Полный текст (10 576 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.
стр. 5531
وفي حديث آخر عن رجل من خزاعة قدم فلقيه علي، فقال: ما جاء بك؟ قال: جئت أسأل رسول الله صلى الله ﷺ إلى من ندفع صدقة أموالنا إذا قبضه الله؟ فقال النبي ﷺ : إلى أبي بكر. قال: فإذا قبض الله أبا بكر فإلى من؟ قال: إلى عمر. قال: فإذا قبض الله عمر فإلى من؟ قال: إلى عثمان. قال: فإذا قبض الله عثمان فإلى من؟ قال: انظروا لأنفسكم.
وفي حديث آخر بمعناه: فقال النبي ﷺ : هؤلاء الخلفاء من بعدي.
وفي حديث آخر بمعناه عن وفد بني المصطلق قالوا في آخره: فإن لم نجد عثمان؟ قال: فلا خير لكم في الحياة بعد ذلك.
وفي حديث عن أنس، بمعناه قالوا: قل له فإن لم نجد عمر؟ فقلت له، فقال: قل لهم ادفعوها إلى عثمان، وتباُ لكم يوم يقتل عثمان.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه في هذه الآية: " تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ". قال: فجاء بأبي بكر وولده، وبعمر وولده، وبعثمان وولده، وبعلي وولده.
وعن ابن عباس في قوله: " آمنوا كما آمن الناس " قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.
وعن ابن عباس في قوله تعالى: " كزرع " قال: أصل الزرع عبد المطلب، " أخرج شطأه " محمد ﷺ ، " فآزره " بأبي بكر " فاستغلظ " بعمر، " فاستوى " بعثمان، " على سوقه " بعلي بن أبي طالب، " يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ".
وعن أنس: أن عثمان أحد الحواريين حواريي رسول الله ﷺ .
стр. 5532
وعن الزهري قال: لم يجمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ إلا عثمان وأبي بن كعب.
وعن الشعبي قال: لم يجمع القرآن أحد من الخلفاء من أصحاب النبي ﷺ غير عثمان، ولقد فارق علي الدنيا وما جمعه.
وقال الشعبي: ما حفظ من الخلفاء القرآن أحد إلا عثمان بن عفان.
وعن عامر بن سعد أنه سمع عثمان بن عفان يقول: ما يمنعني أن أحدث عن رسول الله ألا أكون كنت أوعى من أصحابه عنه، ولكني أشهد لسمعته يقول: من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار وعن عبد الرحمن بن حاطب قال: ما رأيت أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ كان إذا حدث أتم حديثاً ولا أحسن من عثمان بن عفان، إلا أنه كان رجلاً يهاب الحديث.
وعن القاسم بن محمد قال: كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتون على عهد رسول الله ﷺ .
وعنه أن أبا بكر الصديق ﵁ كان إذا نزل به أمر يريد فيه مشاورة أهل الرأي وأهل الفقه دعا رجالاً من المهاجرين والأنصار، دعا عمر وعثمان وعلياً، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي كعب، وزيد بن ثابت، وكل هؤلاء كان يفتي في خلافة أبي بكر، وإنما تصير فتوى الناس إلى هؤلاء، فمضى أبو بكر على ذلك، ثم ولي عمر فكان يدعو هؤلاء النفر، وكانت الفتوى تصير وهو خليفة إلى عثمان، وأبي، وزيد بن ثابت.
وعن المسور بن مخرمة قال: كان علم أصحاب رسول الله ﷺ إلى ستة: إلى عمر وعثمان وعلي ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت.
стр. 5533
وعن ابن سيرين قال: كانوا يرون أن أعلم الناس بالمناسك عثمان بن عفان، وبعده عبد الله بن عمر.
وعن ابن شهاب قال: لو هلك عثمان بن عفان وزيد بن ثابت في بعض الزمان لهلك علم الفرائض إلى يوم القيامة، جاء على الناس زمان وما يحسنه غيرهما.
وعن نافع قال: سئل ابن عمر عن عدة أم الولد فقال: حيضة، فقال رجل: إن عثمان كان يقول: ثلاثة قروء، فقال: عثمان خيرنا وأعلمنا.
كان عثمان إذا جلس على المقاعد جاءه الخصمان فقال لأحدهما: اذهب ادع علياً. وقال للآخر: اذهب فادع طلحة والزبير ونفراً من أصحاب النبي ﷺ . ثم يقول لهما: تكلما، ثم يقبل على القوم فيقول: ما تقولون؟ فإن قالوا ما يوافق رأيه أمضاه، وإلا نظر فيه بعد، فيقومان وقد سلما وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : يكون بعدي اثنا عشر خليفة: أبا بكر الصديق لا يلبث خلفي إلا قليلاً، وصاحب رحى دارة العرب، يعيش حميداً ويموت شهيداً. فقال رجل: من هذا؟ فأشار إلى عمر بن الخطاب، قال: ثم أشار إلى عثمان فقال: وأنت يقمصك الله قميصاً، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه، فإنك إن خلعته دخلت النار. وفي رواية فوالذي بعثني بالحق لئن خلعته لا تدخل الجنة حتى يدخل الجمل في سم الخياط. فقال رجل لعبد الله بن عمرو: ما لنا ولهذا! إنما جلسنا لتذكرنا. قال: فقال: والذي نفسي بيده لو تركتني لأخبرتكم بما قال رسول الله ﷺ فيهم واحداً واحداً.
وعن علي بن أبي طالب قال: لم يقبض النبي ﷺ حتى أسر إلي، أن الخليفة من بعده أبو بكر، ومن بعد أبي بكر عمر، ومن بعد عمر عثمان، ثم تلي الخلافة.
стр. 5534
وعن عبد الله بن مسعود قال: دخلت على رسول الله صلى الله وعنده أبو بكر وعمر وعثمان، وقد خلص بهم، فسلمت فلم يرد علي، فمثلت قائماً لألتمس فراغه وخلوته، خشية أن أكون أحدثت حدثاً، فناجى أبا بكر طويلاً ثم خرج، ثم عمر ثم خرج، فأقبلت أستغفر وأعتذر فقلت: سلمت فلم ترد علي، فقال: شغلني هؤلاء عنك. فقال: بماذا؟ فقال: أعلمت أبا بكر أنه من بعدي، وقلت: انظر كيف تكونن، فقال: لا قوة إلا بالله، ادع الله لي. ففعلت، والله فاعل به ذلك، ثم قلت لعمر مثل ذلك، فقال: لا قوة إلا بالله، حسبي الله، والله حسبه، ثم قلت لعثمان مثل ذلك وأنت مقتول، فقال: لا قوة إلا بالله، ادع الله لي بالشهادة، فقلت: إن صبرت ولم تجزع، فقال: أصبر. وأوجب الله له الجنة، وهو مقتول.
فلما جاءت إمارته قال: والله ما ألوا عن أعلاها ذي فوق.
وعن عائشة ﵂ قالت: كان عثمان يكتب وصية أبي بكر فقال أبو بكر: إني لا أدع أحداً بعدي أحب إلي منك، ولا أعز علي وأشد فقراً منك، وإني قد كنت جعلت لك من أرضي جداد أحد وعشرين وسقاً يقول: صرام النخل فلو كنت قبضت كان لك. ثم أغمي عليه أو غشي عليه، قال: فعجل عثمان بن عفان فكتب عمر بن الخطاب، فأفاق أبو بكر فقال له: أكتبت؟ قال: نعم قد كتبت، قال: من كتبت؟ قال: كتبت عمر. قال: أما إنك كتبت الذي أريد أن آمرك به، ولو كنت كتبت نفسك كنت لها أهلاً.
стр. 5535
وعن حذيفة قال: إني وعمر لواقفان بعرفة، ونحن ننتظر أن تجب الشمس فنفيض. قال حذيفة: فلما رأى عمر عجيج الناس وما يصنعون قال: يا بن اليمان، كم ترى هذا يدوم لهم؟ قلت: حتى يكسر باب أو يفتح باب. قال: ففزع عمر وقال: ما يكسر باب أو يفتح؟ قلت يقتل رجل أو يموت. قال حذيفة: فلقنها عمر فقال: يا حذيفة، من ترى قومك يؤمرون؟ قال: قلت: قد نظر الناس إلى عثمان بن عفان وشهروه لها.
ومن حديث آخر عنه قلت: أراهم شوفوا لابن عفان، فقال: يا ويحهموه.
وعن حذيفة أيضاً قال: قلت لعمر بالموقف: من الخليفة بعدك؟ قال: ابن عفان.
وعن حارثة بن مضرب قال: حججت مع عمر فكان الحادي يحدو: من مشطور السريع
إن الأمير بعده ابن عفان
وحججت مع عثمان فكان الحادي يحدو: من مشطور السريع
إن الأمير بعده علي
وعن الأقرع مؤذن عمر: أن عمر دعا الأسقف فقال: هل تجدونا في شيء من كتبكم، قال: نجد صفتكم وأعمالكم ولا نجد أسماءكم. قال: كيف تجدوني؟ قال: قرناً من حديد. قال: ما قرن من حديد؟ قال: أمير شديد. قال عمر: الله أكبر! فالذي من بعدي؟ قال: رجل صالح يؤثر
стр. 5536
أقرباءه، قال عمر: يرحم الله ابن عفان، فالذي من بعده؟ قال: صدأ من حديد، قال: فقال عمر: وألقى شيئاً في يده وجعل يقول: وادفراه، وادفراه! قال: فقال: مهلاً يا أمير المؤمنين، فإنه رجل صالح ولكن تكون خلافته في هراقة من الدماء، والسيف مسلول.
وعن المسور بن مخرمة قال: كان عمر بن الخطاب وهو صحيح يسأل أن يستخلف فيأبى، فصعد يوماً المنبر، فتكلم بكلمات وقال: إن مت فأمركم إلى هؤلاء الستة الذين فارقوا رسول الله ﷺ وهو عنهم راض: علي بن أبي طالب ونظيره الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف ونظيره عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله ونظيره سعد بن مالك، ألا وإني أوصيكم بتقوى الله في الحكم والعدل في القسم.
وعن زيد عن أبيه: أن عمر بن الخطاب لما طعن قال للستة النفر الذي خرج رسول الله ﷺ من الدنيا وهوعنهم راض: بايعوا لمن بايع له عبد الرحمن بن عوف، فمن أبى فاضربوا عنقه.
