← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

سلكوا منهج المنايا فبادوا ... وأرونا قد حان منا ورود بينما هم على النمارق والدي ... باج أفضت إلى التراب الخدود ثم لم ينقض الحديث ولكن ... بعد ذاك الوعيد والموعود فبكى الحسن حتى تحدرت دموعه على خديه ولحيته، ثم تلا: " كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام " ولعدي بن زيد: من الطويل: عن المرء لا يسأل وسل عن قرينه ... فإن القرين بالمقارن يقتدي وفي حديث آخر أن عمر بن هند ملك العرب، لما هلك وفدت وفود العرب إلى كسرى تلتمس الملك، وكان عدي بن زيد كاتب كسرى بالعربية، ووفد فيهم النعمان بن المنذر وكان أحدثهم سناً، فلما قدموا على كسرى قام كل رجل منهم يذكر شرفه وأفعاله، وطاعة قومه له، فقال لهم كسرى: انصرفوا إلى منازلكم حتى يخرج إليكم رأيي. فلما انصرفوا قال لعدي: أي هؤلاء ترى أن أملك وكان النعمان صديقاً لعدي من قبل أن كلاهما من أهل الحيرة؟ قال له عدي: أيها الملك، كلهم شريف محتمل، ولكن فيهم فتى من أهل بيت ملك، لا أراهم يرضون بملكه عليهم. قال: وكيف لا يرضون بما أفعل؟ قال: من قبل أن أمه فارسية وهم يأنفون أن يملكهم ابن فارسية. ولم تكن أم النعمان فارسية، إنما هي غسانية، ولكن عدياً أراد أن يكيد له للذي بينهما من الصداقة، فأغضب كسرى، فلما فرغ، قال النعمان لعدي: اخرج معي فأجعل الخاتم في يدك، ويكون الأمر أمرك. قال عدي: أخاف أن يفطن كسرى لما صنعت، ولكن اخرج فسوف ألحقك، فكان كذلك، فمكث بعده شيئاً ثم لحقه، فوفى له النعمان فجعل الخاتم في يده، وكان الأمر

стр. 5707

أمره، وكان بنو بقيلة معادين لعدي، فركب النعمان يوماً فقال له عدي: إنك ستمر ببني بقيلة ويعرضون عليك أن تنزل عندهم وتأكل طعامهم، وأنت إن فعلت لم أقم معك ساعة وانصرف إلى كسرى. فقال النعمان: إني لا أدخل إليهم ولا آكل طعامهم. فلما مر بهم تلقوه وقالوا: أيها الملك أكرمنا بنزولك إلينا ودخولك منزلنا. فتأبى عليهم، فقالوا: ننشدك الله أن تورثنا سبة ما عشنا، وعاراً في الناس. فلم يزالوا به حتى نزل إليهم وأكل من طعامهم، فلما بلغ ذلك عدياً انصرف إلى منزله، فلما رجع النعمان قال: أين عدي؟ قالوا: ذهب إلى منزله. قال: فادعوه. فأبى أن يجيب فأغضب النعمان، فقال لمن عنده من جنده وحشمه: ائتوني به ولو سحباً. فسحبوه، فلم يبلغوا به حتى أثروا به آثاراً قبيحة، فلما رآه النعمان علم أن فساده عند كسرى إن رآه على تلك الحال، فأمر به إلى السجن، فمكث في السجن زماناً يقول الشعرن ثم بلغ كسرى ما صنع به فأرسل أمناء من عنده، فقال: إن كان عدي على ما بلغني فأتوني النعمان في الحديد، وإن كان غير ذلك فأعلموني كيف كان. فراع ذلك النعمان فأسرى على عدي فقتله ودفنه، فلما جاء الأمناء قالوا أين عدي؟ قال: هيهات عدي مذ زمان، فصار عدي بن عدي كاتباً لكسرى بالعربية مكان أبيه، وأرضى النعمان الأمناء بشيء، فانصرفوا عنه، فعفوا عنه. وذكر المفضل الضبي أن عدياً كان له أخ اسمه أبي، وكان عند كسرى، فكتب إليه عدي يخبره بما جرى له، فأخبر كسرى بأمره، فوجه كسرى رسولاً إلى النعمان يأمره بإطلاقه، فقتله النعمان في السجن، ثم ندم على قتله، وكان ذلك سبب تغير كسى للنعمان.

стр. 5708

عدي بن زيد بن مالك بن عدي ابن الرقاع بن عصر بن عدة ويقال: عرة بن شعل بن معاوية بن الحارث وهو عاملة بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد أبو داود العاملي الشاعر المعروف بعدي الرقاع، ويقال: إن عاملة بنت وديعة بن قضاعة أم معاوية بن الحارث وإليها ينسبون. قدم دمشق ومدح الوليد بن عبد الملك. في الطبقة السابعة، وفي نسبه اختلاف، وكان أبرص، وهاجى جرير بن الخطفى، واجتمعا عند الوليد بن عبد الملك، فأنشده عدي قصيدة التي أولها: من الكامل: عرف الديار توهماً فاعتادها قال جرير: فحسدته على أبيات منها، حتى أنشدني صفة الظبية والغزال: تزجي أغن كأن إبرة روقه

стр. 5709

قال جرير: فرحمته، فلما قال: قلم أصاب من الدواة مدادها رحمت نفسي وحالت الرحمة حسداً، وفيها يقول: وقصيدة قد بت أجمع بيتها ... حتى أقوم ميلها وسنادها نظر المثقف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافة ميادها وعلمت حتى ما أسأئل واحداً ... عن علم واحد لكي أزدادها دخل جرير على الوليد بن عبد الملك وهو خليفة وعنده ابن الرقاع العاملي، فقال الوليد لجرير: أتعرف هذا؟ قال: لا يا أمير المؤمنين. قال: هذا رجل من عاملة. فقال: الذين يقول الله تعالى: " عاملة ناصبة، تصلى ناراً حامية " ثم قال: من الطويل: يقصر باع العاملي عن العلا ... ولكن أير العاملي طويل فقال العاملي: أأمك يا ذا أخبرتك بطوله ... أم أنت امرؤ لم تدر كيف تقول قال: لا، بل لم أدر كيف أقول. فوثب العاملي إلى رجل الوليد فقبلها وقال: أجرني منه. فقال الوليد لجرير: لئن سميته لأسرجنك ولألجمنك وليركبنك، فيعيرك بذلك الشعراء.

стр. 5710

قال أحمد بن يحيى ثعلب: أشعر ما قيل قول عدي بن الرقاع: من الكامل: لولا الحياء وأن رأسي قد عسا ... فيه المشيب لزرت أم القاسم وكأنها وسط النساء أعارها ... عينيه أحور من جآذر جاسم وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينيه سنة وليس بنائم قال ابن الأعرابي: بلغني أن جماعة من الشعراء أتوا باب ابن الرقاع الشاعر فدقوه فخرجت إليهم بنية له صغيرة، فقالت: من القوم؟ قالوا: نحن شعراء أتينا أباك لنهاجيه. قالت لهم: هو غائب. قالوا: لا، ولكنه هرب منا. فقالت: من الطويل: تجمعتم من كل شرق ومغرب ... على واحد لازلتم قرن واحد لما أتت الخلافة سليمان بن عبد الملك أتته وهوبالسبع، فكتب إلى عامله بالأردن أن يبعث إليه عدي بن الرقاع في وثاق، فوجهه إليه، فلما دخل عليه قال: إن كنت لكارهاً لخلافتي، قال: وكيف ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: حين تقول في مدحة الوليد: عذنا بذي العرش أن نبقى ونفقده ... وأن نكون لراع بعده تبعا قال ابن الرقاع: والله ما هكذا قلت يا أمير المؤمنين، ولكني قلت: عذنا بذي العرش أن نبقى ونفقدهم ... وأن نكون لراع بعدهم تبعا

