← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 5216–5255 · переход к 5221.

стр. 5216

عبد الملك بن سفيان - وقيل: ابن يسار، وهو أصح - الثقفي حدث عن ابي أمية الشعباني، عن معاذ بن جنبل قال: قال رسول الله ﷺ : " ثلاثون نبوة، وثلاثون خلافة وملك، وثلاثون تجبر، وثلاثون جبروت، ولاخير فيما وراء ذلك. وفي رواية: " ثلاثون خلافة نبوة، وثلاثون نبوة وملك، وثلاثون ملك وتجبر، وماوراء ذلك فلا خير فيه " وفي رواية: " ثلاثون نبوة، وثلاثون ملك وجبر، وماوراء ذلك فلا خير فيه. " قال أبو نصر الحافظ: يسار: أوله ياء معجمة باثنتين من تحتها وسين مهملة عبد الملك بن صالح بن علي ابن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أبو عبد الرحمن الهاشمي كانت أمه أمة لمروان بن محمد، فشراها أبوه صالح. ولي دمشق من قبل هارون الرشيد، ثم حبسه خشية وثوبه على الخلافة، ثم أطلقه الأمين، وولاه الشام والجزيرة سنة أربعٍ وتسعين، وولي المدينة، والصوائف في أيام الرشيد. روى عن عمه سليمان بن علي، عن عكرمة قال: إنا لمع عبد الله بن عباس عشية عرفة إذ أقبل أدمان يحملون فتى ىدم من بني

стр. 5217

عذرة، قد بلي بدنه، وكانت له حلاوة وجمال، حتى وقفوه بين يديه، ثم قالوا: استشف لهذا يابن عم رسول الله ﷺ ، فقال: وما به؟ قال: فترنم الفتى بصوت ضعيف خفي لا يبين، وهو يقول: من الطويل بنا من جوى الأحزان والحب لوعة ... تكاد لها نفس الشفيق تذوب ولكنما أبقى حشاشة معولٍ ... على ما به عود هناك صليب وما عجب موت المحبين في الهوى ... ولكن بقاء العاشقين عجيب ثم شهق شهقة، فمات. قال عكرمة: فمازال ابن عباس بقية يتعوذ بالله من الحب ونقل عن مالك بن أنس: آل محمد كل من آمن بمحمد وقال: " العاملين عليها "، فقلا: له عبيد الله بن عمرو: ليس لكم فيها شيء، لقول رسول الله ﷺ : " إن الصدقة لا تحل لنا أهل البيت " وبعث الرشيد إلى يحيى بن خالد بن برمك: إن عبد الملك بن صالح أراد الخروج علي، ومنازعتي في الملك، وعلمت ذلك، فأعلمني ما عندك فيه، فإنك إن صدقتني أعدتك إلى حالك الأول - وكان يحيى في الحبس - فقال: والله يا أمير المؤمنين، ما اطلعت من عبد الملك على شيء من هذا، ولو اطلعت عليه لكنت صاحبه دونك؛ لأن ملكك كان ملكي، وسلطانك كان سلطاني، والخير والشر كان فيه علي. وولي عبد الملك بن صالح الجزيرة مرتين، وأقام الصائفة. وأوصى أمير السرية ببلاد الروم، فقال: أنت تاجر الله لعباده، فكن كالمضارب الكيس، الذي إن وجد ربحاً تجر، وإلا احتفظ برأس المال. ولا تطلب الغنيمة حتى تحوز السلامة، وكن من احتيالك على عدوك أشد خوفاً من احتيال عدوك عليك. وكان يرسل الجفان فيها الكعك والسويق والتمر إلى رحل ابن المبارك، بأرض

стр. 5218

الروم، فيقول عبد الله بن المبارك للشرط: انطلقوا، لا حاجة لنا فيها. وقال لمؤدب بنيه: يا عبد الرحمن، لا تطرني في وجهي؛ فأنا أعلم بنفسي منك، ولا تعني على ما يقبح، ودع عنك: كيف أصبح الأمير، وكيف أمسى الأمير؟ واجعل مكان التقريظ لي صواب الاستماع مني، واعلم أن صواب الاستماع أحسن من صواب القول؛ فإذا حدثتك فلا يفوتنك منه شيء، وأرني فهمك في طرفك. إني اتخذتك مؤدباً بعد أن كنت معلماً، وجعلتك جليساً مقرباً بعد أن كنت مع الصبيان مباعداً، ومتى لم تعرف نقصان ماخرجت منه لم تعرف رجحان ما صرت إليه. وعزى الرشيد في ابن له توفي وهنأه بآخر ولد، فقال: يا أمير المؤمنين، أجرك الله فيما ساءك، ولا ساءك فيما سرك، وجعل هذه بهذه جزاء " للشاكرين، وثواباً للصابرين. وحكى الأصمعي: كنت عند الرشيد، ودعا بعبد الملك بن صالح - وكان معتقلاً في حبسه - فأقبل يرفل في قيوده، فلما مثل بين يديه التفت الرشيد، وقد كان يحدث يحيى بن خالد بن برمك، وهو يتمثل ببيت عمرو بن معدي كرب الزبيدي: أريد حباءه ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد ثم قال: يا عبد الملك، كأني والله أنظر إلى شؤبوبها قد همع، وإلى عارضها قد لمع، وكأني بالوعيد قد أورى ناراً، فأبرز عن براجم بلا معاصم، ورؤوس بلا غلاصم. فمهلاً بني هاشم؛ فبي والله سهل لكم الوعر، وصفا لكم الكدر، وألقت إليكم الأمور أثناء أزمتها، فبدار تدارككم كم حلول داهية خبوط باليد والرجل.

стр. 5219

فقال عبد الملك: اتق الله، يا أمير المؤمنين، فيما ولاك، واحفظه في رعاياك التي استرعاك، ولاتجعل الكفر بموضع الشكر، والعقاب بموضع الثواب؛ فقد، والله، سهلت لك الوعور، وجمعت على خوفك، ورجائك الصدور، وشدد أواخي ملكك بأوثق من ركن يلملم. فأعاده إلى محبسه، ثم أقبل على جلسائه، فقال: والله لقد نظرت إلى موضع السيف من عنقه مراراً، فمنعني من قتله إبقائي على مثله. وأجاب يحيى بن خالد حين قال له: بلغني أنك حقود: إن كان الحقد هو بقاء الخير والشر إنهما لباقيان في قلبي وقيل: إن الذي سعى به إلى الرشيد ابنه عبد الرحمن، ومؤدب بنيه قمامة، فقالا له: إنه يطلب الخلافة، ويطمع فيها. وقال بعد أن أخرجه الأمين من حبس الرشيد: والله إن الملك لشيء ما تمنيته، ولا نويته، ولا قصدت إليه، ولا ابتغيته. ولو أردته لكان أسرع إلى من السيل إلى الحدود، ومن النار في يبس العرفج؛ وإني لمأخوذ بما لم أجن، ومسؤول عما لا أعرف؛ ولكنه حين رآني للملك قمنا "، وللخلافة خطرا؟، ورأى لي يداً تنالها إذا مدت، وتبلغها إذا بسطت، ونفساً تكمل بخصالها، وتستحقها بخلالها، وإن كنت لم أختر تلك الخصال، ولم أترشح لها في سر، ولا أشرت إليها في جهر، ورآها تحن إلى حنين الواله، وتميل نحوي ميل الهلوك، وحاذر أن ترغب إلى خير مرغوب، وتنزع إلى خير منزوع عاقبني عقاب من قد سهر في طلبها، ونصب في التماسها، وتقدر لها بجهده، وتهيأ لها بكل حيلته.

стр. 5220

فإن كان حبسني على أني أصلح لها، وتصلح لي، وأليق بها، وتليق بي فليس ذلك بذنب فأتوب منه، ولا جرم فأرجع عنه، ولا تطاولت لها فأخطأتني. فإن زعم أنه لا صرف لعقابه، ولا نجاة من إغضابه إلا بأن أخرج له من الحلم والعلم، وأتبرأ إليه من الحزم والعزم؛ فكما لا يستطيع المضياع أن يكون حافظاً ولا يملك العاجز أن يكون حازماً كذلك العاقل لا يكون جاهلاً، ولا يكون الذكي بليداً، ولو أردتها لأعجلته عن التفكير، وشغلته عن التدبير، ولما كان من الخطاب إلا اليسير، ومن بذل الجهد إلا القليل، غير أني والله أرى السلامة من تبعاتها غنماً، والخف من أوزارها حظاً. مات عبد الملك بن صالح بن علي بالرقة سنة ست وتسعين ومائة. عبد الملك بن صدقة بن عبد الله بن جندب روى عن أبيه، عن هشام الكناني، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ ، عن الله ﵎ قال: " من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة " عبد الملك بن عبد الكريم أبو الأصبغ الطبراني روى عن فهد بن موسى بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " ألا أعلمك كلماتٍ تعمل بهن، وتعلمهن الناس؟ كن ورعاً تكن أعبد الناس، واقنع بما رزقك الله تكن أغنى الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمناً، وأحسن إلى من جاوزك تكن مسلماً، ولا تكثر الضحك، فإنه يميت القلب "

