Полный текст (10 576 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.
стр. 5391
١ - /عبيد الله بن أبي بكرة واسمه نفيع، ويقال: مسروح، أبو حاتم الثقفي أحد الكرام المذكورين: ولي قضاء البصرة وإمرة سجستان وقضاءها، ووفد على عبد الملك ابن مروان.
حدث عبيد الله بن أبي بكرة عن أبيه أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : من رأى أنه يشرب لبناً فهو على الفطرة، ومن رأى عليه درعاً من حديد فهو في حصن من دينه، ومن رأى أنه يبني بناء فهو يبني من عمل الخير بعمله، ومن رأى أنه غرق فهو في النار، ومن رآني فإن الشيطان لا يتشبه بي.
وحدث عن أبيه عن النبي ﷺ قال: اثنتان يجعلهما الله في الدنيا: البغي وعقوق الوالدين.
ولد عبيد الله وعبد الرحمن ابنا أبي بكرة سنة أربع عشرة.
وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: كتب أبي وكتبت له إلى عبيد الله بن أبي بكرة، وهو قاضي سجستان: أن لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان، فإن سمعت رسول الله ﷺ يقول: لايحكم أحد وهو غضبان.
стр. 5392
بعث الحجاج عبيد الله بن أبي بكرة إلى عبد الملك يسأله أن يوليه خراسان أو سجستان، فقال عبد الملك لعبيد الله: إن شئت جمعتهما لك؟ فقال: لا حاجة لي فيهما، إني لا أخون رجلاً بعثني في حاجته، فقال: ما كنت لأعزل أمية للحجاج. ثم إنه ولى الحجاج سجستان وخراسان.
قال أبو جمرة الضبعي: أتى علينا زمان ونحن لا نغسل أثر الغائط والبول، حتى كان أول من رأيت غسل عبيد الله بن أبي بكرة، كنا نقول: انظروا إلى هذا الأحمق يغسل استه.
كان عبد الملك بن مروان يكتب إلى الحجاج: لا تول عبيد الله بن أبي بكرة خراجاً فإنه أريحي.
دخل عبيد الله بن أبي بكرة على الحجاج، وفي إصبعه خاتم، فقال له: يا عبيد الله على كم ختمت بخاتمك هذا؟ قال: على ثلاثين ألف ألف، قال: ففيم أتلفتها؟ قال: في تزويج الغفائل والمكافأة بالصنائع، وأكل الحار، وشرب القار، قال: أراك صليفاً! قال: ذاك أصلحك الله، لأني لا آكل إلا على بناء، ولا أجامع إلا على شهوة، فإذا كان الليل رؤيت قدمي زنبقاً، ورأسي بنفسجاً، يصعد هذا، ويحدر هذا، فالتقيا في المعدة، فعقدا الشحم.
قال رجل لعبيد الله بن أبي بكرة: ما تقول في موت الوالد؟ قال: ملك حادث، قال: فموت الأخ؟ قال قص الجناح، قال: فموت الزوج: قال: عرس جديد، قال: فموت الولد؟ قال صدع في الفؤاد لا يجبر ثم أنشد أبو الأشهب هوذة بن خليفة بن عبد الرحمن لبعضهم:
لولا أميمة لم أجزع من العدم ... ولم أجب في الليالي حندس الظلم
стр. 5393
وزادني رغبة في العيش معرفتي ... ذل اليتيمة يجفوها ذوو الرحم
أحاذر الفقر يوماً أن يلم بها ... فيهتك الستر من لحم على وضم
تهوى حياتي وأهوى موتها شفقاً ... والموت أكرم نزال على الحرم
قال عبيد الله بن أبي بكرة: موت الأخ قاصمة الظهر.
لقي عبيد الله بن أبي بكرة سعيد بن عثمان وقد ولاه معاوية خراسان، فاستبذ هيئته فقال: ابن عثمان بن عفان ووالي خراسان!؟ ليس معك إلا ما أرى؟ ثم كتب له كتاباً إلى وكيله سليم الناصح يأمره فيه أن يدفع إليه، أحسبه قال: عشرين ألفاً وعشرين بعيراً ومن كل شيء عشرين عشرين فلما قدم حمله إليه سليم، وكان سعيد بن عثمان قد استخف بالرقعة، ثم أرسل بها بعد إلى سليم. فلما حمل إليه ما حمل قال سعيد: من الكامل
لا تحقرن صحيفة مختومة ... وانظر بما فيها فكاك الخاتم
إن الغيوب عليكم محجوبة ... إلا تظني جاهل أو عالم
نازع عبيد الله بن أبي بكرة المهلب بن أبي صفرة في ضيعتين من نهر عدي، فقال المهلب: واله لئن دخلتها لا ترجع إلى أهلك أبداً، قال: فغدا إليها ابن أبي بكرة في أربع مئة من مضر، فقال المهلب: يا أبا حاتم، ما كنت أراك تبلغ هذا كله، قال: إنك أتيت الأمر من غير وجهه، قال: فأنا آتيه من وجهه وأسألكها، قال: فهي لك.
كان عبيد الله بن أبي بكرة من الأجواد، فاشتري يوماً جارية نفيسة بمال عظيم، فطلب دابة تحمل عليها، فجاء رجل على دابة، فنزل عنها فحملها، فقال له عبيد الله: اذهب بها إلى منزلك.
وباع ابنه ثابت بن عبيد الله بن أبي بكرة دار الصفاق من مقاتل بن مسمع بستة آلاف دينار، ثم اقتضاه، فلزمه في دار أبيه، ورآه عبيد الله فقال: ما لك؟ قال حبسني ابنك بثمن دار الصفاق، فقال له: يا ثابت! ما وجدت لغرمائك محبساً إلا داري، ادفع إليه صكه وأعوضك.
стр. 5394
دخلت أعرابية على عبيد الله بن أبي بكرة بالبصرة، فوقفت بين السماطين، فقالت: أصلح الله الأمير وأمتع به، حدرتنا إليك سنة، اشتد بلاؤها، وانكشف غطاؤها، أقود صبية صغاراً، وأجري كباراً، تخفضنا خافضة، وترفعنا رافعة، لملمات من الدهر برين عظمي، وأذهبن لحمي، تركنني والهاً، أذوذ بالحضيض، قد ضاق بي البلد العريض، فسألت في أحياء العرب، من المرتجى غيثه، والمعطى سائله، والمكفي نائله، فدللت عليك أصلحك الله، وأنا امرأة من هوزان، قد مات الوالد، وغاب الوافد، وأنت بعد الله غياثي ومنتهى أملي، فافعل بي إحدى ثلاث خصال: إما أن تردني إلى بلدي، أو تحسن لي صفدي، أو تقيم لي أودي؟ فقال: بل أجمعهن لك وحباً. فلم يجري عليها كما يجري على عياله حتى مات.
وكان عبيد الله ينفق على جيرانه، فينفق على أربعين داراً عن يساره، وأربعين داراً أمامه، وأربعين داراًمن وراء داره، سائر نفقاتهم السنة كلها، ويبعث إليهم في كل عيد التحف والأضاحي والكسوة، ويزوج من أراد التزويج منهم، ويصدق عنهم مهور نسائهم، وكان في كل يعتق في كل عيد مئة عبد سوى ما يعتق في السنة كلها.
أصاب رجلاً من العتيك تشنج في أعصابه، وكان وجيهاً، فأتى ناس من قومه عبيد الله بن أبي بكرة فقالوا له: إن فلاناً صاحبنا أصابه تشنج في أعصابه، ونعت له ألبان الجواميس يستنقع فيها أياماً متتابعة، وقد أخبرنا أن لك جواميس، فأقبل على وكيله فقال: كم لنا منها يا لطف؟ قال: ثلاث مئة، قال اصرفها إليهم، فقالوا: رحمك الله، إنا نحتاج إلى بعضها عارية، إذا استغنى صاحبنا عنها ردت، قال نحن لا نغير الجواميس، وقد أهديتها لصاحبكم.
وجه محمد بن المهلب بن أبي صفرة إلى عبيد الله بن أبي بكرة أنه أصابتني علة، فوصف لي لبن البقر، فابعث إلي ببقرة أشرب من لبنها، قال: فبعث إلي بسبع مئة بقرة ورعاتها، وقال: القرية التي ترعى فيها لك.
стр. 5395
رأى عبيد الله بن أبي بكرة على أبي الأسود الدئلي جبة رثة، كان يكثر لبسها، فقال: يا أبا الأسود! أما تمل هذه الجبة؟ فقال: رب مملول لا يستطاع فراقه، فبعث إليه بمئة ثوب، فقال أبو الأسود: من الطويل
كساني ولم أستكسه فحمدته ... أخ يعطيك الجزيل وناصر
وإن أحق الناس إن كنت شاكراً ... بشكرك من أعطاك والعرض وافر
قدم يزيد بن مفرغ الحميري على عبيد الله بن أبي بكرة بسجستان فقال له: يابن مفرغ، اصدقني عن نفسك، قال أفعل، أصلح الله الأمير، قال: ماذا قلت لها حين رحلت إلي؟ قال قلت: يا نفس ترحلين إلى واحد أهل الأرض كرماً ونائلاً، فإن ألفيته كثير الزائر والغاشية فهي ثلاثون ألفاً، وإن ألفيته قد خف زواره، وكثرت جبايته، ودر خراجه، وصلحت أطرافه فهي خمسون ألفاً فوقفت الأمنية عندها، قال: فهذا كان قولك حين رحلت، فما قلت حين حللت؟ قال: أيست من الخمسين، ولم أحدث نفسي بالثلاثين، ورجوت العشرين رجاء كرجاً، غير أني طمعت، والطمع أخو الرجاء، قال: وكيف ذلك؟ قال: رأيت باب الأمير كأنه مشهد المصلى يوم العيد، ورأيت أكثر زواره أهل المروءة والثروة، وعلمت أن هؤلاء لا يقيمهم القليل، ورأيت بعد من يرد عليه أكثر ممن يصدر من عنده، ورأيته يلقاهم بوجه بسيط وعريكة لينة، ورأيته يصبر على طول الكلام وكثرة السؤال، وكل هذه الخلال تقطع ظهر المتخلف ويحظى بها السابق، فضحك عبيد الله وأمر له به.
