Полный текст (10 576 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.
стр. 5741
وعن عروة بن رويم أنه حدث عن الأنصاري عن النبي ﷺ أنه قال: " يكون في أمتي رجفة، يهلك فيها عشرة آلاف، وعشرون ألف، وثلاثون ألف، يجعلها الله تعالى موعظة للمتقين، ورحمة للمؤمنين، وعذاباً على الكافرين.
وحدث عن الأنصاري قال: قال الله: " لأرجفن بعبادي في خير ليال، فمن قبضته فيها كافراً كانت منيته التي قدرت عليه، ومن قبضته فيها مؤمناً كانت له شهادة ".
وعن عروة بن رويم قال: سمعت أبا ثعلبة الخشني يقول: قدم رسول الله ﷺ في غزاة له، فدخل المسجد، فصلى له ركعتين وكان يعجبه إذا قدم، أن يدخل المسجد فيصلي فيه ركعتين ثم خرج فأتى فاطمة ﵍، فبدأ بها قبل بيوت أزواجه، فاستقبلته فاطمة، فجعلت تقبل وجهه وعينيه وتبكي، فقال لها رسول الله ﷺ : ما يبكيك؟ قالت: أراك يا رسول الله قد شحب لونك واخلولقت ثيابك. فقال لها رسول الله ﷺ : يا فاطمة، إن الله بعث أباك بأمر لم يبق على ظهر الأرض بيت مدر ولا شعر إلا أدخله الله به عزاً أو ذلاً حتى يبلغ حيث يبلغ الليل.
وعن عروة بن رويم قال: كاد المقلسون يحولون بيننا وبين جنازة عبد الملك، قوم يقلسون للوليد بن عبد الملك، ونحن نذهب بجنازة عبد الملك إلى المقابر!.
توفي عروة بن رويم اللخمي سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وهودمشقي، وكان كثير الحديث، ثقة.
وعن عروة بن رويم قال: ثلاثة من جاء بإحداهن زوجه الله من أي الحور العين شاء: من ولي طعماً فاتقى
стр. 5742
الله فأدى الأمانة، ومن ضرب بسيفه بين يدي كتيبة يريد ما عند الله، ومن رد غيظه وهو قادر على أن يمضيه.
قال عروة بن رويم: يأتي على الناس زمان يسمى فيه الأمر بالمعروف مكلف.
واختلف في وفاة عروة، فقيل: سنة خمس وعشرين ومئة، وقالوا: وهو وهم.
وقيل: توفي سنة إحدى وثلاثين ومئة، وقيل: سنة خمس وثلاثين ومئة، وقيل: سنة ست وثلاثين، وقيل: سنة أربعين.
ومات بذي خشب. وحمل إلى المدينة فدفن بها. وقيل: توفي سنة أربع وأربعين ومئة.
/
стр. 5743
عروة بن الزبير بن العوام ابن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب أبو عبد الله الأسدي القرشي الفقيه المدني أمه أسماء بنت أبي بكر، وخالته عائشة أم المؤمنين وفد على معاوية بن أبي سفيان، وعلى عبد الملك بن مروان، وعلى الوليد بن عبد الملك.
حدث عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الحلوى والعسل.
وحدث عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : " إذا حضر الطعام أو العشاء وحضرت الصلاة فابدؤوا بالطعام ".
وحدث عنها: أن النبي ﷺ كان يقبّل وهو صائم.
وكان ثقة كثير الحديث فقيهاً عالماً، مأموناً ثبتاً.
ولد عروة بن الزبير سنة ثلاث وعشرين في آخر خلافة عمر. وقيل: ولد لست سنين خلت من خلافة عثمان. وكان بينه وبين أخيه عبد الله بن الزبير عشرون سنة. وقيل: ولد سنة تسع وعشرين.
стр. 5744
قال عروة: كنت أتعلق بشعر كتفي أبي الزبير وهوي قول: من الرجز
مباركٌ من ولد الصّديق ... أزهر من آل أبي غتيق
ألذّه كما ألذّ ريقي
قال عروة بن الزبير: وقفت وأنا غلام أنظر إلى الذين حضورا عثمان بن عفان، وقد مشى أحدهم على الخشبتين اللتين غرزتا ليدخل منهما إلى عثمان، فلقيه عليهما أخي عبد الله بن الزبير، فبصرته طاح قتيلاً على البلاط، فقلت لصبيانٍ معي: قتله أخي، فوثب عليّ الذين حضروا عثمان، فكشّفوني فلم يجدوني أنبت، فخلّوني.
وقد روي أنه أذّن له عمر بن الخطاب.
قال عروة: كنت غلاماً لي ذؤابتان، قال: فقمت أركع ركعتين بعد العصر، قال: فبصر بي عمر بن الخطاب ومعه الدّرّة، فلما رأيته فررت منه وأحضر في طلبي حتى تعلق بذؤابتي قال: فنهاني، فقلت: يا أمير المؤمنين، لا أعود.
قال علقمة بن وقاص: لما خرج طلحة والزبير وعائشة بطلب دم عثمان عرضوا من معهم بذات عرق فاستصغروا عروة بن الزبير فردوه.
стр. 5745
قال عروة: رددت أنا وأبو بكر بن عبد الرحمن من الطريق يوم الجمل واستصغرنا.
قال قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة:
كنا في خلافة معاوية في آخرها نجتمع في حلقة في المسجد بالليل وأنا ومصعب وعروة ابنا الزبير وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الملك بن مروان وعبد الرحمن بن المسور بن مخرمة وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وكنا نتفرق بالنهار. فكنت أنا أجالس زيد بن ثابت، وزيد مترئس بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض في عهد عمر وعثمان وعلي في مقامه بالمدينة، وفي الفقه خمس سنين، حتى ولي معاوية سنة أربعين، فكان كذلك حتى توفي زيد سنة خمس وأربعين، فكنت أنا وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام نجالس أبا هريرة، وكان عروة بن الزبير يغلبنا بدخوله على عائشة. وكانت عائشة أعلم الناس، يسألها الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ .
حدث هشام بن عروة عن أبيه: أنه كان يقول لنا ونحن شباب: مالكم لا تعلّمون؛ لقد هابكم سراتكم، إن تكونوا صغار قوم يوشك أن تكونوا كبارهم، وما خير للشيخ يكون شيخاً وهو جاهل، لقد رأيتني قبل موت عائشة بأربع حجج أو خمس حجج وأنا أقول: لو ماتت اليوم ما ندمت على حديث عندها إلا وقد وعيته. ولقد كان يبلغني عن الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين الحديث فآتيه فأجده قد قال، فأجلس على بابه فأسأله عنه.
قال أبو الزناد: كان فقهاء المدينة أربعة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الملك بن مروان.
قال الزهري: سألت ابن صغير عن شيء من الفقه، فقال: ألك بذا حاجة؟ عليك بهذا، وأشار
стр. 5746
إلى سعيد بن المسيّب؛ فجالسته سبع سنين لا أرى أن عالماً غيره. قال: ثم تحولت إلى عروة ففجّرت به ثبج بحر.
قال ابن شهاب: جالست سعيد بن المسيب، فكان يعيد عليّ الرجيع من حديثه. وكان عروة بحراً ما تكدره الدلاء. وما رأيت أغزر حديثاً من عبيد الله بن عبد الله.
قال سفيان بن عيينة: كان أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة: القاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن.
حدث هشام بن عروة: أن عون بن عبد الله قال: حدثني عن أبيك، قال: فذهبت أحدثه عن السنين، فقال: لا غرائب أحاديثه! فإن عبد الله بن عروة حدثني عن عروة عن عائشة أنها كتبت إلى معاوية بن أبي سفيان: إنك إن اتقيت الله كفاك الناس، وإن اتقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئاً، فاتق الله.
قال هشام: حدثني عتبة بن عبد الله قال: جلست مع أبيك فضحكت فقال: ما يضحكك؟ فقلت: أنك تحيلنا على الأملئاء.
قال هشام: فإنما كان يحدث عن عائشة.
فقال هشام: وكان أبي يقول: إنا كنا أصاغر قوم، ثم نحن اليوم كبار، وإنكم اليوم أصاغر وستكونون كباراً، فتعلموا العلم تسودوا به قومكم، ويحتاجون إليكم، فوالله ما سألني الناس حتى لقد نسيت.
стр. 5747
قال هشام: وكان أبي يدعوني وعبد الله بن عروة وعثمان وإسماعيل أخويّ، وآخر قد سمّاه هشام، فيقول: لا تغشوني مع الناس، إذا خلوت فسلوني، فكان يحدثنا: يأخذ في الطلاق ثم الخلع ثم الحج ثم الهدي ثم كذا، ثم يقول: كروا عليه، فكان يعجب من حفظي. قال هشام: فوالله ما تعلمنا جزءاً من ألف جزء من أحاديثه.