стр. 5221

عبد الملك بن عبد الوهاب أبو عبد الرحيم المطلبي روى عن أبي الفتح الغزنوي بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ ": " الصوم جنة " عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية الأموي أمه أم ولد. كان رجلاً صالحاً يعين أباه على رد المظالم، ويحثه على ذلك. مات في حياة أبيه. قال لأبيه في أصحابه: أنفذ فيهم أمر الله، وإن جاشت بي وبك القدور وقال: يا أبت أقم الحق ولو ساعة من نهارٍ وكتب إليه عمر بن عبد العزيز: أما بعد؛ فإني أحضك على الشكر الذي اصطنع عندك من نعمه، وآتاك من كرامته؛ فإن نعمته يمدها شكره، ويقطعها كفره، وأكثر ذكر الموت الذي لا تدري متى يغشاك، وذكر يوم القيامة، وهو له وشدته؛ فإن في ذلك عوناً حسناً على الزهادة فيما رهدت فيه، والرغبة فيما رغبت فيه. وكن مما أوتيت من الدنيا على حذرٍ؛ فإنه من أمن ذلك ولم يتوقه أوشكت الصرعة أن تدركه في العمار حتى يضيع بعض الذي لا ينبغي له إضاعته. وأكثر النظر في دنياك التي تذهب آخرتك ما لم تعاهدها، واقتصر على ما أمرت به، فإن فيه شغلاً عما نهيت عنه، وفي الحق سعة لأهله، على ما كان من شدته وثقله. واعلم أن ذلك إمام الأعمال الصالحة، وأن عملا: لم يكن الحق قائده وإمامه عمل لا يزكو به

стр. 5222

صاحبه. واحذر نفسك واتهمها، ولاتحملها على الرخاء والدعة واحملها على مكروهها. وأكثر الصمت؛ فإنه زعة من الخطايا، وسلامة من الشر، ثم انزل الدنيا منزل ظعن، حتى تؤثره على الجهل، ولا الحق حتى تذر الباطل؛ فلا يكونن الحق عندك ضعيفاً، ولا الباطل لك أخاً وصاحباً. وكتب إليه: ليس من أحد من الناس رشده وصلاحه أحب من رشدك وصلاحك إلا أن يكون والي عصابةٍ من المسلمين، أو من أهل العهد، يكون لهم في صلاحه مالا يكون لهم في غيره، أو يكون عليهم من فساده مالا يكون عليهم من غيره. وقال عمر لميمون بن مهران: إن ابني عبد الملك آثر ولدي عندي، وقدرين على علمي بفضله، فاستبره لي، ثم ائتني بعلمه، وأدبه وعقله، وانظر هل ترى منه مايشاكل نحوه؛ فإنه شاب! فخرج إلى عبد الملك، فنظر في أحواله، وتتبع أقواله وأفعاله، فلم ير شاباً مثله. وقال ميمون بن مهران: قال لي عمر بن عبد العزيز: أما دخلت علي عبد الملك؟ فأتيت الباب، فإذا وصيف، فقلت له: استأذن عليه، فقال: ادخل، فدخلت عليه، فقال: من أنت؟ قلت: ميمون بن مهران، معرف. ثم حضر طعامه، فأتى بقلية مدنية - وهي عظام اللحم - ثم أتى بثريدة قد ملئت خبزاً وشحماً، ثم أتى بتمرٍ وزبدٍ. فقلت: لو كلمت أمير المؤمنين، فخصك منه بخاصة؟ فقال: إني لأرجو أن يكون أوفى حظاً عند الله من ذلك، إني في ألفين كان سليمان ألحقني فيهما، والله لو كان إلى أبي في نفسي ما فعل، ولي غلة بالطائف إن سلمت لي أتاني منها غلة ألف درهم، فما أصنع بأكثر من ذلك؟ فقلت في نفسي: أنت لأبيك.

стр. 5223

وأمر عمر بن عبد العزيز غلامه بأمرٍ، فغضب عمر، فقال له ابنه عبد الملك: يا أبتاه، ما هذا الغضب والاختلاط؟! فقال له عمر: إنك لمحتكم، يا عبد الملك؟ فقال له عبد الملك: لا والله، ما هو التحكم، ولكنه الحكم. وقال عمر بن عبد العزيز: لولا أن أكون زين لي من أمر عبد الملك ما يزين في عين الوالد من الولد أنه أهل الخلافة. ودخل عبد الملك على عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، ماذا تقول لربك إذا أتيته وقد تركت حقاً لم يحيه، وباطلاً لم تمته؟ قال: اقعد يا بني، إن آباءك وأجدادك خدعوا الناس عن الحق، فانتهت الأمور إلي، وقد أقبل شرها، وأدبر خيرها، ولكن، أليس حسبي جميلاً ألا تطلع الشمس علي في يومٍ إلا أحييت فيه حقاً، وأمت فيه باطلاً حتى يأتيني الموت وأنا على ذلك؟ وجمع عمر بن عبد العزيز قراء أهل الشام، فقال: إني قد جمعتكم لأمر قد أهمني؛ هذه المظالم التي في يدي أهل بيتي، ما ترون فيها؟ قال: فقالوا: ما نرى وزرها إلا على من اغتصبها. قال: فقال لعبد الملك ابنه: ما ترى أي بني؟ قال: ما أرى من قدر على أن يردها فلم يردها، والذي اغتصبها إلا سواء ". قال: قال: صدقت أي بني، قال: ثم قال: الحمد لله الذي جعل لي وزيراً من أهلي عبد الملك ابني ثم دخل عبد الملك على أبيه فقال: أين وقع رأيك من رد المظالم؟ فقال عمر: على إنفاذه، أصلي الظهر - إن شاء الله - ثم أصعد المنبر، فأردها على رؤوس الناس. فقال عبد الملك: يا أمير المؤمنين، من لك بالظهر؟ ومن لك، يا أمير المؤمنين إن بقيت، أن تسلم لك نيتك للظهر؟ قال عمر: فقد تفرق الناس للقائلة، فقال عبد الملك: تأمر منادياً، فينادي: الصلاة جامعة، حتى يجتمع الناس، فأمر منادياً، فنادى، فاجتمع الناس، وقد جيء بسفط، أو جونة، فيها تلك الكتب، وفي يد عمر جلم يقصه، حتى نودي بالظهر.

стр. 5224

قالوا لعبد الملك بن عمر بن عبد العزيز: أبوك خالف قومه، وفعل، وصنع، فقال: إن أبي يقول: " قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يومٍ عظيم ". قال: ثم دخل على أبيه فأخبره، فقال: فأي شيء قلت؟ ألا قلت: إن أبي يقول: " إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم " قال: قد فعلت دخل عمر بن عبد العزيز على ابنه في وجعه، فقال: يا بني، كيف تجدك؟ قال: أجدني في الحق، قال: يا بني، لأن تكون في ميزاني أحب إلي من أن أكون في ميزانك. قال ابنه: وأنا يا أبه، لأن يكون ما تحب أحب إلي من أن يكون ما أحب. فلما هلك عبد الملك قال عمر: يا بني، لقد كنت في الدنيا كما قال جل ثناؤه: " المال والبنون زينة الحياة الدنيا " ولقد كنت أفضل زينتها، وإني لأرجو أن تكون اليوم من الباقيات الصالحات التي هي خير ثواباً، وخير أملاً، والله ما يسرني أن دعوتك من جانبٍ فأجبتني. ومما عزي به عمر بن عبد العزيز بيتان أنشدهما أعرابي من بني طلاب: من الطويل تعز أمير المؤمنين فإنه ... لما قد ترى يغذى الصغير ويولد هل ابنك إلا من سلالة آدمٍ ... وكل على حوض المنية مورد وعن زياد بن أبي حسان: أنه شهد عمر بن عبد العزيز حين دفن ابنه عبد الملك؛ قال: لما سوي عليه جعلوا في قبره خشبتين من زيتون إحداهما عند رأسه، والأخرى عند رجليه، فلما سوى عليه قام على قبره، وطاف به الناس، فقال: يرحمك الله يا بني، قد كنت براً بأبيك، ومازلت مذ وهبك الله لي بك مسروراً، ولا والله ما كنت قد أشد سروراً، ولا أرجى لحظي من

стр. 5225

الله فيك منذ وضعتك في المنزل الذي صيرك الله إليه؛ فرحمك الله، وغفر لك ذنبك، وتجاوز له لك عن سيئة، ورحم الله كل شافع يشفع لك بخيرٍ من شاهد وغائب، رضينا بقضاء الله، وسلمنا لأمره، والحمد لله رب العالمين. وعن جعونة قال: لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز جعل يثني عليه، فقال له مسلمة: لو بقي كنت نعهد إليه؟ قال: لا، ولم، وأنت تثني عليه؟ قال: أخاف أن يكون زين في عيني منه مازين في عين الوالد من ولده. وقيل: إن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز كان ابن تسع عشرة سنة " حين مات. عبد الملك بن عمير اللخمي من أهل قرية نوى من قرى دمشق روى عن عروة بن رويم اللخمي، أنه سمع أنس بن مالك يحدث الخليفة بالجابية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الإيمان يمانٍ، والحكمة في هذين الحيين من لخم وجذام " وسماه البخاري عبد الكريم بن محمد اللخمي، وقد تقدم، وتقدم الحديث من طريقه. عبد الملك بن قريب بن عبد الملك ابن علي بن أصمع بن مظهر بن رياح بن عمرو بن عبد شمس بن أعيا بن سعد ابن عبد بن غنم بن قتيبة بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان أبو سعيد الباهلي الأصمعي البصري صاحب اللغة روى عن كيسان مولى هشام بن حسان بسنده عن المغيرة بن شعبة قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقرعون بابه بالأظافير.

