قال: أخبرني عن الخلافة: وصية لنا من رسول الله ﷺ ؟ فورد علي أمر عظيم، واستسلمت للموت، فقلت: لأصدقنه، فقلت: أصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمح الله الأمير، كان بيني وبين داود مودة، ثم قلت، لو كانت وصية من النبي ﷺ ما ترك علي بن أبي طالب أحداً يتقدمه.
كتب أبو جعفر أمير المؤمنين إلى الأوزاعي:
أما بعد، فقد جعل أمير المؤمنين في عنقك ما جعل الله لرعيته قبلك في عنقه، فأطلعه طلعهم، واكتب إليه بما رأيت فيه المصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمحة، وبما أحببت وبدا لك. قال: فكتب إليه الأوزاعي: أما بعد، فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين يعلمني أنه قد جعل في عنقي ما جعل الله لرعيته في عنقه، ويأمرني أن أطلعه طلعهم وأكتب إليه بما رأيت فيه المصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمحة لهم، وبما أحببت، وبدا لي، فعليك يا أمير المؤمنين بتقوى الله وطاعته، وتواضع يرفعك الله يوم يضع المتكبرين في الأرض بغير الحق، واعلم أن قرابتك من رسول الله ﷺ لن تزيد حق الله عليك إلا عظيماً، ولا طاعته إلا وجوباً، ولا الإياس فيما خالف ذلك منه إلا إنكاراً. والسلام.
стр. 4999
قال الأوزاعي: بعث إلي أبو جعفر المنصور أمير المؤمنين وأنا بالساحل. فلما وصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمت إليه سلمت عليه بالخلافة، ورد علي، واستجلسني ثم قال: ما الذي بطأ بك عنا يا أوزاعي؟ قلت: وما الذي تريد يا أمير المؤمنين؟ قال: أريد الأخذ عنكم والاقتباس منكم، قلت: فانظر يا أمير المؤمنين ألا تجهل شيئاً مما أقول لك. قال: وكيف أجهله، وأنا أسألك عنه، وفيه وجهت إليك، وأقدمتك له؟! قلت: أن تسمعه ولا تعمل به: يا أمير المؤمنين، من كره الحق فقد كره الله، إن الله هو الحق المبين، فصاح بي الربيع وأهوى بيده إلى السيف، فانتهره المنصور وقال: هذا مجلس مثوبة لا مجلس عقوبة، فطابت نفسي، وانبسطت في الكلام، فقلت: يا أمير المؤمنين، حدثني مكحول عن عطية بن بسر قال: قال رسول الله ﷺ : أيما عبد جاءته موعظة من الله في دينه فإنما هي نعمة من الله سيقت إليه، فإن قبلها يشكر، وإلا كانت حجة من الله عليه، ليزداد بها إثماً، ويزداد الله عليه سخطاً.
يا أمير المؤمنين، حدثني مكحول عن عطية بن بسر قال: قال ورسول الله ﷺ : أيما وال بات غاشاً لرعيته حرم الله عليه الجنة.
يا أمير المؤمنين، من كره الحق فقد كره الله ، إن الله هو الحق المبين. يا أمير المؤمنين، إن الذي لين قلوب أمتكم لكم حين ولأكم أمورها لقرابتكم من رسول الله ﷺ فقد كان بهم رؤوفاً رحيماً، مواسياً لهم بنفسه في ذات يده، وعن الناس لحقيق أن تقوم له فيهم بالحق، وأن تكون بالقسط فيهم قائماً، ولعوراتهم ساتراً، لم تغلق عليه دونهم الأبواب، ولم تقم دونهم الحجاب، تبتهج بالنعمة عندهم، وتبتئس بما أصابهم من سوء. يا أمير المؤمنين، قد كنت في شغل شاغل من خاصة نفسك عن عامة الناس الذين أصبحت تملكهم، أجرهم وأسودهم، ومسلمهم وكافرهم، فكل له عليك نصيب من العدل، فكيف بك إذا اتبعك منهم فئام وراء فئام، ليس منهم أحد إلا وهو يشكو شكوة، أو يشكو بلية أدخلتها عليه، أو ظلامة سقتها إليه؟.