وفي حديث بمعناه: عن عبيد الله بن عبد الله: فقال: وما يضحكك؟ فقال: إنك تحدثني عن عائشة وتحيلني على الملاء وإن غيرك يحيلنا على المفاليس.
قال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: العلم لواحد من ثلاثة: لذي حسب يزينه به، أو ذي دين يسوس به دينه، أو مختبطٍ سلطاناً يتحفه بعلمه، ولا أعلم أحداً أشرط لهذه الخلال من عروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز كلاهما حسيب ديّن من السلطان تأرّى.
قال الزهري: كن عروة يتألّف الناس على حديثه، وفي رواية: على علمه.
قال عثمان بن عروة: كان عروة يقول: يا بنيّ هلموا فتعلموا، فإن أزهد الناس في عالم أهله، وما أشده على أمير بأن يسأل عن شيء من أمر دينه فيجهله.
قال هشام بن عروة: ما رأيت عروة يسأل عن شيء قط، فقال فيه برأيه، إن كان عنده فيه علم قال بعلمه، وإن لم يكن عنده فيه علم، قال: هذا من خالص السلطان.
стр. 5748
قال: وقال أبي: ما أخبرت أحداً بشيء من العلم قط لا يبلغه عقله إلا كان ذلك ضلالة عليه.
وعن هشام بن عروة: أن أباه حرق كتباً له فيها فقه، ثم قال: لوددت أني كنت فديتها بأهلي ومالي.
قال الزهري:
كنا عند عمر بن عبد العزيز، وهو والي المدينة، ثم صرت إلى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، فقال: هل من معه به خبرٌ فأسأله الأمر؟ هل كان عمر يكتب؟ فقال عروة: نعم كان يكتب، فقال: بآية ماذا؟ قال: بقوله: لولا أن يقول الناس: زاد عمر في القرآن لخططت آية الرجم بيدي. فقال عبيد الله: هل سمّى عروة من حدّثه؟ قلت: لا، فقال عبيد الله: فإنما صار عروة يمص مص البعوضة تملأ بطنها ولا يرى أثرها، يسرق أحاديثنا ويكتمنا. أي: إني أنا حدثته.
قال أبو الزناد: ما رأيت أحداً أروى للشعر من عروة، فقيل له: ما أرواك يا أبا عبد الله!! فقال: وما روايتي في رواية عائشة: ما كان ينزل بها شيءٌ إلا أنشدت فيه شعراً.
قال ابن شوذب: كان عروة بن الزبير إذا كان أيام الرطب ثلم حائطه فيدخل الناس فيأكلون ويحملون، وكان إذا دخله ردّد هذه الآية فيه حتى يخرج منه: " ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله " حتى يخرج.
وكان عروة يقرأ ربع القرآن كل يوم نظراً في المصحف، ويقوم به الليل، فما تركه إلا ليلة قطعت رجله، ثم عاوده من الليلة المقبلة، وكان في رجله الأكلة، فنشرها
стр. 5749
وكان الوليد بن عبد الملك بعث إليه الأطباء فقالوا: نقطع رجله، فقطعت، فما تضوّر وجهه يومئذ.
وعن عروة: أنه خرج إلى الوليد بن عبد الملك، حتى إذا كان بوادي القرى وجد في رجله شيئاً، فظهرت به قرحة، وكانوا على رواحل، فأرادوه على أين يركب محملاً، فأبى عليهم، ثم غلبوه، وخلّوا ناقة له بمحمل فركبها، ولم يركب محملاً قبل ذلك، فلما أصبح تلا هذه الآية: " ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها " حتى فرغ منها، وقال: لقد أنعم الله على هذه الأمة في هذه المحامل بنعمة لا تؤدون شكرها. وترقّى في رجله الوضع حين قدم على الوليد، فلما رآه الوليد قال: يا أبا عبد الله اقطعها، فإني أخاف أن يبالغ فوق ذلك قال: فدونك؛ فدعا له الطبيب، وقال له: اشرب المرقد، قال: لا أشرب مرقداً أبداً. قال: فقدرها الطبيب، واحتاط بشيء من اللحم الحي، مخافة أن يبقى منها شيء ضمنٌ فيرقى، فأخذ منشاراً، فأمسّه النار فاتكأ له عروة، فقطعها من نصف الساق. فما زاد على أن يقول: حس حس. فقال الوليد: ما رأيت شيخاً قط أصبر من هذا.
وأصيب عروة بابن له يقال له محمد، في ذلك السفر، ودخل إسطبل دواب من الليل ليبول، فركضته بغلةٌ فقتلته، وكان من أحب ولده غليه، فلم يسمع من عروة في ذلك كله كلمة حتى رجع، فلما كان بوادي القرى قال: لقينا من سفرنا هذا نصباً، اللهم
стр. 5750
كان لي بنون سبعة فأخذت منهم واحداً وبقّيت لي ستة، وكانت لي أطراف أربعة، فأخذت مني طرفاً وبقّيت لي ثلاثة. وايمك لئن ابتليت لقد عافيت، ولئن أخذت لقد أبقيت.
فلما قدم المدينة جاء رجل من قومه يقال له عطاء بن ذؤيب، فقال: يا أبا عبد الله ما كنا نحتاج أن نسابق بك، ولا نصارع بك، ولكنا كنا نحتاج إلى رأيك والأنس بك، فأما ما أصبت به فهو أمر ذخره الله لك، وأما ما كنا نحب أن يبقى لنا منك فقد بقي.
وفي حديث غيره بمعناه، قال عروة: ما عزاني أحد عن رجلي مثلك.
ونشرت رجل عروة في دمشق. ولما نظر عروة إلى رجله في الطست حين قطعت قال: اللهم إنك تعلم أني لم أمش بها إلى معصية قط. وما ترك حزبه تلك الليلة. قال: وقعد بنوه يخنّون، يعني يبكون، فقال: يا بنيّ إن أباكم لم يكن فرساً يراهن عليه، قد أبقي لي خير خلتين: ديني وعقلي.
كان عروة يصوم الدهر كله إلا يوم الفطر ويوم النحر، ومات وهو صائم، فجعلوا يقولون له: أفطر، فلم يفطر.
قال أبو الزناد: اجتمع في الحجر مصعب بن الزبير، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، فقالوا: تمنوا، فقال عبد الله بن الزبير: أما أنا فأتمنى الخلافة. وقال عروة: أما أنا فأتمنى أن يؤخذ عني العلم. وقال مصعب: أما أنا فأتمنى إمرة العراق، والجمع
стр. 5751
بينعائشة بنت طلحة، وسكينة بنت الحسين. وقال عبد الله بن عمر: أما أنا فأتمنى المغفرة. قال: فنالوا كلهم ما تمنّوا، ولعل ابن عمر قد غفر له.
وعن محمد بن شيبة قال:
قال مصعب بن الزبير: وددت أني لا أموت حتى أملك المصرين، وأتزوج سكينة بنت الحسين وعائشة بنت طلحة. وقال عبد الملك: وددت أني لا أموت حتى أسمى بهذا الاسم. وقال عروة بن الزبير: وددت أن الله غفر لي ورحمني وأدخلني الجنة. قال: ولم يمت هذان حتى أصابا ما طلبا، وأرجو أن يصيب هذا ما طلب.
قال الزهري: كنت آتي عروة فأجلس في بابه مليّاً، ولو شئت أن أدخل لدخلت، فأرجع وما أدخل إعظاماً له.
قال هشام بن عروة: جاء عمر بن عبد العزيز من قبل أن سيتخلف إلى أبي عروة بن الزبير، فقال له: رأيت البارحة عجباً، كنت فوق سطحي مستلقياً على فراشي، فسمت جلبة في الطريق، فأشرفت فظننت عسكر العسس، فإذا الشياطين يجيئون كردوساً كردوساً حتى اجتمعوا في جوبة خلف منزلي. قال: ثم جاء إبليس. فلما اجتمعوا هتف إبليس بصوت عال؛ فتفازعوا، فقال: من لي بعروة بن الزبير؟ فقالت طائفة منهم: نحن، فذهبوا ورجعوا، فقالوا: ما قدرنا منه على شيء. قال: فصاح الثانية أشد من الأولى، فقال: من لي بعروة بن الزبير؟ فقالت طائفة أخرى: نحن، فذهبوا،
стр. 5752
فلبثوا طويلاً، ثم رجعوا، وقالوا: ما قدرنا منه على شيء، فصاح الثالثة صيحة ظننت أن الأرض قد انشقت، فتفازعوا، فقال؛ من لي بعروة بن الزبير؟ فقالت جماعتهم: نحن، فذهبوا ثم لبثوا طويلاً، ثم رجعوا، فقالوا: ما قدرنا منه على شيء. قال: فذهب إبليس مغضباً، واتبعوه. فقال عروة بن الزبير لعمر بن عبد العزيز: حدثني أبي الزبير بن العوام قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من رجل يدعو بهذا الدعاء في أول ليله وأول نهاره إلا عصمه الله من إبليس وجنوده: بسم الله ذي الشان، عظيم البرهان، شديد السلطان، ما شاء الله كان، أعوذ بالله من الشيطان.