стр. 5711

قال: وكذلك؟ قال: نعم، قال: فكوا حديده، وردوه على موكبه إلى أهله. وإنما كان خص بتلك المدحة الوليد. عدي بن عبد الرحمن بن زيد ابن أسيد بن جابر ابن عدي بن خالد بن خثيم بن أبي حارثة ابن جدي ابن تدول بن بحتر بن عتود، أبو الهيثم الطائي، والد الهيثم بن عدي. قيل: إنه دمشقي، سكن الكوفة وواسط. حدث عن داود بن أبي هند عن أبي صالح مولى لطلحة بن عبيد الله قال: كنت عند أم سلمة زوج النبي ﷺ ، فأتاه ذو قرابة لها، غلام شاب ذو جمة، فقام يصلي، فلما ذهب يسجد نفخ، فقالت: لا تفعل، فإن رسول الله ﷺ كان يقول لغلام أسود: " يا رباح، ترب وجهك ". وحدث عنه عن عكرمة عن ابن العباس قال: ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به كله، إلا إبراهيم ﵇، قال الله " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن، قال: إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي " الآية. قال: أما الظالم فلا يؤتم به. قلت له: فما الكلمات التي ابتلى الله إبراهيم بهن وأتمهن؟ قال: الإسلام ثلاثون سهماً: عشر آيات في براءة " التائبون العابدون " إلى

стр. 5712

آخر الآيات، وعشر آيات من أول سورة " قد أفلح المؤمنون "، و" سأل سائل بعذاب واقع:، وعشر آيات في الأحزاب " إن المسلمين والمسلمات " إلى آخر الآية وعشر آيات من أول سورة " قد أفلح المؤمنون " و" سأل سائل بعذاب واقع " وعشر آيات في الأحزاب " إن المسلمين والمسلمات " إلى آخر الآية فأتمهن كلهن، فكتب له براءة، قال: " وإبراهيم الذي وفى ". قال سليمان بن أبي شيخ: سألت أبا سفيان الحميري عن عدي بن عبد الرحمن أبي الهيثم بن عدي: هل كان يطعن في نسبه؟ قال: لا، ولقد كان من خير رجل بواسط، ولكن ابنه يعني الهيثم بن عدي آذى الناس وتعرض لهم، فتعرضوا له. عدي بن عدي بن عميرة بن عدي ابن عفير، ويقال: عفير بن زرارة بن الأرقم بن النعمان ابن عمرو بن وهب بن ربيعة بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة وهو ثور بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد الكندي كان يصحب خلفاء بني أمية، واستعمله عمر بن عبد العزيز على الموصل والجزيرة، ثم عزله وولاه أرمينية، فلم يزل عليها حتى توفي عمر. حدث عدي بن عدي عن أبيه عن العرس قال: قال رسول الله ﷺ : مروا النساء في أنفسهن، فإن الثيب تعرب عن نفسها، والبكر رضاها صمتها. وكان عدي يكنى أبا فروة، وكان ثقة ناسكاً فقيهاً محدثاً، وكان على قضاء الجزيرة في خلافة عمر بن عبد العزيز.

стр. 5713

قال مسلمة بن عبد الملك: إن في كندة لثلاثة، إن الله ﵎ لينزل بهم الغيث وينصر بهم على الأعداء: رجاء بن حيوة، وعبادة بن نسي، وعدي بن عدي. سئل مكحول عن شيء وهو مع رجاء بن حيوة وعدي بن عدي الكندي؟ فقال سل شيخي هذين. فقالا له: أفت الرجل. فقال مكحول: نعم. فأجابه. قال خليفة: سنة تسع وتسعين فيها أغارت الخزر، على أرمينية وأذربيجان وعليهما عبد العزيز بن حاتم بن النعمان الباهلي، فقتل الله عامة الخزرن وكتب عبد العزيز بذلك إلى عمر بن عبد العزيز عند ولايته، فولى عمر بن عبد العزيز أرمينية عدي بن عدي، فاحتفر عدي نهراً يقال له: نهر عدي إلى اليوم. توفي عدي بن عدي الكندي سنة عشرين ومئة. عدي بن عميرة بن فروة بن زرارة ابن الأرقم ابن نعمان بن عمرو بن وهب بن ربيعة بن معاوية الأكرمين بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن كندة وهو ثور بن عفير بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد أبو زرارة الكندي الأرقمي. وفد على سيدنا رسول الله ﷺ وحدث عنه، ووفد على معاوية. حدث عدي بن عميرة: أن امرأ القيس بن عابس الكندي خاصم إلى رسول الله ﷺ رجلاً من حضرموت في

стр. 5714

أرض، فسأل رسول الله ﷺ الحضرمي البينة، فلم يكن له بينة، فقضى علىامرئ القيس باليمن، فقال الحضرمي: أمكنته يا رسول الله ﷺ من اليمن، ذهبت والله أرضي، فقال رسول الله ﷺ : من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أخيه لقي الله يوم يلقاه وهو عليه غضبان. قال: وقال رجاء: وتلا رسول الله ﷺ " إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانه ثمناً قليلاً " إلى آخر الآية. فقال امرؤ القيس: يا رسول الله، فماذا لمن تركها؟ قال: له الجنة. قال: فإني أشهدك أني قد تركتها. وعن عدي بن عميرة قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: من استعملناه منكم على عملنا فكتمنا منه مخيطاً فما فوقه كان غلولاُ يأتي به يوم القيامة. قال: فقام إليه رجل أسود من الأنصار كأني أنظر إليه، فقال: يا رسول الله، اقبل عني عملك. قال: ومالك؟ قال: سمعتك تقول كذا وكذا. قال: وأنا أقوله الآن: من استعملناه منكم على عمل، فليجئ بقليله وكثيره، فما أمر منه أخذ، وما نهي عنه انتهى. قال محمد بن سعد في الطبقة الرابعة: عدي بن عميرة بن فروة بن زرارة بن الأرقم، وبنو الأرقم بطن لهم مسجد بالكوفة، لما قدم علي بن أبي طالب ﵇ الكوفة جعل أصحابه يتناولون عثمان، فقالت بنو الأرقم: لا نقيم ببلد يشتم فيه عثمان. فخرجوا إلى الجزيرة إلى الرها، وخرج معهم من ولدوا من كندة، فخرج بنو أحمر بن عمرو وبعض بني الحارث بن عدي، وبنو الأحزم من بني حجر بن وهب بن ربيعة، فقدموا على معاوية بن أبي سفيان، فحمد

стр. 5715

معاوية الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أهل الشام هذا حي عظيم من كندة قدموا علي، ناقمين على علي بن أبي طالب ﵇ وكان إذا قدم عليه أهل العراق أنزلهم الجزيرة مخافة أن يفسدوا أهل الشام، فأنزلهم نصيبين. فأنزلهم الرها، وأقطعهم قطائع، ثم كتب إليهم: إني أتخوف عليكم عقارب نصيبين. فأنزلهم الرها وأقطعهم بها قطائع، وشهدوا صفين مع معاوية، فضرب عدي بن عميرة يومئذ على يده، وكان آخر من خرج إليهم من الكوفة العرس بن قيس بن سعيد بن الأرقم، فولي ولايات، وولي الجزيرة، وعدي بن عدي بن عميرة، كان ناسكاً فقيهاً. قال ابن أبي خثيمة: بلغني أن عدي بن عميرة هرب من علي بن أبي طالب ﵇ فنزل الحيرة ومات بها. عدي بن الفصيل وقيل: ابن الفضل الفصيل: بفتح الفاء وكسر الصاد المهملة. قال: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب بخناصرة وهو يقول: يا أيها الناس، إنه إن يك لأحد رزق في رأس جبل أو حضيض أرض يأته قبل موته، فأجملوا في الطلب. كان عدي بن الفصيل ثقة. عدي بن كعب بعثه أبو بكر الصديق ﵁ رسولاً إلى ملك الروم مع عبادة بن الصامت وغيره، فقدموا دمشق. قال عبادة بن الصامت: بعثني أبو بكر إلى ملك الروم، يدعوه إلى الإسلام ويرغبه فيه، ومعي عمرو بن

