Полный текст (10 576 стр.). Показаны 5601–5640 · переход к 5606.
стр. 5601
أجلك. فقال معاوية: بأبي أنت وأمي، إني لو بعثت إليك جيشاً فسمعوا به عاجلوك فقتلوك قبل أن يبلغ الجيش إليك، ولكن معي نجائب لا تساير، ولم يشعر بي أحد، فاخرج معي فوالله ما هي إلا ثلاث حتى نرى معالم الشام، فإنها أكثر الإسلام رجالاً وأحسنه فيك رأياً. فقال عثمان: بئس ما أشرت به. وأبى أن يجيبه إلى ذلك، فخرج معاوية إلى الشام راجعاً، وقدم المسور يريد المدينة فلقي معاوية بذي المروة راجعاً إلى الشام، فقدم المسور على عثمان وهو ذام لمعاوية غير عاذر له، فلما كان في حصره الآخر بعث المسور أيضاً إلى معاوية، فأغذ السير حتى قدم عليه، فقال: إن عثمان بعثني إليك لتبعث إليه بالرجال والخيول وتنصره بالحق وتمنعه من الظلم. فقال: إن عثمان أحسن فأحسن الله به، ثم غير فغير الله به. فشددت عليه فقال: يا مسور، تركتم عثمان حتى إذا كانت نفسه في حنجرته قلتم اذهب فادفع عنه الموت، وليس ذلك بيدي، ثم أنزلني في مشربة على رأسه، فما دخل علي داخل حتى قتل عثمان رحمة الله ورضوانه عليه.
وعن المسور: قال: قال لي معاوية: يا مسور، أنت ممن قتل عثمان. فقال المسور: أنا والله يا معاوية نصحته واعتزلته، وأنت والله غششته وخذلته، فإن شئت أخبرت القوم خبرك بأمر عثمان وخبري حين قدمت عليك الشام، فقال معاوية: لا يا أبا عبد الرحمن.
ولما أتى الخبر معاوية بحصر عثمان أرسل إلى حبيب بن مسلمة الفهري فقال: إن عثمان قد حصر فأشر علي برجل ينفذ لأمري ولا يقصر، فقال: ما أعرف ذلك غيري، فقال: أنت لها، فأشر علي برجل أبعثه على مقدمتك، لا يتهم رأيه ولا نصيحته، وعجله في سرعان الناس، فقال: أمن جندي أم من غيرهم؟ فقال: من الشام. فقال: إن أرته من جندي أشرت به عليك، وإن كان من غيرهم فإني أكره أن أغرك بمن لا علم لي به، فقال:
стр. 5602
فهاته من جندك، فال: يزيد بن شجعة الحميري، فإنه كما تحب. فإنهم لفي ذلك إذ قدم الكتاب بالحصر، فدعاهما فقال لهما: النجاء، سيرا فأغيثا أمير المؤمنين، وتعجل أنت يا يزيد، فإن قدمت يا حبيب وعثمان حي فهو الخليفة والأمر أمره، فانفذ لما يأمرك به، وإن وجدته قد قتل فلا تدعن أحداً أشار إليه ولا أعان عليه إلا قتلته، وإن أتاك شيء قبل أن تصل إليه حتى أرى من رأيي.
وبعث يزيد بن شجعة فأمضاه على المقدمة في ألف فارس على البغال يقودون الخيل، معهم الإبل عليها الروايا، وأتبعهم حبيب بن مسلمة وهو على الناس، وخرجوا جميعاً، وأغذ يزيد السير، فانتهى إلى ماء بين خيبر والسقيا فلقيه الخبر، ثم لقيه النعمان بن بشير، معه القميص الذي قتل عثمان مخضب بالماء وأصابع امرأته، وأخبره الخبر. فرجع يزيد إلى حبيب ومعه النعمان، فأمضى حبيب النعمان إلى معاوية، وأقام، فأتاه رأيه فرجع حتى قدم دمشق، ولما قدم النعمان على معاوية فأخرج القميص وأصابع نائلة بنت الفرافصة، إصبعان قد قطعتا ببراجمها وشيء من الكف، وإصبعان مقطوعتان من أصلهما مفترقتان ونصف الإبهام، وأخبره الخبر. فوضع معاوية القميص على المنبر وكتب بالخبر إلى الأجناد، وثاب إليه الناس، وبكوا سنة وهو على المنبر والأصابع معلقة فيه، والرجال من أهل الشام لا يأتون النساء ولا يمسون الغسل إلا من الاحتلام، ولا ينامون على الفرش حتى يقتلوا قتلة عثمان، ومن عرض دونهم أو تفنى أرواحهم، فمكثوا يبكون حول القميص سنة، والقميص يوضع كل يوم على المنبر، ويجلل أحياناً فيلبسه، وعلق في أردانه أصابع نائلة رحمها الله.
وعن المغيرة بن شعبة: أنه دخل على عثمان وهو محصور فقال: إنك إمام العامة، وقد نزل بك ما ترى، وإني
стр. 5603
أعرض عليك خصالاً ثلاثة اختر إحداهن: إما أن تخرج فتقاتلهم، فإن معك عدداً وقوة وأنت على الحق وهم على الباطل، وإما أن تخرق لك باباً سوى الباب الذي هم عليه، فتقعد على رواحلك فتلحق بمكة، فإنهم لن يستحلوك وأنت بها، وإما تلحق بالشام، فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية. فقال عثمان: أما أن أخرج فأقاتل، فلن أكون أول من خلف رسول الله ﷺ في أمته بسفك الدماء، وأما أن أخرج إلى مكة فإنهم لن يستحلوني بها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يلحد رجل من قريش بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم ". فلن أكون أنا، وأما أن ألحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية، فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة رسول الله ﷺ .
وعن جندب بن عبد الله البجلي قال: بلغني عن حذيفة بعض الشيء ذكره في عثمان، فغدوت عليه فاستأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي، فرجعت، فأدركني الرسول فردني، فأذن لي فدخلت، فقال: ما رجعك؟ قلت: استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي فظننتك نائماً. قال: ما كنت لأنام حتى أعلم من أين تطلع الشمس. ثم قال: ما غدا بك؟ قلت: بعض الشيء بلغني أنك ذكرت به أمير المؤمنين عثمان. فقال: وما أنكرت من ذاك؟ فقلت: أنكرت ذاك من مثلك لمثله. فقال: أما إنهم قد ساروا إليه وهم قاتلوه. قلت: أين هو إن قتلوه؟ قال: في الجنة، قلت: في الجنة؟ قال: إي والله. قلت فأين قتلته؟ قال: في النار. قلت: في النار؟ قال: إي والله. قال: ثم تكون فتنة لأنا أعلم بها مني بطريق قرية كذا وكذا وطريق قرية كذا لقريتين من قرى المدائن، وكان عاملاً قلت: فما تأمرني؟ قال: انظر الذي أنت عليه اليوم فالزمه ولا تفارقه فتضل. " وعن ابن عمر: أن عثمان أصبح يحدث الناس قال: رأيت رسول الله ﷺ الليلة في المنام فقال: يا عثمان، أفطر عندنا غداً. فأصبح صائماً وقتل من يومه.
стр. 5604
وعن كثير بن الصلت قال: أغفى عثمان بن عفان في اليوم الذي قتل فيه، فاستيقظ فقال: لولا أن يقول الناس تمنى عثمان أمنية لحدثتكم. قال: قلنا: أصلحك الله حدثنا، فلسنا نقول ما يقول الناس. فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ في منامي هذا فقال: إنك شاهد معنا الجمعة.
وعن مسلم أبي سعيد مولى عثمان بن عفان: أن عثمان أعتق عشرين مملوكاً ودعا بسراويل فشدها عليه، ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام وقال: إني رأيت رسول الله ﷺ البارحة في المنام، ورأيت أبا بكر وعمر، وإنهم قالوا لي: اصبر فإنك تفطر عندنا القابلة، ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه، فقتل وهو بين يديه.
وعن عبد الله بن سلام قال: أتيت عثمان لأسلم عليه وهو محصور، فدخلت عليه فقال: مرحباً بأخي، ما يسرني أني كنت وراءك، رأيت في هذه الليلة رسول الله ﷺ في هذه الخوخة، في خوخة من البيت، فقال لي: يا عثمان حصروك؟ قلت: نعم. قال: أعطشوك؟ قلت نعم. قال: فدلى لي دلواً، فشريت منه حتى رويت، وإني لأجد برد ذلك الماء بين ثديي وبين كتفي، فقال لي: إن شئت أفطرت عندنا وإن شئت نصرت عليهم. فاخترت أن أفطر عنده. فقتل في ذلك اليوم.
وفي حديث عن نائلة بنت الفرافصة الكلبية امرأة عثمان: أنه كان صائماً لما حصر، فلما كان عند إفطاره سألهم الماء العذب، فأبو عليه وقالوا: دونك ذاك الركي، قال: وركي في الدار يلقى فيه التبن، قالت: فبات من غير أن يفطر، فلما كان عند السحر أتيت جارات لي على أجاجير متواصلة، فسألتهم الماء
стр. 5605
العذب، فأعطوني كوزاً من ماء، فجئت به فنزلت فإذا عثمان قد وضع رأسه أسفل الدرجة وهو نائم يغط، فحركته فانتبه فقلت: هذا ماء عذب، أتيتك به، فرفع رأسه إلى السماء، فنظر إلى الفجر فقال: إني أصبحت صائماً. قلت: ومن أين ولم أر أحداً بطعام ولا شراب؟! فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ اطلع علي من هذا السقف ومعه دلو من ماء فقال: اشرب يا عثمان. فشربت حتى رويت. ثم قال: ازدد. فشربت حتى نهلت. ثم قال: أما إن القوم سيكثرون عليك، فإن قاتلتهم ظفرت، وإن تركتهم أفطرت عندنا. قالت: فدخلوا عليه من يومه فقتلوه.
قال ابن سيرين: لقد قتل عثمان وما أعلم أحداً يتهم علياً في قتله. وقال: لقد قتل عثمان يوم قتل وإن الدار يومئذ لغاصة، فيهم عبد الله بن عمر، وفيهم الحسن بن علي في عنقه السيف، ولكن عثمان عزم عليهم ألا يقاتلوا.
وحدث زهير عن كنانة قال: كنت فيمن حمل الحسن بن علي بن أبي طالب جريحاً من دار عثمان. وكان الحسن بن علي آخر من خرج من عند عثمان.
