Полный текст (10 576 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.
стр. 5566
عثمان وكان من أشد هذه الأمة حياء وهو على الباب، فأذنوا له فدخل، فقال له النبي ﷺ : ادنه. فدنا، فقال: ادنه. فدنا، فقال: ادنه. فدنا حتى أمكن يده رسول الله ﷺ فجعلها وراء عنقه ثم ساره، فلما فرغ قال: أفهمت؟ قال: سمعته أذناي ووعاه قلبي. ثم وضع يده وراء عنقه ثم ساره، فلما فرغ قال: سمعت؟ قال: سمعته أذناي ووعاه قلبي. ثم وضع يده وراء عنقه ثم ساره، فلما فرغ قال: سمعت؟ قال: سمعته أذناي ووعاه قلبي، ثم قبض رسول الله ﷺ . قالت عائشة: أخبره أنه مقتول، وأمره أن يكف يده.
وعن حفصة زوج النبي ﷺ : أنه كانت قاعدة وعائشة مع رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : وددت أن معي بعض أصحابي نتحدث فقالت عائشة: أرسل إلى أبي بكر يتحدث معك؟ قال: لا. قال حفصة: أرسل إلى عمر يتحدث معك؟ قال لا، ولكن أرسل عثمان. فجاء عثمان فدخل، فقامتا فأرختا الستر، فقال رسول الله ﷺ لعثمان: إنك مقتول مستشهد، فاصبر صبرك الله، ولا تخلعن قميصاً قمصك الله ثنتي عشرة سنة وستة أشهر حتى تلقى الله وهو عليك. قال عثمان: إن دعا النبي ﷺ لي بالصبر وفي رواية: قال عثمان: ادع لي بالصبر فقال: اللهم صبره. فخرج عثمان، فلما أدبر قال رسول الله ﷺ : صبرك الله فإنك سوف تستشهد وتموت وأنت صائم وتفطر معي.
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " ياعثمان، إنك ستؤتى الخلافة من بعدي، وسيريدك المنافقون على خلعها فلا تخلعها، وصم في ذلك اليوم تفطر عندي.
وعن عائشة قالت: دخل عثمان على النبي ﷺ وهو محلل الأزرار، فزرها النبي ﷺ وقال: كيف أنت يا عثمان إذا لقيتني يوم القيامة وأوداجك تشخب دماً، فأقول: من فعل بك هذا؟ فتقول: بين خاذل وقاتل وآمر، فبينما نحن كذلك إذ ينادي مناد من تحت العرش: إن عثمان قد حكم في أصحابه. فقال عثمان: لا حول ولا قوة إلا بالله. وزاد في رواية: العلي العظيم.
стр. 5567
وعن ابن حوالة الأسدي عن رسول الله ﷺ أنه قال: من نجا من ثلاث فقد نجا: موتي، وخروج الدجال، وقتل الخليفة قوام مصطبر بالحق يعطيه.
وعن أنس أن النبي ﷺ صعد أحداً، فتبعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فقال: اثبت أحد، نبي وصديق وشهيدان. وفي رواية عنه: حراء أو أحداً. الحديث.
وعن محمد بن سيرين: أن رجلاً قال بالكوفة: هو يشهد أن عثمان قتل شهيداً، فأخذته الزبانية فرفعوه إلى علي، وقالوا: لولا أن تنهانا أو نهيتنا ألا نقتل أحداً لقتلنا هذا، زعم أنه يشهد أن عثمان قتل شهيداً. فقال الرجل لعلي: وأنت تشهد، أتذكر أني أتيت رسول الله ﷺ فسألته فأعطاني، وأتيت أبا بكر فسألته فأعطاني، فأتيت عمر فسألته فأعطاني، وأتيت عثمان فسألته فأعطاني. قال: فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يبارك لي، فقال ﷺ : وكيف لا يبارك لك وأعطاك نبي وصديق وشهيدان، وأعطاك نبي وصديق وشهيدان وأعطاك نبي وصديق وشهيدان.
وعن البراء بن عازب قال: قال لنا رسول الله ﷺ ذات يوم ": تدرون ما على العرش مكتوب؟ مكتوب لا إله إلا الله محمد الله ﷺ ، أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان الشهيد، علي الرضا ".
وفي حديث عن نعيم بن أبي هند قال: كان الناس بالكوفة إذا سمعوا أحداً يذكر عثمان بخير ضربوه، فقال لهم علي: لا تفعلون، ولكن ائتوني به. قال: فقال أعرابي: قتل عثمان شهيداً، فأتوا به علياً، وساق بقية الحديث بمعناه.
وعن أبي عون الأنصاري قال: بلغ عثمان بن عفان أن ابن مسعود يحدث بحديث كان عثمان عرفه، فبعث إليه عثمان، فاعتذر إليه ابن مسعود ببعض العذر، فقال عثمان: إني قد سمعت كما سمعت وحفظت،
стр. 5568
وليس كما تقول، إنما قال رسول الله ﷺ : " سيكون أمير يقتل، ثم يكون بعده متنزي، فإذا رأيتموه فاقتلوه، وإنما قتل عمر رجل واحد، وإنه سيجتمع علي وأنا المقتول، والمتنزي يكون من بعدي.
كان مبدأ الطعن على أمير المؤمنين عثمان ﵁ إفساد عبد الله بن سبأ الذي تنسب إليه السبئية، ويعرف بابن السوداء.
قال يزيد الفقعسي: لما خرج ابن السوداء إلى مصر نزل على كنانة بن بشر مرة، وعلى سودان بن حمران مرة، وانقطع إلى الغافقي فشجعه الغافقي، فتكلم وأطاف به خالد بن ملجم وعبد الله بن زرير وأشباه لهم، فصرف لهم القول فلم يجدهم يجيبون إلى شيء مما يجيبون إلى الوصية، فقال: عليكم ناب العرب وحجرهم ولسنا من رجاله، فأروه أنكم تزرعون ولا تزرعون العام شيئاً حتى تنكسر مصر، فتشكونه، فيعزل عنكم ونسأل من هو أضعف منه، ونخلو بما نريد، ونظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان أسرعهم إلى ذلك محمد بن أبي حذيفة، وهو ابن خال معاوية، وكان يتيماً في حجر عثمان، وفلما ولي استأذنه في الهجرة إلى بعض الأمصار، فخرج إلى مصر، وكان الذي دعاه إلى ذلك أنه سأل العمل فقال: لست هناك. ففعلوا ما أمرهم به ابن السوداء، ثم إنهم خرجوا وشكوا عمراً واستعفوا منه، وكلما نهنه عثمان عن عمر وقوماً وسكنهم وأرضاهم وقال: إنما هو أمين انبعث آخرون بشيء آخر، وكلهم يطلب عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فقال لهم عثمان: أما عمرو فسننزعه عنكم إلى ما زعمتم أنه أفسد، وأما الحرب فسنقره عليها ونولي من سألتم، فولى عبد الله ابن سعد خراجهم خراج مصر، وترك عمراً على صلاتها، فمشى في ذلك سودان بن حمران
стр. 5569
وكنانة بن بشر وخارجة وأشباههم فيما بين عمرو وعبد الله بن سعد، وأغروا بينهما حتى احتمل كل واحد منهما على صاحبه، وتكاتبا على قدر ما أبلغوا كل واحد منهما، فكتب عبد الله بن سعد: إن خراجي لا يستقيم ما دام عمرو على الصلاة. وخرجوا فصدقوه واستعفوا من عمرو، وسألوا عبد الله، فكتب عثمان إلى عمرو: إنه لا خير لك في صحبة من يكرهك، فأقبل. وجمع مصر لعبد الله صلاتها وخراجها، فقدم عمرو فقال له عثمان: أبا عبد الله ما شأنك استحيل رأيك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، دعني فوالله ما أدري أين أتيت وما أتهم عبد الله بن سعد، وإن كنت لأهل عملي كالوالدة، وما قدر العارف الشاكر على معونتي.
قال الحسن البصري: كان عمر قد حجر على أعلام قريش من المهاجرين الخروج في البلدان إلا بإذن وأجل، فشكوه فبلغه فقام فقال: ألا إني قد سننت الإسلام سن البعير، يبدأ فيكون جذعاً، ثم ثنياً، ثم رباعياً، ثم سدسياً، ثم بازلاً، فهل ينتظر بالبازل إلا النقصان، ألا وإن الإسلام قد بزل، ألا وإن قريشاً يريدون أن يتخذوا مال الله مغويات دون عباده، ألا فأما وابن الخطاب حي فلا، إني قائم دون شعب الحرة آخذ بحلاقيم قريش وحجزها أن يتهافتوا في النار.
стр. 5570
قالوا: فلما ولي عثمان لم يأخذهم بالزي الذي كان أخذهم به عمر، فانساحوا في البلاد، فلما رأوها ورأوا الدنيا ورآهم الناس انقطع من لم يكن له طول ولا مزية في الإسلام، وكان مغموراً في الناس، وصاروا أوزاعاً إليهم، وأملوهم وتقدموا في ذلك، وقالوا: يملكون فنكون قد عرفناهم وتقدمنا في التقرب والانقطاع إليهم، فكان ذلك أول وهن دخل على الإسلام، وأول فتنة كانت في العامة، ليس إلا ذلك.
قال الشعبي: لم يمت عمر حتى ملته قريش، وقد كان حصرهم بالمدينة، وأسبغ عليهم وقال: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة انتشاركم في البلاد، فإن كان الرجل ليستأذنه في الغزو وهو ممن حبس في المدينة من المهاجرين، ولم يكن فعل ذلك بغيرهم من أهل مكة فيقول: قد كان لك في غزوك مع النبي ﷺ ما يبلغك، وخير لك من غزوك اليوم ألا ترى الدنيا ولا تراك. فلما ولي عثمان خلى عنهم فاضطربوا في البلاد، وانقطع إليهم الناس، وكان أحب إليهم من عمر.