وانصرف إلى البصرة فأتاه إخوانه والمسلمون عليه، وسألوه عن صنيع عبيد الله وبره به فقال: من الطويل
стр. 5396
يسائلني أهل العراق عن الندى ... فقلت: عبيد الله حلف المكارم
فتى حاتمي في سجستان داره ... وحسبك منه أن يكون كحاتم
سما لبناء المكرمات فنالها ... بشدة ضرغام وبذل الدراهم
كان من جود ابن أبي بكرة أن أقبل من نعمان فعطش، فلما كان بالخريبة استسقى من منزل امرأة، فأخرجت كوزاً وقدحاً، وقامت خلف الباب فقالت: تنحوا عن الباب وليل أخذه مني بعض غلمانكم، فإني امرأة من العرب، ماتت خادمتي منذ أيام، فتنحوا، وأخذ بعض الغلمان الكوز، فشرب وقال لغلامه: احمل إليها عشرة آلاف درهم، فقالت: سبحان الله! تسخر بي! قال: احملوا إليها عشرين ألفاً، قالت: أسأل الله العافية: ياأمة الله، كأنك لا ترينا أهلاً أن تقبلي منا، احمل إليها ثلاثين ألفاً، فما أمست حتى كثر خطابها.
دخل الفرزدق على عبيد الله بن أبي بكرة يعوده وعنده متطبب يذوف له ترياقاً فأنشأ الفرزدق يقول:
ياطالب الطب من داء تخونه ... إن الطبيب الذي أبلاك بالداء
هو الطبيب فمنه البرء فالتمسن ... لامن يذوف له الترياق بالماء
فقال عبيد الله: والله لا أشربه أبداً، فما أمسى حتى وجد العافية.
توفي عبيد الله بن أبي بكرة بسجستان سنة تسع وسبعين، وقيل: سن ة ثمانين. قالوا: وكان عبيد الله جاء إلى سجستان فوهن وخار وأهلك جنده، وكان سلك مضيفاً فأخذ عليه، فهلك جنده.
стр. 5397
قالوا: ومات ببست كمداً لما أصابه ونال العدو منه، ويقال: اشتكى أذنه. ومات سنة ثمانين.
عبيد الله بن يحيى بن خاقان بن عرطوج
أبو الحسن التركي وزير المتوكل، قدم مع المتوكل دمشق، وقدمها مرة أخرى منكوباً حين نفاه المستعين إلى برقة سنة ثمان وأربعين ومئتين، وعاد إلى بغداد سنة ثلاث وخمسين ومئتين بعد أن حج، واستوزره المعتمد سنة ست وخمسين ومئتين.
حدث عبيد الله عن أبيه قال: حضرت الحسن بن سهل، وجاءه رجل يستشفع يبغي حاجة فقضاها، فأقبل الرجل يشكره فقال له الحسن بن سهل: علاما تشكرنا؟ ونحن نرى أن للجاه زكاة، كما أن للمال زكاة، ثم أنشأ الحسن يقول: من الكامل
فرضت علي الزكاة ما ملكت يدي ... وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا
فإذا ملكت فجد فإن لم تستطع ... فاجهد بوسعك كله أن تنفعا
اعتل عبيد الله بن يحيى بن خاقان فأمر المتوكل الفتح أن يعوده، فأتاه فقال: إن أمير المؤمنين يسأل عن علتك؟ فقال عبيد الله: من الهزج
عليل من مكانين ... من الأسقام والدين
وفي هذين لي شغل ... وحسبي شغل هذين
فأمر المتوكل بألف ألف درهم.
стр. 5398
قال محمد بن أحمد بن الخصيب:
كانت في والدي رقدة لا أحتملها، فضويت إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان فقبلني بأحسن قبول، وحللت منه محل والده، فقال لي يوماً: اخرج إلى شيخ يقف كثيراً على الباب، ولا يترجل إذا رآني، فقل له: قد ألححت علي وأنت ثقيل على قلبي، فليس لك عندي عمل ولا عائد، فانصرف عني وإلا حبستك سنة، وقرن بي من يرتئيه من غلمانه، فخرجت فأديت إليه الرسالة فقال: والله ما أدري ممن أتعجب، أمن المرسل بهذه الرسالة أم من المرسل؟ قل له: أما تبرمك بي، واستثقالك لي، فوالله ما أتيت قصداً لك، ولا رغبة إليك في سواد ليل ولا ضوء نهار، ولكنك أجلست في طريق أرزاقنا فلا بد من الاجتياز بك، وإن كان رجاء العاقل منوطاً بالله دونك، وليس لك إعطاء ما منع الله، ولا منع ما أعطى. ثم تضاحك، وقال: وأعجب ما في رسالتك تواعدك إياي بحسبي سنة، فيا ويحك، من ملكك الزمان المستقبل حتى تتحكم في هذا التحكم؟ وتتوعد به هذا التوعد؟ ولعله يجري عليك فيه من المكروه أكثر مما نويته لي.
وكانت إشارته، وفحوى كلامه يدلان على استصغار موارد أمورنا ومصادرها، فدخلت إليه فقال لي: ما أجابك به؟ فقلت: هو مجنون، فقال: لا تغالطني فيه، هو يعقل إلا أنه حسن الكلام، فبحياتي لما قصصت لي جوابه، فقابلت جهة من الدار، وأعدت عليه جميع ما تكلم به، فقال: قد والله ابتليت به. وركب، فتلقاه بمثل ما كان تلقاه، ودخل عبيد الله إلى أمير المؤمنين، فما أطال حتى خرج إلي غلام له، كان يدخل بدخوله، فقال: الشيخ الذي كلمته اليوم وأجابك، فبعثت إليه من جاء به، فسار به مسرعاً حتى أدخله إلى أمير المؤمنين، وقام مقدار ساعة ثم خرج ومعه ثلاث توقيعات بين أصابعه، فقال لي: يشكر الله ولأمير المؤمنين. ومضى.
وانتظرت الوزير على عادتي حتى خرج، فوالله ما صبر إلى دخول داره حتى حدثني بحديثه في الطريق، قال: دخلت وقد غلب علي الغيظ من رسالة هذا الشيخ لأنه خلط فيها التأله وما بنيت عليه الدنيا من سر تقلبها، فبعض الرسالة يحركني على مساءته،
стр. 5399
وبعضها يقفني عنه، فوقفت بين يدي أمير المؤمنين، فألقى إلي كتاب عامل بريد الثغر يخبر بوفاة عامل الخراج به، وقال: من ترى أن ينقل إلى العمل؟ وكان هذا العمل في أيام المتوكل غزير الإنفاق كثير المال لما يحمله المتوكل من الأموال للغزاة ومصالح الثغر، ففكرت ساعة، فقال: ما ظننتك على هذا التخلف، ولقد توهمت أن في خاطرك الساعة مئة يصلحون لمثله، فقلت له: على الباب شيخ يصلح إن قبلته عين أمير المؤمنين، فاستحضره، فلما تأمله قال: ما أحسن ما اخترت! قد قبلته نفسي، فعلمت أن الأمر على ما ذكره لي في رسالته معك، فقال له المتوكل: كيف بك إذا ندبناك لموضع يهمنا، قال: أستفرغ جهدي، والجهد عاذر، قال: صدقت، وقع له الساعة بتقليده، وأخذ الرزق المرسوم فيه له، ففعلت، فقال: يا أمير المؤمنين! قد أخلقت حالي بعطلتي، فإن رأى أن ينهضني بمعونة. فقال: وقع له بألف دينار معونة. ففعلت، فقال له أمير المؤمنين: بادر إلى الناحية، فقال: يكتب لي بإزاحة علة من يتوجه معي في أرزاقهم؟ قال: اكتب له، فخرج بثلاث توقيعات، وما رأيت في نفسه انخفاضاً ولا تذللاً، وكأن أمير المؤمنين قضاه ديناً يجب له الخروج إليه منه.
قال أحمد بن إسرائيل: صرت يوماً إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان، فلما صرت في صحن الدار رأيته مضطجعاً على مصلاه مولياً طهره باب مجلسه فهممت بالرجوع، فقال لي الحاجب: ادخل فإنه منتبه، فلما سمع حسي جلس، فقلت: حسبتك نائماً، قال: لا، ولكني كنت مفكراً، قلت: في ماذا؟ في أمر الدنيا وصلاحها في هذا الوقت واستوائها، ودرور الأموال، وأمن السبل وعز الخلافة، فعلمت أنها أمكر وأغدر من أن يدوم صفاؤها لأحد. فدعوت له وانصرفت، فما مضت أربعون ليلة حتى قتل المتوكل ونزل به من النفي ما نزل.