وعن ابن عمر: أنه لبس الدرع مرتين، فأتى عثمان فقال: صحبت رسول الله ﷺ وعرفت له حق الرسالة وحق النبوة، وصحبت أبا بكر فعرفت له حق الولاية، وصحبت عمر فكنت أعرف له حق الوالد وحق الولاية، وأنا أعرف لك مثل ذلك، فقال له عثمان: جزاكم الله خيراً من أهل بيت، اقعد في بيتك حتى يأتيك أمري.
ودخل ابن عمر على عثمان يعرض نصرته ويذكر بيعته فقال: أنتم في حل من بيعتي وفي حرج من نصرتي، وإني لأرجو أن ألقى الله سالماً مظلوماً.
قال أبو هريرة: أتيت عثمان يوم الدار فقلت: جئت أقاتل معك، قال: أيسرك أن يقتل الناس كلهم.
стр. 5606
وفي حديث آخر: وإياي معهم؟ قلت: لا. قال: فإنك إن قتلت نفساً واحدة كأنك قتلت الناس كلهم. فقال: انصرف مأذوناً غير مأزور. ثم جاء الحسن بن علي بن أبي طالب فقال: جئت يا أمير المؤمنين أقاتل معك، فأمرني بأمرك. فالتفت إليه عثمان فقال: انصرف مأذوناً لك، مأجوراً غير مأزور، جزاكم الله من أهل بيت خيراً.
قال عبد الله بن عامر بن ربيعة: كنت مع عثمان في الدار فقال: أعزم على كل من رأى لنا عليه طاعة إلا كف يده وسلاحه، فإن أفضلكم عندي غناء من كف يده وسلاحه، ثم قال: قم يا ابن عمر فاحرس الناس، فقام ابن عمر وقام معه رجاله من بني عدي وابن سراقة وابن مطيع ففتحوا الباب وخرج، ودخل الناس فقتلوا عثمان.
وعن جابر بن عبد الله: أن علياً أرسل عثمان أن معي خمس مئة دارع فأذن لي فأمنعك من القوم، فإنك لم تحدث شيئاً يستحل به دمك، قال: جزيت خيراً، ما أحب أن يهراق دم في سببي.
خرج سعد بن أبي وقاص حتى دخل عثمان وهو محصور، ثم خرج من عنده فرأى عبد الرحمن بن عديس، ومالك بن الأشتر، وحكيم بن جبلة، فصفق بيديه إحداهما على الأخرى، ثم استرجع ثمأظهر الكلام فقال: والله إن أمراً هؤلاء رؤساؤه لأمر سوء.
قال أبو قتادة: دخلت على عثمان وهو محصور أنا ورجل من قومي نستأذنه في الحج، فأذن لنا، فلما خرجت استقبلني الحسن بن علي بالباب، فدخل وعليه سلاحه، فرجعت معه، فدخل فوقف بين يدي عثمان، قال: يا أمير المؤمنين، ها أنذا بين يديك فمرني بأمرك، فقال له
стр. 5607
عثمان: يا بن أخي وصلتك رحم، إن القوم ما يريدون غيري، ووالله لا أتوقى بالمؤمنين ولكن أوقي المؤمنين بنفسي. فلما سمعت ذلك منه قلت: يا أمير المؤمنين، إن كان من أمرك كون فما تأمر؟ قال: انظر ما اجتمعت عليه أمة محمد ﷺ ، فإن الله لا يجمعهم على ضلالة، كونوا مع الجماعة حيث كانت. قال بشار: فحدثت به حماد بن زيد فرق ودمعت عيناه، وقال: رحم الله أمير المؤمنين حوصر نيفاً وأربعين ليلة لم تبد منه كلمة يكون لمبتدع فيها حجة.
ولما ضرب عثمان والدماء تسيل على لحيته جعل يقول: " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " اللهم إني أستعديك عليهم، وأستعينك على جميع أموري، وأسألك الصبر على ما ابتليتني.
وعن عبد الله بن سلام: انه قال لمن حضر تشحط عثمان في الموت حين ضربه أبو رومان الأصبحي: ماذا كان قول عثمان وهو يتشحط؟ قالوا: سمعنا يقول: اللهم اجمع أمة محمد، ثلاثاً، قال: والذي نفسي بيده لو دعا الله على تلك الحال ألا يجتمعوا أبداً، ما اجتمعوا إلى يوم القيامة.
ومن حديث أن عثمان كتب إلى أهل الشام يستمدهم حين حصر، فضرب معاوية بعثاً على أهل الشام، على أربعة آلاف، وكان قائدهم أسد بن كرز، جد خالد بن عبد الله القسري، فبلغ الذين حصروه أنه قد استغاث بأهل الشام، وقد أقبل إليه أربعة آلاف مدداً، فخافوا أن يكون بينهم وبين أهل الشام قتال، فعجلوا، فأحرقوا باب عثمان، فلما وقع الباب ألقوا عليه التراب والحجارة، وكان في الدار مع عثمان قريب من مئتي رجل، فيهم الحسن بن علي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير، فاستعمل عثمان على أهل الدار
стр. 5608
عبد الله بن الزبير، وفلان بن الأخنس الثقفي على أهل الميمنة ومروان على الميسرة، وهم بالقتال، فلما رأى الباب قد أحرق خرج إليهم فقال: جزاكم الله خيراً، قد وفيتم بالبيعة، وقد بدا لي ألا ولا تراق أقاتل في محجمة دم، ففتح لهم سدة في داره فخرجوا منها، وغضب مروان بن الحكم فاختبأ في بعض بيوت الدار، فلما أحرق الباب وألقي عليه التراب والحجارة رجع عثمان ففتح المصحف يقرؤه إذ دخلت عليه جماعة ليس فيهم من أصحاب رسول الله ولا من أبنائهم أحد، فلما وصلوا إليه قاموا خلفه عليهم السلاح فقالوا: بدلت كتاب الله وغيرته، قال عثمان: كتاب الله بيني وبينكم. فضربه رجل منهم على منكبه فندر منه الدم على المصحف، وضربه آخر، فلما كثر الضرب غشي عليه، ونساؤه مختلطون مع الرجال، فضج النساء وغشي عليه، وجيء بماء فمسح على وجهه فأفاق، فدخل محمد بن أبي بكر عند ذلك وهو يرى أنه قتل، فلما رآه قاعداً قال: لا أراكم قياماً حول نعثل، وأخذ بلحيته فجره من البيت إلى باب الدار وهو يقول: بدلت كتاب الله وغيرته يا نعثل. فقال عثمان: لست بنعثل ولكني أمير المؤمنين، وما كان أبوك يأخذ بلحيتي. فقال محمد: لا يقبل منا يوم القيامة أن نقول: " أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل " ودخل رجل من كندة من أهل مصر مخترط السيف فقال: أفرجوا. فأفرجوا، فطعن في بطنه، وخلفه امرأته بنت الفرافصة الكلبية تمسك السيف، فقطع أصابعها.
وفي حديث آخر: أن محمد بن أبي بكر أخذ بلحية عثمان فقال بها حتى سمعت وقع أضراسه، فقال: ما أغنى عنك معاوية؟ ما أغنى عنك ابن عامر، ما أغنت عنك كتبك؟ فقال: أرسل لي لحيتي الحديث.
стр. 5609
وفي حديث آخر: أن محمد بن أبي بكر أخذ بلحيته، وأهوى بمشاقص معه ليلجأ بها في حلقه، فقال: مهلاً يا بن أخي فوالله لقد أخذت مأخذ ما كان أبوك ليأخذ به، فتركه وانصرف مستحيياً نادماً، فاستقبله القوم على باب الصفة فردهم طويلاً حتى غلبوه، فدخلوا، وخرج محمد راجعاً فأتاه رجل بيده جريدة، تقدمهم حتى قام عثمان، فضرب بها رأسه فشجه، فقطر دمه على المصحف حتى لطخه، ثم تغاووا عليه، فأتاه رجل فضربه على الثدي بالسيف، فسقط، ووثبت نائلة بنت الفرافصة الكلبية فصاحت وألقت نفسها عليه وقالت: يا بنت شيبة، أيقتل أمير المؤمنين؟! فأخذت السيف، فقطع الرجل يدها، وانتهبوا متاع البيت، ومر رجل على عثمان ورأسه مع المصحف، فضرب رأسه برجله ونحاه عن المصحف وقال: ما رأيت كاليوم وجه كافر أحسن ولا مضجع كافر أكرم. فلا والله ما تركوا في داره شيئاً حتى الأقداح إلا ذهبوا به.
وفي حديث أن محمد بن أبي بكر لما أخذ بلحيته هزها حتى سمع صرير أضراسه بعضها على بعض، فقال: يا بن أخ، دع لحيتي فإنك لتجذب ما يعز على أبيك أن يؤذيها.
وقال في آخر الحديث: وانتهبوا بيته، فهذا يأخذ الثوب، وهذا يأخذ المرآة، وهذا يأخذ الشيء.
وعن كنانة مولى صفية بنت حيي قال: شهدت مقتل عثمان ﵁ وأنا ابن أربع عشرة سنة، قلت: هل أندى محمد بن أبي بكر بشيء من دمه؟ فقال: معاذ الله، دخل عليه فقال عثمان: يا بن أخي، لست بصاحبي فخرج، ولم يند من دمه بشيء، فقلت لكنانة: من قتله؟ قال: رجل من
стр. 5610
أهل البصرة، وقيل من أهل مصر يقال له: جبلة بن الأيهم، وقيل جبلة بن الأهتم، وقيل: من أهل مصر يقال له: حمار.
وعن عائشة قالت: دخل محمد بن أبي بكر على عثمان متأبطاً سيفه، قد علق كنانته في همياته حتى جلس بين يديه فقال: يا نعثل، فقال: لست بنعثل ولكني عثمان أمير المؤمنين. فأهوى بيده إلى لحيته، فقال: مه يا بن أخي! كف يدك عن لحية عمك وأجلها، فإن أباك كان يجلها. فغضب فأخذ مشقصاً من كنانته فضربه في ودجه، فأسرع السهم فيه، ثم دخل التجيبي ومحمد بن أبي حذيفة فضرباه بأسيافهما حتى أثبتاه وهو يقرأ المصحف، فوقعت نضحة من دمه على قوله: " فسيكفيكهم الله ".