وعن ابن أبي ملكية قال: ما خص عمر أحداً من الشورى دون أحد، إلا أنه خلا بعلي وعثمان، كل منهما دون صاحبه فقال: يا فلان، اتق الله ابتلاك الله بهذا الأمر، ولا تحملن بني فلان على رقاب الناس، وقال للآخر مثل ذلك.
стр. 5537
وعن عبد الله بن أبي ربيعة قال: أدخلوني معكم في الشورى، فإني لا أنفس على أحد خيراً ساقه الله إليه، ولا يعدمكم مني رأي. قال: فقالوا: لا تدخل معنا، قال: فاسمعوا مني، قالوا: قل ما شئت. قال: إن بايعتم لعلي سمعنا وعصينا، وإن بايعتم لعثمان سمعنا وأطعنا، والله ما يتشابهان، فاتق الله يا بن عوف.
بعث عبد الرحمن بن عوف في ليلة إلى أهل الشورى، فجلس في المسجد، فدعا رجلاً بعد رجل، فيقول له: أرأيت لو كنت تلي أمر هذه الأمة فحضرتك الوفاة، من كنت مستخلفاً؟ فيقول: عثمان، فيقول له: قم، ثم يدعو الآخر فيقول له مثل ذلك، حتى انتهى إلى علي بن أبي طالب آخرهم، وقال له: أرأيت لو كنت تلي أمر هذه الأمة فحضرتك الوفاة، من كنت مستخلفاً؟ فتلكأ عليه وقال: ما لك ولهذا، فجعل يتلكأ عنه حتى نودي بالصلاة للصبح، وعبد الرحمن يسأله عن ذلك، فأبى علي أن يخبره حتى خشي الإقامة والصبح، فقال له عبد الرحمن: هذا الصبح وهذه الصلاة قد حضرت فأخبرني؟ قال: اللهم عثمان.
وعن المسور بن مخرمة: أن الرهط الذين ولاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا، فقال لهم عبد الرحمن بن عوف: لست بالذي أنافسكم هذا الأمر، ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم. فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف. قال: فما رأيت رجلاً بذ قوماً قط أشد مما بذهم به حين ولوه أمرهم، حتى ما من رجل من الناس يبتغي عند أحد من أولئك الرهط رأياً، ولا يطؤوا عقبه، ومال الناس على عبد الرحمن بن عوف يشاورونه ويناجونه تلك الليالي، لا يخلو به رجل ذو رأي فيعدل بعثمان أحداً، حتى إذا كان من الليلة التي أصبح فيها فبايع.
قال المسور: طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل، فضرب الباب حتى استيقظت، فقال: ألا أراك نائماً! والله ما اكتحلت منذ هذه الثلاث كثير نوم، انطلق
стр. 5538
فادع لي رجلاً من المهاجرين، نشاورهم، ثم أرسلني بعدما ابهار الليل فدعوت له علياً، فناجاه طويلاً، ثم قام علي من عنده، ثم دعاني فقال: ادع لي عثمان آخر من ناجى وآخر من دعا فانتحى هو وعثمان حتى فرق التأذين للفجر بينهما، فلما صلوا صلاة الفجر جمع عبد الرحمن الرهط، ثم أرسل إلى من كان حاضراً من المهاجرين من قريش فدعاهم، وأرسل إلى السابقة من الأنصار، ثم أرسل إلى أمراء الأجناد، وكانوا قد وافوا تلك الحجة مع عمر، فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن بن عوف ثم قال: أما بعد: يا علي، فإني قد نظرت في الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان بن عفان، فلا تجعلن على نفسك سبيلاً، ثم أخذ عبد الرحمن بيد عثمان فقال: نبايعك على سنة الله وسنة رسوله وسنة الخليفتين بعده. فبايعه عبد الرحمن، وبايعه الناس، المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد، وبايعه المسلمون.
وفي حديث آخر بمعناه: أنه دعا بعلي وعثمان، فلما اجتمعا عنده خطب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني قد فليت الناس عنكما فأشيرا علي وأعيناني على أنفسكما، هل أنت يا علي مبايعي إن وليتك هذا الأمر على سنة الله وسنة رسوله بعهد الله وميثاقه وسنة الماضيين قبل؟ قال: لا، ولكن على طاقتي، قال: فصمت شيئاً ثم تكلم كلاماً دون كلامه الأول، ثم قال في قوله: إني قد فليت الناس عنكما، فأشيرا علي وأعيناني على أنفسكما، هل أنت يا علي مبايعي إن وليتك هذا الأمر على سنة الله ورسوله ﷺ بعهد الله وميثاقه وسنة الماضيين قبل؟ قال: لا، ولكن على طاقتي، قال: ثم قال عثمان: أنا يا أبا محمد أبايعك إن وليتني هذا الأمر على سنة الله وسنة رسوله وميثاقه وسنة الماضيين قبل قالها عثمان في الثلاث قال: ثم كانت الثالثة، فقال: اسمع أبا عبد الله، قد قال ما ترى، وعسى الله أن يجعل في ذلك خيراً، قال: فأحب أن يقوما عنه، فقال: إن شئتما، فقاما عنه. فقام عبد الرحمن فاعتم ولبس السيف ثم خرج إلى المسجد، قال: ولا أشك أنه يبايع لعلي لما رأيت من حرصه على علي، فلما صليت الصبح رقي عبد الرحمن على المنبر، فحمد اله وأثنى عليه، ثم
стр. 5539
أشار إلى عثمان، حجرة من الناس ما هو بقريب، فقال: ادن، فبايعه على سنة الله وسنة رسوله بعهد الله وميثاقه. قال: فعرفت أن خالي كان أصوب، أشكل عليه رجلان، فأعطاه أحدهما وثيقة، ومنعه الآخر إياها.
وفي حديث آخر بمعناه عن أبي صالح الحنفي قال: لما طعن عمر وأمر بالشورى فجعلها في الستة الرهط، وأمر صهيباً إذا هو مات أن يصلي بالناس ثلاثاً، فإن اختاروا لأنفسهم وإلا ترك الصلاة بهم، فلما قبر عمر صلى بهم صهيب يومين، فلما كان اليوم الثالث قال لهم وقد صلى بهم الغداة: اختاروا لأنفسكم فيما بينكم وإلا فقد اعتزلت الصلاة في آخر هذا اليوم كما أمرني أمير المؤمنين عمر. وقد كان عبد الرحمن بن عوف قبل ذلك يسأل المسلمين في دورهم، ويأتيهم في منازلهم فيقول: من ترضون أن يكون عليكم خليفة؟ فيجيبونه ويقولون: عثمان. فلما كان اليوم الثالث في وقت الظهر اجتمع المسلمون في المسجد، وجاء أهل العوالي، وازدحم الناس في المسجد وتكاتفوا، فلما صلى بهم صهيب الظهر قال لهم: اختاروا لأنفسكم، فقام عبد الرحمن بن عوف تحت المنبر، منبر رسول الله ﷺ فقال: يا معشر الناس، على أماكنكم، فجلس الناس وتطاولت أعناقهم واستمعوا، فقال: يا معشر الناس، ألستم تعلمون أن عمر بن الخطاب جعل هذا الأمر في ستة؟ قالا: بلى، قال: فإني خارج منها ومختار لكم، فما تقولون؟ قالوا: رضينا، وأقبل على علي وعثمان فقال: ما تقولان؟ فقالا: رضينا. فقال: إن رسول الله ﷺ توفي فاجتمع رأي المسلمين بعد على أن استخلفوا أبا بكر فاستخلفوه، فقام بأمر الله، وأخذ المنهاج الذي أخذ فيه رسول الله ﷺ حتى مضى لسبيله، ثم استخلف عمر فقام بما قام به صاحباه، ولم يأل حتى كان من قدر الله ما قد علمتم، فجعلها فينا معاشر الستة وإني مختار لكم، قم يا عثمان، قم يا علي. فقاما، فقال لهذا: ابسط يدك، وقال لهذا: ابسط يدك. فبسطا أيديهما، فقال: يا أبا الحسن، إن صار هذا الأمر إليك أتسير سيرة صاحبيك؟ قال: نعم، فأعاد القول على علي فقال مثل قوله الأول، وقال لعثمان فقال: نعم. ثم أقبل على علي فقال: يا أبا الحسن، إن فاتك هذا
стр. 5540
الأمر فمن تحب أن يكون؟ قال: في أخي هذا وأومى إلى عثمان فقال عبد الرحمن: معاشر الناس، ألستم راضين بأحد هذين أيهما بايعتموه؟ فأعاد القول على علي فقال: أشهد لن تبايعني، ولن تبايع إلا عثمان لأن هذا عهد معهود إلي، معاشر الناس، والله ليقلدن الأمر والخلافة، عهد البار الصادق ﷺ إلي أنه الخليفة الثالث بعده، ولئن فعلتم لأسمعن ولأطيعن، فقال عبد الرحمن: فابدأ إذاً فبايعه، فضرب على كفه بالبيعة، فكانت أول كف وقعت على يد عثمان، وقال في بيعته: سبقت عدتي بيعتي.
قال أبو صالح: يريد بهذا القول أنه إن فاتته كان أحب الناس إليه عثمان أن يكون فيه، ولقد علم بالعهد المعهود أنه لا يكون خليفة بعد عمر إلا عثمان.