стр. 5226

ونروى عن يعقوب بن طحلاء، عن أبي الرجال، عن أمه عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : " بيت لاتمر فيه جياع أهله " وذكر قعنب بن محرر أبو عمر الباهلي، أن الأصمعي حدثه قال: رأيت حكم الوادي حين مضى المهدي إلى بيت المقدس، فعرض له في الطريق، وكان له شعيرات. فأخرج دفاً ينقر به، فقال: أنا القائل: مجزوء الخفيف فمتى تخرج العرو ... س فقد طال حبسها قد دنا الصبح أو بدا ... وهي لم تقض لبسها فتسرع إليه الحرس، فصيح بهم: كفوا. وسأل عنه، فقيل: حكم الوادي. فأدخله إليه ووصله. وروى يعقوب بن سفيان قال: سمعت الأصمعي يقول: مررت بالشام على باب ديرٍ، وإذا على حجر منقور بالعبرانية، فقرأتها، فأخرج راهب رأسه من الدير، وقال لي: ياحنيفي، أتحسن تقرأ العبرانية؟ قلت: نعم، قال لي: اقرأ، فقلت: من الوافر أيرجو معشر قتلوا حسينا ... شفاعة جدة يوم الحساب فقال لي الراهب: ياحنيفي؟، هذا مكتوب على هذا الحجر قبل أن يبعث صاحبك بثلاثين عاماً. قال ابن معين: روى مالك عن عبد الملك بن قرير، وإنما هو: ابن قريب؛ قال الأصمعي: سمع مني مالك. كذا قال يحيى، ووهم في ذلك، إنما هو عبد الملك بن قرير، أخو عبد العزيز بن قرير.

стр. 5227

قال التوزي: كنا عند الأصمعي، وعنده قوم قصدوه من خراسان، وأقاموا على بابه، فقال له قائل منهم: يا أبا سعيد، إن خراسان ترجف بعلم بالبصرة، وعلمك خاصة "، وما رأينا أصح من علمك. فقال: لا عذر لي إن لم يصح علمي، دع من لقيت من العلماء، والفقهاء والرواة للحديث، والمحدثين، ولكن قد لقيت من الشعراء الفصحاء، وأولاد الشعراء - فعدهم ثم قال: - وما عرف هؤلاء غير الصواب، فمن أين لا يصح علمي؟! وهل يعرفون أحداً له مثل هذه الرواية؟!. قال المبرد: كان الأصمعي أسد الشعر، والغريب، والمعاني، وكان أبو عبيدة كذلك، ويفضل على الأصمعي بعلم النسب، وكان الأصمعي أعلم منه بالنحو ويقال: إن الرشيد كان يسميه شيطان الشعر. وكان الأصمعي صدوقاً في الحديث. عنده عن ابن عون، وحماد ين سلمة، وحماد بن زيد وغيرهم. وعنده القراءات عن أبي عمرو، ونافع، وغيرهما، ويتوقى تفسير شيءٍ من القرآن والحديث على طريق اللغة، وأكثر سماعة من الأعراب، وأهل البادية. قال له أعرابي وقد رآه يكتب كل شيء " ما تدع شيئاً إلا نمصته - أي نتفته. وقال له آخر: أنت حتف الكلمة الشرود وأبو سعيد الأصمعي عند أهل الأدب أشهر من أبي عبيدة، وأبو عبيدة عند أهل الحديث أصدق من الأصمعي. قال الأخفش: ما رأينا أحداً أعلم بالشعر من الأصمعي وخلف، والأصمعي أعلم لأنه كان معه نحو. قال الأصمعي: حدث يوماً شعبة بحديث، فقال فيه: فذوى السواك. فقال له رجل

стр. 5228

حضره: إنما هو: فذوي. فنظر إلي شعبة، وأومأ بيده فقلت له: القول ما تقول. فزجر القائل. وقال له شعبة: لو أتفرغ لجئتك. وقال له: إني وصفتك لحماد بن سلمة، وهو يحب أن يراك. قال: فوعدته يوماً، فذهبت معه إليه، فسلمت عليه، فحيا، ورحب. ثم قال لي: كيف تنشد هذا البيت: " أولئك قوم إن بنوا أحسنوا ... "؟ فقلت: أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا - يعني بكسر الباء - فقال لي: انظر جيداً، فنظرت، فقلت: لست أعرف إلا هذا. فقال: يا بني، " أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا "، القوم إنما بنو المكارم، ولم يبنوا باللبن والطين! قال: فلم أزل هائباً لحماد بن سلمة، ولزمته بعد ذلك. قال ثعلب: وقيل للأصمعي: كيف حفظت ونسي أصحابك؟ قال: درست وتركوا. وقال الأصمعي: أحفظ ست عشرة ألف أرجوزة وقال ابن الأعرابي: شهدت الأصمعي وقد أنشد نحواً من مائتي بيت ما فيها بيت عرفناه. وقال الشافعي: ما عبر أحد عن العرب بأحسن من عبارة الأصمعي. ما رأيت بذلك العسكر أصدق لهجة " من الأصمعي. وقال يحيى بن معين: الأصمعي ثقة وسئل عنه أبو داود فقال: صدوق.

стр. 5229

وزعم الباهلي صاحب المعاني أن طلبة العلم كانوا إذا أتوا مجلس الأصمعي اشتروا البعر في سوق الدر، وإذا أتوا أبا عبيدة اشتروا الدر في سوق البعر. والمعنى أن الأصمعي كان حسن الإنشاد والزخرفة لردىء الأخبار والأشعار حتى يحسن عنده القبيح، وأن الفائدة عنده مع ذلك قليلة، وأن أبا عبيدة كان معه سوء عبارة، وفوائد كثيرة، والعلم عنده جم. وقال عمرو بن مرزوق: رأيت الأصمعي وسيبويه يتناظران، فقال يونس: الحق مع سيبويه، وهذا يغلبه بلسانه. قال حماد بن إسحاق الموصلي: قال لي يوماً هارون أمير المؤمنين الواثق: إن لي حاجة إليك، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن هذا الكلام يجل عني، إنما أنا عبد من عبيد أمير المؤمنين، يأمرني فأأتمر، قال: قد جعلتها حاجة "، فقلت: يقول أمير المؤمنين ما أحب، فقال: أحب أن تترك لي التشاغل بالأصمعي؛ فإني ربما سألت عنك، فوجدته مشغولاً به، وتعتل علي، فلا تأتيني. فقلت: يا أمير المؤمنين، أما هذا فلا أضمنه لك، أن تمنعني شيئاً به حللت عندك هذا المحل، وفضلتني به على غيري. وقال خلف: يغلبني الأصمعي بحضور الحجة. ولما أخبر أبو نواس بأن الخليفة عمل على أن يجمع بين الأصمعي وأبي عبيدة قال: أما أبو عبيدة فعالم ما ترك مع أسفاره يقرؤها، والأصمعي بمنزلة بليلٍ في قفص تسمع من نغمه لحوناً، وترى كل وقت من ملحه فوناً. وحكى الأصمعي أن هارون الرشيد أمر بحمله إليه، فلما مثل بين يديه استدناه. قال الأصمعي: فجلست، وقال لي: يا عبد الملك، وجهت إليك بسبب جاريتين

стр. 5230

أهديتاه إلي، وقد أخذتا طرفاً من الأدب، أحببت أن تبور ما عندهما، وتشير علي فيهما بما هو الصواب عندك. فحضرت جاريتان ما رأيت مثلهما قط، فقلت لأحداهما: مااسمك؟ قالت: فلانة، قلت: ما عندك من العلم؟ قالت: ما أمر الله به، ثم ما ينظر الناس فيه من الأشعار، والآداب، والأخبار. فسألتها عن حروف من القرآن، فأجابتني كأنها تقرأ الجواب من كتاب، وسألتها عن النحو، والعروض، والأخبار، فما قصرت. فقلت: أنشدينا شيئاً، فاندفعت في هذا الشعر: من الخفيف ياغياث البلاد في كل محلٍ ... ما يريد العباد إلا رضاكا لا ومن شرف الإمام وأعلى ... ما أطاع الإله عبد عصاكا فقلت: يا أمير المؤمنين، ما رأيت أمرأة في مسك رجل مثلها. وقالت الأخرى، فوجدتها دونها، فقلت: ما تبلغ هذه منزلتها، إلا أنها إن ووظب عليها لحقت. ثم قال لي: يا عبد الملك أنا ضجر، وقد جلست أحب أن أسمع حديثاً أتفرج به، فحدثني بشيءٍ، فقلت لأي الحديث يقصد أمير المؤمنين؟ قال: لما شاهدت وسمعت من أعاجيب الناس، وطرائف أخبارهم. فقلت: يا أمير المؤمنين، صاحب لنا في بدوٍ، كنت أغشاه، وأتحدث إليه، وقد أتت عليه ست واسعون سنة أصح الناس ذهناً، وأجودهم أكلاً، وأقواهم بدناً، فغبرت بدناً. فغبرت عنه زماناً، ثم قصدته، فوجدته ناحل البدن، كاسف البال، متغير الحال، فقلت: ما شأنك، أصابتك مصيبة؟ قالت: لا، قصدت بعض القرابة في حي بني فلان، فألفيت عندهم جارية قد لاثت رأسها، وطلت بالورس مابين قرنها إلى قدمها، وعليها قميص وقناع مصبوغان، وفي عنقها طبل توقع عليه، وتنشد هذا الشعر: من الوافر محاسنها سهام للمنايا ... مريشة بأنواع الخطوب برى ريب المنون لهن سهما ... تصيب بنصله مهج القلوب

