Полный текст (10 576 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.
стр. 5811
قال يعقوب بن عطاء: كان عطاء يريد المسجد فيلبس ثيابه، فيرى أن ليس عنده أحد، قال: وهو لا يبصر من أحد شقتيه، قال: فقلت له: يا أبه، كأنك تشتكي عينك هذه؟! قال: وفطنت لها؟ قلت: نعم، قال: ما أبصرت بها منذ أربعين سنة وما علمت أمك.
قال يعقوب بن عطاء: كان رجل يحدث أبي بحديث كان أبي أحفظ لذلك الحديث من الرجل، قال: فجعل أبي يصغي إليه، فقلت أنا للرجل: إن أبي يحفظ هذا الحديث، فصاح أبي وقال: مه يا بني، فلما قام الرجل قال لي أبي: يا بني لم تبغّض أباك إلى جليسه؟ لقد سمعت هذا الحديث قبل أن يولد أبوه، ولقد كان يحدث أخاه بالحديث، والذي يحدّث بالحديث أحفظ من الذي يحدّثه، فما يزيده على أن يقول: ما أحسنه، إرادة أن يسرّه.
قالوا: وكان عطاء قد اختلط بأخرة، فتركه ابن جريج وقيس بن سعد.
قال عطاء: وددت أني أحسن العربية، وهو يومئذ ابن تسعين سنة.
قال بعض الكوفيين: كان عطاء بن أبي رباح من المرجئة.
ولما حضرت عطاء الوفاة. صحن النساء، فقال عطاء: اكفني هؤلاء، فإن أيين عليك فاستعن عليهن بالسلطان، ثم جعل يقول: يا صريخ الأخيار، يا صريخ الأخيار. فلم يزل يقول حتى مات.
توفي عطاء بن أبي رباح سنة أربع عشرة ومئة، وقيل: سنة خمس عشرة
стр. 5812
ومئة: وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وقيل: مات سنة ست عشرة ومئة، وقيل: سنة سبع عشرة ومئة، والله أعلم.
عطاء بن ابي صيفي بن نضلة
ابن قانف بن الحويرث بن الحارث الثقفي وفد على يزيد بن معاوية وعزاه عن أبيه.
قال شجاع بن إسحاق: أو من عزّى وهنّأ في مقام واحد عطاء بن أبي صيفي الثقفي. عزّى ابن معاوية بأبيه وهنّأه بالخلافة، ففتح للناس باب الكلام.
لما مات معاوية بن أبي سفيان دخل على يزيد أشراف أهل الشام، فلم يجتمع لأحد منهم تعزية مع تهنئة. فدخل عليه عطاء بن أبي صيفي فقال: يا أمير المؤمنين، أصبحت رزئت خليفة الله، وأعطيت خلافة الله، قضى معاوية نحبه، يغفر الله له ذنبه، وأعطيت بعده الرئاسة، ومنحت السياسة، فاحتسب على الله عظيم الرزية. واشكر الله على حسن العطية، وأعظم الله أجرك. وأحسن على الخلافة عونك.
عطاء بن قرة أبو قرة السلولي
من أهل دمشق.
حدث عن عبد الله بن ضمرة السلولي عن أبي هريرة: أنه كان مع النبي ﷺ رجل لا يكاد يرى، ولا يعرف له كثير عمل، فمات، فقال النبي ﷺ وهو في أصحابه: " هل علمتم أن الله قد أدخل فلاناً الجنة؟ ". قال: فتعجب القوم، إذ كان لا يكاد يرى، فقام إلى أهله رجل، فسأل امرأته عن عمله، فقالت: ما كان له كثير عمل إلا ما قد رأيت، غير أنه قد كانت فيه خصلة. قال: وما هي؟ قالت: كان
стр. 5813
لا يسمع المؤذن في ليل ولا نهار، وعلى أي حال، ما كان يقول: أشهد أن لا إله إلا الله قال مثل ذلك، فإذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله قال مثل قوله. فقال الرجل: بهذا دخل الجنة. فجاء حتى إذا كان من النبي ﷺ ، وهو في أصحابه بحيث يسمع الصوت، نادى النبي ﷺ : " أتيت أهل فلان، فسألتهم عن عمله، فأخبروك بكذا وكذا ". فقال الرجل: أشهد أنك رسول الله.
وحدث عطاء بن قرة عن عبد الله بن ضمرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " ذراري المسلمين في الجنة يكفلهم إبراهيم ﷺ ".
وبسنده أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : " من سره أن يسقيه الله الخمر في الآخرة فليتركها في الدنيا، ومن سره أن يكسوه الله الحرير في الآخرة فليتركه في الدنيا، أنهار الجنة تفجّر من تحت تلال، أو تحت جبال المسك، ولو كان أدنى أهل الجنة حلية، عدلت بحلية أهل الدنيا جميعاً، لكان ما يحليه الله به في الآخرة أفضل من حلية أهل الدنيا جميعاً ".
قال محمد بن أيوب بن ميسرة بن حلبس: إني لجالس عند عطاء بن قرة السلولي إذ أتانا من يخبرنا بأن دمشق دخلت يوم عبد الله بن علي، فقتل فيها نحو من أربعة آلاف. فقال له عطاء بن قرة: ما تقول يا عبد الله؟! قال: نعم. قال: فوضع عطاء بن قرة يده على صدره، وجعل يقول: وافؤاداه! وافؤاداه! حتى مات في مجلسه، وماله بدمشق قريب ولا حميم.
قوله: أربعة آلاف يعني من الأزد، قال: وقد روى أنه قتل فيها خمسين ألفاً.
стр. 5814
عطاء بن أي مسلم
واسم أبي مسلم ميسرة ويقال: عبد الله أبو أيوب ويقال: أبو عثمان، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو صالح الخراساني مولى المهلب بن أبي صفرة الأزدي سكن الشام، ودخل دمشق.