تقلد عبيد الله بن يحيى بن خاقان الوزارة مرتين، ونفي في وقت النكبة إلى برقة، فاجتاز بدمشق وعيسى بن الشيخ يتقلدها، فلقيه عيسى وترجل له، وأعظمه وبره وحدثه، حتى كان عبيد الله يسير بالليل في قبة، وعيسى يسير بين يديه الليل كله على ظهر دابته، فأصبح عبيد الله ووجه إلى عيسى بن الشيخ يسأله عن خبره ومبيته، وهو
стр. 5400
لا يشك أنه أيضاً في قبة، فقيل له: إنه كان بين يديه يسير على ظهر دابته منذ أول الليل إلى الساعة، فلما تقلد عبيد الله بن يحيى الوزارة المرة الثانية، حفظ له ذلك، وقلده الديار البكرية وإرمينية.
قال محمد بن علي القنبري الهمذاني من ولد قنبر مولى علي بن أبي طالب ﵇ يمدح عبيد الله بن يحيى بن خاقان: من البسيط
إلى الوزير عبيد الله مقصدها ... أعني ابن يحيى حياة الدين والكرم
إذا رميت برحلي في ذراه فلا ... نلت المنى منه إن لم تشرقي بدم
وليس ذاك لجرم منك أعلمه ... ولا لجهل بما أسديت من نعم
لكنه فعل شماخ بناقته ... لدى عرابة إذ أدته للأطم
قال المبرد: أنشدني عاصم بن وهب البرجمي: من الطويل
نظرت إلى يحيى بن خاقان مقبلاً ... فشبهته في الملك يحيى بن خالد.
ومر عبيد الله يشبه جعفراً ... فأكرم بمولود وأكرم بوالد
جمعت بذا المعنى معان كثيرة ... ولم أفسد المعنى بطول القصائد
قيل: إن عبيد الله بن يحيى بن خاقان لعب في الميدان مع خاتم له يقال له: رشيق، فصدمه فسقط عبيد الله عن فرسه، ومات من يومه، وصلى عليه الموفق، ومشى في جنازته في ذي القعدة سنة ثلاث وستين ومئتين، وقيل توفي سنة ست وستين ومئتين.
стр. 5401
عبيدة بن عثمان
ويقال: عبيدة الثقفي الفقيه من أهل دمشق.
حدث عن يحيى بن حمزة، عن برد بن سنان أن يزيد بن الوليد أرسل إلى نافع مولى ابن عمر فسأله، فقال: سمعت عبد الله بن عمر يحدث أن رسول الله ﷺ قال: من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه ناراً.
وعبيدة بفتح العين وكسر الباء.
قال عبيدة: كان الرجل يكتفي من العبادة بالنظر إلى الأوزاعي إذا رآه مصلياً أو رآه قاعداً.
عبيدة بن أبي المهاجر
ويقال ابن المهاجر البكري والد يزيد بن عبيدة، من أهل دمشق قال عبيدة بن أبي المهاجر: سمعت معاوية بن أبي سفيان على هذا المنبر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن رجلاً كان يعمل السيئات وقتل سبعة وتسعين نفساً كلها تقتل ظلماً بغير حق، فخرج فأتى ديرانياً فقال: ياراهب، إن الآخر قتل سبعة وتسعين نفساً كلها تقتل ظلماً بغير حق، فهل له من توبة؟ قال: لا ليس لك توبة، فضربه فقتله: ثم جاء آخر فقال له: يا راهب، إن الآخر قد قتل ثمانية وتسعين نفساً، كلها تقتل ظلماً بغير حق، فهل له من توبة؟ فقال: لا، ليست له توبة، قال: فضربة فقتله: ثم أتى آخر فقال له: إن
стр. 5402
الآخر قتل تسعة وتسعين نفساً، كلها تقتل ظلماً بغير حق، فهل له من توبة؟ فقال له: لا، فضربه فقتله، ثم أتى راهباً آخر فقال له: إن الآخر لم يدع من الشر شيئاً إلا قد عمله، قد قتل مئة نفس كلها تقتل ظلماً بغير حق، فهل له من توبة؟ فقال له: والله لئن قلت لك: إن الله لا يتوب على من تاب إليه، لقد كذبت، ها هنا دير فيه قوم متعبدون، فأتهم فاعبد الله معهم، فخرج تائباً، حتى إذا كان في نصف الطريق بعث الله إليه ملكاً، فقال لهم: إلى أي الفريقين كان أقرب، فهو منها، فقاسوا ما بينهما فوجدوه أقرب إلى قرية التوابين مقيس أنملة، فغفر له.
وعبيدة بفتح العين وكسر الباء.
حدث سعيد بن عبد العزيز أن الوليد بن عبد الملك كان يؤخر الظهر والعصر، فلما ولي سليمان كتب إلى الناس عن رأي عمر بن عبد العزيز، أن الصلاة كانت قد أميتت فأحيوها، قال سعيد: فبعث والي الجند إلى عبيدة بن المهاجر فسأله عن الوقت الذي كان يصلى فيه على عهد معاوية وأصحاب رسول الله ﷺ فأخبرهم بالوقت الذي يصلى عليه اليوم بدمشق الظهر والعصر.
وفي حديث: فأراهم عبيدة بن المهاجر وقت الصلاة في خلافة معاوية في المقسلاط. قال سعيد: وهو وقتنا هذا يعني الظهر والعصر.
стр. 5403
عبيد بن أشعب الطمع
ويقال: عبيدة حجازي مدني، قدم دمشق حين وليها إبراهيم بن المهدي.
عن إبراهيم ين المهدي أن الرشيد لما ولاه دمشق بعث إليه عبيدة بن أشعب، وكان يقدم عليه من الحجاز، وأراد أن يطرفه به، فقدم عليه. قال إبراهيم: وكان يحدثني من حديث أبيه بالطرائف، وعادلته يوماً وأنا خارج من دمشق في قبة على بغل لألهو بحديثه، فأصابنا في الطريق برد شديد، فدعوت بدواج سمور لألبسه فأتيت به، فلما لبسته أقبلت على ابن أشعب، فقلت له: حدثني بشيء من طمع أبيك، فقال لي: ومالك ولأبي، عليك بي هاأنذا، دعوت بالدواج فما شككت في أنك إنما جئت به لي، فضحكت من قوله، ودعوت بغيره فلبسته وأعطيته إياه: ثم قلت له: ألأبيك ولد غيرك؟ فقال: كثير، فقلت: عشرة؟ قال: أكثر، قلت خمسون؟ قال: أكثر كثر، قلت: مئة، قال: دع المئين وخذ في الألوف، فقلت ويلك! أي شيء تقول؟! أشعب أبوك ليس بينك وبينه أب، كيف يكون له ألوف من الولد؟ فضحك، ثم قال لي: له في هذا خبر طريف، فقلت: حدثني به، فقال: كان أبي منقطعاً إلى سكينة بنت الحسين ﵉، وكانت متزوجة بزيد بن عمر بن عمرو بن عثمان، وكانت محبة له، فكان لا يستقر معها، تقول له: أريد الحج،
стр. 5404
فيخرج معها، فإذا مضوا إلى مكة قالت: أريد الرجوع إلى المدينة، فإذا عاد إلى المدينة قالت له: أريد العمرة، فهو معها في سفر لا ينقضي. قال أبي: وكانت حلفته بما لا كفارة له أن لا يتزوج عليها ولا يتسرى ولا يلم بنسائه وجواريه إلا بإذنها، وحج الخليفة في سنة من السنين فقال لها: قد حج أمير المؤمنين ولا بد لي من لقائه، قالت: فاحلف لي أنك لا تدخل الطائف، ولا تلم بجواريك على وجه ولا سبب. فحلف لها بما رضيت به من الأيمان على ذلك، ثم قالت: احلف بالطلاق، فقال: لا أفعل، ولكن ابعثي معي بثقتك، قال: فدعتني وأعطتني ثلاثين ديناراً وقالت: اخرج معه وحلفتني بطلاق بنت وردان زوجتي ألا أطلق له الخروج إلى الطائف بوجه ولا سبب فحلفت لها بما أثلج صدرها، وأذنت له فخرج وخرجت معه، فلما حاذينا الطائف قال لي شعيب! تعال، أنت تعرفني وتعرف صنائعي عندك، وهذه ثلاث مئة دينار خذها وأذن لي ألم بجواري، فلما سمعتها ذهب عقلي، ثم قلت: يا سيدي هي سكينة فالله الله في، فقال: أوتعلم سكينة الغيب؟ فلم يزل بي حتى أخذتها، وأذنت له فمضى فبات عند جواريه، فلما أصبحنا رأيت أبيات قوم من العرب قريبة منا، فلبست حلة وشي كانت لزيد، قيمتها ألف دينار، وركبت فرسه وجئت إلى النساء فسلمت، فرددن وأجللني للهيئة والزي الذي لا يلبس مثله إلا أولاد الخلفاء، ونسبنني فانتسبت نسب زيد فحادثنني وأنسن بي، وأقبل رجال الحي، فكما جاء منهم رجل سأل عني فخبر بنسبي، فجاءني فسلم علي وعطمني وانصرف إلى أن أقبل شيخ كبير منكر، فلما خبر بي وبنسبي شال حاجته عن عينه، ثم نظر إلي وقال: وأبي ما هذه خلقة قرشي ولا شمائله، ولا هو إلا عبد، ثم بادر إلى بيته، وعلمت أنه يريد شراً، فركبت الفرس ثم مضيت، ولحقني فرماني بسهم فما أخطأ قربوس السرج، وما شككت في أنه يلحقني بآخر يقتلني، فسلحت في ثيابي، ولوثتها، ونفذ إلى الحلة فصيرتها شهرة، وأتيت رحل زيد بن عمر، فجلست أغسل الحلة وأجففها، وأقبل زيد بن عمر فرأى ما لحق الحلة والسرج فقال لي: ما القصة ويلك؟ فقلت له: يا سيدي! الصدق أنجى، وحدثته الحديث فاغتاظ، ثم قال: لم يكفك أن تلبس حلتي
стр. 5405
وتصنع بها ما صنعت؟ وتركب فرسي وتجلس إلى النساء حتى انتسبت بنسبي؟ وفضحتني وجعلتني عند العرب ولاجاً جماشاً؟ وجرى عليك ذل نسب إلي؟ أنا نفي من أبي ومنسوب إلى أبيك إن لم أسؤك وأبالغ في ذلك.
