← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 5671–5710 · переход к 5676.

стр. 5671

ما لك قد أحزنك الفقر ... وقد جمعت الهم في الصدر إن الذي أحسن فيما مضى ... يحسن في الباقي من العمر عثمان بن معبد بن نوح البغدادي المقرئ سمع بدمشق وبمصر وبغيرهما. حدث عن إسحاق بن محمد الفروي بسنده إلى سعد أن النبي ﷺ قال: " ما بين قبري " وفي رواية: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة. وحدث عن الحجاج بن إبراهيم الأزرق بسنده إلى ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : " خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربع مئة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولا يهزم اثنا عشر ألفاً من قلة إذا صبروا وصدقوا. وحدث عن أبي بكر بن شيبة بسنده إلى أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ ": لو أن المؤمن في حجر لقيض الله له من يؤذيه ". توفي عثمان بن معبد سنة إحدى وستين ومئتين. عثمان بن المنذر الثقفي الدمشقي حدث عن القاسم بن محمد الثقفي عن معاوية: أنه أراهم وضوء رسول الله ﷺ ، فلما بلغ مسح رأسه وضع كفيه على مقدم رأسه، ثم مر بهما حتى بلغ القفا، ثم ردهما حتى بلغ المكان الذي منه بدأ.

стр. 5672

عثمان التنوخي والد أبي الجماهر قال: أصاب الناس بإرمينية جهد شديد حتى أكلوا البعر، فأمطروا بنادق فيها حب قمح. عجلان بن سهيل ويقال: سهل. بن العجلان بن سهيل بن كعب بن عامر بن عمير بن رياح الباهلي من أهل قنسرين. خرج مع قرة بن شريك أمير مصر من دمشق إلى مصر. حدث العجلان بن سهيل عن أبي أمامة قال: نزلت هذه الآية في أصحاب الخيل " الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية " فيمن لم يربطها لخيلاء ولا لضمار. وحدث عنه أيضاً، قال في قوله : " الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية " قال: النفقة على الخيل في سبيل الله. وحدث عنه قال: من ارتبط فرساً في سبيل الله، لم يرتبطه رياء ولا سمعة كان من " الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار " الآية. ضعفة قوم.

стр. 5673

عجير بن عبد الله بن عبيدة ويقال: عبيدة بن كعب بن عابسة، ويقال: عائشة بن ربيع ابن ضبيط بن جابر، ويقال: العجير بن عبد الله بن كعب بن عبيدة ابن جابر بن عمرو بن سلول أبو الفرزدق السلولي الشاعر وفد على عبد الملك بن مروان. في الطبقة الخامسة من الشعراء الإسلاميين، كنيته أبو الفرزدق. قال أبو الغراف: كان العجير دل عبد الملك بن مروان على ماء يقال له: مطلوب، لناس من خثعم، وأنشأ يقول: لا نوم إلا غرار العين ساهرة ... إن لم أروع بغيظ أهل مطلوب إن تشتموني فقد بدلت أيكتكم ... زرق الدجاج بحفان اليعاقيب وكنت أخبركم أن سوف يعمرها ... بنو أمية وعداً غير مكذوب فركب رجل من خثعم يقال له أمية، حتى دخل عبد الملك بن مروان فقال: يا أمير المؤمنين، إنما أراد العجير أن يصل إليك، وإنما هو شويعر سأل. وحربه

стр. 5674

عليه، فكتب عبد الملك إلى عامله على المدينة أن يشد يدي العجير إلى عنقه، ثم يبعث به في الحديد، فبلغ العجير الخبر، فركب في الليل حتى أتى عبد الملك بن مروان فقال: يا أمير المؤمنين، أنا عندك فاحتبسني وابعث من يبصر الأرضين والضياع، فإن لم يكن الأمر على ما أخبرتك فلك دمي حل وبل. فبعث، فاتخذ ذلك الماء، وهو اليوم من خيار ضياع بني أمية. قال عبد الله بن العباس بن حسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب وذكر عبد الملك الماجشون فأحسن ذكره، فقيل له: هو كما قال العجير السلولي: من الطويل إذا جد حين الجد أرضاك جده ... وذو باطل إن شئت أرضاك باطله يسرك مظلوماً ويرضيك ظالماً ... وكل الذي حملته فهو حامله مر العجير بفتيان من قومه يشربون نبيذاً لهم، فدعوه إليه فأجابهم وشرب، قال: فقرم إلى اللحم، فقال: أطعمونا لحماً. فقالوا: تروح الشاء والإبل ونذبح. فقال لفتى منهم: قم فخذ بزمام بعيري هذا وكان نجيباً يمانياً ليس في البلاد مثله قال: واستل الخنجر من حجزتة فضرب به لبته، قال: فقام القوم إليه فقالوا: ما صنعت؟ فقال أطعمونا لحماً، فجعل القوم يأكلون من كبده وسنامه والعجير يقول: من الرمل عللاني إنما الدنيا علل ... واتركاني من ملام وعذل

стр. 5675

وانشلا ما اغبر من قدريكما ... واسقياني أبعد الله الجمل فيقال. والله أعلم: إن عشيرته صبحته بألف بعير حين بلغهم هذا الحديث. عدنان بن أحمد بن طولون أبو معد بن الأمير، وأخو الأمير مصري، قدم دمشق وحدث بها وبمصر. حدث عن بكر بن سهل الدمياطي بسنده إلى مسلمة بن مخلد أن رسول الله ﷺ قال: أعروا النساء يلزمن الحجال. ولد أبو معد بمصر، وتوفي في المحرم سنة خمس وعشرين وثلاث مئة. عدي بن أحمد بن عبد الباقي ابن يحيى بن يزيد بن إبراهيم بن عبد الله أبو عمير الأذني قدم دمشق سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة على أبي بكر الإخشيد في مفاداة أسرى المسلمين بأسارى الروم. حدث بأنطاكية عن يوسف بن يعقوب القاضي بسنده إلى أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل رجب قال: اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان. وكان إذا كانت ليلة الجمعة قال: هذه ليلة غراء، ويوم الجمعة يوم أزهر. توفي أبو عمير سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة.

стр. 5676

عدي بن أرطأة بن جداية بن لوذان الفزاري. ويقال: من بني خزامة بن لوذان ابن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذبيان. من أهل دمشق. استعمله عمر بن عبد العزيز على البصرة. حدث بريد بن أبي مريم عن عدي بن أرطأة عن عمرو بن عبسة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من رمى بسهم في سبيل الله بلغ أو قصر فهو عدل محرر، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، ومن شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً ما لم يغيرها. قال بريد: فما غيرت بعد. قال عباد بن منصور: سمعت عدي بن أرطأة يخطب على منبر المدائن فجعل يعظنا حتى بكى وأبكانا، ثم قال: كونوا كرجل قال لابنه وهو يعظه: بني، أوصيك ألا تصلي صلاة إلا ظننت أنك لا تصلي بعدها غيرها حتى تموت، وتعال بني حتى نعمل عمل رجلين كأنهما قد أوقفا على النار ثم سألا الكرة، ولقد سمعت فلاناً نسي عباد اسمه ما بيني وبين رسول الله ﷺ غيره قال: إن رسول الله ﷺ قال: إن لله ملائكة ترعد فرائصهم من مخافته، ما منهم ملك تقطر دمعة من عينه إلا وقعت ملكاً يسبح، قال: وملائكة سجوداً منذ خلق الله السموات والأرض لم يرفعوا رؤوسهم ولا يرفعونها إلى يوم القيامة وركوعاً لم يرفعوا رؤوسهم ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، وصفوفاً لم ينصرفوا عن مصافهم، ولا ينصرفون إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة تجلى لهم ربهم، فنظروا إليه وقالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك. وفي رواية: سبحانك ما عبدناك كما ينبغي لك. كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة: أما بعد، فإياك أن تدركك الصرعة

стр. 5677

عند الغرة، فلا تقال العثرة ولا تمكن من الرجعة، ولا يعذرك من تقدم عليه، ولا يحمدك من خلفت لما تركت له، والسلام. قال أبو بشر بن لاحق: سمعت عدي بن أرطأة يخطب بعد انقضاء شهر رمضان يقول: كأن كبداً لم تظمأ، وكأن عيناً لم تسهر، فقد ذهب الظمأ وبقي الأجر، فياليت شعري! من المقبول منا فهنئته، ومن المردود منا فنعزيه. فأما أنت أيها المقبول فهنيئاً هنيئاً وأما أنت أيها المردود فجبر الله مصيبتك ثم يبكي ويبكي. كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة: أما بعد، فإنه من ابتلي بالسلطان فقد ابتلي بأمر عظيم، وأي بلاء أعظم من بلاء يبسط المرء فيه لسانه ويده، أو يتكلم بأمر وهو يعلم أنه لله سخط، فاتق الله يا عدي، وحاسب نفسك قبل يوم القيامة، واذكر ليلة تمخض فيها الساعة، صباحها يوم القيامة، تكور فيها الشمس، وتتناثر فيها النجوم، وتفترق فيها الخلائق زمراً، فريق في الجنة وفريق في السعير، فانظر أين عقلك عند ذلك، والسلام. رأى عدي بن أرطأة في المنام وهو أمير البصرة كأنه يحتلب بختية، فاحتلب لبناً، ثم احتلب دماً، فكتب رؤياه في صحيفة وبعث بها إلى ابن سيرين وقال لرسوله: لا تعلمه أني رأيت هذه الرؤيا. فجاء الرجل إلى ابن سيرين وقال: رأيت في المنام كذا وكذا. فقال ابن سيرين: هذه الرؤيا لم ترها أنت، رآها عدي بن أرطأة، فانطلق الرجل إلى عدي بن أرطأة، فأخبره بذلك، فأرسل إليه، فأتاه فقال: أما البختية فهؤلاء قوم من العجم، والحلب جباية، واللبن حلال، جبيتهم حلالاً، ثم تعديت فجبيتهم حراماً الدم، تجاوزت ما أحل الله لك إلى ما حرم عليك، فاتق الله وأمسك. كتب عدي بن أرطأة إلى عمر بن عبد العزيز: إن الناس قد أصابوا من الخير خيراً