قال عطاء: حدثني شيخ بسوق البرم بالكوفة عن كعب بن عمرة أنه قال: جاءني رسول الله ﷺ وأنا أنفخ تحت قدر لأصحابي، وقد امتلأ رأسي ولحيتي قملاً؛ فأخذ بجبهتي، وقال: " احلق هذا، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين "، وقد كان رسول الله ﷺ علم أن ليس عندي ما أنسك به.
وحدث عطاء الخراساني عن الحسن البصري عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قلت لأبي ذر الغفاري: يا عم أوصني، قال: يا بن أخ: إن رسول الله ﷺ قال ذات يوم: " من ركع ثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة ".
وحدث عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب أنه قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ يضرب نحره، وينتف شعره، ويقول: هلك الأبعد! فقال رسول الله ﷺ : " وما ذاك؟ " قال: أصبت امرأتي في رمضان وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : " هل تستطيع أن تعتق رقبة؟ " قال: لا. قال: " هل تستطيع أن تهدي بدنة؟ " قال: لا. قال: فأتى رسول الله ﷺ بعرق تمر، فقال: " خذ هذا فتصدق به "، فقال يا رسول الله ما أحد أحوج إليه مني، فقال: كله. " فصم يوماً مكان ما أصبت ".
стр. 5815
قال مالك: قال عطاء: فسألت سعيد بن المسيب، كم في ذلك العرق من التمر؟ فقال: ما بين خمسة عشر صاعاً إلى عشرين.
قال سليمان بن داود الخولاني: إن عمر بن عبد العزيز كان يصلي العتمة لساعتين تمضيان من الليل، فجاء عطاء الخراساني فحدثه حديثاً فأخرها ساعةً أخرى.
قال الأوزاعي: قدم عطاء الخراساني على هشام، فنزل على مكحول، فقال عطاء لمكحول: هاهنا من يحركنا يعني: يعظنا؟ قال: يزيد بن ميسرة، فأتوه، فقال له عطاء: حركنا رحمك الله قال: عم، كانت العلماء إذا علموا عملوا، فإذا عملوا شغلوا، فإذا شغلوا فقدوا، فإذا فقدوا طلبوا، فإذا طلبوا هربوا. قال: أعد عليّ. فأعاد عليه، فرجع ولم يلق هشاماً.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما مات العبادلة: عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص، صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي؛ فصار فقيه أهل مكة عطاء بن أبي رباح، وفقيه أهل اليمن طاووس، وفقيه أهل اليمامة يحيى بن أبي كثير، وفقيه أهل البصرة الحسن، وفقيه أهل الكوفة إبراهيم النّخعي، وفقيه أهل الشام مكحول، وفقيه أهل خراسان عطاء الخراساني، إلا المدينة فإن الله خصّها بقرشي، فكان فقيه أهل المدينة غير مدافع سعيد بن المسيب.
قال إبراهيم بن أبي عبلة: كنا نجلس إلى عطاء الخراساني بعد الصبح، فيدعو بدعوات، فغاب ذات يوم؛ فتكلم رجل من المؤدبين، فأنكر رجاء بن حيوة صوته، فقال: من هذا؟ فقال: أنا يا أبا المقدام. قال: اسكت، فإنا نكره أن نسمع الخير إلا من أهله.
стр. 5816
وكان عطاء الخراساني ثقة سنّيّاً صدوقاً، له فضل وعلم، معروفاً بالفتوى والجهاد، يحتج بحديثه.
قال القاسم بن عاصم:
قلت لسعيد بن المسيب: إن عطاء الخراساني حدثني عنك: أن النبي ﷺ أمر الذي وقع على امرأته في رمضان بكفارة الظّهار، فقال: كذب، ما حدثته، إنما بلغني أن النبي ﷺ قال: " تصدق تصدق ".
وعن عطاء الخراساني أنه قال: أوثق عملي في نفسي نشر العلم.
وعن عطاء قال: مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام، كيف نشتري ونبيع، ونصلّي ونصوم وننكح ونطلق، ونحج، وأشباه هذا.
قال عثمان بن عطاء: ابذلوا العلم لمن طلبه، واعرضوه على من لم يطلبه.
قال: وكان عطاء يجلس مع المساكين فيعلمهم ويروي لهم الحديث.
وعن عطاء قال: لإبليس كحل يكحل به الناس: النوم عند الذكر كحل إبليس كان عطاء الخراساني لا يقوم من مجلسه حتى يقول: اللهم هب لنا يقيناً بك حتى يهوّن علينا مصيبات الدنيا، وحتى نعلم أنه لا يصيبنا إلا ما كتبت علينا، ولا يأتينا من هذا الرزق، إلا ما قسمت لنا.
وكان عطاء الخراساني إذا دخل بيته لم يضع ثيابه حتى يأتي مسجد بيته فيصلي ركعتين.
стр. 5817
وعن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: كنا نغازي عطاء الخراساني أنا ويزيد بن يزيد وهشام بن الغاز في نفر، فكان بعضنا ينزل قريباً من بعض، فكان عطاء يحيي الليل كله، فإذا مضى منه ما شاء الله أخرج رأسه من البناء الذي يكون فيه فينادي: يا عبد الرحمن، يا يزيد بن يزيد، يا هشام بن الغاز، يا فلان يا فلان، قيام هذا الليل وصيام هذا النهار أيسر من شرب الصديد ولبس الحديد، وأكل الزقوم، النجاء النجاء!، الوجاء الوجاء. ثم يعود إلى ما كان فيه.
قال عطاء: المؤمن لا يتم له فرح يوم.
قال إسماعيل بن عياش: قلت لعطاء الخراساني: من أين معاشك؟ قال: من صلة الإخوان وجوائز السلطان.