قال بن سعد بن أبي وقاص: قدم عمار من مصر وأبي شاك، فبلغه فبعثني إليه أدعوه، فقام معي ليس عليه رداء، وعليه قلنسوة من شعر، معتم عليها بعمامة وسخة، وجبة فراء يمانية، فلما دخل على سعد وهو متكئ، استلقى ووضع يده على جبهته، ثم قال: ويحك يا أبا اليقظان، إن كنت فينا لمن أهل الخير، فما الذي بلغني من سعيك في فساد بين المسلمين والتأليب على أمير المؤمنين؟ أمعك عقلك أم لا؟ فأهوى عمار إلى عمامته، وغضب فنزعها وقال: خلعت عثمان كما خلعت عماتي هذه، فقال سعد: إنا لله وإنا إليه راجعون، ويحك، حين كبر
стр. 5571
سنك، ودق عظمك، ونفد عمرك، ولم يبق منك إلا ظمء كظمء الحمار، خلعت ربقة الإسلام من عنقك وخرجت من الدين عرياناً كما ولدتك أمك؟ فقام عمار مغضباً مولياً، وهو يقول: أعوذ بربي من فتنة سعد، فقال سعد " ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين " اللهم: زد عثمان بعفوه وحلمه عندك درجات، حتى خرج عمار من الباب. وأقبل علي سعد يبكي له حتى أخضل لحيته، وقال: من يأمن الفتنة؟ يا بني، لا يخرجن منك ما سمعت فإنه من الأمانة، وإني أكره أن يتعلق به الناس عليه فيتناولونه، وقد قال رسول الله ﷺ : الحق مع عمار ما لم تغلب عليه دلهة الكبر. فقد دله وخرف، وكان بعد يكثر أن يقول: ليت شعري كيف يصنع الله بعمار مع بلائه وقدمه في الإسلام وحدثه الذي أحدث؟ قال مبشر: سألت سالم بن عبد الله عن محمد بن أبي بكر ما دعاه إلى ركوب عثمان فقال: الغضب والطمع. فقلت: ما الغضب والطمع؟ قال: كان من الإسلام بالمكان الذي هو به، وغره أقوام فطمع، وكانت له دالة، ولزمه حق فأخذه عثمان من ظهره ولم يدهن، فاجتمع هذا إلى هذا فصار مذمماً بعد أن كان محمداً.
بعثت ليلى بنت عميس إلى محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر فقالت: إن المصباح يأكل نفسه ويضيء للناس فلا تأثما في أمر تسوقانه إلى من لا يأثم فيه، فإن هذا الأمر الذي تحاولان اليوم لغيركم غداً، فاتقوا أن يكون عملكم اليوم حسرة عليكم غداً. فلجا وخرجا مغضبين يقولان: لا تنسي ما صنع بنا عثمان، وتقول: ما صنع بكما إلا ما ألزمكما الله. فلقيهما سعيد بن العاص، وقد كان بين محمد بن أبي بكر وبينه شيء، فتمثل له في تلك الحال بيتاً فأذكره حين لقي خارجاً من عند ليلى متمثلاً من الكامل:
стр. 5572
استبق ودك للصديق ولا تكن ... قتباً يعض بغارب ملحاحا
فأجابه سعيد متمثلاً: من الطويل
ترون إذا ضرباً صميماً من الذي ... له جانب ناء عن الحزم معور
كتب عثمان إلى أهل الأمصار: أما بعد، فإني آخذ العمال بموافاتي في كل موسم، وقد سلطت الأمة منذ وليت على الائتمار بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يرفع إلي شيء علي ولا على أحد من عمالي إلا أعطيته، وليس لي ولا لعمالي حق قبل الرعية إلا متروك لهم، وقد رفع إلي أهل المدينة أن أقواماً يشتمون، وآخرين يضربون، فيا من ضرب سراً وشتم سراً، من ادعى شيئاً من ذلك فليواف الموسم، وليأخذ بحقه كيف كان، مني أو من عمالي، أو يصدقوا، فإن الله يجزي المتصدقين. فلما قرىء في الأمصار أبكى الناس، ودعوا لعثمان وقالوا: إن الأمة لتمخض بشر، فإلى ما ذاك مسلمها؟ وما يدرون ما باب تلك الإذاعة وما حيلتها. وبعث إلى عمال الأمصار فقدموا عليه: عبد الله بن عامر، ومعاوية، وعبد الله بن سعد، وأدخل معهم في المشورة سعيداً وعمراً، فقال: ويحكم ما هذه الشكاة؟ وما هذه الإذاعة؟ إني والله لخائف أن تكونوا مصدوقاً عليكم، وما يعصب هذا إلا بي. فقالوا له: ألم نبعث؟ ألم نرفع إليك الخبر عن العوام؟ ألم يرجعوا وما يشافههم أحد بشيء؟ لا والله ما صدقوا ولا بروا ولا نعلم لهذا الأمر أصلاً، وما كنت لتأخذ به أحداً، ونقيمتك على شيء، وما هي إلا الإذاعة، ما يحل الأخذ بها ولا الانتهاء إليها. قال: فأشيروا علي، فقال سعيد بن العاص: هذا أمر مصنوع يصنع في السر، فيلقى به غير
стр. 5573
المعرفة فيخبر به فيتحدث به الناس في مجالسهم. قال: فما دواء ذلك؟ قال: طلب هؤلاء القوم، ثم قتل الذين يخرج هذا من عندهم. وقال عبد الله بن سعد: خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم، حتى الأدب، فإنه خير من تدعهم. وقال معاوية: قد وليتني فوليت قوماً لا يأتيك عنهم إلا الخير، الرجلان أعلم بنا بناحيتهما. قال: فما الرأي؟ قال: حسن الأدب. قال: فما ترى يا عمرو؟ قال: أرى أنك قد لنت لهم وتراخيت عنهم، وزدتهم على ما كان يصنع عمر، وأرى أن تلزم طريقة صاحبيك، فتشد في موضع الشدة، وتلين في موضع اللين، إن الشدة لا ينبغي عمن لا يألو الناس شراً، وتلين لمن يخاف البأس بالنصح، وقد فرشتهما جميعاً اللين.
وقام عثمان فحمد الله وأثنى عليه وقال: كل ما أشرتم به علي قد سمعت، ولكل أمر باب يؤتى منه، إن هذا الأمر الذي يخاف على الأمة كائن وإن بابه الذي يغلق عليه، ويكفكف به، اللين والمؤاتاة والمتابعة، إلا في حدود الله التي لا يستطيع أحد أن ينادي بعيب أحدهما، فإن سده شيء فذاك، ووالله ليفتحن، وليست لأحد علي حجة حق، وقد علم الله أني لم آل الناس خيراً ولا نفسي، ووالله إن رحى الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها، كفكفوا الناس وهبوا لهم حقوقهم واغتفروا لهم، وإذا تعوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها.
فلما نفر عثمان شخص معاوية وعبد الله بن سعد معه إلى المدينة، ورجع ابن عامر وسعيد معه. ولما استقل عثمان رجز به الحادي من مشطور الرجز:
قد علمت ضوامر المطي
وضمرات عوج القسي
أن الأمير بعده علي
وفي الزبير خلف مرضي
стр. 5574
وطلحة الحامي لها ولي فقال كعب وهو يسير خلف عثمان: الأمير والله بعده صاحب البغلة وأشار إلى معاوية.
قالوا: فما زال معاوية يطمع فيها بعد ذلك، ولما بلغه هذا الحداء سأله عن الذي بلغه فقال: نعم، أنت الأمير بعده، ولكنها لا تصل إليك حتى تكذب بحديثي هذا. فوقعت في نفس معاوية.
فلما ورد عثمان إلى المدينة رد الأمراء إلى أعمالهم فمضوا جميعاً، وأقام سعيد بعدهم، وفلما ودع معاوية عثمان خرج من عنده وعليه ثياب السفر، متقلداً سيفه متنكباً قوسه، فإذا هو بنفر من المهاجرين، فيهم طلحة والزبير وعلي، فقام عليهم فتوكأ على قوسه بعد ما سلم عليهم، ثم قال: إنكم قد علمتم أن هذا الأمر كان إذ الناس يتغالبون إلى رجال، فلم يكن منهم أحد وفي قبيلته من يرأسه، ويستبد عليه، ويقطع الأمر دونه، ولا يشهده ولا يؤامره، حتى بعث الله تعالى نبيه ﷺ ، وأكرم به من اتبعه فكانوا يرأسون من جاء بعدهم، وأمرهم شورى بينهم، يتفاضلون فيه بالسابقة والقدمة والاجتهاد، فإن أخذوا بذلك وقاموا به كان الأمر أمرهم والناس لهم تبع، وإن صغوا إلى الدنيا، وطلبوها بالتغالب سلبوا ذلك، ورده الله إلى من جعل له الغلب، وكان يرأسهم أولاً، فليحذروا الغير فإن الله على البدل قادر، وله المشيئة في ملكه وأمره، إني قد خلفت فيكم شيخاً فاستوصوا به خيراً، وكانفوه تكونوا أسعد منه بذلك. ثم ودعهم ومضى، فقال علي: إن كنت لأرى في هذا خيراً. فقال الزبير: لا والله ما كان قط أعظم في صدرك وصدورنا منه الغداة.
وقد كان معاوية قال لعثمان غداة ودعه وخرج: يا أمير المؤمنين، انطلق معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك من لا قبل لك به، فإن أهل الشام على الأمر لم يزولوا عنه. فقال: أنا أبيع جوار رسول الله ﷺ بشيء وإن كان قطع خيط عنقي؟؟؟ قال: فأبعث إليك جنداً منهم يقيم بين ظهراني المدينة لنائبة إن نابت المدينة أو إياك؟ قال: أنا أقتر على جيران
стр. 5575
رسول الله ﷺ الأرزاق بجند يساكنهم، وأضيق على أهل دار الهجرة والنصرة؟ قال: يا أمير المؤمنين، والله لتغتالن ولتغزن، فقال: حسبي الله ونعم الوكيل.
وقال معاوية: يا أيسار الجزور، وأين أيسار الجزور؟ ثم خرج حتى وقف على النفر ثم مضى.
وكان أهل مصر بايعوا أشياعهم من أهل الكوفة وأهل البصرة وجميع من أجابهم أن ينووا خلاف أمرائهم، واتعدوا يوماً حيث شخص أمراؤهم فلم يستقم ذلك لأحد منهم، ولم يتمم عليه إلا أهل الكوفة، فإن يزيد بن قيس الأرحبي ثار فيها واجتمع إليه أصحابه، وعلى الحرب يومئذ القعقاع بن عمرو، فأتاه وأحاط الناس بهم فناشدوهم، وقال يزيد للقعقاع: ما سبيلك علي وعلى هؤلاء؟ فوالله إني لسامع مطيع وهم، وإني للازم لجماعتي وهم، إلا أني أستعفي ومن ترى من إمارة سعيد، فقد يستعفي الخاصة من أمر قد رضيته العامة. قال: فذاك إلى أمير المؤمنين. فتركهم والاستعفاء، ولم يستطيعوا أن يظهروا غير ذلك. واستقبلوا سعيداً فردوه من الجرعة، واجتمع الناس على أبي موسى، وأقره عثمان.