стр. 5678

حتى كادوا أن يبصروا. فكتب إليه عمر: إن الله حيث أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، رضي من أهل الجنة أن قالوا: الحمد لله، فمر من قبلك أن يحمدوا الله. كتب عدي بن أرطأة إلى عمر بن عبد العزيز: إنعندنا قوماً قد أكلوا من مال الله، وإنا لا نقدر أن نستخرج ما عندهم حتى نمسهم بشيء من العذاب. فكتب إليه عمر: إنما أنت ربذة من الربد، فوالله لأن يلقوا الله بخيانتهم أحب إلي من أن ألقى الله بدمائهم، فافعل بهم ما يفعل بغريم السوء. سئل ابن الأعرابي عن الربذة؟ فقال: هي خرقة أو صوفة يهنأ بها البعير. وقال الأصمعي: الربذة أيضاً صوفة تعلق على الهودج، وهي أيضاً خرقة الحيض، وفيها لغة أخرى: ربذة، وهي الصوفة أو الخرقة يهنأ بها البعير أو يدهن بها السقاء، والذي أراد عمر إن كان لم يذهب مذهب الذم لعدي: أنك إنما نصبت لتداوي وتشفي كما تشفي الربذة الناقة الدبرة، أو لأن يصلح بك كما يصلح بالربذة السقاء المدهون، وإن كان أراد الذم فذلك ما لا يحتاج له إلى تفسير. وكتب إليه أيضاً: غرني منك صلاتك ومجالستك القراء وعمامتك السوداء، ثم وجدناك على خلاف ما أملناك، قاتلكم الله أما تمشون بين القبور!؟ كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله عدي بن أرطأة: أما بعد، فإن الدنيا عدوة أولياء الله وعدوة أعداء الله، أما أولياء الله فغمتهم، وأما أعداء الله فغرتهم. قال عدي بن أرطأة لبكر بن عبد الله المزني: يا أبا عبد الله، أفي حق الله، ما يصنع هذا الرجل يعني عمر بن عبد العزيز يرد أعمال الخلفاء قبله ويسميها المظالم؟.

стр. 5679

قال المغيرة: شهدت دار الإمارة بواسط يوم جاء قتل يزيد بن المهلب، ومعاوية بن يزيد قاعد، فأتي بعدي بن أرطأة وابنه محمد بن عدي، ومالك وعبد الملك ابني مسمع، والقاسم بن مسلم، وعبد الله بن عمرو النصري فضرب أعناقهم. عدي بن حاتم الجواد بن عبد الله ابن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي أبو طريف الطائي. ويقال: أبو وهب. له صحبة، وقدم الشام قبل إسلامه، ثم قدم مع خالد بن الوليد في الفتوح إلى سوى، ووجهه خالد بالأخماس إلى أبي بكر ﵁، ثم سكن الكوفة. حدث عدي بن حاتم عن النبي ﷺ قال: " اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة ". وحدث عدي بن حاتم طيئ قال: لما نزلت الآية " فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود " قال: عمدت إلى عقالين أبيض وأسود، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أقوم من الليل فلا أستبين الأسود من الأبيض، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فضحك وقال: إن كان وسادك إذاً لعريض، إنما ذاك بياض النهار من سواد الليل. شهد أبو طريف الجمل وصفين، ومات في الكوفة سنة ثمان وستين زمن المختار، وهو ابن عشرين ومئة سنة.

стр. 5680

قالوا: وتوفي رسول الله ﷺ وعدي بن حاتم على صدقات قومه، يعني عامل رسول الله ﷺ ، وهو من طيئ، واسم طيئ جلهمة، وسمي طيئاً لأنه أول من طوى المنازل، وقيل: أول من طوى بئراً. وكان حاتم من أجود العرب، وكنيته أبو سفانة. وأصيبت عينه يوم الجمل، وقيل توفي بقرقيسياء سنة سبع وستين زمن المختار، وكان سخياً جواداً، أسلم حين كفر الناس، ووفى إذ غدروا، وأقبل إذ أدبروا. وكان عدي نصرانياً، فلما بلغه أن النبي ﷺ بعث أصحابه إلى جبل طيئ، حمل أهله إلى الجزيرة فأنزلهم بها، وأدرك المسلمون أخته في حاضر طيئ فأخذوها وقدموا بها على رسول الله ﷺ ، فمكثت عنده، ثم أسلمت، وسألته أن يأذن لها في المصير إلى أخيها عدي ففعل، وأعطاها قطعةً عليه قصتها، فقدم عدي على رسول الله ﷺ ، فلما رآه النبي ﷺ نزع وسادةً كانت تحته فألقاها له حتى جلس عليها، وسأله عن أشياء فأجابه عنها، ثم أسلم وحسن إسلامه، ورجع إلى بلاد قومه، فلما قبض رسول الله ﷺ وارتدت العرب ثبت عدي وقومه على الإسلام، وجاء بصدقاتهم إلى أبي بكر، وحضر فتح المدائن، وشهد مع علي صفين والنهروان. قال أبو عبيدة بن حذيفة: كنت أسأل عن عدي بن حاتم وهو إلى جنبي بالكوفة، فلقيته فقلت: ما حديث بلغني عنك؟ قال: بعث النبي ﷺ حين بعث وأنا أشد الناس له كراهية، فلحقت بأقصى الشام مما يلي بلاد الروم، فكنت أنا بمكاني الذي به أشد كراهية لذلك من الأمر الأول، فقلت: والله لآتين هذا الرجل فإن كان صادقاً لا يضرني، وإن كان كاذباً لا يخفى علي. قال: فأقبلت حين قدمت المدينة، فاستشرفني الناس وقالوا: عدي بن حاتم، عدي بن

стр. 5681

حاتم، فأتيته فقال: يا عدي بن حاتم، أنا الهارب من الله ورسوله؟! يا عدي بن حاتم، أسلم تسلم. قلت: إن لي ديناً. قال: أنا أعلم بدينك منك. قلت: أنت أعلم بديني مني؟! قال: نعم، ألست ركوسياً؟ أولست رئيس قومك؟ أولست تأخذ المرباع؟ فإن ذلك لا يحل لك في دينك. قال: فأخذتني لذلك خصاصة، قال: إنه لا يمنعك أن تسلم إلا أنك ترى بمن حولنا خصاصة، وترى الناس علينا إلباً واحداً. ثم قال: هل أتيت الحيرة حتى تأتي البيت بغير جوار، وأوشك أن يخرج علينا كنوز كسرى. قلت: سرى بن هرمز؟ قال: كسرى بن هرمز، ويوشك أن يخرج الرجل الصدقة من ماله فلا يجد من يقبلها. قال عدي: فقد رأيت الظعينة تخرج من الحيرة حتى تأتي البيت بغير جوار، وكنت في أول خيل غارت على كنوز كسرى، وأيم الله لتكونن الثالثة، إن قول رسول الله ﷺ لحق. وعن عامر الشعبي قال: قدم عدي بن حاتم الكوفة، فأتيته في أناس من أهل الكوفة فقلت له: حدثنا بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ، قال: بعث رسول الله بالنبوة فلا أعلم أحداً من العرب كان أشد له بغضاً ولا أشد له كراهيةً مني حتى لحقت بالروم فتنصرت فيهم، فلما بلغني ما يدعو إليه من الأخلاق الحسنة وما قد اجتمع الناس إليه ارتحلت أتيته، فوقفت عليه وعنده صهيب وبلال وسلمان، فقال: يا عدي بن حاتم، أسلم تسلم.

стр. 5682

فقلت: إخ إخ، فأنخت، فجلست، فألزمت ركبتي بركبته فقلت: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، يا عدي بن حاتم، لا تقوم الساعة حتى تفتح خزائن كسرى وقيصر، يا عدي بن حاتم، لا تقوم الساعة تأتي الظعينة من الحيرة ولم يكن يومئذ كوفة حتى تطوف بهذه الكعبة بغير خفير، يا عدي بن حاتم، لا تقوم الساعة حتى يحمل الرجل جراب المال فيطوف به فلا يجد يقلبه، فيضرب به الأرض فيقول: ليتك لم تكن، ليتك كنت تراباً. قال الحسن بن عبد الله العسكري: وأما حديث عدي بن حاتم حين قال له النبي صلى اله عليه وسلم: " ما يفرك أن يقال: لا إله إلا الله " فيفتح الياء من يفرك، وهو خطأ. وقال أبو عبيد: روى بعض المحدثين أن النبي ﷺ قال لعدي: " ما يفرك " فيفتح الياء ويضم الفاء، وهذا تصحيف وقلب للمعنى. والصواب: " يفرك " بضم الياء، يقال: أفررت الرجل: إذا فعلت به ما يفر منه. وعن عدي بن حاتم قال: لما دخل على رسول الله ﷺ ألقى إليه وسادة، فجلس على الأرض، فقال: أشهد أني لا أبتغي علوا في الأرض لا فساداً. قال: فأسلم، قال رسول الله ﷺ : " إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه ".