стр. 5231

فأجبتها: قفي شفتي في موضع الطبل ترتعي ... كما قد أبحت الطبل في جيدك الحسن هبيني عودا أجوفا تحت شنة ... تمتع فيما بين نحرك والذقن فلما سمعت الشعر مني نزعت الطبل، فرمت به في وجهي، وبادرت إلى الخباء فدخلت، فلم أزل واقفاً إلى أن حميت الشمس على مفرق رأسي، لاتخرج إلي، ولا ترجع إلي جواباً، فانصرفت سخين العين، قريح القلب. فهذا الذي ترى بي من التغير، من عشقي لها. قال الأصمعي: دخلت أنا وأبو عبيدة على الفضل بن الربيع، فقال: يا أصمعي، كم كتابك في الخيل؟ قال: قلت: جلد. قال: فسأل أبا عبيدة عن ذلك، فقال: خمسون جلداً. قال: فأمر بإحضار الكتابين. قال: ثم أمر بإحضار فرسٍ، فقال لأبي عبيدة: أقرأ كتابك حرفاً حرفاً، وضع يدك على موضعٍ موضعٍ، فقال أبو عبيدة: ليس أنا بيطاراً، إنما هذا شيء أخذته، وسمعته من العرب، وألفته، فقال لي: يا أصمعي، قم، فضع يدك على موضعٍ موضعٍ من الفرس. فقمت، فحسرت عن ذراعي وساقي، قم وثبت، فأخذت بأذني الفرس، ثم وضعت يدي على ناصيته، فجعلت أقبض منه شيئاً شيئاً، وأقول: هذا اسمه كذا، وأنشد فيه، حتى بلغت حافره. قال: فأمر لي بالفرس. فكنت إذا أردت إن أغيظ أبا عبيدة ركبت الفرس، وأتيته. قال الأصمعي للكسائي، وهما عند الرشيد: ما معنى قول الراعي: من الرمل. قتلوا كسرى بليلٍ محرما ... فتولى لم يمتع بكفن هل كان محرماً بالحج؟ فقال هارون للكسائي: يا علي، إذا جاء الشعر فإياك والأصمعي.

стр. 5232

قوله محرماً، كان في حرمة الإسلام. قال محمد بن سويد: قال ابن السكيت، قال الأصمعي: ومن ثم قيل: مسلم محرم؛ أي لم يحل من نفسه شيئاً يوجب القتل. وقوله في كسرى: محرماً، يعني حرمة العهد الذي كان له في أعناق أصحابه. قال أبو عر الجرمي يوماً: أنا أعلم الناس بكلام العرب. فسمعه الأصمعي، فقال: كيف تنشد هذا البيت: من الكامل قد كن يخبأن الوجوه تسترا ... فالآن حين بدأن للنظار أو " حين بدين "؟ قال أبو عمر: حين بدان، فقال: أخطأت، فقال: بدين، فقال: أخطأت يا أعلم الناس بكلام العرب؛ " حين بدون " وقيل: كان الرشيد يحب الوحدة، فكان إذا ركب حماره عادله الفضل بن الربيع، وكان الأصمعي يسير قريباً منه بحيث يحاذيه، وإسحاق الموصلي على دابةٍ يسير قريباً من الفضل. فأقبل الأصمعي لا يحدث الرشيد شيئاً إلا سربه، وضحك منه، فحسده إسحاق. وكان فيما حدثه الأصمعي، فقال: يا أمير المؤمنين، مررت على رجلٍ زانكي جالس على بابه، قال ويحك. فما الزانكي؟ فوصفه له - وهو الشاطر - قال: فقلت له: يافتى، أيسرك أنك أمير المؤمنين؟ قال: لا، قلت: ولم؟. قال: لا يدعوني أذهب حيث شئت. قال: فقال الرشيد: صدق والله، ما يدعونا نذهب حيث شئنا. قال: فاستضحك الرشيد، فقال إسحاق للفضل: ما يقول كذب، فقال الرشيد: أي شيء؟ قال: فأخبره، فغضب، فقال: والله لو كان ما يقول كذباً إنه لأظرف الناس، وإن كان حقاً إنه لأعلم الناس. فمكث بينهما دهراً من الدهر، فقال إسحاق: أصيمع باهل يستطيل.. قال إبراهيم الحربي: كان أهل البصرة، أهل العربية، منهم أصحاب الأهواء إلا أربعة؛ فإنهم كانوا أصحاب سنة: أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب، والأصمعي. قال أبو أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي سمعت أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين يثنيان على الأصمعي في السنة

стр. 5233

قال الأصمعي: من قال: إن الله - لا يرزق الحرام فهو كافر. قال الجاحظ: كان الأصمعي منانياً، فقال له العباس بن رستم: لا والله، ولكن تذكر حين جلست إليه تسأله، فجعل يأخذ نعله بيده، وهي مخصوفة بحديد، ويقول: نعم قناع القدرس، نعم قناع القدري، فعلمت أنه يعنيك، فقمت؟ قال الأصمعي: إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي ﷺ : " من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار "، لأنه لم يكن يلحن، فما رويت عنه، ولحنت فيه كذبت عليه. قال أبو قلابة: سألت الأصمعي، فقلت: يا أبا سعيد، ما قول: أحق بسقيه " - يعني رسول الله ﷺ : " الجار أحق بسقيه " - فقال: أنا لا أفسر حديث رسول الله ﷺ ، ولكن العرب تقول: السقب اللزيق. وسئل عن معنى قول النبي صلى اله عليه وسلم: " جاءكم أهل اليمن، وهم أبخع أنفساً "، قال: يعني أقتل أنفساً، ثم أقبل على نفسه كاللائم لها، فقال: ومن أخذني بهذا، وما علمي به؟ وكان يتقي أن يفسر حديث رسول الله ﷺ كما يتقي أن يفسر القرآن. قال أبو حاتم السجستاني: أهديت إلى الأصمعي قدحاً من هذه السجزية، فجعل ينظر إليه ويقول: ما أحسنه. فقلت: إنهم يزعمون أن فيه عرقاً من الفضة، فردع علي، وقال: إن رسول الله ﷺ نهى أن يشرب في آنية الفضة.

стр. 5234

قال الأصمعي: من لم يحتمل ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً. وقال: بلغت ما بلغت بالعلم، ونلت ما نلت بالملح. وقال: مررت بصنعاء اليمن على مزرعة، وبجنبها عين، وإذا غلام قد ملأ قربته، وهو متعلق بعراها، وهو يصيح: يا أبه، يا أبه، فاها، فاها، غلبني فوها، لا طاقة لي بفيها؛ وإذا به قد أتى بوجوه الإعراب في حال الرفع والنصب والخفض. قال الأصمعي: مررت بالبادية على رأس بئر، وإذا على رأسه جوارٍ، وإذا واحدة فيهن كأنها البدر، فوقع علي الرعدة، وقلت لها: من البسيط يا أحسن الناس إنسانا وأملحهم ... هل ياشتكائي إليك الحب من باس فبيني لي بقولٍ غير ذي خلف ... أبا لصريمة نمضي عنك أم ياس قال: فرقعت رأسها، وقالت لي: أخسأ! فوقع في قلبي مثل جمر الغضا، فانصرفت عنها، وأنا حزين. قال: ثم رجعت إلى رأس البئر، فإذا هي على رأس البئر، فقالت: من البسيط هلم نمح الذي قد كان قد وله ... ونحدث الآن إقبالاً من الراس حتى نكون سواء في مودتنا ... مثل الذي يحتذي نعلا بمقياس فانطلقت معها إلى أبيها، فتزوجتها، فابني علي منها. وقال: كنت يوماً في سكة من سكك البصرة فرأيت كناساً يحمل العذرة، وهو ينشد هذا البيت: من الطويل وأكرم نفسي إنني إن أهنتها ... لعمري لاتكرم على أحدٍ بعدي فقلت: يا هذا، أي كرامةٍ لنفسك عندك وأنت من قرنك إلى قدمك في الخراء؟! فقال: عن سفلة مثلك، لا آتية أستقرض منه دانقاً فيردني. قال: فأفحمت، فلم أجىء بجواب.

стр. 5235

قال سلمة بن عاصم: ما لقيني الأصمعي قد إلا قال: أرجو أن تكون من أهل الجنة. قال: فقال لي جليس له: إنما أراد أنك أبله، لأن أكثر أهل الجنة البله، قال: لا يبعد، فقد كان ماجناً. قال عباس بن الفرج: ركب الأصمعي حماراً دميماً، فقيل: أبعد براذين الخلفاء تركي هذا؟! فقال متمثلاً: من الطويل ولما أبت إلا انصراما بودها ... وتكديرها الشرب الذي كان صافيا شربنا برنقٍ من هواها مكدر ... وليس يعاف الرنق من كان صاديا هذا، وأملك ديني ونفسي أحب إلي من ذلك م ع ذهابهما. كان أبو عبيدة يقول: كان الأصمعي بخيلاً، فكان يجمع أحاديث البخلاء ويتحدث بها، ويوصي بها ولده. وقال محمد بن سلام: كنا مع أبي عبيدة في جنازة ننتظر إخراج الميت، ونحن بقرب دار الأصمعي، فارتفعت ضجة في دار الأصمعي، فبادر الناس ليعرفوا ذلك، فقال أبو عبيدة: إنما يفعلون هذا عند الخبز. كذا يفعلون إذا فقدوا رغيفاً. ويقال: إن جعفر بن يحيى استرد مبلغاً كان أمر أن يوصل به وذلك لما رأى من رثاثة حاله، ووسخ منزله، وقال: علام نعطيه الأموال إذا لم تظهر الصنيعة عنده، ويتزيا بزي أهل المروآت؟! مات الأصمعي سنة سبع عشرة ومائتين - وقيل: سنة ست عشرة ومائتين، وقيل: سنة خمس عشرة ومائتين - وكان قد بلغ ثمانياً وثمانين سنة. وكانت وفاته بالبصرة.