وفي حديث آخر: أن محمد بن أبي بكر تسور إلى عثمان من دار عمرو بن حزم ومعه كنانة ابن بشر بن عتاب وسودان بن حمران وعمرو بن الحمق، فوجروا عثمان عند امرأته نائلة، وهو يقرأ في المصحف في سورة البقرة، فتقدمهم محمد بن أبي بكر فأخذ بلحية عثمان فقال: قد أخزاك الله يا نعثل، فقال عثمان: لست بنعثل ولكني عبد الله وأمير المؤمنين. فقال محمد: ما أغنى عنك معاوية وفلان وفلان؟ فقال عثمان: يا بن أخي، دع عنك لحيتي، فما كان أبوك ليقبض على ما قبضت عليه. فقال محمد: ما أريد بك أشد من قبضي على لحيتك. فقال عثمان: أستنصر الله عليك وأستعين به. ثم طعن جبينه بمشقص في يده، ورفع كنانة بن بشر ابن عتاب مشاقص كانت في يده فوجأ بها في أصل أذن عثمان، فمضت حتى دخلت في حلقه، ثم علاه بالسيف حتى قتله.
стр. 5611
قالوا: وضرب كنانة بن بشر جبينه ومقدم رأسه بعمود حديد فخر لجنبه، وضربه سودان بن حمران المرادي بعدما خر لجنبه فقتله. وأما عمرو بن الحمق فوثب على عثمان فجلس على صدره وبه رمق فطعنه تسع طعنات، وقال: أما ثلاث منهن فإني طعنتهن لله، وأما ست فإني طعنته إياهن لما كان في صدري عليه.
وحدث الحسن عن سياف عثمان: أن رجلاً من الأنصار دخل على عثمان فقال: ارجع يا بن أخي فلست بقاتلي. قال: وكيف علمت ذاك؟ قال: لأنه أتي بك النبي ﷺ يوم سابعك فحنكك ودعا لك بالبركة قال ثم دخل عليه رجل آخر من الأنصار فقال: ارجع ابن أخي فلست بقاتلي، قال: بم تدري ذلك؟ قال: لأنه أتي بك النبي ﷺ يوم سابعك فحنكك ودعا لك بالبركة. قال: ثم دخل عليه محمد بن أبي بكر فقال: أنت قاتلي. قال: وما يدريك يا نعثل؟ قال: لأنه أتي بك النبي ﷺ يوم سابعك ليحنكك ويدعو لك بالبركة فخريت على رسول الله ﷺ ، قال: فوثب على صدره وقبض على لحيته، فقال: إن تفعل، كان يعز على أبيك أو يسوؤه. قال: فوجأه في نحره بمشاقص كانت في يده.
وعن المغيرة بن شعبة قال: قلت لعلي: إن هذا الرجل مقتول، وإنه إن قتل وأنت بالمدينة ألحدوا فيك، فاخرج فكن في مكان كذا وكذا فإنك إن فعلت فكنت في غار باليمن طلبك الناس.
فأبى، وحصر عثمان اثنتين وعشرين يوماً، ثم أحرقوا الباب وفي الدار أناس كثير، فيهم عبد الله بن الزبير ومروان. فقالوا: ائذن لنا: فقال: إن رسول الله ﷺ عهد إلي عهداً فأنا صابر عليه، وإن القوم لم يحرقوا باب الدار إلا وهم يطلبون ما هو أعظم منه، فأخرج على رجل يستقتل ويقاتل. وخرج الناس كلهم، ودعا بالمصحف فقرأ فيه والحسن عنده، فقال: إن أباك الآن لفي أمر عظيم من أمرك فأقسمت عليك لما خرجت، وأمر عثمان أبا كرب رجلاً من همدان وآخر من الأنصار أن يقوما على باب المال، وليس فيه إلا
стр. 5612
غرارتين من ورق، فلما طفئت النار بعدما ناوشهم ابن الزبير ومروان، وتوعد محمد بن أبي بكر ابن الزبير ومروان، فلما دخل على عثمان هربا. ودخل محمد بن أبي بكر على عثمان فأخذ بلحيته، فقال: أرسل لحيتي فلم يكن أبوك ليتناولهم. فأرسلها، ودخلوا عليه، منهم من يجؤه بنعل سيفه، وآخر يلكزه، ووجأه رجل بمشاقص معه في ترقوته، فسال الدم على المصحف، وهم في ذلك يهابون قتله، وكان كبيراً وغشي عليه، ودخل آخرون فلما رأوه مغشياً عليه جروا برجله، فصاحت نائلة وبناته وجاء التجيبي مخترطاً سيفه ليطعنه في بطنه، فوقته نائلة، فقطع يدها، واتكأ بالسيف عليه في صدره، وقتل الرجل قبل غروب الشمس، ونادى مناد، ما يحل دمه ويحرم ماله! فانتهبوا كل شيء، ثم تنادوا: المال المال، فألقى الرجلان المفاتح ونجيا وقالا: الهرب الهرب، هذا ما طلب القوم.
وعن أبي سعيد مولى أبي أسيد قال:: فتح عثمان الباب، ووضع المصحف بين يديه، فدخل عليه رجل، وقال: بيني وبينك كتاب الله. فخرج وتركه، ثم دخل عليه آخر فقال: بيني وبينك كتاب الله فأهوى إليه بالسيف، فاتقاه بيده فقطعها، فلا أدري أبانها أم قطعها ولم يبنها، فقال: أم والله إنها لأول كف خطت المفصل. قال: ودخل عليه رجل من بني سدوس يقال له: الموت الأسود، فخنقه وخنقه قبل أن يضرب بالسيف، فقال: والله ما رأيت شيئاً ألين من حلقه، لقد خنقته حتى رأيت نفسه مثل الجان، تردد في جسده.
وفي غير هذا الحديث: ودخل التجوبي فأشعره
стр. 5613
مشقصاً، فانتضح الدم على قوله: " فسيكفيكهم الله " فإنها في المصحف ما حكت.
وقيل: قتله سودان بن رومان المرادي.
وعن المسيب بن دارم قال: إن الذي قتل عثمان قام في قتال العدو سبع عشرة كرة، يقتل من حوله، لا يصيبه شيء حتى مات على فراشه.
ولما ضربه بالمشاقص قال عثمان: بسم الله، توكلت على الله، وإذا الدم يسيل على لحيته، فقطر والمصحف بين يديه، فاتكأ على شقه الأيسر وهو يقول: سبحان الله العظيم، وهو في ذلك يقرأ المصحف والدم يسيل على المصحف، حتى وقف الدم عند قوله " فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم " وأطبق المصحف، وضربوه جميعاً ضربة واحدة، فضربوه والله كان يحيي الليل في ركعة، ويصل الرحم، ويطعم الملهوف، ويحمل الكل، فرحمه الله.
قال الزهري: قتل عثمان عند صلاة العصر، وشد عبد لعثمان على كنانة بن بشر فقتله، وشد سودان على العبد فقتله، ودخلت الغوغاء دار عثمان، فصاح إنسان منهم: أيحل دم عثمان ولا يحل ماله! فانتهبوا متاعه، فقامت نائلة فقالت: لصوص ورب الكعبة! يا أعداء
стр. 5614
الله ما ركبتم من دم عثمان أعظم، أما والله لقد قتلتموه صواماً قواماً يقرأ القرآن في ركعة.
وخرج الناس من دار عثمان، وأغلق بابه على ثلاثة قتلوا: عثمان، وعبد عثمان الأسود، وكنانة بن بشر.
وقال عبد الله بن سعيد بن ثابت: رأيت مصحف عثمان ونضح الدماء فيه على أشياء من الوعد والوعيد، فكان ذلك عند الناس من الآيات.
قال كنانة: كنت أقود بصفية بنت حيي، لترد عن عثمان، فلقيها الأشتر فضرب وجه بغلتها حتى مالت، فقالت: ردوني لا يفضحني هذا الكلب. قال: فوضعت خشباً بين منزلها وبين منزل عثمان، تنقل عليه الطعام والشراب.
قال محمد بن شهاب الزهري: قلت لسعيد بن المسيب: هل أنت مخبري كيف كان قتل عثمان؟ ما كان شأن الناس وشأنه؟ ولم خذله أصحاب محمد ﷺ ؟ فقال: قتل عثمان مظلوماً، ومن قتله كان ظالماً، ومن خذله كان معذوراً. قلت: كيف كان كذلك؟ قال: إن عثمان لما ولي، كره ولايته نفر من أصحاب النبي ﷺ ، لأن عثمان كان يحب قومه، فولي الناس اثنتي عشرة سنة، وكان كثيراً مما يولي بني أمية ممن لم يكن له مع رسول الله ﷺ صحبة، فكان يجيء من أمرائه ما ينكره أصحاب محمد ﷺ ، وكان عثمان يستعتب فيهم فلا يعزلهم، فلما كان في الست حجج الأواخر استأثر بني عمه فولاهم وما أشرك معهم، وأمرهم بتقوى الله، ولى عبد الله بن أبي سرح مصر، فمكث عليها سنين فجاء أهل مصر يشكونه ويتظلمون منه، وقد كان قبل ذلك من عثمان هنات إلى عبد الله بن مسعود، وأبي ذر، وعمار بن ياسر، فكان بنو هذيل وبنو زهرة في قلوبهم ما فيها لحال ابن مسعود، وكانت بنو غفار وأحلافها ومن غضب لأبي ذر في قلوبهم ما فيها، وكانت بنو مخزوم قد
стр. 5615
حنقت على عثمان لحال عمار بن ياسر. وجاء أهل مصر يشكون ابن أبي سرح، فكتب إليه كتاباً يتهدده فيه، فأبى ابن أبي سرح يقبل ما نهاه عنه عثمان، وضرب بعض من أتاه من قبل عثمان من أهل مصر ممن كان أتى عثمان فقتله، فخرج من أهل مصر سبع مئة رجل فنزلوا المسجد، وشكوا إلى أصحاب محمد ﷺ في مواقيت الصلاة ما صنع ابن أبي سرح بهم، فقام طلحة بن عبيد الله فكلم عثمان بن عفان بكلام شديد، وأرسلت عائشة إليه فقالت: تقدم إليك أصحاب محمد ﷺ وسألوك عزل هذا الرجل، فأبيت إلا واحدة! فهذا قد قتل منهم رجلاً، فأنصفهم من عاملك. ودخل عليه علي بن أبي طالب ﵇ وكان متكلم القوم فقال: إنما يسائلونك رجلاً مكان رجل، وقد ادعوا قبله دماً، فاعزله عنهم واقض بينهم فإن وجب عليه حق فأنصفهم منه. فقال لهم: اختاروا رجلاً أوليه عليكم مكانه، فأشار الناس عليه بمحمد بن أبي بكر، فقال: أستعمل عليه محمد بن أبي بكر. فكتب عهده وولاه، وخرج معهم عدد من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بين أهل مصر وابن أبي سرح، فخرج محمد ومن معه، فلما كان على مسيرة ثلاث من المدينة إذا هم بغلام أسود على بعير يخبط البعير خبطاً، كأنه رجل يطلب أو يطلب، فقال له أصحاب محمد ﷺ : ما قصتك وما شأنك كأنك هارب أو طالب؟ فقال لهم: أنا غلام أمير المؤمنين، وجهني إلى عامل مصر، فقال له رجل: هذا عامل مصر، قال: ليس هذا أريد، فأخبر بأمره محمد بن أبي بكر فبعث في طلبه رجلاً فأخذه، فجيء به إليه فقال: غلام من أنت؟ فأقبل مرة يقول: أنا غلام أمير المؤمنين، ومرة يقول: أنا غلام مروان، حتى عرفه رجل أنه لعثمان، فقال له محمد: إلى من أرسلت؟ إلى عامل مصر، قال: بماذا: قال برسالة، قال معك كتاب؟ قال: لا، ففتشوه فلم يجدوا معده كتاباً، وكانت معه إداوة قد يبست، فيها شيء يتقلقل، فحركوه ليخرج فلم يخرج، فشقوا الإداوة فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح، فجمع محمد من كان عنده من المهاجرين والأنصار وغيرهم، ثم فضوا فك الكتاب بمحضر منهم، فإذا فيه: إذا أتاك فلان ومحمد وفلان فاحتل قتلهم
стр. 5616
وأبطل كتابه، وقر على عملك حتى يأتيك رأيي، واحبس من يجيء إلي يتظلم منك ليأتيك رأيي في ذلك إن شاء الله.