стр. 5683

قال عدي بن حاتم: ما دخلت علي النبي ﷺ قط إلا توسع لي أو قال: تحرك لي قال: فدخلت عليه ذات يوم وهو يوم في بيت مملوء من أصحابه، فلما رآني توسع لي حتى جلست إلى جانبه. وفي رواية: فلما رآني تحرك لي. ومن حديث: أن عدياً حين قدم على سيدنا رسول الله ﷺ من الشام وأسلم قال: الصدقة يا عدي. فقال: ليست لنا سائمة إنما هي ركاب نركبها وأفراس نلجمها إن ألجم علينا. فقال: لابد من الصدقة. قال: نعم. فلما أجمع على الرجوع وقد ولاه على طائفة من طيئ، فسأله ظهراً. فبعث إليه النبي ﷺ يعتذر إليه أن لم يجد عنده حاجته، وقال: لكن ترجع ويفعل الله خيراً. فأتى عدي قومه فدعاهم فصدقهم، فقبض النبي ﷺ وهي في يده، فوفى وأقبل بها إذا كان بالغمر ماء لبني أسد عليه جمع، ناداه رجل من بني أسد أشهد أن الصريح تحت الرغوة، وإن أبا الفضل لكاذب، يا بن حاتم فارجع فاقسم هذه الإبل بين قومك فتكون سيد الحيين ما بقيت. فقال عدي: إن يكن محمد قد مات فإن الذي أسلمت له حي لم يمت. فساق الصدقة، فلما دنا من المدينة لقيته خيل لأبي بكر عليها عبد الله بن مسعود، فابتدروه فأخذوه وقالوا: أين الفوارس التي كانت معك؟ قال: ما كان معي فوارس. قالوا: بلى. فقال ابن مسعود: خلوا عنه، فما كذب ولا كذبتم، أعوان الله ولم يرهم. فكانت ثالثة ثلاث صدقات أو ثانية صدقتين قدمتا على أبي بكر بعد رسول الله ﷺ ، فأعطى منه عدياً ثلاثين بعيراً. ومن حديث آخر: قدم عليه بثلاث مئة بعير وقال: إن عدياً لما أسلم وأراد أن يرجع إلى بلاده بعث

стр. 5684

إليه رسول الله ﷺ يتعذر من الزاد ويقول: والله ما أصبح عند آل محمد سفة من طعام، ولكنك ترجع ويكون خير. فلما قدم على أبي بكر أعطاه ثلاثين فريضة، فقال عدي: يا خليفة رسول الله، أنت اليوم أحوج وأنا عنها غني. فقال أبو بكر: خذها فإني سمعت رسول الله ﷺ يتعذر إليك ويقول: ترجع ويكون خير. فقد رجعت وجاء الله بخير، فأنا منفذ ما وعد رسول الله ﷺ في حياته. فأنفذها، فقال عدي: آخذها الآن فهي عطية من رسول الله ﷺ . فقال أبو بكر فذاك. قالوا: وكانت تلك الصدقات مما جهز أبو بكر بها من نهض لقتال أهل الردة. قالوا: وكان عدي بن حاتم أحزم رأياً وأفضل في الإسلام رغبة ممن كان فرق الصدقة في قومه، فقال لقومه: لا تعجلوا، فإنه إن يقم لهذا الأمر قائم ألفاكم ولم تفرقوا الصدقة، وإن كان الذي تظنون، فلعمري إن أموالكم بأيديكم لا يغلبكم عليها أحد، فسكتهم بذلك وأمر ابنه أن يسرح نعم الصدقة، فإذا كان المساء روحها، وإنه جاء بها ليلة عشاء فضربه، وقال: ألا عجلت بها، ثم أراحها الليلة الثانية فوق ذلك قليلاً، فجعل يضربه ويكلمونه فيه، فلما كان اليوم الثالث قال: يا بني، إذا سرحتها فصح في أدبارها وأم بها المدينة، فإن لقيك لاق من قومك أو من غيرهم فقل: أريد الكلأ تعذر علينا ما حولنا، فلما جاء الوقت الذي كان يروح فيه لم يأت الغلام، فجعل أبوه يتوقعه ويقول لأصحابه، العجب لحبس ابني! فيقول بعضهم: نخرج يا أبا طريف فنبتعثه؟ فيقول: لا والله، فلما أصبح تهيأ ليغدو، فقال قومه: نغدو معك؟ فقال: لا يغدون معي منكم أحد، إنكم إن رأيتموه حلتم بيني وبين أن أضربه وقد عصى أمري كما ترون، أقول له: تروح الإبل بسفر، فليلة

стр. 5685

يأتي بها عتمة وليلة يعزب بها! فخرج على بعير له سريعاً حتى لحق ابنه ثم حدر النعم إلى المدينة، فلما كان ببطن قناة، لقيته خيل لأبي بكر الصديق عليها عبد الله بن مسعود، ويقال: محمد بن مسلمة وهو أثبت فلما نظروا إليه ابتدروه فأخذوه وما كان معه، وقالوا له: أين الفوارس الذين كانوا معك؟ فقال: ما معي أحد. فقالوا: بلى لقد كان معك فوارس. الحديث وسار عدي بن حاتم مع خالد بن الوليد إلى أهل الردة، وقد انضم إلى عدي من طيئ ألف رجل، وكانت جديلة معرضة عن الإسلام، وهم بطن من طيئ، وكان عدي من الغوث، فلما همت جديلة أن ترتد ونزلت ناحية، جاءهم مكنف بن زيد الخيل الطائي فقال: أتريدون أن تكون سبة على قومكم لم يرجع واحد من طيئ! وهذا أبو طريف معه ألف من طيئ، فكسرهم. فلما نزل خالد بن الوليد بزاخة قال لعدي: يا أبا طريف، ألا تسير إلى جديلة؟ فقال: يا أبا سليمان، لا تفعل أقاتل معك بيدين أحب إليك أم بيد واحدة؟ فقال خالد: بل بيدين. قال عدي: فإن جديلة إحدى يدي. فكف خالد عنهم، فجاءهم عدي فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا، فسار بهم إلى خالد، فلما رآهم خالد فزع منهم وظن أنهم أتوا لقتال، فصاح في أصحابه بالسلاح، فقيل له: إنما هي جديلة أتت تقاتل معك. فجاءهم خالد فرحب بهم، واعتذروا إليه من اعتزلهم، وقالوا: نحن لك بحيث أحببت. فجزاهم خيراً فلم يرتدد من طيئ رجل واحد، فسار خالد على بغيته، فقال عدي: اجعل قومي مقدمة أصحابك. فقال: أبا طريف، إن الأمر قد اقترب ولحم، وأنا أخاف إن تقدم قومك ولحمهم القتال انكشفوا فانكشف من معنا، ولكن دعني أقدم قوماً صبراً لهم سوابق وثبات. فقال عدي: فالرأي رأيت. فقدم المهاجرين والأنصار.

стр. 5686

قال الشعبي: استأذن عدي على عمر فقال له: تعرفني؟ قال عمر: نعم، فحباك الله أحسن المعرفة، أسلمت إذ كفروا، ووفيت إذ غدروا، وأعطيت إذ منعوا. وفي حديث آخر: وأقبلت إذ أدبروا. فقال: حسبي يا أمير المؤمنين حسبي. وعن عدي بن حاتم قال: أتيت عمر بن الخطاب في أناس من قومي، فجعل يفرض للرجل من طيئ في ألفين ويعرض عني، قال: فاستقبلته فأعرض عني، ثم أتيته من حيال وجهه فأعرض عني، فقلت: يا أمير المؤمنين، أتعرفني؟ قال: فضحك حتى استلقى لقفاه، ثم قال: نعم والله إني لأعرفك، آمنت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وإن أول صدقة بيضت وجه رسول الله ﷺ صدقة طيئ، جئت بها رسول الله ﷺ ، ثم أخذ يعتذر ثم قال: إنما فرضت لقوم أجحفت بهم الفاقة وهم سادة عشائرهم لما ينوبهم من الحقوق. وعن نابل مولى عثمان بن عفان وحاجبه قال: جاء عدي بن حاتم إلى باب عثمان وأنا عله فنحيته عنه، فلما خرج عثمان إلى الظهر عرض له، فلما رآه عثمان رحب به وانبسط إليه، فقال عدي: انتهيت إلى بابك وقد غم آذنك الناس فحجبني عنك. فالتفت إلي عثمان فانتهرني وقال: لا تحجبه واجعله أول من تدخله، فلعمري إنا لنعرف له حقه وفضله، ورأي الخليفتين فيه وفي قومه، فقد جاءنا بالصدقة يسوقها والبلاد تضطرم كأنها شعل النار من أهل الردة، فحمده المسلمون على ما رأوا منه. وفي حديث ذكروه في استنقاذ عدي بن حاتم من ارتد من طيئ، فكان خير مولود ولد في طيئ، وأعظمه عليهم بركة. قال عدي بن حاتم: ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء. وعنه قال: ما جاء وقت الصلاة قط إلا وقد أخذت لها أهبتها، وما جاءت إلا وأنا إليها بالأشواق.