ثم لقي الخليفة وعاد ودخلنا إلى سكينة، فسألته عن خبره كله، فخبرها حتى انتهت إلى جواريه فقالت: إيه، وما كان خبرك في طريقك، هل مضيت إلى جواريك بالطائف؟ فقال لها: لا أدري، سلي ثقتك، فدعتني وسألتني؟ وبدأت فحلفت لها بكل يمين محرجة أنه ما مر بالطائف ولا دخلها ولا فارقني، فقال لها: اليمين التي حلف بها لازمة لي إن لم أكن دخلت الطائف، وبت عند جواري وغسلتهن جميعاً، وأخذ مني ثلاث مئة دينار، وفعل كذا وكذا، وحدثها الحديث، وأراها الحلة والسرج، فقالت لي: فعلتها يا شعيب؟ أنا نفية من أبي إن أنفقتها إلا فيما يسوؤك، ثم أمرت بكبس منزلي وإحضارها الدنانير فأحضرت، فاشترت بها خشباً وبيضاً وسرجينا، وعملت من الخشب بيتاً فحبستني فيه، وحلفت أن لا أخرج منه ولا أفارقه حتى أحضن البيض كله إلى أن ينقف، فمكثت أربعين يوماً أحضن لها البيض حتى أنقف كله، وخرج منه فراريج كثير، فربيتهن وتناسلن، فكن بالمدينة يسمين بنات أشعب، ونسل أشعب، فهو إلى الآن بالمدينة نسل يزيد على الألوف وما بين الألوف كلهن أهلي وقرابتي.
قال إبراهيم: فضحكت من قوله ضحكاً ما أذكر أني ضحكت مثله قط، ووصلته، ولم يزل عندي زماناً، ثم خرج إلى المدينة ومات هناك.
بعثت سكينة إلى أبي الزناد فجاءها تستفتيه في شيء، فاطلع أشعب عليه من بيت، وجعل يقوقي مثلما الدجاجة، فسبح أبو الزناد وقال: ما هذا؟! فضحكت وقالت: إن هذا الخبيث أفسد علينا بعض أمرنا فحلفت أن يحضن بيضاً في هذا البيت ولا يفارقه حتى ينقف، فجعل أبو الزناد يعجب.
стр. 5406
قال أشعب لابنه عبيدة: إني أراني سأخرجك من منزلي وانتفي منك، قال: لم؟ قال: لأني أكسب خلق الله لرغيف، وأنت ابني قد بلغت هذا السن، وأنت في عيالي ما تكسب شيئاً، قال: بلى، إني لأكسب، ولكن مثل الموزة لا تحمل حتى تموت أمها.
عبيد بن أحمد بن عبيد بن سعيد
أبو محمد الرعيني الحمصي الصفار قدم دمشق.
حدث عن سليمان بن عبد الحميد بسنده إلى علي قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل ﵇: من يهاجر معي؟ قال: أبو بكر، وهو يلي أمتك من بعدك، وهو أفضلها وأرأفها. قال: غريب جداً، ولم يكتب إلا من هذا الوجه.
عبيد ويقال عبيد الله بن أوس
ابن أوس الغساني كاتب معاوية وحاجبه، ويزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم.
قال عبيد: كتبت بين يدي معاوية كتاباً فقال لي: يا عبيد: ارقش كتابك، فإني كتبت بين يدي رسول الله ﷺ كتاباً رقشته. قال: قلت: ما رقشته يا أمير المؤمنين؟ قال: أعط كل حرف ما ينوبه من النقط.
стр. 5407
عبيد بن حبان الجبيلي
من أهل جبيل من سواحل دمشق.
روى عن مالك بن أنس بسنده إلى ميمونة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ سئل عن فأرة وقعت في سمن فماتت؟ فقال: خذوها وما حولها من السمن فألقوه.
قال عبيد: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، الناقة تذبح وفي بطنها جنين، فيرتكض فيشق بطنها فيستخرج جنينها، أيوكل؟ قال: نعم، قال: قلت: إن الأوزاعي قال: لا يؤكل، قال: أصاب الأوزاعي.
وعن عبيد قال: أتيت مجلس مالك بن أنس ﵀ بالمدينة فلم أجده، فألقيت أصحابه قعوداً، فقلت لهم: ما تقولون في الرجل يذبح الشاة فيركض جنينها في بطنها فيبادر فيشق بطنها، ما تقولون فيه؟ وقد فرى الأوداج؟ قلت: نعم، قالوا: فما بأس بذلك، قلت لهم: لكن أبا عمرو يعني الأوزاعي قال: حرمت وحل جنينها فاستهزؤوا بي وتضاحكوا، فنحن على ذلك إذ أقبل مالك، فتوسد مجلسه، فابتدرته فقلت له: ما تقول رحمك الله في الرجل يذبح الشاة فيركض جنينها في بطنها فيبادر فيشقه، ما تقول في ذلك؟ قال: وقد فرى الأوداج؟ قلت: نعم، قال: لا بأس بذلك، قال: قلت: لكن أبا عمرو الأوزاعي قال: حرمت وحل جنينها، قال لي: كلفوا الشيخ فتكلف، ثم أخلد إلى الأرض طويلاً، ثم رفع رأسه فقال: صدق أبو عمرو، حرمت وحل جنينها.
стр. 5408
عبيد بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله عبيد
ابن عويج بن عدي بن كعب بن لؤي أبو جهم العدوي القرشي: ويقال: اسمه عامر
وهو من مسلمة الفتح، واستعمله سيدنا رسول الله ﷺ على بعض الصدقات، وشهد اليرموك، وأشخص في تحكم الحكمين بدومة الجندل من الشام، وقدم على معاوية في خلافته غير مرة، ولا تعرف له رواية عن سيدنا رسول الله، بل قد جاء ذكره في غير حديث.
عن يزيد بن عياض بن جعدبة قال: استعمل النبي ﷺ على النفل يوم حنين أبا جهم بن حذيفة العدوي، فجاء خالد بن البرصاء الليثي، فتناول زماماً من شعر، فمنعه أبو جهم فقال: إن نصيبي فيه أكثر، فتمانعا، فعلاه أبو جهم بقوس فشجه منقلة، فأتى النبي ﷺ فاستعداه عليه فقال: خذ خمسين شاة ودعه. فقال: يا رسول الله، أقدني منه. قال: لك مئة شاة ودعه. قال: أقدني منه. قال: لك خمسون ومئة شاة لا أزيدك عليها، ولا أقصدك من وال عليك. قال: فقدمت خمسون ومئة شاة خمس عشرة فريضة، وهي عقلها اليوم.
وفي حديث آخر بمعناه أن رسول الله ﷺ بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقاً، فلاحه رجل في صدقته، فضربه أبو جهم فشجه الحديث.
أسلم أبو جهم يوم فتح مكة، وقدم المدينة بعد ذلك، فابتنى بها داراً، وكان شديد العارضة، فكان عمر بن الخطاب قد أشرف عليه وأخافه، حتى كف من غرب لسانه عن
стр. 5409
الناس، فلما مات عمر سر بموته، قال: وجعل يومئذ يخنبش في بيته، ومات بالمدينة في خلافة معاوية، ويقال: بقي أبو جهم إلى فتنة ابن الزبير، وفيها مات.
الخنبشة: أن يقفز على رجليه كما يفعل الجواري.
وأم عبيد بشيرة بنت عبد الله بن أذاة بن رياح، وقيل يسيرة، وهو صاحب الأنبجانية.
عن عائشة قالت: صلى رسول الله ﷺ في خميصة لها أعلام، فقال: شغلتني أعلام هذه، اذهبوا بها إلى أبي جهم، وأتوني بأنبجانية.
حدث سعيد بن عبد الكبير بن الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن أبيه عن جده قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ أتي بخميصتين سوداوين، فلبس إحداهما، وبعث بالأخرى إلى أبي جهم، وكانت خميصة رسول الله ﷺ لها علم، فكان إذا قام إلى الصلاة نظر إلى علمها فكرها لذلك، فبعث بها إلى أبي جهم بعد ما لبسها، وأرسل إلى خميصة أبي جهم، فلبسها بعد ما لبسها أبو جهم لبسات.
وعن فاطمة بنت قيس قال: كتبت ذاك من فيها كتاباً قالت: كنت عند رجل من بني مخزوم فطلقني البتة، فأرسلت إلى أهله أبتغي النفقة فقالوا: ليس لك علينا نفقة. فقال رسول الله ﷺ : ليست لك عليهم نفقة، وعليك العدة، انتقلي إلى أم شريك ولا تفوتيني بنفسك، ثم قال: إن أم شريك يدخل عليها إخوتها من
стр. 5410
المهاجرين الأولين، انتقلي إلى ابن أم مكتوم، فإنه رجل قد ذهب بصره، فإن وضعت من ثيابك شيئاً لم ير شيئاً. قالت: فلما حللت خطبني معاوية وأبو جهم بن حذيفة، فقال: رسول الله ﷺ : أما معاوية فعائل لا شيء له، وأما أبو جهم فإنه رجل لا يضع عصاه عن عاتقه، أين أنتم عن أسامة! فكان أهلها كرهوا ذلك، فقالت: لا أنكح إلا الذي دعاني إليه رسول الله ﷺ ، فنكحته.