قال وهب بن منبه لعطاء الخراساني يعظه: يا عطاء ألم أخبر أنك تأتي الملوك وأبناء الدنيا تحمل إليهم علمك؟! وفي رواية: فقال له: ويحك يا عطاء! تأتي من يغلق عنك بابه، ويظهر لك فعره، ويواري عنك غناه، وتدع من يفتح لك بابه، ويظهر لك غناه، ويقول: " ادعوني أستجب لكم "، ويحك يا عطاء! ارض بالدون في الدنيا مع الحكمة، ولا ترض بالدون من الحكمة مع الدنيا، ويحك يا عطاء! إن كان يغنيك ما يكفيك، فإن أدنى ما في الدنيا يكفيك، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك، فليس في الدنيا شيء يكفيك، ويحك يا عطاء، إنما بطنك بحر من البحور وواد من الأودية، ولا يملؤه شيء إلا التراب.
стр. 5818
مرض عطاء الخراساني، فدخل عليه محمد بن واسع يعوده، قال: سمعت الحسن يقول: إن العبد ليبتلى في ماله، فيصبر، فلا يبلغ بذلك الدرجات العلا، ويبتلى في ولده فيصبر، فلا يبلغ بذلك الدرجات العلا، ويبتلى في بدنه، فيصبر فيبلغ بذلك الدرجات العلا، وكان عطاء قد أصابته مرضات.
ولد عطاء سنة خمسين، وتوفي بأريح، وحمل إلى بيت المقدس فدفن به. توفي سنة ثلاث وثلاثين ومئة، وقيل: سنة خمس وثلاثين ومئة.
عطاء بن يسار
أبو محمد ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو يسار المدني، القاصّ مولى ميمونة أم المؤمنين قيل إنه قدم دمشق.
روى عطاء بن يسار عن عبد الله بن عباس: أن رسول الله ﷺ أكل كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ.
وكان أولاد يسار أربعة إخوة: عطاء وسليمان وعبد الملك وعبد الله، وكان سليمان وعطاء وعبد الملك من فقهاء التابعين، وأبوهم يسار مولى ميمونة زوج النبي ﷺ .
وليسار عن رسول الله ﷺ رواية.
قال أبو بكر: كان بالمدينة ثلاثة إخوة لا يدرى أيهم أفضل: سليمان بن يسار وعطاء بن يسار وعبد الله بن يسار، وثلاثة إخوة محمد بن المنكدر، وعمر بن المنكدر وأبو بكر بن المنكدر، وثلاثة إخوة بكر بن عبد الله بن الأشج ويعقوب بن عبد الله بن الأشج وعمر بن عبد الله بن الأشج.
سئل أحمد بن حنبل عن عطاء بن يسار وسليمان بن يسار وإسحاق بن يسار فحسّن القول فيهم.
стр. 5819
كان عطاء بن يسار يقول: جدّوا في دار العمل لدار الثواب، وجدّوا في دار الفناء لدار البقاء.
كان عطاء بن يسار يقول: دينكم دينكم، فأما دنياكم فلا أوصيكم بها، أنتم عليها حراص، وأنتم بها مستوصون.
قال عطاء بن يسار: لم نرشيئاً إلى شيء أزين من حلم إلى علم.
قال زيد بن أسلم:
كان عطاء بن يسار يقص علينا حتى نبكي، ثم يحدثنا بالملح حتى نضحك، ثم يقول: مرة كذا ومرة كذا.
وقال عطاء: قيل ليك إنا حائدوك ثلاث حيدات فجاعلوك في الغرفة العليا من الجنة، قال فأخذته الخاصرة بالإسكندرية، ثم أخذته مرة أخرى، ثم أخذته الثالثة؛ فكان فيها موته.
وحدث زيد بن أسلم قال: ما رأيت عطاء بن يسار في مجلس قط ولي حاجة من حوائج الدنيا إلا آثرت مجالسته على حاجتي.
قال عثيم بن نسطاس: خطب رجل من العرب إلى عطاء بن يسار ابنته، فقال له عطاء: ما ننكر نسبك ولا موضعك، ولكنا نزوج مثلنا، وتزوج أنت من عشيرتك. قال عثيم: فأخبرت سعيد بن المسيب بذلك، فقال: أحسن عطاء ما شاء.
стр. 5820
قال ابن زيد بن أسلم: ما رأيت أحداً كان أزين لمسجد رسول الله ﷺ من عطاء بن يسار.
توفي عطاء سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة سبع وتسعين، وقيل: سنة ثلاث ومئة، وقيل سنة اثنتين ومئة، وهو ابن أربع وثمانين سنة.
عطاء الكلاعي
شهد خطبة عمر بالجابية.
قال عطاء: سمعت عمر بن الخطاب يخطب بالجابية، يقول: إن رسول الله ﷺ قام فينا كقيامي فيكم فقال: استوصوا بأصحابي خيراً، ثم الذين يلونهم، ثم الذي يلونهم، ثم يظهر الكذب، حتى يحلف الرجل وما يستحلف، ويشهد وما يستشهد، فمن سرته بحيحة الجنة فليتق الله، وليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الفذ، وهو من الاثنين أبعد، لا يخلون رجل بامرأة. من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن.
وقال: سمعت عمر يخطب بالجابية، فقال: أيها الناس، أوصيكم بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه، والذي بطاعته ينفع أولياءه، وبمعصيته يضر أعداءه.
فذكر الخطبة.
стр. 5821
عطرّد أبو هارون المغنّي
مولى بني عمرو بن عوف الأنصاريين ويقال: مولى قريش، ويقال: مولى مزينة المدني القبائي كان فقيهاً، قارئاً للقرآن، مجيداً للغناء، وفد على الوليد بن يزيد.
لما استخلف الوليد كتب إلى عامله بالمدينة أن أشخص إليّ عطرّد المغني.