стр. 5687

أرسل الأشعث بن قيس إلى عدي بن حاتم يستعير قدور حاتم، فملأها وحملتها الرجال إليه، فأرسل إليه الأشعث: إنما أردناها فارغة. فأرسل إليه عدي: إنا لا نعيرها فارغة. حدث من رأى عدي بن حاتم يفت الخبز للنمل ويقول: إنهن لجارات، ولهن حق. خطب عمرو بن حريث إلى عدي بن حاتم. فقال: لا أزوجك إلا على حكمي، فرجع عمرو وقال: امرأة من قريش على أربعة آلاف درهم أعجب إلي من امرأة من طيئ على حكم أبيها. فرجع، ثم أبت نفسه، فرجع إليه فقال: على حكمي؟ قال: نعم، فرجع عمرو بن حريث، فلم ينم ليلته مخافة أن يحكم عليه بما لا يطيق، فلما أصبح بعث إليه أن عرفني ما حكمت به علي؟ فأرسل إليه: إني حكمت بأربع مئة درهم وثمانين درهماً سنة رسول الله ﷺ . وفي رواية: مهر عائشة. فبعث إليه بعشرة آلاف درهم وكسوة، فردها وفرق الثياب في جلسائه وقال: من الطويل: يرى ابن حريث أن همي ماله ... وما كنت موصوفاً بحب الدراهم وقالت قريش: لا تحكمه إنه ... على كل ما حال عدي بن حاتم فيذهب منك المال أول وهلة ... وحمامها والنخل ذات الكمائم فقلت: معاذ الله من ترك سنة ... جرت من رسول الله والله عاصمي وقلت: معاذ الله من سوء سنة ... تحدثها الركبان أهل المواسم أخذ رجل بلجام عدي بن حاتم فقال له: أتفخر بأبيك وهو جمر في النار؟ وتتفخر على قومك بأن تجلس على وطاء دونهم؟ وذكر أشياء تقصر به، وهو واقف لا يحرك بغلته، فقال له لما سكت: إن كان بقي عندك شيء تريد أن تذكره فافعل قبل أن يأتي شباب الحي، فإنهم إن سمعوك تقول هذا لشيخهم لم يرضوا.

стр. 5688

قال عدي بن حاتم: كان أبي يقول: ما بدأت أحداً بشر، ولا تذمرت على جار لي، ولا سألني أحد شيئاً فرددته. دخل قوم على عدي بن حاتم فقالوا له: أخبرنا عن السيد الشريف؟ قال: هو الأحمق في ماله، الذليل في عرضه، الطارح لحقده، المعنى بأمر عامته. قيل لعدي بن حاتم: أي الأشياء أثقل عليك؟ قال: تجربة الصديق، ومسلة اللئيم، ورد سائلي بلا نيل. قيل: فأي الأشياء أوضع للرجال؟ قال: كره الإسلام، وإضاعة الأسرار، والثقة بكل أحد. قال عدي بن حاتم: لسان المرء ترجمان عقله. قال عدي بن حاتم: إن معروفكم اليوم منكر زمان قد مضى، وإن منكركم اليوم معروف زمان ما أتى، وإنكم لن تبرحوا بخير ما دمتم تعرفون ما كنتم تنكرون، ولا تنكرون ما كنتم تعرفون، وما دام عالمكم يتكلم بينكم غير مستخف. قال محمد بن سيرين: لما قتل عثمان قال عدي بن حاتم: لا ينتضح في قتلة عنزان، فلما كان يوم صفين فقئت عينه، فقيل له: لا ينتطح في قتل عثمان عنزان! قال: بلى، وتفقأ عيون كثيرة. هكذا ورد يوم صفين، وإنما فقئت عين عدي يوم الجمل، فإنه حضر الدار، فلما خرج

стр. 5689

الناس يقولون: قتل عثمان، قال عدي: لا تحبق في فتله عناق حوليه. فلما كان يوم الجمل فقئت عينه، وقتل ابنه محمد مع علي، وقتل ابنه الآخر مع الخوارج، فقيل له: يا أبا طريف، هل حبقت في قتل عثمان عناق حوليه؟ فقال: بلى وربك، والتيس الأعظم. وكان يوم صفين من أصحاب علي على قضاعة وطيئ بن عدي بن حاتم الطائي. نظر علي بن أبي طالب إلى عدي بن حاتم كئيباً حزيناً، فقال: ما لي أراك كئيباً حزيناً؟ فقال: وما يمنعني يا أمير المؤمنين! وقد قتل ابني وفقئت عيني؟ فقال: يا عدي، إنه من رضي بقضاء الله جزي عليه وكان له أجر، ومن لم يرض بقضاء الله جزي عليه وحبط عمله. حدث عيسى بن يونس عن أبيه عن جده قال: عندنا في الحي مأدبة، فرأيت فيها ثلاثة رجال عور، كأن وجوههم بيض النعام، لم أر صفحة وجوه أحسن منها، وهم: جرير بن عبد الله البجلي، والأشعث بن قيس الكندي، وعدي بن حاتم الطائي. استأذن عدي بن حاتم على معاوية وعنده عبد الله بن الزبير، فقال له عبد الله: بلغني يا أمير المؤمنين أن عند هذا الأعور جواباً، فلو شئت هجته. فقال: أما أنا فلا أفعل، ولكن دونكاه إن بدا لك. فلما دخل عدي قال له عبد الله بن الزبير: في أي يوم فقئت عينك يا أبا طريف؟ فقال له: في اليوم الذي قتل فيه أبوك، وكشف فيه استك، ولطم فيه علي قفاك، وأنت منهزم. يعني ابن الزبير. وزاد في آخر بمعناه: فضحك معاوية وقال له: ما فعلت الطرفات يا أبا طريف؟ قال: قتلوا، قال: ما أنصفك ابن أبي طالب إن قتل بنوك معه وبقي له بنوه. قال:

стр. 5690

إن ذاك، لقد قتل وبقيت أنا من بعده. قال له معاوية: أليس زعمت أنه لا تحبق في قتل عثمان عنز؟ قال: قد والله حبق فيه التيس الأكبر. قال معاوية: إلا أنه قد بقي من دمه قطرة ولا بد من أن أتتبعها، قال عدي: لا أبا لك شم السيف، فإن سل السيف يسل السيف. فالتفت معاوية إلى حبيب بن مسلمة فقال: اجعلها في كنانتك فإنها حكمة. وعاش عدي بن حاتم مئة وثمانين سنة، فلما أسن استأذن قومه في وطاء يجلس فيه في ناديهم وقال: إني أكره أن يظن أحدكم أني أرى أن لي عليه فضلاً، ولكني قد كبرت ورق عظمي فقالوا: انتظر. فلما أبطأوا عليه أنشأ عليه أنشأ يقول: من الوافر: أجيبوا يا بني ثعل بن عمرو ... ولا تكموا الجواب من الحياء فإني قد كبرت ورق عظمي ... وقل اللحم من بعد النقاء وأصبحت الغداة أريد شيئاً ... يقيني الأرض من برد الشتاء وطاء يا بني ثعل بن عمرو ... وليس لشيخكم غير الوطاء فإن ترضوا به فسرور راض ... وإن تأبوا فإني ذو إباء سأترك ما أردت لما أردتم ... وردك من عصاك من العناء لأني من مساءتكم بعيد ... كبعد الأرض من بعد السماء وإني لا أكون لغير قومي ... وليس الدلو إلا بالرشاء فأذنوا له أن يبسط في ناديهم، وطابت به أنفسهم، وقالوا: أنت شيخنا وسيدنا وما فينا أحد يكره ذلك ولا يدفعه. قال المغيرة: خرج عدي بن حاتم وجرير بن عبد الله البجلي وحنظلة الكاتب من الكوفة، فنزلوا

стр. 5691

قرقيسياء وقالوا: لا يقيم ببلد يشتم فيه عثمان، وقبورهم بقرقيسيا. عدي بن ربيعة بن سواءة ويقال: عدي بن سواءة بن جشم بن سعد. والد محمد التميمي السعدي، أدرك سيدنا رسول الله ﷺ . وفد على ابن جفنة الغساني بالشام، وكان منزل ابن جفنة بأعمال دمشق. حدث خليفة بن عبدة المنقري قال: سألت محمد بن عدي بن سواءة بن جشم بن سعد: كيف سماك أبوك محمداً؟ قال: أما إني قد سألت كما سألتني عنه فقال: خرجت رابع أربعة من بني تميم، أنا أحدهم وسفيان بن مجاشع بن دارم، ويزيد بن عمرو بن ربيعة، وأسامة بن مالك بن جندب بن العنبر نريد ابن جفنة الغساني، فلما قدمت الشام نزلنا على غدير فيه شجيرات وقربه قائم لديراني، فأشرف علينا وقال: إن هذه للغة ما هي لأهل هذا البلد. قال: قلنا: نعم، نحن قوم من مضر، فقال: من أي المضريين أنتم؟ قلنا: من خندق. قال: أما إنه سيبعث وشيكاً نبي، فسارعوا إليه وخذوا بحظكم منه ترشدوا، وإنه خاتم النبيين، واسمه محمد، فلما انصرفنا من عند ابن جفنة وصرنا إلى أهلنا ولد لكل رجل منا غلام فسميناه محمداً تأميلاً أن يكون ابنه ذاك النبي المبعوث.