ولما رجع الأمراء لم يك للسبئية سبيل إلى الخروج من الأمصار، فكاتبوا أشياعهم من أهل الأمصار أن يتوافوا بالمدينة لينظروا فيما يريدون، وأظهروا أنهم يأتمرون بالمعروف، ويسألون عثمان عن أشياء ليطير في الناس ولتحقق عليه. فتوافوا بالمدينة،
стр. 5576
وأرسل عثمان رجلين: مخزومي وزهري، فقال: انظرا ما يريدون، واعلما علمهم، وكانا ممن ناله من عثمان أدب، فاصطبرا للحق ولم يضطغنا، فلما رأوهما باثوهما وأخبرو هما بما يريدون، فقالا: من معكم على هذا من أهل المدينة؟ قالوا: ثلاثة نفر، فقالا: هل إلا؟ قالوا: لا، قالا: فكيف تريدون أن تصنعوا؟ قالوا: نريد أن نذكر له أشياء قد زرعناها في قلوب الناس، ثم نرجع إليهم فنزعم لهم أنا قد قررناه بها فلم يخرج منها ولم يتب، ثم نخرج كأننا حجاج حتى نقدم فنحيط به فنخلعه، فإن أبى قتلناه، وكانت إياها. فرجعا إلى عثمان بالخبر، فضحك وقال: اللهم سلم هؤلاء النفر، فإنك إن لم تسلمهم شقوا، فأما عمار، فحمل علي ذنب ابن أبي لهب وعركه بي، وأما محمد بن أبي بكر فإنه أعجب حتى رأى أن الحقوق لا تلزمه، وأما ابن سارة فإنه يتعرض للبلاء.
وأرسل إلى المصريين والكوفيين ونادى الصلاة جامعة، وهم عنده في أصل المنبر فأقبل أصحاب رسول الله ﷺ حتى أحاطوا بهم، فحمد الله وأثنى عليه، وأخبرهم خبر القوم، وقام الرجلان فقالوا جميعاً: اقتلهم، فإن رسول الله ﷺ قال: من دعا إلى نفسه أو إلى أحد وعلى الناس إمام فعليه لعنة الله، فاقتلوه. وقال عمر بن الخطاب: لا أحل لكم إلا ما قتلتموه وأنا شريككم. فقال عثمان: بل نعفو ونقبل ونبصرهم بجهدنا، ولا نحاد أحد حتى يركب حداً أو يبدي كفراً، إن هؤلاء ذكروا أموراً قد علموا منها مثل الذي علمتم، إلا أنهم زعموا أنهم يذاكرونيها ليوجبوها علي، عقد من لا يعلم.
وقالوا: أتم الصلاة في السفر، وكانت لا تتم، ألا وإني قدمت بلداً فيه أهلي فأتممت لهذا من الأمر، أفكذلك؟ قالوا: اللهم نعم.
قالوا: وحميت حمى، وإني ما حميت إلا ما حمي قبلي، والله ما حموا شيئاً لأحد، ما حموا إلا ما غلب عليه أهل المدينة، ثم لم يمنعوا من رعية أحد، واقتصروا
стр. 5577
لصدقات المسلمين مويهاً لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازع، ثم ما منعوا ولا نحن منها أحداً إلا من ساق دهماً، ومالي من بعير غير راحلتين، ومالي ثاغية، وإني قد وليت وإني لأكثر العرب بعيراً وشاة، فمالي اليوم شاة ولا بعير غير بعيرين لحجي، أكذاك؟ قالوا: اللهم نعم.
قال: وقالوا: كان القرآن كتباً فتركها إلا واحداً، ألا وإن القرآن واحد، جاء من عند واحد، وإنما أنا في ذلك تابع لهؤلاء، أفكذلك؟ قالوا: اللهم نعم. وسألوه أن يقتلهم.
وقالوا: إني رددت الحكم وقد سيره رسول الله ﷺ ، والحكم مكي سيره رسول الله ﷺ من مكة إلى الطائف، ثم رده رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ سيره، ورسول الله ﷺ رده، أفكذلك؟ قالوا: نعم. وقالوا: اسمعت الأحداث، ولم أستعمل إلا مجتمع محتمل مرضي، وهؤلاء أهل عمله فسلوهم عنه، وهؤلاء أهل بلده، وقد ولى من قبلي أحدث منه، وقيل في ذلك لرسول الله ﷺ أشد مما قيل لي في استعماله أسامة، أكذاك؟ قالوا: نعم. يعيبون للناس مالا يفسرون.
وقالوا: إني أعطيت ابن أبي سرح ما أفاء الله عليه، وإني إنما نفلته خمس ما أفاء الله
стр. 5578
عليه من الخمس فكان مئة ألف، قد نفل مثل ذلك أبو بكر وعمر، فزعم الجند أنهم يكرهون ذلك فرددته عليهم، وليس ذلك لهم، أكذاك؟ فقالوا: نعم.
وقالوا: إني أحب أهل بيتي وأعطيتهم، فأما حبي فإنه لم يمل معهم على جور، بل أحمل الحقوق عليهم، وأما إعطاؤهم فإني إنما أعطيهم من مالي، ولا أستجل أموال المسلمين لنفسي ولا لأحد من الناس، ولقد كنت أعطي العطية الكبيرة والرغيبة من صلب مالي أزمان رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، وأنا يومئذ شحيح حريص، أفحين أتيت على أسنان أهل بيتي، وفني عمري، ووزعت الذي لي في أهلي قال الملحدون ما قالوا، إني والله ما حملت على مصر من الأمصار فضلاً فيجوز ذلك لمن قاله، ولقد رددته عليهم، ولا قدم علي الأخماس، ولا يحل لي منها شيء فولي المسلمون وضعها في أهلها دوني ولا تبلغت من مال الله بفلس فما فوقه، ولا أتبلغ به، ما آكل إلا في مالي.
قالوا: أعطيت الأرض رجالاً، وإن هذه الأرضين شاركهم فيها المهاجرون والأنصار أيام افتتحت، فمن أقام بمكة من هذه الفتوح فهو أسوة أهله، ومن رجع إلى أهله لم يذهب ذلك ما حوى الله له. فنظرت في الذي يصيبهم مما أفاء الله عليهم فبعته لهم بأمرهم من رجال أهل عقار ببلاد العرب، فنقلت إليهم نصيبهم، فهو في أيديهم دوني.
وكان عثمان قد قسم ماله وأرضه في بني أمية، وجعل ولده كبعض من يعطي، فبدأ ببني أبي العاص، فأعطى آل الحكم رجالهم عشرة آلاف، عشرة آلاف، فأخذوا مئة ألف، وأعطي بني عثمان مثل ذلك، وقسم في بني العاص وفي بني العيص وفي بني حرب، ولانت حاشية عثمان لأولئك الطراء، وأبى المسلمون إلا قتلهم، وأبى إلا تركهم، فذهبوا فرجعوا إلى بلادهم على أن يغزوهم مع الحجاج كالحجاج، وتكاتبوا وقالوا: موعدكم ضواحي المدينة في شوال.
стр. 5579
قالوا وكتب عثمان إلى الناس بالذي كان وبكل ما صبر عليه من الناس إلى ذلك اليوم، وبما عليهم، فما كتب به: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد: فإن أقواماً ممن كان يقول في هذا الحديث أظهروا للناس، أنما يدعون إلى كتاب الله والحق، ولا يريدون الدنيا ولا منازعة فيها، فلما عرض عليهم الحق إذا الناس في ذلك شتى، منهم آخذ للحق ونازع عنه من يعطاه، ومنهم تارك للحق رغبة في الأمر، يريدون أن يبتزوه لغير الحق، وقد طال عليهم عمري وراث عليهم أملهم في الأمور، واستعجلوا القدر، وإني جمعتهم والمهاجرين والأنصار فنشدتهم فأدوا الذي علموا، فكان أول ما شهدوا به أن يقتل كل من دعا إلى نفسه أو أحد.
وفسر لهم ما اغتدوا به عليه، وما أجابهم فيه وشهد له عليه. ورجع إليهم الذين شخصوا، لا يستطيعون أن يظهروا شيئاً حتى إذا دخل شوال خرجوا كالحجاج فنزلوا قرب المدينة.
قالوا: ولما كان في شوال سنة خمس وثلاثين خرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء، المقلل يقول: ست مئة، والمكثر يقول: ألف، ولم يجترئوا أن يعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب إنما خرجوا كالحجاج، ومعهم ابن السوداء، وخرج أهل الكوفة في أربع رفاق، وعددهم كعدد أهل مصر، وخرج أهل البصرة في أربع رفاق، وعددهم كعدد أهل مصر، فأما أهل مصر فإنهم يشتهون علياً، وأما أهل البصرة فإنهم كانوا يشتهون طلحة، وأما أهل الكوفة فإنهم يشتهون الزبير فخرجوا وهم على الخروج جميع، في التأمير شتى، لا تشك كل فرقة إلا أن الفلج معها، وأن أمرها سيتم دون الأخرى، فخرجوا حتى إذا كانوا من المدينة على ثلاث تقدم أناس من أهل البصرة فنزلوا ذا خشب، وأناس من الكوفة فنزلوا الأعوص، وجاءهم أناس من أهل مصر،
стр. 5580
وتركوا عامتهم بذي المروة.
ومشى فيما بين أهل مصر وأهل البصرة زياد بن النضر وعبد الله بن الأصم، وقالوا: لا تعجلوا حتى ندخل لكم المدينة ونرتاد، فإنه قد بلغنا أنهم قد عسكروا لنا، فوالله إن كان أهل المدينة قد خافونا واستحلوا قتالنا ولم يعلموا علمنا، لهم علينا إذا علموا علمنا أشد وإن أمرنا هذا لباطل، وإن لم يستحلوا قتالنا ووجدنا الذي بلغنا باطلاً لنرجعن إليكم بالخبر، قالوا: اذهبوا، فدخل الرجلان فلقوا أزواج النبي ﷺ وطلحة والزبير وعلياً، وقالوا: إنما نؤم هذا البيت، ونستعفي هذا الوالي من بعض عمالنا، ما جئنا إلا لذلك، واستأذنوهم للناس بالدخول فكلهم أبي ونهى وقال: بيض ما يفرخن: فرجعا إليهم.
فاجتمع من أهل مصر نفر فأتوا علياً، ومن أهل البصرة نفر فأتوا طلحة، ومن أهل الكوفة نفر فأتوا الزبير، وقال كل فريق منهم: إن بايعنا صاحبنا وإلا كدناهم وفرقنا جماعتهم، ثم كررنا حتى نبتغهم. فأتى المصريون علياً وهو في عسكر عند أحجار الزيت، عليه حلة أفواف معتم بشقيقة حمراء يمانية، متقلد السيف، ليس عليه قميص، وقد سرح الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه، والحسن جالس عند عثمان، وعلي عند أحجار الزيت فسلم عليه المصريون وعرضوا له، فصاح بهم واطردهم وقال: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد ﷺ ، فارجعوا لا صحبكم الله. قالوا: نعم. فانصرفوا من عنده على ذلك.
وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب علي ﵇ وقد أرسل بنيه إلى عثمان، فسلم البصريون عليه وعرضوا به، فصاح بهم واطردهم، وقال: لقد
стр. 5581
علم المؤمنون أن جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد ﷺ .