стр. 5000
يا أمير المؤمنين، حدثني مكحول عن عروة بن رويم قال: كانت بيد رسول الله ﷺ جريدة رطبة يستاك بها، ويردع بها المنافقين، فاتاه جبريل ﵇، فقال: يا محمد، ما هذه الجريدة التي قد كسرت بها قرون أمتك، وملأت بها قلوبهم رعباً؟! فكيف بمن شقق أبشارهم، وسفك دماءهم، وخرب ديارهم وأجلاهم عن بلادهم، وغيبهم الخوف منه يا أمير المؤمنين، حدثني مكحول عن زياد بن جارية عن حبيب بن مسلمة أن رسول الله ﷺ دعا إلى القصاص من نفسه في خدشة خدشها أعرابياً لم يتعمده، فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا محمد، إن الله لم يبعثك جباراً ولا متكبراً، فدعا النبي ﷺ الأعرابي فقال: اقتص مني، فقال الأعرابي: قد احللتك، بأبي أنت وأمي، وما كنت لأفعل ذلك أبداً، ولو أتيت على نفسي، فدعا الله له بخير.
يا أمير المؤمنين، رض نفسك لنفسك، وخذ لها الأمان من ربك، وارغب في جنة عرضها السموات والأرض التي يقول فيها رسول الله ﷺ : لقيد قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها. يا أمير المؤمنين، إن الملك لو بقي لمن قبلك لم يصل إليك، وكذلك لا يبقى لك كما لم يبق لغيرك. يا أمير المؤمنين، ما جاء في تاويل هذه الآية عن جدك: " ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها " قال: الصغيرة: التبسم، والكبيرة: الضحك. فكيف بما عملته الأيدي وأحصته الألسن؟ يا أمير المؤمنين، بلغني أن عمر بن الخطاب قال: لو ماتت سخلة على شاطئ الفرات ضيعة لخفت أن أسأل عنها، فكيف بمن حرم عدلك وهو على بساطك؟ يا أمير المؤمنين، تدري ما جاء في تأويل هذه الآية عن جدك: " يا داود إنا جعلنا لك خليفةً في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ". قال: يا داود؛ إذا قعد الخصمان
стр. 5001
بين يديك، فكان لك في أحدهما هوى فلا تتمنين في نفسك أن يكون الحق له، فيفلج على صاحبه، فأمحوك من نبوتي، ثم لا تكون خليفتي، ولا كرامة. يا داود، إني إنما جعلت رسلي إلى عبادي رعاء كرعاء الإبل، لعلمهم بالرعاية ورفقهم بالسياسة، ليجبروا الكسير، ويدلوا الهزيل على الكلأ والماء. يا أمير المؤمنين، إنك قد بليت بأمر لو عرض على السموات والأرض والجبال لأبين أن يحملنه وأشفقن منه.
يا أمير المؤمنين، حدثني يزيد بن جابر عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري أن عمر بن الخطاب استعمل رجلاً من الأنصار على الصدقة، فرآه بعد أيام مقيماً فقال له: ما منعك من الخروج إلى عملك؟ أما علمت أن لك مثل أجر المجاهد في سبيل الله؟ قال: لا، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنه بلغني أن رسول الله ﷺ قال: ما من والٍ يلي شيئاً من أمور المسلمين إلا أتي به يوم القيامة، يده مغلولة إلى عنقه، فيوقف على جسر في النار، ينتقض به ذلك الجسر انتقاضة تزيل كل عضو منه عن موضعه، ثم يعاد فيحاسب، فإن كان محسناً نجا بإحسانه، وإن كان مسيئاً انخرق به ذلك الجسر، فهوى به في النار سبعين خزيفاً. قال له: ممن سمعت هذا؟ قال: من أبي ذر وسلمان، فأرسل إليهما عمر فسألهما، فقالا: نعم، سمعناه من رسول الله ﷺ فقال عمر: واعمراه، من يتولاها بما فيها؟ فقال أبو ذر: من سلت الله أنفه وألصق خده بالأرض. قال: فأخذ المنديل فوضعه على وجهه ثم بكى، وانتحب حتى أبكاني، ثم قلت: يا أمير المؤمنين، قد سأل جدك العباس رسول الله ﷺ إمارة على مكة أو الطائف أو اليمن، فقال له النبي ﷺ : يا عباس، يا عم النبي، نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها، نصيحةً منه لعمه وشفقة منه عليه، وإنه لا يغني عنه من الله شيئاً إذ أوحى إليه " وأنذر عشيرتك الأقربين " فقال: يا عباس عم النبي، يا صفية عمة النبي، ويا فاطمة بنت محمد، إني لست أغني عنكم من الله شيئاً، لي عملي ولكم عملكم. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله
стр. 5002
عنه: لا يقيم أمر الناس إلا حصيف العقل، أريب العقدة، لا يطلع منه على عورة، ولا يحنق على جرة، ولا تأخذه في الله لومة لائم. وقال علي ﵁: السلطان أربعة أمراء: فأمير ظلف نفسه وعماله، فذلك كالمجاهد في سبيل الله، يد الله عليه باسطة بالرحمة. وأمير ظلف نفسه وأرتع عماله لضعفه فهو على شفى هلاك إلا أن يرحم الله - وفي رواية: إلا أن يتركهم - وأمير ظلف عماله وأربع نفسه فذلك الحطمة الذي قال رسول الله ﷺ : شر الرعاء الحطمة، فهو الهالك وحده. وأمير أرتع نفسه وعماله فهلكوا جميعاً.