قال عروة بن الزبير: كنت جالساً في مسجد الرسول ضحوة وحدي، إذ أتاني آتٍ يقول: السلام عليك يا بن الزبير، فالتفتّ يميناً وشمالاً، فلم أر شيئاً، غير أني رددت عليه: واقشعر جلدي، فقال: لا روع عليك، أنا رجل من أهل الأرض من الخافية أتيتك، أخبرك بشيء وأسألك عن شيء، قال: ما الذي تسألني عنه؟ وما الذي تخبرني به؟ قال: الذي أخبرك به أني شهدت إبليس عليه لعنة الله ثلاثة أيام، فرأيت شيطاناً مسودّاً وجهه، مزرقّة عيناه، يقول له إبليس عند المساء: ماذا صنعت بالرجل؟ فيقول له الشيطان: لم أطق الكلام الذي يقوله إذا أمسى وأصبح. فلما كان يوم الثالث قلت للشيطان: عمن يسألك إبليس اللعين؟ قال: يسألني عن عروة بن الزبير أن أغويه فما أستطيع ذلك لكلام يتكلم به إذا أصبح وإذا أمسى؛ فأتيتك أسألك ماذا تكلّم به إذا أصبحت وأمسيت؟ فقال عروة: أقول: آمنت بالله العظيم واعتصمت به، وكفرت بالطاغوت، واستمسكت بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وإن الله هو السميع العليم. فإذا أصبحت أقول ذلك. فقال له: يا بن الزبير جزاك الله خيراً، فقد استفدت خيراً وأفدته.
стр. 5753
قال: وكان عروة يقول: إذا رأيتم من رجل خلعة رائعةً من شر فاحذروه، وإن كان عند الناس رجل حذق، فإن لها عنده أخوات. وإذا رأيتم من رجل خلة رائعة من خير فلا تقطعوا أناتكم عنه، وإن كان عند الناس رجل سوء، فإن لها عنده أخوات.
قال عروة: وإني لأعشق الشرف كما أعشق الجمال، فعل الله بفلانة؛ ألفت بني فلان وهو بيض طوالٌ فقلبتهم سوداً قصاراً.
قال عروة: خطبت إلى عبد الله بن عمر ابنته سودة ونحن في الطواف، فلم يجبني بشيء، فقلت في نفسي: لو رضيني لأجابني. فلما انقضى الحج خرج إلى المدينة قبلي، وخرجت بعده. فلما دخلت المدينة مضيت إليه، فسلمت عليه، فقال لي: كنت ذكرت سودة بنت عبد الله؟ قلت: نعم. قال: كنت ذكرتها ونحن في الطواف نتخايل الله بين أعيننا، أفلك فيها حاجة؟ قلت: أحرص ما كنت. قال: يا غلام: ادع عبد الله بن عبد الله ونافعاً مولى عبد الله. قال: قلت له: وبعض آل الزبير؟ قال: لا. قلت: فمولاك حبيباً؟ قال: ذلك أبعد. ثم قال لهما: هذا عروة بن أبي عبد الله بن الزبير، وقد علمتما حاله، وقد خطب إليّ سودة بنت عبد الله، وقد زوجته إياها بما جعل الله للمسلمات على المسلمين من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وعلى أن يستحلها بما يستحل به مثلها. أقبلت يا عروة؟ قلت: نعم؛ قال: بارك الله لك.
قال عروة بن الزبير: رب كلمة ذل احتملتها أورثتني عزاً طويلاً.
стр. 5754
قال عروة:
تفرق بنو الزبير في البلاد، فخرج المنذر إلى العراق، وخرج معه بخالد بن الزبير، فأرسل عبد الله بن الزبير مصعباً فرد خالداً من بني المطلب، ونفذ المنذر فقدم الكوفة. وخرج عروة حتى قدم البصرة على عبد الله بن عباس، وهو عامل عليها، فقال له عروة حين دخل عليه: من الطويل.
أمتّ بأرحام إليكم قريبةٍ ... ولا قرب بالأرحام ما لم تقرّب
فقال له ابن عباس: من قالها؟ قال عروة: قلت: أبو أحمد بن جحش. قال ابن عباس: فهل تدري ما قال له رسول الله ﷺ ؟ قال: قلت: لا، قال: قال له: صدقت. قال: ثم قال لي: ما أقدمك؟ قال: قلت: اشتدت الحال وأبى عبد الله أن يقسم سبع حجج، وتألّى أن لا يفعل حتى يقضي دين الزبير، وليس يؤدي عنه أحد. قال: ثم أجازني وأعطاني. ثم لحق بمصر فأقام بها بعد.
بعث معاوية إلى عروة بن الزبير مقدمه المدينة، فكشفه وسأله واستنشده، ثم قال: تروي قول جدتك صفية؟ وأراد أن يحركه. وكان يقال: طيّروا دماء الشباب في وجوههم، يقول: حركوهم: من الطويل
خالجت آباد الدهور عليكم ... وأسماء لم تشعر بذلك أيّم
فلو كان زبرّ مشركاً لعذرته ... ولكنه قد يزعم الناس مسلم
فقال لها الزبير: يا أمتاه وما هو إلا الزعم. فقال عروة: نعم وأروي قولها: من الوافر
стр. 5755
ألا أبلغ بني عمّي رسولاً ... ففيم الكيد فينا والإمار
وسائل في جموع بني عليٍّ ... إذا كثر التّناشد والفخار
بأنّا لا نقرّ الضّيم فينا ... ونحن لمن توسّمنا نضار
متى نقرع بمروتكم نسؤكم ... وتظعن من أماثلكم ديار
مجازيل العطاء إذا وهبنا ... وأيسارٌ إذا جبّ القتار
ونحن الغافرون إذا قدرنا ... وفينا عند غدوتنا انتصار
ولم نبدأ بذي رحم عقوقاً ... ولم توقد لنا بالغدر نار
وإنّا والسوابح يوم جمع ... بأيديها وقد سطع الغبار
لنصطبرن لأمر الله حتى ... يبيّن ربّنا أين الفرار
قال معاوية: يا بن أخي هذه بتلك، قال: وإنما قالت ذلك في قتل أبي أزيهر تعيّر به أبا سفيان بن حرب. وكان أبو أزيهر صهر أبي سفيان، وكان يدخل ثمّ في جوار أبي سفيان، فقتله هشام بن الوليد، فعيّر به حسان بن ثابت في قوله: من الطويل
غدا أهل حضني المجاز بسحرةٍ ... وجار ابن حربٍ بالمغمّس لا يغدو
كساك هشام بن الوليد ثيابه ... فأبل وأخلق مثلها جدداً بعد
قضى وطراً منه فأصبح ماجداً ... وأصبحت رخواً ما تخبّ ولا تعدو
فما منع العير الضّروط ذمارة ... وما منعت مخزاة والدها هند
стр. 5756
فلو أن أشياخاً ببدر تشاهدوا ... لبلّ نعال القوم معتبطٌ ورد
قال: وكانت العرب إذا غدر الرجل أوقدوا له ناراً بمنى أيام الحج على الأخشب الجبل المطل على منى، ثم صاحوا: هذه غدرة فلان، ففعلوا ذلك بأبي سفيان في أبي أزيهر.
قال سفيان: قتل بان الزبير وهو ابن ثلاث وسبعين، وقتل معه ابن صفوان وابن مطيع بن الأسود. قيل له: فأين كان عروة؟ قال: بمكة، فلما قتل خرج إلى المدينة بالأموال، فاستودعها، وخرج إلى عبد الملك، فقدم عليه قبل البريد، وقبل أن يصل إليه الخبر. فلما انتهى إلى الباب قال للبواب: قل لأمير المؤمنين: أبو عبد الله على الباب، فقال: من أبو عبد الله؟ قال: قل له: أبو عبد الله، فدخل، فقال: ههنا رجل عليه أثر سفر يقول: قل لأمير المؤمنين: أبو عبد الله عند الباب، فقلت له: من أبو عبد الله؟ فقال: قل له: أبو عبد الله، فقال: ذاك عروة بن الزبير؛ فأذن له. فلما رآه زال له عن موضعه، قال: فجعل يسأله، فقال: كيف أبو بكر؟ يعين عبد الله بن الزبير، فقال: قتل ﵀ قال: فنزل عبد الملك عن السرير فسجد. وكتب إليه الحجاج أن عروة قد خرج والأموال عنده. قال: فقال له عبد الملك في ذلك، فقال: ما تدعون الرجل حتى يأخذ سيفه فيموت كريماُ؟! قال: فلما رأى ذلك كتب إلى الحجاج أن أعرض عن ذلك.