стр. 5716

العاص، وهشام بن العاص، وعدي بن كعب، ونعيم بن عبد الله بن النحام، فقدمنا على جبلة بن الأيهم دمشق، فأدخلنا على ملكهم بها الرومي، فإذا هو على فرش له مع الأسقف، فأجلسنا وبعث إلينا رسوله، وسألنا أن نكلمه، فقلنا: لا والله لا نكلمه برسول بيننا وبينه، فإن كان في كلامنا حاجة فليقربنا منه. فأمر بسلم فوضع ونزل إلى فرش له في الأرض، فقربنا، فإذا هو عليه ثياب سود مسوح، فقال له هشام بن العاص: ما هذه المسوح التي عليك؟ قال: لبستها ناذراً أن لا أنزعها حتى أخرجكم من الشام. فقلنا: بل نملك مجلسك وبعده ملككم الأعظم، فوالله لنأخذنه إن شاء الله، فإنه قد أخبرنا بذلك نبينا ﷺ الصادق البار. قال: إذاً أنتم السمراء. قلنا: وما السمراء؟ قال: لستم بها. قلنا: ومن هم؟ قال: الذين يقومون الليل ويصومون النهار. قال: فقلنا: نحن والله هم. قال: فقال: وكيف صومكم وصلاتكم وحالكم؟ فوصفنا له أمرنا، فنظر إلى أصحابه وراطنهم، وقال لنا: ارتفعوا. ثم علا وجهه سواد حتى كأنه قطعة مسح من شدة سواده، وبعث معنا رسلاً إلى ملكهم الأعظم بالقسطنطينية. فخرجنا إلى مدينتهم ونحن على رواحلنا، علينا العمائم والسيوف، فقال لنا الذين معنا: إن دوابكم هذه لا تدخل مدينة الملك، فإن شئتم جئنا ببراذين وبغال؟ قلنا: لا والله، لا ندخلها إلا على رواحلنا فبعثوا إليه يستأذنونه فأرسل إليهم أن خلوا سبيلهم ودخلنا على رواحلنا حتى انتهينا إلى غرفة مفتوحة الباب، فإذا هو فيها جالس ينظر، قال: فأنخنا تحتها ثم قلنا: لا إله إلا الله والله أكبر. فيعلم الله لانتفضت حتى كأنها نخلة يصفقها الريح، فبعث إلينا رسولاً: إن هذا ليس لكم أن تجهزوا بدينكم في بلادنا

стр. 5717

وإمرتنا فأدخلنا عليه، وإذا هو مع بطارقته وعليه ثياب حمر، وفرشه وما حواليه أحمر، وإذا رجل فصيح بالعربية يكتب، فأومى إلينا، فجلسنا ناحية، فقال لنا وهو يضحك: ما منعكم أن تحيوني بتحيتكم فيما بينكم؟ فقلنا: نرغب بها عنك، وأما تحيتك التي لا ترضى إلا بها لا يحل لنا أن نحييك بها. قال: وما تحيتكم فيما بينكم؟ قلنا: السلام. قال: فما كنتم تحيون به نبيكم؟ قلنا: بها. قال: فما كان تحيته هو؟ قلنا: بها. قال: فيم تحيون ملككم اليوم؟ قلنا: بها. قال: فيم يحييكم؟ قلنا: بها. قال: فما نبيكم يرث منكم؟ قلنا: ما يرث إلا ذا قرابة. قال: وكذلك ملككم اليوم؟ قلنا: نعم. قال: فما أعظم كلامكم عندكم؟ قلنا: لا إله إلا الله. قال: فيعلم الله لا نتفض حتى كأنه طير ذو ريش من حسن ثيابه، ثم فتح عينيه في وجوهنا وقال: هذه الكلمة التي قلتموها حين نزلتم تحت غرفتي؟ قلنا: نعم: كذلك إذا قلتموها في بيوتكم انتفضت لها سقوفكم؟ قلنا: والله ما رأيناها صنعت هذا قط إلا عندك، وما ذاك إلا لأمر أراده الله تعالى. قال: ما أحسن الصدق! أما والله لوددت أني خرجت من نصف ما أملك وأنكم لا تقولونها على شيء إلا انتفض لها. قلنا: ولم ذاك؟ قال: ذاك أيسر لشأنها وأخرى أن لا يكون من النبوة، وأن يكون من حيل بني آدم. قال: فماذا تقولون إذا فتحتم المدائن والحصون؟ قلنا: نقول: لا إله إلا الله والله أكبر، قال: تقولون: لا إله إلا الله والله أكبر، ليس غيره شيء؟ قلنا: نعم. قال: تقولون: الله أكبر، هو أكبر من كل شيء؟ قلنا: نعم. قال: فنظر إلى أصحابه، فراطنهم ثم أقبل علينا فقال: أتدرون ما قلت لهم؟ قلت: ما أشد اختلاطهم؟ فأمر لنا بمنزل وأجرى لنا نزلاً، فأقمنا في منزلنا تأتينا ألطافه غدوة وعشية، ثم بعث إلينا فدخلنا عليه ليلاً وحده ليس معه أحد، فاستعادنا الكلام فأعدناه

стр. 5718

عليه ثم دعا بشيء كهيئة الربعة ضخمة مذهبة، فوضعها بين يديه ثم فتحها، فإذا فيها بيوت صغار عليها أبواب، ففتح بيتاً واستخرج خرقة حرير سوداء، فنشرها فإذا فيها صورة حمراء، وإذا رجل ضخم العينين عظيم الأليتين لم ير مثل طول عنقه في مثل جسده، أكثر الناس شعراً، فقال لنا: أتدرون من هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا آدم ﷺ . ثم أعاده وفتح بيتاً آخر، فاستخرج منه خرقة حرير سوداء، فنشرها فإذا فيها صورة بيضاء، وإذا رجل له شعر القبط قبل، ضخم العينين، بعيد ما بين المنكبين، عظيم الهامة، فقال: تدرون من هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا نوح ﷺ . ثم أعادها في مواضعها، وفتح بيتاً آخر فاستخرج منه خرقة حرير خضراء، فإذا فيها صورة شديدة البياض، وإذا رجل حسن الوجه حسن العينين، شارع الأنف، سهل الخدين، أشيب الرأس، أبيض اللحية، كأنه حي يتنفس، فقال: تدرون من هذا؟ قلنا: لا. قال: إبراهيم. ثم أعادها وفتح بيتاً آخر، فاستخرج منه خرقة حرير خضراء، فإذا فيها صورة محمد ﷺ فقال: تدرون من هذا؟ قلنا: هذا محمد ﷺ ، وبكينا. فقال: بدينكم إنه محمد؟ قلنا: نعم، بديننا إنها صورته، كأنما ننظر في وجوهنا فقال: أما إنه كان آخر البيوت، ولكني عجلته لأنظر ما عندكم. فأعاده وفتح بيتاً آخر، فاستخرج منه خرقة حرير خضراء، فإذا فيها صورة رجل جعد أبيض قطط، غائر العينين، حديد النظر، عابس، متراكب الأسنان، مقاص الشفة، كأنه من رجال أهل البادية، فقال: تدرون من هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا موسى وإلى جانبه صورة شبيهة به، رجل مدور الرأس، عريض الجبين، بعينه قبل، قال: تدرون من هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا هارون. وفتح بيتاً آخر فاستخرج منه خرقة حرير خضراء، فنشرها وإذا فيها صورة بيضاء، وإذا رجل شبه المرأة ذو عجيزة وساقين، قال: تدرون من هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا داود.

стр. 5719

فأعادها وفتح بيتاً آخر فاستخرج منه خرقة حرير خضراء، فيها صورة بيضاء، فإذا رجل أوقص، قصير الظهر، طويل الرجلين، على فرس، لكل شيء منه جناح، فقال: تدرون من هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا سليمان وهذه الريح تحمله. ثم أعادها، وفتح بيتاً آخر فيه حريرة خضراء، فنشرها فإذا فيها صورة بيضاء، وإذا رجل شاب حسن الوجه، حسن العينين، شديد سواد اللحية، يشبه بعضه بعضاً، فقال: تدرون من هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا عيسى بن مريم. فأعادها وأطبق الربعة. نا: لا. قال: هذا داود. فأعادها وفتح بيتاً آخر فاستخرج منه خرقة حرير خضراء، فيها صورة بيضاء، فإذا رجل أوقص، قصير الظهر، طويل الرجلين، على فرس، لكل شيء منه جناح، فقال: تدرون من هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا سليمان وهذه الريح تحمله. ثم أعادها، وفتح بيتاً آخر فيه حريرة خضراء، فنشرها فإذا فيها صورة بيضاء، وإذا رجل شاب حسن الوجه، حسن العينين، شديد سواد اللحية، يشبه بعضه بعضاً، فقال: تدرون من هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا عيسى بن مريم. فأعادها وأطبق الربعة. قال: قلنا: أخبرنا عن قصة الصور ما حالها؟ فإنا نعلم أنها تشبه الذين صورت صورهم، فإنا رأينا نبينا ﷺ يشبه صورته، قال: أخبرت أن آدم سأل ربه أن يريه أنبياء نبيه فأنزل عليهم صورهم فاستخرجها ذو القرنين من خزانة آدم ﵇ في مغرب الشمس، فصورها لنا دانيال في خرق الحرير على تلك الصور، فهي هذه بعينها، أما والله لوددت أن نفسي طابت بالخروج من ملكي فبايعتكم على دينكم، وأن أكون عبداً لأسوئكم ملكة، ولكن نفسي لا تطيب، فأجازنا فأحسن جوائزنا، وبعث معنا من يخرجنا إلى مأمننا، فانصرفنا إلى رحالنا.