وقد بلغني يا أمير المؤمنين أن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ فقال: أتيتك حين أمر الله بمنافيخ النار، فوضعت على النار لتسعر إلى يوم القيامة، فقال النبي ﷺ : يا جبريل، صف لي النار، فقال: إن الله أمر بها، فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت، قم أوقد عليها ألف عام حتى أصفرت، ثم أوقد عليها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة لا تطفأ - وقيل: لا يضيء لهبا ولا جمرها - والذي بعثك بالحق لو أن ثوباً من ثياب أهل النار ظهر لأهل الأرض لماتوا جميعاً، ولو أن ذنوباً من شرابها صب في مياه الأرض جميعاً لقتل من ذاقه، ولو أن ذراعاً من السلسلة التي ذكرها الله وضع على جبال الأرض لزالت، وما استقلت، ولو أن رجلاً دخل النار ثم أخرج منها لمات أهل الأرض من نتن ريحه وتشويه خلقه وعظمه، فبكى النبي ﷺ وبكى جبريل لبكائه فقال: أتبكي يا محمد، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تاخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً، ولم بكيت يا جبريل، وأنت الروح الأمين أمين الله على وحيه؟ فقال: أخاف أن أبتلى بمثل ما ابتلي به هاروت وما روت، فهو الذي منعني من اتكالي على
стр. 5003
منزلتي عند ربي، فأكون قد أمنت مكره، فلم يزالا يبكيان حتى نودي من السماء أن يا جبريل ويا محمد، إن الله قد آمنكما أن تغضباه، فيعذبكما.
وقد بلغني يا أمير المؤمنين أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: اللهم، إن كنت تعلم أني لا أبالي إذا قعد الخصمان بين يدي على مال الحق من قريب أو بعيد فلا تمهلني طرفة عين. يا أمير المؤمنين إن أشد الشدة القيام لله بحقه، وإن اكرم الكرم عند الله المقري، وإنه من طلب العز بطاعة الله رفعه الله وأعزه، ومن طلبه بمعصية الله أذله الله، ووضعه.
وهذه نصيحتي، والسلام عليك. ثم نهضت فقال: إلى أين؟ فقلت: إلى البلد والوطن بإذن الله وإذن أمير المؤمنين إن شاء الله قال: قد أذنت لك، وشكرت لك نصيحتك، وقبلتها بقبولها، والله هو المرفق للخير والمعين عليه، وبه أستعين، وعليه أتوكل، وهو حسبي ونعم الوكيل، فلا تخلني من مطالعتك إياي بمثلها، فإنك المقبول القول، غير المتهم في النصيحة، قلت: أفعل إن شاء الله، فامر له بمال يستعين به على خروجه، فلم يقبله، وقال: أنا في غنى عنه، وما كنت لأبيع نصيحتي بعرض من أعراض الدنيا كلها، وعرف المنصور مذهبه فلم يجد عليه في رده.
رفع إلى المهدي أن الأوزاعي لا يلبس السواد ويحرمه، فقال لأبي عبيد الله وزيره: ادع هذا الشيخ فسله عما عنده من تحريم السواد، فأحضره أبو عبيد الله فقال له: يا شيخ، إنه رفع إلى أمير المؤمنين أنك تحرم السواد، فما عندك فيه؟ فقال: لا احرمه، ولكني أكرهه. قال: وما الذي تكره منه؟ فقال الأوزاعي: لم أر محرماً أحرم فيه، ولا عروساً جليت فيه، ولا ميتاً كفن فيه، فمن ها هنا أكرهه. فدخل أبو عبيد الله على المهدي فأخبره بقول الأوزاعي، فاستضحك المهدي، وقال: ما أحسن ما تخلص الشيخ، لا تعرضوا له، فإنه شيخ فاضل.