وأتى الكوفيون الزبير وهو جماعة أخرى، وقد سرح عبد الله إلى عثمان، فسلموا عليه وعرضوا له فصاح بهم واطردهم، وقال: لقد علم المسلمون أن جيش ذي المروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمد ﷺ .
فخرج القوم وأروهم أنهم يرجعون، فانقشوا عن ذي خشب حتى أتوا عساكرهم، وهي ثلاث مراحل، كي يفترق أهل المدينة ثم يكرون، فافترق أهل المدينة لخروجهم، فلما بلغ القوم عساكرهم كروا بهم فبغتوهم، فلم يفجأ أهل المدينة إلا والتكبير في نواحي المدينة، فنزلوا في مواضع عساكرهم وأحاطوا بعثمان وقالوا: من كف يده فهو آمن.
وصلى عثمان بالناس أياماً، ولزم الناس بيوتهم، ولم يمنعوا أحد من كلام، فأتاهم الناس فكلموهم، وفيهم علي فقال علي: ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم؟ قالوا: وجدنا مع يزيد كتاباً بقتلنا. وأتاهم طلحة فقال البصريون مثل ذلك، وأتاهم الزبير فقال الكوفيون مثل ذلك، وقال الكوفيون والبصريون: فنحن ننصر إخواننا ونمنعهم، فقالوا جميعاً كأنما كانوا على ميعاد، كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر، وقد سرتم مراحل ثم طويتم نحونا؟ هذا والله أمر أبرم بالمدينة، قالوا: فضعوه على ما شئتم، لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا. وهو في ذلك يصلي بهم وهم يصلون خلفه، ويغشى من شاء عثمان، وهم أدق في عينيه من التراب، وكانوا لا يمنعون أحداً الكلام، وكانوا زمراً بالمدينة يمنعون الناس من الاجتماع.
وكتب عثمان إلى أهل مصر يستمدهم: أما بعد، فإن الله بعث محمداً بالحق بشيراً
стр. 5582
ونذيراً، وبلغ عن الله ما أمر به ثم مضى، وقد قضى الذي عليه وخلف فينا كتابه، فيه حلاله وحرامه، وبيان الأمور التي قدر، فأمضاها على ما أحب العباد وكرهوا، فكان الخليفة أبو بكر ثم عمر، ثم أدخلت في الشورى عن غير علم ولا مسألة عن ملأ من الأمة، ثم اجتمع أهل الشورى عن ملأ منهم ومن الناس عن غير طلب مني ولا محبة، فعملت فيهم بما يعرفون ولا ينكرون، تابعاً غير مستتبع، متبعاً غير مبتدع، مقتدياً غير متكلف، فلما انتهت الأمور وانتكث الشر بأهله، وبدت ضغائن وأهواء على غير اجترام ولا ترة فيما مضى إلا إمضاء الكتاب، وطلبوا أمراً وأعلنوا غيره بغير حجة ولا عذر، فعابوا علي أشياء مما كانوا يرضون، وأشياء عن ملأ من أهل المدينة، لا يصلح غيرها، فصبرت لهم نفسي وكففتها عنهم منذ سنين، وأنا أرى وأسمع، فازدادوا على الله جرأة، حتى أغاروا علينا في جوار رسول الله ﷺ وحرمه وأرض الهجرة، وثابت إليهم الأعراب، فهم كالأحزاب أيام الأحزاب، أو من غزانا بأحد إلا ما يظهرون، فمن قدر على اللحاق بنا فليلحق.
فأتى الكتاب أهل الأمصار فخرجوا على الصعبة والذلول.
ولما جاءت الجمعة على أثر نزول المصريين مسجد الرسول ﷺ خرج عثمان فصلى بالناس، ثم قام على المنبر فقال: يا هؤلاء الغزاء، الله الله، فوالله إن أهل المدينة ليعلمون إنكم لملعونون على لسن محمد ﷺ ، فامحوا الخطأ بالصواب، فإن الله لا يمحو السيء إلا بالحسن.
فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا أشهد بذلك، فأخذ حكيم بن جبلة فأقعده، فقام زيد بن ثابت فقال: أبغى الكتاب؟ فثار إليه في ناحية أخرى محمد بن أبي قتيرة فأقعده وقال فأقظع، وثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم، وحصنوا عثمان حتى صرع عن المنبر مغشياً عليه، فاحتمل فأدخل داره. وكان المصريون لا يطمعون في أحد من أهل المدينة أن يساعدهم إلا في ثلاثة نفر، فإنهم كانوا يراسلونهم: محمد بن أبي بكر
стр. 5583
ومحمد بن جعفر، وعمار بن ياسر، وشرى أناس من الناس فاستقتلوا، منهم سعد بن مالك وأبو هريرة وزيد بن ثابت والحسن بن علي، فبعث إليهم بعزمه لما انصرفوا، فانصرفوا، وأقبل علي حتى دخل عثمان، وأقبل طلحة حتى دخل عليه، وأقبل الزبير حتى دخل عليه يعودونه من صرعته ويشكون بثهم، ثم رجعوا إلى منازلهم.
وفي حديث عن الحسن أن عثمان يخطب يوم الجمعة فقام رجل فقال: أسألك كتاب الله. فقال عثمان: أو ما لكتاب الله طالب غيرك؟ اجلس، فجلس، فقال الحسن: كذبت يا عدو نفسه، لو كنت تطلب كتاب الله لم تطلبه يوم الجمعة والإمام يخطب، ثم قام الثانية والثالثة، فقال عثمان: أما لهذا أحد يجلسه؟ قال: فتخاصبوا حتى ما أرى أديم السماء، قال: فكأني أنظر إلى ورقات مصحف رفعته امرأة من أزواج النبي ﷺ وهي تقول: إن الله قد برأ نبيه ﷺ من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، قال: فذاك أول ما عقلت الأحاديث، وخالطت الناس فقال لي بعض أصحابي: تلك أم سلمة زوج النبي ﷺ .
وعن جابر بن عبد الله: أن المصريين لما أقبلوا من مصر يريدون عثمان بذي خشب، دعا عثمان بن محمد مسلمة فقال: اذهب إليهم فارددهم عني وأعطهم الرضى، وأخبرهم أني فاعل وفاعل بالأمور التي طلبوا ونازع عن كذا الأمور التي تكلموا فيها فركب محمد بن مسلمة إلى ذي خشب، وأرسل معه عثمان خمسين راكباً من الأنصار أنا فيهم، وكان رؤساؤهم أربعة: عبد الرحمن بن عديس البلوي، وسودان بن حمران المرادي، وابن البياع، وعمرو بن الحمق الخزاعي، لقد كان الاسم غلب حتى كان يقال: جيش ابن الحمق، فأتاهم محمد بن مسلمة وقال: إن أمير المؤمنين يقول كذا ويقول كذا وأخبرهم بقوله، فلم يزل بهم حتى
стр. 5584
رجعوا، فلما كانوا بالبويب رأوا جملاً عليه ميسم الصدقة فأخذوه فإذا غلام لعثمان، فأخذوا متاعه ففتشوه فوجدوا قصبة من رصاص، فيها كتاب في جوف الإداوة في الماء إلى عبد الله بن سعد أن افعل بفلان كذا وبفلان كذا من القوم الذين شرعوا في عثمان. فرجع القوم ثانية حتى نزلوا بذي خشب، فأرسل عثمان إلى محمد بن مسلمة وقال: اخرج فارددهم عني، فقال: لا أفعل، قال: فقدموا فحصروا عثمان.
وقال سفيان بن أبي العوجاء: أنكر عثمان أن يكون كتب ذلك الكتاب أو أرسل ذلك الرسول، وقال: فعل ذلك دوني؟ وقيل: إنهم لما أخذوا ميثاقه وكتبوا عليه، وأخذ عليهم ألا يشقوا عصاً ولا يفارقوا جماعة ما أقام لهم بشرطهم، ثم رجعوا راضين، فبينا هم بالطريق إذا راكب يتعرض لهم ثم يفارقهم ثم يرجع إليهم ثم يفارقهم، فقالوا له: مالك؟ قال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر. ففتشوه فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان، عليه خاتمه إلى عامل مصر أن يصلبهم أو يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم، فأقبلوا حتى قدموا المدينة، فأتوا علياً فقالوا: ألم تر عدو الله؟ إنه كتب فينا بكذا وكذا، وإن الله أحل دمه، فقم معنا إليه، فقال: والله لا أقوم معكم. قالوا: فلم كتبت إلينا؟ قال: والله ما كتبت إليكم كتاباً. فنظر بعضهم إلى بعض، وخرج علي من المدينة. فانطلقوا إلى عثمان فقالوا: كتبت فينا بكذا وكذا، فقال: إنما هما اثنتان: تقيمون رجلين من المسلمين أو يميني بالذي لا إله إلا هو ما كتبت ولا أمليت ولا علمت، وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل، وينقش بالخاتم على الخاتم. فقالوا: قد أحل الله دمك، ونقض العهد والميثاق، وحصروه في القصر.
стр. 5585
وحدث ابن عون عن محمد قال: لما كان حيث نزل بابن عفان، جمعهم فاستشارهم في القوم الذين حصروه، فأرسل إليهم علياً ورجلاً آخر، فعرض عليهم كتاب الله، فشادهم وشادوه مرتين أو ثلاثاً، ثم قالوا: ابن عم رسول الله صلى عليه وسلم ورسول أمير المؤمنين يعرض عليكم كتاب الله، قال: فقبلوه واشترطوا خمساً، فكتبوهن في الكتاب، وثنتين لم يكتبوها في الكتاب: المنفي يقلب والمحروم يعطى، ويوفر الفيء، ويعدل في القسم، ويستعمل ذو الأمانة والقوة، ويرد ابن عامر على أهل البصرة فإنهم به راضون، ويستعمل الأشعري على الكوفة. فذهبوا.
قال ابن عون: فلا أدري أين بلغوا، ثم رجعوا فقعدوا ناحية فقالوا: لا يكلمنا أحد، ولا يدنون منا أحد. فأرسل إليهم المغيرة، فأتاهم فقالوا: لا تدنون منا يا أعور، لا تكلمنا يا أعور، فأتى ابن عفان فقال: إني رأيت الناس فما رأيت قوماً ألج من العرب، فلو خرجت في كتيبتك فعسى أن يروها فيرجعوا فخرج ابن عفان في كتيبته فنسل من أولئك رجل، ومن هؤلاء رجل، فانطلقا بسيفيهما، فحانت منه التفاتة فقال: في بيعتي وتأميري، فرجع فدخل الدار، فما أعلمه خرج بعد ذلك اليوم حتى قتل.
قال محمد: فلقد قتل وفي الدار لسبع مئة فيهم الحسن بن علي وعبد الله بن الزبير، ولو أذن لهم لضربوهم حتى يخرجوهم من أقطار المدينة.