وعن أبي ذر قال: لما كان أول يوم في البيعة لعثمان " ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، ليهلك من هلك عن بينة " قال أبو ذر: اجتمع المهاجرون والأنصار في المسجد، ونظرت إلى أبي محمد يعني عبد الرحمن بن عوف قد اعتجر بريطته، وقد اختلفوا، إذ جاء أبو الحسن بأبي هو وأمي فلما أن بصروا بأبي الحسن علي بن أبي طالب سر القوم طراً، فأنشأ يقول: إن أحق ما ابتدأ به المبتدئون، ونطق به الناطقون، وتفوه به القائلون، حمد الله وثناء عليه بما هو أهله، والصلاة على النبي محمد ﷺ ، ثم خطب خطبة، حمد الله وأنثى عليه، وصلى على سيدنا محمد ﷺ : ثم قال في آخرها: فقبضه الله إليه، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ما أجل رزيته، وأعظم مصيبته، فالمؤمنون فيه سواء، مصيبتهم فيه واحدة. ثم قال علي: فقام مقامه أبو بكر الصديق رحمة الله عليه فوالله، يا معشر المهاجرين، ما رأيت خليفة أحسن أخذاً بقائم السيف يوم الردة من أبي بكر الصديق، رحمة الله عليه يومئذ، قام مقاماً أحيا الله به سنة النبي ﷺ فقال: والله لو منعوني عقالاً لأجاهدنهم في الله. فسمعت وأطعت لأبي بكر، وعلمت أن ذاك خير لي، فخرج من الدنيا خميصاً
стр. 5541
وكيف لا أقول هذا في أبي بكر؟ وأبو بكر ثاني اثنين، وكانت ابنته ذات النطاقين يعني أسماء تنطلق بعباءة له، وتخالف بين رأسيها، ومعها يعني رغيفين في نطاقها، فتزج بها إلى حبيب القلوب محمد ﷺ ، وكيف لا أقول هذا وقد اشترى سبعة: ثلاث نسوة وأربعة رجال، كلهم أوذي في الله وفي رسوله، وكان بلال منهم وتجهز رسول الله ﷺ بماله ومعه يومئذ أربعون ألفاُ، فدفعها إلى رسول الله ﷺ ، فهاجر بها إلى طيبة. ثم قام مقامه الفاروق عمر بن الخطاب رحمة الله عليه، شمر عن ساقيه، وحسرعن ذراعيه، لا تأخذه في الله لومة لائم، كنا نرى أن السكينة تنطق على لسانه، وكيف لا أقول هذا ورأيت النبي ﷺ بين أبي بكر وعمر رحمهما الله فقال: هكذا نحيا، وهكذا نموت، وهكذا نبعث، وهكذا ندخل الجنة. وكيف لا أقول هذا في الفاروق، والشيطان يفر من حسه؟ فمضى شهيداً رحمة الله عليه. ثم أراكم معشر المهاجرين والأنصار رمقتموني بأبصاركم طراً. ولم يكن أبوعبد الله يعني عثمان بن عفان تلك الساعة ثم. وأنشأ علي في أبي عبد الله يعني عثمان يقول: أعلمتم معاشر المهاجرين أنه ما فيكم مثل أبي عبد الله، أوليس زوجة النبي ﷺ ؟ ثم أتاه جبريل فقال حين أوعز إليه وهو في المقبرة: يا محمد، إن الله يأمرك أن تزوج عثمان أختها. وكيف لا أقول هذا وقد جهز أبو عبد الله جيش العسرة؟ وهيأ للنبي ﷺ سخينة أو نحوها فأقبل بها في صحفته وهي تفور، فوضعها تلقاء النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : كلوا من حافتيها، ولا تهدوا ذروتها فإن البركة تنزل من فوقها. ونهى رسول الله ﷺ أن يؤكل الطعام سخناً جداً، فلما أكل رسول الله ﷺ السخينة أونحوها من سمن وعسل وطحين، فمد رسول الله ﷺ يده إلى فاطر البرية ﵎ ثم قال: غفر الله لك يا عثمان، ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وما أسررت وما أعلنت، اللهم لا تنس هذا اليوم لعثمان.
قال علي ﵀: معشر المهاجرين، تعلمون أن بعير أبي جهل ند فقال رسول الله ﷺ لعمر: يا عمر، ائتنا بالبعير. فانطلق البعير إلى عير أبي سفيان، وكانت
стр. 5542
عليه حلقة مزموم بها من ذهب، وقال آخرون: من فضة، وعليه جل مدبج كان لأبي جهل، فقال رسول الله ﷺ لعمر: ائتنا بالبعير. فقال عمر: يا رسول الله، إن من هناك يعني ملأ قريش عدى أقل ذاك. فعلم رسول الله ﷺ أن العدد والمادة لعبد مناف، فوجه رسول الله ﷺ بعثمان إلى عير أبي سفيان ليأتي بالبعير، فانطلق عثمان على قعوده وكان النبي ﷺ معجباً به جداً حتى أتى بالبعير، فأتى أبا سفيان، فقام إليه مبجلاً معظماً، وقد احتبى بملاءته، فقال أبو سفيان: كيف خلفت ابن عبد الله؟ فقال له عثمان: من هامات قريش وذروتها وسنام قناعسها، يا أبا سفيان، هو علم من أعلامها، يا أبا سفيان، سماء محمد ﷺ سماء ماطرة، وبحاره زاخرة، وعيونه هماعة، ودلاؤه رفاعة، يا أبا سفيان، فلا عري من محمد فخرنا، ولا قصم بزوال محمد ظهرنا. فأنشأ أبو سفيان فقال: يا أبا عبد الله، أكرم بابن عبد الله، ذاك الوجه كأنه ورقة مصحف، إني لأرجو أن يكون خلفاً من خلف. وجعل أبو سفيان يفحص بيده مرة، ويركض الأرض برجله أخرى، ثم دفع البعير إلى عثمان. فقال علي: فأي مكرمة أسنى ولا أفضل من هذه لعثمان ﵀؟ حتى مضى أمر الله فيمن أراد. ثم إن أبا سفيان دعا بصحفة كثيرة الإهالة، ثم دعا بطلمة فقال: دونك يا أبا عبد الله، فقال أبو عبد الله قد خلفت النبي ﷺ على حد لست أقدر أن أطعم، فأبطأ أبو عبد الله، فقال رسول الله ﷺ : قد أبطأ صاحبنا، بايعوني. قال: فقال أبو سفيان: إن فعلت وطعمت من طعامنا رددنا عليك البعير برمته، فنال أبو عبد الله من طعام أبي سفيان، وأقبل عثمان بعدما بايعوا النبي ﷺ ، فأقبل عثمان إلى رسول الله ﷺ .
ثم قال علي: أناشدكم الله هل تعلمون معاشر المهاجرين والأنصار أن جبريل أتى
стр. 5543
النبي ﷺ فقال: يا محمد، لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي. فهل تعلمون هذا كان لغيري؟ أناشدكم الله أن جبريل نزل على رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إن الله يأمرك أن تحب علياً وتحب من يحبه، فإن الله يحب علياً ويحب من يحبه؟ قالوا اللهم نعم. قال: أناشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال لما أسري به إلى سماء السابعة، فقال: رفعت إلى رفارف من نور، ثم رفعت إلى حجب من نور، فأوعز إلى النبي ﷺ أشياء، فلما رجع من عنده نادى مناد من وراء الحجب: يا محمد، نعم الأب أبوك إبراهيم! ونعم الأخ أخوك علي! تعلمون معاشر المهاجرين والأنصار كان هذا؟ فقال أبو محمد يعني عبد الرحمن بن عوف من بينهم: سمعتها من رسول الله ﷺ وإلا فصمتا. تعلمون أن أحداً كان يدخل المسجد غيري جنباً؟ هل تعلمون أني كنت إذا قاتلت عن يمين النبي ﷺ قاتلت الملائكة عن يساره قالوا: اللهم نعم. فهل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؟ وهل تعلمون أن رسول الله ﷺ آخا بين الحسن والحسين، فجعل رسول الله ﷺ يقول: يا حسن. مرتين، فقالت فاطمة: يا رسول الله، إن الحسين لأصغر منه وأضعف منه وأضعف ركناً منه. فقال لها رسول الله ﷺ : ألا ترضين أن أقول هي يا حسن، ويقول جبريل: هي يا حسين؟ فهل لخلق مثل هذه المنزلة؟ نحن صابرون ليقضي الله أمراً كان مفعولا.
стр. 5544
قال أبو وائل: قلت لعبد الرحمن بن عوف: كيف بايعتم عثمان وتركتم علياً؟ فقال: ما ذنبي؟ قد بدأت لعلي فقلت: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسيرة أبي بكر وعمر؟ قال: فقال: فيما استطعت. قال: ثم عرضتها فقبلها على عثمان.
قال حذيفة بن اليمان: قبض رسول الله ﷺ فاستخلف الله أبا بكر، وقبض أبو بكر فاستخلف الله عمر ثم قبض عمر فاستخلف الله عثمان.
حدث حفص بن غياث قال: قال شريك بن عبد الله: مرض رسول الله ﷺ ، فأمر أبا بكر أن يصلي بالناس، فلو علم رسول الله ﷺ أن في أصحابه أحداً أفضل من أبي بكر لأمر ذلك الرجل وترك أبا بكر، فلما احتضر أبو بكر استخلف عمر بن الخطاب، ولو علم أبو بكر أن أصحاب محمد ﷺ أحداً أفضل من عمر بن الخطاب، ثم قدم عمر وترك ذلك الرجل لقد كان غش أصحاب محمد ﷺ ، فلما احتضر عمر بن الخطاب فصير الأمر شورى، فوقعت الشورى بعثمان بن عفان، فلو علم أصحاب محمد ﷺ أن في القوم أحداً أحق بها من عثمان، ثم نصبوا عثمان وتركوا ذلك الرجل، لقد كانوا غشوا هذه الأمة. قال: فأتيت عبد الله بن إدريس فقلت له: يا أبا محمد، كلاماً سمعته الساعة من حفص بن غياث. قال: فأسند، ثم قال: هات. قال: فحدثته بالحديث. قال: أنت سمعته؟ قلت: الساعة وكتبته في ألواحي. قال: الحمد لله الذي أطلق بذلك لسانه، فوالله إنه لشيعي، وإن شريكاً لشيعي، قال: قلت له: يا أبا محمد، ما تقول في الوقوف عند علي وعثمان؟ قال: لا بل نضعه حيث وضعه أصحابه. قال أبو عمر الإمام: يعني يقال: عثمان وعلي، ثم رجع إلى الحديث. وكان الواحد منهم نوراً، ولقد قتل يوم قتل وهو عندنا أفضل منه.
ثم قال: حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن كعب بن عجرة قال: كنا عند رسول الله ﷺ ذات يوم، فذكر فتنة فقربها، ثم مر رجل مقنع الرأس فقال: وهذا يومئذ على الهدى أو قال: على الحق قال فقمت إلى الرجل فأخذت بعضديه، وأقبلت بوجهه على النبي ﷺ فقلت: هذا؟ قال: نعم. وإذا هو عثمان بن عفان.
стр. 5545
قال خالد بن خداش: جلست إلى حماد بن زيد وأنا ابن عشرين سنة، وجلست إليه ثلاث عشرة سنة، فسمعته يقول ما لا أحصي: لئن قلت: إن علياً أفضل من عثمان لقد قلت إن أصحاب رسول الله ﷺ قد خانوا.
وكانت الشورى باجتماع الناس على عثمان، وبويع لعثمان يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، واستقبل بخلافته المحرم سنة أربع وعشرين، وقتل يوم الجمعة لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين.