стр. 5236

عبد الملك بن محمد بن إبراهيم بن يعقوب أبو سعد بن أبي عثمان الواعظ النيسابوري المعروف بالخركوشي قدم دمشق سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، وحدث بها. روى عن أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد بن حامد بن متويه البلخي بسنده عن أنس بن مالك قال: كنت مع النبي ﷺ في حلقة، ورجل قائم يصلي، فلما ركع وتشهد دعا، فقال في دعائه: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لإله إلا أنت المنان، بديع السموات والأرض، ياذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال رسول الله ﷺ للقوم: " أتدرون ما دعا "؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال رسول الله ﷺ : " والذي نفسي بيده، لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى. وروى بسنده عن عطاء قال: بلغنا أن موسى بن عمران ﷺ طاف بين الصفا والمروة، وعليه جبة قطوانية، وهو يقول: " لبيك اللهم لبيك " فيجيبه ربه: " لبيك ياموسى " كان عبد الملك بن أبي عثمان خلفاً لجماعة من تقدمة من العباد المجتهدين، والزهاد القانعين. وقد وفقه الله لعمارة المساجد والحياض والقناطر والدروب وكسوة الفقراء والعراة من الغرباء والبلدية حتى بنى داراً للمرضى بعد أن خربت الدور القديمة لهم بنيسابور، ووكل جماعة من أصحابه المستورين بتمريضهم، وحمل مياههم إلى الأطباء، وشراء الأدوية لهم. وقد صنفت في علوم الشريعة، ودلائل النبوة، وفي سير العباد والزهاد كتباً نسخها جماعة من أهل الحديث، وسمعوها منه، وسارت تلك المصنفات في المسلمين تاريخاً لنيسابور، وعلمائها الماضين منهم والباقين.

стр. 5237

قال أبو الفضل محمد بن عبيد الله الصرام الزاهد: رأيت الأستاذ الزاهد أبا سعد حضر مصلى بنيسابور للاستسقاء في أيام أمسك المطر فيها، وبدأ القحط، وكان الناس يتضرعون، ويبكون، فصلى صلاة الاستسقاء على رأس الملأ، ودعا في الاستسقاء، وسمعته يصيح ويقول: من المنسرح إليك جئنا وأنت جئت بنا ... وليس رب سواك يغنينا روى الثقة: أنه دخل على الإمام سهل الصعلوكي يوما، وكان عليه قميص غليظ دنس، فقال له الإمام: أيها الأستاذ، إن هذا الملبوس غليظ خشن، فقال: أيها الشيخ، ولكنه من الحلال، فقال: أيها الأستاذ، إنه دنس، فقال: أيها الشيخ، إنه مما تصح الصلاة فيه. فسكت الشيخ. توفي أبو سعد سنة ست وأربعمائة. عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف الثقفي ولي إمرة دمشق للوليد بن يزيد بن عبد الملك، وولي الجند له أيضاً. وكان قد خرج عن دمشق لأجل الوباء، فلذلك تم ليزيد بن الوليد الناقص تدبيره في الوثوب بدمشق. عبد الملك بن محمد بن عدي أبو نعيم الجرجاني الأستراباذي الفقيه سكن جرجان. وكان مقدماً في الفقه والحديث، كانت الرحله إليه في أيامه. ورد نيسابور في صفر سنة ست عشرة وثلاثمائة، وأقام بها مدة. سئل عن مولده، فقال: سنة اثنتين وأربعين ومائتين. روى عن العباس بن الوليد بسنده عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "

стр. 5238

لكل أمة مجوس، وإن هؤلاء القدرسة مجوس أمتي؛ فإن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم، ولاتصلوا عليهم " قال الخطيب: وكان أحد أئمة المسلمين، ومن الحفاظ لشرائع الدين مع صدق، وتورع، وضبط، وتيقظ، سافر الكثير، وكتب بالعراق، والحجاز، والشام، ومصر. وورد بغداد قديماً. مات في حدود سنة عشرين وثلاثمائة. وقال غير الخطيب: سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة - وقيل ثلاث وعشرين - وكان ابن ثلاث وثمانين سنة. قال الأستاذ أبو الوليد: لم يكن في عصرنا من الفقهاء أحد أحفظ للفقهيات وأقاويل الصحابة بخراسان أبي نعيم الجرجاني. وقال الحسين بن علي الحافظ: كان أبو نعيم الجرجاني أحد الأئمة، مارأيت بخراسان بعد أبي بكر محمد بن إسحاق - يعني ابن خزيمة - مثله، أو أفضل منه. كان يحفظ الموقوفات والمراسيل كما نحفظ نحن المسانيد. عبد الملك بن محمد بن عطية بن عروة السعدي من أهل دمشق. ولي الحجاز واليمن لمروان بن محمد ودخل أبو حمزة المدينة فوجه مروان بن محمد بن عبد الملك بن محمد بن عطية، فقتل أبا حمزة، وضم إليه مكة. قال الزبير بن عبد الرحمن بن أبي يسار الشيبي خرجت مع ابن عطية ونحن في اثني عشر رجلاً بعهد مروان على الحج، ومعه أربعون ألف دينار في أخرجة متفرقة، حتى ينزل الجوف يريد الحج، قد خلف عسكره

стр. 5239

وخيله وراءه بصنعاء. فوالله إنا لنتحدث، آمنون إذ سمعت كلمة " من امرأة: قاتل الله ابني جمانة ما أشمهما، فقمت كأني أهريق الماء، فأشرقت على نشز، فإذا الدهم من الرجال والسلاح والصبيان والخيل والقذافات. وإذا ابنا جمانة المراديان قد أحدقوا بنا من كل ناحية يرمون، فقلنا: ما تريدون؟ قال: أنتم لصوص، فأخرج ابن عطية كتاب أمير المؤمنين، وعهده على الحج، وقال: أنا ابن عطية، قالوا: هذا باطل: ولكنكم لصوص، فرأينا الشر، فركب الصقر بن حبيب فرسه، فقاتل، فأحسن حتى قتل، ثم ركب ابن عطية، فقاتل حتى قتل. عبد الملك بن محمد بن يونس بن الفتح أبو عقيل السمرقندي حدث عن أبي نصر أحمد بن عمرو بن محمد العراقي بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " أكرموا العلماء، فإنهم ورثة الأنبياء " عبد الملك بن محمد، أبو الزرقاء ويقال: أبو محمد البرسمي الصنعاني من صنعاء دمشق. روى عن الربيع بن حظيان، عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : " الناس تبع لكم يا أهل المدينة في العلم " قال: فكنا إذا أتينا أبا سعيد الخدري قال: مرحبا " بوصية رسول الله ﷺ .

стр. 5240

وروى عن أبي سلمة العاملي بسنده عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: " خير رفقائي أربعة " وروى عن الأوزاعي بسنده عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ عن الصلاة في الثوب الواحد، قال: " ليتوشح به، ويصلي فيه " قال أبو أيوب الدمشقي: وهو ثقة من أصحاب الأوزاعي وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، سألت دحيماً عن عبد الملك بن محمد الصنعاني، فكأنه ضجع، فقلت: هو أثبت أو عقبة بن علقمة؟ فقال: ماأقربهما! وقال أبو حاتم محمد بن حبان البستي: كان يجيب فيما يسأل عنه حتى ينفرد بالموضوعات. لا يجوز الاحتجاج بروايته. عبد الملك بن محمود بن إبراهيم ابن محمد بن عيسى بن القاسم بن سميع أبو الوليد القرشي الفقيه روى عن عبيد الكشوري بسنده عن حبيب بن سلمة أن النبي ﷺ نفل الثلث. وروى عن محمد بن عبد الملك الدقيقي بسنده أن رسول الله ﷺ كان يقول: " ما من رجل من المسلمين يرمي بسهم في سبيل الله، في العدو، أصاب أو أخطأ إلا كان له أجر ذلك السهم كعدل - أو عدل - نسمةٍ، وما من رجل من المسلمين ابيضت

стр. 5241

شعرة منه في سبيل الله إلا كانت له نوراً يوم القيامة، وما من رجل من المسلمين أعتق صغيراً أو كبيراً إلا كان حقاً على الله أن يجزيه بكل عضوٍ منه أضعافاً مضعفة " مات أبو الوليد بن سميع في جمادى الأولى سنة تسع وثلاثمائة. عبد الملك بن مروان بن الحكم ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. أبو الوليد الأموي. بويع له بالخلافة بعد أبيه مروان، بعهدٍ منه. روى عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: " من لم يغز، أو يجهز غازياً، أو يخلفه في أهله بخيرٍ أصابه الله - عزوجل - بقارعةٍ قبل يوم القيامة - وفي رواية: إلا أصابه الله " وفي رواية: " ما من امرىء مسلم لا يغزو في سبيل الله، أو يجهز غازياً أو يخلفه بخير إلا " قال عبد الملك: كنت أجالس بريرة بالمدينة قبل أن ألي هذا الأمر، فكان تقول: يا عبد الملك، إني لأرى فيك خصالاً لخليق أن تلي أمر هذه الأمة، فإن وليت فاحذر الدماء؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الرجل ليدفع عن باب الجنة أن ينظر إليها بملء محجمة من دمٍ يريقه من مسلم بغير حق "