فلما قرؤوا الكتاب فزعوا وأزمعوا فرجعوا إلى المدينة، وختم محمد الكتاب بخواتيم نفر كانوا معه، ودفع الكتاب إلى رجل منهم، وقدموا المدينة فجمعوا طلحة والزبير وعلياً وسعداً ومن كان من أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم فضوا الكتاب بمحضر منهم وأخبروهم بقصة الغلام، وأقرؤوهم الكتاب، فلم يبق أحد من المدينة إلا حنق على عثمان، وزاد ذلك من كان غضب لابن مسعود وأبي ذر وعمار حنقاً وغيظاً. وقام أصحاب محمد صلى الله عيله سلم فلحقوا بمنازلهم، ما منهم أحد إلا وهو مغتم لما قرؤوا الكتاب.
وحاصر الناس عثمان، وأجلب عليه محمد بن أبي بكر بيتي تيم وغيرهم، فلما رأى ذلك علي بعث إلى طلحة والزبير وسعد ونفر من أصحاب محمد ﷺ ، كلهم بدري، ثم دخل على عثمان ومعه الكتاب والغلام والبعير، فقال له علي: هذا الغلام غلامك؟ قال: نعم. قال: والبعير بعيرك؟ قال: نعم. قال: فأنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: لا. وحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب ولا أمر ولا علم به، قال له علي: فالخاتم خاتمك؟ قال: نعم. قال: فكيف يخرج غلامك ببعيرك، بكتاب عليه خاتمك ولا تعلم به؟ فحلف بالله ما كتبت ولا أمرت به ولا وجهت هذا الغلام إلى مصر قط. وأما الخط فعرفوا أنه خط مروان، وشكوا في أمر عثمان، وسألوه أن يدفع إليهم مروان فأبى، وكان مروان عنده في الدار، فخرج أصحاب محمد من عنده غضاباً، وشكوا في أمره، وعلموا أن عثمان لا يحلف بباطل، إلا أن قوماً قالوا: لن يبرأ عثمان من قلوبنا إلا أن يدفع إلينا مروان حتى نبحثه ونعرف حال الكتاب، وكيف يؤمر بقتل رجل من أصحاب محمد ﷺ بغير حق؟ فإن يكن عثمان كتبه عزلناه، وإن يكن مروان كتبه على لسان عثمان نظرنا ما يكون منا في أمر مروان.
ولزموا بيوتهم، وأبى عثمان أن يخرج إليهم وخشي عليه القتل، وحاصر الناس عثمان، ومنعوه الماء، فأشرف على الناس فقال أفيكم علي؟ فقالوا: لا. قال: أفيكم سعد؟ قالوا: لا. قال: فسكت، ثم قال: ألا أحد يبلغ فسيقينا ماء؟ فبلغ ذلك علياً فبعث إليه بثلاث قرب مملوءة ماء، فما كادت تصل إليه، وجرح في سببها عدة من موالي بني
стр. 5617
هاشم وبني أمية، حتى وصل الماء إليه، فبلغ علياً أن عثمان يراد قتله، فقال: إنما أردنا منه مروان، فأما قتل عثمان فلا. وقال للحسن والحسين اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان، فلا تدعا أحداً يصل إليه. وبعث الزبير ابنه، وبعث طلحة ابنه، وبعث عدة من أصحاب محمد ﷺ أبناءهم، يمنعون الناس أن يدخلوا على عثمان، ويسألونه إخراج مروان، فلما رأى ذلك محمد بن أبي بكر، ورمى الناس عثمان بالسهام حتى خضب الحسن بالدماء على بابه، وأصاب مروان سهم وهو في الدار، وخضب محمد بن طلحة، وشج قنبر مولى علي، فخشي محمد بن أبي يكر أن يغضب بنو هاشم لحال الحسن والحسين فيثيرونها فتنة، فأخذ بيد الرجلين فقال: إن جاءت بنو هاشم فرأوا الدماء على وجه الحسن كشفوا الناس عن عثمان وبطل ما نريد، ولكن مروا بنا حتى نتسور عليه الدار فنقتله من غير أن يعلم أحد. فتسور محمد وصاحباه من دار رجل من الأنصار، حتى دخلوا على عثمان ولا يعلم أحد ممن كان معه، لأن كل من كان معه كانوا فوق البيوت، ولم يكن معه إلا امرأته، فقال لهما محمد: مكانكما فإن معه امرأته حتى أبداكما بالدخول، فإذا أنا ضبطته فادخلا، فتوجاه حتى تقتلاه. فدخل محمد فأخذ بلحيته، فقال له عثمان: والله لو رآك أبوك لساءه مكانك مني. فتراخت يده، ودخل الرجلان عليه فتوجاه حتى قتلاه، وخرجوا هاربين من حيث دخلوا، وصرخت امرأته فلم يسمع صراخهما لما كان في الدار من الجلبة، وصعدت امرأته إلى الناس فقالت: إن أمير المؤمنين قد قتل.
فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما فوجدوا عثمان مذبوحاً، فانكبوا عليه يبكون، وخرجوا، ودخل الناس فوجدوه مذبوحاً، وبلغ علي بن أبي طالب الخبر وطلحة والزبير وسعداً ومن كان بالمدينة، فخرجوا وقد ذهبت عقولهم للخبر الذي أتاهم، حتى دخلوا على عثمان فوجدوه مقتولاً، فاسترجعوا، وقال علي لابنتيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟! ورفع يده فلطم الحسن وضرب صدر الحسين، وشتم محمد بن طلحة ولعن عبد الله بن الزبير، وخرج علي وهو غضبان، فلقيه طلحة فقال: مالك يا أبا الحسن ضربت الحسن والحسين؟ فقال: عليك وعليهما لعنة الله! إلا أن يسوءني ذلك! يقتل
стр. 5618
أمير المؤمنين رجل من أصحاب رسول الله ﷺ بدري لم تقم عليه بينة ولا حجة! فقال طلحة: لو دفع مروان لم يقتل. فقال علي: لو أخرج إليكم مروان قتل قبل أن يثبت عليه حكومة. وخرج علي فأتى منزله، وجاء الناس كلهم يهرعون إلى علي، وأصحاب النبي ﷺ وغيرهم، كلهم يقول: أمير المؤمنين علي حتى دخلوا عليه داره فقالوا له: نبايعك فمد يدك، فلا بد من أمير. فقال علي: ليس ذلك إليكم إنما ذلك لأهل بدر، فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة. فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى علياً فقالوا: ما نرى أحد أحق بها منك، مد يدك نبايعك. فقال: أين طلحة والزبير؟ فكان أول من بايعه طلحة بلسانه وسعد بيده، فلما رأى ذلك علي خرج إلى المسجد فصعد المنبر، فكان أول من صعد إليه طلحة فبايعه بيده، ثم بايعه الزبير وسعد وأصحاب النبي ﷺ جميعاً، ثم نزل فدعا الناس وطلب مروان، فهرب منه، وطلب نفراً من ولد مروان وبني أبي معيط فهربوا منه. وخرجت عائشة باكية تقول: قتل عثمان. وجاء علي إلى امرأة عثمان فقال لها: من قتل عثمان؟ قالت: لا أدري، دخل عليه رجلان لا أعرفهما إلا أن أرى وجوههما، وكان معهما محمد بن أبي بكر، وأخبرت علياً والناس ما صنع محمد، فدعا محمداً فسأله عما ذكرت امرأة عثمان، فقال محمد: لم تكذب، قد دخلت عليه وأنا أريد قتله فذكر لي أبي، فقمت عنه، وأنا تائب إلى الله تعالى، والله ما قتلته ولا أمسكته، فقالت امرأته: صدق ولكنه أدخلهما.
قال يزيد بن أبي حبيب: كان عمر بن الخطاب أمر على الشام بعد يزيد بن أبي سفيان معاوية ابن أبي سفيان وعمير بن سعد الأنصاري، وأمر على الكوفة المغيرة بن شعبة الثقفي، وأمر على البصرة أبا موسى الأشعري عبد الله بن قيس، وأمر على أهل مصر عمرو بن العاص، فقتل عمر ولم يخلع أحداً منهم، فاستخلف عثمان فنزع عمير بن سعد، وجمع الشام لمعاوية كله، ثم نزع عمرو بن العاص، وأمر عبد الله بن سعد، فقال أناس: نزع عمراً وقد كان رسول الله ﷺ أمره، وأمر ابن سعد، فكانت تلك فتنة في أنفسهم، ثم نزع أبا موسى
стр. 5619
الأشعري، وأمر الوليد بن عقبة، قالوا: أمر الفاسق وخلع أبا موسى!. وأظهر الناس ذلك قالة سوء.