قال عطرد: فدفع إليه العامل الكتاب، فقلت: سمعاً وطاعة. فدخلت عليه في قصره وهو قاعد على شفير بركة ليست بالكبيرة، يدور فيها الرجل سباحةً، فو الله ما كلمني كلمة حتى قال: عطرد؟ قلت: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: غنني: حي الحمول. قال عطرد: فغنيت: من الكامل
حيّ الحمول بجانب العزل ... إذ لا يلائم شكلها شكلي
والله أنجح ما طلبت به ... والبرّ خير حقيبة الرّحل
إني بحبلك واصلٌ حبلي ... وبريش نبلك رائشٌ نبلي
وشمائلي ما قد علمت وما ... نبحت كلابك طارقاً مثلي
قال: فما تكلم بكلمة حتى شق بردة صنعانية عليه لا يدرى ما ثمنها بنصفين، فخرج منها كما ولدته أمه، ثم رمى بنفسه في البركة، فنهل منها، حتى تعرفت فيها النقصان، فأخرج منها ميتاً سكراً، فضربت بيدي إلى البردة، فأخذتها، فما قال لي الخادم: خذها ولا دعها. وانصرفت إلى منزلي، وأنا أفكر فيه وفيما رأيت منه.
стр. 5822
فلما كان من الغد دعاني في مثل ذلك الوقت وهو قاعد في ذلك الموضع، فقال: عطرد؟ قلت: لبيك يا أمير المؤمنين. قال: غنني، فغنيته: من الطويل
أيذهب عمري هكذا لم أنل به ... مجالس تشفي قرح قلبي من الوجد
وقالوا: تداو إن في الطب راحةً ... فعزّيت نفسي بالدواء فلم يجدي
فلم يتكلم حتى شق بردة عليه مثل البردة الأمسيّة، فخرج منها، فرمى بنفسه في البركة، فعلّ منها حتى تبينت النقصان، فأخرج ميتاً سكراً، وضممت البردة إليّ فما قيل لي: خذ ولا دع. وانصرفت إلى منزلي.
فلما كان اليوم الثالث دعاني؛ فدخلت إليه وهو في بهو قد كفت ستوره، فكلمني من وراء الستر، فقال: يا عطرد؟ قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: كأني بك الآن وقد أتيت المدينة فقلت: دعاني أمي المؤمنين فدخلت عليه ففعل وفعل، يا بن الفاعلة، لئن تكلمت شفتاك بشيء مما كان لأطرحنّ الذي فيه عيناك، يا غلام أعطه خمس مئة، الحق بالمدينة. قلت: أفلا يأذن لي أمير المؤمنين فأقبل يده، وأتزود نظراً إلى وجهه؟ قال: لا.
قال عطرّد: فخرجت فما تكلمت بشيء من هذا حتى دخلت الهاشمية.
جاء سليمان بن عياش القرشي فاستفتح عليه، فخرج إليه فقال سليمان: من الكامل
إني غدوت إليك من أهلي ... في حاجة يغدو لها مثلي
لا طالباً شيئاً إليك سوى ... حيّ الحمول بجانب العزل
فقال: نعم حباً وكرامة. ثم أدخله منزله فغناه له.
стр. 5823
عطية الله بن الحسين بن محمد بن زهير
أبو محمد الصوري الخطيب بصور حدث عن أبي الحسين محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن جميع الغساني بسنده إلى ابن عباس قال: أول ما سمع بالفالوذج أن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ فقال: إن أمتك ستفتح لهم الأرض، وما يكثر عليهم من الدنيا حتى إنهم ليأكلون الفالوذج. قال النبي ﷺ : " وما الفالوذج؟ " قال: تخلطون العسل والسمن جميعاً. قال: فشهق النبي ﷺ من ذلك شهقة.
توفي عطية الله الخطيب في سنة خمس وأربعين وأربع مئة.
عطية الله بن عطاء الله بن محمد بن أبي غياث
أبو الحسين الصيداوي القاضي حدث بصيدا سنة تسع وأربع مئة عن أبي يعلى عبد الله بن محمد بن حمزة بن أبي كريمة بسنده إلى أنس: أن النبي ﷺ صلى على قبر بعدما دفن.
عطية بن عروة
ويقال: ابن سعد، ويقال: ابن عمرو بن عروة بن القين بن عامر بن عميرة السعدي له صحبة.
روى عن سيدنا رسول الله ﷺ ، نزل الشام، وكان ولده بالبلقاء.
стр. 5824
حدث عطية: انه قدم على النبي ﷺ في وفد من قومه من ثقيف، قال: فلما دخلنا على النبي ﷺ ، فكان فيما ذكروا أن سألوه، فقال لهم: " هل قدم معكم أحد من غيركم؟ " قالوا: نعم، قدم معنا فتى منا خلفناه في رحلنا. قال: " فأرسلوا إليه ". قال: فلما دخلت عليه وهم عنده استقبلني فقال: " إن اليد المنطية هي اليد العليا والسائلة هي السفلى، فلا تسأل فإن مال الله مسؤول ومنطى ".
وفي رواية: قدمت على رسول الله ﷺ ، وكنت أصغر القوم. ثم ذكر الحديث، فقال: " ما أغناك الله فلا تسأل الناس شيئاً، فإن اليد العليا هي المنطية، وإن اليد السفلى هي المنطاة، وإن مال الله لمسؤول ومنطى ".
فكلمني رسول الله ﷺ بلغتنا.
وعن عطية، رجل من بني جشم، أن رسول الله ﷺ قال: " يا أيها الناس لا تسألوا قال كلمة خفية فإن الله مسؤول ومنطي، فإن الله مسؤول ومنطي ".