قال ابن شهاب: عاش أبو بكر بعد أن استخلف سنتين وأشهراً، وعمر عشر سنين، حجها كلها، وعثمان اثنتي عشرة، حجها كلها إلا سنتين، ومعاوية عشرين سنة إلا شهراً، حج حجتين، ويزيد ثلاث سنين وأشهراً، وعبد الملك بعد الجماعة بضع عشرة سنة إلا شهراً، حج حجة، والوليد عشر سنين إلا شهراً، حج حجة.
وفتح الري سنة أربع وعشرين، وفتحت، وفتحت الجزيرة وأرمينية سنة خمس وعشرين، وفتحت الإسكندرية سنة ست وعشرين، وافتتحت إفريقية سنة سبع وعشرين، وحصر عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وولي أمر الناس في حصار عثمان علي بن أبي طالب، فصلى بالناس صلاة العيد يوم الأضحى.
وكان نقش خاتم عثمان: آمنت بالذي خلق فسوى، وقيل: كان نقشه: آمن عثمان بالله العظيم.
قالوا: وبويع عثمان بن عفان فكان عام الرعاف سنة أربع وعشرين، وكانت الإسكندرية سنة خمس وعشرين، وكانت غزوة سابور الجنود سنة ست وعشرين، وكانت إفريقية وأميرها عبد الله بن سعد بن أبي سرح سنة سبع وعشرين، ثم كانت فارس الأولى واصطخر الآخرة سنة ثمان وعشرين، ثم كانت فارس الآخرة سنة تسع وعشرين، ثم كانت
стр. 5546
طبرستان سنة ثلاثين ثم كانت الأساودة سنة إحدى وثلاثين، ثم كان المضيق سنة اثنتين وثلاثين، ثم كانت قبرس سنة ثلاث وثلاثين، ثم كانت الصواري سنة أربع وثلاثين، وكانت ذي خشب سنة خمس وثلاثين، وعثمان محصور في الدار.
قال المسيب بن رافع: سار إلينا عبد الله بن مسعود سبعاً من المدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن غلام المغيرة أبا لؤلؤة قتل أمير المؤمنين، فضج الناس وبكوا واشتد بكاؤهم ثم قال: إنا اجتمعنا أصحاب محمد ﷺ فأمرنا علينا عثمان بن عفان، ولم نأل عن خيرنا ذا فوق.
قال أبو عبيد: قوله: ذا فوق يعني السهم الذي له فوق، وهو موضع الوتر، وإنما نراه قال: خيرنا ذا فوق، ولم يقل: خيرنا سهماً، لأنه قد يقال له: سهم، وإن لم يكن أصلح فوقه، ولا أحكم عمله، فهو سهم ليس بتام كامل، حتى إذا صلح عمله واستحكم عمله فهو حينئذ سهم ذو فوق، فجعله عبد الله مثلاً لعثمان يقول: إنه خيرنا سهماً تاماً في الإسلام والسابقة والفضل، فلهذا خص ذا فوق.
стр. 5547
وعن ابن عباس قال: نزلت الآية " ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء " في هشام بن عمرو، وهو الذي " ينفق ماله سرا ًوجهراً " ومولاه أبو الحواية كان ينهاه. ونزلت " وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم " فالأبكم الكل على مولاه هو أسيد بن أبي العيص، والذي " يأمر بالعدل وهوعلى صراط مستقيم " عثمان بن عفان.
وعن ابن عباس: في قول الله : " إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم ". قال: الذين يأمرون بالقسط من الناس ولاة العدل عثمان وضربه.
وعن ابن عمر قال: لقيت ابن عباس، وكان خليفة عثمان عام قتل على الموسم فأخبرته بقتله، فعظم أمره وقال: والله إنه لمن الذين يأمرون بالقسط. فتمنيت أن أكون قتلت يومئذ قال الزهري: كان أمير المؤمنين عبد الملك يحدث أن أبا بحرية الكندي أخبره أن عمر بن الخطاب خرج ذات يوم فإذا هو بمجلس فيه عثمان بن عفان فقال: منكم رجل لو قسم إيمانه بين جند من الأجناد لوسعهم. يريد عثمان بن عفان.
وعن عبد الله بن عبيد الأنصاري قال: كنت فيمن دفن ثابت بن قيس بن شماس، وكان أصيب يوم اليمامة، فلما أدخلناه القبر سمعناه يقول: محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عمر الشهيد، عثمان لين رحيم. فنظرنا فإذا هو ميت.
стр. 5548
وعنه أن رجلاً من قتلى مسيلمة تكلم فقال: محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عثمان الرحيم.
وعن سعيد بن المسيب قال: مات رجل من الأنصار فغسل وكفن وحنط فقعد في أكفانه، فقال: محمد رسول الله حقاً، أبو بكر الصديق، أصبتم اسمه ضعيف في العين، قوي في أمر الله، عمر بن الخطاب القوي الأمين، عثمان بن عفان على منهاجهم، بئر أريس ما بئر أريس، قال: ثم رجع فمات.
وعن النعمان بن بشير أنه قال: بينما زيد بن خارجة يمشي في بعض طرق المدينة بين الظهر والعصر خر ميتاً، فنقل إلى أهله، وسجي ببردين وكساء، فاجتمع عليه نسوة من الأنصار، فصرخن حوله إذ سمعوا صوتاً بين المغرب والعشاء من تحت الكساء وهو يقول: أنصتوا أنصتوا. مرتين، قال: فحسر عن وجهه وصدره فقال: محمد رسول الله النبي الأمي وخاتم النبيين، كان ذلك في الكتاب الأول. ثم قيل على لسانه: صدق صدق صدق، ثم قال: أبو بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ ، القوي الأمين، كان ضعيفاً في بدنه قوياً في أمر الله ؛ كان ذلك في الكتاب الأول. ثم قيل على لسانه: صدق صدق صدق؛ ثم قال: الأوسط أجلد القوم عند الله عمر أمير المؤمنين الذي كان لا يخاف في الله لومة لائم، وكان يمنع الناس أن يأكل قويهم ضعيفهم، كان ذلك في الكتاب الأول. ثم قيل على لسانه: صدق صدق صدق؛ ثم قال: عثمان أمير المؤمنين، رحيم بالمؤمنين، معافي الناس في ذنوب كثيرة، خلت ثنتان أو قال: ليلتان وبقي أربع قال داود: مضت سنتان وبقي أربع حتى يقع الاختلاف. قال: ثم اختلف الناس ولا نظام لهم، وأبيحت الأحماء، ودنت الساعة، وأكل الناس بعضهم بعضاً فقالوا: قضاء الله وقدره. قال: ثم قال: يا أيها الناس، أقبلوا على
стр. 5549
أميركم واسمعوا وأطيعوا قال: ثم يحرك داود شفتيه برجل ولا يظهر لنا فإنه على منهاج عثمان؛ فمن تولى بعد ذلك فلا يعهدن دماً، كان أمر الله قدراً مقدوراً. ثلاثاً. ثم قال: هذه الجنة وهذه النار، وهؤلاء النبيون والشهداء؛ ثم قال: السلام عليكم يا عبد الله بن رواحة، هل أحسست لي خارجة وسعداً؟ قال داود: أبوه وأخوه كانا أصيبا يوم أحد قال: ثم قال: " كلا إنها لظى، نزاعة للشوى، تدعو من أدبر وتولى، وجمع فأوعى " قال: ثم قال: هذا رسول الله ﷺ ، السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. قال: ثم خمد صوته وعاد ميتاً كما كان.
وعن عثمان بن عفان أنه قال: من لم يزدد يوماً بيوم خيراً فذلك رجل يتجهز إلى النار بصيرة.
قال الحسن: رأيت عثمان نائماً في المسجد، ورداؤه تحت رأسه، فيجيء الرجل فيجلس إليه، ثم يجيء الرجل فيجلس إليه، ويجيء الرجل فيجلس إليه كأنه أحدهم.
وعن محمد بن هلال المديني عن أبيه عن جدته: أنها كانت تدخل على عثمان بن عفان، ففقدها يوماً فقال لأهله: ما لي لا أرى فلانة؟ فقالت امرأته: يا أمير المؤمنين ولدت الليلة غلاماً، قالت: فأرسل إلي بخمسين درهماً وشقيقة سنبلانية، ثم قال: هذا عطاء ابنك، وهذه كسوته، فإذا مرت به سنة رفعناه إلى مئة.
وعن الحسن قال: أدركت عثمان على ما نقموا عليه، قلما يأتي على الناس يوم إلا وهم يقتسمون فيه خيراً، فقال لهم: يا معشر المسلمين، اغدوا على أعطياتكم. فيأخذونها وافرة، ثم قال
стр. 5550
لهم: اغدوا على أرزاقكم. فيأخذونها وافرة، ثم يقال لهم: اغدوا على السمن والعسل؛ الأعطيات جارية والأرزاق دارة، والعدو منفي، وذات البين حسن، والخير كثير، وما مؤمن يخاف مؤمناً، من لقيه فهو أخوه من كان، ألفته ونصيحته ومودته، قد عهد إليهم أنها ستكون أثرة، فإذا كانت أن يصبروا. قال رسول الله ﷺ لأسيد بن حضير: ستلقون بعدي أثرة. قال: فما تأمرنا؟ قال: أن تصبروا حتى تلقوا الله ورسوله.
قال الحسن: لو أنهم صبروا حين رأوها وأخذوها بأمر رسول الله ﷺ لوسعهم ما كانوا فيه من العطاء والرزق والخير الكثير. قالوا: لا والله ما نصابرها، فو الله ما ردوا ولا سلموا، والأخرى كان السيف مغمداً عن أهل الإسلام، ما على الأرض مؤمن يخاف أن يسل مؤمن عليه سيفاً حتى سلوه على أنفسهم، فو الله ما زال مسلولاً إلى يوم الناس هذا، وأيم الله إني لأراه سيفاً مسلولاً إلى يوم القيامة.
وعن حكيم بن عباد بن حنيف قال: أول منكر ظهر بالمدينة حين فاضت الدنيا، وانتهى سمن الناس، طيران الحمام والرمي على الجلاهقات، فاستعمل عليها عثمان من بني ليث سنة ثمان، فقصها وكسر الجلاهقات.
وزاد في حديث: وحدث بين النشو قتال بالعصي، فأرسل عثمان طائفاً يطوف عليهم فمنعهم من ذلك، ثم استن الناس بإفشاء الحدود، وساء ذلك عثمان، وشكا ذلك إلى الناس، فاجتمعوا على أن يجلدوا في النبيذ، فأخذ نفراً منهم فجلدوا.