هكذا ورد المهدي، وإنما هو المنصور، والأوزاعي لم يبق إلى دولة المهدي.
стр. 5004
قال بشر بن بكر:
كان والٍ بالشام قد أراد الأوزاعي على شيء فلم يجده عنه. قال: فهم أن يؤدبه، فقال له بعض من يعتاده: لا تفعل، فإنه لا مقام لك بالشام مع الأوزاعي، فإن يكن من أمير المؤمنين شيء كان من غيرك. قال: فكف عنه. قال: فبينما هم كذلك إذ جاءه كتاب أن يخرج إلى فلان الشاري، فيقابله. قال: فقال له أولئك: الآن جاءك ما تحب منه، لو ضربت رقبته لم يجبك فيه بشيء. قال: فأرسل إليه، فاجتمع، واجتمع من كان يؤلبه على الأوزاعي وغيرهم. قال: فقال له الوالي: يا أبا عمرو، هذا كتاب أمير المؤمنين يأمر فيه بالخروج إلى هذا الظالم الشاري. قال: فقال الأوزاعي: حدثني يحيى بن أبي كثير اليمامي أن رسول الله ﷺ قال: إنما الأعمال بالنية، ولكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله وروسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه. قال: فقال له الوالي: أخبرك عن كتاب أمير المؤمنين وتعارضني بغيره؟! قال: فقال له الأوزاعي: اسكت، أخبرك عن رسول الله ﷺ وتعارضني بغيره؟! قال: فأشار إليه بعض من كان يؤلبه عليه بيده أن يسكت. قال: فقال له: انصرف يا أبا عمرو. قال: فلما قام قال لهم الوالي: هذا رجل معصوم. قال: وقال الوالي لمن كان يؤلبه: إشارتكم إلي أن أسكت لم كان؟ قالوا: لو أشار إلى أهل الشام لضربت رقبتك.
قال ابن أبي العشرين: سمعت أميراً كان بالساحل يقول وقد دفنا الأوزاعي ونحن عند القبر: رحمك الله أبا عمرو، لقد كنت أخافك أكثر ممن ولاني.
قال أبو مهر: ما مات الأوزاعي حتى جلس وحده، ما يجلس إليه أحد، وحتى ملئت أذنه شتماً وهو يسمع.
قال محمد بن عبيد الطنافسي: كنت جالساً عند الثوري، فجاءه رجل فقال: رأيت كأن ريحانة من المغرب قلعت -
стр. 5005
وفي رواية: من الشام رفعت - قال: إن صدقت رؤياك فقد مات الأوزاعي، فكتبوا ذلك فجاء موت الأوزاعي في ذلك اليوم، أو تلك الليلة.
قال يحيى بن معين: مات الأوزاعي في الحمام.
قال خيران بن العلاء وكان من خيار أصحاب الأوزاعي وكان الأوزاعي روى عنه قال: دخل الأوزاعي الحمام، وكان لصاحب الحمام حاجة، فاغلق الباب عليه، وذهب قال: ثم جاء ففتح الباب، فوجده ميتاً، قد وضع يده اليمنى تحت خده، وهو مستقبل القبلة.
وقيل: إن امرأته أغلقت عليه باب حمام فمات فيه. ولم تكن عامدة لذلك، فأمرها سعيد بن عبد العزيز بعتق رقبة. قال: وما خلف ذهباً ولا فضة ولا عقاراً ولا متاعاً إلا ستة دنانير، فضلت من عطائه، وكان قد اكتتب في ديوان الساحل.
توفي الأوزاعي سنة خمسين ومئة. وقيل: سنة إحدى وخمسين ومئة. وقيل: سنة ست وخمسين. وقيل: سنة سبع وخمسين. وكان مولده سنة فتح الطوانة. فلم يتم عمره سبعين سنة، وقيل: ولد سنة ثمان وثمانين. ولما مات شيع جنازته أهل أربعة أديان: المسلمون، واليهود، والنصارى، والقبط.
قال بشر بن أبي بكر: رأيت في المنام كأني دخلت الجنة، فإذا سفيان بن سعيد الثوري والأوزاعي قاعدان، فقلت لهما: ما فعل مالك؟ فقالا: وأين مالك؟ رفع مالك.