قال أبو وائل القاضي: كنت عند عروة بن محمد، فدخل علينا رجل، وكلمه بكلام أغضبه. قال: فقالم، ثم رجع وقد توضأ، فقال: حدثني أبي عن جدي عطية وكانت له صحبة قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما يطفئ النار بالماء، وإذا غضب أحدكم فليتوضأ ".
стр. 5825
وعن عطية بن عمرو السعدي أن النبي ﷺ قال: " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً لما به البأس ".
وحدث عطية: أنه كان ممن كلم النبي ﷺ يوم سبي هوازن، فقال: يا رسول الله، عشيرتك وأصلك، وكلا المرضعين درّتك، ولهذا اليوم اختبأناك، وهن أمهاتك وأخواتك وخالاتك. وكلم رسول الله ﷺ أصحابه، فرد عليهم سبيهم إلا رجلين، فقال النبي ﷺ : " اذهبوا فخيروهما ". فقال أحدهما: إني أتركه، وقال الآخر: لا أتركه. فلما أدبر، قال النبي ﷺ : " اللهم أخسّ سهمه ". فكان يمر بالجارية بالبكر وبالغلام فيدعه، حتى مرّ بعجوز فقال: إني آخذ هذه، فإنها أم حي، وهم يستنقذونها مني بما قدروا عليه؛ فكبر عطية وقال: خذها فوالله ما فوها ببارد ولا ثديها بناهد، ولا وافدها بواجد، عجوز بتراء شنية، مالها أحد، فلما رآها لا يعرض لها أحد تركها.
وكان عطية بن عروة جد عروة بن محمد بن عطية المدني؛ ولي اليمن لعمر بن عبد العزيز، وتوفي بالشام.
стр. 5826
عطية بن قيس
أبو يحيى الكلابي مولاهم المعروف بالمذبوح كانت داره بدمشق بناحية الحير قبلة كنيسة اليهود.
حدث عطية بن قيس عن قزعة بن يحيى قال: انطلقنا إلى أبي سعيد الخدري في رجال من أهل العراق فسألوه، فقلت: أما أنا فلا أسألك إلا عن فرائض الله، قال: إنه لا خير لك في أن تعلم ذلك. ثم قال: أما إذا أبيت لقد كانت الصلاة تقام فينطلق أحدنا إلى حاجته بالبقيع فيتوضأ ويرجع وإنهم لفي الركعة الأولى.
وحدث عن معاوية بن أبي سفيان أن النبي ﷺ قال: ولد عطية بن قيس في حياة سيدنا رسول الله ﷺ في سنة سبع، وغزا في خلافة معاوية، وتوفي سنة عشر ومئة وقيل: مات سنة إحدى وعشرين ومئة وهو ابن أربع ومئة سنة، وكان من التابعين، وكان لأبيه صحبة، وقيل: مات وهو ابن أربع وثمانين سنة.
قال عطية بن قيس الكلابي: غزوت في خلافة معاوية فارساً وعلينا عبيدة بن قيس العقيلي، ففتحنا شاش فبلغ نفلي مئتي دينار.
стр. 5827
وقال عطية: إنه كان فيمن غزا القسطنطينية في ولاية معاوية، وإنه ممن شهد فتح حصنهم الذي يقال له: المدني، على خليج القسطنطينية.
وكان عطية يقرأ القرآن العظيم.
قال عبد الواحد بن قيس السلمي: كان الناس يصلحون مصاحفهم على قراءة عطية بن قيس وهم جلوس على درج الكنيسة من مسجد دمشق قبل أن يهدم.
قال سعيد بن عبد العزيز: لم يكن أحد من الناس يطمع أن يفتح في مجلس عطية بن قيس شيئاً من ذكر الدنيا.
وهو عطية بن قيس الكلابي، ويقال: الكلاعي الشامي من أهل حمص.
قال الهيثم: رأيت عطية بن قيس على شذر ديباج محشواً بريش جالساً عليه في المسجد.
стр. 5828
عطية مولى سلم بن زياد
ويقال: مولى السلم من أهل دمشق.
حدث عن عبد الله بن معانق الأشعري عن عبد الرحمن الأشعري عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال: " من أقام الصلاة وآتى الزكاة ومات لا يشرك بالله شيئاً فإن على الله أن يغفر له، إن هاجر أو مات في مولده "، قالوا: يا رسول الله ألا نبشر بها أصحابك؟ قال: " دعوا الناس فليعملوا فإن في الجنة مئة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سيبله، ولولا أن أشق على الناس بعدي ما تخلفت عن سرية أبعثها، ولكن لا يجدون سعة فيتبعوني، ولا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا بعدي، ولا أجد ما أفضل به عليهم، ولوددت لو أقتل ثم أحيا ثم أقتل ".
حدث عطية مولى سلم بن زياد عن حذيفة يرفعه قال: " أتتكم الفتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع أحدكم دينه بعرض من الدنيا قليل ". قلت: فكيف نصنع يا رسول الله؟ قال: " تكسر يدك ". قال: قلت: فإن انجبرت؟ قال: " تكسر الأخرى ". قلت: حتى متى؟ قال: " حتى تأتيك يد خاطئة أو منيّةٌ قاضية ".
أما سلم بفتحهما فقال ابن الكلبي في نسب قضاعة: ومن ولد النمر بن وبرة بن ثغلب التيم ووائل، وهو خشين، فولد خشين بن النمر مرّاً والسّلم، وهم قليل، والعدد في مرّ، وسلم: بطنّ من لخم.
وقال ابن ماكولا: عطية مولى السّلم، عداده في أهل الشام، وكان ثقة.
стр. 5829
عفير بن زرعة بن عفير بن الحارث
ابن النعمان بن قيس بن عبيد بن سيف ذي يزن واسمه عامر بن أسلم الحميري كان سيّداً بالشام في أيام معاوية بن أبي سفيان وعبد الملك بن مروان، وكان من الدين والفضل بمكان.
