Полный текст (10 576 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.
стр. 5776
يرى ويعقل، فاستوى جالساً، فقال له الملك: كم لبثت؟ قال: لبثت يوماً، وذلك أنه كان نام في صدر النهار عند الظهيرة، وبعث في آخر النهار، والشمس لم تغب، فقال: أو بعض يوم، ولم يتم لي يوم، فقال له الملك: بل لبثت مئة عام، فانظر إلى طعامك وشرابك، يعني الطعام الخبز لليابس، وشرابه العصير الذي كان اعتصر في القصعة فإذا هما على حالهما لم يتغيرا، العصير والخبز يابس، فذلك قوله: " لم يتسنّه " يعني: لم يتغيّر، وكذلك التين والعنب غضّ لم يتغير عن شيء من حالهم، فكأنّه أنكر في قلبه.
قال: فركب حماره حتى أتى محلته، فأنكره الناس، وأنكر الناس، وأنكر منازله؛ فانطلق على وهم منه حتى أتى منزله، فإذا بعجوز عمياء مقعدة، قد أتى عليها مئة وعشرون سنة كانت أمةٌ لهم، فخرج عنهم عزير وهي بنت عشرين سنة، وكانت عرفته وعقلته، فلما أصابها الكبر أصابها الزمانة. فقال لها عزير: يا هذه، أهذا منزل عزير؟ قالت: نعم، هذا منزل عزير! فسكت. وقالت: ما رأيت أحداً من كذا وكذا سنة يذكر عزيراً، وقد نسيه الناس. قال: فإني أنا عزير، قالت: سبحان الله! فإن عزيراً قد فقدناه منذ مئة سنة، فلم نسمع له بذكر. قال: فإني أنا عزير كان الله أماتني مئة سنة
стр. 5777
ثم بعثني. قالت: فإن عزيراً رجل مستجاب الدعوة، يدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء، فادع الله أن يردّ عليّ بصري حتى أراك، فإن كنت عزيراً عرفتك؛ فدعا ربه، ومسح يده على عينيها، فصحتا، فأخذ بيدها فقال: قومي بإذن الله، فأطلق الله رجليها، فقامت صحيحة، كأنما نشطت من عقال! فنظرت فقالت: أشهد أنك عزير. فانطلقت إلى محلة بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم، وابن لعزير شيخ ابن مئة سنة وثمان عشرة سنة، وبنو بنيه شيوخ المجلس. فقالت: هذا عزير قد جاءكم، فكذبوها، فقالت: أنا فلانة مولاتكم، دعا لي ربّه؛ فرد عليّ بصري، وأطلق رجلي، وزعم أن الله كان أماته مئة سنة ثم بعثه.
قال: فنهض الناس، فأقبلوا إليه، فنظروا إليه، فقال ابنه: كان لأبي شامة سوداء بين كتفيه، فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير. فقالت بنو إسرائيل: وإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوارة، فيما حدّثنا، غير عزير، وقد حرق بختنصّر التوراة. ولم يبق منها شيءٌ إلا ما حفظت الرجال، فاكتبها لنا. وكان أبوه سروخا قد دفن التوراة أيام بختنصر في موضع لم يعرفه أحدٌ غير عزير، فانطلق بهم إلى ذلك الموضع، فحفره، فاستخرج التوارة، فكان قد عفن الورق، ودرس الكتاب، قال: فجلس في ظل شجرة وبنو إسرائيل حوله، فجدد لهم التوراة. فنزل من السماء شها بان حتى دخلا جوفه فتذكر التوراة، فجددها لبني إسرائيل؛ فمن ثم قالت اليهود: عزير ابن الله جل الله ؛ للذي كان من أمر الشهابين وتجديده للتوراة، وقيامه بأمر بني إسرائيل.
وكان جدّد لهم التوراة بأرض السواد بدير حزقل، والقرية التي مات فيها يقال لها: سابر آباد، فكان كما قال الله: " ولنجعلك آيةً للناس " يعني لبني إسرائيل؛
стр. 5778
ذلك أنه كان يجلس مع بني بنيه وهم شيوخ، وهو شاب؛ لأنه كان مات وهو ابن أربعين سنة، فبعثه الله شاباً كهيئته يوم مات. فقال ابن عباس: بعث بعد بختنصر.
فلما سلط الله على بني إسرائيل بعد بختنصر مرّ أنطياخوس وهدم بيت المقدس، فلما بعث عزير قام بذلك يناشد ربه فيما نزل ببني إسرائيل من بختنصر وما لقوا منه ومن أنطياخوس.
وقيل في قوله: " أو كالذي مرّ على قريةٍ " قال: القرية: أرض المقدس، وذلك أن العزير مرّ بها وهي خراب، فقال: " أنّى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مئة عامٍ ثم بعثه " على السن التي توفاه عليها بعد مئة سنة، وله أربعون سنة، ولأمته عشرون ومئة سنة، ولابن ابنه تسعون سنة. وأنشد في ذلك: من الطويل
وأسود راسٍ شاب من قبله ابنه ... ومن قبله ابن ابنه فهو أكبر
ترى ابن ابنه شيخاً يدبّ على عصا ... ولحيته سوداء والرأس أشقر
وما لابنه حيلٌ ولا فضل قوّةٍ ... يقوم كما يمشي الصبيّ فيعثر
يعد ابنه في الناس تسعين حجّةً ... وعشرين لا يجري ولا يتبختر
وعمر أبيه أربعون أمرّها ... ولابن ابنه في الناس تسعون غبّر
فما هو في المعقول إن كنت دارياً ... وإن كنت لا تدري فبالجهل تعذر
وفي حديث آخر مختصر: فأمر الله ملكاً فنزل بمغرفة من نور فقذفها في عزير فنسخ التوراة حرفاً بحرف حتى فرغ منها.
جاء ابن عباس إلى ابن سلام فقال: إني جئتك أسألك عن أشياء، فقال ابن سلام: وأنت تقرأ القرآن؟! قال: نعم، وإن كنت أقرأ القرآن. قال: ما لي أرى اليهود قالوا: عزير ابن الله، وقد كان فيهم موسى وهارون وداود وسليمان والأنبياء، فلم يقولوا لأحد
стр. 5779
منهم هذا، وقالوا لعزير؟! وما بال سليمان تفقد الهدهد من بين الطير؟ وسمعت الله يذكر تبّعاً فلم يذمّه وذمّ قومه؟.
قال نعم إن تبّعاً غزا بيت المقدس، فسبى أولاد الأحبار، فقدم بهم على قومه، فأعجب بفتية منهم، فجعل يدنيهم وسمع منهم، وجعل الفتية يخبرونه عن الله وما في الآخرة، قال: فأعجب بهم، فجعلهم في سره دون قومه، فتكلم قومه في ذلك، فقالوا: إن هؤلاء الفتية قد غلبوا على تبع، ونخاف أن يدخلوه في دينهم. فبلغ تبعاً ما يقوله قومه؛ فأرسل إلى الفتية فدخلوا عليهم، فقال لهم: ألا تسمعون ما يقول قومي؟ قال الفتية: بيننا وبينهم المنصف، قال: وما هو؟ قالوا: النار التي تحرق الكاذب، ويبرأ فيها الصادق.
قال: فأرسل تبع إلى أحبار قومه فأدخلهم عليه، وقال: اسمعوا ما يقول هؤلاء يقولون: إن لنا ربّاً هو خلقنا وإليه نعود، وإن بين أيدينا جنةً وناراً، فإن أبيتم علينا هذا فبيننا وبينكم النار التي تحرق الكاذب، وينجو منها الصادق؛ فقال قوم تبع: رضينا. فخرج تبع وقومه، وأخرج الناس معه، وأمر بالفتية فأخرجوا، وكانت النار تقبل، حتى إذا كانت قريبة من النار ركدت ولما تبرح.
قال: فلما خرج الفتية أقبلت النار حتى إذا كانت قريبة منهم ركدت. قال تبع للفتية: هذه النار قد أقبلت فتوجهوا نحوها، فتوجه الفتية نحوها، وكانت إذا توجّه قبلها انفرقت فرقتين، فإذا دخلوها وتوسطوها، إن كانوا ليسوا بأهلها جاوزوها، فإذا جاوزوها انضمّت، وإن كانوا أهلها أقبلت عليهم وأحرقتهم. فلما توجه الفتية نحوها انفرقت فرقتين، فلما دنوا منها وجدوا حرها، وسفعت وجوههم؛ فرجعوا هاربين، قال له تبع: لتدخلنّها، أنتم دعوتمونا إلى هذا، قال: فأكرههم على أن دخلوها، ثم مشوا حتى خرجوا منها، فانضمّت.
واختار تبع عدّة الفتية من قومه، فقال: ادخلوها، فلما دنوا منها وجدوا حرّها وسفعت وجوههم رجعوا هاربين، فقال لهم تبع: بئس الرجل أنا إن كنت حملت الفتية
стр. 5780
على النار ثم لا أحملكم عليها، ارجعوا فادخلوها، فدخلوها، فلما توسطوها أحاطت بهم فأحرقتهم؛ فأسلم تبع، وكان رجلاً صالحاً، فذكره الله ولم يذمه، وذم قومه.