حدث أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة في حديث عروة بن الزبير
أن الحجاج رآه قاعداً مع عبد الملك بن مروان، فقال له: أتقعد ابن العمشاء معك على سريرك؟! لا أم له. فقال عروة: أنا لا أم لي؟! وأنا ابن عجائز الجنة؟! ولكن إن شئت أخبرتك من لا أم له يا بن المتمنّية. فقال عبد الملك: أقسمت عليك أن تفعل فكفّ عروة.
стр. 5757
قوله: يا بن المتمنّية أراد أمه، وهي الفريعة بنت همام أم الحجاج بن يوسف، وكانت تحت المغيرة بن شعبة، وهي القائلة: من البسيط
ألا سبيل إلى خمر فأشربها ... أم لا سبيل إلى نصر بن حجّاج
وكان نصر بن حجاج من بني سليم، وكان جميلاً رائعاً، فمرّ عمر بن الخطاب ذات ليلة وهذه المرأة تقول:
ألا سبيل إلى خمر فأشريها...... البيت......
فدعا بنصر بن حجاج فسيره إلى البصرة، فأتى مجاشع نب مسعود السّلمي، وعنده امرأته شميلة، وكان مجاشع أميّاً، فكتب نصر على الأرض: أحبك حباً لو كان فوقك لأظلك، ولو كان تحتك لأقلّك. فكتبت المرأة: وأنا والله. فلبث مجاشع آنأ ثم أدخل كاتباً فقرأه، فأخرج نصراً، وطلقها.
وكان عمر بن الخطاب سمع قائلاً بالمدينة يقول: من الطويل
أعوذ برب الناس من شر معقلٍ ... إذا معقلٌ راح البقيع مرجّلا
يعني معقل بن سنان الأشجعي، وكان قدم المدينة، فقال له عمر: الحق بباديتك.
قال الزهري: دخل عروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن مسعود على عمر بن عبد العزيز، وهو أميرنا بالمدينة، فقال عروة في شيء جرى من ذكر عائشة وعبد الله بن الزبير: سمعت عائشة تقول: ما أحببت أحداً كحبي عبد الله بن الزبير، لا أعني رسول الله ﷺ ولا أبوي، فقال له عمر: إنكم تنتحلون عائشة وابن الزبير انتحال من لا يرى فيهما لأحد
стр. 5758
نصيباً. قال عروة: بركة عائشة رضوان الله عليها كانت أوسع من أن لا نرى لكل مسلم فيها حقاً، ولقد كان عبد الله بن الزبير منها بحيث وضعته الرحم والمودة التي لا يشرك كلّ واحد منهما فيها غير صاحبه أحد، فقال عمر: كذبت. فقال عروة: هذا يعني عبيد الله بن عبد الله يعلم أين غير كاذب، وأنّ أكذب الكاذبين لمن كذّب الصادقين، فسكت عبيد الله ولم يدخل ما بينهما بشيء؛ فأفّف بهما عمر، وقال: اخرجا عني، فلم يلبث أن بعث إلى عبيد الله بن عبد الله رسولاً يدعوه لبعض ما كان يدعوه له، فكتب إليه عبيد الله: من الطويل
لعمر ابن ليلى وابن عائشة الذي ... لمروان أدّاه أبٌ غير زمّل
ولو أنهم عمّاً وجدّاً ووالداً ... تأسّوا فسنّوا سنّة المتفضّل
غذرت أبا حفص بأن كان واحداً ... من القوم يهدي هديهم ليس يأتلي
ولكنهم فاتوا وجئت مصلّياً ... تقرّب إثر السابق المتهمّل
وعمت فإن تلحق فحضر مبرّز ... جوادٍ وإن تسبق فنفسك أعول
فمالك في السلطان أن تحمل القذى ... جفونٌ عيونٍ بالقذى لم تكحّل
وما الحقّ أن تهوى فتعسف بالذي ... هويت إذا ما كان ليس بأعدل
أبى الله والأحساب أن ترأم الخنا ... نفوس كرامٍ بالخنا لم توكّل
стр. 5759
قال هشام بن عروة: ما سمعت أحداً من أهل الأهواء يذكر عروة إلا بخير.
كان عروة بن الزبير تابعياً ثقة صالحاً، لم يدخل في شيء من الفتن.
قال عروة: ما برّ والده من شدّ الطرف إليه.
قال عبد الله بن حسن بن حسن: كان علي بن حسين بن علي بن أبي طالب يجلس كل ليلة هو وعروة بن الزبير في مؤخر مسجد النبي ﷺ بعد العشاء الآخرة، فكنت أجلس معهما. فتحدثا ليلة فذكرا جور من جار من بني أميّة. والمقام معهم، وهو لا يستطيعون تغيير ذلك، ثم ذكرا ما يخافان من عقوبة الله لهم، فقال عروة لعليّ: يا علي، إن من اعتزل أهل الجور، والله يعلم منه سخطه لأعمالهم، فإن كان منهم على ميل ثم أصابتهم عقوبة الله رجي له أن يسلم مما أصابهم. قال: فخرج عروة فسكن العقيق. قال عبد الله: وخرجت أنا فنزلت سويقة.
قال هشام بن عروة:
لما قطع عمر بن الخطاب العقيق فدنا من موضع قصر عروة، قال: أين المستقطعون منذ اليوم؟ فوالله ما مررت بقطيعة تشبه هذه القطيعة، فقام إليه خوات بن خيبر الأنصاري فقال: أقطعنيها يا أمير المؤمنين، فأقطعه إياها، وكان يقال لموضعها: خيف حرّة الوبرة.
فلما كانت سنة إحدى وأربعين أقطع مروان بن الحكم عبد الله بن عباس بن
стр. 5760
علقمة بن عبد الله بن أبي قيس بن عبد ودّ ما بين الميل الرابع من المدينة إلى صفيرة أرض المغيرة بن الأخنس التي في وادي العقيق إلى الجبل الأحمر الذي يطلعك على قباء، وشهود قطيعته عبد الملك وأبان ابنا مروان وعبيد الله بن عبد الله بن أبي أمية، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فاشترى عروة موضع قصره وأرضه وبئاره من عبد الله بن عباس وابتنى واحتفر واحتجر وضفر. فقيل له: يا أبا عبد الله إنك بغير موضع مدر، فقال: يأتي الله به من البقيع. فجاء سيل فدخل في مزارعه، فكساها من خليج كان خلجه.
ولما فرغ عروة من بناء قصره وبئاره دعا جماعة من الناس، وكان فيمن دعي ابن أبي عتيق، قال: فطعم وجعلوا يبرّكون وينصرفون ويقولون: ما رأينا ماء أعذب ولا أطيب، ولا منزلاً أكرم. قال: وقام ابن أبي عتيق فبرّك، ثم قال: لولا خصيلة واحدة ما كان في الأرض مثلها، قال: فاشرأب عروة والناس، وقال: ما هي؟ قال: ليس لها وقاية ولا دونها وديعة، قال: فضحك عروة ومن حضر، وأعجبهم ذلك من قول ابن أبي عتيق.
الوديعة: الخزانة تستودع بالمطر إذا جاء فيكون لها غذاء. والرقابة أن يكون لها ميضأة لئلا يرجع عليها الماء.
стр. 5761
لما اتخذ عروة قصراً بالعقيق، قال له الناس: قد جفرت عن مسجد رسول الله ﷺ ، وقال: إني رأيت مساجدهم لاهية، وأسواقهم لاغية، والفاحشة في فجاجهم عالية، فكان فيما هنالك عما هم فيه عافية.
وعن ابن أبي ربيعة: أنه مرّ بعروة بن الزبير وهو يبني قصره بالعقيق، فقال: أردت الحرث يا أبا عبد الله؟ قال: لا، ولكنه ذكر لي أنه سيصيبها عذاب، يعني المدينة، فقلت: إن أصابها شيء كنت منتحياً عنها.
وكان عروة يكون بالعقيق فيموت بعض ولده بالمدينة فلا يأتيه.
من شعر عروة بن الزبير: من المتقارب
إذا انتسب الناس كان التقيّ ... بتقواه أفضل من ينسب
ومن يتّق الله يكسب بها ... من الحظ أفضل ما يكسب
قال عروة: أفضل ما أعطي العباد في الدنيا العقل، وأفضل ما أعطوا في الآخرة رضوان الله.