وكتب أهل الآفاق بذلك بعضهم إلى بعض، ثم إن عثمان أمر عبد الله بن سعد على أهل الشام وأهل مصر غزوة ذات الصواري، ففتح الله لأهل الإسلام يومئذ فتحاً عظيماً، وكان معاوية بن حديج غزا تلك السنة بغزاوة أمره عليها عثمان، ففتح ذلك الحصن، وأمر له عثمان بالخمس مما أصاب لنفسه، وذلك سنة أربع وثلاثين، ثم إن عبد الله بن سعد وفد عثمان برجال من أهل مصر، فأخبروه بالذي فتح الله لهم ولأهل الإسلام، فكتب عثمان بذلك الفتح إلى الأجناد، واستخلف عبد الله بن سعد على أهل مصر حين وفد عثمان السائب بن هشام، ورجلاً من بني عامر بن لؤي، وجعل الخاتم بيد سليمان بن عتر التجيبي، فبينا عبد الله بن سعد عند عثمان ومعه وفد، إذ أقبل راكب بعثه صاحب منهل من مناهل المدينة، حتى دخل إلى عثمان فأخبره أن ركباً من أهل مصر مروا بنا معهم السلاح والخيل، فراعنا ذلك، فأشفق عثمان، فأرسل إلى عبد الله بن سعد فقال: يا أبا يحيى، أخبرني كيف تركت أهل مصر؟ قال: تركتهم على ما يحب أمير المؤمنين في طاعتهم، فهل بلغك يا أمير المؤمنين شيء؟ ثم قال راكب آخر بعثه صاحب ذي المروة، فأخبر عثمان أن راكباً من أهل مصر نزلوا ذا المروة معهم السلاح والخيل، قد احتقبوا الدروع، عليهم رجل يقال له: عبد الله بن بديل، فلما بلغ ذلك عثمان استيقن إنما يراد نفسه، فأرسل إلى عمر بن العاص وهو بالمدينة، قد أنكحه عثمان أخته لأمه أم كلثوم ابنة عقبة بن أبي معيط، فقال له: يا أبا عبد الله، ما بال ركب من أهل مصر نزلوا ذا المروة؟ فهون عليه عمرو وقال: لعلهم عتبوا على ابن سعد في أنه وفد برجال وترك آخرين، ويقال: إنما قدم الركب على ملأ من علي وعمرو لأنه نزعه عن
стр. 5620
مصر، فقال له عثمان: انطلق إليهم فارددهم بما أحبوا. وبعث معه عثمان أربع مئة راكب، فسار لهم عمرو، فلما دنا منهم نزل ونزلوا، فلما جن الليل قال مسلمة بن مخلد وكان في وفد عبد الله بن سعد: جاءني عين لي فقال: يا أبا سعيد، قد جاء علي الآن مختفياً. فانطلق هو وعمرو إلى الركب سراً، فرصدهم مسلمة فإذا الأمر كذلك، ثم أمرنا عمرو بالانصراف، وما ندري ما قال عمرو للقوم وما ردوا عليه، فذكر الركب الذين خرجوا من مصر أن عمرو بن العاص قال لهم: ما الذي قدمتم له؟ قالوا: أردنا قتل عثمان. قال: لستم في عدد كعدد من مع عثمان، ولكن ارجعوا واقبلوا من الرجل ما أعطاكم حتى تستوثقوا ممن خلفكم وترجعوا إليه ثانية وأنتم في كثف. فقال له ابن بديل وهو أحد خزاعة: يا عمرو، أما علمت أن الله يقول في كتابه: " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين " فقال عمرو: يا بن بديل، إنه يكون من قضاء الله كم من فئة كثيرة غلبت فئة قليلة والله مع الصابرين، وأيم الله لو أعلم أن من وراءكم على مثل رأيكم، ثم كنت في أربعة آلاف أخذت منهم الحرمة، فما شعر عثمان حتى نغشاه بالخيل.
ورجع الركب من ذي المروة إلى مصر، فأعطاهم ما سألوا، فلما قدم عمرو المدينة قام عثمان على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد: يا أهل المدينة، فقد بلغني أنكم أكثرتم في الركب، وإني بعثت إليهم عمرو بن العاص، فأخبرني بأمر هو دون ما تذكرون. فقال عمرو بن العاص رافعاً صوته: أتريد أن تجعلها بي يا عثمان؟ كلا والله بل قدموا في أمر جسيم من أمور أهل الإسلام، يا عثمان، إنك قد ركبت بأمتك نهابير وركبوها، فتب ولتتب أمتك. فقال أهل المدينة عند ذلك: نشهد بالله ونشهد من حضر من المسلمين أنا وأهل مصر على أمر واحد. فجالوا حتى حالوا بين عثمان والمنبر، فنزل، فدخل عليه نفر من قومه فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن عمراً هو الذي أغرى بك. فأخرجه عثمان، فطلق عمرو امرأته، ونزل السبع من أرض فلسطين، فقال عمرو حين أخرج:
стр. 5621
من الوافر:
لنخضب لحية غدرت وخانت ... بأحمر من دماء الجوف قاني.
ثم إن عثمان خرج إلى الناس فقال: أيها الناس، ما هذا الأمر الذي عتبتم علي فيه؟ قالوا: نعتب عليك أنك نزعت أبا نوسى الأشعري ووليت الفاسق، قد علمت ذلك ونزعت عمراً وأمرت ابن سعد وقد علمت ما قيل في ابن سعد، وقد بلغنا أن الوليد يخرج سكراناً لا يعقل. فقال عثمان: معاذ الله أن أعلم هذا منه وأؤمره، فانظروا من رجل أمين نبعث، فيعلم لنا علمه؟ فقال أهل المدينة: قد رضينا جبلة بن عمرو. فبعثوه، فنزل على رجل من الأنصار يقال له: قرظة بن كعب، فقال له: ألا يتقي الله عثمان! يجعل علينا رجلاً يخرج إلى الصلاة لا يعقل؟! فقال له جبلة: اتق الله، اعلم ما تقول فإن عليك طاعة. ثم جمع مع ذلك أنه أخ لأمير المؤمنين، فقال له: أتراني كاذباً؟ فوالله ما كذبتك. فقال له: كيف لي أن أعلم ذلك منه مثل ما علمت؟ فقال: إن صاحب شرابه يألف وليدة لنا، وهي تخبرنا. فلم يزل حتى أخبرته الوليدة أنه الآن سكران لا يعقل، فدخل عليه جبلة بن عمرو فانتزع خاتمه وهو لا يشعر، فقدم عثمان فسأله، فقال له: يا أمير المؤمنين، بيني وبينك، فقال أهل المدينة: كلا والله إلا علانية. فلما قص قصته على عثمان قال عثمان: كذبت، فقد أخبرت خبرك قبل خروجك. فأمر به عثمان فسجن، فجعل أهل المدينة يأتونه في السجن، ثم إن أناساً من أهل المدينة دخلوا على أهل السجن فأخرجوا جبلة بن عمرو، فخرج جبلة عند ذلك إلى مصر، ولما رجع ابن بديل وأصحابه من ذي المروة بما أحبوا عارضهم رجل على جمل يسير بأعلى الطريق، وذلك ببطن النخل، فأرابهم أمره ففتشوا متاعه فإذا بصحيفة من عثمان إلى خليفة عبد الله بن سعد يأمره أن يقطع أيديهم وأرجلهم، ووجدوا الكتاب في إداوة، والجمل جمل عثمان، فقدموا بالجمل وبالغلام مصر وبالكتاب، فأقرؤوه إخوانهم، وقام جبلة خطيباً بين
стр. 5622
ظهريهم، حرضهم، وأخبر من أمره، وأنكر عثمان أن يكون كتب، ولعن الكاتب والمرسل في ذلك، فانتزى محمد بن أبي حذيفة على الإمارة، فتأمر على مصر وبايعه أهلها طراً. إلا أن تكون عصابة، فيهم معاوية بن حديج وبسر بن أبي أرطأة.
قالوا: وقام عمار بن ياسر بمصر فقال: خلعت عثمان كما أخلع كور عمامتي هذه فأعطاه محمد بن أبي حذيفة أربعين ألف دينار وتوابعها.
ومن حديث يزيد بن أبي حبيب قال: ثم إن ابن عديس دخل المسجد فبينا هو محتبي فيه إذ رمي من دار عثمان بسهم، فوقع عند حبوته، فانتزع السهم وانطلق حتى دخل بيت بعض أزواج النبي ﷺ ، ثم خرج ودخل المسجد فتراسل عثمان وعلي وطلحة والزبير، ولم يزالوا حتى دعاهم عثمان إلى أن اجتمعوا في بيت عائشة، ثم يعتبهم وينزع عما كرهوا، فاجتمعوا وأرسلت عائشة إلى صفية لتحضرها وتسمع مقالتهم، فأقبلت ومعها سليم مولاها، فدخلت على عائشة، وبينها وبين الملأ ستر، فتجاولوا طويلاً وكثر كلامهم، وكان أشد القوم على عثمان صوتاً جبلة بن عمرو الأنصاري، فقالت صفية وضعوها مع عثمان: من هذا الذي يرفع صوته على أمير المؤمنين؟ فقالت عائشة: هذا جبلة بن عمرو الأنصاري، فصاحت صفية: يا جبيلة، أترفع صوتك على أمير المؤمنين؟ فقالت عائشة وضعوها مع الملأ الذين حصروا عثمان: لم تصغرين اسمه؟ ادعيه يا جبلة، فإن الله لم ينقصه ولم ينقص اسمه، فاستوسق أمرهم على أن أجابهم عثمان إلى ما أحبوا، ونزع كما كرهوا دون الخلو لهم من الولاية، فرفضوا بذلك وافترقوا، فقال لها سليم مولاها: الحمد لله الذي أصلح أمر هذه الأمة وألف بينهم. فقالت له صفية: إنهم ليسوا بالذين يرضون منه بما أعطاهم من نفسه، وقد ركبوا ما ركبوا، وإني سمعت من كلامهم اليوم ما سمعت. ثم إن عبد الرحمن بن عديس أشار إلى
стр. 5623
أصحابه يحصروا عثمان. وانصرف علي فاختبأ في المسجد وعنده سعد بن أبي وقاص في ناس كثير، وألط القوم وكثر حردهم، فخرج سعد في وجوههم فقال: الله الله يا معشر المسلمين، تركتم عثمان حتى إذا غسلتموه وصار مثل الثوب الرحيض أردتم قتله، أفلا بوسخه فعلتم ذلك به! فقالوا: ما لنا ولك يا سعد. فشدوا على سعد حتى خر من قيامه، وخلص إلى عثمان بينهم فناشدهم عثمان في قتله، ونبذ إليهم مفاتيح الخزائن، فأقبلوا بها إلى طلحة بن عبيد الله فقال: لا والله لا نرضى بذلك منه حتى نسله من الولاية مثل الشعرة من العجين فكان أول من دخل عليه حتى تناوله محمد بن أبي بكر. الحديث
ولما بلغ عمرو بن العاص قتل عثمان قال: قد علمت العرب أني إذا حككت قرحة أدميتها، ثم إن الركب انصرفوا إلى مصر، فلما دخلوا الفسطاط ارتجز مرتجزهم: من مشطور الرجز:
ألا احذرن مثلها أبا حسن
إنا نمر الحرب إمرار الرسن
ننطق بالفصل وإحكام السنن
فلما دخلوا المسجد قالا: إنا لسنا قتلنا عثمان ولكن الله قتله، وكذلك يقول الله: " بل تقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، ولكم الويل مما تصفون ". فلما رأى ذلك شيعة عثمان ومن كره قتله قام من قام منهم إلى ابن أبي الكنود سعد بن مالك الأزدي، ثم تتابعوا إليه حتى عظمت حلقته، لا يقوم إليه رجل إلا كان على مثل رأيه، فوجم القوم لذلك طويلاً، فقال عبد الله بن جويبر لأهل الحلقة: قد طال صماتكم، فحلوا حباكم ثم
стр. 5624
الحقوا برجالكم وأبرموا أمركم، فقاموا فألب بعضهم بعضاً، وكان من يمشي في ذلك ويدعو إليه مقسم بن بجرة التجيبي، واجتمع من اجتمع منهم وساروا نحو الصعيد إلى إخميم، فأخبروا بخيل لأهل مصر، فبعث عليها حيان بن مرثد الأبذوي، فالتقوا بدقياس من كورة البهنسا فقتلوا وأسروا.