قال أبو الجهم بن حذيفة: لقد تركت الخمر في الجاهلية، وما تركتها إلا خشية الفساد على عقلي ومالي.
قال أبو جهم بن حذيفة: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عمي ومعي شنة ماء وإناء، فقلت: إن كان به رمق سقيته من الماء، ومسحت به وجهه، قال: فإذا أنا به ينشع، فقلت له: أسقيك؟ فأشار أن نعم، فإذا رجل يقول: آه، فأشار ابن عمي أن انطلق به إليه، فإذا هو هشام بن العاص أخو عمرو بن العاص، فأتيته فقلت: أسقيك؟ فسمع آخر يقول: آه، فأشار هشام أن انطلق به إليه، فجئته فإذا هو قد مات، ثم رجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، ثم أتيت ابن عمي فإذا هو قد مات.
قال عروة: لما أصيب عثمان أرادوا الصلاة عليه فمنعوا من ذلك، فقال أبو جهم بن حذيفة القرشي: دعوه فقد صلى الله عليه ورسوله ﷺ .
وعن ابن شهاب في حديث يطول
أن عمرو بن العاص وأبا موسى الأشعري عبد الله بن قيس حيث حكمهما علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان اختلفا في حكمهما، لا يدعوه عمرو بن العاص إلى أمر إلا خالفه، فلما رأى ذلك عمرو قال له: هل أنت مطيعي فإن هذا الأمر لا يصلح لنا أن ننفرد
стр. 5411
به حتى نحضره رهطاً من قريش نستعين بهم ونستشيرهم في أمرنا، فإنهم هم أعلم بقومهم. فقال له: نعم ما رأيت، فابعث إلى من شئت منهم، فبعث إلى خمسة رهط من قريش، منهم عبد الله بن عمر، وأبو جهم بن حذيفة، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن الحارث، وجبير بن مطعم، فكتبا إليهم أن أقبلوا حين تنظرون إلى كتابنا هذا، فإنه لا يحبسنا أن نحكم بين الناس غيركم، فانطلقوا يسيرون حتى أتوهم بدومة فوجدوهما حالين بباب المدينة، فلما وقفوا عليها قام عمرو بن العاص فقال: ابرز معي يا أبا جهم أخبرك بعض الخبر، فلما برز به ناداهما أبو موسى: ما هذه النجوى دوني يا أبا جهم، فقال: أيها المرابص بصرك فإنما نحن في بعض أمرنا، فقال له عمرو بن العاص: أبشر يا أبا جهم! فوالذي نفسي بيده لأعتقن رقبتك من ملك بني أمية، قال أبو جهم: لام ما أنت إن فعلت يا عمرو. ثم انصرفا، فكان من اختلافهما ما كان.
قال أبو بكر بن الأنباري: أنشدني أبي لعبد المسيح بن دارس، وكان وفد على بعض ملك غسان فأكرمه وأحسن جائزته، فقال فيه: من الوافر
نقلبه لنخبر حالتيه ... فنخبر منهما كرماً ولينا
نميل على جوانبه كأنا ... نميل إذا نميل على أخينا
وفي رواية: على أبينا. قال ابن الكلبي: ثم وفد أبو الجهم العدوي على معاوية بن أبي سفيان، وكان من شيوخ قريش وأكابرهم، فأمر له بمئة ألف درهم، فأراد بعد ذلك أن يسأله حاجة، فقال له ابنه: يا أبه
стр. 5412
لا تكثر على أمير المؤمنين فتمله، قال: يا بني إن أمير المؤمنين كما قال الشاعر وذكر هذين البيتين، فأمر له معاوية بمئة ألف أخرى.
قال عيسى بن عمر: وفد أبو الجهم بن حذيفة على معاوية بن أبي سفيان فقال له: يا أبا الجهم إن لك حقاً وقرابة وشرفاً، وإن مع حقك لحقوقاً، وإن مع قرابتك لقرابة، وإنه ليلزمنا مؤن عظيمة، ولكن هذه مئة ألف درهم، فخذها واعذر. قال أبو الجهم: فقبضها على مضض، وقلت في نفسي: ما عسى أن أقول له، رجل ناء عن بلاد قومه، وقد تخلق بأخلاق أهل الشام الجفاة الأغفال، فأخذتها على أنه قد قصر بي، فلما استخلف يزيد، صرت إليه وافداً، فأقمت أياماً، ثم قال: إني بحقك عارف وقرابتك وشرفك، وإن مع حقك علينا لحقوقاً ومؤناً لا نستطيع دفعها، وأنت أولى من عذر ابن أخيه، هذه خمسون ألف درهم فاقبضها واعذر. فقلت في نفسي: غلام حدث نشأ مع غير قومه، وسكن غير بلده، وهو مع هذا فابن كليبة، فأي خير يرجى منه؟ فأخذها على أنه قد قصر بي، فلما استخلف عبد الله بن الزبير قلت: هذا بقية قريش البطاح، فوفدت عليه فأقمت أياماً، ثم قال لي: يا أبا الجهم، مهما جهلت فلم أجهل حقك وقرابتك وشرفك، غير أن مؤناً علينا وغرماً وحمالات وأموراً يطول شرحها، ومع ذلك فغير مخيب لسفرك، هذه ألف درهم فاستعن بها على أمورك. قال أبو الجهم: فقبضها فرحاناً بها، ثم مثلت بين يديه فقلت: يا أمير المؤمنين مد الله لقريش في بقائك، ودافع لنا عن حوبائك، ولا امتحننا بفقدك، فوالله لا زالت قريش بخير ما مد الله لها في عمرك. فقال ابن الزبير: جزاك الله عن الرحم خيراً، فما قلت هذا لمعاوية وقد أعطاك مئة ألف، ولا قلته ليزيد وقد أعطاك خمسين ألفاً، وقد قلت لنا وإنما أعطيناك ألف درهم! فقال: نعم يا أمير المؤمنين، من أجل ذلك قلت
стр. 5413
ذلك، وخفت إن أنت هلكت أن لا يلي أمر المسلمين بعدك إلا الخنازير، فأحببت أن يبقيك الله لقريش، فإنك على كل حال خير لها من غيرك.
قيل: إن أبا جهم مات في آخر خلافة معاوية.
عبيد بن حصين بن جندل بن قطن
ويقال ابن حصين بن معاوية بن جندل بن قطن أبو جندل النميري المعروف بالراعي لقب بالراعي لكثرة وصفه الإبل، وحسن نعته، قالوا: ما هذا إلا راعي الإبل، فلزمته.
شاعر محسن مشهور، وقد وفد عبد الملك.
وفد الراعي إلى عبد الملك يشكو بعض عماله. وهو الذي قال لعبد الملك: من الكامل
إني جلفت على يمين برة ... لا أكذب اليوم الخليفة قيلا
ما إن أتيت أبا خبيب وافداً ... يوماً أريد لبيعتي تبديلا
ولما أتيت نجيدة بن عويمر ... أبغي الهدى فيزيدني تضليلا
أزمان قومي والجماعة كالذي ... لزم الرحالة أن تميل مميلا
أخذوا العريف فشققوا حيزومه ... بالأصبحية قائماً مغلولا
كهداهد كسر الرماة جناحه ... يدعو بفارعة الشريف هديلا
стр. 5414
فادفع مظالم عيلت أبناءنا ... عنا وأنقذ شلونا المأكولا
ولئن بقيت لأدعون بطعنة ... تدع الفرائض بالشريف فليلا
فقال له عبد الملك: وأين من الله والسلطان لا أم لك؟ قال: يا أمير المؤمنين! من عامل إلى عامل، ومصدق إلى مصدق. فلم يحظ ولم يحل منهم بشيء، فوفد إليه من قابل فقال: من البسيط
أما الفقير الذي كانت حلوبته ... قوت العيال فلم يترك له سبد
واختل ذو المال والمثرون قد بقيت ... على التأثل من أموالهم عقد
فإن رفعت بهم رأساً نغشتهم ... وإن لقوا مثلها في عامهم فسدوا
فقال عبد الملك: أنت العالم أعقل منك عام أول.
وفد الراعي وفادة على عبد الملك بن مروان فقال عبد الملك لأهله: أنكحوا إلى هذا الشيخ فإني فأراه منجباً.
قدم الراعي على خالد بن عبد الله بن أسيد ومعه ابنه جندل، فكان ينشد خالداً، وربما أنشده وابنه جندل، إلى أن قدم عليه مرة فقال له خالد: ما فعل ابنك؟ قال: هلك أصلح الله الأمير، بعد أن زوجته وأصدقت عنه، فأمر له خالد بدية ابنه، فأنشأ الراعي يقول: من الطويل
وديت ابن راعي الإبل إذ حان يومه ... وشق له قبراً بأرضك لاحد
وقد كان مات الجود حتى نعشته ... وأذكيت نار الجود خامد
стр. 5415
فلا حملت أنثى ولا آب غائب ... ولا عاش ذو سقم إذا مات خالد
فقال له خالد: لم أقتله، فأده لك، وإنما مر به ما سيمر بي وبك.
قال أبو دفاقة بن سعيد بن سلم الباهلي: قرأنا على الأصمعي شعر الراعي، فمر في قصيدته: من الكامل
ما بال دفك بالفراش مذيلا
وكأن مربضها إذا باشرتها ... كانت محبسة الدخول ذلولا
فقلنا له: ما معنى باشرتها؟ قال: ركبها من المباشرة، فحكينا ذلك لأبي عبيدة فقال: صحف الأصمعي، إنما هو ياسرتها، وهذا كقول الآخر:
إذا يوسرت كانت ذلولاً أدبية ... وتحسبها إن عوسرت لم تؤدب
قال المصنف: والأمر في ذلك كما قال أبو عبيدة، واستشهاده فيه صحيح.