وأما الهدهد فكان بمكان من سليمان لم يكن شيء من الطير عنده بمنزلته، فنزل سليمان مفازة، فسأل: كم بعد مفازة الماء؟ فقال الناس: ما ندري، فسأل الشياطين فقالوا: لا ندري؛ فغضب سليمان فقال: لا أخرج حتى أحفر إليه السبيل، فقالت له الشياطين: ليس يعلم هذا إن علمه إلا الهدهد، قال: فكيف ذلك، قالوا: أن يخرج بخار من الأرض قبل طلوع الشمس فيصعد بقدر مسافة الماء، لا يراه شيء إلا الهدهد، ففقد الهدهد عند ذلك.
وأما عزير: فإن بختنصر حين غزا بيت المقدس، فقتلهم وخرب بيت المقدس وحرق التوراة، فبقي بنو إسرائيل ليس فيهم التوراة، إنما يقرؤونها نظراً، فلحق عزير بالجبال، فكان يكون هناك مع الوحوش، فلبث ما شاء الله، وكان يصوم ويرد عند الليل عيناً يشرب منها فيفطر، فورده ليلةً فإذا هو بامرأة قاعدة على الماء، فقال عزير: امرأة والنفس تهم بالشر، والشيطان للإنسان عدو مبين؛ فانصرف عنها ولم يفطر، فلما كان من الغد ورد الماء فإذا هي قاعدة على الماء، فجرى له كالأمس. ثم ورد اليوم الثالث، فإذا هي قاعدة على الماء، وقد كاد أن ينقطع عنقه عطشاً، فقال: يا نفس، النفس تهم بالشر، والشيطان عدو مبين، وامرأة، والخلوة، وأنا مضطر، فمضى إليها ليشرب من العين، وإذا بها قاعدة تبكي، فأقبل عليها وترك الشراب، وقال: ما يبكيك؟ قالت: ابني مات، قال: هل كان ابنك هذا يخلق؟ قالت: لا، قال: فهل كان يرزق؟ قالت: لا، قال: فكيف تبكين على من لا يخلق ولا يرزق؟ قالت: وما تصنع ههنا؟ وأين قومك؟ قال: وأين قومي؟ هلك قومي ومزقوا، قالت له: لج هذه العين فتخرج على قومك. قال: فعرف أنها مثلت له؛ فولج العين، فجعل لا يرفع رجلاً ولا يضع أخرى إلا زاده الله علماً حتى طلع في وسط المسجد، وقد أثبت الله تعالى التوراة في قلبه، كما كتبها لموسى ﵇.
стр. 5781
قال: فدعا بني إسرائيل إلى التوراة، فكتبها لهم. قال: فقالت بنو إسرائيل: لم يستطع موسى أن يأتينا بها إلا في كتاب، وأتانا بها عزير من غير كتاب؛ فرماه طوائف منهم، فقالوا: هو ابن الله جل وعز وتقدس.
وعن ابن عباس قال: آيةٌ لا يسألني الناس عنها، لا أدري أعرفوها فلم يسألوا عنها، أو جهلوها فلا يسألون عنها؛ قيل له: وما هي؟ قال: لما نزلت: " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ". شقّ على قريش، فقالوا: شتم آلهتنا. فجاء ابن الزّبعرى فقال: ما لكم؟ فقالوا: شتم آلهتنا، قال: فما قال؟ قالوا: قال: " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون " قال: ادعوه، فلما دعي النبي ﷺ قال له: يا محمد هذا شيء لآلهتنا خاصة أو لكل من عبد من دون الله؟ قال: " لا بل لكل من عبد من دون الله ". فقال ابن الزبعرى: خصمت ورب هذه البنية يعني: الكعبة ألست تزعم أن الملائكة عباد صالحون، وأن عيسى عبد صالح، وأن عزيراً عبد صالح، وهذه بنو مليح يعبدون الملائكة، وهذه النصارى يعبدون عيسى، هذه اليهود تعبد عزيراً!! قال: فضج أهل مكة؛ فأنزل الله تعالى: " إنّ الذين سبقت لهم منّا الحسنى " الملائكة وعيسى وعزير " أولئك عنها مبعدون ".
وعن ابن عباس قال: إن الله لما بعث موسى وناجاه، وأنزل عليه التوراة، ورأى مكانه من ربه ، قال: اللهم إنك رب عظيم، لو شئت أن تطاع لأطعت، ولو شئت
стр. 5782
أن لا تعصى ما تعصيت وأنت تحب أن تطاع، وأنت في ذلك تعصى، فكيف هذا أي رب؟ فأوحى الله إليه: " إني لا أسأل عما أفعل وهو يسألون ". فانتهى موسى.
فلما بعث الله عزيراً، وآتاه التوراة، بعدما كان قد رفعها عن بني إسرائيل حتى قال من قال منهم: إن الله إنما خصه بالتوراة من بيننا أنه ابنه. فلما رأى منزلته من ربه قال: اللهم إنك رب عظيم لو شئت أن تطاع لأطعت، ولو شئت أن لا تعصى ما عصيت وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذل تعصى، فكيف هذا أي رب؟ فأوحى الله إليه: " إني لا أسأل عما أفعل ". فأبت نفسه حتى سأل أيضاً، فقال: اللهم إنك رب لو شئت أن تطاع لأطعت، ولو شئت أن لا تعصى ما عصيت وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى، فكيف هذا أي رب؟ فأوحى الله إليه: " يا عزير أتستطيع أن ترد يوم أمس؟ " قال: لا، قال: " أتستطيع أن تصر صرّة من الشمس؟ " قال: لا، قال: " أتستطيع أن تجيء بحصاة من الأرض السابعة؟ " قال: لا، قال: " أتستطيع أن تجيء بمثقال من الريح؟ " قال: لا، قال: " أتستطيع أن تجيء بقيراط من نور؟ " قال: لا، قال: " فهذا لا تقدر على الذي سألت عنه، إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون، أما إني لا أجعل عقوبتك إلا أن أمحو اسمك من الأنبياء فلا تذكر بينهم "، وهو نبي مرسل أو رسول.
فلما بعث الله عيسى ابن مريم وأنزل عليه الكتاب والحكم والتوراة والإنجيل، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، وينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم. فرأى مكانه من ربه ، قال: اللهم إنك رب عظيم، ولو شئت أن تطاع لأطعت، ولو شئت أن لا تعصى ما عصيت وأنت تحب أن تطاع، وأنت في ذل تعصى، فكيف هذا أي رب؟ فأوحى الله تعالى إليه: " إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون، إنما أنت عبدي ورسولي وكلمتي ألقيتها إلى مريم، وروح مني خلقتك من غير أب، ثم قلت لك: كن فكنت، لئن لم تنته لأفعلن بك ما فعلت بصاحبك بين يديك ": فجمع الحواريين ومن معه فقال: إن القدر سرّ الله فلا تتكلفوا.
стр. 5783
وفي رواية: إن القدر سريرة الله، فلا تسألوا عن سريرة الله.
وقال في الحديث عن عزير: إنه زجره فلم يزدجر، فقال الله تعالى: " يا عزير تريد أن تسألني عن أصل علمي؟، فوعزتي لأمحونّ اسمك من النبوة ". قال: فعاقبه الله تعالى فمحا اسمه من النبوة؛ فلم يذكر مع الأنبياء. قال: ثم لم يكفّ فقال: يا رب، اشتبه علي أمري! فبعث الله إليه ملكاً فقال: يا عزير، إن الله يقول: " وما الذي اشتبه عليك؟ " قال: يا رب، تسليطك على بني إسرائيل وهم أبناء أنبيائك وأصفيائك عبدة النيران، فقتلوا وسبوا وحرقوا بيت المقدس بيتك الذي اخترته لنفسك، وحرقوا كتابك الذي جاء به موسى، فكيف هذا يا رب؟ فقال له الملك: يا عزير، إن الله جل ثناؤه يقول: " اسكت، وما أنت وذاك؟! " فقال للملك: اشفع لي إلى الله، فقال الملك: يا عزير، أنت فتعبّد وسل ربك. قال: فتعبد أربعين يوماً ثم سأل ربه؛ فأوحى الله إليه: " يا عزير، إن بني إسرائيل قتلوا أنبيائي وانتهكوا محامي؛ فسلطت عيهم من لا يرجو ثوابي ولا يخاف عقابي، يكون أبلغ لي منهم في العقوبة، فمن ثمّ سلطت عليهم بختنصر وعبدة النيران.
قال: يا رب إنك حكم عدل، وأنت لا تجور، فكيف عذبت العامة بذنب الخاصة، والأصاغر بذنب الأكابر، فكيف هذا يا رب؟ فقال الله تعالى: " يا عزير، اخرج إلى فلاة من الأرض، يأتيك أمري ".
قال: فخرج فأتاه ملك فقال: يا عزير إن ربك يقول: " أتستطيع أن ترد يوم أمس؟ " قال: لا، قال: " فتستطيع أن تصرّ صرة من الشمس؟ " قال: لا، قال: " فتستطيع أن تكيل مكيالاً من نور؟ " قال: لا، قال: " فتستطيع أن تزن مثقالاً من الريح؟ " قال: لا، قال: " فتستطيع أن تجيء بحصاة من البحر السابع من قعره؟ " قال: فكذلك لا تستطيع أن تعلم أصل علمي ". ثم سلط الله عليه الشمس حتى صمحته من فوق رأسه، وسلط عليه الرمضاء من تحت رجليه حتى بلغ مجهوده وأيقن بالهلاك، فظن أنها عقوبة الذي سأل،
стр. 5784
إذا رفت له سحابة فعدا إليها، فإذا تحتها نهر جارٍ، فاغتسل فيه، ثم تروح في ظلها، فغلبته عيناه، فنام حتى استثقل نوماً. فسلط الله عليه قرية النمل، فارتفعن على ساقيه، فنخسته نملةٌ منها، فدلك إحدى رجليه على الأخرى؛ فقتل نملاً وذراً كثيراً، فانتبه، فأوحى الله إليه فقال: " يا عزير: لم قتلت هذا النمل؟ " قال: يا رب نخستني منها نملة، قال: " يا عزير، نخستك نملة، وقتلت نملاً كثيراً وذراً!! ".