وعن عبد الله بن سلام قال: بينما أمير المؤمنين عثمان يخطب ذات يوم فقام رجل فنال منه، فوذأته فاتذأ لي، فقال رجل: لا يمنعك مكان ابن سلام أن تسب نعثلاً فإنه من شيعته، فقلت له: لقد قلت القول العظيم في يوم القيامة في الخليفة من بعد نوح.
قوله: فوذأه فاتذأ له يقال: وذأت الرجل إذا زجرته وقمعته، وقوله: اتذأ يعني انزجر. وقوله: نعثلاً، قيل: إنه يشبه برجل من أهل مصر اسمه نعثل، وكان طويل
стр. 5586
اللحية، وكان عثمان إذا نيل منه وعيب يشبه بذلك لطول لحيته، لم يكونوا يجدون عيباً غير هذا. وقيل: من أهل أصبهان، وقيل: نعثل إنه الذكر من الضباع، وأما قوله: الخليفة من بعد نوح، فقد اختلف فيه، فقيل: إنه أراد بنوح عمر بن الخطاب لحديث النبي ﷺ حين استشار أبا بكر في أسارى بدر، فأشار عليه أبو بكر بالمن عليهم، وأشار عليه عمر بقتلهم، فقال النبي ﷺ وأقبل على أبي بكر: إن إبراهيم كان ألين في الله من الدهن باللبن. ثم أقبل على عمر فقال: إن نوحاً كان أشد في الله من الحجر.
قال أبو عبيد: شبه رسول الله ﷺ أبا بكر بإبراهيم وعيسى حين قال: " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم "، وشبه عمر بنوح حين قال: " لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً " فأراد أن عثمان خليفة عمر.
وقيل: إن قوله الخليفة من بعد نوح، إنه لم يرد عمر إنما أراد نوح النبي صلى الله على نبينا وعليه، جعله مثلاً له، أن الناس في زمن نوح كانوا في عافية، فكان هلاكهم في دعوة نوح، فأراد في قتل عثمان سل السيف والفتن إلى يوم القيامة.
وقوله: يوم القيامة أراد يوم الجمعة، وذلك أن الخطبة كانت يوم الجمعة.
وروى عن كعب أنه رأى رجلاً يظلم رجلاً يوم الجمعة فقال: ويحك! أتظلم رجلاً يوم القيامة؟! وروي في الأحاديث أن الساعة تقوم يوم الجمعة فلذلك سمي يوم الجمعة يوم القيامة.
ولما حصر عثمان قام إليه فلان بن سعيد الغفاري وهو جهجاه حتى أخذ القضيب
стр. 5587
من يده قضيب النبي ﷺ ، فوضعها على ركبته ليكسرها بشعبها، وصاح به الناس، فنزل عثمان حتى دخل داره، ورمى الله الغفاري في ركبتيه فلم يحل عليه الحول حتى مات. وفي حديث آخر: فوقعت في ركبتيه الأكلة.
وعن صعصعة بن معاوية التميمي قال: أرسل عثمان وهو محصور إلى علي وطلحة والزبير وأقوام من الصحابة فقال: احضروا غداً، فكونوا حيث تسمعون ما أقول لهذه الخارجة. ففعلوا وأشرف عليهم فقال: أنشد الله من سمع النبي ﷺ يقول: " من يشتري هذا المربد ويزيده في مسجدنا وله الجنة، وأجره الدنيا ما بقي درجات له؟ " فاشتريته بعشرين ألفاً وزدته في المسجد، قالوا " اللهم نعم. وقال الخوارج: صدقوا ولكنك غيرت. ثم قال: أنشد الله من سمع رسول الله ﷺ يقول: " من يجهز جيش العسرة وله الجنة؟ " فجهزتهم حتى ما فقدوا عقالاً ولا خطاما؟ قالوا: نعم. فقال الخوارج: صدقوا ولكنك غيرت. قال: أنشد الله من سمع رسول الله ﷺ يقول ": من يشتري رومة وله الجنة؟ فاشتريتها، فقال: اجعلها للمساكن ولك أجرها والجنة؟ قالوا: اللهم نعم. قال الخوارج: صدقوا ولكنك غيرت. وعدد أشياء، وقال: الله أكبر، ويلكم خصمتم والله، كيف يكون من يكون هذا له مغيراً؟ يا أيها النفر من أهل الشورى اعلموا أنهم سيقولون لكم غداً كما قالوا لي اليوم. فلما خرجوا بعد على علي، جعل ينشد الناس عن مثل ذلك ويشهد له به فيقولون: صدقوا ولكنك غيرت. فقال:
стр. 5588
ما اليوم قتلت ولكن يوم قتل ابن بيضاء. قال: هذا حديث غريب.
وعن ثمامة بن حزن القشيري قال: شهدت الدار، فأشرف عليهم عثمان فقال: ائتوني بصاحبيكم هذين اللذين ألباكم. قال: فجيء بهما كأنهما جملان أو كأنهما حماران، قال: فأشرف عليهم عثمان فقال: أنشدكم الله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس فيها ما يستعذب غير بئر رومة، فقال: من يشتري بئر رومة فيكون دلوه فيها مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟ فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر؟ قالوا: اللهم نعم زاد في حديث غيره: قال: فعلى ما تمنعوني أن أشرب منها حتى أفطر على ماء البحر؟ قال: أنشدكم الله والإسلام، هل تعلمون أن المسجد كان ضاق بأهله فقال رسول الله ﷺ : من يشتري بقعة آل فلان بخير له منها في الجنة؟ فاشتريتها من مالي أو قال: من صلب مالي فزدتها في المسجد وأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين به قالوا: اللهم نعم. قال: أنشدكم الله والإسلام هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي؟ قالوا اللهم نعم. قال: أنشدكم الله والإسلام، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ كان على ثبير مكة هو وأبو بكر وعمر وأنا، فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض قال: فركضه برجله قال: اسكن ثبير، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان؟ قالوا: اللهم نعم. فقال: الله أكبر شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد، والله أكبر شهدوا لي ورب الكعبة أني شهيد. قالها ثلاثاً.
زاد في حديث آخر بمعناه ولكن طال عليكم عمري فاستعجلتم وأردتم خلع سربال سربلنيه الله، وإنه لا أخلعه حتى أموت أو أقتل.
стр. 5589
وعن الهزيل قال: إني بالمدينة جالس في حلقة من أصحاب محمد ﷺ إذ جاء أعرابي فقال: يا صاحب محمد، ما تقول في قتل هذا الرجل يعني عثمان؟ فقام من مجلسه ذلك حتى فعل ذلك ثلاثاً، إذ مر طلحة بن عبيد الله، فقلنا له: هذا من أصحاب محمد ﷺ فسله، فقام الأعرابي فقال: يا صاحب محمد ما تقول في قتل هذا الرجل؟ قال طلحة: ها أنذا داخل عليه. فقال له الأعرابي: فأدخلني معك. قال: نعم. فدخل على عثمان ومعه الأعرابي فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال له عثمان: وعليك. ثم قال: أنشدك الله يا طلحة هل تعلم أن رسول الله ﷺ كان على حراء فقال: اقرر حراء، فإن عليك نبياً أو صديقاً أو شهيداً. فكان عليه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وأنا وعلي وأنت والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن مالك وسعيد بن زيد، ثم قال: أنشدك بالله يا طلحة أتعلم أن رسول الله ﷺ قال ":النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة؟ " قال: اللهم نعم. قال: أنشدك بالله أتعلم أن سائلاً سأل النبي ﷺ فأعطاه أربعين درهماً، ثم سأل أبا بكر فأعطاه أربعين درهماً، ثم سأل عمر فأعطاه أربعين درهماً، ثم سأل علياً فلم يكن عنده شيء فأعطيته أربعين عن علي وأربعين عني، فجاء بها إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ادع الله لي بالبركة. فقال: وكيف لا يبارك لك، وإنما أعطاك نبي أو صديق أو شهيد؟ قال: اللهم نعم.
وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: شهدت عثمان حين حوصر والناس عنده موضع الجنائز، فلو أن حصاة ألقيت ما سقطت إلا على رأس رجل، فنظرت إلى عثمان حين أشرف من الخوخة التي تلي مقام جبريل، فقال للناس: أفيكم طلحة؟ قال: فسكتوا، قال: أفيكم طلحة؟ فسكتوا، ثم قال: أفيكم طلحة؟ فسكتوا، قال: أفيكم طلحة؟ فقام طلحة بن عبيد الله فقال له عثمان: ألا أراك ها هنا! ما كنت أراك تكون في جماعة قوم تسمع ندائي آخر ثلاث مرات ثم لا تجيبني! أنشدك يا طلحة، أما تعلم أن رسول الله ﷺ كان بمكان كذا وكذا سمى
стр. 5590
الموضع وأنا وأنت معه ليس معه من أصحابه غيري وغيرك فقال لك رسول الله ﷺ : إن لكل نبي رفيقاً من أمته معه في الجنة، وإن عثمان هذا رفيقي معي في الجنة. يعنيني؟ فقال طلحة: اللهم نعم. قال: فانصرف طلحة.
وحدث عبيد الله بن عبيد الحميري عن أبيه قال: كنت فيمن حصر عثمان، فأشرف ذات يوم فقال: ها هنا طلحة؟ فقال: طلحة نعم. فقال: نشدتك بالله أما علمت أن رسول الله ﷺ قال لنا ذات يوم ونحن عنده: " ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه، فإنه جليسه ووليه في الدنيا والآخرة ". فأخذت أنت بيد فلان بيد فلان، وفلان بيد فلان، حتى أخذ كل رجل بيد جليسه، وأخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: هذا جليسي ووليي في الدنيا والآخرة؟ قال طلحة: اللهم نعم. فقال الحميري: كيف نقاتل رجلاً قد قال رسول الله ﷺ هذا فيه؟ قال: فرجع في سبع مئة من قومه.
وعن ابن لبيبة: أن عثمان بن عفان لما حصر أشرف عليهم من كوة في الطمار، فقال: أفيكم طلحة؟ قالوا: نعم. قال: أنشدك الله هل تعلم أنه لما آخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار آخى بيني وبين نفسه؟ فقال طلحة: اللهم نعم. فقيل لطلحة في ذلك، فقال: نشدني وأمر رأيته ألا أشهد به؟! وحدث محمد بن عبد الرحمن بن محيريز عن أبيه عن جده: أن عثمان لما أشرف على الذين حصروه فسلم عليهم فلم يردوا عليه، فقال عثمان: أفي القوم طلحة؟ قال طلحة: نعم. قال: فإنا لله وإنا إليه راجعون، أسلم على قوم وأنت فيهم فلا يردون! قال: قد رددت. قال: ما هكذا الرد، أسمعك ولا تسمعني؟ يا طلحة، نشدتك الله أسمعت النبي ﷺ يقول: " لا يحل دم المسلم إلا واحد من ثلاث: أن يكفر بعد إيمانه، أو يزني بعد إحصانه، أو يقتل نفساً فيقتل بها؟ " قال اللهم نعم. قال: فكبر عثمان
стр. 5591
فقال: والله ما أنكرت الله منذ عرفته، ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام، وقد تركته في الجاهلية تكرماً وفي الإسلام تعففاً، وما قتلت نفساً يحل بها قتلي.