وهجا الراعي ابن الرقاع العاملي فأوجع: من البسيط
لو كنت من أحد يهجى هجوكم ... يابن الرقاع ولكن لست من أحد
تأبى قضاعة أن تعرف لكم نسباً ... وابنا نزار فأنتم بيضة البلد
стр. 5416
قال أبو الغراف: الذي هاج بين جرير والراعي، أن الراعي كان يسأل عن جرير والفرزدق؟ فيقول: أكرمهما وأشعرهما، فلقيه جرير فاستعذره من نفسه، وطلب إليه أن لا يدخل بينهما وقال: أنا كنت أولى بعونك، لأني أمدحكم، ولأنه يهجوكم، قال: أجل ولست لمساءتك بعائد، ثم بلغ جريراً أنه عاد في تفضيل الفرزدق عليه، ولقيه بالبصرة، وجرير على بغلة فقال: استعذرك فزعمت أنك غير داخل بيني وبين ابن عمي قال: والراعي يعتذر إليه إذ أقبل ابنه جندل، وكان فيه خطل وعجب، فقال لأبيه: ألا أراك تعتذر إلى ابن الأتان! نعم، والله لنفضلن عليك ولنروين هجاءك، ولنهجونك من تلقاه أنفسنا. وضرب وجه بغلته، وقال: من الوافر
ألم تر أن كلب بني كليب ... أراد حياض دجلة ثم هابا
فانصرف جرير مغضباً محفظاً، فقال الراعي لابنه، أما والله ليهجوني وإياك، فليته لا يجاوزنا ولكن سيذكر سوأتك. وعلم الراعي أن قد أساء فندم. فتزعم بنو تميم أنه حلف أن لا يجيبه سنة غضباً على ابنه، وأنه مات في السنة، ويقول غيرهم: إنه كمد لما سمعها فمات.
وكان جرير يوم جرى هذا بينهما بالبصرة نازلاً على امرأة له من بني كليب، فبات في علية لها، وهي في أسفل دارها، قالت المرأة: فبات ليلته لا ينام، يتردد في البيت حتى ظننت أنه قد عرض له جني فتح له فقال: من الوافر
أقلي اللوم عاذل والعتابا ... وقولي إن أصبت لقد أصابا
стр. 5417
حتى قال:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا
ثم أصبح في المربد فقال: يا بني تميم: قيدوا قيدوا أي اكتبوا فلم يجبه الراعي، ولم يهجه جرير بغير ما قال بعض رواة قيس: كان الراعي فحل مضر، فضغمه الليث يعني جريراً.
قال الأصمعي: كان جرير نازلاً على رجل يقال له حسين، فقال له: يا حسين إني أريد هجاء الراعي، فإذا كان الليلة فضع عندك لوحاً وكاتباً وقلماً، وأجد سراجك. ففعل، فلما مر بهذا البيت:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا
قال: يا حسين أطفئ سراجك، فإني قد فرغت من هجائه.
قال أبو كندة النميري: قال الراعي لبناته وبنات أخيه: اذهبن إلى ابن المراغة حتى يراكن، فأتينه، فقلن: يا أبا حزرة أنشدنا ما قلت في بنات نمير، قال: فمن أنتن؟ قلن: عقيليات، فأنشدهن حتى انتهى إلى قوله: وسوداء المحاجر من نمير فكشفن عن وجوههن وقلن: يا أبا حزرة! هل ترى من سواد؟ هل ترى من عيب؟ قال: وإنكن نميريات؟ قلن: نعم، قال: إن عمكن لكذوب.
стр. 5418
عبيد بن زياد الأوزاعي
حدث عن جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت قال: رسول الله ﷺ : اللهم أحيني مسكيناً، وتوفني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين. وحدث عن سالم عن سديسة عن حفصة قالت: قال رسول الله ﷺ : ما لقي الشيطان عمر إلا خر لوجهه.
عبيد بن سريج أبو يحيى
مولى بني نوفل بن عبد مناف ثم لعبد الرحمن بن أبي حسين بن الحارث ابن نوفل ويقال: مولى بني الحارث بن عبد المطلب وقيل مولى غيرهم. المكي المشهور بالإحسان في صنعة الغناء وكان من رواة الأخبار والأشعار، واستوفده الوليد بن عبد الملك كما روى إبراهيم الموصلي أن الوليد بن عبد الملك كتب إلى عامل مكة أن أشخص إلي ابن سريج، فأشخصه، فلما قدم مكث أياماً لا يدعو به ولا يلتفت إليه، ثم إنه ذكره وطرب له، فطلبه، فتهيأ وتلبس، ودخل على الوليد فسلم، فأجلسه فجلس بعيداً، فاستدناه فدنا حتى كان قريباً منه فقال: قد بلغني عنك ما حملني على الوفادة بك من كثرة أدبك، وجودة اختيارك، مع ظرف لسانك وحلاوة منطقك، قال: جعلت فداك يا أمير المؤمنين تسمع بالمعيدي لا أن تراه قال الوليد: إني لأرجو أن لا تكون أنت ذاك، هات ما عندك، فاندفع ابن سريج يغني بشعر الأحوص: من الطويل
أمنزلتي سلمى على القدم اسلما ... وقد هجتما للشوق قلباً متيما
стр. 5419
وذكرتما عصر الشباب الذي مضى ... وجدة وصل حبله قد تجذما
إمام أتاه الملك عفواً ولم يثب ... على ملكه مالاً حراماً ولا دما
تخيره رب العباد لخلقه ... ولياً وكان الله بالناس أعلما
فلما ارتضاه الله لم يدع مسلماً ... لبيعته إلا أجاب وسلما
ينال الغنى والعز من نال وده ... ويرهب موتاً عاجلاً من تسنما
فقال الوليد: أحسنت وأحسن الأحوص. ثم قال: هيه، فغنى بشعر عدي بن الرقاع يمدح الوليد: من البسيط
صلى الذي الصلوات الطيبات له ... والمؤمنون إذا ما جمعوا الجمعا
على الذي سبق الأقوام ضاحية ... بالأجر والحمد حتى صاحباه معا
هو الذي جمع الرحمن أمته ... على يديه، وكانوا قبله شيعا
عذنا بذي العرش أن نحيا ونفقده ... وأن نكون لراع بعده تبعا
إن الوليد أمير المؤمنين له ... ملك عليه أعان الله فارتفعا
لا يمنع الناس ما أعطى الذين هم ... له عبيد ولا يعطون من منعا
فقال الوليد: صدقت ياعبيد أنى لك هذا؟ قال: هو من عند الله، قال الوليد: لو غير هذا قلت لأحسنت أدبك، قال ابن سريج: " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " قال الوليد: " يزيد في الخلق ما يشاء " قال ابن سريج: " هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر " قال الوليد: علمك أكبر وأعجب إلي من غنائك، غنني، فغناه، بشعر عدي بن الرقاع يمدح الوليد:
стр. 5420
عرف الديار توهماً فاعتادها ... من بعد ما شمل البلى أبلادها
صلى الإله على امرئ ودعته ... وأتم نعمته عليه وزادها
وإذا الربيع تتابعت أنواؤه ... فسقى خناصرة الأحص فجادها
نزل الوليد بها فكان لأهلها ... غيثاً أغاث أنيسها وبلادها
أولا ترى أن البرية كلها ... ألقت خزائمها إليه فقادها
ولقد أراد الله إذ ولاكها ... من أمة إصلاحها ورشادها
وعمرت أرض المسلمين فأقبلت ... وكففت عنها من أراد فسادها
وأصبحت في أرض العدو مصيبة ... عمت أقاصي غورها ونجادها
ظفراً ونصراً ما يناوئ مثله ... أحد من الخلفاء كان أرادها
وإذا نشرت له الثناء وجدته ... جمع المكارم طرفها وتلادها
فإشار الوليد إلى بعض الخدم فغطوه بالخلع، ووضعوا بين يديه كيسة الدنانير وبدر الدراهم، ثم قال الوليد: يا مولى بني نوفل بن الحارث، لقد أوتيت أمراً جليلاً، فقال ابن سريج: وأنت يا أمير المؤمنين قد آتاك اله ملكاً عظيماً وشرفاً عالياً، وعزاً بسط يدك فيه. ولم يقبضه عنك، ولا يفعل إن شاء الله، فأدام الله لك ما ولاك، وحفظك فيما استرعاك. قال: يا نوفلي، وخطيب أيضاً!؟ قال: عنك نطقت، وبلسانك تكلمت، وبعزك أنست.