وفي حديث آخر: لما انتبه عزير أحرق قرية النمل، فأوحى الله إليه: " فهلاً نملة واحدة؟! ".
وفي حديث آخر: فأوحى الله إليه: " يا عزير أحرقت قرية النمل، فبلغ من أذاهن إياك أن تحرقهن بالنار، وإنما عضتك منها نملة؟! " فقال: يا رب، إنما عضتني تلك الواحدة بقوتهن. فعلم عزير أن هذا مثل ضربه الله له، فقال عند ذلك عزير: يا رب، أنت كذلك أنت لا يدرك أحد كنه علمك وقدرتك. فقال الله تعالى: " يا عزير زعمت أني حكم عدل لا أجور بين عبادي، وكذلك أنا، وزعمت أني أعذب العامة بذنب الخاصة، والأصاغر بذنب الأكابر. يا عزير، إني لا أعذب العامة بذنب الخاصة حتى يعملوا المنكر جهاراً، فلا يأمروا ولا ينهوا، فأعذب الخاصة بالذنوب والمعاصي؛ فأعجلهم إلى النار، وأعاقب العامة بذنب الخاصة حين تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهم يقدرون على ذلك، فإذا كان يوم القيامة حاسبتهم بأعمالهم، وكان الذي عجلت لهم العقوبة في الدنيا لما تركوا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما الأصاغر فأقبضهم بآجالهم قبضاً لطيفاً إلى راحتي ".
قال عزير: كذلك أنت إلهي. فقال له ربه: " قم يا عزير، ارجع إلى قومك، وانطلق إلى مدينتك، وقم فيهم، فقد شفعتك فيهم وأنا رادهم إليها ".
стр. 5785
فجمعهم الله وخلصهم من أيدي عدوهم، فجمعهم في بيت المقدس في خير حال، حتى قبض الله إليه عزيراً، فعتوا بعد ذلك، وبغى بعضهم على بعض، فجعلوا يخرجون من ليست له منعة من ديارهم، ويأخذون أموالهم؛ فسلط الله عليهم بعد ذلك طططيس بن سيس الرومي، فغزا بيت المقدس، فذلك قوله : " وإن عدتم عدنا ".
فعادوا إلى البغي؛ وأعاد الله عليهم العقوبة، فغزاهم طططيس، فهزمهم الله، فقتل مقاتليهم، وحمل كنوز بيت المقدس، وألقى فيه الجيف، وحمل الأموال التي كانت فيها، فهي في بيوت أموالهم بالروم، ففيهم نزلت: " ومن أظلم ممّن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين ". يعني أهل الروم، فليس رومي يدخل بيت المقدس إلا خائفاً، مستنكراً يستوحشه إذا نظر إلى بيت المقدس، ثم يصبح فيدخله. " ولهم في الدنيا خزيّ " يعني: أن يقتل مقاتلة الروم وتسبى ذراريهم حتى يفتحها الله على أمة محمد ﷺ في آخر الزمان " ولهم في الآخرة عذابٌ عظيمٌ " يعني عذاب النار يوم القيامة.
وقد أتى في الحديث عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : " أن نملة قرصت نبياً من الأنبياء؛ فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه أن: في قرصة نملة أهلكت أمة من الأمم؛ فاستح؟ ".
وعن وهب: أن عزيراً قام شافعاً إلى الله في بني إسرائيل، وذكر الذي أصابهم من عظم المصيبة والبلاء، وما تتبع عليهم من الملك بختنصر وأنطياخوس. فقال: يا رب أنت خلقت الأرض بكلمتك، وكانت على مشيئتك، ثم خلقت فيها آدم بقدرتك جسداً، ثم نفخت فيه من روحك؛ فكان بشراً سويّاً، ثم أسجدت له ملائكتك،
стр. 5786
وأسكنته جنتك التي خلقتها بيدك، ثم أمرته فعصاك، وأخرجته من الجنة، وقضيت عليه الموت وعلى ولده من بعده، فلما عصاك وأخرجته من الجنة فلم تخرج منه الضعف الذي به عصاك، وأخرجت منه ذريتهم، فلم تخرج ذلك الضعف من ذريته الذي يعصيك به الخاطئون، ثم اخترت من ذريته نوحاً وأهلكت به البرية بدعوته لكفرهم بك، ثم اخترت من ولد نوح إبراهيم، ومن ولد إبراهيم إسحاق، ومن ولد إسحاق يعقوب، ثم أخرجت آل يعقوب من مصر، ورغبت بهم عنها، وبوأتهم الشام، ثم أنزلت عليهم كتابك، وعهدت إليهم عهدك، ثم اخترت داود ثم سليمان من بعده، فأمرت ببناء بيتك المقدس من مالك، فسخرت له الإنس والجن والشياطين؛ فبنى ذلك البيت ليذكر فيه اسمك، ويسبحك من خلقك؛ فعصاك أهل ذلك البيت، وليسوا بأول من عصاك؛ فعاقبتهم على معصيتك، فسلطت عليهم من قتل أنبياءك وخرّب بيتك، وأحرق كتابك الذي أنزلت، وأذل أولياءك وأعز به أعداءك؛ فعجب يا رب كيف أسلمت أولياءك وأعززت أعداءك؟ وعجب ما الذي ينفعنا أن نسمّى أولياءك ونحن عبيد لأعدائك وخولٌ لأهل معصيتك؟! فكيف هذا يا رب؟! وعن ابن عباس: أن عزيراً سأل الله فقال: يا رب أنت خلقت الشر وقدّرته، فلم تعذب عليه؟ فأوحى الله تعالى إليه: " يا عزير، أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك من اسم النبوة "، فأعاد عزير القول ثلاث مرات؛ فمحا الله اسمه من النبوة.
فما بعث عيسى ﵇ سأل عن مثل ما سأل عنه عزير؛ فأوحى الله إليه: " يا بن العذراء البتول: إنه غيبي مكتوبٌ تحت عرشي المكنون ".
وعن رجاء بن سويد: أن عيسى بن مريم سأل ربه فقال: يا رب إنك عدل وقضاؤك عدل، فكيف تقضي
стр. 5787
على العبد بالذنب ثم تعذبه عليه؟! فقال: " يا بن البتول: اله عن هذا فإنه من مكنون علمي ".
وعن أنس بن مالك قال: جاء عزير النبي ﷺ إلى باب موسى بن عمران بعدما محي اسمه من ديوان النبوة فحجب؛ فرجع وهو يقول: مئة موتةٍ أهون من ذل ساعة.
قال عطاء بن أبي رباح: كان أمر عزير بين عيسى ومحمد ﷺ .
وقال عطاء أيضاً: كان في الفترة تسعة أشياء: بختنصر، وجنة صنعاء، وجنة سبأ، وأصحاب الأخدود، وأمر حاصوراء، وأصحاب الكهف، وأصحب الفيل، ومدينة أنطاكية، وأمر تبع.
وقال الحسن: كان أمر عزير وبختنصر في الفترة.
وعن وهب بن منبه: أنها كانت بين عيسى وسليمان. والله أعلم أي ذلك كان.
عزير بن الأحنف بن الفضل
أبو عصمة البخاري البيكندي. ويقال الجرجاني لعله سكن جرجان؛ فنسب إليها.
سمع بدمشق وبغيرها.
стр. 5788
وحدث عن قتيبة بسنده إلى أنس: أن النبي ﷺ كان لا يدخر شيئاً لغده.
توفي أبو عصمة ببلخ سنة ثمان وثمانين ومئتين.
عسكر بن حصين
أبو تراب النخشبي أحد العباد السائحين، قدم دمشق.
وحدث عن محمد بن نمير بسنده إلى جابر قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب فإن الله يطعمهم ويسقيهم ".
وذكر أبو نعيم أن نخشب من خراسان، ووهم في ذلك، إنما هي من وراء النهر، وهي نسف.
قال ابن الجلاّء: صحبت ست مئة شيخ ما لقيت فيهم مثل أربعة، أولهم أبو تراب النخشبي.
قال أبو تراب: الفقير قوته ما وجد، ولباسه ما ستر، ومنزله حيث نزل.
وقال: إذا صدق العبد في العمل وجد حلاوته قبل أن يعمل، وإذا أخلص فيه وجد حلاوته وقت مباشرة العمل.
стр. 5789
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: جاء أبو تراب إلى أبي، فجعل أبي يقول: فلان ضعيف، فلان ثقة، فقال أبو تراب: يا شيخ لا نغتاب العلماء؛ فالتفت أبي إليه فقال له: ويحك هذه نصيحة، ليس هذا غيبة.
وكان أبو تراب صحب حاتماً الأصم وأخذ منه طريقة التوكل.
كان أبو تراب إذا رأى من أصحابه ما يكره زاد في اجتهاده، وجدد توبته ويقول: بشؤمي دفعوا إلى ما دفعوا إليه لأن الله تعالى يقول: " إن الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم ".