стр. 5720

عدي بن يعقوب بن إسحاق بن تمام أبو حاتم الطائي. حدث عن جده لأمه محمد بن يزيد بن عبد الصمد بسنده إلى أبي هريرة قال: مر رسول الله ﷺ بجماعة فقال: ما هذه الجماعة؟ قالوا: مجنون. قال: ليس بالمجنون، ولكنه مصاب، إنما المجنون المقيم على معصية الله . عرار بن عمرو بن شاش ابن أبي بلي واسمه عبيد بن ثعلبة بن ذؤيبة بن مالك بن الحارث بن سعد بن ثعلبة بن دودان ابن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر الأسدي الكوفي. وفد على عبد الملك بن مروان من عند الحجاج. ذكره أبوه عمرو بن شأس في شعره يعاتب امرأته أم حسان في أمر عرار، وكانت تؤذيه. قال أبو أحمد العسكري: عرار: بكسر العين المهملة وراءين غير معجمتين. كتب الحجاج كتاباً إلى عبد الملك بن مروان يصف له فيه أمر العراق وما ألفاهم عليه من الاختلاف، وما أنكره عليهم وعرفوه، وما يحتاجونإليه من التقويم والتأديب، ويستأذنه في أن يودع قلوبهم من الرغبة والرهبة ما يخفون معه إلى طاعة السلطان. ودعا برجل من أصحابه كان يأنس به فقال له: لا يصلن هذا الكتاب إلا من يدك إلى يده، فإذا فضه فخبره عليه، ففعل الرجل ذلك، فجعل عبد الملك كلما شك في شيء استنشأ الخبر من الرجل فيجده أبلغ من الكتاب فقال: من الطويل وإن عراراً إن يكن غير واضح ... فإني أحب الجون ذا المنطق العمم

стр. 5721

فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، أتدري من يخاطبك؟ قال: لا. قال: أنا عرار، وهذا الشعر لأبي، وذلك أن أمي ماتت وأنا مرضع، فتزوج أبي امرأة فكانت تسيء ولايتي، فقال أبي من أبيات: فإن كنت مني أو تريدين شيمتي ... فكوني له كالسمن ربت به الأدم وإلا فسيري مثل ما سار راكب ... تيم خمساً ليس في سيره أمم أردت عراراًبا لهوان ومن يرد ... عراراً لعمري بالهوان فقد ظلم وإن عراراً يكن غير واضح ... فإني أحب الجون ذا المنطق العمم فقال عبد الملك: لله أنتم آل مروان، إنكم لتضعون الهناء موضع النقب. وقال ابن سلام: لما قتل الحجاج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بعث برأسه مع عرار بن عمرو، فلما ورد به، وأوصل كتاب الحجاج، فرآه عبد الملك، فكلما شك في شيء سأل عراراً عنه فأخبره، فعجب عبد الملك من بيانه وفصاحته مع سواده، فقال متمثلاً: وإن عراراً إن يكن غير واضح ... فإني أحب الجون ذا المنكب العمم فضحك عرار من قوله ضحكاً غاظ عبد الملك، فقال له: مم ضحكت ويحك!؟ قال: أتعرف عراراً يا أمير المؤمنين الذي قيل فيه هذا الشعر؟ قال: لا. قال:

стр. 5722

فأنا والله هو. فضحك عبد الملك ثم قال: خط وافق كلمة. وأحسن جائزته وسرحه. عراك بن خالد بن يزيد بن صالح ابن صبيح، أبو الضحاك المري الدمشقي حدث عن أبيه بسنده إلى عبادة بن الصامت قلب: أتي رسول الله ﷺ وهو قاعد في ظل الحطيم بمكة فقيل: يا رسول الله، أتي على عامل أبي فلان بسيف البحر فذهب به، فقال رسول الله ﷺ : " ما تلف مال في بر ولا بحر إلا بمنع الزكاة، فحرزوا أموالكم بالزكاة، وداوو مرضاكم بالصدقة، وادفعوا عنكم طوارق البلاء بالدعاء، فإن الدعاء ينفع مما نزل ومما ينزل، ما نزل يكشفه، وما لم ينزل يحبسه ". وعن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ كان يقول: " إن الله إذا أراد بقوم بقاء أو نماء، رزقهم السماحة والعفاف، وإذا أراد بقوم اقتطاعاً فتح عليهم باب خيانة. ثم نزع " حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ". وحدث عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن عكرمة ابن عباس قال: لما عزي رسول الله ﷺ بابنته رقية امرأة عثمان بن عفان قال: الحمد لله، دفن البنات من المكرمات.

стр. 5723

عراك بن مالك الغفاري المديني قدم على عمر بن عبد العزيز. حدث عن أبي هريرة: أن رسول الله نهى عن أربع نسوة أن يجمع بينهن: المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها. وحدث عن أبي سلمة عن عائشة قالت: صلى رسول الله ﷺ العشاء، ثم صلى ثمان ركعات قائماً وركعتين جالساً وركعتين بين النداءين، ولم يدعهما أبداً. قال رجاء بن أبي سلمة: أتي عمر بن عبد العزيز يوماً بتمر فقال: كأن هذا من تمر المدينة سقياً للمدينة وكان يحبها فقال له عراك بن مالك: يا أمير المؤمنين، لو سرت حتى تنزلها فإن بيت عائشة موضع قبر، فإن أصابك قدرك دفنت فيه. فقال: ويحك يا عراك! ما كان من عذاب يعذب الله به أحد من خلقه إلا وأنا أحب أن يصيبني من قبل أن يعلم الله أن منزلتي بلغت في نفسي أن أراها لذلك أهلاً. توفي عراك بالمدينة زمن يزيد بن عبد الملك، وكان ثقة من خيار التابعين، وكان شامياً. قال عمر بن عبد العزيز: ما رأيت صلاة من عراك بن مالك، كان يقرأ في كل ركعة عشر آيات. قال أبو الغصن: رأيت عراك بن مالك يصوم الدهر.

стр. 5724

سأل عراك بن مالك عمر بن عبد العزيز أرضاً بالبلقاء، قال: لضيفي ومن غشيني بما فيها من حق. فقال له عمر: إنك لتعلم منها مثل ما أعلم، إياي تخادعون، خذها بذلها وصغارها. قال عراك: والله ما خادعتك. قال المنذر بن عبد الله الحزامي: كان عراك بن مالك من أشد أصحاب عمر بن عبد العزيز على بني مروان في انتزاع ما حازوا من الفيء والمظالم من أيديهم، فلما ولي يزيد بن عبد الملك ولى عبد الواحد بن عبد الله النصري المدينة، فقرب عراكاً، وقال: صاحب الرجل الصالح. وكان لا يقطع أمراً دونه، وكان يجلس معه على سريره، فبينا هو يوماً معه إذ أتاه كتاب يزيد أن ابعث مع عراك حرسياً حتى ينزله دهلك، وخذ من عراك حمولته. فقال لحرسي وعراك معه على السرير: خذ بيد عراك فابتع من ماله راحله ثم توجه إلى دهلك حتى تقدة فيها ففعل ذلك الحدسي وكان عراك يغدو بأمه إلى المسجد فتصلي فيه الصلوات، ثم ينصرف بها، فما تركه الحرسي يصل إليها. وكان أبو بكر بن حزم نفى الأحوص إلى دهلك في إمرة سليمان بن عبد الملك، فلما ولي يزيد أرسل إلى الأحوص، فأقدمه عليه، فمدحه الأحوص، فأكرمه، قال: فأهل دهلك يأثرون الشعر عن الأحوص والفقه عن عراك. وقيل: إن أهل دهلك كانوا يقولون: جزى الله عنا يزيد خيراً، كان عمر قد نفى إلينا رجلاً علم أولادنا الباطل، وإن يزيد أخرج إلينا رجلاً علمنا الله على يديه الخير. وكان استخلاف يزيد سنة إحدى ومئة بعد موت عمر بن عبد العزيز، ومكث في الخلافة أربع سنين وشيئاً.