خرج في جيش الصائفة إلى أرض الروم، ووجهه معاوية، فوقع في الجيش اختلاط، فخرج عفير ليصلح بين الناس، وعليه برنس، فجذب برنسه رجل من قيس، فلم يمس في ذلك الجيش قيسيّ إلا مكتوفاً، فجعل الرجل من اليمانية يقول لكتيفه: لعلك ممن مسّ برنس عفير، فيقول: لا والله! فيقول: لو كنت منهم لضربت عنقك. ثم طلب فيهم عفير فأرسلوا، وفيه جرى المثل: لجبارٌ دم من مسّ برنس عفير.
عقال بن شبّة بن عقال بن صعصعة
ابن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم ابن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مرّ بن طابخة بن إلياس كان في صحابة هشام بن عبد الملك.
حدث
عقال بن شبة بن عقال بن صعصعة المجاشعي عن أبيه عن جده عن أبيه صعصعة أن رسول الله ﷺ قال له: " احفظ ما بين لحييك وما بين رجليك ". قال: فوليت وأنا أقول: حسبي.
стр. 5830
حدث عقال بن شبة قال: قالت أم تميم بن مرّ وولدت نسوة فقالت: لله عليّ إن ولدت غلاماً لأعبّدنّه للبيت. فولدت الغوث أكبر ولدها ابن مرّ، فلما ربطته عند البيت أصابه الحرّ، فمرت به، وقد سقط وذوى واسترخى، فقالت: ما صار ابني إلا صوفة؛ فسمي صوفة. وكان الحج وإجازة الناس من عرفة إلى منى، ومن منى إلى مكة لصوفة، فلذلك يقول حنّ بن ربيعة العذري: من الوافر
أخذت الحجّ من عدوان عصباً ... ولو أدركت صوفة لاشتفيت
فلم تزل الإجازة إلى عقب صوفة حتى أخذتها عدوان، فلم تزل عدوان حتى أخذتها قريش، ثم كان الحج مختلفاً، فكانت قريش تدفع بمن معها من المزدلفة، وكان أبو سيّارة يدفع بقيس من عرفة، وأبو سيّارة من بني عبد بن معيص بن عامر بن لؤي، وقيس أخواله. وكانت بكر بن وائل تدفع بكندرة، فلذلك يقول أبو طالب: من الطويل
وكندة إذ ترمي الجمار غشيّةً ... يجيز بها حجّاج بكر بن وائل
إنما أخذ حنّ الإجازة لأخيه لأمه قصي بن كلاب دخل عقال بن شبة على هشام بن عبد الملك فأراد أن يقبل يده، فمنعه، وقال: مه، لا يفعل هذا من العرب إلا الهلوع، ولا من العجم إلا الخضوع.
стр. 5831
قال عقال بن شبة: دخلت على هشام وعليه قباء فنكٍ أخضر، فوجهني إلى خراسان، فجعل يوصيني وأنا أنظر إلى القباء، ففطن، فقال: مالك؟ فقلت: رأيت عليك قبل أن تلي الخلافة قباء فنكٍ أخضر، فجعلت أتأمل هذا، أهو ذاك أم غيره؟ قالوا: وكان عقال مع هشام، فأما شبّة أبو عقال فإنه كان مع عبد الملك بن مروان، وكان عقال يقول: دخلت على هشام، فدخلت على رجل محشوٍ عقلاً.
قيل: إن عقال بن شبة عاش إلى زمن المنصور، وتكلم عند سليمان بن علي بالبصرة فقال: من الطويل
ألا ليت أم الجهم في جيرةٍ لها ... ترى حيث قمنا بالعراق مقامي
عشية بذّ الناس جهري ومنطقي ... وبذّ كلام الناطقين كلامي
عقبة بن رؤبة بن العجاج
واسمه عبد الله بن رؤبة راجز ابن راجز ابن راجز.
قال في حديث مطوّل: إنهم وفدوا إلى الوليد، وهو وأبوه رؤبة وجرير بن الخطفي. قال: فلما قدمنا عليه دعينا قبل جرير، فأنشد أبي، ثم قال له: هل تحسن الهجاء؟ قال: يا أمير المؤمنين ما في الأرض رجل بيده صناعة إلا وهو على الإساءة فيها أقدر منه على الإحسان، قال:
стр. 5832
فما يمنعك أن تهجو من هجاك من عدوك؟ قال يا أمير المؤمنين، إن الله أعطانا هيبةً منعنا أن نظلم، وحلماً منعنا من أن نظلم، فقال: هذا القول أحسن من شعرك. ثم خرجنا، فقال جرير وليس يعين لنا إليه ذنب: أما والله يا بن أم العجاج، إن وضعت كلكلي عليكما لأطحنتكما طحناً لا تغني عنكما مقطعاتكما هذه شيئاً.
دخل بشار على عقبة بن سلم وعنده ابن لرؤبة بن العجاج، فأنشده ابن رؤبة أرجوزة يمدحه بها، ثم أقبل ابن رؤبة على بشار، فقال: يا أبا معاذليس هذا من طرازك؛ فغضب بشار فقال: إليّ تقول هذا؟ أنا والله أرجز منك ومن أبيك. ثم غدا على عقبة بن سلم فأنشده: من الرجز
يا طلل الحيّ بذات الصّمّد ... بالله خبّر كيف كنت بعدي
منها:
بدت بخدّ وجلت عن خدّ ... ثم انثنت كالنّفس المرتد
وصاحب كالدّمّل الممدّ ... حملته ف رقعةٍ من جلدي
حتى اغتدى غير فقيد الفقد ... وما درى ما رغبتي من زهدي
الحرّ يلحى والعصا للعبد ... وليس لمحلف مثل الرّدّ
اسلم وحيّيت أبا الملدّ ... والبس طرازي غير مستردّ
ومضى فيها إلى آخرها، فأمر له عقبة بجائزة وكسوة.