قال: وسمعته يقول لأصحابه: من لبس منكم مرقّعةً فقد سأل: ومن قعد في خانقاه أو في مسجد فقد سأل، ومن قرأ القرآن من مصحف أو كيما يسمع الناس فقد سأل الناس.
قال: وكان يقول: بيني وبين الله أن لا أمدّ يدي إلى حرام إلا قصرت يدي عنه.
قال أبو تراب: لابد للأستاذ من أربعة أشياء: تمييز فعل الله من فعل الخلق، ومعرفة مقامات العمال، ومعرفة الطبائع والنفوس، وتمييز الخلاف من الاختلاف.
وكان أبو تراب يقول: لا أعلم شيئاً أضرّ للمريدين من أسفارهم على متابعة قلوبهم ونفوسهم الاعتقاد الباطل.
стр. 5790
نظر أبو تراب إلى صوفي مدّ يده إلى قشر البطيخ وقد طوى ثلاثة أيام؛ فقال له أبو تراب: تمد يدك إلى قشر البطيخ؟! أنت لا يصلح لك التصوف، الزم السوق.
مر أبو تراب مزيّن فقال له: تحلق رأسي لله ؟ فقال له: اجلس، ففيما يحلق رأسه مرّ به أميرٌ من أهل بلده، فقال: أليس هذا أبو تراب؟ فقالوا: نعم، قال: أيشٍ معكم من الدنانير؟ فقال له رجل من خاصته: معي ألف دينار، فقال: إذا قام فأعطه واعتذر إليه وقل له: لم يكن معنا غير هذه؛ فجاء الغلام إليه، فقال له: الأمير يقرأ عليك السلام وقال لك: ما حضر معنا غير هذه الدنانير، فقال له: ادفعها إلى المزيّن، فقال له المزيّن: أيشٍ أعمل بها؟ فقال: خذها، فقال: لا والله ولو أنها ألفا دينار، تشترط عليّ وتقول: احلق رأسي لله، لا والله ولو أنها ألفا دينار ما أخذتها، فقال له أبو تراب: مرّ إليه فقل له: إن المزين ما أخذها، خذها أنت فاصرفها في مهمّاتك.
قال أبو نصر السراج: شرط التوكل ما قاله أبو تراب النخشبي وهو طرح البدن في العبودية، وتعلق القلب بالربوبية، والطمأنينة إلى الكفاية، فإن أعطي شكر، وإن منع صبر.
سئل أبو تراب عن صفة العارف، فقال: الذي لا يكدره شيء، ويصفو به كل شيء.
قال أبو تراب: ما تمنّت نفسي عليّ قط إلا مرة، تمنت عليّ خبزاً وبيضاً، وأنا في سفري، فعدلت عن الطريق إلى قرية، فوثب رجل وتعلق بي وقال: كان هذا مع اللصوص، فبطحوني وضربوني سبعة خشبة. فوقف علينا رجل، فصرخ وقال: هذا أبو تراب النخشبي!، فخلوني واعتذروا إليّ، وأدخلني الرجل منزله، فقدم إليّ خبزاً وبيضاً، فقلت: كلها بعد سبعين جلدة.
стр. 5791
قال أبو تراب: إذا تواترت النعم على أحدكم فليبك على نفسه، فقد سلك به غير طريق الصالحين.
قال أبو تراب: ليس ينال الرضا من للدنيا في قلبه مقدار.
دخل أبو تراب من بادية البصرة فسئل عن أكله، فقال: خرجت من البصرة فأكلت بالنّباج، ثم بذات عرق، ومن ذات عرق إليكم. فقطع البادية بأكلتين.
قال محمد بن يوسف البنا:
كان أبو تراب النخشبي صاحب كرامات، فسافرت معه سنة، وكان معه أربعون نفساً. ثم أصابتنا مرة فاقة، فعدل أبو تراب عن الطريق، وجاء بعذق موز فناولنا، وفينا شاب، فلم يأكل! فقال له أبو تراب: كل، فقال: الحال الذي أعتقده ترك المعلومات، وصرت أنت معلومي، فلا أصحبك بعد هذا. فقال أبو تراب: كن مع ما وقع لك.
قال أبو العباس الرّقّي: كنا مع أبي تراب في طريق مكة، فعدل عن الطريق إلى ناحية، فقال له بعض أصحابه: أنا عطشان، فضرب برجله فإذا عين ماء زلال، فقال الفتى: أحب أن أشربه في قدح! فضرب بيده الأرض، فناوله قدحاً من زجاج أبيض كأحسن ما رأيت! فشرب وسقانا. وفمازال القدح معنا إلى مكة. فقال لي أبو تراب يوماً: ما يقول أصحابك في هذه الأمور التي يكرم الله بها عباده؟ فقتل: ما رأيتك أحداً إلا وهو يؤمن بها، فقال: من لم يؤمن بها فقد كفر! إنما سألتك من طريق الأحوال، فقلت: ما أعرف لهم
стр. 5792
قولاً فيه. فقال: بلى قد زعم أصحابك أنا خدع من الجن، وليس الأمر كذلك. إنما الخدع في حال السكون إليها، فأما من لم يقترح ذلك ولم يساكنها فتلك مرتبة الربانيين.
كان أبو تراب يقول: من كان غناه بماله لم يزل فقيراً، ومن كان غناه في قلبه لم يزل غنياً، ومن كان غناه بربّه فقد قطع عنه اسم الفقر والغنى، لأنه دخل في حيّز ما لا وصف له.
قال أبو تراب: إذا ألفت القلوب الإعراض عن الله صحبتها الوقيعة في أولياء الله.
قال أبو تراب: وقفت خمساً وعشرين وقفة، فلما كان من قابل رأيت الناس بعرفات ما رأيت قط أكثر منهم، ولا أكثر خشوعاً وتضرعاً ودعاءً، فأعجبني ذلك، فقلت: اللهم من لم تتقبل حجّته من هذا الخلق فاجعل ثواب حجّتي له، وأفضنا من عرفات وبينا نجمع رأيت في المنام هاتفاً يهتف بي: " تتسخى وأنا أسخى الأسخياء، وعزتي وجلالي ما وقف هذا الموقف أحد قط إلا غفرت له "، فانتبهت فرحاً بهذه الرؤية، فرأيت يحيى بن معاذ الرازي وقصصت عليه الرؤيا، فقال: إن صدقت رؤياك فأنت تعيش أربعين يوماً. فلما كان يوم إحدى وأربعين جاؤوا إلى يحيى بن معاذ فقالوا: إن أبا تراب مات، فغسله ودفنه.
قال إبراهيم الخواص: مات أبو تراب بين مكة والمدينة، نهشته السباع سنة خمس وأربعين ومئتين بالبادية.
стр. 5793
قال أبو عمر الإصطخري: رأيت أبا تراب ميتاً في البادية قائماً منتصباً لا يمسكه شيء.
قال أبو تراب النّهراوني: رأيت كأن القيامة قد قامت، والأهوال قد بدت، والأمم جاثية على الركب، والكل قد همه شأنه، فبيناهم كذلك إذ لاح علم كبير ونور ساطع أضاءت منه القيامة؛ قال الناس: هذا ملكٌ مقرب أو نبي مرسل. إذا منادٍ ينادي: هذا أبو تراب النخشبي الذي آثر الله على ماله، وبذل نفسه لمولاه، فهبّت ريح من قبل العرش نثرت على الخلق نثاراً، فما أحد إلا أصابه منه.
عصمة بن أبي عصمة إسرائيل بن بجماك
أبو عمرو البخاري حدث بدمشق عن عمة زوج بن بجماك بسنده إلى أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: " لا تسموا العنب الكرم، فإن الكرم الرجل المسلم ".
قال عصمة العباداني: كنت أجول في بعض الفلوات إذ أبصرت ديراً فيه صومعة، فيها راهب، فناديته، فأشرف عليّ، فقلت له: من أين تاتيك الميرة؟ قال: من مسيرة شهر، قلت: حدثني بأعجب ما رأيت. قال: نعم، بينا أنا ذات يوم أدير نظري في هذه البرية، وأتفكر في
стр. 5794
عظمة الله وقدرته إذ رأيت طائراً أبيض مثل النعام كبيراً قد وقع على تلك الصخرة، وأومأ إلى صخرة بيضاء، فتقايا رأساً ثم رجلاً ثم ساقاً، وإذا هو كلما تقايا عضواً من تلك الأعضاء التأمت بعضها إلى بعض أسرع من البرق الخاطف بقدرة الله عز وجلن حتى استوى رجلاً جالساً بقدرة الله، فإذا هم بالنهوض نقره الطائر نقرة قطعه أعضاءً ثم يرجع فيبتلعه.