ولما دخل عليه رومان بن وردان وقتله أدخلته ابنة الفرافصة الكلبية بينها وبين ثيابها، وكانت امرأة جسيمة ضليعة، وألقت بنت شيبة نفسها على ما بقي من جسده، فدخل رجل من أهل مصر، معه السيف مصلتاً فقال: والله لأقطعن أنفه، فعالج المرأة عنه فغالبته، وكشف عنها من خلفها حتى نظر إلى بريق متنها، فلم يصل حتى أدخل السيف بين قرطيها ومنكبها، فقبضت على السيف فقطع أناملها، وقالت: يا رباح وهو غلام لعثمان أسود، ومعه سيف عثمان أغن عني هذا. فمشى إليه الغلام فضربه ضربة بالسيف فقتله، ثم إن الناس دخلوا فلما رأوا الرجل قد قتل وأن المرأتين لا تتركانه تذمم ناس من قريش واستحيوا، فأخرجوا الناس، ونادى أهل البيت بهم فاقتتلوا على الدار، فضرب مروان بن الحكم على حبل العاتق فخر، وضرب رجل من أهل مصر المغيرة بن الأخنس بالسيف فصرع، فقال رجل من أهل المدينة: تعس المغيرة ابن الأخنس. فقال
стр. 5625
قاتله: بل تعس قاتل المغيرة بن الأخنس، وألقى سلاحه وأدبر هارباً يلتمس التوبة، قال: ثم أمسينا فقلنا: إن تركنا صاحبكم حتى يصبح مثلوا به. فانطلقنا إلى بقيع الغرقد فامكنا له في جوف الليل حتى حملناه، فغشينا سواد من خلفنا، فهبناهم حتى كدنا ننصرف عنه، فنادى مناديهم أن لا روع عليكم، اثبتوا فإنما جئنا لنشهده معكم. وكان أبو حبيش يقول: هم والله ملائكة الله، قال: فدفناه ثم هربنا من ليلتنا إلى الشام.
وقيل: إن قاتل المغيرة بن الأخنس أدرك وهو هارب يطلب التوبة فقتل، وكان يخبر أنه رأى في المنام جهنم تسعر، لها زفير وشهيق، فاقشعر جلده لذلك، ففرق فرقاً شديداً، ثم نظر إلى تنور فيها، أشدها لهباً فقال: ما هذا التنور؟ فقالوا: لقاتل المغيرة بن الأخنس.
وقالوا من حديث: إن جماعة ثابوا إلى عثمان منهم أبو هريرة وزيد بن ثابت وسعد بن مالك وجماعة من اهل الأمصار، فلما رأى القوم أن الناس قد ثابوا إلى عثمان وضعوا على علي رقيباً في نفر، فلازمه، وعلى طلحة رقيباً، وعلى الزبير رقيباً، وعلى نفر بالمدينة وقال لهم إن تحركوا فاقتلوا. ولما لم يستطع هؤلاء النفر غشيان علي بعثوا أبناءهم إلى عثمان، فأقبل الحسن بن علي حتى قام عنده وقال: مرنا أمرك، فقال: يا بن أخي، أوصيك بما أوصي به نفسي، وتأول: " واصبر وما صبرك إلا بالله، ولا تحزن ولا تك في ضيق مما يمكرون " ووالله لأقينكم بنفسي ولأبذلنها دونكم، أو تقرنوا لهم وذاك. وجاء النعمان بن بشير وعبد الله بن الزبير ومحمد بن طلحة فقالوا له مثل مقالة الحسن، ورد عليهم مثل ذلك، وجاء أبو الهيثم بن التيهان فقال: كيف بت يا أمير المؤمنين؟ قال: بخير، قال أبو الهيثم: بأبي أنت وأمي، اصبر ولا تعط الدنية ولا تهدم سلطان الله، وقال عثمان متمثلاً: من الطويل:
стр. 5626
لعمري لموت لا عقوبة بعده ... لدي اللب أشفى من شقاً لا يزايله.
فعرف الناس أنه لا يعطيهم شيئاً وأفرحهم بذلك.
قالوا: ولما قضى عثمان في ذلك المجلس حاجاته، وعزم له المسلمون على الصبر والامتناع عليهم بسلطان الله تعالى، قال: اخرجوا رحمكم الله فكونوا بالباب، وليجامعكم هؤلاء الذين حبسوا عني، وأرسل إلى علي وطلحة والزبير، وعدة أن ادنوا، فاجتمعوا وأشرف عليهم، فقال: أيها الناس اجلسوا فجلسوا جميعاً المحارب والطارئ والمسالم المقيم، فقال: يا أهل المدينة، إني أستودعكم الخلافة من بعدي، إني والله لا أدخل علي أحداً بعد يومي هذا حتى يقضي الله في قضاءه، ولأدعن هؤلاء وما رأوا، وإني غير معطيهم شيئاً يتخذونه عليكم دخلاً في دين أو دنيا، حتى يكون الله هو الصانع في ذلك ما أحب. وأمر أهل المدينة بالرجوع، وأقسم عليهم فرجعوا إلا الحسن ومحمداً وابن الزبير وأشباهاً لهم، فجلسوا بالباب عن أمر آبائهم، وثاب إليهم أناس، ولزم عثمان الدار.
وكان الحصر أربعين ليلة والنزول سبعين، فلما مضت من الأربعين ثمان عشرة ليلة قدم ركبان من الوجوه، فأخبروا خبر من قد تهيأ إليهم من الآفاق: حبيب من الشام، ومعاوية من مصر، والقعقاع من الكوفة، ومجاشع من البصرة، فعندها حالوا بين الناس وبين عثمان ومنعوه كل شيء حتى الماء، وقد كان يدخل عليه بالشيء مما يريد، وطلبوا العلل، فلم تطلع عليهم علة، فعثروا، فرموا في داره بالحجارة ليرموا، فيقولوا: قوتلنا وذلك ليلاً فناداهم: ألا تتقون الله! أما تعلمون أن في الدار غيري! قالوا: لا والله ما رميناك، قال: فمن رمانا؟ قالوا: الله، قال: كذبتم، إن الله لو رمانا لم يخطئنا وأنتم تخطئونا، وأشرف عثمان على آل حزم، وهم في جيرانه، فسرح ابناً لعمرو إلى علي بأنهم قد منعونا الماء، فإن قدرتم على أن ترسلوا إلينا بماء فافعلوا، وإلى طلحة الزبير وإلى عائشة وأزواج النبي ﷺ ، فكان أولهم إنجاداً له علي وأم حبيبة، جاء علي في الغلس فقال: يا أيها
стр. 5627
الناس، إن الذي تصنعون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين، لا تقطعوا عن هذا الرجل المادة، وإن الروم وفارس لتؤسر فتطعم وتسقى، وما تعرض لكم هذا الرجل في شيء، فبم تستحلون حصره وقتله؟ فقالوا: لا والله ولا نعمة عين، لا نتركه يأكل ولا يشرب. فرمى بعمامته في الدار بأني قد نهضت فيما أنهضتني له، فرجع. وجاءت أم حبيبة على بغلة لها برحالة مشتملة على إداوة، فقيل: أم المؤمنين أم حبيبة! فضربوا وجه بغلتها، فقالت: بني، إن وصايا بني أمية إلى هذا الرجل، وأحببت أن ألقاه وأسأله عن ذلك كي لا تهلك أموال أيتام وأرامل. فقالوا: كاذبة. وأهووا لها، وقطعوا حبل البغلة بالسيف فندت بأم حبيبة، فتلقاها الناس وقد مالت رحالتها، فتعلقوا بها فأخذوها وقد كادت تقتل، فذهبوا بها إلى بيتها.
وتجهزت عائشة خارجة إلى الحج هاربة، واستتبعت أخاها فأبى، فقالت: أم والله لئن استطعت أن أحرمهم ما يحاولون لأفعلن.
وجاء حنظلة الكاتب، حتى قام على محمد بن أبي بكر فقال: يا محمد، تستعتبك أم المؤمنين فلا تتبعها ويدعوك ذؤبان العرب إلى ما لا يحل فتتبعهم! فقال: وما أنت وذاك يا بن التميمية؟ فقال: يا بن الخثعمية، إن هذا الأمر إن صار إلى التغالب غلبتك عليه ويحك بنو عبد مناف. وانصرف وهو يقول: من الوافر:
عجبت لما يخوض الناس فيه ... يرمون الخلافة أن تزولا
ولو زالت لزال الخير عنهم ... ولا قوا بعدها ذلاً ذليلا
وكانوا كاليهود أو النصارى ... سواء كلهم ضلوا السبيلا
ولحق بالكوفة.
وخرجت عائشة وهي ممتلئة على أهل مصر، وجاءها مروان بن الحكم فقال: يا أم
стр. 5628
المؤمنين، لو أقمت أجدر أن يراقبوا هذا الرجل. قالت: أتريد أن يصنع بي كما صنع بأم حبيبة ثم لا أجد ما يمنعني؟! لا والله لا أعير، ولا أدري إلى ما يسلم أمر هؤلاء!
وبلغ طلحة والزبير ما لقي علي وأم حبيبة فلزموا بيوتهم، وبقي عثمان يسقيه آل حزم الغفلات، وعليهم الرقباء، وأشرف عثمان على الناس فقال: يا عبد الله بن عباس، فدعي له فقال: اذهب فأنت على الموسم. وكان ممن لزم الباب فقال: يا أمير المؤمنين، لجهاد هؤلاء أحب إلى من الحج. فأقسم عليه لينطلقن، فانطلق ابن عباس على الموسم تلك السنة، ورمى عثمان إلى الزبير بوصيته، فانصرف بها وفي الزبير اختلاف: أدركه مقتله أو خرج قبل قتله؟ وقال عثمان: " يا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد " اللهم حل بين الأحزاب وبين ما يأملون كما فعل بأشياعهم من قبل.