стр. 5833
قالوا: ولما أنشد هذه الأرجوزة ومضى فيها اغتاظ عقبة بن رؤبة لما سمع فيها من الغرائب، وقال: أنا وأبي فتحنا الغريب للناس، وأوشك والله أن أغلقه. فقال له بشار: ارحمهم رحمك الله قال: يا أبا معاذ أتستصغرني وأنا شاعر ابن شاعر ابن شاعر؟! قال: فأنت إذاً من القوم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو
ابن عدي بن عمرو بن رفاعة بن مودوعة بن عدي بن عثم بن الربعة ابن رشدان بن قيس ابن جهينة، أبو عبس ويقال: أبو حمّاد ويقال: أبو عامر، ويقال: أبو الأسد، ويقال: أبو سعاد، ويقال: أبو عمرو الجهنيّ صاحب سيدنا رسول الله ﷺ .
سكن مصر، وكان البريد إلى عمر بفتح دمشق، وكانت له دار بها بناحية قنطرة سنان من نواحي باب توما.
روى عقبة: أن رسول الله ﷺ أعطاه غنماً يقسمها على صحابته ضحايا، فبقي عتود، فذكره لرسول الله ﷺ فقال: " ضحّ به أنت ".
وحدث عقبة: أنه قدم على عمر بفتح دمشق، قال: وعليّ خفّان، فقال لي عمر: كم لك يا عقبة مذ لم تنزع خفيك؟ فذكرت من الجمعة إلى الجمعة، فقلت: ثمانية أيام، قال: أحسنت وأصبت السنة.
стр. 5834
وفي رواية: قال: كنت تمسح عليهما؟ قلت: نعم، قال: مذ كم؟ قال: مذ جمعة، قال: أصبت السّنّة.
شهد عقبة صفين مع معاوية، وتحول إلى مصر فنزل بها، وتوفي في آخر خلافة معاوية بن أبي سفيان، ودفن بالمقطّم مقبرة أهل مصر.
وقال الهيثم بن عدي: إنه توفي بالشام، وكان يخضب بالسواد ويقول: نودّ أعلاها فتأبى أصولها.
توفي سنة ثمانٍ وخمسين، وولي الجند بمصر لمعاوية بن أبي سفيان سنة أربع وأربعين، وأغزاه معاوية البحر سنة سبع وأربعين، وكتب إلى مسلمة بن مخلّد بولايته على مصر، فلم يظهر مسلمة ولايته حتى دفع عقبة غازياً في البحر، فأظهر مسلمة ولايته، فبلغ ذلك عقبة، فقال: ما أنصفنا أمير المؤمنين، عزلنا وغرّبنا.
وكان عقبة شاعراً.
قال عقبة بن عامر الجهني: بلغني قدوم النبيّ ﷺ المدينة، وأنا في غنيمةٍ لي، فرفضتها، وقدمت المدينة على النبيّ ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، بايعني، قال: " بيعة أعرابية تريد أو بيعة هجرة؟ " قال: قلت: لا بل بيعة هجرة، فبايعني رسول الله ﷺ وأقمت معه، فقال: رسول الله ﷺ : " ألا من كان هاهنا من معدّ فليقم، مقام رجال "، وقمت معهم، فقال: "
стр. 5835
اجلس أنت ". وصنع ذلك ثلاث مرار، فقلت: يا رسول الله: إنا نحن من معدّ، قال: " لا ". قلت: ممن نحن؟ قال: " أنتم من قضاعة بن مالك بن حمير ".
وعن عقبة بن عامر قال: جئت في اثني عشر راكباً حتى حللنا برسول الله ﷺ : فقال أصحابي: من يرعى لنا إبلنا، وننطلق فنقتبس من نبي الله ﷺ فإذا راح ورحنا أقبسناه مما سمعنا من رسول الله ﷺ ؟ ففعلت ذلك أياماً، ثم إني فكرت في نفسي، فقلت: لعلّي مغبون يسمع أصحابي ما لم أسمع، ويتعلمون ما لم أتعلم من نبيّ الله ﷺ ، فحضرت يوماً، فسمعت رجلاً يقول: قال نبيّ الله ﷺ : " من توضأ وضوءاً كاملاً كان من خطيئته كيوم ولدته أمه ".
فتعجبت لذلك؛ فقال عمر بن الخطاب: فكيف لو سمعت الكلام الأول كنت أشد عجباً، فقلت: اردد عليّ جعلني الله فداك قال: قال رسول الله ﷺ : " من مات لا يشرب بالله شيئاً فتح الله له أبواب الجنة، يدخل من أيها شاء، ولها ثمانية أبواب ".
قال: فخرج علينا نبيّ الله ﷺ ، فجلست مستقبله، فصرف وجهه عني، حتى فعل ذلك مراراً، فلما كانت الرابعة، قلت: يا نبيّ الله بأبي وأمي، لم تصرف وجهك عني؟ فأقبل عليّ فقال: واحدٌ أحبّ إليك أم اثنا عشر؟ فلما رأيت ذلك رجعت إلى أصحابي.
قال عقبة بن عامر الجهني: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في الصّفّة وكان عقبة بن عامر من أصحاب الصّفّة فقال: " أيّكم يحب أن يغدو إلى بطحان أو العقيق فيأتي كلّ يوم بناقتين
стр. 5836
كوماوين زهراوين يأخذهما من غير إثم ولا قطع رحم؟ " قلنا: كلنا يحب ذلك يا رسول الله، قال: " فلان يغدو أحدكم إلى المسجد، فيقرأ أو يتعلم آيتين خير له من ناقتين، وثلاثاً خير له من ثلاث، وأربعاً خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل ".