стр. 5725

عرباض بن سارية السلمي صاحب سيدنا رسول الله ﷺ ، من أهل الصفة، سكن حمص، وكان العرباض أحد البكائين الذين نزل فيهم " ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم "، وقدم دمشق. حدث عرباض بن سارية قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يوماً فوعظ الناس ورغبهم وحذرهم وقال ما شاء الله أن يقول، ثم قال: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وأطيعوا من ولاة الله أمركم، ولا تنازعوا الأمر أهله، ولو كان عبداً أسود أجدع، وعليكم بما تعرفون، وسنة نبيكم ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ. حدث عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر قالا: أتينا العرباض بن سارية وهو ممن نزل فيه " ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه ". فسلمنا وقلنا: أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين، فقال عرباض: صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. قال العرباض بن سارية: دخلت مسجد دمشق فصليت فيه ركعتين وقلت: اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، فاقبضني إليك. وإلى جنبي شاب لم أر أجمل منه عليه دواج أخضر، فقال لي:

стр. 5726

ما هذا الذي تقول؟ قلت: فكيف أقول؟ قال: قل اللهم حسن العمل وبلغ الأجل، قلت: من أنت؟ قال: أنا ربائيل الذي يسلي الحزن من صدور المؤمنين. ثم التفت فلم أر أحداً. قال أبو عمر محمد بن عبد الواحد: العرباض: الطويل من الناس وغيرهم، الجلد المخاصم من الناس، وهو مدح، والسارية الأسطوانة، وسئل عن العرباض بن سارية. قال خليفة بن خياط: العرباض بن سارية من بني سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان، وكنيته أبو نجيح، مات في فتنة ابن الزبير وقيل: سنة خمس وسبعين. قال محمد بن عوف: كل واحد من عمرو بن عبسة والعرباض بن سارية يقول: أنا ربع الإسلام، لا يدرى أيهما أسلم قبل صاحبه. قال العرباض بن سارية: كان النبي ﷺ يخرج إلينا يوم الجمعة في الصفة وعلينا الحوتكية، فيقول لنا: لو تعلمون ما ذخر لكم ما حزنتم على ما زوي عنكم، ولتفتحن فارس والروم. قال شريح بن عبيد: كان عتبة بن عبد يقول: عرباض خير مني، وعرباض يقول: عتبة خير مني سبقني إلى النبي ﷺ بسنة.

стр. 5727

قال عرباض بن سارية: كنت ألزم باب رسول الله ﷺ في الحضر والسفر، فرأينا ليلة ونحن بتبوك وذهبنا لحاجة، فرجعنا إلى منزل رسول الله ﷺ ، وقد تعشى ومن عنده من أضيافه ورسول الله ﷺ يريد أن يدخل في قبته ومعه زوجته أم سلمة بنت أبي أمية، فلما طلعت عليه قال: أين كنت منذ الليلة؟ فأخبرته، فطلع جعال ابن سراقة وعبد الله بن مغفل المزني، فكنا ثلاثة، كلنا جائع، إنما نعيش بباب النبي ﷺ ، فدخل رسول الله ﷺ البيت، فطلب شيئاً نأكله، فلم يجده، فخرج إلينا فنادى بلالاً: يا بلال، هل من عشاء لهؤلاء النفر؟ قال: لا والذي بعثك بالحق، لقد نفضنا جربنا وحميتنا. قال: انظر عسى أن تجد شيئاً. فأخذ الجرب ينفضها جراباً جراباً، فتقع التمرة والتمرتان، حتى رأيت بين يديه سبع تمرات، ثم دعا بصحفة، فوضع فيها التمر، ثم وضع يده على التمرات وسمى الله وقال: كلوا باسم الله. فأكلنا، فأحصيت أربعة وخمسين تمرة أكلتها، أعدها ونواها في يدي الأخرى، وصاحباي يصنعان ما أصنع، وشبعنا وأكل كل واحد منهما خمسين تمرة، ورفعنا أيدينا فإذا التمرات السبع كما هي، فقال: يا بلال، ارفعها في جرابك، فإنه لا يأكل منها أحد إلا نهل شبعاً. قال: فبتنا حول قبة رسول الله ﷺ ، فكان يتهجد من الليل، فقام تلك الليلة يصلي، فلما طلع الفجر ركع ركعتي الفجر، وأذن بلال وأقام، فصلى رسول الله ﷺ بالناس ثم انصرف إلى فناء قتبه، فجلس وجلسنا حوله، فقرأ من " المؤمنين " عشرة، فقال: هل لكم في الغداء؟ قال عرباض بن سارية: فجعلت أقول في نفسي: أي غداء؟! فدعا بلال بالتمرات، فوضع يده عليه في الصفحة ثم قال: كلوا بسم الله. فأكلنا

стр. 5728

والذي بعثه بالحق حتى شبعنا وإنا لعشرة، ثم رفعوا أيديهم منها شبعاً، وإذا التمرات كما هي، فقال رسول الله ﷺ : لولا أني أستحي من ربي لأكلنا من هذه التمرات حتى نرد المدينة من آخرنا، وطلع غليم من أهل البلد فأخذ رسول الله ﷺ التمرات بيده فدفعها إليه فولى الغلام يلوكهن. أعطى معاوية المقداد حماراً من المغنم فقال له العرباض بن سارية: ما كان لك أن تأخذه، وما كان لمعاوية أن يعطيكه، كأني بك في النار تحمله على عنقك أسفله أعلاه. فرده. كان العرباض بن سارية يقول: لولا أن يقال: فعل أبو نجيح لألحقت مالي سبله، ثم لحقت وادياً من أودية لبنان فعبدت الله حتى أموت. وعن عرباض بن سارية: أنه أوصى فقال: ألحدوا لي لحداً، وسنوا علي التراب سناً، ولا تجعلوه ضريحاً. عروة بن أذينة وهو لقب واسم أذينة، يحيى بن مالك بن الحارث بن عمرو بن عبد الله بن رجل بن يعمر الشداح بن عوف بن كعب بن عامر أبو عامر الليثي. شاعر من أهل الحجاز، وفد على هشام بن عبد الملك. وفي نسبه اختلاف. قال عروة بن أذينة: خرجت مع جدة لي عليها مشي إلى البيت، حتى إذا كنا ببعض الطريق، فأرسلت مولى لها يسأل عبد الله بن عمر، قال: فخرجت معه نسأله، فقال عبد الله: مرها

стр. 5729

فلتركب، ثم لتمشي من حيث عجزت. قال مالك: ونرى مع ذلك عليها الهدي. وعروة شاعر مكثر فصيح، مأمون على ما روى من المسند وغيره، ولحق بالدولة العباسية بعد سن عالية. قال غاضرة بن حاتم: وفد عروة بن أذينة على هشام بن عبد الملك، فلما دخل إليه شكا خلة وديناً، فقال هشام: ألست القائل: من البسيط: لقد علمت وما الإشراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني أسعى إليه فيعنيني تطلبه ... ولو جلست أتاني لا يعنيني وما اشتريت بمال قط محمدة ... إلا تيقنت أني غير مغبون ولا دعيت إلى مجد ولا كرم ... إلا أجبت إليه من يناديني