قال يزيد بن مذعور: رأيت الأوزاعي في منامي فقلت: يا أبا عمرو، دلني على درجة أتقرب بها إلى الله قال: ما رأيت هناك أرفع من درجة العلماء، ومن بعدها درجة المحرومين.
стр. 5006
عبد الرحمن بن عمرو اليحصبي
حدث عن صدقة بن عبد الله السمين بسنده إلى أبي أمامة قال: كان الناس كشجرة ذات جنى، ويوشك أن يعودوا كشجرة ذات شوك.
عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني
ويقال: الأزدي، أخو محمد بن أبي عميرة له صحبة. وروى عن سيدنا رسول الله ﷺ . قيل: إنه سكن دمشق، وقيل: إنه سكن حمص.
حدث عبد الرحمن بن أبي عميرة أن النبي ﷺ قال لمعاوية: اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب.
وحدث أيضاً أن رسول الله ﷺ قال: ما من الناس نفس مسلمة يقبضها ربها تعالى تحب أن ترجع إليكم، وإن لها الدنيا وما فيها، غير الشهيد.
وقال ابن أبي عميرة: قال رسول الله ﷺ : لأن أقتل في سبيل الله أحب إلي من أن يكون لي أهل المدر والوبر.
وقال أيضاً: خمس حفظتهن من رسول الله ﷺ قال:
لا صفر، ولا هامة، ولا عدوى، ولا يتم شهران ستين يوماً، ومن خفر ذمة اله لم يرح رائحة الجنة.
نزل عبد الرحمن بن أبي عميرة الشام، وهو الذي روى في معاوية ما روى من حديث الوليد بن مسلم قال:
стр. 5007
حدثنا شيخ من أهل دمشق، حدثنا يونس بن ميسرة بن حلبس قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يكون في بيت المقدس بيعة هدى.
عبد الرحمن بن عوف
ابن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك أبو محمد القرشي الزهري صاحب سيدنا رسول الله ﷺ . أحد العشرة الذين شهد لهم سيدنا رسول الله ﷺ بالجنة. من المهاجرين الأولين، هاجر الهجرتين، وشهد بدراً وغيرها من المشاهد، وهو أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يدي أبي بكر، وأحد الستة الذين جعل عمر بن الخطاب فيهم الشورى، وأخبر أن رسول الله ﷺ توفي وهو عنهم راضٍ. وكان اسمه في الجاهلية عبد عمرو، ويقال: عبد الكعبة. قدم مع عمر بن الخطاب الجابية، وشهد في كتاب صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمح أهل بيت المقدس، وكان على ميمنة عمر في تلك الخرجة، وعلى ميسرته في خرجته الثانية إلى الشام التي رجع عمر فيها من سرغ بحديثه، وسماه عمر: العدل الرضي.
عن المسور بن مخرمة قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف: أي قال: أخبرني عن قصتكم يوم بدر قال: اقرأبعد العشرين ومئة من آل عمران تجد قصتنا " وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال " إلى قوله: " إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا: " قال: هم الذين طلبوا الأمان من المشركين، إلى قوله: " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون " قال: فهو تمني لقاء المؤمنين إلى قوله: " إذ تحسونهم بإذنه ".
стр. 5008
وعن عبد الرحمن قال: قال رسول الله ﷺ : من صام رمضان إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
قال ابن عباس: كنت جالساً مع عمر بن الخطاب وهو خليفة فقال: يا بن عباس، أما سمعت من رسول الله ﷺ أو من أحد من أصحابه يذكر ما أمره رسول الله ﷺ إذا سها المرء في صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلماته؟ قلت: لا، أو ما سمعت ذلك أنت يا أمير المؤمنين؟ قال: لا. قال: فدخل الخمية علينا عبد الرحمن بن عوف فقال: فيم أنتما؟ قال عمر: سألته: هل سمعت رسول الله ﷺ أو من أحد من أصحابه يذكر ما أمر به رسول الله ﷺ إذا سها المرء في صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلماته؟ فقال عبد الرحمن: عندي علم من هذا، فقال عر: هلم فحدثنا، فأنت عندنا العدل الرضي، فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا شك أحدكم في الاثنتين والواحدة فليجعلها واحدة، وإذا شك في الثنتين والثلاث فليجعلها اثنتين، وإذا شك في الثلاث والأربع فليجعلها ثلاثاً، حتى يكون الوهم في الزيادة، ثم ليتم ما بقي من صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلماته، ويسجد سجدتين، وهو جالس قبل أن يسلم. زاد في رواية: ثم يسلم.