وقال عروة: ليس الرجل الذي إذا وقع في الأمر تخلص منه، ولكن الرجل يتوقى الأمور حتى لا يقع فيها.
قال عروة: ما أحب أن أدفن في البقيع، لأن أدفن في غيره أحب إليّ من أن أدفن فيه. إما أحد الرجلين: إما ظالم فما أحب أن أكون في قبره، وإما صالح فما أحب أن تنبش لي عظامه.
стр. 5762
مات عروة بن الزبير يوم مات، وهو يقول: أخشاك ربي وأرجوك، أخشاك ربي وأرجوك.
مات عروة بن الزبير في أمواله بمجاح في ناحية الفرع، ودفن هناك يوم الجمعة سنة أربع وتسعين. وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء لكثرة من مات منهم فيها.
وقيل: توفي سنة اثنتين وتسعين، وهو ابن سبع وسبعين، وقيل: سبع وستين سنة.
وقيل: توفي سنة إحدى وتسعين، وقيل: سنة ثلاث وتسعين، وقيل: سنة خمس وتسعين. وقيل: سنة سبع وتسعين أو تسع وتسعين، أو إحدى ومئة.
عروة بن العشبة الكلبي
شاعر فارس، كان من أصحاب علي بن أبي طالب ﵇، ثم لحق بمعاوية.
وقيل له: العشبة؛ لأنه كان كالعشب لقومه. وعروة من ولده. وبعضهم يقول: عمر بن العشبة، وهو باطل.
بعث معاوية رجلاً من كلب يقال له: زهير بن مكحول من بني عامر إلى السّماوة فجعل يصدّق الناس. وبلغ ذلك علياً: فبعث ثلاثة نفر: جعفر بن عبد الله الأشجعي وعروة بن العشبة من كلب من بني عبد ودّ، والجلاس بن عمير من بني عدي بن جناب الكلبي، وجعل الجلاس كاتباً لهم ليصدقوا من كان في طاعته من كلب بكر بن وائل. فأخذوا على شاطئ الفرات حتى أتوا أرض كلب، ووافوا زهيراً الأجدادي، فاقتتلوا،
стр. 5763
وهزم زهير أصحاب علي، وقتل جعفر بن عبد الله، وأفلت الجلاس، وأتى ابن العشبة علياً، فعنّفه وقال: جبنت وتعصّبت فانهزمت، وعلاه بالدّرة؛ فغضب ولحق بمعاوية؛ فهدم عليٌّ داره. وكان زهير حمل ابن العشبة على فرس، فلذلك اتهمه علي، وقال ابن العشبة: من الطويل
أبلغ أبا حسنٍ إذا ما جئته ... يدينك منه الصبح والإمساء
لو كنت رائينا عشية جعفرٍ ... جاشت لديك النفس والأحشاء
إذ نحسب الصحراء خلف ظهورنا ... خيلاً وأن أمامنا صحراء
إنا لقينا معشراً قبض الحصى ... فكأنهم يوم الوغى شجراء
ومر الجلاس براع فأعطاه جبّة خزّن وأعطاه الراعي عباءة، فلبسها، وأخذ العلبة في يده، وأدركته الخيل، فقالوا: أين أخذ هؤلاء الترابيون؟ فأشار إليهم: أخذوا ههنا. ثم أقبل إلى الكوفة، فقال جوّاس بن القعطل: من الطويل
ونجّى جلاساً علبةٌ وعباءةٌ ... وقولك إني جيّد الصّرّ حالب
ولو ثقفته بالكثيب خيولهم ... لأودى كما أودى سميرٌ وحاطب
وصار لقىً بين الفريقين مسلماً ... جباراً ولم يثأر به الدهر طالب
стр. 5764
عروة بن محمد بن عطية
ابن عروة بن القين بن عامر بن عميرة السعدي الجشمي لجده صحبة، واستعمله سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز ويزيد بن عبد الملك على اليمن.
حدث عروة بن محمد عن أبيه، قال: قدمت على رسول الله ﷺ في أناسٍ من بني سعد بن بكر، وكنت أصغر القوم، فخلفوني في رحالهم، ثم أتوا رسول الله ﷺ فقضى من حوائجهم، ثم قال: " هل بقي منكم أحد؟ " قالوا: يا رسول الله، غلام منا في رحالنا؛ فأمرهم أن يبعثوني إليه؛ فأتوني فقالوا: أجب رسول الله ﷺ ؛ فأتيته، فلما رآني قال: " ما أغناك الله فلا تسأل الناس شيئاً، فإن اليد العليا هي المنطية، وإن اليد السفلى هي المنطاة، وإن مال الله مسؤول ومنطىً ".
قال: ويكلمني رسول الله ﷺ بلغتنا.
قال أبو وائل القاضي: كنا عند عروة بن محمد، فدخل عليه رجل فكلمه بكلام أغضبه، قال: فقام منا، ثم رجع وقد توضأ فقال: حدثني أبي عن جدي وكانت له صحبة قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما نطفئ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ ".
خرج عروة من اليمن وقد وليها سنتين وما معه إلا سيفه ورمحه ومصحفه. ولما دخل قال: يا أهل اليمن هذه راحلتي فإن خرجت بأكثر منها فأنا سارق.
وقيل: إنه وليها عشرين سنة، وعزل عنها سنة ثلاث ومئة.
стр. 5765
كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله باليمن: إلى عروة بن محمد السعدي، إني أكتب إليك آمرك أن ترد المسلمين مظالمهم، فتكتب إليّ تراجعني، ولا تعرف مسافة ما بيني وبينك، ولا تعرف أحداث الموت، حتى لو كتبت إليك أن ترد على رجل مظلمة شاة لكتبت إلي أردها عفراء أم سوداء؟ فاردد على المسلمين مظالمهم ولا تراجعني والسلام.
كتب عمر بن عبد العزيز إلى عروة صاحب اليمن: لا يحمل إليّ من اليمن إلا حق، ولو لم يبلغ خراجها إلا حفينة من كتم لم أبال.
قال عروة بن محمد: لما استعملت على اليمن قال لي أبي: أوليت اليمن؟ قلت: نعم. قال: إذا غضبت فانظر إلى السماء فوقك، وإلى الأرض أسفل منك، ثم أعظم خالقهما.
وعن معمر في قوله تبارك الله وتعالى: " فلما آسفونا انتقمنا منهم ". قال: حدثني سماك بن الفضل قال: كنت عند عروة بن محمد وعنده وهب بن منبّه، فأتي بعامل لعروة فشكا، فأكثروا عليه، فقالوا: فعل وفعل، وثبتت عليه البينة، قال؛ فلم يملك وهب نفسه؛ فضربه على قرنه بعصا؛ فإذا دماؤه تشخب، فقال: أفي زمن عمر بن عبد العزيز يصنع مثل هذا؟ قال: فاشتهاها عروة وكان حليماً واستلقى على قفاه، وضحك، وقال: يعتب علينا أبو عبد الله الغضب في حكمته وهو يغضب، فقال وهب: وما لي لا أغضب وقد غضب خالق الأحلام؟ إن الله تعالى يقول: " فلما آسفونا انتقمنا منهم " يقول: أغضبونا.
стр. 5766
قال عروة بن محمد: ما أبرم قوم أمراً قط، فصدروا فيه عن رأي امرأة إلا تبرّوا.
عروة بن مروان
أبو عبد الله العرقي الجرار من أهل عرقة من أعمال طرابلس من نواحي دمشق.
حدث عن موسى بن أعين بسنده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " أتاكم شهر رمضان تزين فيه الحور العين ".
قال: وقال رسول الله ﷺ : " إذا كان آخر يوم منشر رمضان أعتق فيه مثل جميع ما أعتق "، يعني في رمضان.
وحدث عن ابن المبارك عن عاصم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ".
العرقي بكسر العين المهملة وقاف، والجرار بجيم وراءين. وكان أميّاً، وكان من العابدين. وعرقة: بلد بين رفنيّة وطرابلس. وكان رجلاً ما رئي أشد تعسّفاً منه، وكان محقّقاً شديد الحمل والجهد على نفسه، وكان ضيق الكمّ ما يقدر أن يخرج يده إلاّ بعد جهد، وكان لا يرى الاشتغال بالتجارة، إنما كان يأتي بريحان ينبت في الجبال إلى مصر فيبيعه، فيتقوته.
стр. 5767
عروة بن المغيرة بن شعبة
أبو يعفور الثّقفي وفد على معاوية.
حدث عن أبيه قال: كنت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة في سفر، فقال: " أمعك ماء؟ " قلت: نعم، فنزل عن راحلته فمشى حتى توارى عني في سواد الليل، ثم جاء، فأفرغت عليه ماء من الإداوة، فغسل يديه ووجهه، وعليه جبة من صوف، فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها، حتى أخرجهما من أسفل الجبة، وغسل ذراعيه، ومسح رأسه، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: " دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين ". فمسح عليهما.