стр. 5551
وعن الحسن قال: شهدت عثمان بن عفان يأمر في خطبته بقتل الكلاب وذبح الحمام.
وعن ابن داب قال: قال ابن سعيد بن يربوع بن عنكثة المخزومي: انطلقت وأنا غلام في الظهيرة ومعي طير أرسله من المسجد يبنى، فإذا شيخ جميل حسن الوجه نائم، تحت رأسه لبنة أوبعض لبنة، فقمت أنظر إليه أتعجب من جماله! ففتح عينيه فقال: من أنت يا غلام؟ فأخبرته، فنادى غلاماً نائماً قريباً منه فلم يجبه، فقال لي: ادعه، فدعوته فأمره بشيء، وقال لي: اقعد، قال: فذهب الغلام فجاء بحلة وجاء بألف درهم، فنزع ثوبي وألبسني الحلة، وجعل الألف درهم فيها، فرجعت إلى أبي فأخبرته فقال: يا بني، من فعل هذا بك؟ فقلت: لا أدري، إلا أنه رجل في المسجد نائم، لم أر قط أحسن منه! قال: ذلك أمير المؤمنين عثمان بن عفان.
حدث الأصمعي قال: استعمل ابن عامر قطن بن عوف الهلالي على كرمان، فأقبل جيش من المسلمين أربعة آلاف، وجرى الوادي فقطعهم عن طريقهم، وخشي قطن الفوت فقال: من جاز الوادي فله ألف درهم. فحملوا أنفسهم على العظم، فكان إذا جاز الرجل منهم قال قطن: أعطوه جائزته. حتى جازوا جميعاً، وأعطاهم أربعة آلاف ألف درهم، فأبى ابن عامر أن يحسبها، فكتب بذلك إلى عثمان بن عفان، فكتب عثمان أن احسبها له، فإنه إنما أعان المسلمين في سبيل الله، ففي ذلك اليوم سميت الجوائز لإجازة الوادي، وقال الكناني في ذلك: من الوافر
стр. 5552
فدى للأكرمين بني هلال ... على علاتهم أهلي ومالي.
هم سنوا الجوائز في معد ... فعادت سنة أخرى الليالي.
رماحهم تزيد على ثمان ... وعشر قبل تركيب النصال.
قال أبو العباس محمد بن إسحاق يعني السراج: قال لي أبو إسحاق القرشي يوماً: من أكرم الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ قلت: عثمان بن عفان، قال: كيف وقعت على عثمان من بين الناس؟ قلت: لأني رأيت الكرم في شيئين: في المال والروح، فوجدت عثمان جاد بماله على رسول الله ﷺ ، ثم جاد بروحه على أقاربه، قال: لله درك ياأبا العباس.
ابتاع عثمان بن عفان حائطاً من رجل فساومه حتى قاومه على الثمن الذي رضي به البائع، فقال: أرنا يدك، قال: وكانوا لا يستوجبون البيع إلا بالصفقة، فلما رأى ذلك الرجل قال: لا أبيعك حتى تزيدني عشرة آلاف، فالتفت عثمان إلى عبد الرحمن بن عوف قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله أدخل الجنة رجلاً كان سمحاً بائعاً ومبتاعاً قاضياً ومقتضياً ". اذهب فقد زدتك العشرة آلاف لأستوجب بها هذه الكلمة التي سمعتها من رسول الله ﷺ . وعن ابن عمر في قوله: " أمن هو قانت آناء الليل " الآية، قال: نزلت في عثمان بن عفان.
وعن عبد الرحمن بن عثمان التيمي قال: قلت: لأغلبن الليلة على المقام،
стр. 5553
قال: فسبقت إليه، فبينا أنا قائم أصلي إذ وضع رجل يده على ظهري، فنظرت فإذا هو عثمان بن عفان، وهو خليفة، فتنحيت عنه فقام، فما برح قائماً حتى فرغ من القرآن في ركعة لم يزد عليها، فلما انصرف قلت: يا أمير المؤمنين، إنما صليت ركعة!؟ قال: أجل هي وتري.
وعن عامر بن عبدة قال: قمت ذات ليلة خلف المقام فإذا رجل شديد بياض الثياب طيب الريح يصلي، ورجل يفتح عليه إذا أخطأ، وإذا هو عثمان بن عفان.
وعن عطاء بن أبي رباح: أن عثمان بن عفان صلى بالناس ثم قام خلف المقام فجمع كتاب الله في ركعة كانت وتره، فسميت البتيراء.
وعن محمد بن سيرين قال: لما أطافوا بعثمان يريدون قتله قالت امرأته: إن تقتلوه أو تدعوه، فقد كان يحيي الليلة بركعة يقرأ فيها القرآن.
وكان عثمان لا يوقظ أحداً من أهله إذا قام من الليل إلا أن يجده يقظان، فيدعوه فيناوله وضوءه، وكان يصوم الدهر.
وكان عثمان يقوم من الليل فيأخذ وضوءه، فقالت له امرأة من أهله: يا أمير المؤمنين، لو أيقظت بعض الخدم فناولك وضوءك؟ فقال: لهم الليل يستريحون.
وذكر عند الحسن حياء عثمان قال: إن كان ليكون جوف البيت، والباب عليه مغلق، فيضع ثوبه ليفيض عليه الماء، فيمنعه الحياء أن يرفع صلبه قال عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي: لما بويع عثمان خرج إلى الناس فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن أول مركب صعب، وإن بعد اليوم أياماً، وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها، وما كنا خطباء وسيعلمنا الله.
стр. 5554
وعن الحسن قال: لما كان من بعض هيج الناس ما كان، جعل رجل يسأل عن أفاضل أصحاب رسول الله ﷺ ، فجعل لا يسأل أحداً إلا دله سعد بن مالك، قال: فقيل له: إن سعداً رجل إذا أنت رفقت به كنت قمناً أن تصيب منه حاجتك، وإن أنت خرقت به كنت قمناً أن لا تصيب منه شيئاً. فجلس أياماً لا يسأله عن شيء حتى استأنس به فذكر الحديث قال: أخبرني عن عثمان؟ قال: كنا إذ نحن جميع مع رسول الله ﷺ كان أحسننا وضوءاً، وأطولنا صلاة وأعظمنا نفقة في سبيل الله.
ذكر أبو الزناد: أن رجلاً من ثقيف جلد في الشراب في خلافة عثمان بن عفان قال: وكان لذلك الرجل مكان من عثمان ومجلس في خلوته، فلما جلد أراد ذلك المجلس فمنعه إياه عثمان، وقال: لا نعود إلى مجلسك أبداً إلا ومعنا ثالث.
قال الحسن: قال: قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان: لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي علي يوم لا أنظر في المصحف، وما مات عثمان حتى خرق مصحفه من كثرة ما كان يديم النظر فيه.
وعن علي: أنه قال لعثمان: إن سرك أن تلحق بصاحبيك فأقصر الأمل، وكل دون الشبع، وانكس الإزار، وارقع القميص، واخصف النعل، تلحق بهما.
قال: والمحفوظ أن علياً قال ذلك لعمر، يعني بصاحبيه: النبي ﷺ وأبا بكر.
حدث أنس بن مالك: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان بن عفان، وكان يغزو مع أهل العراق قبل إرمينية في غزوهم ذلك فيمن اجتمع من أهل العراق وأهل الشام فتنازعوا في القرآن حتى سمع
стр. 5555
حذيفة من اختلافهم فيه ما يكره، فركب حذيفة حتى قدم على عثمان فقال: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنصارى في الكتب، ففزع لذلك عثمان بن عفان، فأرسل إلى حفصة بنت عمر أن أرسلي إلي بالصحف التي جمع فيها القرآن، فأرسلت إليه بها حفصة، فأمر عثمان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وقال لهم: إذا اختلفتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن إنما نزل بلسانهم. ففعلوا، حتى كتبت المصاحف، ثم رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل جند من أجناد المسلمين بمصحف، وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف المصحف الذي أرسل به. فذلك زمان حرقت فيه المصاحف بالنار.
قال يزيد بن معاوية الأشجعي: إني لفي المسجد زمن الوليد بن عقبة في حلقة فيها حذيفة، قال: فليس إذ ذاك حجزة ولا جلاوزة، إذ هتف هاتف: من كان يقرأ على قراءة أبي موسى فليأت الزاوية التي عند أبواب كندة، ومن كان يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود فليأت هذه الزاوية التي عند دار عبد الله، فاختلفا في آية في سورة البقرة، قرأ هذا " وأتموا الحج والعمرة للبيت "، وقرأ هذا " وأتموا الحج والعمرة لله " فغضب حذيفة واحمرت عيناه، ثم قام فغرز قميصه في حجزته وهو في المسجد وذلك في زمن عثمان فقال: إما أن تركب إلى أمير المؤمنين، وإما أن أركب، فهكذا كان من قبلكم، ثم أقبل فجلس فقال: إن الله بعث محمداً ﷺ فقاتل بمن أقبل من أدبر حتى أظهر الله دينه، ثم إن الله قبضه
стр. 5556
فطعن الناس في الإسلام طعنة جواداً ثم إن الله استخلفأبا بكر، فكان ما شاء الله، ثم إن الله قبضه فطعن الناس في الإسلام طعنة جواداً، ثم إن الله استخلف عمر، فنزل وسط الإسلام، ثم إن الله قبضه فطعن الناس في الإسلام طعنة جواداً، ثم إن الله استخلف عثمان، وأيم الله ليوشكن أن تطعنوا فيه طعنة تحلقونه كله.