فلم يزل على ذلك أياماً؛ فكثر تعجبي، وازددت يقيناً بعظمة الله ، وعلمت أن لهذه الأجساد حياة بعد الموت، فلم يزل على ذلك أياماً، فالتفت إليه يوماً، فقلت: أيها الطائر، سألتك بحق الله الذي خلقك وبرأك إلا أمسكت عنه حتى أسائله فيخبرني بقصته. فأجابني الطائر بصوت عربي: الخلق لذي الملك وله البقاء الذي يفني كل شيء ويبقى، أنا ملك من ملائكة الله موكل بهذا الجسد لما أجرم وجرى عليه من قضاء الله، وأمرني الله أن آتي هذا المكان لتسأله وتخاطبه، ليخبرك بما كان منه، فسله. فالتفت إليه، فقلت: يا هذا الرجل المسيء لنفسه ما قصتك؟ ومن أنت؟ قال: أنا عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي، وإني لما قتلته وصارت روحي بين يدي الله ، ناوني صحيفة مكتوبة، فيها ما عملته من الخير والشر منذ يوم ولدتني أمي إلى أن قتلت عليّ بن أبي طالب، وأمر الله هذا الملك بعذابي إلى يوم القيامة، فهو يفعل فيّ ما تراه، ثم سكت فنقره الطائر نقرة نثر أعضاءه بها، ثم جعل يبتلعه عضواً عضواً. فلما فرغ منه، قال: يا آدمي: إن ماض عنك، وخير وصيتي لك: أن تتقي الله في سرك وعلانيتك، فهذا جزاء من قتل نفساً زكية، قد كتب لها السعادة من الله ، وكتب على قاتلها النار والعذاب من الله ، وقد أتاني رسول الله أن أمضي بهذا الجسد جزيرة في البحر الأسود الذي تخرج منه هوام أهل النار فأعذبه إلى يوم القيامة.
كان عصمة مقيماً بمصر، تحول إلى دمشق.
وذكر الفضل بن جعفر أنه سمع من عصمة سنة ثلاث مئة.
стр. 5795
عصمة بن أبي عصمة البعلبكي
حدث عن أبي عبد الله محمد بن بكير البصري بسنده إلى أم سليم زوجة أبي طلحة الأنصاري أنها قالت: لم تر فاطمة بنت رسول الله ﷺ دماً قط في حيض ولا في نفاس، وكانت يصب عليها من ماء الجنة؛ وذلك أن رسول الله ﷺ لما أسري به دخل الجنة، وأكل من فاكهة الجنة، شرب من ماء الجنة، فنزل من ليلته فوقع على خديجة، فحملت بفاطمة، رضوان الله وسلامه عليها، فكان حمل فاطمة من ماء الجنة.
عطارد بن حاجب بن زرارة
ابن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم بن مالك بن حنظلة ابن مالك بن زيد منامة من تميم ويقال: إن حاجباً لقب زرارة، لقّب بذلك لكبر حاجبيه أبو عكرمة التميمي أسلم على عهد سيدنا رسول الله ﷺ ووفد عليه، واستعمله سيدنا رسول الله ﷺ على صدقات بني دارم، ووفد على معاوية.
روى عطارد بن حاجب: أنه أهدى إلى النبي ﷺ ثوب ديباج كساه إياه كسرى، فدخل أصحابه فقالوا: أنزلت عليك من السماء؟ فقال: " وما تعجبون من ذا؟ لمنديلٌ من مناديل سعد بن معاذ في الجنة خيرٌ من هذا "، ثم قال: " يا غلام، اذهب به إلى أبي جهم بن حذيفة، وقل له: يبعث إليّ بالخميصة ".
стр. 5796
عن ابن عمر قال: رأى عمر عطارد التميمي يقيم بالسوق حلة سيراء، وكان رجلاً يغشى الملوك، فقال عمر: يا رسول الله، إني رأيت عطارد يقيم في السوق حلة سيراء، فلو اشتريتها ولبستها لوفود العرب إذا قدموا عليك، وأظنه قال: ولبستها يوم الجمعة، فقال له رسول الله ﷺ : " إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة ".
فلما كان بعد ذلك أتي رسول الله ﷺ بحلل سيراء، فبعث إلى عمر بحلة، وبعث إلى أسامة بن زيد بحلة، وأعطى علي بن أبي طالب حلة وقال: " شقّقها خمراً بين نسائك ". فجاء عمر يحملها، فقال: يا رسول الله: بعثت إليّ بهذه، وقلت بالأمس في حلة عطارد ما قلت: قال: " إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، ولكن بعثت بها إليك لتصيب بها ". فأما أسامة فراح في حلته فنظر إليه رسول الله ﷺ نظراً عرف أن رسول الله عليه وسلم أنكر ما صنع، فقال: يا رسول الله ما تنظر إليّ وأنت بعثت بها إليّ؟ قال: " إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، ولكن بعثت لها إليك لتشققها خمراً بين نسائك ".
بعث رسول الله ﷺ بشر بن سفيان، ويقال: نعيم بن عبد الله النحام على صدقات بني كعب. فجاء وقد حلّ بنواحيهم من بني تميم بنو عمرو بن جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم، فهم يشربون معهم على غدير لهم بذات الأشطاط. ويقال: وجدهم على عسفان، ثم أمر بجمع مواشي خزاعة ليأخذ منها الصدقة، فحشرت عليه خزاعة الصدقة من كل ناحية، فاستنكر ذلك بنو تميم، وقالوا: ما هذا؟ تؤخذ أموالكم منكم ثباطاً؟! وتحبّشوا وتقلدوا القسيّ وشهروا السيوف. فقال الخزاعيون: نحن قوم ندين بدين الإسلام، وهذا من ديننا. فقال التميميون: والله لا يصل إلى بعر منها أبداً.
стр. 5797
فقملا رآهم المصدق هرب منهم، فانطلق مولّياً، وهو يخافهم، والإسلام يومئذٍ لم يعم العرب، وقد بقيت بقايا من العرب، فهم يخافون السيف؛ لما فعل رسول الله ﷺ بمكة وحنين.
وقد كان رسول الله ﷺ أمر مصدقيه أن يأخذوا العفو منهم ويتوقّوا كرائم أموالهم. فقدم المصدق على النبي ﷺ ، فأخبره الخبر، وقال: يا رسول الله، إنما كنت في ثلاثة نفر. فوثبت خزاعة على التميميين، فأخرجوهم من محالهم، وقالوا: لولا قرابتكم ما وصلتم إلى بلادكم، لتدخلنّ علينا بلاء من عداوة محمد وعلى أنفسكم، حيث تتعرضون لرسول رسول الله ﷺ ، تردونهم عن صدقات أموالنا. فخرجوا راجعين إلى بلادهم.
فقال رسول الله ﷺ : " من لهؤلاء القوم الذين فعلوا ما فعلوا؟ " فانتدب أول الناس عيينة بن حصن الفزاري، فقال: أنا لهم أتبع آثارهم، ولو بلغوا يبرين حتى أنيل بهم إن شاء الله تعالى، فترى فيهم رأيك أو يسلموا.
فبعثه رسول الله ﷺ في خمسين فارساً من العرب ليس فيها مهاجرٌ واحد ولا أنصاري. وكان يسير بالليل ويكمن بالنهار، خرج على ركوبة حتى انتهى إلى العرج، فوجد خبرهم وأنهم قد عارضوا إلى أرض بني سليم.
فخرج في إثرهم حتى وجدهم قد عدلوا من السّقيا يؤمّون أرض بني سليم في
стр. 5798
صحراء، فدخلوا وسرحوا مواشيهم، والبيوت خلوف ليس فيها أحد إلا النساء ونفير، فلما رأوا الجمع ولّوا، وأخذوا منهم أحد عشر رجلاً، ووجدوا في المحلة من النساء إحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيّاً، فجلبهم إلى المدينة، فأمر بهم النبي ﷺ فحبسوا في دار رملة بنت الحارث.
فقدم منهم عشرة من رؤسائهم: العطارد بن حاجب بن زارة، والزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، وعمرو بن الأهتم، والأقرع بن حابس، ورياح بن الحارث بن مجاشع. فدخلوا المسجد قبل الظهر، فلما دخلوا سألوا عن سبيهم، فأخبروا بهم، فجاؤوهم فبكى الذراري والنساء، فرجعوا حتى دخلوا المسجد ثانية ورسول الله ﷺ يومئذٍ في بيت عائشة، وقد أذن بلال الأذان الأول، والناس ينتظرون خروج رسول الله ﷺ ، فعجلوا خروجه فنادوه: يا محمد، اخرج إلينا، فقام إليهم بلال، فقال: إن رسول الله ﷺ يخرج الآن، فاستشهر أهل المسجد أصواتهم، فجعلوا يخفضونهم بأيديهم.
فخرج رسول الله ﷺ ، وأقام بلال الصلاة، وتعلقوا به يكلمونه، فوقف رسول الله ﷺ معهم بعد إقامة بلال الصلاة مليّاً، وهم يقولون: أتيناك بخطيبنا وشاعرنا فاستمع منا؛ فتبسم النّبي ﷺ ، ثم مضى فصلى بالناس الظهر، ثم انصرف إلى بيته، فركع ركعتين، ثم خرج فجلس في صحن المسجد.
وقدّموا عطارد بن حاجب التميمي، فخطب فقال: الحمد لله الذي له الفضل علينا، والذي جعلنا ملوكاً، وأعطانا الأموال نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثرهم مالاً وأكثرهم عدداً، فمن مثلنا في الناس؟ ألسنا برؤوس الناس وذوي فضلهم؟ فمن يفاخر فليعدد مثلما عددنا، ولو شئنا لأكثرنا من
стр. 5799
الكلام، ولكنا نستحي من الإكثار فيما أعطانا الله، أقول هذا لأن يؤتى بقولٍ هو أفضل من قولنا! فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس: " قم فأجب خطيبهم ".