وحدث عن أبيه قال: من باع الخمر فليشقّص الخنازير.
حدث خالد الحذاء أن المغيرة بن شعبة حيث أراد معاوية البيعة ليزيد وفّد أربعين من وجوه أهل الكوفة، وأمّر عليه ابنه عروة بن المغيرة، فدخلوا على معاوية، فقاموا خطباء فذكروا: أنه إنما أشخصهم إليه التيه والنظر لأمة محمد ﷺ ، فقالوا: يا أمير المؤمنين، كبرت سنك، وتخوفنا الانتشار من بعدك، يا أمير المؤمنين، أعلم لنا علماً، وحدّ لنا حدّاً ننتهي إليه؛ قال: أشيروا عليّ؛ قالوا: نشير عليك بيزيد ابن أمير المؤمنين، قال: وقد رضيتموه؟ قالوا: نعم، قال: وذاك رأيكم؟ قالوا: نعم، ورأي من بعدنا، فأصغى
стр. 5768
إلى عروة، وهو أقرب القوم منه مجلساً، فقال: لله أبوك! بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم؟ قال: بأربع مئة، قال: لقد وجد دينهم عندهم رخيصاً.
قال الشعبي: علّم المغيرة بن شعبة ابنه عروة رعاية الغنم، ثم علّمه رعاية الإبل، ثم قال: أجلسوه في مجالسكم حتى يتعلّم منكم ويسمع حديثكم، ثم دعاه إليه فزوجه أربعاً.
قال الشعبي: اشترى رجل من رجل جاريته بخمس مئة درهم فنقده منها ثلاث مئة درهم، فسأله أن يدفعها إليه، فأبى، فانطلق، فتحمّل له الثمن. ثم أتاه بها، فدفعها إليه، وقال: ادخل فاقبض سلعتك، فوجدها قد ماتت. فخاصمه إلى عروة بن المغيرة، قال: فقال عروة: أما الثلاث مئة فهي لك، وأما المئتين فإنك ارتهنت السلعة رهناً، والرهن بما فيه؛ فأعجب ذلك الشعبي.
قال عروة بن المغيرة: شرّ العداوة ما ستر بالمداراة، وأشفاها للأنفس ما فزع بمثلها بادئاً، وكان ينشد: من الكامل
لا أتّقي حسد الضّغائن بالرّقى ... فعل الذليل ولو بقيت وحيدا
لكن أعدّ لها ضغائن مثلها ... حتى أوازي بالحقود حقودا
كالخمر خير دوائها منها بها ... تشفي السقيم وتبرئ المنجودا
وقال ابن عياش في تسمية الحول: عروة بن المغيرة بن شعبة.
стр. 5769
عريان بن الهيثم بن الأسود
ابن أقيش بن معاوية بن سفيان بن هلال بن عمرو بن جشم ابن عوف بن النّخع، النّخعيّ الكوفيّ وفد على معاوية وعلى يزيد بن معاوية.
حدث العريان بن الهيثم النخعي الأعور عن قبيصة بن جابر الأسدي قال: كنا نشارك المرأة في السورة من القرآن نعلّمها، فانطلقت مع عجوز من بني أسد إلى عبد الله بن مسعود، فرأى جبينها يبرق، فقال: أتحلقونه؟ فغضبت وقالت: التي تحلق جبينها امرأتك، قال: فاذهبي فانظري، فإن كانت تفعله فهي مني بريئة. فانطلقت فدخلت، فقالت: ما رأيتها تفعله، فقال عبد الله بن مسعود: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لعن المتنمصات والمتفلجات والمتوشمات والمستوشمات اللاتي يغيرن خلق الله تعالى ".
قال العريان بن الهيثم: كنت عند معاوية بن أبي سفيان، فذكروا البصرة فقال: كم بعد الأبلّة منها؟ فقالوا: أربعة فراسخ، فقال عبد الله بن عمرو: ينزل بنو قنطوراء عراض الوجوه صغار الأعين كأن وجوههم المجانّ المطرقة.
стр. 5770
بينما العريان يطوف ليلة بالكوفة، لقي شاباً سكران وهو يتغنى، فقال له: من أنت؟ فقال: من الطويل
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره ... وإن نزلت يوماً فسوف تعود
فقال: خلّوا سبيله، وظنّ أنه شريف من أشراف الكوفة. فلما أصبح حدث بحديثه في مجلسه، فقال: وددت أني كنت عرفته؛ فقال له رجل من الشرط، أتحب أصلحك الله أن آتيك به؟ قال: وتعرفه؟ قال: نعم أصلحك الله أبوه يبيع الباقلاء في جبانة عرزم، قال: عليّ به الساعة. قال: فأتاه به، فأدخله عليه، فقال له:
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره البيت......
فقال: أصلحك الله، فما كذبتك، إن أبي يبيع الباقلاء، فإذا أنزلت قدره فباع ما فيها أعادها؛ فضحك، وضحك جلساؤه، وعجبوا من ظرفه.
أتي العريان بن الهيثم بن الأسود النّخعيّ بشابين قد جنيا جناية، فضرب أحدهما، وأمر بتجريد الآخر؛ وشدّ إزاره على وسطه وهو يقول: من الوافر
فقلت لمذحج قوموا فشدّوا ... مآزركم فقد برح الخفاء
فإن الحرب يجنيها رجالٌ ... ويصلى حرّها قومٌ براء
فقال له العريان: من قائل هذا الشعر؟ قال: الهيثم بن الأسود النخعي، فضحك وقال: ما أراك إلاّ مظلوماً، خلّوا سبيله.
стр. 5771
عزرة بن قيس بن غزية الأحمسي
البجلي الدهني الكوفي ولي عزرة حلوان في خلافة عمر، وغزا شهرزور منها فلم يفتحها، حتى افتتحها عبتة بن فرقد.
حدث عزرة بن قيس، قال: قال خالد بن الوليد: كتب إليّ أمير المؤمنين حين ألقى الشام بوانيه وصار بثنيّةً وعسلاً أن: سر إلى أرض الهند، والهند يومئذ في أنفسنا البصرة، وأنا لذلك كاره، فقال رجل: اتق الله يا أبا سليمان، فإن الفتن قد ظهرت، فقال: أما وابن الخطاب حي فلا، إنها تكون بعده، والناس بذي بليّان أوف ي ذي بليّان بمكان كذا وكذا، فلينظر الرجل. فيتفكر هل يجد مكاناً لم ينزل به ما نزل بمكانه الذي هو فيه من الفتنة والشر، فلا يجد، أولئك الأيام التي ذكر رسول الله ﷺ بين يدي الساعة، أيام الهرج. فنعوذ بالله أن تدركني وإياكم أولئك الأيام.
قال الواقدي: وهذا لا يعرف عندنا أن عمر بعثه إلى الشام، ولا أراد أن يبعثه إلى الهند، إنما بعثه أبو بكر إلى أرض العراق، واستمد أهلا لشام أبا بكر بالرجال فكتب إلى خالد أن يسير مدداً إلى جند الشام، وكان من ولاية أبي بكر حين توفي، ثم عزله عمر.
قوله: ألقى الشام بوانيه هو مثل، يقال للإنسان إذا اطمأن بالمكان واجتمع له أمره: قد ألقى بوانيه، وكذلك يقال: ألقى أوراقه، وألقى عصاه.
стр. 5772
وقوله: صار بثنيّةً وعسلاً، فيه قولان: يقال: البثنيّة: حنطةٌ منسوبة إلى بلد بالشام معروفة من دمشق يقال لها: البثنيّة. والقول الآخر: أراد بالبثنية اللّينة، وذلك أن الرملة اللّيّنة يقال لها: بثنة، وتصغيرها: بثينة، ومنها سميت المرأة بثينة، فأراد خالدٌ أن الشام لما اطمأن وذهبت شوكته وسكنا لحرب فيه، وصر ليناً لا مكروه فيه إنما هو خصيب كالحنطة والعسل. وعزلني استعمل غيري. وفي رواية: فلما ألقى الشام بوانيه وصار سمناً وعسلاً، أراد أن يؤثر به غيري.
وقوله: وكان الناس بذي بليّ وذي بلّى، فإنه أراد: تفرق الناس وأن يكونوا طوائف مع غير إمام يجمعهم ويعدي بعضهم من بعض، وكذلك كل من بعد منك حتى لا تعرف موضعه، فهو بذي بليّ وفيه لغة أخرى، بذي بليّان، وذي بليّان، وكان الكسائي ينشد في صفة رجل يطيل النوم: من الوافر
ينام ويذهب الأقوم حتى ... يقال أتوا على ذي بليّان
يعني: أنه أطال النوم، ومضى أصحابه في سفرهم حتى صاروا إلى موضع لا يعرف مكانهم من طول نومه.