стр. 5730

ثم قد جئت من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق، فقال عروة: وعظت يا أمير المؤمنين فأبلغت. وخرج إلى راحلته، فركبها ثم وجهها نحو الحجاز، فمكث هشام يومه، فلما كان في الليل ذكره فقال: رجل من قريش وفد إلي، فجبهته ورددته عن حاجته، وهو مع ذا شاعر، ولا آمن يقول في ما يبقى ذكره! فلما أصبح دعا مولاه فدفع إليه ألفي دينار وقال: الحق بهذه ابن أذينة. قال المولى: فخرجت إلى المدينة فقرعت عليه الباب، فخرج إلي فأعطيته المال فقال: أبلغ أمير المؤمنين السلام، وقل له: كيف رأيت قولي؟ سعيت فأكذبت، ورجعت إلى منزلي فأتاني، ولكني قد قلت: من الكامل: شاد الملوك قصورهم وتحصنوا ... من كل طالب حاجة أو راغب فإذا تلطف للدخول عليهم ... عاف تلقوه بوعد كاذب فارغب إلى ملك الملوك ولا تكن ... يا ذا الضراعة طالباً من طالب فأقسم بالله لا سألت أحد حاجة حتى ألقى الله. فكان ربما سقط سرطه فينزل عن فرسه ويأخذه ولا يسأل أحداً أن يناوله إياه. مرت سكينة بعروة بن أذينة فقالت: يا أبا عامر، أنت الذي تقول: من البسيط: يا نظرة لي ضرت يوم ذي سلم ... حتى لي هذا الضر في نظري قالت وأبثثتها سري فبحت به ... قد كنت عندي تحب الستر فاستتر ألست تبصر من حولي فقلت لها ... غطى هواك وما ألقى على بصري وأنت القائل: من البسيط: إذا وجدت أذى للحب في كبدي ... أقبلت نحو سقاء القوم أيترد هذا بردت ببرد الماء ظاهرة ... فمن لحر على الأحشاء يتقد

стр. 5731

قالت: هن حرائر وأشارت إلى جواريها إن كان هذا خرج من قلب سليم. قال عروة بن عبيد الله بن عروة بن الزبير: كان عروة بن أذينة نازلاً مع أبي في قصر عروة بن الزبير بالعقيق فسمعه ينشد نفسه: من الكامل: إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها فيك الذي زعمت بها فكلاكما ... أبدى لخلته الصبابة كلها ولعمرها لو كان حبك فوقها ... يوماً وقد حجبت إذا لأظلها وإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضمير لها إليك فسلها بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقة فأدقها وأجلها لما عرضت مسلماً لي حاجة ... أخشى صعوبتها وأرجو ذلها حجبت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها فدنا فقال: لعلها معذورة ... في بعض رقبتها، فقلت: لعلها قال عروة: فجاءني أبو السائب يوماً بالعقيق، فقلت له بعد الترحيب به: ألك حاجة؟ قال: أبيات لعروة بن أذينة بلغني أنك سمعتها منه، قلت: أي أبيات؟ قال: وهل يخفى القمر؟! إن التي زعمت فؤادك ملها فأنشدته إياها فقال: ما يروي هذه إلا أهل المعرفة والعقل، هذا والله الصادق الود، الدائم العهد، لا الهذلي الذي يقول: من الكامل:

стр. 5732

إن كان أهلك يمنعونك رغبة ... عني فأهلي بي أضن وأرغب لقد عدا الأعرابي طوره، وإني لأرجو أن يغفر الله لصاحبه في حسن الظن بها، وطلب العذر لها، ودعوت له بطعام، فقال: لا والله حتى أروي هذه الأبيات، فلما رواها وثب فقلت: كما أنت حتى تأكل. فقال: ما كنت لأخلط بمحبتي لها وأخذي إياها غيرها. وانصرف. قال عروة بن أذينة الشاعر: عجبت لمن علم أنه يموت كيف لا يموت! كان عروة بن أذينة إذا نام الناس بالبصرة خرج فنادى في سككها: يا أهل البصرة، الصلاة الصلاة ثم يتلو " أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون ". عروة بن الجعد ويقال: ابن أبي الجعد الأزدي ثم البارقي الكوفي. وبارق: جبل نزل عنده بعض الأزد فنسبوا إليه. ولعروة صحبة، روى عن سيدنا رسول الله ﷺ أحاديث، وقدم دمشق في جملة من سير من أهل الكوفة في خلافة عثمان بن عفان. حدث عروة قال: قال رسول الله ﷺ : " الخيل معقود بنواصيها الخير، والأجر والمغنم يوم القيامة ". وعن عروة بن الجعد قال: أعطاني رسول الله ﷺ ديناراً فقال: اشترلنا به شاة. قال: فانطلقت فاشتريت شاتين بدينار، فلقيني رجل في الطريق فساومني بشاة، فبعتها بدينار، فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، هذا ديناركم وهذه شاتكم. قال: فقال له النبي ﷺ : وصنعت

стр. 5733

كيف؟ قال: فأخبرته، فقال: اللهم بارك له في صفقة يمينه. قال: فقال: إني لأقوم في الكناسة بالكوفة، فما أرجع إلى أهلي حتى أربح أربعين ألفاً. وبارق: سعد بن عدي بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث. ونزل عروة بن الجعد الكوفة وولي القضاء بها، وأتى المدائن، ثم انتقل إلى براز الروز على مرحلة من النهروان، وأقام بها مرابطاً، وكان له فيها أفراس، منها فرس أخذه بعشرين ألف درهم. قال الشعبي: أول من قضى على الكوفة عروة بن الجعد البارقي وقيل: ابن مسعود، وقيل: سلمان بن ربيعة، وقيل: وليها شريح قبل عروة. وكان عروة قاضياً، فكتب إلى عمر في عين الدابة، فكتب إليه عمر: إنا كنا نقضي فيها كما نقضي في عين الإنسان، ثم اجتمع رأينا أن نجعلها الربع. قال شبيب بن غرقدة: رأيت في دار عروة سبعين فرساً مربوطة. عروة بن حزام بن مهاصر ويقال: ابن حزام بن مالك، أبو سعيد العذري أحد بني ضنة بن عبد بن كبير بن عذرة. شاعر حجازي مشهور، كان يشبب بابنة عمه عفراء بنت مهاصر بن مالك، ويقال: بنت عقال ابن مهاصر، وكان أهلها خرجوا من الحجاز إلى الشام فتبعهم، وقد ذكر كونه ببصرى في أبيات: من الطويل:

стр. 5734

لعمري إني يوم بصرى وناقتي ... لمختلفا الأهواء مصطحبان متى تحملي شوقي وشوقك تظلعي ... ومالك بالحمل الثقيل يدان جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف حجر إن هما شفياني فما تركا من حيلة يعلمانها ... ولا رقية إلا وقد رقياني وقالا: شفاك الله، والله ما لنا ... بما حملت منك الضلوع يدان كأن قطاة علقت بجناحها ... على كبدي من شدة الخفقان وحزام: بكسر الحاء المهملة، وزاي معجمة. وعروة هذا قتيل الحب. ولما احتمل زوج عفراء إلى البلقاء، كان عروة بن حزام يأتي مواضع أبياتها وأعطان إبلها، فيلصق صدره بترابها، فيقال له: يا هذا، اتق الله في نفسك. فيقول: إليكم عني وينشد: من الطويل: بي اليأس أو داء الهيام شربته ... فإياك عني لا يكن بك ما بيا فما زادني الناهون إلا صبابة ... ولا كثرة الواشين إلا تماديا قالوا: ورآه شيخ منهم فقال له: مه يا بن أخ، فما فعل هذا منا أحد إلا هلك. فقال: يا عم، إني لمكروب، وإني لأجد حراً على كبدي، فما زال به الحب حتى هلك، فبلغ ذلك معاوية بن أبي سفيان فقال: لو علمنا بهذين الكريمين لجمعنا بينهما. قال ابن أبي عتيق: إني لأسير في أرض عذرة، إذا أنا بامرأة تحمل غلاماً خدلاً، ليس مثله يتورك،

стр. 5735

فعجبت لذلك، فتقبل به، فإذا برجل له لحية! قال: فدعوتها، فجاءت، فقلت: ما هذا ويحك؟ فقالت: أسمعت بعروة بن حزام قلت: نعم. قالت: هذا عروة بن حزام فقلت له: أنت عروة؟! فكلمني وعيناه تدوران في رأسه، وقال: نعم أنا الذي أقول: جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف نجد إن هما شفياني فلهفي على عفراء لهف كأنه ... على النحر والأحشاء حد سنان فعفراء أحظى الناس عندي ... وعفراء عني المعرض المتواني قال: ثم ذهبت، فما برحت ممر الماء حتى سمعت الصيحة، وقالوا: مات عروة بن حزام. قال النعمان بن بشير: استعملني عمر بن الخطاب أو قال عثمان على الصدقات سعد هذيم وعذرة وسلامان وضنة والحارث، وهم قضاعة، فلما قبضت الصدقة وقسمتها بين أهلها، وأقبلت بالسهمين الباقيين إلى عمر أو عثمان فلما كنت بعد ذلك في أيام يزيد، ببلاد عذرة في حي منهم يقال لهم: بنو هند، إذا أنا ببيت حريد، منفرد عن الحي، جاحش عن الحي، فملت إليه فإذا عجوز جالسة عند كسر البيت، وإذا شاب قائم في ظل البيت، فلما دنوت منه وسلمت ترنم بصوت له ضعيف: بذلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف حجر إن هما شفياني فقالا: نعم، نشفي من الداء كله ... وقاما مع العواد يبتدران نعم وبلى، قالا: متى كنت هكذا ... ليستخبراني قلت: منذ زمان