فقال ثابت وما كان درى من ذلك بشيء وما هيأ قبل ذلك ما يقول، فقال: الحمد لله الذي السماوات والأرض خلقه، قضى فيها أمره، ووسع كل شيء علمه، فلم يكن شيء إلا من فضله، ثم كان مما قدر الله أن جعلنا ملوكاً، اصطفى لنا من خلقه رسولاً، أكرمهم نسباً، وأحسنهم زيّاً، وأصدقهم حديثاً، أنزل عليه كتابه، وائتمنه على خلقه، وكان خيرته من عباده، فدعا إلى الإيمان؛ فآمن المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أصبح الناس أنصار الله ورسوله، نقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن آمن بالله ورسوله منع منا ماله ودمه، ومن كفر بالله ورسوله جاهدناه في ذلك، وكان قتله علينا يسيراً، أقول قولي هذا وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات. ثم جلس.
فقالوا: يا رسول الله ائذن لشاعرنا، فأذن له؛ فأقاموا الزبرقان بن بدر فقال: من البسيط
نحن الملوك فلا حيٌّ يقاربنا ... فينا الملوك وفينا تنصب البيع
وكم قسرنا من الأحياء كلّهم ... عند النّهاب وفضل الخير يتّبع
ونحن نطعم عند القحط ما أكلوا ... من السّديف إذا لم يؤنس القزع
وننحر الكوم عبطاً في أرومتنا ... للنازلين إذا ما استنزلوا شعبوا
فقال رسول الله ﷺ : " أجبهم يا حسان بن ثابت "، فقام فقال: من البسيط
стр. 5800
إنّ الذوائب من فهرٍ وإخوتهم ... قد شرعوا سنة للناس تتّبع
يرضى بها كلّ من كانت سريرته ... تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا
قومٌ إذا حاربوا ضرّوا عدوّهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجيةٌ تلك منهم غير محدثةٍ ... إن الخلائق فاعلم شرّها البدع
لا يرقع الناس ما أوهت أكفّهم ... عند الدّفاع ولا يوهون ما رقعوا
ولا يضنّون عن جار بفضلهم ... ولا ينالهم في مطمع طبع
إن كان في الناس سبّاقون بعدهم ... فكلّ سبقٍ لأدنى سبقهم تبع
أكرم بقومٍ رسول الله شيعتهم ... إذا تفرقت الأهواء والشّيع
أعفّةٌ ذكرت في الوحي عفتهم ... لا يطمعون ولا يرديهم طمع
كأنهم في الوغى والموت مكتنعٌ ... أسدٌ ببيشة في إرصاعها قذع
لا فرّح إن أصابوا في عدوّهم ... وإن أصيبوا فلا خورٌ ولا جزع
وإن أصبنا لحي لم ندبّ لهم ... كما تدبّ إلى الوحشية الذّرع
نسمو إلى الحرب نالتنا مخالبها ... إذا الزعانف من أطرافها خشعوا
خذ منهم ما أتوا عفواً إذا غضبوا ... ولا يكن همّك الأمر الذي منعوا
فإنّ في حربهم فاترك عداوتهم ... سماً عريضاً عليه الصاب والسّلع
أهدى لهم مدحاً قلبٌ يؤازره ... فيما أحب لسانٌ حائكٌ صنع
وإنهم أفضل الأحياء كلّهم ... إذ جدّ بالناس جدّ القول أو شمعوا
стр. 5801
وكان رسول الله ﷺ قد أمر بمنبر فوضع في المسجد ينشد عليه حسان، وقال: " إن الله ليؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن نبيه ".
وسرّ رسول الله ﷺ والمسلمون بمقام ثابت، وشعر حسان.
وخلا الوفد بعضهم إلى بعض، فقال قائلهم: تعلمن والله أن هذا الرجل مؤيد مصنوع له، والله لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعرهم أشعر من شاعرنا ولهم أحلم منا.
وكان ثابت بن قيس من أجهر الناس صوتاً. وأنزل الله على نبيه ﷺ في رفع أصوات التميميين، ويذكر أنهم نادوا النبي ﷺ من وراء الحجرات، فقال: " يا أيّها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النّبيّ " إلى قوله: " أكثرهم لا يعقلون ". يعني تميماً حين نادوا النبي ﷺ ، وكان ثابت حين نزلت هذه الآية لا يرفع صوته عند سيدنا رسول الله ﷺ .
ورد رسول الله ﷺ الأسرى والسبي، وقام عمرو بن الأهتم يومئذٍ فهجا قيس بن عاصم، كانا جميعاً في الوفد. وكان رسول الله ﷺ قد أمر لهم بجوائز، وكان يجيز الوفد إذا قدموا عليه، ويفضل بينهم في العطية على قدر ما يرى. فلما أجازهم سيدنا رسول الله ﷺ قال: " هل بقي منكم من لم نجزه؟ " فقالوا: غلام في الرحل، فقال رسول الله ﷺ : " أرسلوه، نجيزه ". فقال قيس بن عاصم: إنه لا شرف له. قال رسول الله ﷺ : " وإن كان فإنه وافد وله حق ". فقال عمروا بن الأهتم شعراً يريد قيس بن عاصم: من البسيط
أظللت مفترشاً هلباك تشتمني ... عند الرسول فلم تصدق ولم تصب
стр. 5802
إنا وسؤددنا عودٌ وسؤددكم ... مجلف بمكان العجب والذنب
إن تبغضونا فإن الروم أصلكم ... والروم لا تملك البغضاء للعرب
وفي حديث آخر بمعناه: أن سبيهم لما جلب إلى المدينة قدم عليهم جماعة منهم، وأنه لما صلى الظهر قال الأقرع: يا محمد، ائذن لي، فوالله إن حمدي لزينٌ، وإنّ ذمّي لشينٌ. فقال له رسول الله ﷺ : " كذبت، ذاك الله تباك وتعالى ".
قالوا: وكان عطارد بن حاجب مع سجاح بنت الحارث بن سويد التي تنبأت في بني تميم فقال عطارد: من البسيط
أمست نبيّتنا أنثى نطيف بها ... وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا
عطاف المعلم
الذي ينسب إليه زقاق عطاف. كان عطاف يعلم صبيّاً يقول له: " والعاديات ضبحاً ". فيقول: والعاديات ذبحاً، حتى إذا أعياه ضرب بأسفل اللوح نحره فقال: يا معلم ضبحتني ضبحتني. قال: فأين هذا الكلام من تلك الساعة يا كذا وكذا.
стр. 5803
عطاء بن أبي رباح
واسم أبي رباح: أسلم أبو محمد القرشي الفهري مولى آل حنتم وفد على هشام.
حدث عطاء عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ استلم الحجر فقبله، واستلم الركن اليماني فقبّل يده.
وحدث عطاء عن زيد بن خالد الجهني عن النبي ﷺ أنه قال: " من جهّز غازياً في سبيل الله أو خلفه في أهله كان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجر الغازي شيء، ومن جهز حاجّاً أو خلفه في أهله كان له مثل أجر الحاج من غير أن ينتقص من أجر الحاج شيء، ومن فطر صائماً كان له مثل أجره ".
قال ابن جريج: قلت لعطاء: هل لرجل بالشام رخصة في الشتاء أن يمسح قدميه مسحاً ليس عليهما خفان؟ قال: لا، ثم قال: أما أنا فإني كنت غاسلاً هنالك في الشتاء، ثم تلا عليّ قوله في الوضوء، قال: لا أراه إلا الغسل، إنما الرخصة في المسح على الخفين من أجل الدفء.
قال عثمان بن عطاء الخراساني: انطلقت مع أبي وهو يريد هشام بن عبد الملك، فلما قربنا إذا شيخ أسود على حمار، عليه قميص دريس وجبة دنسة وقلنسوة لاطية دنسة، وركاباه من خشب، فضحكت، وقلت لأبي: من هذا الأعرابي؟ قال: اسكت! هذا سيّد فقهاء أهل الحجاز، هذا عطاء بن أبي رباح.
стр. 5804
فلما قربت نزل أبي عن بغلته، ونزل هو عن حماره، فاعتنقا وتساءلا، ثم ركبا فانطلقا إلى باب هشام. فلما رجع أبي قلت: حدثني ما كان منكما. قال: لما قيل لهشام: عطاء بن أبي رباح أذن له، وما دخلت إلا بسببه. فلما رآه هشام قال: مرحباً مرحباً: هاهنا، هاهنا، فرفعه حتى مسّت ركبته ركبته، وعنده أشراف الناس يتحدثون فسكتوا. فقال هشام: ما حاجتك يا أبا محمد؟ قال: يا أمير المؤمنين، أهل الحرمين أهل الله، وجيران رسول الله ﷺ تقسم فيهم أعطياتهم وأرزاقهم؛ قال: نعم، يا غلام اكتب لأهل المدينة وأهل مكة بعطاءين وأرزاقهم لسنة. ثم قال: هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل الحجاز وأهل نجد أصل العرب وقادة الإسلام ترد فيهم فضول صدقاتهم. قال: نعم، اكتب يا غلام بأن ترد فيهم صدقاتهم. هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. أهل الثغور يرمون من وراء بيضتكم، ويقاتلون عدوّكم قد أجريتم لهم أرزاقاً تدرّها عليهم، فإنهم إن يهلكوا غزيتم، قال: نعم، اكتب بحمل أرزاقهم إليهم يا غلام. هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل ذمتكم لا تجبى صغارهم ولا تتعتع كبارهم، ولا يكلفون ما لا يطيقون، فإن ما تجبونه معونة لكم على عدوكم. قال: نعم، اكتب يا غلام بأن لا يحملوا ما لا يطيقون. هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، اتق الله في نفسك، فإنك وحدك، وتموت وحدك، وتحشر وحدك، وتحاسب وحدك، لا والله ما معك ممن ترى أحد.