قالوا: فلما توقع الناس السابق فقدم بالسلامة، وأخبر عن أهل الموسم أنهم يريدون جميعاً المصريين وأشياعهم، وأنهم يريدون أن يجمعوا ذلك إلى حجهم، فلما أتاهم ذلك عنهم مع ما بلغ من نفور أهل الأمصار، أعلقهم الشيطان وقالوا: لا يخرجنا مما وقعنا فيه إلا قتل هذا الرجل، فيشتغل بذلك الناس عنا، ولم تبق خصلة يرجون بها النجاة إلا قتله. فراموا الباب فمنعهم من ذلك الحسن وابن الزبير ومحمد بن طلحة، ومروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، ومن كان من أبناء الصحابة أقام معهم، واجتلدوا بها، فناداهم عثمان، الله الله، أنتم في حل من نصرتي فأبوا، ففتح الباب وخرج ومعه الترس والسيف لينهنههم، فلما رأوه أرز المصريون وركبهم هؤلاء، ونهنههم فتراجعوا وعظم على الفريقين وأقسم على أصحابه ليدخلن إذ أبوا أن ينصرفو فدخلوا فأغلق الباب دون المصريين. وقد كان المغيرة بن الأخنس بن شريق فيمن حج، ثم تعجل في نفر حجوا معه،
стр. 5629
فأدرك عثمان قبل أن يقتل، وشهد المناوشة، ودخل الدار فيمن دخل، وجلس على الباب من داخل، وقال: ما عذرنا عند الله إن نحن تركناك ونحن نستطيع ألا ندعهم حتى نموت؟! واتخذ عثمان بن عفان القرآن تلك الأيام نجياً يصلي وعنده المصحف، فإذا أعيا جلس فقرأ فيه، وكانوا يعدون القراءة في المصحف من العبادة، وكان القوم الذين كفكفهم بينه وبين الناس، فلما بقي المصريون لا يمنعهم أحد من الباب ولا يقدرون على الدخول جاؤوا بنار فأحرقوا الباب والسقيفة، فتأجج الباب والسقيفة، حتى إذا أحرق الخشب خرت السقيفة على النار، وثار أهل الدار وعثمان يصلي حتى منعوهم من الدخول، وكان أول من برز لهم المغيرة بن الأخنس وهو يرتجز: من مشطور الرجز:
قد علمت جارية عطبول
ذات وشاح ولها جديل
أني بنصل السيف خنشليل
لأمنعن منكم خليلي
بصارم ليس بذي فلول
وخرج الحسن بن علي ﵇ وهو يقول: من الكامل:
لا دينهم ديني، ولا أنا منهم ... حتى يصير إلى الطمر شمام
وخرج محمد بن طلحة وهو يقول: من الرجز:
أنا ابن من حامى عليه بأحد
ورد أحزاباً على رغم معد
стр. 5630
وخرج سعيد بن العاص وهو يقول من الطويل:
صبرنا غداة الدار والموت واقف ... بأسيافنا دون ابن أروى نضارب
وكنا غداة الروع في الدار قصرة ... نساهمهم بالضرب والموت ثائب
وكان آخر من خرج عبد الله بن الزبير، أمره عثمان إلى أبيه في وصيته، وأمره أن يأتي أهل الدار فيأمرهم بالانصراف إلى منازلهم، فخرج عبد الله آخرهم فما زال يدعي بها، ويحدث الناس عن عثمان بآخر ما مات عليه. وأحرقوا الباب وعثمان في الصلاة قد افتتح " طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى " وكان سريع القراءة فما كرثه ما يسمع، وما يخطىء وما يتتعتع حتى أتى عليها قبل أن يصلوا إليه، ثم عاد فجلس إلى نجيه المصحف وقرأ: " الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل " وارتجز المغيرة بن الأخنس وهو دون الدار في أصحابه:
قد علمت ذات القرون الميل
والحلي والأنامل الطفول
لتصدقن بيعتي خليلي
بصارم ذي رونق مصقول
لا أستقيل إن أقلت قيلي
стр. 5631
وأقبل أبو هريرة والناس محجمون عن الدار لأولئك العصبة، قد شروا واستقلوا، فقام معهم وقال: وأنا أسوتكم، وقال: اليوم طاب امضراب، ونادى " يا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار " وبارز مروان يومئذ ونادى: رجل ورجل، فبرز له رجل من بني ليث يدعى ابن البياع، فاختلفا ضربتين، فضربه مروان أسف لرجليه، وضربه الآخر على أصل العنق فقلبه، فانكب مروان واستلقى الآخر، فاجتر هذا أصحابه واجتر هذا أصحابه، وقال المصريون: والله لولا أن تكون حجة علينا في الأمة لقد قتلناكم بعد، فتحوا. فقال المغيرة: من يبارز؟ فبرز له رجل، فاجتلدا، وهو يقول من منهوك الرجز:
أضربهم باليابس
ضرب غلام عابس
من الحياة آيس
فأصابه صاحبه وقال الناس: قتل المغيرة بن الأخنس، فقال الذي قتله: إنا لله. فقال له: عبد الرحمن بن عديس: مالك؟ فقال: إني أتيت فيما يرى النائم فقيل لي: بشر قاتل المغيرة بن الأخنس بالنار، وابتليت به، وقتل قباث الكناني نيار بن عبد الله الأسلمي، واقتحم الناس الدار من الدور التي حولها حتى ملؤوها ولا يشعر الذين بالباب، وأقبلت القبائل على أبنائهم، فذهبوا بهم إذ غلبوا على أميرهم، وندبوا له رجلاً يقتله، فدخل عليه
стр. 5632
البيت فقال: اخلعها وندعك. فقال: ويحك! والله ما كشفت امرأة في جاهلية، ولا تغنيت ولا تمنيت، ولا وضعت يميني على عورتي منذ بايعت رسول الله ﷺ ، ولست خالعاً قميصاً كسانيه الله، وأنا على مكاني حتى يكرم الله أهل السعادة ويهين أهل الشقاء. فخرج، فقالوا: ما صنعت؟ فقال: غلقنا، والله ما يحل لنا قتله، ولا ينجينا من الناس إلا قتله، فأدخلوا عليه رجلاً من بني ليث، فقال: ممن الرجل؟ فقال: ليثي. فقال: لست بصاحبي، قال: وكيف؟ قال: ألست الذي دعا لك النبي ﷺ في نفر أن يحفظوا يوم كذا وكذا؟ قال: بلى. قال: فلم تضع، فرجع وفارق القوم، فأدخلوا عليه رجلاً من قريش فقال: يا عثمان، إني قاتلك، قال: كلا يا فلان، لا تقتلني. قال: وكيف؟ قال: إن رسول الله ﷺ استغفر لك يوم كذا وكذا، فلن تقارف دماً حراماً، فاستغفر ورجع وفارق أصحابه.
وأقبل عبد الله بن سلام حتى قام على باب الدار ينهاهم عن قتله، وقال: يا قوم، لا تسلوا سيف الله عليكم، فوالله إن سللتموه لا تغمدوه، ويلكم إن سلطان الله اليوم يقوم بالدرة، وإن قتلتموه لم يقم إلا بالسيف، ويلكم! إن مدينتكم محفوفة بملائكة الله، والله لئن قتلتموه لتتركنها. فقالوا: يا بن اليهودية، وما أنت وهذا! فرجع عنهم. وكان آخر من دخل عليه إلى القوم محمد بن أبي بكر، فقال له عثمان: ويلك! أعلى الله تغضب، هل لي إليك جرم إلا حقه أخذته منك، فنكل ورجع.
ولما خرج محمد بن أبي بكر وعرفوا انكساره ثار قتيرة وسودان بن حمران السكونيان والغافقي، فضربه الغافقي بجريدة معه، وضرب المصحف برجله، واستدار المصحف وانتشر فاستقر بين يديه، وسالت عليه الدماء، وجاء سودان بن حمران ليضربه فأكبت عليه نائلة، واتقت السيف بيدها، فتعمدها ونفح أصابعها فأطن أصابع يدها،
стр. 5633
وولت فغمز أوراكها، وقال: إنها لكيدة العكيزة، ويضرب عثمان فقتله، وقد دخل مع القوم غلمة لعثمان لينصروه، وقد كان عثمان أعتق من كف منهم، فلما رأى أحد العبيد سودان قد ضربه أهوى عليه فضرب عنقه، ووثب قتيرة علىالغلام فقتله، وانتبهوا ما في البيت، فأخرجوا من فيه ثم أغلقوه على ثلاثة قتلى، فلما خرجوا إلى الدار وثب غلام لعثمان آخر على قتيرة فضربه فقتله، ودار القوم فأخذوا ما وجدوا حتى تناولوا ما على النساء، وأخذ رجل ملاءة نائلة، والرجل يدعى كلثوم من تجيب، فتنحت نائلة، فقال: ويح أمك من عكيزة ما أتمك، ويضربه غلام آخر لعثمان فقتله وقتل. وتنادى القوم: أبصر رجل من صاحبه، وتنادوا في الدار: أدركوا بيت المال لا تسبقوا إليه، وسمع أصحاب بيت المال أصواتهم، وليس فيه إلا غرارتين، فقالوا: النجاء، فإن القوم إنما يحاولون الدنيا فهربوا، وأتوا بيت المال فانتهبوه، وماج الناس، فالثاوي يسترجع ويبكي، والطارئ يسعى ويفرح.
وقتل عثمان يوم الجمعة لثمان عشرة من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، على رأس إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً واثنتين وعشرين يوماً من مقتل عمر بن الخطاب.
وبقي الناس فوضى، وندم القوم، فتخلى منهم الشيطان، وأتى الزبير الخبر بمقتل عثمان وهو حيث هو فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، رحم الله عثمان. وانتصر له وقيل له: إن القوم نادمون. فقال: ذئروا ذئروا " وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل
стр. 5634
بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب " وأتى طلحة الخبر فقال: يرحم الله عثمان وانتصر له وللإسلام، وقيل له: القوم نادمون، فقال: تباً لهم وقرأ " فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ". وأتى علياً الخبر فقيل: قتل عثمان فقال: رحم الله عثمان وخلف علينا بخير. وقيل: ندم القوم، فقرأ " كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر " إلى آخر الآية. وطلب سعد فإذا هو في حائطه، وقال: لا أشهد قتله. فلما جاءه قتله قال: فررنا إلى المدينة بديننا فصرنا اليوم نفر منها بديننا، وقرأ: أولئك " الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ". اللهم أندمهم ثم خذهم. وكان الزبير قد خرج أيضاً لئلا يشهد قتله كارهاً أن يقيم بالمدينة، فأقام على طريق مكة.