стр. 5242

قال الزبير بن بكار: فولد مروان بن الحكم أحد عشر رجلاً، ونسوة: عبد الملك بن مروان، ولي الخلافة، ومعاوية، وأمر عمرو، وأمهم عائشة بنت معاوية بن أبي العاص وقال مصعب الزبيري: أول من سمي في الإسلام عبد الملك عبد الملك بن مروان وذكر محمد بن سيرين: أن مروان بن الحكم سمى ابنه القاسم، وكان يكنى به، فلما بلغه النهي حول اسمه عبد الملك. قال ابن سعد: كان عبد الملك يكنى أبا الوليد. ولد سنة ست وعشرين في خلافة عثمان بن عفان، وشهد سوم الدار مع أبيه، وهو ابن عشر سنين، وحفظ أمرهم وحديثهم، وشتا المسلمون بأرض الروم سنة اثنتين وأربعين، وهو أول مشتى شتوه بها، فاستعمل معاوية على أهل المدينة عبد الملك بن مروان، وهو يومئذ ابن ست عشرة سنة "، فركب عبد الملك بالناس البحر. كان عابداً ناسكاً قبل الخلافة، وقد جالس العلماء والفقهاء، وحفظ عنهم، وكان قليل الحديث. قال البخاري: ولي عبد الملك أربع عشرة سنة "، وكانت فتنة ابن الزبير ثمان سنين، مديني سكن الشام. مات سنة ست وثمانين. ودخل على عثمان وهو غلام، فقبله. قال أبو سعيد بن يونس: قدم مصر سنة خمسين لغزو المغرب مع معاوية بن خديج التجيبي، وكانت وفاته بدمشق. قال الخطيب: بويع له بالخلافة عند موت أبيه، وهو بالشام، ثم سار إلى العراق، فالتقى هو

стр. 5243

ومصعب بن الزبير يمسكن على نهر دجيل قريباً من أوانا عند دير الجاثليق، فكانت الحرب بينهما حتى قتل مصعب، وقتل الحجاج بن يوسف بعده أخاه عبد الله بن الزبير بمكة، واجتمع الناس على عبد الملك، وكان منزله بدمشق. قال خليفة: ولد عبد الملك بالمدينة في دار مروان في بني حديلة سنة ثلاث وعشرين - وقال: سنة ست وعشرين وذكر أبو حسان الزيادي أنه ولد سنة خمسٍ وعشرين قال الخطبي: وكان ربعة، إلى الطول أقرب منه إلى القصر، أبيض، ليس بالنحيف، ولا البادن، ولم يخضب إلى أن مات - وقيل إن خضب وترك - وكانت أسنانه مشبكة بالذهب، أفوه مفتوح الفم. عن عبادة بن نسي قال: قيل لبن عمر: إنكم معشر أشايخ قريش توشكون أن تنقرصوا، فمن نسأل بعدكم؟ فقال: إن لمروان ابناً فقيهاً فسلوه قال أبو الزناد: كان فقهاء المدينة أربعة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وقبيصة بن ذويب، وعبد الملك بن مروان وروي أن قوماً استغاثوا ليلةً، فخرج الناس مغيثين، فأدركوا رجلاً، فجاؤوا به، فجعل الرجل يقول: إنما كنت مغيثاً، فأبوا حتى رفعوه إلى عبد الملك، فأمر بقتله،

стр. 5244

فجاء رجل من الناس، فقال: إن هذا، والله، ما هو القاتل، ولكنني أنا القاتل، ولا والله، لا أقتل رجلين، قال: فقال عبد الملك: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: " من أحيا نفساً بنفسه فلا قود عليه ". فخلى سبيله، وقال: ما أحسب قصته من رسول الله ﷺ سقطت عن عبد الملك ومر عبد الملك بن مروان بعبد الله بن عمر، وهو في المسجد، وذكر اختلاف الناس، فقال: لو كان هذا الغلام اجتمع الناس عليه. وقال: ولد الناس أبناء، وولد مروان أباً. قال بشر أبو نصر: دخل عبد الملك بن مروان على معاوية، وعنده عمرو بن العاص، فسلم، ثم جلس، ثم يلبث أن نهض. فقال معاوية: ما أكمل مروءة هذا الفتى! فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، إنه أخذ بأخلاقٍ أربعةٍ، وترك أخلاقاً ثلاثة: أخذ بأحسن البشر إذا خولف. وترك مزاح من لا يوثق بعقله ولا دينه، وترك مخالفة لئام الناس، وترك من الكلام ما يعتذر منه. وقالت أمر الدرداء لعبد الملك بن مروان: يا أمير المؤمنين، مازلت أتخيل هذا الأمر فيك مذ رأيتك. قال: وكيف ذاك؟ قالت: ما رأيت أحسن منك محدثاً، ولا أعلم منك مستمعاً. حدث شيخ كان يجالس سعيد بن المسيب قال: مر به يوماً ابن زمل العذري، ونحن معه، فحصبه سعيد، فجاءه، فقال له سعيد: بلغني أنك مدحت هذا، وأشار نحو الشام - يعني عبد الملك، قال: نعم يا أبا محمد، قد مدحته، أفتحب أن تسمع القصيدة؟ قال: نعم، اجلس، فأنشده حتى بلغ: من الوافر

стр. 5245

فماعابتك في خلقٍ قريش ... بيثرب حين أنت بها غلام فقال سعيد: صدقت، ولكنه لما صار إلى الشام بدل قال يحيى بن سعيد: أول من صلى في المسجد مابين الظهر والعصر عبد الملك، وفتيان معه. كانوا إذا صلى الإمام الظهر قاموا، فصلوا إلى العصر، فقيل لسعيد بن المسيب: لو قمنا فصلينا كما يصلي هؤلاء؟ فقال سعيد بن المسيب: ليست العبادة بكثرة الصلاة، ولا الصوم، إنما العبادة التفكر في أمر الله، والورع عن محارم الله. قال الشعبي: ما جالست أحداً إلا وجدت لي الفضل عليه إلا عبد الملك بن مروان؛ فإني ما ذاكرته حديثاً إلا زادني فيه، ولا شعراً إلا زادني فيه. عن المقبري: أن عبد الملك بن مروان لم يزل بالمدينة في حياة أبيه، وولايته حتى كان أيام الحرة. فلما وثب أهل المدينة، فأخرجوا عامل يزيد بن معاوية عن المدينة، وأخرجوا بني أمية خرج عبد الملك مع أبيه، فلقيهم مسلم بن عقبة بالطريق قد بعثه يزيد بن معاوية في جيشٍ إلى أهل المدينة، فرجع معه مروان، وعبد الملك بن مروان، وكان مجدوراً، فتخلف عبد الملك بذي خشبٍ، وأمر رسولاً أن ينزل مخيضاً، وهي فيما بين المدينة وذي خشب على اثني عشر ميلاً من المدينة، وآخر يحضر الوقعة يأتيه بالخبر، وهو يخاف أن تكون الدولة لأهل المدينة. فبينا عبد الملك جالس في قصر مروان بذي خشب يترقب إذا رسوله قد جاء يلوح بثوبه، فقال عبد الملك: إن هذا لبشير. فأتاه رسوله الذي كان بمخيض يخبره أن أهل المدينة قد قتلوا، ودخلها أهل الشام، فسجد عبد الملك. ودخل المدينة بعد أن برأ. ويروى أن رجلاً كان يهودياً فأسلم، يقال له: يوسف، وكان يقرأ الكتب، فمر بدار مروان بن الحكم، فقال: ويل لأمة محمد من أهل هذه الدار - ثلاث مرار - فقلت له: إلى متى؟ قال: حتى تجىء رايات سود من قبل خراسان، وكان صديقاً

стр. 5246

لعبد الملك بن مروان، فضرب منكبيه ذات يومٍ، فقال: اتق الله - يا بن مروان في أمة محمد إذا وليتهم، فقال: دعني، ويحك! ودفعه، ما شأني وشأن ذلك؟ فقال: اتق الله في أمرهم. قال: وجهز يزيد بن معاوية جيشاً إلى أهل مكة، فقال عبد الملك بن مروان: - وأخذ قميصه فنفضه، يعني من قبل صدره، فقال: - أعوذ بالله، أعوذ بالله، أعوذ بالله، أتبعث إلىحرم الله؟! فضرب يوسف منكبه وقال: لم تنفض قميصك؟ جيشك إليهم أعظم من جيش يزيد بن معاوية. أفضى الأمر إلى عبد الملك والمصحف في حجره يقرأ، فأطبقه، قوال: هذا آخر العهد بك. وبايع أهل الشام عبد الملك بالخلافة ليله الأحد لهلال شهر رمضان سنة خمس وشتين - وقيل سنة أربع وستين وهو ابن ثمان وثلاثين، وتوفي وله سبع وخمسون سنة - وكانت الجماعة على عبد الملك سنة ثلاثٍ وسبعين عن أبي الطفيل قال: صنع لعبد الملك مجلس بويع فيه، فدخله، فقال: لقد كان يرى ابن حنتمة الأحوزي يقول: إن هذا عليه حرام - يعني عمر بن الخطاب. كان نقش خاتم عبد الملك بن مروان: " أومن بالله مخلصاً " عن عبد الملك بن عمير: أن عبد الملك بن مروان دخل الكوفة بعد قتل مصعب الزبير، فطاف في القصر ثم خرج، فاستلقى، وقال: من الكامل اعمل على حذرٍ فإنك ميت ... واكدح لنفسك أيها الإنسان - وفي رواية: اعمل على مهل -