ورواه بعضهم: ألقى الشام نواتيه. وليس بشيء، إنما النواتي في كلام أهل الشام: الملاحون الذين في البحر خاصة.
وعزرة: العين غير معجمة والزاي ساكنة منقوطة والراء غير معجمة.
قيل: إن عزرة بقي إلى أيام معاوية.
стр. 5773
عزير بن جروة ويقال ابن شوريق .
ابن عربا بن أيوب بن درتنا بن غرى بن بقي بن إيشوع بن فنحاس ابن العازر بن هارون بن عمران ويقال: عزير بن سروخا قيل: قبره بدمشق.
عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ :
" ثلاث وثلاث وثلاث؛ ثلاث لا يمين فيهن، وثلاث الملعون فيهن، وثلاث أشك فيهن، أما التي لا يمين فيهن: فلا يمين للولد مع والده، ولا للمولى مع سيده، ولا للمرأة مع زوجها. وأما الملعون فيهن: فملعون من دعا لقرابته، وملعون من سبّ والديه، وملعون من غيّر تخوم الأرض. وأما التي أشك فيهن فلا أدري ألعن تبّع أم لا، ولا أدري أكان عزير نبيّاً أم لا ".
قال محمد بن كريب: ونسيت التاسعة. وذكرها غيره فقال: ولا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا.
وعن ابن عباس قال: كان عزير من أبناء الأنبياء، وقد كان أحكم التوراة، ولم يكن في زمانه أحد أعلم بالتوراة منه، ولا كان أحفظ لها منه. وكان يذكر مع الأنبياء، حتى محا الله اسمه حين سأل ربه عن القدر. وكان ممن سباه بختنصّر وهو غلام حدث. فلما بلغ أربعين سنة أعطاه الله الحكمة.
وعن أبي أمامة، عن النبي ﷺ : " إن عزيراً النبي ﵇ كان من المتعبدين، فرأى في منامه أنهاراً تطّرد
стр. 5774
ونيراناص تشتعل، ثم نبه، ثم نام فرأى في منامه أيضاً قطرة ماء كوبيص دمعة، فهي في شرارة من نار في دجن، ثم إنه نبه فكلم الله عز وجلن فقال: رب؟ رأيت في منامي أنهاراً تطرد، ونيراناً تشتعل، ورأيت أيضاً قطرة من ماء كوبيصة دمعة وشرارة من نار. فأجابه الله : " أما ما رأيت في أول، يا عزير، أنهاراً تطرد ونيراناً تشتعل فما قد خلا من الدنيا، وأما ما رأيت من قطرة الماء كوبيصة دمعة وشرارة من نار في دجن فما قد بقي من الدنيا ".
قال وهب: قرأت في مناجاة عزير: اللهم إنك اخترت من الأنعام الضانية، ومن الطير الحمامة، ومن النبات الحبة، ومن البيوت بكا وإيليا ومن إيليا بيت المقدس.
وعن سفيان الثوري قال: قال عزير النبي صلى الله على نبينا وعليه وسلم: يا رب، ما علامة من صافيته في مودته؟ قال: من قنّعته باليسير، وحركته للخطر العظيم، قليل المطعم، وكثير البكاء، يستغفرني بالأسحار، ويبغض فيّ الفجّار.
وقال وهب: بلغني أن الله قال للعزير: " برّ والديك، قال: من بر والديه رضيت عنه، وإذا رضيت باركت، وإذا باركت بلغت الرابعة من النّسل ".
قال ابن عباس: إن عزير بن سروخا هو الذي قال الله تعالى في كتابه: " أو كالّذي مرّ على قريةٍ وهو خاويةٌ على عروشها قال أنّى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مئة عام ":
стр. 5775
وعن ناجية بن كعب الأسدي قال: هو عزير أتى خبازاً قريباً منه، قال له عزير: هل تعرفني؟ فقال: ما أعرفك، ولكني أشبّهك رجلاً كان عندنا يقال له عزير. وفي نسخ: جباراً.
وعن عكرمة: في قوله تعالى: " ولنجعلك آيةً للنّاس " قال: تبعث شاباً وولدك شيوخاً.
ويقال: إن هذه الآية نزلت في إزمياء.
حدث جماعة: أن عزيراً كان عبداً صالحاً حكيماً، خرج ذات يوم إلى ضيعة له يتعاهدها، فلما انصرف انتهى إلى خربة حين قامت الظهيرة، وأصابه الحرّ، فدخل الخربة وهو على حمار له، فنزل عن حماره، ومعه سلّة فيها تينٌ وسلّة فيها عنب، فنزل في ظلّ الخربة، وأخرج قصعة معه، فاعتصر من العنب في القصعة، ثم أخرج خبزاً يابساً معه، فألقاه في تلك القصعة في العصير ليبتل ليأكله، ثم استلقى على قفاه، وأسند رجليه إلى الحائط، فنظر سقف تلك البيوت ورأى ما فيها وهي قائمة على عروشها، وقد باد أهلها، ورأى عظاماً بالية فقال: أنّى يحيي هذه الله بعد موتها! فلم يشك أن الله يحييها، ولكن قالها تعجباً.
فبعث الله ملك الموت، فقبض روحه، فأماته الله مئة عام، فلما أماته الله مئة عام، وكانت فيما بين ذلك في بني إسرائيل أمور وأحداث. قال: فبعث الله إلى عزير ملكاً، فخلق قلبه ليعقل به، وعينيه لينظر بهما؛ فيعقل كيف يحيي الله الموتى، ثم ركّب خلقه وهو ينظر، ثم كسا عظامه اللحم والشّعر والجلد، ثم نفخ فيه الروح، كلّ ذلك
стр. 5776
يرى ويعقل، فاستوى جالساً، فقال له الملك: كم لبثت؟ قال: لبثت يوماً، وذلك أنه كان نام في صدر النهار عند الظهيرة، وبعث في آخر النهار، والشمس لم تغب، فقال: أو بعض يوم، ولم يتم لي يوم، فقال له الملك: بل لبثت مئة عام، فانظر إلى طعامك وشرابك، يعني الطعام الخبز لليابس، وشرابه العصير الذي كان اعتصر في القصعة فإذا هما على حالهما لم يتغيرا، العصير والخبز يابس، فذلك قوله: " لم يتسنّه " يعني: لم يتغيّر، وكذلك التين والعنب غضّ لم يتغير عن شيء من حالهم، فكأنّه أنكر في قلبه.
قال: فركب حماره حتى أتى محلته، فأنكره الناس، وأنكر الناس، وأنكر منازله؛ فانطلق على وهم منه حتى أتى منزله، فإذا بعجوز عمياء مقعدة، قد أتى عليها مئة وعشرون سنة كانت أمةٌ لهم، فخرج عنهم عزير وهي بنت عشرين سنة، وكانت عرفته وعقلته، فلما أصابها الكبر أصابها الزمانة. فقال لها عزير: يا هذه، أهذا منزل عزير؟ قالت: نعم، هذا منزل عزير! فسكت. وقالت: ما رأيت أحداً من كذا وكذا سنة يذكر عزيراً، وقد نسيه الناس. قال: فإني أنا عزير، قالت: سبحان الله! فإن عزيراً قد فقدناه منذ مئة سنة، فلم نسمع له بذكر. قال: فإني أنا عزير كان الله أماتني مئة سنة
стр. 5777
ثم بعثني. قالت: فإن عزيراً رجل مستجاب الدعوة، يدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء، فادع الله أن يردّ عليّ بصري حتى أراك، فإن كنت عزيراً عرفتك؛ فدعا ربه، ومسح يده على عينيها، فصحتا، فأخذ بيدها فقال: قومي بإذن الله، فأطلق الله رجليها، فقامت صحيحة، كأنما نشطت من عقال! فنظرت فقالت: أشهد أنك عزير. فانطلقت إلى محلة بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم، وابن لعزير شيخ ابن مئة سنة وثمان عشرة سنة، وبنو بنيه شيوخ المجلس. فقالت: هذا عزير قد جاءكم، فكذبوها، فقالت: أنا فلانة مولاتكم، دعا لي ربّه؛ فرد عليّ بصري، وأطلق رجلي، وزعم أن الله كان أماته مئة سنة ثم بعثه.