стр. 5736

فما تركا من رقية يعلمانها ... ولا سلوة إلا بها سقياني فقالا: شفاك الله، والله ما لنا ... بما حملت منك الضلوع يدان قال: ثم شهق شهقة خفيفة، فإذا هو قد مات، فقلت: أيتها العجوز، ما أظن هذا النائم بفياء بيتك إلا قد مات. فقالت: نفسه والله نفسه ثلاث مرات. فدخلني من ذلك ما لا يعلمه إلا الله، واغتممت وخفت أن يكون موته لكلامي، فلما رأت العجوز جزعي قالت: هون عليك، فإنه قد مات بأجله واستراح مما كان فيه، وقدم على رب غفور، فهل لك في استكمال الأجر، هذه الأبيات منك غير بعيد، تأتيهم فتنعاه لهم، وتسألهم حضوره. فاسترحت إلى قولها، وأتيت أبياتاً منهم على قدر ميل، فنعيته إليهم وحفظت الشعر، فجعل الرجل بعد الرجل يسترجع إذا أخبرته، فبينا أنا أدور إذا بامرأة كأنها الشمس طالعة، فقالت: أيها الناعي بفيك الكثكث، بفيك الحجر، من تنعى؟ قلت عروة بن حزام. قالت: بالذي أرسل محمداً بالحق هل مات؟ قلت: نعم. قالت ماذا فعل قبل موته؟ فأنشدتها الشعر، فما نهنهت أن قالت: من الوافر: عداني أن أزورك يا خليلي ... معاشر كلهم واش حسود أشاعوا ما سمعت من الدواهي ... وعابونا وما فيهم رشيد فأما إذ ثويت اليوم لحداً ... ودور الناس كلهم لحود فلا طابت لنا الدنيا فواقاً ... ولا لهم ولا أثرى عديد ثم مضت معي ومع القوم تصيح وتولول، فغسلناه وكفناه وصلينا عليه وقبرناه، فجاءت فأكبت على قبره. وحركت مطيتي وقدمت الشام، فدخلت على يزيد بن معاوية، فدفعت إليه

стр. 5737

الكتاب، وأخبرته بالأمر الذي قدمت له، فسألني عن أمور الناس وقال لي: هل رأيت في طريقك شيئاً تحدثني؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، رأيت عجباً من العجب، وحدثته الحديث، فاستوى جالساً ثم قال: يا محمد بن قيس، امض الساعة قبل أن تعرف ما قدمت له إلى الموضع. قال محمد بن قيس: فمررت بموضع الحي، فوجدت إلى جانبه قبراً آخر، فسألت عنه، فقيل: المرأة التي أكبت على هذا القبر لم تذق طعاماً لا شراباً ولم ترفع إلا ميتة بعد ثلاث، فجئت ببني عمه وعمها فأتيت بهم أمير المدينة فأحقهم جميعاً في شرف العطاء. كان عروة بن حزام وعفراء بنت مالك نشأ جميعاً، فعلقها علاقة الصبا، وكان يتيماً في حجر عمه حتى بلغ، وكان عروة يسأله أن يزوجه إياها، فكان يسوفه إلى أن خرج في عير أهله إلى الشام، وقدم على أبي عفراء ابن عم له من البلقاء، كان حاجاً، فخطبها فزوجه إياها فحملها. وأقبل عروة في عيره تلك، حتى إذا كان بتبوك نظر إلى رفقة مقبلة من نحو المدينة، فيها امرأة على جمل أحمر، فقال لأصحابه: والله لكأنها شمائل عفراء. فقالوا له: ويحك ما تترك ذكر عفراء على حال من الحال. فلما تبينها بقي مبهوتاً لا يحير كلاماً حتى بعد القوم فذلك قوله: من الطويل: وإني لتعروني لذكراك روعة ... لها بين جلدي والعظام دبيب وما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت حتى ما أكاد أجيب وقلت لعراف اليمامة: داوني ... فإنك إن داويتني لطبيب فما بي من سقم ولا طيف جنة ... ولكن عمي الحميري كذوب عشية لا عفراء منك بعيدة ... فتسلو ولا عفراء منك قريب

стр. 5738

ثم انصرق عروة إلى أهله، فأخذه البكاء والهلاس حتى لم يبق منه شيء فقال أناس: إنه لمسحور، وإن به جنة، وإنه لموسوس، وباحضارم من اليمامة طبيب يقال له سالم، له تابع من الجن، وهو أطب الناس، فساروا إليه وجاؤوا به، فجعل يشفيه وينشر عنه، فقال له عروة: يا هناه، هل عندك للحب من رقية؟ قال: لا والله. فانصرفوا حتى مروا بطبيب بحجر فعالجه، وصنع به مثل ذلك، فقال له عروة: ما دوائي إلا شخص مقيم بالبلقاء. فانصرفوا به وهو يقول: جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف حجر إن هما شفياني وزاد في حديث آخر: أن عروة قال لأهله: إن نظرت إلى عفراء ذهب وجعي، فخرجوا به حتى نزلوا البلقاء مستخفين، فكان لا يزال يلم بعفراء ينظر إليها، وكانت عند رجل سيد كثير المال والغاشية، فبينا عروة يوماً بسوق البلقاء إذ لقيه رجل من بني عذرة. فسأله متى قدم؟ فأخبره، فلما أمسى الرجل تعشى مع زوج عفراء، ثم قال: متى قدم هذا الكلب عليكم الذي قد فضحكم؟ قال زوج عفراء: أنت أولى بأن تكون كلباً منه، ما علمت على عروة إلا خيراً، ولا رأيت فتى في العرب أحيا منه، ولا علمت بمقدمة، ولو علمت لضممته إلى منزلي. فلما أصبح غدا يستدل عليهم حتى جاءهم، فقال لهم: أنزلتم ولم تروا أن تعلموني منزلكم، علي وعلي إن كان منزلكم عندي. فقالوا: نعم. نتحول إليك هذه الليلة أو من غد. فلما ولوا قال عروة: قد كان من الأمر ما ترين، ولئن أنتن لم تخرجن معي لأركبن رأسي، الحقوا بقومكم، فليس بي بأس. فقربوا ظهرهم فارتحلوا،

стр. 5739

ونكس فلم يزل يثقل حتى نزلوا وادي القرى. قال عروة بن الزبير: مررت بوادي القرى فقيل لي: هل لك في عروة؟ قلت: نعم. فجئته فالتفت إلى إخوانه فقال: من كان من أمهاتي باكياً أبداً ... فالآن إني أراني اليوم مقبوضاً يسمعننيه فإني غير سامعه ... إذا علوت رقاب القوم معروضا قال: فبرزن يضربن وجوههن ويمزقن ثيابهن، قال: وقمت فما وصلت إلى منزلي حتى لحقني رجل فخبرني أنه مات. أنشد الزبير لعروة بن حزام: من الطويل: وآخر عهدي من عفيراء أنها ... تدير بناناً كلهن خضيب عشية ما تقضي لي النفس حاجة ... ولم أدر إذ نوديت كيف أجيب عروة بن الحكم التميمي حدث عن يحيى بن سمرة القرشي قال: كان يقوم إلى جانب المنبر إذا صعده أبو العميطر يقول: يا أهل دمشق، ليفرضن لصبيانكم في الكتبات، وليعطين نساؤكم العشرات، هذا أمير المؤمنين علي بن عبد الله أولى بها من الغادرين الجائرين، أولي المكر، وقل يا أمير المؤمنين، فإنه ولي حباه الله بالعز