стр. 5247

فكأن ما قد كان لم يك إذ مضى ... وكأنما هو كائن قد كانا لما أجمع الناس على عبد الملك بن مروان سنة ثلاث وسبعين كتب إليه ابن عمر بالبيعة، وكتب إليه أبو سعيد الخدري، وسلمة بن الأكوع بالبيعة. وكتب عبد الله بن عمر إلى عبد الملك: بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله بن عمر إلى عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنك راع، وكل راعٍ مسؤول عن رعيته " لا إله إلا الله هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه، ومن أصدق من الله حديثاً؟ لا أحد، والسلام. قال: وبعث به مع سالم. قال: فوجدوا عليه أن قدم اسمه. فقال سالم: انظروا في كتبه إلى معاوية، فنظروا، فوجدوه يقدم اسمه، فاحتلموا ذلك. حج عبد الملك حجة "، أقام الحج للناس سنة خمس ٍوسبعين، فلما مر بالمدينة نزل في دار أبيه، فأقدم أياماً، ثم خرج حتى انتهى إلى ذي الحليفة، وخرج معه الناس، فقال له أبان بن عثمان: أحرم من البيداء، فأحرم عبد الملك من البيداء. قال ثعلبة بن مالك القرظي: رأيت عبد الملك بن مروان صلى المغرب والعشاء في الشعب، فأدركني دون جمع، فست معه، فقال: صليت بعد؟ فقلت: لا لعمري، قال: فما منعك من الصلاة؟ قال: قلت: إني في وقت بعد، قال: لا لعمري، ما أنت في وقتٍ. قال: ثم قال: لعلك ممن يطعن على أمير المؤمنين عثمان؟ فاشهد على أبي لأخبرني أنه رآه صلى المغرب والعشاء في الشعب، فقلت: ومثلك يا أمير المؤمنين يتكلم بهذا، وأنت الأمام!؟ ومالي وللطعن عليه وعلى غيره؟ قد كنت له لازماً، ولكني رأيت عمر لا يصلي حتى يبلغ جمعاً، وليست سنة أحب إلي من سنة عمر. فقال: رحم الله عمر، لعثمان كان أعلم بعمر، لو كان عمر فعل هذا لاتبعه عثمان، وما كان أحد أتبع لأمر عمر بن عثمان، وما خالف

стр. 5248

عثمان عمر في شيء من سيرته إلا باللين؛ فإن عثمان لان لهم حتى ركب، ولو كان غلظ عليهم جانبه كمما غلظ عليهم ابن الخطاب ما نالوا منه ما نالوا، وأين الناس الذين كان يسير فيهم عمر بن الخطاب والناس اليوم! يا ثعلبة؛ إني رأيت سيرة السلطان تدور مع الناس، إن ذهب اليوم رجل يسير بتلك السيرة أغير على الناس في بيوتهم، وقطعت السبل، وتظالم الناس، وكانت الفتن، فلابد للوالي أن يسير في كل زمان بما يصلحه. وعن ابن كعب قال: سمعت عبد الملك بن مروان يقول: باأهل المدينة، إن أحق الناس أن يلزم الأمر الأول لأنتم، وقد سالت علينا أحاديث من قبل هذا المشرق، لا نعرفها، ولا نعرف منها إلا قراءة القرآن، فالزموا ما في مصحفكم الذي جمعكم عليه الإمام المظلوم ﵀ وعليكم بالفرائض التي جمعكم عليها إمامكم المظلوم ﵀ فإنه استشار في ذلك رويد بن ثابت، ونعم المشير كان للإسلام ﵀ فأحكما ما أحكما، وأسقطا ما شذ عنهما وعن ابن جريج، عن أبيه قال: حج علينا عبد الملك بن مروان سنة خمس وسبعين بعد مقتل ابن الزبير بعامين، فخطبنا، وقال: أما بعد، فإنه كان من قبلي من الخلفاء، يأكلون من المال، ويؤكلون، وإني والله، لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف، ولست بالخليفة المستضعف - بعني عثمان - ولا الخليفة المداهن - يعني معاوية - ولا الخليفة المأبون - يعني يزيد بن معاوية - أيها الناس، إنما نحتمل لكم كل اللغوبة مالم يكن عقد راية، أو وثوب على منبر؛ هذا عمرو بن سعيد، حقه حقه، وقرابته قرابته، قال رأسه هكذا، فقلنا بسيفنا هكذا.

стр. 5249

وإن الجامعة التي خلعها من عنقه عندي، وقد أعطيت الله عهداً ألا أضعها في عنق أحدٍ إلا أخرجها الصعداء، فليبلغ الشاهد الغائب. قال الأصمعي: خطب عبد الملك بن مروان، فحصر، فقال: إن اللسان بضعة من الإنسان، وإنا لا نسكت حصراً ولا ننطق هذراً، ونحن أمراء الكلام، فينا وشجت عروقه، وعلينا تهدلت أغصانه، وبعد مقامنا هذا مقام، وبعد أيامنا هذه أيام يعرف فيها فصل الخطاب، ومواقع الصواب. عن أبي الزناد قال: قال عبد الملك بن مروان: ما يسرني أن أحداً من العرب ولدني إلا عروة بن الورد لقوله: من الطويل إني امرؤ عافي إنائي شركة ... وأنت امرؤ عافي إنائك واحد أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى ... بجسمي مس الحق والحق جاهد أقسم جسمي في جسومٍ كثيرةٍ ... وأحسوا قراح الماء والماء البارد قيل لعبد الملك بن مروان: أسرع إليك الشيب، فقال: شيبني كثرة ارتقاء المنبر مخافة اللحن - وفي رواية: وكيف لا يعجل علي وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرة أو مرتين. وأراد قتل رجل، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنك أعز ما تكون أحوج ما تكون إلى الله، فاعف له، فإنك به تعان، وإليه تعاد، فخلى سبيله.

стр. 5250

قال في خطبة له بإيلياء قبل أن يقع الوجع الذي خرج منه إلى الموقر: إن العلم سيقبض قبضاً سريعاً، فمن كان عنده علم فليظهره غير غال فيه، ولاجافٍ عنه. قال يوسف بن الماجشون: كان عبد الملك بن مروان إذا قعد للقضاء قيم على رأسه بالسيوف، فأنشد: من السريع إنا إذا مالت دواعي الهوى ... وأنصت الساكت للقائل واصطرع الناس بألبابهم ... نقضي بحكمٍ عادلٍ فاضل لا نجعل الباطل حقا ولا ... نلط دون الحق بالباطل نخاف أن نسفه أحلامنا ... فنحمل الدهر مع الخامل قال: ثم يجتهد في القضاء عن الزهري: أن يهودياً جاء إلى عبد الملك بن مروان فقال له: ابن هرمز ظلمني، فلم يلتفت إليه، ثم الثانية، ثم الثالثة، فلم يلتفت إليه، فقال له اليهودي: إنا نجد في كتاب الله في التوراة: إن الإمام لا يشرك في ظلم ولا جور حتى يرفع إليه، فإذا رفع إليه فلم يغير شرك في الجور والظلم. قال: ففزع لها عبد الملك، وأرسل إلى ابن هرمز، فنزعه. عن عبد الله بن بكر السهمي، عن أبيه قال: سأل رجل عبد الملك بن مروان الخلوة، فقال لأصحابه: إذا شئتم. فلما تهيأ الرجل للكلام قال له: إياك أن تمدحني، فإني أعلم بنفسي منك، أو تكذبني، فإنه لا رأي لكذوب، أو تسعى إلي بأحد. وإن شئت أقلتك، قال: أقلني. فأقاله.