وعن قتادة قال: فأشرف عليهم عثمان حين حصر فقال أخرجوا رجلاً أكلمه، فأخرجوا صعصعة بن صوحان، قال عثمان: ما نقمتم؟ قال: أخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن قلنا: ربنا الله. قال عثمان: كذبت، لستم أولئك، نحن أولئك، أخرجنا أهل مكة، وقال الله: " الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر " فكان ثناء قبل بلاء. وعن حنظلة بن قنان من بني عامر ذهل قال: أشرف علينا عثمان فقال: أفيكم ابنا مخدوج؟ فقال: أنشدكما الله، ألستما تعلمان أن عمر قال: إن ربيعة فاجر وغادر، وإني والله لا أجعل فرائضهم وفرائض قوم جاؤوا من مسيرة شهر، وإنما مهاجر أحدكم عند طنبه، وإني زدتهم في غداة واحدة خمس مئة حتى ألحقتهم بهم؟ قالوا: بلى. قال: أذكركما الله ألستما تعلمان أنكما أتيتماني فقلتما: إن كندة أكلة رأس، وإن ربيعة هم الرأس، وإن الأشعث بن قيس قد أكلهم فنزعته واستعملتكما؟ قالا: بلى. قال: اللهم إن كانوا كفروا معروفي وبدلوا نعمتي فلا ترضهم عن إمام ولا ترض إماماً عنهم.
قالوا: وقال عثمان: إن وجدتم في الحق أن تضعوا رجلي في القيود فضعوهما.
وعن مجاهد قال: أشرف عثمان علة الذين حاصروه فقال: يا قوم! لا تقتلونني فإني وال وأخ مسلم
стр. 5592
فوالله إن أردت إلا الإصلاح ما استطعت، أصبت أو أخطأت، وإنكم إن تقتلوني لا تصلون جميعاً أبداً، ولا تغزون جميعاً أبداً، ولا يقسم فيئكم بينكم، قال: فلما أبو قال: أنشدكم الله هل دعوتم عند وفاة أمير المؤمنين بما دعوتم به وأمركم جميعاً لم يتفرق، وأنتم أهل دينه وحقه، فتقولون: إن الله لم يجب دعوتكم، أم تقولون: هان الدين على الله، أم تقولون: إني أخذت هذا الأمر بالسيف والغلبة ولم آخذه عن مشورة من المسلمين، أم تقولون: إن الله لم يعلم من أول أمري شيئاً لم يعلمه من آخره، فلما أبو قال: اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تبق منهم أحداً.
قال مجاهد: فقتل الله منهم من قتل في الفتنة، وبعث يزيد إلى أهل المدينة عشرين ألفاً فأباحوا المدينة ثلاثاً يصنعون ما شاؤوا لمداهنتهم.
وعن أبي ليلى الكندي قال: رأيت عثمان أشرف على الناس وهو محصور في الدار فقال: يا أيها الناس، لا تقتلوني واستعتبوني، فو الله لئن قتلتموني لا تصلون جميعاً أبداً، ولا تجاهدون عدواً جميعاً أبداً، ولتختلفن حتى تصيروا هكذا، وشبك بين أصابعه " يا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح، وما قوم لوط منكم ببعيد ". قال: وأرسل إلى عبد الله بن سلام فسأله، فقال: الكف الكف، فإنه أبلغ لك في الحجة، فدخلوا عليه فقتلوه وهو صائم.
حدث قيس بن رمانة عن يوسف بن عبد الله بن سلام: وكان قيس يكرم ولد يوسف إذا نزلوا، فقال له يوسف: إني لا أدري ما أكرمك به إذا نزلت بي لما كنتم تصنعون إلى من نزل بكم. ألا حديث أحدثكموه، فاحفظه مني: إن عبد الله بن سلام كان مع عثمان في الدار فقال لعثمان: لو شئت خرجت ففثأت الناس
стр. 5593
عنك، فإني خارج، أغنى عنك مني عندك. قال: فقال عثمان: فافعل، فخرج عبد الله بن سلام، فلما رآه الناس صاحوا في وجهه، فقالوا: الناموس، الناموس ثلاث مرات عبد الله بن سلام. فقال علي بن أبي طالب: أيها الناس، دعوا عبد الله بن سلام فليتكلم، فخذوا من حديثه ما شئتم، ودعوا ما شئتم، فتركوه فتكلم فقال: أيها الناس، دعوا عثمان لا تقتلوه خمس عشرة ليلة، فإن لم يمت أو يقتل إلى خمس عشرة ليلة من ذي الحجة فقدموني فاضربوا عنقي. فقال الناس: الناموس، الناموس، الناموس عبد الله بن سلام. فأخذ بيدي أبي فقال: يا بني، رفع سلطان الدرة ووقع سلطان السيف، لا يرفع عنهم إلى يوم القيامة. ثم قال: إن لهؤلاء القوم سلطاناً لن يزول حتى تزول الجبال، حتى يتفرقوا فيما بينهم، فإذا فعلوا ذلك خرجوا عصبة بسواد العراق، يخرج فيهم أمير العصب، لا يوجهون لشيء إلا فتح لهم، لا والذي لا إله إلا هو ما أنزل الله في توراة ولا إنجيل ولا قرآن أفضل مما جعل لأولئك القوم، فإن وجدت من العدة والنشاط فلا تقاتل أحداً أبداً حتى ترى ذلك، قال: قلت: ألا إن ذلك بعيد. قال: فوالله ما أراه إلا قد كان، ألا ترى ما كان من سليمان والوليد؟! فإن أدركته فسوف ترى، وإلا فاحفظ عني ما قلت لك.
وعن عبد الله بن مغفل قال: كان عبد الله بن سلام يجيء من أرض له على أتان أو حمار يوم الجمعة يذكر، فإذا قضيت الصلاة أتى أرضه، فلما هاج الناس بعثمان قال: أيها الناس، لا تقتلوا عثمان واستعتبوه، فوالله الذي نفسي بيده ما قتلت أمة نبيها فأصلح ذات بينهم حتى يهريقوا دم سبعين ألفاً، وما قتلت أمة خليفتها فيصلح الله بينهم حتى يهريقوا دم أربعين ألفاً، وما هلكت أمة حتى يرفعوا القرآن على السلطان. ثم قال: لا تقتلوه واستعتبوه. فلم ينظروا فيما قال وقتلوه، فجلس على طريق علي بن أبي طالب، حتى أتى عليه فقال: أين تريد؟ قال: العراق. قال: لا تأت العراق، وعليك بمنبر رسول الله ﷺ فالزمه، فوالذي نفسي بيده
стр. 5594
لئن تركته لا تراه أبداً. قال: فقال من حوله: دعنا فلنقتله. فقال علي: دعوا عبد الله بن سلام فإنه رجل صالح.
فقال ابن مغفل: وكنت استأمرت عبد الله بن سلام في أرض إلى جنب أرضه أشتريها، فقال بعد ذلك: هذه رأس أربعين سنة، وسيكون بعدها صلح فاشترها.
فقال سليمان: قلت لحميد: كيف يرفعون القرآن على السلطان؟ قال: ألم تر إلى الخوارج كيف يتأولون القرآن على السلطان؟! وعن عبد الله بن سلام: أنه قال للمصريين: لا تقتلوه فإن الله قد رفع عنكم سيف الفتنة منذ بعث نبيه ﷺ ، فلا يزال مرفوعاً عنكم حتى تقتلوا إمامكم، فإن قتلتموه سل عليكم سيف الفتنة، ثم لم يرفعه عنكم حتى يخرج عيسى بن مريم، والثانية أن مدينتكم لم تزل محفوظة بملائكة منذ نزلها رسول الله ﷺ ، ولئن قتلتموه ليرتفعن عنها، ثم لا يحفونها حتى تلتقوا عند الله تعالى، والثالثة: تا الله لقد حق له عليكم ما يحق للوالد على ولده، إن رآه نائماً لا يوقظه، والرابعة: أنه لا يستكمل ذا الحجة حتى يأتي على أجله، ولولا ما على العلماء لعلمت أن ما هو كائن سيكون. فشتموه وهموا به، فانصرف عنهم.
وعن أبي سلمة قال: قال عبد الله بن سلام للناس وناشدهم في قتل عثمان: لا تقتلوه فإنكم إن قتلتموه فإنما مثلكم في كتاب الله كمثل قرقور في البحر، مرة يستقيم ومرة لا يستقيم.
وعن مسلم أبي سعيد قال: ما سمعت عبد الله بن مسعود قائلاً في عثمان سبة قط، ولقد سمعته يقول: لئن قتلوه
стр. 5595
لا يستخلفوا بعده مثله.
وعن عمرو بن العاص قال لعثمان وهو على المنبر: يا عثمان، إنك قد ركبت بهذه الأمة نهابير من الأمر، فتب وليتوبوا معك. قال: فحول وجهه إلى القبلة فرفع يديه فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، ورفع الناس أيديهم.
دخل ابن عمر على عثمان وعنده المغيرة بن الأخنس فقال: انظر ما يقول هؤلاء. قال: يقولون اخلعها ولا تقتل نفسك. فقال ابن عمر: إذا خلعتها أمخلد أنت في الدنيا؟ قال: لا، قال: فإن لم تخلعها هل يزدون على أن يقتلوك؟ قال: لا، قال: فهل يملكون لك جنة وناراً؟ قال: لا. قال: فلا أرى لك أن تخلعها، ولا أرى لك أن تخلع قميصاً قمصكه الله، فيكون سنة، كلما كره قوم إمامهم أو خليفتهم خلعوه.
دخل عبد الله بن سلام على عثمان في آخر ما دخل عليه الناس فقال: ما ترى في القتال والكف؟ قال: الكف أبلغ للحجة، وإنا لنجد في كتاب يوم القيامة أمير على القاتل والآمر.
قال طاوس: سئل عبد الله بن سلام حين قتل عثمان: كيف تجدون صفة عثمان في كتبكم؟ قال: نجده يوم القيامة أميراً على القاتل والخاذل.
وكان وفد أهل مصر لما قدموا المدينة أتو علياً فقالوا: قم معنا، قال: والله لا أقوم معكم، قالوا: فلم كتبت إلينا؟ قال: والله ما كتبت إليكم كتاباً قط. فنظر بعضهم إلى بعض ثم قالوا: ألهذا تغضبون! أم لهذا تقاتلون!؟ قال: وخرج علي فنزل خارجاً من المدينة.