стр. 5740

والفخر. ثم يقول: هؤلاء موالي أمير المؤمنين: ابن أبي الزعيزية وأين مثل ابن أبي الزعيزية، وابن أبي ذويد، وأين مثل ابن أبي ذويد، لاكهرثمة، وإنما كان إسكافاً، ولا كالسندي وإنما كان حجاماً. عروة بن رويم أبو القاسم اللخمي من أهل الأردن، قدم الجابية، وسمع بها أنس بن مالك يحدث الخليفة. قال عروة بن رويم: كنا عند عبد الملك بن مروان حين قدم عليه أنس بن مالك، فقال له عبد الملك: حدثنا بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ، ليس بينك وبينه أحد، ليس فيه تزيد ولا نقصان، فقال أنس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الإيمان يمان إلى لخم وجذام، إلا أن الكفر وقسوة القلوب في هذين الحيين من ربيعة ومضر. وحدث عروة عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن النبي صلى اله عليه وسلم قال: لما أنزلت " إذا وقعت الواقعة " فذكر فيها " ثلة من الأولين وقليل من الآخرين " قال عمر: يا نبي الله، ثلة من الأولين وقليل منا؟ قال: فأمسك آخر السورة سنة، ثم أنزل الله ﵎ " ثلة من الأولين وثلة من الآخرين " فقال رسول الله ﷺ : يا عمر، تعال اسمع ما قد أنزل الله " ثلة من الأولين وثلة من الآخرين " ألا وإن من آدم إلي ثلة، وأمتي ثلة، ولن تستكمل ثلتنا حتى تسعين بالسودان من رعاة الإبل، ممن يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

стр. 5741

وعن عروة بن رويم أنه حدث عن الأنصاري عن النبي ﷺ أنه قال: " يكون في أمتي رجفة، يهلك فيها عشرة آلاف، وعشرون ألف، وثلاثون ألف، يجعلها الله تعالى موعظة للمتقين، ورحمة للمؤمنين، وعذاباً على الكافرين. وحدث عن الأنصاري قال: قال الله: " لأرجفن بعبادي في خير ليال، فمن قبضته فيها كافراً كانت منيته التي قدرت عليه، ومن قبضته فيها مؤمناً كانت له شهادة ". وعن عروة بن رويم قال: سمعت أبا ثعلبة الخشني يقول: قدم رسول الله ﷺ في غزاة له، فدخل المسجد، فصلى له ركعتين وكان يعجبه إذا قدم، أن يدخل المسجد فيصلي فيه ركعتين ثم خرج فأتى فاطمة ﵍، فبدأ بها قبل بيوت أزواجه، فاستقبلته فاطمة، فجعلت تقبل وجهه وعينيه وتبكي، فقال لها رسول الله ﷺ : ما يبكيك؟ قالت: أراك يا رسول الله قد شحب لونك واخلولقت ثيابك. فقال لها رسول الله ﷺ : يا فاطمة، إن الله بعث أباك بأمر لم يبق على ظهر الأرض بيت مدر ولا شعر إلا أدخله الله به عزاً أو ذلاً حتى يبلغ حيث يبلغ الليل. وعن عروة بن رويم قال: كاد المقلسون يحولون بيننا وبين جنازة عبد الملك، قوم يقلسون للوليد بن عبد الملك، ونحن نذهب بجنازة عبد الملك إلى المقابر!. توفي عروة بن رويم اللخمي سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وهودمشقي، وكان كثير الحديث، ثقة. وعن عروة بن رويم قال: ثلاثة من جاء بإحداهن زوجه الله من أي الحور العين شاء: من ولي طعماً فاتقى

стр. 5742

الله فأدى الأمانة، ومن ضرب بسيفه بين يدي كتيبة يريد ما عند الله، ومن رد غيظه وهو قادر على أن يمضيه. قال عروة بن رويم: يأتي على الناس زمان يسمى فيه الأمر بالمعروف مكلف. واختلف في وفاة عروة، فقيل: سنة خمس وعشرين ومئة، وقالوا: وهو وهم. وقيل: توفي سنة إحدى وثلاثين ومئة، وقيل: سنة خمس وثلاثين ومئة، وقيل: سنة ست وثلاثين، وقيل: سنة أربعين. ومات بذي خشب. وحمل إلى المدينة فدفن بها. وقيل: توفي سنة أربع وأربعين ومئة. /

стр. 5743

عروة بن الزبير بن العوام ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب أبو عبد الله الأسدي القرشي الفقيه المدني أمه أسماء بنت أبي بكر، وخالته عائشة أم المؤمنين وفد على معاوية بن أبي سفيان، وعلى عبد الملك بن مروان، وعلى الوليد بن عبد الملك. حدث عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الحلوى والعسل. وحدث عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : " إذا حضر الطعام أو العشاء وحضرت الصلاة فابدؤوا بالطعام ". وحدث عنها: أن النبي ﷺ كان يقبّل وهو صائم. وكان ثقة كثير الحديث فقيهاً عالماً، مأموناً ثبتاً. ولد عروة بن الزبير سنة ثلاث وعشرين في آخر خلافة عمر. وقيل: ولد لست سنين خلت من خلافة عثمان. وكان بينه وبين أخيه عبد الله بن الزبير عشرون سنة. وقيل: ولد سنة تسع وعشرين.

стр. 5744

قال عروة: كنت أتعلق بشعر كتفي أبي الزبير وهوي قول: من الرجز مباركٌ من ولد الصّديق ... أزهر من آل أبي غتيق ألذّه كما ألذّ ريقي قال عروة بن الزبير: وقفت وأنا غلام أنظر إلى الذين حضورا عثمان بن عفان، وقد مشى أحدهم على الخشبتين اللتين غرزتا ليدخل منهما إلى عثمان، فلقيه عليهما أخي عبد الله بن الزبير، فبصرته طاح قتيلاً على البلاط، فقلت لصبيانٍ معي: قتله أخي، فوثب عليّ الذين حضروا عثمان، فكشّفوني فلم يجدوني أنبت، فخلّوني. وقد روي أنه أذّن له عمر بن الخطاب. قال عروة: كنت غلاماً لي ذؤابتان، قال: فقمت أركع ركعتين بعد العصر، قال: فبصر بي عمر بن الخطاب ومعه الدّرّة، فلما رأيته فررت منه وأحضر في طلبي حتى تعلق بذؤابتي قال: فنهاني، فقلت: يا أمير المؤمنين، لا أعود. قال علقمة بن وقاص: لما خرج طلحة والزبير وعائشة بطلب دم عثمان عرضوا من معهم بذات عرق فاستصغروا عروة بن الزبير فردوه.

стр. 5745

قال عروة: رددت أنا وأبو بكر بن عبد الرحمن من الطريق يوم الجمل واستصغرنا. قال قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة: كنا في خلافة معاوية في آخرها نجتمع في حلقة في المسجد بالليل وأنا ومصعب وعروة ابنا الزبير وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الملك بن مروان وعبد الرحمن بن المسور بن مخرمة وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وكنا نتفرق بالنهار. فكنت أنا أجالس زيد بن ثابت، وزيد مترئس بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض في عهد عمر وعثمان وعلي في مقامه بالمدينة، وفي الفقه خمس سنين، حتى ولي معاوية سنة أربعين، فكان كذلك حتى توفي زيد سنة خمس وأربعين، فكنت أنا وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام نجالس أبا هريرة، وكان عروة بن الزبير يغلبنا بدخوله على عائشة. وكانت عائشة أعلم الناس، يسألها الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ . حدث هشام بن عروة عن أبيه: أنه كان يقول لنا ونحن شباب: مالكم لا تعلّمون؛ لقد هابكم سراتكم، إن تكونوا صغار قوم يوشك أن تكونوا كبارهم، وما خير للشيخ يكون شيخاً وهو جاهل، لقد رأيتني قبل موت عائشة بأربع حجج أو خمس حجج وأنا أقول: لو ماتت اليوم ما ندمت على حديث عندها إلا وقد وعيته. ولقد كان يبلغني عن الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين الحديث فآتيه فأجده قد قال، فأجلس على بابه فأسأله عنه. قال أبو الزناد: كان فقهاء المدينة أربعة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الملك بن مروان. قال الزهري: سألت ابن صغير عن شيء من الفقه، فقال: ألك بذا حاجة؟ عليك بهذا، وأشار
следующие страницы →