وقد كان أمر بإحضار الأحوص بن محمد الأنصاري وعدي بن الرفاع العاملي، فلما قدما عليه أمر بإنزالهما جنب ابن سريج، فقالا: لقرب أمير المؤمنين كان أحب إلينا من
стр. 5421
قربك يا مولى بني نوفل، فإن قربك لما يلذ لنا ويشغلنا عن كثير مما نريد، فقال ابن سريج: أو قلة أو شكر؟؟؟، فقال عدي: كأنك يابن اللخناء تمن علينا، علي وعلي إن جمعنا وإياك سقف بيت أو صحن دار إلا عند أمير المؤمنين. وأما الأحوص فقال: أو لا تحتمل لأبي يحيى الزلة والهفوة؟؟؟، كفارة يمين خير من عدم المحبة، وإعطاء النفس سؤلها خير من لجاج في غير منفعة، فتحول عدي، وبقي الأحوص، وبلغ الوليد ما جرى بينهم، فدعا بابن سريج فأدخله بيتاً، وأرخى دونه ستراً، ثم أمره إذا فرغ الأحوص وعدي من كلمتيهما أن يغني، فلما دخلا وأنشده مدائح له، رفع ابن سريج صوته من حيث لا يرونه، وضرب بعوده. فقال عدي: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في أن أتكلم؟ قال: قل يا عاملي، قال: مثل هذا عند أمير المؤمنين؟ وتبعث إلى ابن سريج تتخطى به رقاب قريش والعرب من تهامة إلى الشام، ترفعه أرض وتخفضه أخرى؟، فيقال من هذا؟ فيقال: ابن سريج مولى بني نوفل، بعث إليه أمير المؤمنين ليسمع غناءه،. قال: ويحك يا عدي أولا تعرف هذا الصوت؟ قال: لا والله، ما سمعته قط، ولا سمعت مثله حسناً، ولولا أنه في مجلس أمير المؤمنين لقلت طائفة من الجن يتغنون. فقال: اخرج عليهم، فخرج فإذا ابن سريج، فقال عدي: حق لهذا أن يحمل، حق لهذا أن يحمل ثلاثاً، ثم أمر لهما بمثل ما أمر به لابن سريج، وارتحل القوم.
قال ابن سريج: إذا غنيت لحني في شعر عمر بن أبي ربيعة: من مشطور الرجز
إن خان من تهوى فلا تخنه
وكن وفياً إن سلوت عنه
واسلك سبيل وصله وصنه
إن كان غدراً فلا تكنه
توهمت أني الخليفة في الغناء وأن المغنين رعيتي.
دخل مقمة على ابن سريج في مرضه فقال له: كيف أصبحت؟ فقال: كما قال الشاعر: من الوافر:
стр. 5422
مريض غاب عنه أقربوه ... وأسلمه المداوي والحميم
ثم مات من ليلته.
قال أبو أيوب المديني: توفي ابن سريج بالعلة التي أصابته من الجذام بمكة في خلافة سليمان بن عبد الملك، أو في آخر خلافة الوليد.
عبيد بن سرية
ويقال: ابن سارية، ويقال: ابن شرية الجرهمي.
وفد على معاوية، وقيل: إنه لم يفد عليه، وإنه لقيه بالحيرة حين توجه معاوية إلى العراق.
قال هشام بن محمد الكلبي: عاش
عبيد بن سرية الجرهمي ثلاث مئة سنة، وأدرك الإسلام فأسلم، ودخل على معاوية بالشام، فقال له معاوية: كيف رأيت الدنيا؟ قال: يوم كيوم، وليلة كليلة، سنيات بلاء وسنيات رخاء، وميت ومولود، ومولود مهنأ، ومولود معزى بمفقود، ولولا كثرة من يولد، ما بقي على الأرض أحد، ولولا من يموت ما وسع الناس بلد، فقال له معاوية: إن لك لعلماً، فما أحسن الأشياء في عينك؟ قال: عين خرارة في أرض خوارة، فال: ثم ماذا؟ قال: ثم فرس في بطنها فرس تتبعها فرس، قال: فأين أنت عن النعم؟ قال: ليس النعم مال مثلك، إنما النعم مال من حضرة وأشرف عليه، قال: فما تقول في الذهب والفضة؟ قال: حجران إن حبستهما لم يزيدا، وإن أنفقتهما تلفا، قال: إنا حابسوك عندنا، ومجرون عليك جراية، قال: لا حاجة لي في هذا، لأن أبي وأمي هلكا في مثل هذه السنة، ونفسي تحدثني أني هالك فيها، فمالي حاجة في المقام عندك، فقال معاوية: فسلني حاجتك؟ قال: أما الآخرة فإنها بيد غيرك، وأما الدنيا فما
стр. 5423
تقدر ترد شبابي علي فما أسألك؟ قال له معاوية: فأخبرني بما يكون بعدي؟ ثم انصرف ورجع، فقال: سألتني عن شيء لم أكن أعلمه ثم علمته، مررت بغلمان يستبقون يقول بعضهم لبعض: الآخر أشر. فقال معاوية: هل رأيت حرباً؟ قال: رأيت أمية يقوده غلام له يقال له: ذكوان، فقال له: لا تقل ذاك، فإنهم سادة الحي، فقال قل أنت ما شئت.
وقيل إنه عاش مئتين وعشرين سنة. وإن معاوية قال له: كم أتى عليك؟ قال مئتان وعشرون سنة قال: ومن أين علمت ذلك؟ قال من كتاب الله تعالى. قال: ومن أي كتاب الله تعالى؟ قال: من قول الله تعالى: " وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب " فقال له معاوية: وما أدركت؟ قال: أدركت يوماً في إثر يوم، وليلة في إثر ليلة متشابهاً كتشابه الحذف يحدوان بقوم في ديار قوم يكدحون ما يبيد عنهم، ولا يعتبرون بما مضى منهم، حيهم يتلف، ومولودهم يخلف، في دهر يصرف، أيامه تقلب بأهلها كتقلبها دهرها، بينا أخوه في الرخاء إذ صار في البلاد، وبينا هو في الزيادة إذ أدركه النقصان، وبينا هو حر إذ أصبح قنا، لا يدوم على حال، بين مسرور بمولود، ومخزون بمفقود. قال: أخبرني عن المال، أيه أحسن في عينك؟ قال: أحسن المال في عيني وأنفعه غناء وأقله غناء، وأجداه على العامة: عين خرارة في أرض خوارة، إذا استودعت أدت، وإذا استحلبتها درت وأفعمت، تعول ولا تعال.
وفي آخره قال: فأخبرني عن قيامك وقعودك وأكلك وشربك ونومك وشهوتك للباه؟ قال: أما قيامي فإن قمت فالسماء تبعد، وإن قعدت فالأرض تقرب فالأرض تقرب، وأما أكلي وشربي فإني إن جعت كلبت، وإن شربت بهرت، وأما نومي فإن حضرت مجلساً
стр. 5424
حالفني، وإن خلوت أطلبه فارقني، وأما الباه فإن بذل لي عجزت، وإن منعته غضبت.
قال معاوية: فأخبرني عن أعجب شيء رأيته، قال: أعجب شيء رأيته، أني نزلت بحي من قضاعة، فخرجوا بجنازة رجل من عذرة يقال له: حريث بن جبلة، فخرجت معهم حتى إذا واروه انكبدت جانباً عن القوم، وعيناي تذرفان، ثم تمثلت بأبيات شعر كنت رويتها قبل ذلك بزمان طويل: من البسيط
يا قلب إنك في أسماء مغرور ... أذكر وهل ينفعك اليوم تذكير
قد بحت بالحب ما تخفيه من أحد ... حتى جرت بك أطلاقاً محاضير
تبغي أموراً فما تدري أعاجلها ... خير لنفسك أم ما فيه تأخير
فاستقدر الله خيراً وارضين به ... فبينما العسر أم ما فيه مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبطاً ... إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير
حتى كأن لم يكن إلا تذكره ... والدهر أيتما حال دهارير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحي مسرور
وذاك آخر عهد من أخيك إذا ... ما المرء ضمنه اللحد الخناشير
الواحد: خنشير والجمع خناشير، ويقال: الخناشرة، وهم الذين يتبعون الجنازة، فقال
стр. 5425
رجل إلى جانبي، سمع ما أقول: يا عبد الله، من قائل هذه الأبيات؟ قلت: والذي أحلف به ما أدري، قد رويتها منذ زمن، قال: قائلها الذي دفناه آنفاً، وإن هذا ذو قرابته أسر الناس بموته، وإنك للغريب الذي وصف تبكي عليه، فعجبت لما ذكر في شعره، والذي صار إليه من قوله، كأنه كان ينظر إلى موضع قبره، فقلت: إن البلاء موكل بالمنطق فذهبت مثلاً.
عبيد بن سلمان الكلبي ثم الطابخي
حدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من حدث عني حديثاً هو الله رضى فأنا قلته وإن لم أكن قلته، قالوا: يا رسول الله ولم؟ قال: لأني به أرسلت.
وبه قال: قال رسول الله ﷺ : اثنتان خير من واحد، وثلاثة خير من واحد، وأربعة خير من ثلاثة، فعليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة، ولم يجمع الله أمتي إلا على هدى، واعلموا أن كل شاطن هوى في النار.
وحدث عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ على أهل القرآن وهم في المسجد فقال: يا أهل القرآن، يا أهل القرآن، يا أهل القرآن قال ثلاث مرات إن الله قد زادكم في صلاتكم صلاة، قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: الوتر، فقال أعرابي: ما هي يا رسول الله؟ قال: أما إنها ليست عليك ولا على أصحابك، إنما هي على آل القرآن.
стр. 5426
وحدث عن أبي ذر أنه سمعه يقول: إن عمر قال: يا أبا ذر آمن بالقدر، خيره وشره، حلوه ومره، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: كل شاطن هوى في الإسلام في النار.
وحدث عبيد بن سلمان قال: كنت عند معاوية وعنده حسان بن مالك بن بحدل، فذكر معاوية تجار قريش، إذ أقبل رجل من القطار على ناقة عليها رجل عليه برنس، وأقبل يمشي حتى أتى معاوية، وهو جالس، فسلم، فضم معاوية رجليه حتى بدت ركبتاه، ثم جلس الرجل على الطنفسة، ثم أقبل عليه بالحديث، فلما قام ليركب كشف البرنس فرأيت عليه قميص كتان قطري، ورأيت أثر مسح زقاق الزيت على قميصه، فقال له حسان بن مالك: ومن الذي شغلك حديثه؟ قال: رجل يرجو الخلافة من بعدي، قال حسان: ما هذا الزيات لذلك بأهل يا أمير المؤمنين، قال: مهلاً يا حسان، فإن هذا مروان بن الحكم.