قال: فنهض الناس، فأقبلوا إليه، فنظروا إليه، فقال ابنه: كان لأبي شامة سوداء بين كتفيه، فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير. فقالت بنو إسرائيل: وإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوارة، فيما حدّثنا، غير عزير، وقد حرق بختنصّر التوراة. ولم يبق منها شيءٌ إلا ما حفظت الرجال، فاكتبها لنا. وكان أبوه سروخا قد دفن التوراة أيام بختنصر في موضع لم يعرفه أحدٌ غير عزير، فانطلق بهم إلى ذلك الموضع، فحفره، فاستخرج التوارة، فكان قد عفن الورق، ودرس الكتاب، قال: فجلس في ظل شجرة وبنو إسرائيل حوله، فجدد لهم التوراة. فنزل من السماء شها بان حتى دخلا جوفه فتذكر التوراة، فجددها لبني إسرائيل؛ فمن ثم قالت اليهود: عزير ابن الله جل الله ؛ للذي كان من أمر الشهابين وتجديده للتوراة، وقيامه بأمر بني إسرائيل.
وكان جدّد لهم التوراة بأرض السواد بدير حزقل، والقرية التي مات فيها يقال لها: سابر آباد، فكان كما قال الله: " ولنجعلك آيةً للناس " يعني لبني إسرائيل؛
стр. 5778
ذلك أنه كان يجلس مع بني بنيه وهم شيوخ، وهو شاب؛ لأنه كان مات وهو ابن أربعين سنة، فبعثه الله شاباً كهيئته يوم مات. فقال ابن عباس: بعث بعد بختنصر.
فلما سلط الله على بني إسرائيل بعد بختنصر مرّ أنطياخوس وهدم بيت المقدس، فلما بعث عزير قام بذلك يناشد ربه فيما نزل ببني إسرائيل من بختنصر وما لقوا منه ومن أنطياخوس.
وقيل في قوله: " أو كالذي مرّ على قريةٍ " قال: القرية: أرض المقدس، وذلك أن العزير مرّ بها وهي خراب، فقال: " أنّى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مئة عامٍ ثم بعثه " على السن التي توفاه عليها بعد مئة سنة، وله أربعون سنة، ولأمته عشرون ومئة سنة، ولابن ابنه تسعون سنة. وأنشد في ذلك: من الطويل
وأسود راسٍ شاب من قبله ابنه ... ومن قبله ابن ابنه فهو أكبر
ترى ابن ابنه شيخاً يدبّ على عصا ... ولحيته سوداء والرأس أشقر
وما لابنه حيلٌ ولا فضل قوّةٍ ... يقوم كما يمشي الصبيّ فيعثر
يعد ابنه في الناس تسعين حجّةً ... وعشرين لا يجري ولا يتبختر
وعمر أبيه أربعون أمرّها ... ولابن ابنه في الناس تسعون غبّر
فما هو في المعقول إن كنت دارياً ... وإن كنت لا تدري فبالجهل تعذر
وفي حديث آخر مختصر: فأمر الله ملكاً فنزل بمغرفة من نور فقذفها في عزير فنسخ التوراة حرفاً بحرف حتى فرغ منها.
جاء ابن عباس إلى ابن سلام فقال: إني جئتك أسألك عن أشياء، فقال ابن سلام: وأنت تقرأ القرآن؟! قال: نعم، وإن كنت أقرأ القرآن. قال: ما لي أرى اليهود قالوا: عزير ابن الله، وقد كان فيهم موسى وهارون وداود وسليمان والأنبياء، فلم يقولوا لأحد
стр. 5779
منهم هذا، وقالوا لعزير؟! وما بال سليمان تفقد الهدهد من بين الطير؟ وسمعت الله يذكر تبّعاً فلم يذمّه وذمّ قومه؟.
قال نعم إن تبّعاً غزا بيت المقدس، فسبى أولاد الأحبار، فقدم بهم على قومه، فأعجب بفتية منهم، فجعل يدنيهم وسمع منهم، وجعل الفتية يخبرونه عن الله وما في الآخرة، قال: فأعجب بهم، فجعلهم في سره دون قومه، فتكلم قومه في ذلك، فقالوا: إن هؤلاء الفتية قد غلبوا على تبع، ونخاف أن يدخلوه في دينهم. فبلغ تبعاً ما يقوله قومه؛ فأرسل إلى الفتية فدخلوا عليهم، فقال لهم: ألا تسمعون ما يقول قومي؟ قال الفتية: بيننا وبينهم المنصف، قال: وما هو؟ قالوا: النار التي تحرق الكاذب، ويبرأ فيها الصادق.
قال: فأرسل تبع إلى أحبار قومه فأدخلهم عليه، وقال: اسمعوا ما يقول هؤلاء يقولون: إن لنا ربّاً هو خلقنا وإليه نعود، وإن بين أيدينا جنةً وناراً، فإن أبيتم علينا هذا فبيننا وبينكم النار التي تحرق الكاذب، وينجو منها الصادق؛ فقال قوم تبع: رضينا. فخرج تبع وقومه، وأخرج الناس معه، وأمر بالفتية فأخرجوا، وكانت النار تقبل، حتى إذا كانت قريبة من النار ركدت ولما تبرح.
قال: فلما خرج الفتية أقبلت النار حتى إذا كانت قريبة منهم ركدت. قال تبع للفتية: هذه النار قد أقبلت فتوجهوا نحوها، فتوجه الفتية نحوها، وكانت إذا توجّه قبلها انفرقت فرقتين، فإذا دخلوها وتوسطوها، إن كانوا ليسوا بأهلها جاوزوها، فإذا جاوزوها انضمّت، وإن كانوا أهلها أقبلت عليهم وأحرقتهم. فلما توجه الفتية نحوها انفرقت فرقتين، فلما دنوا منها وجدوا حرها، وسفعت وجوههم؛ فرجعوا هاربين، قال له تبع: لتدخلنّها، أنتم دعوتمونا إلى هذا، قال: فأكرههم على أن دخلوها، ثم مشوا حتى خرجوا منها، فانضمّت.
واختار تبع عدّة الفتية من قومه، فقال: ادخلوها، فلما دنوا منها وجدوا حرّها وسفعت وجوههم رجعوا هاربين، فقال لهم تبع: بئس الرجل أنا إن كنت حملت الفتية
стр. 5780
على النار ثم لا أحملكم عليها، ارجعوا فادخلوها، فدخلوها، فلما توسطوها أحاطت بهم فأحرقتهم؛ فأسلم تبع، وكان رجلاً صالحاً، فذكره الله ولم يذمه، وذم قومه.
وأما الهدهد فكان بمكان من سليمان لم يكن شيء من الطير عنده بمنزلته، فنزل سليمان مفازة، فسأل: كم بعد مفازة الماء؟ فقال الناس: ما ندري، فسأل الشياطين فقالوا: لا ندري؛ فغضب سليمان فقال: لا أخرج حتى أحفر إليه السبيل، فقالت له الشياطين: ليس يعلم هذا إن علمه إلا الهدهد، قال: فكيف ذلك، قالوا: أن يخرج بخار من الأرض قبل طلوع الشمس فيصعد بقدر مسافة الماء، لا يراه شيء إلا الهدهد، ففقد الهدهد عند ذلك.
وأما عزير: فإن بختنصر حين غزا بيت المقدس، فقتلهم وخرب بيت المقدس وحرق التوراة، فبقي بنو إسرائيل ليس فيهم التوراة، إنما يقرؤونها نظراً، فلحق عزير بالجبال، فكان يكون هناك مع الوحوش، فلبث ما شاء الله، وكان يصوم ويرد عند الليل عيناً يشرب منها فيفطر، فورده ليلةً فإذا هو بامرأة قاعدة على الماء، فقال عزير: امرأة والنفس تهم بالشر، والشيطان للإنسان عدو مبين؛ فانصرف عنها ولم يفطر، فلما كان من الغد ورد الماء فإذا هي قاعدة على الماء، فجرى له كالأمس. ثم ورد اليوم الثالث، فإذا هي قاعدة على الماء، وقد كاد أن ينقطع عنقه عطشاً، فقال: يا نفس، النفس تهم بالشر، والشيطان عدو مبين، وامرأة، والخلوة، وأنا مضطر، فمضى إليها ليشرب من العين، وإذا بها قاعدة تبكي، فأقبل عليها وترك الشراب، وقال: ما يبكيك؟ قالت: ابني مات، قال: هل كان ابنك هذا يخلق؟ قالت: لا، قال: فهل كان يرزق؟ قالت: لا، قال: فكيف تبكين على من لا يخلق ولا يرزق؟ قالت: وما تصنع ههنا؟ وأين قومك؟ قال: وأين قومي؟ هلك قومي ومزقوا، قالت له: لج هذه العين فتخرج على قومك. قال: فعرف أنها مثلت له؛ فولج العين، فجعل لا يرفع رجلاً ولا يضع أخرى إلا زاده الله علماً حتى طلع في وسط المسجد، وقد أثبت الله تعالى التوراة في قلبه، كما كتبها لموسى ﵇.
следующие страницы →