стр. 5692

عدي بن الرعلاء الغساني من بني كوث بن تفلذ ثم من بني عمرو بن مازن بن الأزد، شاعر مجيد، كان يكون ببادية دمشق، والرعلاء أمه، وهو القائل: من الخفيف: كم تركنا بالعين عين أباغ ... من ملوك وسوقة ألقاء فرقت بينهم وبين نعيم ... ضربة من صفيحة نجلاء ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء إنما الميت من يعش ذليلاً ... كاسفاً باله قليل الرخاء فأناس يمصصون ثماداً ... وأناس حلوقهم في الماء ربما ضربة بسيف صقيل ... بين بصرى وطعنة نجلاء وغموس تضل فيهايد الآ ... سي ويعيا طبيبها بالدواء ومن شعره: من الكامل إني ليحمدني الخليل إذا اجتدى ... مالي ويكرهني ذوو الأضغان وأعيش بالنيل القليل وقد أرى ... أن الرموس مصارع الفتيان وتظل تخلجني الهموم كما ترى ... دلو السقاة يمد بالأشطان وقد رويت هذه الأبيات للحارث بن رعلاء الغساني.

стр. 5693

عدي بن زيد بن حمار بن زيد ابن أيوب ابن محروب بن عامر بن عصبة بن امرئ القيس ابن زيد مناة ابن تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار التميمي. شاعر من شعراء الجاهلية، كان نصرانياً فكان يسكن الحيرة، وأرسله صاحب الحيرة إلى ملك الروم بهدية، ودخل دمشق وذكرها في شعره، وهو المعروف بالعبادي، والعباد هم نصارى الحيرة. وحمار: بكسر الحاء المهملة وآخره راء، وذكر الأصبهاني: خمار بدل حمار، وقال: ابن محروف بدل ابن محروب. وهو في الطبقة الرابعة، وهم أربعة رهط فحول شعراء، موضعهم مع الأوائل، وإنما

стр. 5694

أخل قلة شعرهم بأيدي الرواة: طرفة، وعبيد بن الأبرص، وعلقمة بن عبدة، وعدي بن زيد. وهو الشاعر الذي قتله النعمان، وله أخ يقال له: عمير بن زيد، وله ابنان: زيد بن عدي وهو شاعر، وعمرو، والعبادي: بكسر العين. قال حبيب بن أبي ثابت: كان ابن عباس يعجبه شعر زهير، وكان معاوية يعجبه شعر عدي، وكان الزبير يعجبه شعر عنترة. حدث عمرو بن جرير قال: تدرون أي يوم تنصر فيه النعمان بن المنذر؟ قلنا: لا، قال: إنه خرج متنزهاً متصيداً، وكان النعمان يعبد الأوثان، فمر بمقابر بظاهر الحيرة، فوقف قريباً منها فقال له عدي بن زيد: أبيت اللعن! تدري ما تقول هذه المقابر؟ قال: لا، قال: إنها تقول: من مجزوء الرمل: أيها الركب المحثون ... على الأرض مجدون فكما أنتم كنا ... وكما نحن تكونون قال: أعد علي، فأعاد عليه، فرجع النعمان وهو رقيق، ثم خرج خرجة أخرى فوقف على مقابر، فقال له عدي، أبيت اللعن! تدري ما تقول هذه؟ قال: ما تقول؟ قال: تقول: من الرمل: رب ركب قد أناخوا حولنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال ثم بادوا عصف الدهر بهم ... وكذلك الهر حالاً بعد حال قال: أعد فأعاد، فرجع متنصراً ومات نصرانياً.

стр. 5695

قال خالد بن صفوان بن الأهتم: وفدت إلى هشام بن عبد الملك في أهل العراق، فقدمت عليه وقد خرج مبتدياً بحشمه وأهله وجلسائه، وقد نزل في أرض صحصح، في عام كثر وسميه، وأخرجت الأرض زينتها من اختلاف ألوان نبتها، وقد ضرب له سرادق من حبرة ملونة، وقد فرشت له ألوان الفرش، وقد أخذ الناس مجالسهم، فأخرجت رأسي من ناحية الفسطاط، فنظر إلي شبه المستنطق لي، فدعوت له وقلت: ما أجد يا أمير المؤمنين شيئاً أبلغ من حديث من سلف قبلك من الملوك، فإن أذن لي أمير المؤمنين أخبره به. فاستوى جالساً وقال: هات يا بن الأهتم. قلت: يا أمير المؤمنين، إن ملكاً خرج في عام مثل عامنا هذا إلى الخورنق والسدير، وكان قد أعطي بسطة في الملك مع الكثرة والغلبة والقهر، فنظر فأنفذ النظر، فقال لجلسائه: لمن هذا؟ قالوا: للملك. قال: فهل رأيتم أحد أعطي مثل ما أعطيت؟ وكان عنده رجل من بقايا حملة الحجة، ولم تخل الأرض من قائم لله بحجته في عباده، فقال: رأيت ما أنت فيه، أشيء لم تزل فيه أم شيء صار إليك ميراثاً، وهو زائل عنك وصائر إلى غيرك كما صار إليك؟ قال: كذلك هو. قال: فأراك إنما عجبت بشيء يسير، فلا تكون فيه إلا قليلاً وتنقل طويلاً، فيكون غداً عليك حساباً. قال: ويحك فأين المهرب وأين المطلب؟ وأخذته الأقشعريرة، قال: إما أن تقيم في ملكك، فتعمل فيه بطاعة الله على ما ساءك وسرك، وأمضك وأرمضك، وإما أن تنخلع عن ملكك

стр. 5696

وتضع تاجك، وتلقي عليك أطمارك، وتعبد ربك في هذا الجبل حتى يأتيك أجلك. قال: فإني مفكر الليلة وأوافيك في السحر فأخبرك أحد المنزلتين. فلما كان في السحر جاءه فقال: إني اخترت هذا الجبل وفلوات الأرض، وقد لبست أمساحي، ووضعت تاجي، فإن كنت رفيقاً لا تخالف، فلزمنا الحبل حتى أتاهما أجلهما، وهو الذي يقول فيه عدي بن زيد العبادي: من الخفيف: أيها الشامت المعير بالده ... ر أأنت المبرأ الموفور؟ أم لديك العهد الوثيق من الأي ... ام بل أنت جاهل مغرور من رأيت المنون خلدن أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير أين كسرى الملوك أبو سا ... سان أم أين قلبه سلبور وبنو الأصفر الكرام ملوك الر ... وم لم يبق منهم مذكور وأخو الحصن إذ بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور شاده مرمراً وخلله كا ... ساً فللطير في ذراه وكور لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور وتذكر رب الخورنق إذ أش ... رف يوماً، وللهدى تفكير سره ماله وكثرة ما يم ... لك والبحر معرض والسدير فارعوى قلبه وقال فما غب ... بطة حي إلى الممات يسير ثم بعد الفلاح والملك والإم ... مة وارتهم هناك القبور

стр. 5697

ثم صاروا كأنهم ورق جف ... ف فألوت به الصبا والدبور فبكى هشام حتى اخضلت لحيته، وخمل عمامته، وأمر بأبنية وبقلاع فرشه وحشمه، ولزم قصره، فأقبلت الموالي والحشم على خالد بن صفوان فقالوا: ماذا أردت إلى أمير المؤمنين؟! أفسدت عليه لذته ونغصت عليه مأدبته. فقال: إليكم عني فإني عاهدت الله ألا أخلو بملك إلا ذكرته الله . فبعث إلى واحد من الوفد بجائزة، وكانوا عشرة، وبعث إلى خالد بمثل جميع ما وجه إلى جميع الوفد. وقال ابن الكلبي: كان سبب نزول عدي بن زيد الحيرة أن جده أيوب بن محروف كان منزله اليمامة في بني امرئ القيس بن زيد مناة، فأصاب دماً في قومه، فهرب، فحلق بأوس بن قلام أحد بني الحارث بن كعب بالحيرة، وكان بين أيوب وبين أوس بن قلام هذا نسب من قبل النساء، فلما قدم عليه أيوب أكرمه وأنزله في داره، فمكث معه، ثم قال له أوس: يا بن خالي أتريد المقام عندي وفي داري؟ فقال له أيوب: نعم، فقد علمت أني إن أتيت قومي وقد أصبت فيهم دماً لم أسلم، وما لي دار إلا دارك آخر الدهر، قال: فإني تذكرت وأنا خائف أن أموت ولا يعرف ولدي لك من الحق مثل ما أعرف، وأخشى أن يقع بينك وبينهم أمر يقطعون فيه الرحم، فانظر أحب مكان في الحيرة إليك فأعلمني به لأقطعكه أو أبتاعه لك. قال: وكان لأيوب صديق في الجانب الشرقي من الحيرة، وكان منزل أوس في الجانب الغربي، فقال له: قد أحببت. أن يكون المنزل الذي تسكنيه عند منزل عصام بن عقدة، أحد بني الحارث بن كعب، فابتاع له موضع داره بثلاث مئة أوقية من ذهب،