стр. 5596
قال أبو جعفر القارئ مولى ابن عياش المخزومي: كان المصريون الذين حصروا عثمان ست مئة، والذين قدموا من الكوفة والذين قدموا من البصرة مئة رجل، وكانوا يداً واحدة في الشر، وكان حثالة من الناس ضووا إليهم، قد مرجت عهودهم وأماناتهم، مفتونون، وكان أصحاب النبي ﷺ الذين خذلوه كرهوا الفتنة، وظنوا أن الأمر لا يبلغ قتله، فندموا على ما صنعوا في أمره، ولعمري لو قاموا أو قام بعضهم فحثا في وجوههم التراب لا نصرفوا خاسئين.
قال محمد بن الحسن: لما كثر الطعن على عثمان تنحى علي إلى ماله بينبع، فكتب إليه عثمان: أما بعد، فقد بلغ الحزام الطبيين، وخلف السيل الزبى، وبلغ الأمر فوق قدره، وطمع الأمر من لا يدفع عن نفسه: من الطويل
فإن كنت مأكولاً فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولما أمزق.
قوله: بلغ السيل الزبى، زبى الأسد التي تحفر لها، وجعلت مثلاً في بلوغ السيل إليها، لأنها تجعل في الروابي ولا تكون في المنحدر، ولا يبلغها إلا سيل عظيم. وقوله: جاوز الحزام الطبيين: يعني أنه قد اضطرب من شدة السير حتى خلف الطبيين من اضطرابه، مثلاً للأمر الفظيع الفادح. والبيت لشاعر من عبد القيس جاهلي يقال له: الممزق، وإنما سمي ممزقاً لهذا البيت.
стр. 5597
وعن قنبر مولى علي ﵇ قال: دخلت مع علي على عثمان، فأحبا الخلوة، فأومى علي إلي بالتنحي، فتنحيت غير بعيد، فجعل عثمان يعاتب علياً، وعلي مطرق، فأقبل عليه عثمان فقال: مالك لا تقول؟ قال: إن قلت لم أقل إلا ما تكره، وليس لك عندي إلا ما تحب. قال أبو العباس: تأويل ذلك أني إن تكلمت اعتددت عليك بمثل ما اعتددت به علي. فلدغك عتابي، وعقدي ألا أفعل وإن كنت عاتباً إلا ما تحب.
قال القاضي أبو الفرج: وفيه تأويل آخر: وهو أن يكون أراد أنه إن شرع في مخاطبته بما استدعى أن يخاطبه فيه ذكر له أنه أتى بخلاف الأصوب عنده، وترك ما كان الأولى به أن يفعله، إلا أنه لإشفاقه عليه مع إيثاره النصيحة له، آثر محبته، وكره إظهار ما فيه تثريب عليه، أو لائمة له. وهذا التأويل أصح من الأول، وقد ورد في هذا المعنى أن عثمان بعث إلى ابن عباس وهو محصور، فأتاه وعنده مروان بن الحكم، فقال عثمان: يابن عباس، أما ترى إلى ابن عمك، كان هذا الأمر في بني تيم وعدي، فرضي وسلم، حتى إذا صار الأمر إلى ابن عمه بغانا الغوائل. قال ابن عباس: فقلت له: إن ابن عمك والله ما زال عن الحق ولا يزول، ولو أن حسناً وحسيناً بغيا في دين الله الغوائل لجاهدهما في الله حق جهاده، ولو كنت كأبي بكر وعمر لكان ذلك كما كان لهما، بل كان لك أفضل لقرابتك ورحمك وسنك، ولكنك ركبت الأمر وهاباه. قال ابن عباس: فاعترضني مروان فقال: دعنا من تخطئتك يابن عباس، فأنت كما قال الشاعر: من الوافر
دعوتك للغياث ولست أدري ... أمن خلفي المنية أم أمامي.
فشققت الكلام رخي بال ... وقد جل الفعال عن الكلام.
إن يكن عندك غياث لهذا الرجل فأغثه، وإلا فما أشغله عن التفهم لكلامك والفكر في جوابك. قال ابن عباس: فقلت له: هو والله كان عنك وعن أهل بيتك أشغل إذ أوردتموه
стр. 5598
ولم تصدروه. قم أقبلت على عثمان فقلت له: من الوافر
جعلت شعار جلدك قوم سوء ... وقد يجزى المقارن بالقرين.
فما نظروا لدنيا أنت فيها ... بإصلاح ولا نظروا لدين.
ثم قلت له: إن القوم غير قابلين إلا قتلك أو خلعك، فإن قتلت قتلت على ما قد عملت وعلمت، وإن تركت فإن باب التوبة مفتوح.
فهذا الخبر يؤيد التأويل الثاني.
وعن محمد بن جبير بن مطعم قال: أرسل عثمان إلى علي: أن ابن عمك مقتول وإنك مسلوب.
حدث عبد الله بن رافع عن أمه قال: خرجت الصعبة بنت الحضرمي فسمعاها تقول لابنها طلحة بن عبيد الله: إن عثمان قد اشتد حصره فلو كلمت فيه حتى يرفه عنه وطلحة يغسل أحد شقي رأسه فلم يجبها، فأدخلت يديها في كم درعها فأخرجت ثدييها وقالت: أسألك بما حملتك وأرضعتك إلا فعلت. فقام ولوى شعر شق رأسه حتى عقده وهومغسول، ثم خرج حتى أتى علياً وهو جالس في جنب داره، فقال طلحة ومعه أمه وأم عبد الله بن رافع: لو رفهت عن هذا فقد اشتد حصره، قال: فنقر بقدح في يده ثلاث مرار ثم رفع رأسه فقال: والله ما أحب من هذا شيئاً تكرهه.
قال جبير بن مطعم: لما حصر عثمان بن عفان حتى والله ما يشرب إلا من الفقير، فقير الدار، قال جبير: فدخلت على علي بن أبي طالب فقلت: يابن أبي طالب، أقد رضيت بهذا أن يحصر ابن عمك حتى والله ما يشرب إلا من فقير الدار؟ فقال: سبحان الله! وقد بلغوا هذا منه؟ قال: نعم وأشد من هذا. قال: فحمل الروايا حتى أدخلها عليه وسقاه.
ذكر عدي بن حاتم الطائي قريشاً وما رزقوا من الفصاحة والبيان فقال: أما
стр. 5599
الرسول ﷺ فهو ينطق بالوحي، ولا ينطق عن الهوى، وأما سائر قريش في الجاهلية والإسلام فإنهم فاقوا الناس، ولقد كنت عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إذ وردت عليه رقعة من عثمان بخطه من الطويل:
تجنى علي كي يقارضني ذنبا ... وأبدى عتاباً فامتلأت له عتبي.
فلو لي قلوب العالمين بأسرها ... لما تركت لي من معاتبة قلبا.
معاتبة السلفين تحسن مرة ... فإن أكثرا إدمانها أفسدا الحبا
وقد قال في بعض الأقاويل قائل ... أراد به العتبى ولم يرد العتبا.
إذ شئت أن تقلى فزر متتابعاً ... وإن شئت أن تزداد حبا فزر غبا
وقال هشام بن عروة: كان عثمان أروى الناس للبيت والبيتين والثلاثة إلى الخمسة.
وعن أبان لن عثمان: أنه أتى علياً فقال: يا عم أهلكتنا الحجارة، فجاء علي حتى دخل، فلم يزل يرميهم بيمينه حتى وهنت، ثم لم يزل يرميهم بشماله حتى وهنت، فقال: يابن أخي اجمع حشمك وافعل كما تراني أفعل.
قال محمد بن علي: لما كان يوم الدار أرسل عثمان إلى علي أن يأتيه فتعلقوا به ومنعوه، فألقى عمامة له سوداء على رأسه وجعل يقول: اللهم إني لا أرضى قتله ولا آمر به.
وفي حديث آخر: والله ما قتلت عثمان ولا مالأت في قتله.
وعن أبي إدريس الخولاني قال: لما كان اليوم الذي قتل فيه عثمان أرسل عثمان إلى سعد ابن أبي وقاص، فأتاه فكلمه فقل له سعد: أرسل إلى علي فإنه إن أتاك ورضي صلح هذا الأمر، قال: فأنت رسولي إليه، فأتاه فقام معه علي يريد أن يأتي عثمان، فمر بمالك الأشتر في أهل الكوفة، فقال مالك: أين يريد هذا؟ قالوا: يريد عثمان. فقال لأصحابه: والله لئن دخل عليه لتقتلن
стр. 5600
عن آخركم، فقام إليه في أصحابه حتى اختلجه عن سعد، وأجلسه في أصحابه، وأرسل إلى أهل مصر: إن كنتم تريدون قتله فافرغوا، فدخلوا فقتلوه.
وروي أن علياً ﵇ جاء عثمان فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فأعرض عنه، ثم قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين فأعرض عنه، ثم قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فرد عليه ضعيفاً، فقال: أما تعلم أنا كنا مع رسول الله ﷺ على حرى فتحرك، فقال رسول الله ﷺ : اسكن حراء فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد؟ فقال: بلى، فقال علي: فوالله لتقتلن ولا قتلن معك. قال ذلك ثلاث مرات.
حدث أبو عمرو عن الحسن قال: قلت: تعقل مقتل عثمان ﵁؟ قال: نعم، قلت: فهل تعرف أحداً أقام بذلك؟ قال: نعم، قهر الرجل فلم يجد ناصراً، فجاء أبو هريرة وسعد بن مالك فجثيا بحيالهم وناديا: أبد لنا صفحتك، فأشرف عليهما وقال: والله لا تقتلان أنفسكما إن رأيتما الطاعة فانصرفا، فو الله ليضربنهم الله بذل، ولا ينال إبليس مني أمراً يدخل به على سلطان الله دخلاً.
وعن ابن عباس، وابن الزبير، والمسور بن مخرمة قالوا: بعث عثمان بن عفان المسور بن مخرمة إلى معاوية، يعلمه أنه محصور، ويأمره أن يبعث إليه جيشاً سريعاً يمنعونه، فلما قدم على معاوية وأبلغه ذلك، ركب معاوية نجائبه ومعه معاوية بن حديج ومسلم بن عقبة، فسار من دمشق إلى عثمان عشراً فدخل المدينة نصف الليل، فدق باب عثمان، فدخل، فأكب عليه فقبل رأسه، فقال عثمان: فأين الجيش؟ فقال معاوية: لا والله ما جئتك إلا في ثلاثة رهط. فقال عثمان: لا وصل الله رحمك ولا أعز نصرك ولا جزاك عني خيراً: فو الله ما أقتل إلا فيك، ولا ينقم علي إلا من
стр. 5601
أجلك. فقال معاوية: بأبي أنت وأمي، إني لو بعثت إليك جيشاً فسمعوا به عاجلوك فقتلوك قبل أن يبلغ الجيش إليك، ولكن معي نجائب لا تساير، ولم يشعر بي أحد، فاخرج معي فوالله ما هي إلا ثلاث حتى نرى معالم الشام، فإنها أكثر الإسلام رجالاً وأحسنه فيك رأياً. فقال عثمان: بئس ما أشرت به. وأبى أن يجيبه إلى ذلك، فخرج معاوية إلى الشام راجعاً، وقدم المسور يريد المدينة فلقي معاوية بذي المروة راجعاً إلى الشام، فقدم المسور على عثمان وهو ذام لمعاوية غير عاذر له، فلما كان في حصره الآخر بعث المسور أيضاً إلى معاوية، فأغذ السير حتى قدم عليه، فقال: إن عثمان بعثني إليك لتبعث إليه بالرجال والخيول وتنصره بالحق وتمنعه من الظلم. فقال: إن عثمان أحسن فأحسن الله به، ثم غير فغير الله به. فشددت عليه فقال: يا مسور، تركتم عثمان حتى إذا كانت نفسه في حنجرته قلتم اذهب فادفع عنه الموت، وليس ذلك بيدي، ثم أنزلني في مشربة على رأسه، فما دخل علي داخل حتى قتل عثمان رحمة الله ورضوانه عليه.