وعن محمد وطلحة قالا: وصرف حذيفة عن غزو الري إلى غزو الباب مدداً لعبد الرحمن بن ربيعة، وخرج معه سعيد بن العاص، فبلغ معه أذربيجان، فأقام حتى قفل حذيفة ثم رجعا. قال له حذيفة: إني سمعت في سفرتي هذه أمراً لئن ترك الناس ليضلن القرآن ثم لا يقومون عليه أبداً، قال: رأيت أمداد أهل الشام حين قدموا علينا، فرأيت أناساً من أهل حمص يزعمون لأناس من أهل الكوفة أنهم أصوب قراءة منهم، وأن المقداد أخذها من رسول الله ﷺ ، ويقول الكوفيون مثل ذلك، ورأيت من أهل دمشق قوماً يقولون لهؤلاء: نحن أصوب منكم قراءة وقرآن، ويقول هؤلاء لهم في مثل ذلك. فلما رجع إلى الكوفة دخل المسجد فحذر الناس مما سمع في غزاته، فساعده على ذلك أصحاب رسول الله ﷺ ومن أخذ عنهم وعامة التابعين، وقال له قوم ممن قرأ على عبد الله: وما تنكر؟ ألسنا نقرأ على قراءة ابن أم عبد؟ وأهل البصرة يقرؤون على قراءة أبي موسى ويسمونها لباب الفؤاد، وأهل مصر يقرؤون على قراءة المقداد وسالم؟ فغضب حذيفة من ذلك وأصحابه وأولئك التابعون، وقالوا: إنما أنتم أعراب، وإنما بعث عبد الله إليكم ولم يبعث إلى من هو أعلم منه، فاسكتوا فإنكم على خطأ. وقال حذيفة: والله لئن عشت حتى آتي أمير المؤمنين لأشكون إليه ذلك، ولأشيرن عليه أن يحول بينهم وبين ذلك حتى ترجعوا إلى جماعة المسلمين والذي عليه أصحاب رسول الله ﷺ بالمدينة. وقال الناس مثل ذلك، فقال عبد الله: والله إذاً ليصلين الله وجهك نار جهنم. فقال سعيد بن العاص: أعلى الله تألى والصواب مع صاحبك؟ فغضب سعيد وقام، وغضب ابن مسعود فقام، فغضب القوم فتفرقوا، وغضب حذيفة فرحل إلى عثمان فأخبره بالذي حدث في نفسه من تكذيب بعضهم
стр. 5557
بعضاً بما يقرأ، ويقول: أنا النذير العريان فأدركوا. فجمع عثمان الصحابة، وأقام حذيفة فيهم بالذي رأى وسمع، فأعظموا ذلك، ورأوا جميعاً مثل الذي رأى، قالوا: إن يتركوا ويمضي هذا القرن لا يعرف القرآن. فسأل عثمان: مالباب الفؤاد؟ فقيل: مصحف كتبه أبو موسى، وكان قرأ على رجال كثير ممن لم يكن جمع على النبي ﷺ . وسأل عن مصحف ابن مسعود فقيل له: قرأ على مجمع بن جارية وخباب بن الأرت، وجمع القرآن بالكوفة، فكتب مصحفاً وسأل عن المقداد فقيل له: جمع القرآن بالشام، فلم يكونوا قرؤوا على النبي ﷺ إنما جمعوا القرآن في أمصارهم، فاكتتب المصاحف وهو بالمدينة، وفيها الذين قرؤوا القرآن على النبي ﷺ وبثها في الأمصار، وأمر الناس أن يعمدوا إليها وأن يدعوا ما يعلم في الأمصار. فكل الناس عرف فضل ذلك، أجمعوا عليه وتركوا ما سواه إلا ما كان من أهل الكوفة، فإن قراء قراءة عبد الله نزوا في ذلك حتى كادوا يتفضلون على أصحاب النبي ﷺ ، وعابوا الناس، فقام فيهم ابن مسعود فقال: ولا كل هذا، إنكم قد سبقتم سبقاً بيناً، فاربعوا على ظلعكم.
ولما قدم المصحف الذي بعث به عثمان على سعيد، وأجمع عليه الناس، وفرح به أصحاب النبي ﷺ بعث سعيد إلى ابن مسعود يأمره أن يدفع إليه مصحفه، فقال: هذا مصحفي، تستطيع أن تأخذ ما في قلبي؟ فقال له سعيد: يا عبد الله، ما أنا عليك بمسيطر، إن شئت تابعت أهل دار الهجرة وجماعة المسلمين، وإن شئت فارقتهم، وأنت أعلم.
قال مصعب بن سعد: قام عثمان فخطب الناس فقال: أيها الناس، عهدكم بنبيكم ﷺ منذ ثلاث عشرة وأنتم تمترون في القرآن، وتقولون قراءة أبي وقراءة عبد الله، يقول الرجل: والله ما تقيم قراءتك، فأعزم على رجل منكم ماكان معه من كتاب الله شيء لما جاء به، فكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن، حتى جمع من ذلك كثرة، ثم دخل عثمان فدعاهم رجلاً
стр. 5558
رجلاً فناشدهم: أسمعت رسول الله ﷺ ، وهو أمله عليك؟ فيقول: نعم. فلما فرغ من ذلك عثمان قال: من أكتب الناس؟ قالوا: كاتب رسول الله ﷺ زيد بن ثابت. قال: فأي الناس أعرب؟ قالوا: سعيد بن العاص، قال: عثمان: فليمل سعيد وليكتب زيد، فكتب مصاحف ففرقها في الناس، فسمعت بعض أصحاب محمد ﷺ يقول: " قد أحسن ".
وعن علي قال: رحم الله عثمان لقد صنع في المصاحف شيئاً لو وليت الذي ولي قبل أن يفعل في المصاحف ما فعل لفعلت كما فعل.
ولما نسخ عثمان المصاحف قال له أبو هريرة: أصبت ووفقت، أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أشد أمتي حباً لي قوم يأتون من بعدي، يؤمنون بي ولم يروني، يعملون بما في الورق المعلق. فقلت: أي ورق؟ حتى رأيت المصاحف، فأعجب ذلك عثمان وأمر لأبي هريرة بعشرة آلاف، وقال: والله ما علمت إنك لتحبس علينا حديث نبينا ﷺ .
وعن علي كرم الله وجهه أنه قال: إياكم والغلو في عثمان، تقولون: حرق المصاحف، والله ما حرقها إلا عن ملأ من أصحاب محمد ﷺ ، ولو وليت مثلما ولي فعلت مثل الذي فعل.
وعن إسماعيل بن أبي خالد قال: لما نزل أهل مصر الجحفة يعاتبون عثمان صعد عثمان المنبر فقال: جزاكم الله يا أصحاب محمد عني شراً، أذعتم السيئة، وكتمتم الحسنة، وأغريتم بي سفهاء الناس، أيكم يأتي هؤلاء القوم فيسألهم ما الذي نقموا، وما الذي يريدون؟ ثلاث مرات لا يجيبه أحد، فقام علي فقال: أنا، فقال عثمان: أنت أقربهم رحماً وأحقهم بذلك، فأتاهم فرحبوا به وقالوا: ما كان يأتينا أحد أحب إلينا منك، فقال: ما الذي نقمتم؟ قالوا: نقمنا أنه محا كتاب الله،
стр. 5559
وحمى الحمى، واستعمل أقرباءه، وأعطى مروان مئة ألف، وتناول أصحاب النبي ﷺ . فرد عليهم عثمان: أما القرآن فمن عند الله، إنما نهيتكم لأني خفت عليكم الاختلاف، فاقرؤوا على أي حرف شئتم، وأما الحمى فوالله ما حميته لإبلي ولا غمني، وإنما حميته لإبل الصدقة لتسمن وتصلح وتكون أكثر ثمنا للمساكين، وأما قولكم: إني أعطيت مروان مئة ألف فهذا بيت مالهم فليستعملوا عليه من أحبوا، وأما قولهم: تناول أصحاب النبي ﷺ فإنما أنا بشر أغضب وأرضى، فمن ادعى قبلي حقاً أو مظلمة فهذا أنا، فإن شاء قود، وإن شاء عفو، وإن شاء أرضي، وفرضي الناس واصطلحوا ودخلوا المدينة، وكتب بذلك إلى أهل البصرة وأهل الكوفة فمن لم يستطع أن يجيء فليوكل وكيلاً.
وعن سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : " الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك ". قال لي سفينة: أمسك خلافة أبي بكر وعمر وخلافة عثمان ثم قال: عمل بما عمل صاحباه ست سنين، وكان في ست فيه وفيه، غفر الله لنا وله ورحمنا وإياه وخلافة علي، فنظرنا فوجدناها ثلاثين سنة.
قال الشعبي: كان عثمان في قريش محبباً، يوصون إليه، ويعظمونه، وإن كانت المرأة من العرب لترقص صبيها، وهي تقول: من المجتث
أحبك والرحمان ... حب قريش عثمان
قال الزهري: لما ولي عثمان عاش اثنتي عشرة سنة أميراً، يعمل ست سنين لا ينقم الناس عليه شيئاً،
стр. 5560
وإنه لأحب إلى قريش من عمر بن الخطاب لأن عمر كان شديداً عليهم، فلما وليهم عثمان لان لهم ووصلهم، ثم توانى في أمرهم واستعمل أقرباءه أهل بيته في الست الأواخر، وكتب لمروان بخمس مصر، وفي نسخة أخرى بخمس إفريقية، وأعطى أقرباءه المال وتأول في ذلك الصلة التي أمر الله بها، واتخذ المال واستسلف من بيت المال، وقال: إن أبا بكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما، وإني أخذته فقسمته في أقربائي، فأنكر الناس عليه ذلك.
وعن عروة قال: استخلف عثمان ففتح الله عليه إفريقية وخراسان، فعزل عمير بن سعد عن حمص، وجمع الشام لمعاوية، ونزع عمرو بن العاص عن مصر وأمر عليها عبد الله بن سعد ابن أبي سرح، أحد بني عامر بن لؤي، ونزع أبا موسى الأشعري عن البصرة وأمر عليها عبد الله بن عامر بن كريز، ونزع المغيرة بن شعبة عن الكوفة وأمر عليها سعيد بن العاص، فلم يزل أميرها حتى استعرت الفتنة في الناس، ففصل سعيد من عند عثمان إلى الكوفة، فلقيته خيل أهل الكوفة بالعذيب، فردوه فرجع إلى عثمان، فلم تزل الفتنة تستعر حتى قتل عثمان.
وعن سالم بن أبي الجعد قال: دعا عثمان ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم عمار بن ياسر، فقال: إني سائلكم وإني أحب أن تصدقوني: نشدتكم الله أتعلمون أن رسول الله ﷺ كان يؤثر قريشاً على سائر الناس، ويؤثر بني هشام على سائر قريش؟ فسكت القوم، فقال عثمان: لو أن بيدي مفاتيح الجنة لأعطيتها بني أمية حتى يدخلوا من عند آخرهم.
زاد في حديث غيره: ولأستعملنهم على رغم من رغم. فقال عمار: فإن ذلك يرغم بأنفي؟ قال: أرغم الله بأنفك. قال: بأنف أبي بكر وعمر؟ قال: فغضب فقام إليه فوطئه فأجفله الناس عنه.