قال: وأكبّ هشام، وقام عطاء. فلما كنا عند الباب إذا رجل قد تبعه بكيس ما أدري ما فيه أدراهم أم دنانير! وقال: إن أمير المؤمنين أمر لك بهذا، قال: لا أسألكم
стр. 5805
عليه أجراً، إن أجري إلا عند ربّ العالمين. ثم خرج عطاء، ولا والله ما شرب عندهم حسوة من ماء فما فوقه.
قال يحيى بن معين: كان أبو رباح أبو عطاء لامرأة من بني فهر، وكان عطاء معلم كتّاب دهراً.
وكان عطاء من مولّدي الجند، ونشأ بمكة، وانتهت فتوى مكة إليه وإلى مجاهد في زمانهما، وأكثر ذلك إلى عطاء، وكان عامل عمر بن الخطاب على مكة. وكان أشر أعور، كانت يده شلاء، ضربت أيام ابن الزبير. قالوا: وكان أسود شديد السواد، أعور أفطس أعرج أشل أعور، ثم عمي بعد ذلك. وكان أنفه كأنه باقلاة، ولم يكن في رأسه شعر إلا شعرات في مقدم رأسه، وكان فصيحاً إذا تكلم، وما قال بالحجاز قبل منه، وكان ثقةً فقيهاً عالماً كثير الحديث.
جاء سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين إلى عطاء هو وابناه، فجلسوا إليه وهو يصلي، فلما صلى انفتل إليهم، فما زالوا يسألونه عن مناسك الحج وقد حول قفاه إليهم، ثم قال سليمان لابنيه: قوما؛ فقاما، فقال: يا بني لا تنيا في طلب العلم فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود.
وكان عطاء يخضب بالحناء.
ولد عطاء سنة سبع وعشرين، وكان عطاء يقول: إنه ولد لعامين خلوا من خلافة عثمان.
قال ابن جريج: قلت لعطاء: هل رأيت أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ إذا استلموا قبلوا أيديهم؟ فقال: نعم رأيت جابر بن عبد الله وابن عمر وأبا سعيد الخدري وأبا هريرة إذا
стр. 5806
استلموا قبلوا أيديهم، قلت: وابن عباس؟ قال: نعم، حسبت كثيراً. قلت: هل تدع أنت إذا استلمت أن تقبل يدك؟ قال: فلم أستلمه إذاً؟ قال عبد الرازق: أخذ أهل مكة الصلاة من ابن جريج، وأخذها ابن جريج عن عطاء، وأخذها عطاء من ابن الزبير، وأخذها ابن الزبير من أبي بكر الصديق ﵁، وأخذها أبو بكر الصديق عن النبي ﷺ ، وأخذها النبي ﷺ عن جبريل ﵇.
قال عبد الرزاق: وما رأيت أحداً أحسن صلاة من ابن جريج، كان يصلي ونحن خارجون فيرى كأنه أسطوانة، وما يلتفت يميناً ولا شمالاً.
وفي حديث آخر بمعناه: وأخذها النبي ﷺ عن الله تعالى.
قال ابن جريج: كان عطاء بعدما كبر وضعف يقوم إلى الصلاة، فيقرأ مئتي آية من سور البقرة وهو قائم ما يزول منه شيء ولا يتحرك.
قال ابن عيينة: قلت لابن جريج: ما رأيت مصلياً مثلك! قال: فكيف لو رأيت عطاء؟! قدم ابن عمر مكة فسألوه، فقال: تجمعون لي المسائل وفيكم عطاء بن أبي رباح؟! وعن قتادة قال:
أعلم الناس من أهل زمانه بالحرام والحلال الحسن، وأعلمهم بالتفسير عكرمة، وأعلمهم بالمناسك عطاء.
стр. 5807
قال الأصمعي: دخل عطاء بن أبي رباح على عبد الملك بن مروان وهو على سريره، وحوله الأشراف في مكة في حجه في خلافته، فقام إليه وسلم عليه، وأجلسه معه على السرير، وقعد ين يديه وقال له: يا أبا محمد حاجتك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، اتق الله في حرم الله وحرم رسوله فتعاهده بالعمارة، واتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار، فإنك بهم جلست هذا المجلس، واتق الله في أهل الثغور، فإنهم حصن المسلمين، وتفقد أمور المسلمين، فإنك وحدك المسؤول عنهم، واتق الله فيمن على بابك، فلا تغفل عنهم، ولا تغلق دونهم بابك. فقال له: أفعل. ثم نهض وقام، فقبض عليه عبد الملك فقال: يا أبا محمد إنما سألتنا حوائج غيرك، وقد قضيناها، فما حاجتك؟ فقال: ما لي إلى مخلوق حاجة، ثم خرج، فقال عبد الملك: هذا وأبيك الشرف! هذا وأبيك السؤدد.
قال ابن أبي ليلى: دخلت على عطاء بن أبي رباح فجعل يسألني، فكأن أصحابه جعلوا يعجبون من ذلك، فقال: ما تنكرون من ذلك؟ هو أعلم مني.
قال ابن أبي ليلى: وكان عطاء قد حجّ سبعين حجة، وعاش مئة سنة.
قال ابن أبي ليلى: ورأيته يشرب الماء في رمضان ويقول: قال ابن عباس: " وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكينٍ فمن تطوّع خيراً فهو خيرٌ له " إني أطعم أكثر من مسكين.
قال محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان: ما رأيت مفتياً خيراً من عطاء بن أبي رباح، إنما كان مجلسه ذكر الله لا يفتر، وهم
стр. 5808
يخوضون، فإن تكلم أو سئل عن شيء أحسن الجواب.
قال الأوزاعي: مات عطاء وهو أرضى أهل الأرض، وكان أكثر من يستند غليه سبعةٌ أو ثمانيةٌ، وما كان أكثرهم من يهتدى إليه.
قال رجل لابن جريج: لولا هذا الأسودان لم يكن لنا فقه. قال: من؟ قال: عطاء ومجاهد. فقال ابن جريج: فضّ الله فاك، تقول لهما الأسودان؟! قال سلمة بن كهيل: ما رأيت أحداً يريد بهذا العلم وجه الله غير هؤلاء الثلاثة: عطاء وطاوس ومجاهد.
قال ابن جريج: كان المسجد فراش عطاء عشرين سنة، وكان من أحسن الناس صلاةً.
قال أبو عبد الله: العلم خزائن يقسمه الله لمن أحب، لو كان يخص بالعلم أحداً لكان أهل بيت رسول الله ﷺ أولى.
كان عطاء بن أبي رباح واسم أبي رباح أسلم حبشياً، وكان يزيد بن أبي حبيب نوبيّاً أسود، وكان الحسن البصري مولى للأنصار، وكان ابن سيرين مولى للأنصار.
قال الزهري: قدمت على عبد الملك بن مروان، فقال: من أين قدمت يا زهري؟ قلت: من مكة.
قال: ثمن خلفت يسودها وأهلها؟ قلت: عطاء بن أبي رباح. قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال: فيم سادهم؟ قلت: بالديانة والرواية. قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا.
стр. 5809
قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاووس بن كيسان. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال: فيم سادهم؟ قلت: بما سادهم به عطاء. قال: إنه لينبغي ذلك.
قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن أبي حبيب. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي.
قال: فمن يسود أهل الشام؟ قلت: مكحول. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، عبد نوبيّ أعتقته امرأة من هذيل.
قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي.
قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قلت: الضحاك بن مزاحم. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي.
قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن البصري. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي.
قال: ويلك فمن يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النخعيّ. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من العرب؛ قال: ويلك يا زهري؛ فرّجت عني، والله ليسودنّ الموالي على العرب في هذا البلد حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها.
قلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو دين، من حفظه ساد، ومن ضيعه سقط.
قال عبد الرحمن بن سابط: ما أرى إيمان أهل الأرض يعدل إيمان أبي بكر، ولا أرى إيمان أهل مكة يعدل إيمان عطاء.
قال عمر بن ذر: ما رأيت مثل عطاء قط، وما رأيت على عطاء قميصاً قط، ولا رأيت عليه ثوباً يسوى خمسة دراهم.
стр. 5810
قال الربيع:
سمعت الشافعي وسأله رجل عن المشي، فحنث بالمشي إلى الكعبة، فأفتاه بكفارة يمين؛ فقال له الرجل: بهذا تقول يا أبا عبد الله؟ فقال: هذا قول من هو خير مني. قال: من هو؟ قال: عطاء بن أبي رباح.
سئل عطاء عن شيء، فقال: لا أدري، فقيل له: ألا تقول فيها برأيك؟ قال: إني أستحي من الله أن يدان في الأرض برأيي.
قال يعلى بن عبيد الطنافسي: دخلنا على محمد بن سوقة فقال: يا بن أخي أحدثكم بحديث لعله ينفعكم، فقد نفعني، قال لنا عطاء بن أبي رباح: إن من قبلكم كانوا يعدّون فضول الكلام عداً: كتاب الله، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو أن تنطق في معيشتك التي لابد لك منها. أتنكرون أن عليكم حافظين كراماً كاتبين " عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد؟ " أما يستحي أحدكم لو نشرت صحيفته التي أملى صدر نهاره وليس فيها شيء من أمر آخرته؟.