عبيد بن عبد الواحد بن شريك
أبو محمد البغدادي البزاز رحل وسمع بدمشق وبغيرها. حدث عن نعيم بن حماد بسنده إلى عبد الله بن جعفر قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل الرطب بالقثاء.
وحدث عبيد بسنده إلى جابر بن عبد الله قال: أمر رسول الله ﷺ باتخاذ الديك الأبيض.
وحدث عن هشام بن عمار بسنده إلى الأوزاعي قال: لابأس بإصلاح الخطأ واللحن والتحريف والحديث.
стр. 5427
توفي عبيد بن شريك سنة ثمان وثمانين ومئتين، وهو خطأ، والصواب أنه توفي سنة خمس وثمانين ومئتين.
عبيد بن قائد
حدث عن أبي العزيز، قال: مررت بأبي عبيد البسري من المدينة، ومعه جمل له قد مات، وإذا هو وامرأته جلوس عند الجمل، فقلت: عز علي يا أبا عبيد، فبينا أنا وهو كذلك إذا برجل قد جاء بجمل يهدر، فقال: يا أبا عبيد، اركب، وأركب المرأة، وتركنا، ومضى الرجل وترك الجمل.
عبيد بن كعب النميري
من أهل العراق. وفد على معاوية، فقال: أخبرني عن زياد من يستعمل؟ قال: يستعمل على الخير والأمانة دون الهوى، ويعاقب، فلا يعدو بالذنب قدره، ويسمر ويحب السمر، يستحكم بحديث الليل تدبير النهار، قال: أحسن، إن التثقيل على القلب مضرة بالرأي، فكيف رأيه في حقوق الناس؟ قال: يأخذ ما له عفواً، ويعطي ما عليه عفواً، قال: فكيف عطاياه؟ قال: يعطي حتى يقال جواد، ويمنع حتى يبخل، فقال معاوية: إن العدل لضيق، وفي البذل عوض من العدل، قال: فكيف الشفاعة عنده؟ قال: ليس فيها مطمع، ما أراد من خير جعله لك أوله.
لما أراد معاوية أن يبايع ليزيد كتب إلى زياد يستشيره، فبعث زياد إلى
عبيد بن كعب النميري فقال: إن لكل مستسر ثقة، ولكل سر مستودع، وإن الناس قد أبدعت بهم خصلتان: إضاعة السر، وإخراج النصيحة، وليس موضع السر إلا أحد الرجلين: رجل
стр. 5428
آخرة يرجو ثواباً، ورجل دنيا له شرف في نفسه، وعقل يصون حسبه، وقد عجمتهما منك، فأحمدت الذي قبلك، وقد دعوتك لأمر اتهمت عليه بطون الصحف، إن أمير المؤمنين كتب إلي يزعم أنه قد أجمع على بيعة يزيد، وهو متخوف نفرة الناس، ويرجو مطابقتهم، ويستشيرني، وعلاقة أمر الإسلام وضمانه عظيم، ويزيد صاحب رسلة وتهاون، مع ما قد أولع به من الصيد، فالق أمير المؤمنين مؤدياً عني، فأخبره عن فعلات يزيد، وقل له رويدك بالأمر، فأقمن أن يتم لك ما تريد، ولا تجعل فإن دركاً في تأخير خير من تعجيل عاقبته الفوت، فقال عبيد: أفلا غير هذا؟ قال: ما هو؟ قال: لا تفسد على معاوية رأيه، ولا تمقت إليه ابنه، وألقى أنا يزيد سراً من معاوية، فأخبره عنك أن أمير المؤمنين كتب إليك يستشيرك في بيعته، وأنك تخوفت خلاف الناس لهنات ينقمونها عليه، وأنك ترى له ترك ما ينقم عليه، فتستحكم لأمير المؤمنين الحجة على الناس، ويسهل لك ما تريد، فتكون قد نصحت ليزيد وأرضيت أمير المؤمنين، وسلمت مما تخاف من علاقة أمر الأمة، فقال زياد: لقد رميت الأمر بحجره، اشخص على بركة الله، فإن أصبت فما لا ينكر، وإن يكن خطأ فغير مستغش، وأبعدتك إن شاء الله من الخطأ، قال: تقول بما ترى ويقضي الله بغيب ما يعلم، فقدم على يزيد فذاكره ذلك، وكتب زياد إلى معاوية يأمره بالتؤدة وأن لا يعجل، فقبل ذلك معاوية، وكف يزيد عن كثير مما كان يصنع، ثم قدم عبيد على زياد فأقطعه قطيعة.
عبيد بن محمد بن يحيى بن حمزة
ابن واقد الحضرمي البتلهي.
حدث عن أبيه بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " ما من بني آدم من مولود يولد إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً من مسه إلا مريم وابنها ". ثم يقول أبو هريرة حين يحدث بهذا الحديث: واقرؤوا إن شئتم: " إذ قالت امرأة عمران " إلى قوله: " حسناً "
стр. 5429
عبيد بن وهب
ويقال: عبد الله بن وهب ويقال: عبد الله بن هانئ أبو عامر الأشعري له صحبة، روى عن سيدنا رسول الله ﷺ ، وشهد مؤتة مع جعفر وزيد، ثم استشهد يوم أوطاس.
حدث عامر بن أبي عامر الأشعري عن أبيه أبي عامر عن النبي ﷺ : " نعم الحي الأسد، والأشعريون، لا يفرون في القتال ولا يغلون، هم مني وأنا منهم. " قال عامر: فحدثت به معاوية فقال: ليس هكذا قال رسول الله ﷺ ، قال: " هم مني وأنا منهم ". قال: فأنت أعلم بحديث أبيك.
قال أبو اليسر الأنصاري: كنت جالساً عند النبي ﷺ فأتاه أبو عامر الأشعري فقال: يا رسول الله، بعثتني في كذا وكذا، فلما أتيت مؤتة، وصف القوم، ركب جعفر فرسه ولبس الدرع وأخذ اللواء، فمشى قدماً حتى رأى القوم فنزل، ثم قال: من يبلغ هذا الفرس صاحبه؟ فقال الرجل: أنا، قال: فبعث به، قال: ثم نزع درعه فقال من يبلغ هذه الدرع صاحبها؟ فقال رجل: أنا، قال: فبعث بها، قال: ثم تقدم فضرب بسيفه حتى قتل، قال فتفجرت عينا رسول الله ﷺ دموعاً، فصلى بنا الظهر ولم يكلمنا، قال: ثم أقيمت العصر فخرج فصلى، ثم دخل ولم يكلمنا، قال: وفعل ذلك في المغرب والعشاء، يدخل ولا يكلمنا، قال: كان إذا صلى أقبل علينا بوجهة فخرج علينا الفجر في ساعة كان يخرج فيها وأنا وأبو عامر الأشعري جلوس، فجلس شيئاً ثم قال: ألا أحدثكم عن رؤيا رأيتها: أدخلت الجنة، فرأيت جعفراً ذا جناحين مضرجاً بالدماء، وزيداً مقابله، وابن رواحة معهم، كأنه معرض عنهم وسأخبركم عن ذلك: إن جعفراً حين تقدم فرأى القتل، لم يصرف وجهه، وزيداً كذلك، وابن رواحة صرف وجهه.
стр. 5430
وكان أبو عامر ممن قدم مع الأشعريين على النبي ﷺ فأسلم وشهد معه فتح مكة وحنيناً، وبعثه رسول الله ﷺ يوم حنين في آثار من توجه إلى أوطاس من المشركين.
والأشعريون هم ولد أشعر، واسمه نبت أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، واستشهد بأوطاس يوم حنين مع سيدنا رسول الله ﷺ لما بعثه إلى أوطاس، قتله دريد بن الصمة، واستغفر رسول الله ﷺ لأبي عامر، ودعا له.
وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : " اللهم اجعل عبيدا أبا عامر فوق أكثر الناس يوم القيامة ". قال: فقتل يوم أوطاس، قال: فقتل أبو موسى قاتله، فقال أبو وائل: إني لأرجو أن لا يجتمع الله أبا موسى وقاتل أبي عامر في النار.
وعن أبي موسى مختصراً أن النبي ﷺ قال: " اللهم اغفر لعبيد أبي عامر.
كان رسول الله ﷺ قد بعث أبا عامر الأشعري في آثار من توجه إلى أوطاس، وعقد له لواء، معه في ذلك البعث سلمة بن الأكوع، فكان يحدث، يقول: لما انهزمت هوزان عسكروا بأوطاس عسكراً عظيماً، وقد تفرق منهم من تفرق، وقتل من قتل، وأسر من أسر، فانتهينا إلى عسكرهم، فإذا هم ممتنعون، فبرز رجل فقال: من يبارز؟ فبرز له أبو عامر فقال: اللهم اشهد. فقتله أبو عامر حتى قتل تسعة، كذلك، فلما كان التاسع، برز له رجل معلم انتحب للقتال، فبرز له أبو عامر فقتله، فلما كان العاشر برز له رجل معلم بعمامة صفراء، فقال أبو عامر: اللهم اشهد. قال: يقول الرجل: اللهم لا تشهد، فضرب أبا عامر فأثبته، فاحتملناه وبه رمق، واستخلف أبا موسى
следующие страницы →