وعن الحسن بن أبي الحسن البصري قال: كان عثمان كخير ابني آدم.
قال أبو عوانة: كان القواد الذين ولوا قتله ستة: علقمة بن قيس، وكنانة بن بشر، وحكيم بن جبلة، والأشتر، وعبد الله بن بديل وحمران بن فلان أو فلان بن حمران.
قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: كان لعثمان بن عفان عند خازنه يوم قتل ثلاثون ألف ألف درهم وخمس مئة ألف درهم وخمسون ومئة ألف دينار، فانتبهت وذهبت، وترك ألف بعير بالربذة، وترك صدقات كان تصدق بها ببئر أريس وخيبر ووادي القرى قيمة مئتي ألف دينار.
стр. 5635
قال عدي بن حاتم الطائي: سمعت صوتاً يوم قتل عثمان يقول: أبشر يا بن عفان بروح وريحان، أبشر يا بن عفان برب غير غضبان، أبشر يا بن عفان برضوان وغفران. قال: فالتفت فلم أر أحداً.
وعن سلمة قال: قال علي: لقد علمت عائشة أن جيش ذي المروة وأهل النهر ملعونون على لسان محمد ﷺ .
قال أبو بكر بن عياش: جيش ذي المروة قتلة عثمان.
وعن الزبير بن العوام: أن رسول الله ﷺ قتل رجلاً من قريش وقال: لا يقتل بعد اليوم قرشي صبراً إلا رجل قتل عثمان فاقتلوه، فإن لم تقتلوه تقتلوا قتل الشاء.
وفي رواية: فإن لم تفعلوا فأبشروا بذبح مثل ذبح الشاة.
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : إن لله سيفاً مغموداً في غمده ما دام عثمان بن عفان حياً، فإذا قتل عثمان جرد ذلك السيف فلم يغمد إلى يوم القيامة.
قال: في هذا الحديث عمرو بن فائد، وله أحاديث مناكير.
قال يزيد بن أبي حبيب: أعظم ما أتت هذه الأمة بعد نبيها ثلاث خلال: قتل عثمان بن عفان، وتحريقهم الكعبة، وأخذهم الجزية من المسلمين.
قال ابن الأعرابي: وقتل الحسين بن علي.
стр. 5636
قال رجل لطاوس: ما رأيت أحداً أجرأ على الله من فلان. لعامل ذكره، فقال طاوس: لم تر قاتل عثمان؟ وعن محمد بن سيرين قال: لو حل القتال في أهل القبلة حل يوم قتل عثمان.
وعن يزيد بن أبي حبيب قال: إن عامة الركب الذين خرجوا إلى عثمان جنوا.
قال ابن المبارك: الجنون لهم قليل.
وعن محمد بن سيرين قال: كنت أطوف بالكعبة فإذا رجل يقول: اللهم اغفر لي، وما أظن أن يغفر لي. قلت: يا عبد الله ما سمعت أحداً يقول ما تقول! قال: كنت أعطيت الله عهداً إن قدرت أن ألطم وجه عثمان إلا لطمته، فلما قتل وضع على سريره في البيت والناس يجيئون فيصلون عليه، فدخلت كأني أصلي عليه، فوجدت خلوة فرفعت الثوب عن وجهه فلطمت وجهه، وسجيته وقد يبست يميني، فرأيتها يابسة كأنها عود.
وعن حذيفة قال: أول الفتن قتل عثمان، وآخر الفتن خروج الدجال، والذي نفسي بيده لا يموت رجل وفي قلبه حبة من حب قتل عثمان إلا تبع الدجال إن أدركه، وإن لم يدركه آمن به في قبره.
وعن ابن عباس قال: لو أجمع الناس على قتل عثمان لرموا بالحجارة كما رمي قوم لوط.
وعن زهدم الجرمي قال: خطب ابن عباس فقال: لو لم يطلب الناس بدم عثمان لرموا بالحجارة من السماء.
وعن أبي جعفر الأنصاري قال: لما دخل على عثمان يوم الدار خرجت فملأت فروجي، فمررت مجتازاً بالمسجد
стр. 5637
فإذا رجل قاعد في ظلة النساء، عليه عمامة سوداء، وحوله نحو من عشرة، فإذا هو علي، فقال: ما صنع الرجل؟ قلت: قتل الرجل، قال: تباً لهم آخر الدهر.
وعن ابن أبي ليلى قال: سمعت علياً وهو على باب المسجد أوعند أحجار الزيت رافعاً صوته: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان. فذكرت ذلك لعبد الملك بن مروان فقال: ما أرى له ذنباً. وقد روي أنه كان غائباً يوم قتل.
وعن الحسن قال: قتل عثمان وعلي غائب في أرض له، فلما بلغه قال: اللهم إني لم أرض ولم أمالئ.
وعن أبي العالية قال: لما أجيز على عثمان بن عفان دخل عليه علي بن أبي طالب فوقع عليه وجعل يبكي حتى قلنا: إنه سيلحق به. ثم قالوا: قد قتلنا الرجل فلمن نبايع؟ فقال علي: لمن سلت الله أنفه، فتقتلوه كما قتلتم هذا بالأمس! ثم أنشأ علي يقول:
عثمان لقيت حمام الحتف
فابشر بخير ما له من وصف
اليوم حقاً جاء يقين زحفي
قد قطعت رجلي وفيها خفي
أتى لكم الويل قتلتم سلفي
وفضله علي يعلو سقفي
стр. 5638
في رجز ذكره، اختصره صاحب الأصل.
وعن قيس بن عباد قال: سمعت علياً يوم الجمل يقول: اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاؤوني للبيعة فقلت: والله إني لأستحي من الله أن أبايع قوماً قتلوا رجلاً قال له رسول الله ﷺ ": ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة! " وإني لأستحي من الله أن أبايع وعثمان قتيل الأرض لم يدفن بعد. فانصرفوا، فلما دفن رجع الناس يسألوني البيعة فقلت: اللهم إني لمشفق مما أقدم عليه، ثم جاء عزمة فبايعت. فلما قالوا: أمير المؤمنين، فكأن صدع قلبي وانسكبت بعبرة.
وعن ابن عباس قال: أشهد على علي بثلاث: أنه قال في عثمان: ما قتلت ولا أمرت، ولقد كنت كارهاً.
وفي رواية: ما أمرت ولا قتلت، ولقد نهيت.
وفي رواية: ولكني غلبت.
وعن علي بن ربيعة قال: قال علي بن أبي طالب: لوددت أن بني أمية قبلوا مني خمسين يميناً قسامة أحلف بها: ما أمرت بقتل عثمان ولا مالأت.
стр. 5639
وعن عبد الله بن أبي سفيان أن علياً قال: إن بني أمية يقاتلوني يزعمون أني قتلت عثمان، فكذبوا، إنما يلتمس الملك، فلو أعلم أن ما يذهب ما في قلوبهم أن أحلف لهم عند المقام: والله ما قتلت عثمان ولا أمرت بقتله، لفعلت، ولكن إنما يريدون الملك، وإني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله " ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين " قال خليد بن شريك: سمعت علي بن أبي طالب وهو على منبر الكوفة يقول: أي بني أمية، من شاء نفلت له يميني بين المقام والركن: ما قتلت عثمان ولا شركت في دمه.
قال أبو صالح: رأيت علي بن أبي طالب قاعداً في زرارة تحت السدرة، وانحدرت سفينة فقرأ " وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام " والذي أجراها مجراها ما قتلت عثمان ولا شايعت في قتله، ولا مالأت، ولقد غمني.
وعن حصين الحارثي قال: جاء علي إلى زيد بن أرقم يعوده وعنده قوم، قال: فما أدري أقال علي: اسكتوا أو أنصتوا، فوالله لا تسألوني عن شيء حتى أقوم إلا حدثتكم به. قال: فقال له زيد: أنشدك الله أنت قتلت عثمان؟ قال: فأطرق علي ساعة ثم رفع رأسه، قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما قتلته ولا أمرت بقتله.
стр. 5640
قال سالم بن أبي الجعد: كنت جالساً عند محمد بن الحنفية في الشعب، قال: فذكروا عثمان، قال: فنهانا محمد وقال: كفوا عن هذا الرجل، قال: ثم غدونا يوما آخر، قال: فنلنا منه أكثر مما كان قبل ذلك، فقال: ألم أنهكم عن هذا الرجل؟ قال: وابن عباس جالس عنده فقال: يا بن عباس، تذكر عشية الجمل وأنا على يمين علي في يدي الراية، وأنت عن يساره إذ سمع هدة في المربد، فأرسل رسولاً، فجاء الرسول فقال: هذه عائشة تلعن قتلة عثمان في المربد، قال: فرفع يديه حتى بلغ بهما وجهه، مرتين أو ثلاثاً، قال: وأنا ألعن قتلة عثمان، لعنهم الله في السهل والجبل. قال: فصدقه ابن عباس، ثم أقبل علينا فقال: في وفي هذا لكم شاهدا عدل.
وعن سليمان بن عبد الله بن فروخ قال: قيل لعلي يوم الجمل وهو في فسطاط صغير، وقد بلغنا النبل فقال: شيموا سيوفكم حتى صاحوا: يا ثارات عثمان! فقال علي، لقد نعوه، يا قنبر ائتني بلامتي. فلبسها فقال: ترسوا لي. فترسوه، فقال: ما قلتم؟ قال: قلنا: يا ثارات عثمان. فقال علي: أكب الله قتلة عثمان على مناخرهم.
قال عمير بن زوذي: قال علي بن أبي طالب: لئن لم يدخل الجنة إلا من قتل عثمان لا أدخلها، وإن لم يدخل النار إلا من قتله لا أدخلها. فأكثر الناس في ذلك، فقال: إنكم قد أكثرتم في وفي عثمان، والله قتله وأنا معه.
قال عباد: يعني قتله الله ويقتلني معه.
وعن حسان بن زيد قال: دخلت المسجد الأكبر مسجد الكوفة وعلي بن أبي طالب على المنبر يخطب الناس، وهو ينادي بأعلى صوته ثلاث مرات: يا أيها الناس، إنكم تكثرون في وفي ابن عفان، وإن مثلي ومثله كما قال الله " ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين "
следующие страницы →