وعن عكرمة بن خالد المخزومي: أن عمر بن الخطاب صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمى بالناس بالجابية المغرب، فصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمى ثنتين ثم دخل خباه فأطاف به عبد الرحمن، وسلم، فذكره ما بقي من صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلماته فاستأنف.
ولد عبد الرحمن بن عوف بعد الفيل بعشر سنين. وأمه صفية بنت عبد مناف بن زهرة بن كلاب. وقيل: أمه العنقاء، وهي الشفاء بنت عوف بن عبد الحارث.
وعبد الرحمن بن عوف أمين رسول الله ﷺ على نسائه، وصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَى الله عليه وسلمى الله عليه وسلمى رسول الله ﷺ وراءه في غزوة تبوك، وهو صاحب الشورى، وكان اسمه عبد عمرو فأسماه رسول الله ﷺ حين أسلم عبد الرحمن. وكان رجلاً طويلاً، حسن الوجه، رقيق البشرة،
стр. 5009
فيه جنأ، أبيض مشرب حمرة لا غير شعره، أعين، أهدب الأشفار، أقنى، طويل النابين الأعليين وربما أدمى نابه شفته، له جمة أسفل من أذنيه، أعين، ضخم الكفين، غليظ الأصابع، أعشر، أعرج. وبعثه النبي ﷺ في سرية وعممه، وعقد له اللواء بيده، وكان أصابته يوم أحد جراحات كثيرة قيل: إنها إحدى وعشرين جراحة، وهتم فسقطت ثنيتاه، وكان أهتم، وعرج في رجله.
حدث عبد الرحمن بن عوف قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا أبا محمد، ما صنعت في استلام الحجر؟ قال: استلمت وتركت. قال: أصبت.
وقال النبي ﷺ : البار، الصادق، وآخى بينه وبين سعد بن الربيع الخزوجي، وله أخوان: عبد الله، والأسود.
قال عبد الرحمن بن عوف: سافرت إلى اليمن قبل مبعث رسول الله ﷺ بسنة ونحوها، فنزلت على عسكلان بن عواكن الحميري، وكان شيخاً كبيراً، قد أسني له في العمر حتى عاد كالفرخ وهو يقول: الوافر.
إذا ما الشيخ صم فلم يكلم ... وأودى سمعه إلا بدايا
ولا عب في العشي بني بنيه ... كفعل الهر يفترس العظايا
فذاك الداء ليس له دواء ... سوى الموت المنطق بالرزايا
стр. 5010
يفديهم وودوا لو سقوه ... من الداذي مترعةً ملايا
شهدت تتابع الأملاك منا ... وأدركت المرفق في القضايا
فماتوا أجمعون وصرت حلساً ... صريحاً لا أبوح إلى الجلايا
قال عبد الرحمن: وكنت لا أزال إذا قدمت اليمن نزلت عليه، فيسائلني عن مكة والكعبة وزمزم ويقول: هل ظهر فيكم رجل له نبه؟ له ذكر؟ هل خالف أحد منكم عيكم في دينكم. فأقول: لا، فأسمي له من قريش وذوي الشرف حتى قدمت القدمة التي بعث فيها رسول الله ﷺ بعقبها، فوافيته وقد ضعف، وثقل سمعه، فنزلت عليه، فاجتمع عليه ولده وولد ولده، وأخبروه بمكاني، فشد عصابة على عينية واشتد، فقعد وقال لي: انتسب لي يا أخا قريش، فقلت: أنا عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة، قال: حسبك يا أخا زهرة، ألا أبشرك ببشارة وهي خير لك من التجارة؟ قلت: بلى، قال: أنبئك بالمعجبة، وأشرك بالمرغبة، إن الله قد بعث في الشهر الأول من قومك نبياً، ارتضاه، صفياً، وأنزل عليه كتاباً، وجعل له ثواباً، ينهى عن الأصنام، ويدعو إلى الإسلام، يأمر بالحق ويفعله، وينهى عن الباطل ويبطله، قال: فقلت: ممن هو؟ قال: لا من الأزد، ولا ثمالة، ولا من السرو ولا تبالة، هو من بني هاشم وأنتم أخواله، يا عبد الرحمن، أخف الوقعة، وعجل الرجعة، ثم امض ووازره، وصدقه واحمل إليه هذه الأبيات: مخلع البسيط
أشهد بالله ذي المعالي ... وفالق الليل والصباح
следующие страницы →