стр. 5561
قال: فبعث إلى طلحة والزبير فقال: ائتيا هذا الرجل فخيراه بين ثلاث: بين أن يقتص أو يأخذ أرشاً، أو يعفو. فأتياه فقالا: إن هذا الرجل قد أنصف فخيرك بين أن تقتص أو تأخذ أرشاً أو تعفو. قال: لا والله، لا أقبل منهن واحدة حتى ألقى رسول الله ﷺ فأشكو إليه. قال: وجمع عثمان بني أمية فقال: يا ذبان الطمع، والله ما زلتم بي على هذا الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ حتى خشيت أن أكون قد أهلكته وهلكت. قال عثمان: أما إنه لا يمنعني أن أحدث ما سمعت رسول الله ﷺ ، أقبلت أنا رسول الله ﷺ نتماشى بالبطحاء فإذا أنا بعمار وأبي عمار وأم عمار يعذبون في الشمس، فقال ياسر: يا رسول الله، الدهر هكذا؟ فقال: اصبر، اللهم اغفر لآل ياسر.
حدث عباد بن زاهر أبو رواع قال: سمعت عثمان يخطب فقال: أما والله قد صحبنا رسول الله ﷺ في السفر والحضر، فكان يعود مرضانا، ويشيع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير، وإن ناساً يعلموني به عسى أن لا يكون أحدهم رآه قط. قال: فقال له أعين ابن امرأة الفرزدق: يا نعثل! إنك قد بدلت. فقال: من هذا؟ فقالوا: أعين. قال بل أنت أيها العبد. قال: فوثب الناس إلى أعين، قال: وجعل رجل من بني ليث يزعهم عنه حتى أدخله الدار.
وعن عبد الصمد بن عبد الرحمن بن أبي ذباب عن أبيه: أن عثمان بن عفان صلى بمنى أربع ركعات، فأنكر الناس عليه، قال: يا أيها الناس، إني تأهلت بمكة منذ قدمت، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من تأهل في بلد فليصل صلاة المقيم.
стр. 5562
قال أبو سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري: سمع عثمان بن عفان أن وفد أهل مصر قد أقبلوا فاستقبلهم، فلما سمعوا به أقبلوا نحوه، قال: وكره أن يقدموا عليه المدينة فأتوه فقالوا له: ادع بالمصحف فافتتح السابعة وكانوا يسمون سورة يونس السابعة فقرأها حتى أتى على هذه الآية " قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل الله أذن لكم أم على الله تفترون ". قالوا له: قف، أرأيت ما حميت من الحمى الله أذن لك أم على الله تفتري؟ فقال: امضه نزلت في كذا وكذا، فأما الحمى فإن عمر حمى الحمى قبلي لإبل الصدقة، فلما وليت زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زاد في الصدقة.
وعن شقيق قال: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد: ما لي أراك قد جفوت أمير المؤمنين عثمان؟ فقال: أبلغه أني لم أفر يوم عينين قال عاصم: هو يوم أحد ولم أتخلف يوم بدر، ولم أترك سنة عمر. فانطلق يخبر ذلك عثمان، فقال عثمان: أما قوله: يوم عينين فكيف يعيرني بذنب قد عفا الله عنه! فقال : " إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم "، وأما قوله إني تخلفت يوم بدر فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله ﷺ حتى ماتت، وقد ضرب لي سهمي، ومن ضرب له رسول الله ﷺ بسهم فقد شهد، وأما قوله إني أترك سنة عمر فإني لا أطيقها أنا ولا هو، فأته فحدثه بذلك.
قال صهيب مولى العباس: أرسلني العباس إلى عثمان أدعوه، فأتيته فإذا هو يغدي الناس، فدعوته فأتاه، فقال: أفلح الوجه أبا الفضل. قال: ووجهك. قال: إن رسولك أتاني وأنا في دار
стр. 5563
القضاء، ففرغت من شأني ثم أتيتك، فحاجتك؟ قال لا والله إلا أنه بلغني أنك أردت أن تقوم بعلي وأصحابه فتشكوهم إلى الناس، وعلي ابن عمك وأخوك في دينك، وصاحبك مع نبيك ﷺ قال: أجل، فوالله لو أن علياً شاء أن يكون أدنى الناس لكان وفي رواية أخرى: إن علياً لو شاء ما كان أحد دونه، ولكنه أبى إلا رأيه قال: ثم أرسلني إلى علي، فأتيته فقلت: أبا الفضل يدعوك، فلما جاءه قال: إنه بلغني أن عثمان أراد أن يقوم بك وأصحابك، وعثمان ابن عمك وأخوك في دينك وصاحبك مع نبيك ﷺ ، فقال: علي: والله لو أن عثمان أمرني أن أخرج من داري لفعلت. زاد في آخر: فأما أداهن ألا يقام بكتاب الله فلم أكن لأفعل.
وعن ابن الحنيفة قال: ما سمعت علياً ذاكراً عثمان بسوء قط، ولو كان ذاكرة بسوء لذكره يوماً، وسأخبر: كان الناس أتوا علياً يشكون إليه سعاة عثمان، فأرسلني أبي فقال: يا بني خذ هذا الكتاب فإن فيه عشر النبي ﷺ والصدقة، فاذهب به إلى عثمان. قال: فأتيته فأخبرته به فقال: انطلق فلا حاجة لنا به. فأتيت أبي فأخبرته فقال: لا عليك ضعه حيث أخذته.
قال سفيان: لم يجد علي بداً حين كان عنده علم أن ينهيه إليه، ونرى أن عثمان إنما رده أن عنده من ذلك علم فاستغنى عنه.
وعن أبي هريرة قال: ذكر رسول الله ﷺ فتنة فقالوا: يا رسول الله، فما المخرج منها؟ قال: عليكم بالأمين وأصحابه. يعني عثمان بن عفان.
وعن مرة بن كعب البهزي قال: كنت جالساً مع رسول الله ﷺ فذكر الفتن، فمر رجل فقال رسول الله ﷺ : هذا يومئذ ومن معه على الحق. فقمت إليه فأخذت بردائه، فلفت بوجهه فإذا هو عثمان بن عفان، فقلت: هذا يا نبي الله؟ قال: هذا.
стр. 5564
وعن عبد الله بن حوالة قال: كنت عند النبي ﷺ ، وعنده كاتب يكتب فقال: يا عبد الله بن حوالة، ألا أكتبك؟ فقلت: في أي شيء؟ فأعرض عني، ثم قال: يا عبد الله بن حوالة، ألا أكتبك؟ قلت: في أي شيء؟ فأعرض عني. قال: فنظرت في الكتاب فإذا فيه أبو بكر وعمر، أو أحدهما، فقلت في نفسي: ما كتب أبو بكر وعمر إلا في خير. قال يا عبد الله، ألا أكتبك؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: يا عبد الله، كيف بك إذا ظهرت فتنة في أطراف الأرض كأنها صياصي بقر؟ قلت: ما خار الله لي ورسوله. قل: فكيف بك يا عبد الله إذا ظهرت فتنة أخرى كأنها انتفاجة أرنب؟ قلت: ما خار الله ورسوله. قال: ومر رجل متقنع قال: هذا يومئذ على الهدى. قال: فتبعته فأخذت بمنكبه، فأقبلت به على النبي ﷺ فكشفت قناعه، قلت: هذا؟ قال: هذا. فإذا هو عثمان بن عفان.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ وذكر فتنة، فمر رجل فقال: يقتل هذا يومئذ مظلوماً. قال ابن عمر: فنظرت إليه فإذا هو عثمان بن عفان.
وعن النعمان بن بشير قال: حججت فأتيت عائشة أم المؤمنين لأسلم عليها فقالت: من أنت؟ فقلت: أنا النعمان. فقالت: ابن عمرة؟ فقلت: نعم. فقالت: إن رسول الله ﷺ قال يوماً لعثمان: إن كساك الله ثوباً فأرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه. قال النعمان: فقلت: غفر الله لك يا أم المؤمنين ألا ذكرت هذا حين جعلوا يختلفون إليك؟ فقالت: أنسيته حتى بلغ الله فيه أمره.
وفي حديث آخر بمعناه: فأخبرته معاوية بن أبي سفيان فلم يرض بالذي أخبرته حتى كتب إلى أم المؤمنين أن اكتبي إلي به، فكتبت إليه به كتاباً.
стр. 5565
وعن عائشة قالت: ما استمعت على رسول الله ﷺ إلا مرة فإن عثمان جاءه في نحر الظهيرة وزاد في رواية: فظننت أنه جاءه في أمر النساء، فحملتني الغيرة على أن أصغيت إليه فسمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله ملبسك قميصاً تريدك أمتي على خلعه فلا تخلعه. فلما رأيت عثمان يترك لهم كل شيء إلا خلعه علمت أنه عهد من رسول الله ﷺ .
زاد في رواية: فإن أنت خلعته لم ترح رائحة الجنة.
ومن حديث: فلنا كان يوم الدار وحصر قلنا: يا أمير المؤمنين، ألا نقاتل؟ قال: إن رسول الله ﷺ عهداً إلي عهداً، وإني صابر نفسي عليه.
وعن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إنك ستبتلى بعدي فلا تقاتلن.
وعن أبي بكر العدوي قال: سألت عائشة: هل عهد رسول الله ﷺ إلى أحد من أصحابه عند موته؟ قالت: معاذ الله غير أني سأخبرك، ثم أقبلت على حفصة فقالت: يا حفصة، أنشدك بالله أن تصدقيني بباطل وأن تكذبيني بحق. قالت عائشة: هل تعلمين رسول الله ﷺ أغمي عليه؟ فقلت: أفرغ؟ فقلت: لا أدري. فقال: ائذنوا له، فقلت: أبي؟ فسكت، فقلت أنت: أبي؟ فسكت ثم أغمي عليه أشد من الأولى، فقلت: أفرغ؟ فقلت: لا أدري. ثم أفاق فقال: ائذنوا له. فقلت: أبي فسكت، فقلت أنت: أبي؟ فسكت، ثم أغمي عليه إغماءة أشد من الأوليين حتى ظننا أنه قد فرغ. فقلت: أفرغ؟ فقلت: لا أدري. ثم أفاق فقال: ائذنوا له. فقلت: أبي؟ فسكت، فقلت أنت: أبي؟ فسكت. فقالت إحداهما: ليس لأبي ولا أبيك. فقلت: أتعلمين أن على الباب رجلاً؟ ائذنوا له. فإذا
стр. 5566
عثمان وكان من أشد هذه الأمة حياء وهو على الباب، فأذنوا له فدخل، فقال له النبي ﷺ : ادنه. فدنا، فقال: ادنه. فدنا، فقال: ادنه. فدنا حتى أمكن يده رسول الله ﷺ فجعلها وراء عنقه ثم ساره، فلما فرغ قال: أفهمت؟ قال: سمعته أذناي ووعاه قلبي. ثم وضع يده وراء عنقه ثم ساره، فلما فرغ قال: سمعت؟ قال: سمعته أذناي ووعاه قلبي. ثم وضع يده وراء عنقه ثم ساره، فلما فرغ قال: سمعت؟ قال: سمعته أذناي ووعاه قلبي، ثم قبض رسول الله ﷺ . قالت عائشة: أخبره أنه مقتول، وأمره أن يكف يده.