стр. 5698

وأنفق عليها مئتي أوقية من ذهب، وأعطاه مئتين من الإبل برعاتها، وفرساً وقينة، ثم هلك أوس، فتحول إلى داره التي في شرقي الحيرة فهلك بها، وقد كان اتصل قبل مهلكه الملوك الذين كانوا بالحيرة وعرفوا حقه وحق ابنه زيد بن أيوب، فلم يكن منهم ملك يملك إلا ولولد أيوب منه جوائز وحملان، ثم إن زيد بن أيوب نكح امرأة من آل قلام فولدت له حماراً، فخرج زيد بن أيوب يوماً يتصيد في أناس من أهل الحيرة، متبدون بحفير المكان الذي يذكره عدي بن زيد في شعره، فانفرد وتباعد عن أصحابه، فلقيه رجل من امرئ القيس الذي كان لهم الثأر قبل أبيه، فقال له وقد عرف فيه شبه أيوب: ممن الرجل؟ قال: من بني تميم، قال: من أيهم؟ قال: مرئي، قال له الأعرابي: وأين منزلك؟ قال: الحيرة، قال: من بني أيوب؟ قال: نعم، ومن أين تعرف بني أيوب؟! واستوحش من الأعرابي، وذكر الثأر الذي هرب منه أبوه، فقال له: سمعت بهم، ولم يعلمه أنه قد عرفه، فقال له ابن أيوب: فمن أي العرب أنت؟ قال: أنا امرؤ من طيئ، فأمنه زيد، ثم إن الأعرابي اغتفل ابن أيوب فرماه بسهم بين كتفيه فعلق قلبه، فلم يرم حافر دابته حتى مات، فلما كان الليل طلب زيداً أصحابه وظنوا أنه قد أمعن في الصيد، فباتوا يطلبونه حتى أيسوا منه، ثم غدوا في طلبه واقتصوا أثره حتى وقعوا عليه، ورأوا معه أثر راكب آخر يسايره، فاتبعوا الأثر حتى وجدوه قتيلاً، فعرفوا أن صاحب الراحلة قتله، فاتبعوه وأغذوا السير فأدركوه مسي الليلة الثانية، فصاحوا به وكان من أرمى الناس فامتنع منهم بالنيل، حتى حال الليل بينهم وبينه، وقد أصاب رجلاً منهم في مرجع كتفه بسهم، فلما أجنه الليل مات، وأفلت المرئي، فرجعوا وقد قتل زيد بن أيوب ورجل آخر من بني الحارث بن كعب، فمكث حمار في أخواله حتى أيفع، فخرج يوماً يلعب مع غلمانه بني لحيان، فلطم اللحياني عين الحمار، فشجه حمار، فخرج أبو اللحياني فضرب حماراً، فأتى أمه يبكي، فأخبرها، فجزعت أمه من ذلك وحولته

стр. 5699

إلى دار زيد بن أيوب وعلمته الكتابة في دار أبيه، فكان حمار أول من كتب من بني أيوب، فخرج من أكتب الناس، وطلب حتى صار كاتب الملك النعمان الأكبر، فلبث كاتباً له حتى ولد له ابن من امرأة تزوجها من طيئ فسماه زيداً باسم أبيه، وكان لحمار صديق من الدهاقين العظماء يقال له: فروخ ماهان، وكان محسناً إلى حمار، فلما حضرت حماراً الوفاة أوصى بابنه زيد إلى الدهقان وكان من المرازبة فأخذه الدهقان وكان مع ولده، وكان زيد قد حذق الكتابة العربية قبل أن يأخذه الدهقان، فعلمه لما أخذه الفارسية فلقنها وكان لبيباً فأشار الدهقان على كسرى أن يجعله على البريد في حائجه، ولم يكن كسرى يفعل ذلك إلا بأولاد المرازبة، فمكث ستولى ذلك لكسرى زماناً، ثم إن النعمان النصري اللخمي هلك، فاختلف أهل الحيرة فيمن يملكونه إلى أن يقعد كسرى الأمر لرجل ينصبه، فأشار عليهم المرزبان بزيد بن حمار، فكان على الحيرة إلى أن ملك كسرى المنذر بن ماء السماء، ونكح زيد بن حمار نعمة بنت ثعلبة العدوية، فولدت له عدياً، وملك المنذر فكان لا يعصيه في شيء، وولد للمرزبان ابن فسماه شاهان مرد، فلما تحرك عدي بن زيد وأيفع طرحه أبوه في الكتاب، حتى إذا حذق أرسله المرزبان مع ابنه شاهان مرد إلى كتاب الفارسية، فخرج من أفهم الناس وأفصحهم بالعربية، وقال الشعر وتعلم رمي النشاب، فخرج من الأساورة الرماة، وتعلم لعب العجم على الخيل بالصوالجة وغيرها. ية، فخرج من أفهم الناس وأفصحهم بالعربية، وقال الشعر وتعلم رمي النشاب، فخرج من الأساورة الرماة، وتعلم لعب العجم على الخيل بالصوالجة وغيرها. ثم إن المرزبان وفد على كسرى ومعه ابنه شاهان مرد، فبيناهما بين يديه إذ سقط طائران على السور، فتطاعما كما يتطاعم الذكر والأنثى، وجعل كل واحد منهما منقاره في

стр. 5700

منقار الآخر، فغضب كسرى ولحقته غيرة، فقال للمرزبان وابنه: ليرم كل واحد منكما واحداً من هذين الطائرين، فإن قتلتماهما أدخلتكما بيت المال وملأت أفواهكما بالجواهر، ومن أخطأ منكما عاقبته، فاعتمد كل واحد منهما طائراً ورميا فقتلاهما، فبعث بهما إلى بيت المال فملئت أفواههما جوهراً، وأثبت شاهان مرد وسائر أولاد المرزبان في صحابته، فقال فروخ ماهان: عندي غلام من العرب مات أبوه وخلفه في حجري، وهو أفصح الناس وأكتبهم بالعربية والفارسية، واملك محتاج إلى مثله، فإن رأى أن يثبته في ولدي فعل، قال: ادعه. فأرسل إلى عدي بن زيد، وكان جميل الوجه فائق الحسن، وكانت الفرس تتبرك بالجميل الوجه، فلما كلمه وجده أظرف الناس وأحضرهم جواباً، فرغب فيه وأثبته معه ولد المرزبان، فكان عدي أول من كتب بالعربية في ديوان كسرى، فرغب أهل الحيرة في عدي ورهبوه، ففلم يزل بالمدائن في ديوان كسرى يؤذن له عليه في الخاصة، وهو معجب به، قريب منه، وأبوه زيد بن حمار يومئذ حي، إلا أن ذكر عدي قد ارتفع، وخمل ذكر أبيه، فكان إذا دخل إلى المنذر قام جميع من عنده حتى يقعد عدي. ثم إن كسرى أرسل عدي بن زيد إلى ملك الروم بهدية من طرف ما عنده، فلما أتاه عدي بها أكرمه وحمله على البريد إلى أعماله ليريه سعة أرضه وعظم ملكه، فمن ثم وقع عدي بدمشق وقال فيها الشعر. قال: وفسد أمر الحيرة وعدي بدمشق، حتى أصلح أبوه بينهم، وذلك لأن الحيرة حين كان عليها المنذر أرادوا قتله لأنه كان يعدل فيهم، وكان يأخذ من أموالهم ما يعجبه، فلما تيقن أن أهل الحيرة أجمعوا على قتله، بعث إلى زيد بن حمار، وكان قبله على الحيرة، فقال له: يا زيد، أنت خليفة أبي، وقد بلغني ما أجمع عليه أهل الحيرة، فلا حاجة لي في ملككم، دونكموه فملكوه من شئتم. فقال له زيد: إن الأمر ليس إلي، ولكني أشير إلى هذا الأمر ولا آلوك نصحاً. فلما أصبح غدا إليه الناس فحيوه تحية الملك، وقالوا له: ألا تبعث إلى الظالم يعنون المنذر فتريح منه رعيتك؟ قال لهم: أفلا خير من ذلك؟ قالوا له: أشر علينا. قال: تدعونه على حاله فإنه من أهل بيت ملك، وأنا آتيه

стр. 5701

فأخبروه أن أهل الحيرة قد اختاروا رجلاً يكون أمر الحيرة إليه، إلا أن يكون عزف ومال، فلك اسم الملك وليس إليك شيء سوى ذلك من الأمور. قالوا: رأيك أفضل. فأتى المنذر، فأخبره ما قالوا، فقبل ذلك وفرح، وقال: إن لك يا زيد نعمة علي لا أكفرها ما عرفت حق سبد وسبد صنم لأهل الحيرة فولى أهل الحيرة زيداً على كل شيء سوى اسم الملك، فإنهم أقروه للمنذر، وفي ذلك يقول عدي: من الرمل: نحن كنا قد علمتم قبلكم ... عمد البيت وأوتاد الإصار ثم هلك زيد وابنه عدي بالشام، وكانت لزيد ألف ناقة للحملات، كان أهل الحيرة أعطوه إياها حين ولوه ما ولوه، فلما أرادوا أخذها، فبلغ ذلك المنذر فقال: لا واللات والعزى، لا يؤخذ مما كان في يد زيد ثفروق وأنا أسمع الصوت. ففي ذلك يقول عدي بن زيد لأبيه النعمان بن المنذر: من الرمل: وأبوك المرء لم نشق به ... يوم سيم الخسف قمنا بخسار ثم قدم عدي المدائن على كسرى بهدية قيصر، فصادف أباه والمرزبان الذي رباه هلكا، فاستأذن كسرى في الإلمام بالحيرة، فأذن له، فتوجه إليها، وبلغ المنذر خبره فخرج فتلقاه بالناس باشنبينا، ورجع معه. وعدي أنبل أهل الحيرة في أنفسهم، ولو أرادوا أن يملكوه لملكوه، ولكنه كان يوثر الصيد واللهو على الملك، فمكث سنين يبدو في فصلي السنة، فيقيم بالبر ويشتو بالحيرة، ويأتي المدائن في خلال ذلك، فيخدم كسرى، فمكث كذلك سنين، وكان لا يوثر على بلاد بني يربوع شيئاً من مبادي العرب، ولا ينزل في حي من أحياء بني تميم غيرهم، وكان أخلاؤه من العرب كلهم بني جعفر، وكانت لإبله في ضبة وبلاد بني سعد، وكذلك كان