وعن المسور: قال: قال لي معاوية: يا مسور، أنت ممن قتل عثمان. فقال المسور: أنا والله يا معاوية نصحته واعتزلته، وأنت والله غششته وخذلته، فإن شئت أخبرت القوم خبرك بأمر عثمان وخبري حين قدمت عليك الشام، فقال معاوية: لا يا أبا عبد الرحمن.
ولما أتى الخبر معاوية بحصر عثمان أرسل إلى حبيب بن مسلمة الفهري فقال: إن عثمان قد حصر فأشر علي برجل ينفذ لأمري ولا يقصر، فقال: ما أعرف ذلك غيري، فقال: أنت لها، فأشر علي برجل أبعثه على مقدمتك، لا يتهم رأيه ولا نصيحته، وعجله في سرعان الناس، فقال: أمن جندي أم من غيرهم؟ فقال: من الشام. فقال: إن أرته من جندي أشرت به عليك، وإن كان من غيرهم فإني أكره أن أغرك بمن لا علم لي به، فقال:
стр. 5602
فهاته من جندك، فال: يزيد بن شجعة الحميري، فإنه كما تحب. فإنهم لفي ذلك إذ قدم الكتاب بالحصر، فدعاهما فقال لهما: النجاء، سيرا فأغيثا أمير المؤمنين، وتعجل أنت يا يزيد، فإن قدمت يا حبيب وعثمان حي فهو الخليفة والأمر أمره، فانفذ لما يأمرك به، وإن وجدته قد قتل فلا تدعن أحداً أشار إليه ولا أعان عليه إلا قتلته، وإن أتاك شيء قبل أن تصل إليه حتى أرى من رأيي.
وبعث يزيد بن شجعة فأمضاه على المقدمة في ألف فارس على البغال يقودون الخيل، معهم الإبل عليها الروايا، وأتبعهم حبيب بن مسلمة وهو على الناس، وخرجوا جميعاً، وأغذ يزيد السير، فانتهى إلى ماء بين خيبر والسقيا فلقيه الخبر، ثم لقيه النعمان بن بشير، معه القميص الذي قتل عثمان مخضب بالماء وأصابع امرأته، وأخبره الخبر. فرجع يزيد إلى حبيب ومعه النعمان، فأمضى حبيب النعمان إلى معاوية، وأقام، فأتاه رأيه فرجع حتى قدم دمشق، ولما قدم النعمان على معاوية فأخرج القميص وأصابع نائلة بنت الفرافصة، إصبعان قد قطعتا ببراجمها وشيء من الكف، وإصبعان مقطوعتان من أصلهما مفترقتان ونصف الإبهام، وأخبره الخبر. فوضع معاوية القميص على المنبر وكتب بالخبر إلى الأجناد، وثاب إليه الناس، وبكوا سنة وهو على المنبر والأصابع معلقة فيه، والرجال من أهل الشام لا يأتون النساء ولا يمسون الغسل إلا من الاحتلام، ولا ينامون على الفرش حتى يقتلوا قتلة عثمان، ومن عرض دونهم أو تفنى أرواحهم، فمكثوا يبكون حول القميص سنة، والقميص يوضع كل يوم على المنبر، ويجلل أحياناً فيلبسه، وعلق في أردانه أصابع نائلة رحمها الله.
وعن المغيرة بن شعبة: أنه دخل على عثمان وهو محصور فقال: إنك إمام العامة، وقد نزل بك ما ترى، وإني
стр. 5603
أعرض عليك خصالاً ثلاثة اختر إحداهن: إما أن تخرج فتقاتلهم، فإن معك عدداً وقوة وأنت على الحق وهم على الباطل، وإما أن تخرق لك باباً سوى الباب الذي هم عليه، فتقعد على رواحلك فتلحق بمكة، فإنهم لن يستحلوك وأنت بها، وإما تلحق بالشام، فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية. فقال عثمان: أما أن أخرج فأقاتل، فلن أكون أول من خلف رسول الله ﷺ في أمته بسفك الدماء، وأما أن أخرج إلى مكة فإنهم لن يستحلوني بها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يلحد رجل من قريش بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم ". فلن أكون أنا، وأما أن ألحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية، فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة رسول الله ﷺ .
وعن جندب بن عبد الله البجلي قال: بلغني عن حذيفة بعض الشيء ذكره في عثمان، فغدوت عليه فاستأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي، فرجعت، فأدركني الرسول فردني، فأذن لي فدخلت، فقال: ما رجعك؟ قلت: استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي فظننتك نائماً. قال: ما كنت لأنام حتى أعلم من أين تطلع الشمس. ثم قال: ما غدا بك؟ قلت: بعض الشيء بلغني أنك ذكرت به أمير المؤمنين عثمان. فقال: وما أنكرت من ذاك؟ فقلت: أنكرت ذاك من مثلك لمثله. فقال: أما إنهم قد ساروا إليه وهم قاتلوه. قلت: أين هو إن قتلوه؟ قال: في الجنة، قلت: في الجنة؟ قال: إي والله. قلت فأين قتلته؟ قال: في النار. قلت: في النار؟ قال: إي والله. قال: ثم تكون فتنة لأنا أعلم بها مني بطريق قرية كذا وكذا وطريق قرية كذا لقريتين من قرى المدائن، وكان عاملاً قلت: فما تأمرني؟ قال: انظر الذي أنت عليه اليوم فالزمه ولا تفارقه فتضل. " وعن ابن عمر: أن عثمان أصبح يحدث الناس قال: رأيت رسول الله ﷺ الليلة في المنام فقال: يا عثمان، أفطر عندنا غداً. فأصبح صائماً وقتل من يومه.
стр. 5604
وعن كثير بن الصلت قال: أغفى عثمان بن عفان في اليوم الذي قتل فيه، فاستيقظ فقال: لولا أن يقول الناس تمنى عثمان أمنية لحدثتكم. قال: قلنا: أصلحك الله حدثنا، فلسنا نقول ما يقول الناس. فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ في منامي هذا فقال: إنك شاهد معنا الجمعة.
وعن مسلم أبي سعيد مولى عثمان بن عفان: أن عثمان أعتق عشرين مملوكاً ودعا بسراويل فشدها عليه، ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام وقال: إني رأيت رسول الله ﷺ البارحة في المنام، ورأيت أبا بكر وعمر، وإنهم قالوا لي: اصبر فإنك تفطر عندنا القابلة، ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه، فقتل وهو بين يديه.
وعن عبد الله بن سلام قال: أتيت عثمان لأسلم عليه وهو محصور، فدخلت عليه فقال: مرحباً بأخي، ما يسرني أني كنت وراءك، رأيت في هذه الليلة رسول الله ﷺ في هذه الخوخة، في خوخة من البيت، فقال لي: يا عثمان حصروك؟ قلت: نعم. قال: أعطشوك؟ قلت نعم. قال: فدلى لي دلواً، فشريت منه حتى رويت، وإني لأجد برد ذلك الماء بين ثديي وبين كتفي، فقال لي: إن شئت أفطرت عندنا وإن شئت نصرت عليهم. فاخترت أن أفطر عنده. فقتل في ذلك اليوم.
وفي حديث عن نائلة بنت الفرافصة الكلبية امرأة عثمان: أنه كان صائماً لما حصر، فلما كان عند إفطاره سألهم الماء العذب، فأبو عليه وقالوا: دونك ذاك الركي، قال: وركي في الدار يلقى فيه التبن، قالت: فبات من غير أن يفطر، فلما كان عند السحر أتيت جارات لي على أجاجير متواصلة، فسألتهم الماء
стр. 5605
العذب، فأعطوني كوزاً من ماء، فجئت به فنزلت فإذا عثمان قد وضع رأسه أسفل الدرجة وهو نائم يغط، فحركته فانتبه فقلت: هذا ماء عذب، أتيتك به، فرفع رأسه إلى السماء، فنظر إلى الفجر فقال: إني أصبحت صائماً. قلت: ومن أين ولم أر أحداً بطعام ولا شراب؟! فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ اطلع علي من هذا السقف ومعه دلو من ماء فقال: اشرب يا عثمان. فشربت حتى رويت. ثم قال: ازدد. فشربت حتى نهلت. ثم قال: أما إن القوم سيكثرون عليك، فإن قاتلتهم ظفرت، وإن تركتهم أفطرت عندنا. قالت: فدخلوا عليه من يومه فقتلوه.
قال ابن سيرين: لقد قتل عثمان وما أعلم أحداً يتهم علياً في قتله. وقال: لقد قتل عثمان يوم قتل وإن الدار يومئذ لغاصة، فيهم عبد الله بن عمر، وفيهم الحسن بن علي في عنقه السيف، ولكن عثمان عزم عليهم ألا يقاتلوا.
وحدث زهير عن كنانة قال: كنت فيمن حمل الحسن بن علي بن أبي طالب جريحاً من دار عثمان. وكان الحسن بن علي آخر من خرج من عند عثمان.
وعن ابن عمر: أنه لبس الدرع مرتين، فأتى عثمان فقال: صحبت رسول الله ﷺ وعرفت له حق الرسالة وحق النبوة، وصحبت أبا بكر فعرفت له حق الولاية، وصحبت عمر فكنت أعرف له حق الوالد وحق الولاية، وأنا أعرف لك مثل ذلك، فقال له عثمان: جزاكم الله خيراً من أهل بيت، اقعد في بيتك حتى يأتيك أمري.
ودخل ابن عمر على عثمان يعرض نصرته ويذكر بيعته فقال: أنتم في حل من بيعتي وفي حرج من نصرتي، وإني لأرجو أن ألقى الله سالماً مظلوماً.
قال أبو هريرة: أتيت عثمان يوم الدار فقلت: جئت أقاتل معك، قال: أيسرك أن يقتل الناس كلهم.
следующие страницы →