стр. 5251

وفي رواية أخرى: كان عبد الملك بن مروان إذا دخل عليه رجل من أفق من الآفاق قال: أعفني من أربع وقل بعدها ما شئت - وقال فيه: ولا تحملني على الرعية. فإني إلى الرفق بهم والرأفة أحوج - وفي رواية: لا تخفني - يعني تغضبني حتى يحملني الغضب على خفة الطيش. عن الأصمعي، عن أبيه قال: أتى عبد الملك بن مروان برجلٍ كان مع بعض من خرج عليه، فقال: اضربوا عنقه، فقال: يا أمير المؤمنين، ما كان هذا جزائي منك! قال: وما جزاؤك؟ قال: والله ما خرجت مع فلان إلا بالنظر لك؛ وذلك أني رجل مشؤوم، ما كنت مع رجل قط إلا غلب وهزم، وقد بان لك صحة ما ادعيت، وكنت عليك خيراً من مائة ألفٍ معك. فضحك وخلى سبيله. قال يحيى بن الحكم بن أبي العاص لعبد الملك بن مروان: أي الرجال أفضل؟ قال: من تواضع عن رفعة، وزهد عن قدرة، وترك النصرة عن قوة. وقال عبد الملك: ثلاثة من أحسن شيء: جواد لغير ثوابٍ، ونصب لغير دنيا، وتواضع لغير ذل. وقال: يا بني أمية، إن خير المال ما أفاد حمداً، ومنع ذماً، فلا يقولن أحدكم: " أبدأ بمن تعول "، فإن الناس عيال الله. وقال: الطمأنينة ضد الحزم دخل أعرابي على عبد الملك بن مروان وهو يأكل الفالوذج، فقال: يا بن عم، ادن، فكل من الفالوذج، فإنه يزيد في الدماغ. قال: إن كان كما يقول أمير المؤمنين فينبغي أن يكون رأسه مثل رأس البغل. بعث عبد الملك بن مروان إلى الشعبي، فقال: يا شعبي، عهدي بك وإنك لغلام في الكتاب، فحدثني، فما بقي معي شيء إلا قد ملكته سوى الحديث الحسن، وأنشد: ومللت إلا من لقاء محدث ... حسن الحديث يزيدني تعليما

стр. 5252

وقال: كل شيء قد قضيت منه وطراً إلا من مناقضة - وفي رواية: مفاوضة - الإخوان الحديث على متن التلال العفر في الليالي البيض قال إسماعيل بن عبيد الله: كنت أعلم ولد عبد الملك بن مروان من عاتكة، فكنت جالساً على فراشين وهم بين يدي يتعلمون إذ أقبل عبد الملك، ثم جلس ينظر إليهم، وهم يتعلمون، فقال له بنوه: يا أمير المؤمنين، إنه قد شق علينا في التعليم، فإن رأيت أن تأذن لنا نلعب، فقال: تلعبون، وقد مر على رأس أبيكم ما قد علمتم؟! لقد رأيتني أغزو مصعب بن الزبير، وعدوي كأمثال الجبال كثرة "، وأنصاري من أهل الشام عامتهم أعداء لي، فأمكث طويلاً، وقد ذهب عقلي، ثم يرده الله علي. وقال لمؤدب بنيه: لا تطعم ولدي السمن، ولا تطعمهم طعاماً حتى تخرجهم على البراز، وعلمهم الصدق كما تعلمهم القرآن، وجنبهم الكذب، وإن كان فيه القتل - وفي رواية: وجنبهم الحشم، فإنهم لهم مفسدة، وجنبهم السفلة، فإنهم أسوأ الناس رعة "، واحف شعورهم تغلظ رقابهم، وأطعمهم اللحم يقووا، وعلمهم الشعر يمجدوا وينجدوا، ومرهم أن يستاكوا عرضاً، ويمصوا الماء مصاً، ولا يعبوا عباً، وإذا احتجت أن تتناولهم بأدبٍ فليكن في سر لا يعلم به أحد من الغاشية فيهونوا عليهم - وفي رواية: وجالس بهم علية الناس يناطقوهم الكلام. كتب زر بن حبيش إلى عبد الملك بن مروان كتاباً يعظه، وكان في آخره: ولا يطعمك يا أمير المؤمنين، في طول البقاء ما يظهر من صحتك، فأنت أعلم بنفسك، واذكر ما تكلم به الأولون: من الرجز إذا الرجال ولدت أولادها ... وبليت من كبر أجسادها وجعلت أسقامها تعتادها ... تلك زروع قد دنا حصادها فلما قرأ عبد الملك الكتاب بكى حتى بل طرف ثوبه، ثم قال: صدق زر، لو كتب إلينا بغير هذا كان أرفق.

стр. 5253

وقف عبد الملك على قبر أبيه فقال: من الطويل وما الدهر والأيام إلا كما أرى ... رزية مالٍ أو فراق حبيب وإن امرأ قد جرب الدهر لم يخف ... تقلب عصريه لغير لبيب أشرف عبد الملك على أصحابه وهم يذكرون سيرة عمر، فغاظه ذلك، فقال: أيها عن ذكر عمر، فإنه إزراء على الولاة، مفسدة للرعية. وكان كثيرا ما يجلس إلى أم الدرداء في مؤخر المسجد بدمشق وهو خليفة، فجلس إليها مرة من المرار، فقالت له: يا أمير المؤمنين، بلغني أنك شربت الطلاء بعد العبادة والنسك؟! قال: إي والله، يا أم الدرداء، والدماء قد شربتها، ثم أتاه غلام له قد كان بعثه في حاجةٍ، فأبطأ عليه، فقال: ما حسبك، عليك لعنة الله؟ فقالت له: لا تفعل، يا أمير المؤمنين، فإني سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يدخل الجنة لعان " قال عبد الملك بن مروان لمحمد بن عطارد التميمي: يا محمد، احفظ عني هذه الأبيات، واعمل بهن، قال: هاتها يا أمير المؤمنين، قال: من الطويل إذا أنت جاريت السفيه كما جرى ... فأنت سفيه مثله غير ذي حلم إذا أمن الجهال حلمك مرة ... فعرضك للجهال غنم من الغنم فلا تعرض عرض السفيه وداره ... بحلم فإن أعيا عليك فبالصرم وعض عليه الحلم والجهال والقه ... بمرتبةٍ بين العداوة والسلم فيرجوك تارات، ويخشاك تارة ... وتأخذ فيما بين ذلك بالحزم فإن لم تجد بدا من الجهل فاستعن ... عليه بجهال وذاك من العزم قيل لسعيد بن المسيب: إن عبد الملك بن مروان قال: قد صرت لا أفرح بالحسنة أعملها، ولا أحزن على السيئة أرتكبها، فقال سعيد: الآن تكامل موت قلبه!.

стр. 5254

كان عبد الملك فاسد الفم، فعض تفاحة، فألقاها إلى امرأة من نسائه، فأخذت سكيناً، فاجتلفت ما عاب منها، فقال: ما تصنعين؟ قالت: أمطت الأذى عنها. وصعد يوماً المنبر فخطب الناس بخطبةٍ بليغة، ثم قطعها، وبكى بكاءً شديداً، ثم قال: يا رب، إن ذنوبي عظيمة، وإن قليل عفوك أعظم منها، اللهم فامح بقليل عفوك عظيم ذنوبي. قال: فبلغ ذلك الحسن، فبكى، وقال: لو كان كلام يكتب بالذهب لكتب هذا الكلام. وكان كثيراً ما يتمثل بهذين البيتين: من الطويل ألم تر أن الفقر يهجر أهله ... وبيت الغنى يهدى له ويزار وماذا يضر المرء من كان جده ... إذا سرحت شول له وعشار عن أبي مسهر الدمشقي قال: حضر غداء عبد الملك بن مروان، فقال لآذنه: خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد؟ قال: مات يا أمير المؤمنين، قال: فأمية بن عبد الملك بن خالد بن أسيد؟ قال: مات يا أمير المؤمنين. قال: - وكان عبد الملك قد علم أنهم ماتوا، فقال: - ارفع يا غلام، ثم قال: من الكامل ذهبت لذاتي وانقضت آجالهم ... وغبرت بعدهم ولست بخالد وعن قبيصة بن ذؤيب، عن أبيه قال: كنا نسمع نداء عبد الملك بن مروان من وراء الحجرات: يا أهل النعم، لا تغالوا شيئاً منها مع العافية، وكان قد أصابه داء في فمه.

стр. 5255

قيل لعبد الملك بن مروان في مرضه: كيف تجدك، يا أمير المؤمنين؟ قال: أجدني كما قال الله تعالى: " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرةٍ، وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون " واستأذن قوم على عبد الملك بن مروان، وهو شديد المرض، فقالوا: إنه لما به، فقالوا: إنما ندخل لنسلم قياماً ثم نخرج، فدخلوا عليه وقد أسنده خصي إلى صدره، وقد اربد لونه، وجرى منخراه، وشخصت عيناه، فقال: إنكم دخلتم علي في حين إقبال آخرتي، وإدبار دنياي، وإني تذكرت أرجى عمل لي فوجدته غزوة " عزوتها في سبيل الله، وأنا خلو من هذه الأشياء، فإياكم وإيا أبوابنا هذه الخبيثة أن تطيفوا بها. ولما نزل به الموت أمر بفتح باب القصر، فإذا بقصار يضرب بثوب له على حجر، فقال: ما هذا؟ فقالوا: قصار، قال: يا ليتني كنت قصاراً. وقال: والله وددت أني عبد لرجلٍ من تهامة أرعى غنماً في جبالها، وأني لم أل من أمر الناس شيئاً ودعا بنيه فأوصاهم، ثم لم يزل بين مقالتين حتى فاضت نفسه: الحمد لله الذي لا يبالي أصغيراً أخذ من ملكه أم كبيراً، والأخرى: من الوافر فهل من خالد إما هلكنا ... وهل بالموت يا للناس عار وكان آخر ما تكلم به عد موته: اللهم إن تغفر تغفر جماً، ليتني كنت غسالاً أعيش بما أكتسب يوماً بيوم. في حديث سعيد بن المسيب أنه قال ذات يوم: اكتب يا برد أني رأيت موسى النبي ﷺ يمشي على البحر حتى صعد إلى قصرٍ، ثم أخذ برجلي شيطانٍ، فألقاه في البحر، وإني لا أعلم نبياً هلك على رجله الجبابرة ما هلك على رجل موسى. وأظن هذا قد هلك - يعني عبد الملك - فجاءه نعيه بعد أربعٍ.
следующие страницы →