стр. 5702

أبوه يفعل يجاور هذين الحيين بإبله، ولم يزل كذلك حتى تزوج هند بنت النعمان بن المنذر، وهي يومئذ جارية حتى بلغت أو كادت. وكان المنذر لما ملك جعل ابنه النعمان في حجر عدي بن زيد، فهم الذين أرضعوه وربوه، وكلن للمنذر ابن آخر يقال له: الأسود، أمه مارية بنت الحارث بن جلهم من تيم الرباب، فأرضعوه ورباه قوم من أهل الحيرة يقال لهم بنو مرينا، ينتسبون إلى لخم، وكانوا أشرافاً، وكان للمنذر سوى هذين من الولد عشرة، وكان ولده يقال لهم: الأشاهب من جمالهم، ولذلك أعشى قيس بن ثعلبة: من الخفيف: وبنو المنذر الأشاهب بالح ... رة يمشون غدوة كالسيوف وكان النعمان من بينهم أحمر أبرش قصيراً، وأمه سلمى بنت وائل بن عطية الصائغ من أهل فدك، فلما احتضر المنذر أوصى بولده إلى إياس بن قبيصة الطائي وملكه على الحيرة إلى أن يرى كسرى بن هرمز رأيه، فمكث مملكاً عليها أشهراً وكسرى في طلب رجل يملكه عليهم، فلم يجد أحداً يرضاه، فضجر وقال: لأبعثن إلى الحيرة اثني عشر ألفاً من الأساورة، ولأملكهن عليهم رجلاً من الفرس، ولآمرنهم أن ينزلوا على العرب في دورهم ويملكوا عليهم أموالهم ونساءهم. وكان عدي بن زيد واقفاً بين يديه، فقال: ويحك يا عدي! من بقي من آل المنذر، وهل فيهم أحد فيه خير؟ قال له: نعم أيها الملك، إن فيهم لبقية وفيهم كل خير. قال: ابعث إليهم فأحضرهم. فبعث عدي إليهم، فأحضرهم وأنزلهم جميعاً عنده، فلما نزلوا عليه أرسل النعمان: لست أملك غيرك فلا يوحشك ما أفضل به إخوتك عليك من الكرامة، فإني أغترهم بذلك. ثم كان يفضل إخوته جميعاً عليه في النزل والإكرام والملازمة ويريهم تنقصاً للنعمان، وأنه غير طامع في تمام أمر على يده، وجعل يخلو بهم رجلاً رجلاً فيقول: إذا أدخلتم على الملك فالبسوا أفخر ثيابكم

стр. 5703

وأجملها، وإذا دعي لكم بالطعام لتأكلوا فتباطؤوا في الأكل، وصغروا اللقم، ونزروا ما تأكلون، فإذا قال لكم: أتكفوني العرب؟ فقولوا: نعم، فإذا قال لكم: فإن شذ أحدكم عن الطاعة أو أفسد أفتكفونيه؟ فقولوا: لا، إن بعضنا لا يقدر على بعض ليهابكم ولا يطمع في تفرقكم، ويعلم أن للعرب منعة وبأساً. فقبلوا منه، وخلا بالنعمان فقال له: البس ثياب السفر وادخل متقلداً سيفك، وإذا جلست للأكل فعظم اللقم وأسرع المضغ والبلع، وزد في الاكل وتجوع قبل ذلك، فإن كسرى تعجبه كثرة الأكل ومن العرب خاصة، ويرى أنه لا خير في العربي إذا لم يكن أكولاً شرهاً ولا سيما إذا رأى طعامه وما لا عهد له بمثله، فإذا سألك هل تكفيني العرب؟ فقل: نعم، فإذا قال لك: فمن لي بإخواتك؟ فقل له: إن عجزت عنهم فإني عن غيرهم أعجز. قال: وخلا ابن مرينا بالأسود، فسأله عما أوصاه به عدي فأخبره، فقال له: غشك والصليب والمعمودية ما نصحك، ولئن أطعتني لتخالفن كل ما أمرك به ولتملكن، ولئن عصيتني ليملكن النعمان فلا يعرنك ما أولاكه من الإكرام والتفضيل على النعمان، فإن ذلك دهاء ومكر، وإن هذه المعدية لا تخلو من مكر وحيلة. فقال له: إن عدياً لم يألني نصحاً، وهو أعلم بكسرى منك، وإن خالفته أوحشته فأفسد علي، وهو جاء بنا ووصفنا، وإلى قوله يرجع كسرى، فلما يئس ابن مرينا من قبوله منه قال له: ستعلم. ودعا بهم كسرى فلما دخلوا عليه أعجبه جمالهم وكمالهم، ورأى رجالاً قل ما رأى مثلهم، فدعا لهم بالطعام ففعلوا ما أمرهم عدي، فجعل ينظر إلى النعمان من بينهم ويتأمل أكله، فقال لعدي بالفارسية: إن يكن في أحد منهم ففي هذا. فلما غسلوا أيديهم جعل يدعو بهم رجلاً رجلاً فيقول أتكفيني العرب؟ فيقول: نعم أكفيكها كلها إلا إخوتي، حتى انتهى إلى النعمان آخرهم فقال له: أتكفيني العرب؟ قال: نعم. قال: كلها؟ قال: نعم. قال: فكيف لي بإخوتك؟ قال: إن عجزت عنهم فأنا عن غيرهم أعجز. فملكه وخلع عليه، وألبسه تاجاً قيمته ستون ألف درهم، فيه اللؤلؤ والجوهر والياقوت والزبرجد، فلما خرج وقد ملك قال ابن مرينا للأسود: دونك عقبى خلافتك لي.

стр. 5704

ثم إن عدياً صنع طعاماً في بيعة، فأرسل إلى ابن مرينا أن ائتني بمن أحببت، فإن لي حاجة. فأتاه في ناس، فقعدوا في البيعة، فقال عدي بن زيد لابن مرينا: إن أحق من عرف الحق ولم يلم عليه من كان مثلك، وإني قد عرفت أن صاحبك الأسود بن المنذر كان أحب إليك من صاحبي النعمان، فلا تلمني على شيء كنت على مثله، وأنا أحب أن لا تحقد علي شيئاً لو قدرت عليه ركبته، وأنا أحب أن تعطيني من نفسك ما أعطيك من نفسي، فإن نصيبي من هذا الأمر ليس بأوفر من نصيبك. وقام إلى البيعة، فحلف أن لا يهجوه أبداً، ولا يبغيه غائلة، ولا يزوي عنه خيراً، فلما فرغ عدي بن زيد قام عدي بن مرينا فحلف بمثل يمينه أن لا يزال يهجوه أبداً، ويبغيه الغوائل ما بقي. وخرج النعمان حتى نزل منزل أبيه بالحيرة، فقال عدي بن مرينا لعدي بن زيد: من الوافر: ألا أبلغ عدياً عن عدي ... ولا تجزع وإن رثت قواكا هيا كلنا تنوء لغير فقد ... لتحمد أو يتم به علاكا فإن تظفر فلم تظفر حميداً ... وإن تعطب فلا يبعد سواكا ندمت ندامة الكسعي لما ... رأت عيناك ما صنعت يداكا ثم قال عدي بن مرينا للأسود: أما إذ لم تظفر فلا تعجز أن تطلب بثأرك من هذا المعدي الذي فعل بك ما فعل، فقد كنت أخبرك أن معداً لا ينام كيدها، وأمرتك أن تعصيه فخالفتني. قال: فما تريد؟ قال: أريد أن لا يأتيك فائدة من مالك وأرضك إلا عرضتها علي، ففعل، وكان ابن مرينا كثير المال والضيعة، فلم يكن في الدهر يوم يأتي إلا على باب النعمان هدية من ابن مرينا، فصار من أكرم الناس عليه حتى كان لا يقضي في