وعن حفصة زوج النبي ﷺ : أنه كانت قاعدة وعائشة مع رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : وددت أن معي بعض أصحابي نتحدث فقالت عائشة: أرسل إلى أبي بكر يتحدث معك؟ قال: لا. قال حفصة: أرسل إلى عمر يتحدث معك؟ قال لا، ولكن أرسل عثمان. فجاء عثمان فدخل، فقامتا فأرختا الستر، فقال رسول الله ﷺ لعثمان: إنك مقتول مستشهد، فاصبر صبرك الله، ولا تخلعن قميصاً قمصك الله ثنتي عشرة سنة وستة أشهر حتى تلقى الله وهو عليك. قال عثمان: إن دعا النبي ﷺ لي بالصبر وفي رواية: قال عثمان: ادع لي بالصبر فقال: اللهم صبره. فخرج عثمان، فلما أدبر قال رسول الله ﷺ : صبرك الله فإنك سوف تستشهد وتموت وأنت صائم وتفطر معي.
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " ياعثمان، إنك ستؤتى الخلافة من بعدي، وسيريدك المنافقون على خلعها فلا تخلعها، وصم في ذلك اليوم تفطر عندي.
وعن عائشة قالت: دخل عثمان على النبي ﷺ وهو محلل الأزرار، فزرها النبي ﷺ وقال: كيف أنت يا عثمان إذا لقيتني يوم القيامة وأوداجك تشخب دماً، فأقول: من فعل بك هذا؟ فتقول: بين خاذل وقاتل وآمر، فبينما نحن كذلك إذ ينادي مناد من تحت العرش: إن عثمان قد حكم في أصحابه. فقال عثمان: لا حول ولا قوة إلا بالله. وزاد في رواية: العلي العظيم.
стр. 5567
وعن ابن حوالة الأسدي عن رسول الله ﷺ أنه قال: من نجا من ثلاث فقد نجا: موتي، وخروج الدجال، وقتل الخليفة قوام مصطبر بالحق يعطيه.
وعن أنس أن النبي ﷺ صعد أحداً، فتبعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فقال: اثبت أحد، نبي وصديق وشهيدان. وفي رواية عنه: حراء أو أحداً. الحديث.
وعن محمد بن سيرين: أن رجلاً قال بالكوفة: هو يشهد أن عثمان قتل شهيداً، فأخذته الزبانية فرفعوه إلى علي، وقالوا: لولا أن تنهانا أو نهيتنا ألا نقتل أحداً لقتلنا هذا، زعم أنه يشهد أن عثمان قتل شهيداً. فقال الرجل لعلي: وأنت تشهد، أتذكر أني أتيت رسول الله ﷺ فسألته فأعطاني، وأتيت أبا بكر فسألته فأعطاني، فأتيت عمر فسألته فأعطاني، وأتيت عثمان فسألته فأعطاني. قال: فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يبارك لي، فقال ﷺ : وكيف لا يبارك لك وأعطاك نبي وصديق وشهيدان، وأعطاك نبي وصديق وشهيدان وأعطاك نبي وصديق وشهيدان.
وعن البراء بن عازب قال: قال لنا رسول الله ﷺ ذات يوم ": تدرون ما على العرش مكتوب؟ مكتوب لا إله إلا الله محمد الله ﷺ ، أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان الشهيد، علي الرضا ".
وفي حديث عن نعيم بن أبي هند قال: كان الناس بالكوفة إذا سمعوا أحداً يذكر عثمان بخير ضربوه، فقال لهم علي: لا تفعلون، ولكن ائتوني به. قال: فقال أعرابي: قتل عثمان شهيداً، فأتوا به علياً، وساق بقية الحديث بمعناه.
وعن أبي عون الأنصاري قال: بلغ عثمان بن عفان أن ابن مسعود يحدث بحديث كان عثمان عرفه، فبعث إليه عثمان، فاعتذر إليه ابن مسعود ببعض العذر، فقال عثمان: إني قد سمعت كما سمعت وحفظت،
стр. 5568
وليس كما تقول، إنما قال رسول الله ﷺ : " سيكون أمير يقتل، ثم يكون بعده متنزي، فإذا رأيتموه فاقتلوه، وإنما قتل عمر رجل واحد، وإنه سيجتمع علي وأنا المقتول، والمتنزي يكون من بعدي.
كان مبدأ الطعن على أمير المؤمنين عثمان ﵁ إفساد عبد الله بن سبأ الذي تنسب إليه السبئية، ويعرف بابن السوداء.
قال يزيد الفقعسي: لما خرج ابن السوداء إلى مصر نزل على كنانة بن بشر مرة، وعلى سودان بن حمران مرة، وانقطع إلى الغافقي فشجعه الغافقي، فتكلم وأطاف به خالد بن ملجم وعبد الله بن زرير وأشباه لهم، فصرف لهم القول فلم يجدهم يجيبون إلى شيء مما يجيبون إلى الوصية، فقال: عليكم ناب العرب وحجرهم ولسنا من رجاله، فأروه أنكم تزرعون ولا تزرعون العام شيئاً حتى تنكسر مصر، فتشكونه، فيعزل عنكم ونسأل من هو أضعف منه، ونخلو بما نريد، ونظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان أسرعهم إلى ذلك محمد بن أبي حذيفة، وهو ابن خال معاوية، وكان يتيماً في حجر عثمان، وفلما ولي استأذنه في الهجرة إلى بعض الأمصار، فخرج إلى مصر، وكان الذي دعاه إلى ذلك أنه سأل العمل فقال: لست هناك. ففعلوا ما أمرهم به ابن السوداء، ثم إنهم خرجوا وشكوا عمراً واستعفوا منه، وكلما نهنه عثمان عن عمر وقوماً وسكنهم وأرضاهم وقال: إنما هو أمين انبعث آخرون بشيء آخر، وكلهم يطلب عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فقال لهم عثمان: أما عمرو فسننزعه عنكم إلى ما زعمتم أنه أفسد، وأما الحرب فسنقره عليها ونولي من سألتم، فولى عبد الله ابن سعد خراجهم خراج مصر، وترك عمراً على صلاتها، فمشى في ذلك سودان بن حمران
стр. 5569
وكنانة بن بشر وخارجة وأشباههم فيما بين عمرو وعبد الله بن سعد، وأغروا بينهما حتى احتمل كل واحد منهما على صاحبه، وتكاتبا على قدر ما أبلغوا كل واحد منهما، فكتب عبد الله بن سعد: إن خراجي لا يستقيم ما دام عمرو على الصلاة. وخرجوا فصدقوه واستعفوا من عمرو، وسألوا عبد الله، فكتب عثمان إلى عمرو: إنه لا خير لك في صحبة من يكرهك، فأقبل. وجمع مصر لعبد الله صلاتها وخراجها، فقدم عمرو فقال له عثمان: أبا عبد الله ما شأنك استحيل رأيك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، دعني فوالله ما أدري أين أتيت وما أتهم عبد الله بن سعد، وإن كنت لأهل عملي كالوالدة، وما قدر العارف الشاكر على معونتي.
قال الحسن البصري: كان عمر قد حجر على أعلام قريش من المهاجرين الخروج في البلدان إلا بإذن وأجل، فشكوه فبلغه فقام فقال: ألا إني قد سننت الإسلام سن البعير، يبدأ فيكون جذعاً، ثم ثنياً، ثم رباعياً، ثم سدسياً، ثم بازلاً، فهل ينتظر بالبازل إلا النقصان، ألا وإن الإسلام قد بزل، ألا وإن قريشاً يريدون أن يتخذوا مال الله مغويات دون عباده، ألا فأما وابن الخطاب حي فلا، إني قائم دون شعب الحرة آخذ بحلاقيم قريش وحجزها أن يتهافتوا في النار.
стр. 5570
قالوا: فلما ولي عثمان لم يأخذهم بالزي الذي كان أخذهم به عمر، فانساحوا في البلاد، فلما رأوها ورأوا الدنيا ورآهم الناس انقطع من لم يكن له طول ولا مزية في الإسلام، وكان مغموراً في الناس، وصاروا أوزاعاً إليهم، وأملوهم وتقدموا في ذلك، وقالوا: يملكون فنكون قد عرفناهم وتقدمنا في التقرب والانقطاع إليهم، فكان ذلك أول وهن دخل على الإسلام، وأول فتنة كانت في العامة، ليس إلا ذلك.
قال الشعبي: لم يمت عمر حتى ملته قريش، وقد كان حصرهم بالمدينة، وأسبغ عليهم وقال: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة انتشاركم في البلاد، فإن كان الرجل ليستأذنه في الغزو وهو ممن حبس في المدينة من المهاجرين، ولم يكن فعل ذلك بغيرهم من أهل مكة فيقول: قد كان لك في غزوك مع النبي ﷺ ما يبلغك، وخير لك من غزوك اليوم ألا ترى الدنيا ولا تراك. فلما ولي عثمان خلى عنهم فاضطربوا في البلاد، وانقطع إليهم الناس، وكان أحب إليهم من عمر.
قال بن سعد بن أبي وقاص: قدم عمار من مصر وأبي شاك، فبلغه فبعثني إليه أدعوه، فقام معي ليس عليه رداء، وعليه قلنسوة من شعر، معتم عليها بعمامة وسخة، وجبة فراء يمانية، فلما دخل على سعد وهو متكئ، استلقى ووضع يده على جبهته، ثم قال: ويحك يا أبا اليقظان، إن كنت فينا لمن أهل الخير، فما الذي بلغني من سعيك في فساد بين المسلمين والتأليب على أمير المؤمنين؟ أمعك عقلك أم لا؟ فأهوى عمار إلى عمامته، وغضب فنزعها وقال: خلعت عثمان كما خلعت عماتي هذه، فقال سعد: إنا لله وإنا إليه راجعون، ويحك، حين كبر
следующие страницы →