سئل عطاء من أين معاشه؟ قال: نيل السلطان ومواساة الإخوان.
قال عمران بن جابر: رأيت عمامة عطاء مخرقة، فقلت: أنا أعطيك عمامتي، قال: إنما لا تقبل إلا من الأمراء.
стр. 5811
قال يعقوب بن عطاء: كان عطاء يريد المسجد فيلبس ثيابه، فيرى أن ليس عنده أحد، قال: وهو لا يبصر من أحد شقتيه، قال: فقلت له: يا أبه، كأنك تشتكي عينك هذه؟! قال: وفطنت لها؟ قلت: نعم، قال: ما أبصرت بها منذ أربعين سنة وما علمت أمك.
قال يعقوب بن عطاء: كان رجل يحدث أبي بحديث كان أبي أحفظ لذلك الحديث من الرجل، قال: فجعل أبي يصغي إليه، فقلت أنا للرجل: إن أبي يحفظ هذا الحديث، فصاح أبي وقال: مه يا بني، فلما قام الرجل قال لي أبي: يا بني لم تبغّض أباك إلى جليسه؟ لقد سمعت هذا الحديث قبل أن يولد أبوه، ولقد كان يحدث أخاه بالحديث، والذي يحدّث بالحديث أحفظ من الذي يحدّثه، فما يزيده على أن يقول: ما أحسنه، إرادة أن يسرّه.
قالوا: وكان عطاء قد اختلط بأخرة، فتركه ابن جريج وقيس بن سعد.
قال عطاء: وددت أني أحسن العربية، وهو يومئذ ابن تسعين سنة.
قال بعض الكوفيين: كان عطاء بن أبي رباح من المرجئة.
ولما حضرت عطاء الوفاة. صحن النساء، فقال عطاء: اكفني هؤلاء، فإن أيين عليك فاستعن عليهن بالسلطان، ثم جعل يقول: يا صريخ الأخيار، يا صريخ الأخيار. فلم يزل يقول حتى مات.
توفي عطاء بن أبي رباح سنة أربع عشرة ومئة، وقيل: سنة خمس عشرة
стр. 5812
ومئة: وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وقيل: مات سنة ست عشرة ومئة، وقيل: سنة سبع عشرة ومئة، والله أعلم.
عطاء بن ابي صيفي بن نضلة
ابن قانف بن الحويرث بن الحارث الثقفي وفد على يزيد بن معاوية وعزاه عن أبيه.
قال شجاع بن إسحاق: أو من عزّى وهنّأ في مقام واحد عطاء بن أبي صيفي الثقفي. عزّى ابن معاوية بأبيه وهنّأه بالخلافة، ففتح للناس باب الكلام.
لما مات معاوية بن أبي سفيان دخل على يزيد أشراف أهل الشام، فلم يجتمع لأحد منهم تعزية مع تهنئة. فدخل عليه عطاء بن أبي صيفي فقال: يا أمير المؤمنين، أصبحت رزئت خليفة الله، وأعطيت خلافة الله، قضى معاوية نحبه، يغفر الله له ذنبه، وأعطيت بعده الرئاسة، ومنحت السياسة، فاحتسب على الله عظيم الرزية. واشكر الله على حسن العطية، وأعظم الله أجرك. وأحسن على الخلافة عونك.
عطاء بن قرة أبو قرة السلولي
من أهل دمشق.
حدث عن عبد الله بن ضمرة السلولي عن أبي هريرة: أنه كان مع النبي ﷺ رجل لا يكاد يرى، ولا يعرف له كثير عمل، فمات، فقال النبي ﷺ وهو في أصحابه: " هل علمتم أن الله قد أدخل فلاناً الجنة؟ ". قال: فتعجب القوم، إذ كان لا يكاد يرى، فقام إلى أهله رجل، فسأل امرأته عن عمله، فقالت: ما كان له كثير عمل إلا ما قد رأيت، غير أنه قد كانت فيه خصلة. قال: وما هي؟ قالت: كان
стр. 5813
لا يسمع المؤذن في ليل ولا نهار، وعلى أي حال، ما كان يقول: أشهد أن لا إله إلا الله قال مثل ذلك، فإذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله قال مثل قوله. فقال الرجل: بهذا دخل الجنة. فجاء حتى إذا كان من النبي ﷺ ، وهو في أصحابه بحيث يسمع الصوت، نادى النبي ﷺ : " أتيت أهل فلان، فسألتهم عن عمله، فأخبروك بكذا وكذا ". فقال الرجل: أشهد أنك رسول الله.
وحدث عطاء بن قرة عن عبد الله بن ضمرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " ذراري المسلمين في الجنة يكفلهم إبراهيم ﷺ ".
وبسنده أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : " من سره أن يسقيه الله الخمر في الآخرة فليتركها في الدنيا، ومن سره أن يكسوه الله الحرير في الآخرة فليتركه في الدنيا، أنهار الجنة تفجّر من تحت تلال، أو تحت جبال المسك، ولو كان أدنى أهل الجنة حلية، عدلت بحلية أهل الدنيا جميعاً، لكان ما يحليه الله به في الآخرة أفضل من حلية أهل الدنيا جميعاً ".
قال محمد بن أيوب بن ميسرة بن حلبس: إني لجالس عند عطاء بن قرة السلولي إذ أتانا من يخبرنا بأن دمشق دخلت يوم عبد الله بن علي، فقتل فيها نحو من أربعة آلاف. فقال له عطاء بن قرة: ما تقول يا عبد الله؟! قال: نعم. قال: فوضع عطاء بن قرة يده على صدره، وجعل يقول: وافؤاداه! وافؤاداه! حتى مات في مجلسه، وماله بدمشق قريب ولا حميم.
قوله: أربعة آلاف يعني من الأزد، قال: وقد روى أنه قتل فيها خمسين ألفاً.
стр. 5814
عطاء بن أي مسلم
واسم أبي مسلم ميسرة ويقال: عبد الله أبو أيوب ويقال: أبو عثمان، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو صالح الخراساني مولى المهلب بن أبي صفرة الأزدي سكن الشام، ودخل دمشق.
قال عطاء: حدثني شيخ بسوق البرم بالكوفة عن كعب بن عمرة أنه قال: جاءني رسول الله ﷺ وأنا أنفخ تحت قدر لأصحابي، وقد امتلأ رأسي ولحيتي قملاً؛ فأخذ بجبهتي، وقال: " احلق هذا، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين "، وقد كان رسول الله ﷺ علم أن ليس عندي ما أنسك به.
وحدث عطاء الخراساني عن الحسن البصري عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قلت لأبي ذر الغفاري: يا عم أوصني، قال: يا بن أخ: إن رسول الله ﷺ قال ذات يوم: " من ركع ثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة ".
وحدث عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب أنه قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ يضرب نحره، وينتف شعره، ويقول: هلك الأبعد! فقال رسول الله ﷺ : " وما ذاك؟ " قال: أصبت امرأتي في رمضان وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : " هل تستطيع أن تعتق رقبة؟ " قال: لا. قال: " هل تستطيع أن تهدي بدنة؟ " قال: لا. قال: فأتى رسول الله ﷺ بعرق تمر، فقال: " خذ هذا فتصدق به "، فقال يا رسول الله ما أحد أحوج إليه مني، فقال: كله. " فصم يوماً مكان ما أصبت ".
стр. 5815
قال مالك: قال عطاء: فسألت سعيد بن المسيب، كم في ذلك العرق من التمر؟ فقال: ما بين خمسة عشر صاعاً إلى عشرين.
قال سليمان بن داود الخولاني: إن عمر بن عبد العزيز كان يصلي العتمة لساعتين تمضيان من الليل، فجاء عطاء الخراساني فحدثه حديثاً فأخرها ساعةً أخرى.
قال الأوزاعي: قدم عطاء الخراساني على هشام، فنزل على مكحول، فقال عطاء لمكحول: هاهنا من يحركنا يعني: يعظنا؟ قال: يزيد بن ميسرة، فأتوه، فقال له عطاء: حركنا رحمك الله قال: عم، كانت العلماء إذا علموا عملوا، فإذا عملوا شغلوا، فإذا شغلوا فقدوا، فإذا فقدوا طلبوا، فإذا طلبوا هربوا. قال: أعد عليّ. فأعاد عليه، فرجع ولم يلق هشاماً.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما مات العبادلة: عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص، صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي؛ فصار فقيه أهل مكة عطاء بن أبي رباح، وفقيه أهل اليمن طاووس، وفقيه أهل اليمامة يحيى بن أبي كثير، وفقيه أهل البصرة الحسن، وفقيه أهل الكوفة إبراهيم النّخعي، وفقيه أهل الشام مكحول، وفقيه أهل خراسان عطاء الخراساني، إلا المدينة فإن الله خصّها بقرشي، فكان فقيه أهل المدينة غير مدافع سعيد بن المسيب.
قال إبراهيم بن أبي عبلة: كنا نجلس إلى عطاء الخراساني بعد الصبح، فيدعو بدعوات، فغاب ذات يوم؛ فتكلم رجل من المؤدبين، فأنكر رجاء بن حيوة صوته، فقال: من هذا؟ فقال: أنا يا أبا المقدام. قال: اسكت، فإنا نكره أن نسمع الخير إلا من أهله.
следующие страницы →