стр. 5705

ملكه شيئاً إلا بأمر ابن مرينا، وكان إذا ذكر عدي بن زيد عند النعمان أحسن الثناء عليه وشيع ذلك بأن يقول: عدي بن زيد فيه مكر وخديعة، والمعدي لا يصلح إلا هكذا. فلما رأى من يطيف بالنعمان منزلة ابن مرينا عنده لزموه وتابعوه، فجعل يقول لمن يثق به من أصحابه: إذا رأيتموني أذكر عدياً عند الملك بخير فقولوا: إنه لكذلك ولكنه لا يسلم عليه من أصحابه أحد، وإنه ليقول: إن الملك يعني النعمان عامله، وإنه هو ولاه ما ولاه، فلم يزالوا كذلك حتى أضغنوه عليه، وكتبوا كتاباً على لسانه إلى قهرمان له، ثم دسوا إليه حتى أخذوا الكتاب منه، وأتوا به النعمان فقرأه، واشتد غضبه، وأرسل إلى عدي بن يزيد: عزمت عليك إلا زرتني فإني قد اشتقت إلى رؤيتك، وعدي يومئذ عند كسرى، فاستأذن كسرى، فأذن له، فلما أتاهلم ينظر إليه حتىحبسه في محبس لا يدخل عليه فيه أحد، فجعل عدي يقول الشعر وهو في السجن، فمما قاله من أبيات: من الرمل: أبلغ النعمان عني مالكاً ... أنه قد طال حبسي وانتظاري لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري في قصائد كثيرة كان يقولها فيه ويكتب بها إليه ولا يغني عنده شيئاً. قال أبو بكر الهذلي: سمعت رجلاً ينشد الحسن شعر عدي بن زيد: من الخفيف: وصحيح أضحى يعود مريضاً ... هو أدنى للموت ممن يعود وأطباء بعدهم لحقوقهم ... ضل عنهم سعوطهم واللدود أين أهل الديار من قوم نوح ... ثم عاد من بعدهم وثمود أين أبناؤنا وأين بنوهم ... أين آباؤنا وأين الجدود

стр. 5706

سلكوا منهج المنايا فبادوا ... وأرونا قد حان منا ورود بينما هم على النمارق والدي ... باج أفضت إلى التراب الخدود ثم لم ينقض الحديث ولكن ... بعد ذاك الوعيد والموعود فبكى الحسن حتى تحدرت دموعه على خديه ولحيته، ثم تلا: " كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام " ولعدي بن زيد: من الطويل: عن المرء لا يسأل وسل عن قرينه ... فإن القرين بالمقارن يقتدي وفي حديث آخر أن عمر بن هند ملك العرب، لما هلك وفدت وفود العرب إلى كسرى تلتمس الملك، وكان عدي بن زيد كاتب كسرى بالعربية، ووفد فيهم النعمان بن المنذر وكان أحدثهم سناً، فلما قدموا على كسرى قام كل رجل منهم يذكر شرفه وأفعاله، وطاعة قومه له، فقال لهم كسرى: انصرفوا إلى منازلكم حتى يخرج إليكم رأيي. فلما انصرفوا قال لعدي: أي هؤلاء ترى أن أملك وكان النعمان صديقاً لعدي من قبل أن كلاهما من أهل الحيرة؟ قال له عدي: أيها الملك، كلهم شريف محتمل، ولكن فيهم فتى من أهل بيت ملك، لا أراهم يرضون بملكه عليهم. قال: وكيف لا يرضون بما أفعل؟ قال: من قبل أن أمه فارسية وهم يأنفون أن يملكهم ابن فارسية. ولم تكن أم النعمان فارسية، إنما هي غسانية، ولكن عدياً أراد أن يكيد له للذي بينهما من الصداقة، فأغضب كسرى، فلما فرغ، قال النعمان لعدي: اخرج معي فأجعل الخاتم في يدك، ويكون الأمر أمرك. قال عدي: أخاف أن يفطن كسرى لما صنعت، ولكن اخرج فسوف ألحقك، فكان كذلك، فمكث بعده شيئاً ثم لحقه، فوفى له النعمان فجعل الخاتم في يده، وكان الأمر

стр. 5707

أمره، وكان بنو بقيلة معادين لعدي، فركب النعمان يوماً فقال له عدي: إنك ستمر ببني بقيلة ويعرضون عليك أن تنزل عندهم وتأكل طعامهم، وأنت إن فعلت لم أقم معك ساعة وانصرف إلى كسرى. فقال النعمان: إني لا أدخل إليهم ولا آكل طعامهم. فلما مر بهم تلقوه وقالوا: أيها الملك أكرمنا بنزولك إلينا ودخولك منزلنا. فتأبى عليهم، فقالوا: ننشدك الله أن تورثنا سبة ما عشنا، وعاراً في الناس. فلم يزالوا به حتى نزل إليهم وأكل من طعامهم، فلما بلغ ذلك عدياً انصرف إلى منزله، فلما رجع النعمان قال: أين عدي؟ قالوا: ذهب إلى منزله. قال: فادعوه. فأبى أن يجيب فأغضب النعمان، فقال لمن عنده من جنده وحشمه: ائتوني به ولو سحباً. فسحبوه، فلم يبلغوا به حتى أثروا به آثاراً قبيحة، فلما رآه النعمان علم أن فساده عند كسرى إن رآه على تلك الحال، فأمر به إلى السجن، فمكث في السجن زماناً يقول الشعرن ثم بلغ كسرى ما صنع به فأرسل أمناء من عنده، فقال: إن كان عدي على ما بلغني فأتوني النعمان في الحديد، وإن كان غير ذلك فأعلموني كيف كان. فراع ذلك النعمان فأسرى على عدي فقتله ودفنه، فلما جاء الأمناء قالوا أين عدي؟ قال: هيهات عدي مذ زمان، فصار عدي بن عدي كاتباً لكسرى بالعربية مكان أبيه، وأرضى النعمان الأمناء بشيء، فانصرفوا عنه، فعفوا عنه. وذكر المفضل الضبي أن عدياً كان له أخ اسمه أبي، وكان عند كسرى، فكتب إليه عدي يخبره بما جرى له، فأخبر كسرى بأمره، فوجه كسرى رسولاً إلى النعمان يأمره بإطلاقه، فقتله النعمان في السجن، ثم ندم على قتله، وكان ذلك سبب تغير كسى للنعمان.

стр. 5708

عدي بن زيد بن مالك بن عدي ابن الرقاع بن عصر بن عدة ويقال: عرة بن شعل بن معاوية بن الحارث وهو عاملة بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد أبو داود العاملي الشاعر المعروف بعدي الرقاع، ويقال: إن عاملة بنت وديعة بن قضاعة أم معاوية بن الحارث وإليها ينسبون. قدم دمشق ومدح الوليد بن عبد الملك. في الطبقة السابعة، وفي نسبه اختلاف، وكان أبرص، وهاجى جرير بن الخطفى، واجتمعا عند الوليد بن عبد الملك، فأنشده عدي قصيدة التي أولها: من الكامل: عرف الديار توهماً فاعتادها قال جرير: فحسدته على أبيات منها، حتى أنشدني صفة الظبية والغزال: تزجي أغن كأن إبرة روقه

стр. 5709

قال جرير: فرحمته، فلما قال: قلم أصاب من الدواة مدادها رحمت نفسي وحالت الرحمة حسداً، وفيها يقول: وقصيدة قد بت أجمع بيتها ... حتى أقوم ميلها وسنادها نظر المثقف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافة ميادها وعلمت حتى ما أسأئل واحداً ... عن علم واحد لكي أزدادها دخل جرير على الوليد بن عبد الملك وهو خليفة وعنده ابن الرقاع العاملي، فقال الوليد لجرير: أتعرف هذا؟ قال: لا يا أمير المؤمنين. قال: هذا رجل من عاملة. فقال: الذين يقول الله تعالى: " عاملة ناصبة، تصلى ناراً حامية " ثم قال: من الطويل: يقصر باع العاملي عن العلا ... ولكن أير العاملي طويل فقال العاملي: أأمك يا ذا أخبرتك بطوله ... أم أنت امرؤ لم تدر كيف تقول قال: لا، بل لم أدر كيف أقول. فوثب العاملي إلى رجل الوليد فقبلها وقال: أجرني منه. فقال الوليد لجرير: لئن سميته لأسرجنك ولألجمنك وليركبنك، فيعيرك بذلك الشعراء.

стр. 5710

قال أحمد بن يحيى ثعلب: أشعر ما قيل قول عدي بن الرقاع: من الكامل: لولا الحياء وأن رأسي قد عسا ... فيه المشيب لزرت أم القاسم وكأنها وسط النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينيه سنة وليس بنائم قال ابن الأعرابي: بلغني أن جماعة من الشعراء أتوا باب ابن الرقاع الشاعر فدقوه فخرجت إليهم بنية له صغيرة، فقالت: من القوم؟ قالوا: نحن شعراء أتينا أباك لنهاجيه. قالت لهم: هو غائب. قالوا: لا، ولكنه هرب منا. فقالت: من الطويل: تجمعتم من كل شرق ومغرب ... على واحد لازلتم قرن واحد لما أتت الخلافة سليمان بن عبد الملك أتته وهوبالسبع، فكتب إلى عامله بالأردن أن يبعث إليه عدي بن الرقاع في وثاق، فوجهه إليه، فلما دخل عليه قال: إن كنت لكارهاً لخلافتي، قال: وكيف ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: حين تقول في مدحة الوليد: عذنا بذي العرش أن نبقى ونفقده ... وأن نكون لراع بعده تبعا قال ابن الرقاع: والله ما هكذا قلت يا أمير المؤمنين، ولكني قلت: عذنا بذي العرش أن نبقى ونفقدهم ... وأن نكون لراع بعدهم تبعا
следующие страницы →