عن عقبة بن عامر قال: لقيت رسول الله ﷺ ، فابتدأته فأخذت بيده، قال: فقلت: يا رسول الله ما نجاة المؤمن؟ قال: يا عقبة أخرس لسانك، ليسعك بيتك، وابك على خطيئتك ".
قال: ثمّ لقيني رسول الله ﷺ ، فابتدأني فأخذ بيدي، فقال: " يا عقبة بن عامر، ألا أعلمك خير ثلاث سور أنزلت في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن العظيم؟ " قال: قلت: بلى، جعلني الله فداك، قال: فأقرأني: " قل هو الله أحد "، " قل أعوذ بربّ الفلق "، وقل أعوذ بربّ النّاس " ثم قال: " يا عقبة لا تنسهن، ولا تبت ليلة حتى تقرأهن ". قال: فما نسيتهن منذ قال: لا تنسهن. وما بتّ ليلة قط حتى أقرأهن.
стр. 5837
قال عقبة: ثم لقيت رسول الله ﷺ ، فابتدأته فأخذت بيده فقلت: يا رسول الله، أخبرني بفواضل الأعمال، فقال: " يا عقبة صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك ".
وعن عقبة بن عامر قال:
كنت عند النبيّ صلىالله عليه وسلم يوماً، فجاءه خصمان، فقال لي: " اقض بينهما "، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أنت أولى، قال: " اقض بينهما "، قلت: على ماذا يا رسول الله؟ قال: " اجتهد فإن أصبت فلك عشر حسنات، وإن أخطأت فلك حسنة ".
قال عبد الله بن زيد الأزرق قال: كان عقبة بن عامر يخرج فيرمي كل يوم، ويستتبع رجلاً، فكان ذلك الرجل كاد أن يمل، فقال: ألا أخبرك ما سمعت من رسول الله ﷺ ؟ قال: بلى، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه الذي يحتسب في صنعته الخير، والذي يجهز به في سبيل الله، والذي يرمي به في سبيل الله "، وقال: " ارموا واركبوا، وأن ترموا خير من أن تركبوا، وكل لهو يلهو به المؤمن فهو باطل إلا ثلاث: رميه بسهمه عن قومه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنهن من الحق ".
قال: فتوفي عقبة وله بضعة وستون، أو بضعة وسبعون قوساً، مع كل قوس قذذٌ ونبلٌ، وأوصى بهن في سبيل الله.
قال: وقال النبيّ ﷺ : " من ترك الرّمي بعد أن علمه فهي نعمة كفرها ".
стр. 5838
أتي رجلٌ في المنام فقيل له: اذهب إلى عقبة بن عامر صاحب رسول الله ﷺ فقل له: إنك من أهل النار. فكره أن يقول له ذلك، فقال ثلاث مرات أو أربعاً، وقال في آخر ذلك: لئن لم تفعل ما أقول لك فعلت بك شراً. فأتى عقبة بن عامر فأخبره الخبر، فقال له عقبة بن عامر: أخبرني ما قال لك، قال: قال لي: قل لعقبة: إنك من أهل النار، فوضع عقبة بن عامر كفيه في الأرض، فقبض بكل كف قبضة من تراب، ثم رمى بها على عاتقه إلى وراء ظهره، ثم قال: كذب الشيطان، ثم قبض الثانية، فرمى بها وراء ظهره، فقال: كذب الشيطان، ثم قبض الثالثة فرمى بها وراء ظهره، وقال: كذب الشيطان. فلما رقد الرجل جاءه الذي كان يأتيه في كل ليلة في المنام، فقال: هل قلت لعقبة ما أمرتك؟ فقال الرجل: نعم، قال: فما قال لك؟ فأخبره، فقال: صدق، ما كان يرمي رمية إلا وقعت تلك الرّمية في وجهي وعيني.
حدّث أبو علي الهمداني رجل من أهل مصر: أنه خرج في سفر فيه عقبة بن عامر الجهني، قال: فحانت صلاة من الصلوات، فأمرناه أن يؤمنا، وقلنا له: أنت أحقنا بذلك، أنت صاحب رسول الله ﷺ ، فأبى، وقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من أمّ الناس فأصاب فله ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئاً فعليه ولا عليهم ".
قال عامر بن ذريح الحميري: بتّ عند عقبة بن عامر أنا وجابر بن سهل، فقال له عقبة: لئن دخلت الجنة لتندمنّ، قال: فقلت له: ولم أندم إن دخلت الجنة؟ فقال: لعلك أن ترى عبد بني فلان فوقتك، فتندم من أن لا تكون أعطيت ثوباً أو رغيفاً فتلحق به.
وكان عقبة بن عامر من أحسن الناس صوتاً بالقرآن، فقال له عمر بن الخطاب: اعرض عليّ، فقرأ عليه سورة براءة، فبكى عمر.
стр. 5839
قال إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: ما مات عمر بن الخطاب حتى بعث إلى أصحاب رسول الله ﷺ ، فجمعهم من الآفاق، عبد الله وحذيفة وأبي الدّرداء وأبي ذر وعقبة بن عامر، فقال: ما هذه الأحاديث التي قد أفشيتم عن رسول الله ﷺ في الآفاق؟ قالوا: أتنهانا؟ قال: لا أقيموا عندي، لا والله لا تفارقوني ما عشت، فنحن أعلم ما نأخذ ونرد عليكم. فما فارقوه حتى مات. وما خرج ابن مسعود إلى الكوفة ببيعة عثمان إلاّ من حبس عمر في هذا السبب.
قال سفيان بن وهب الخولاني: بينما نحن نسير مع عمرو بن العاص في سفح هذا الجبل ومعنا المقوقس، فقال له: يا مقوقس، ما بال جبلكم هذا أقرع ليس عليه نبات ولا شجر على نحو من جبال الشام؟ قال: ما أدري، ولكن الله أغنى أهله بهذا النيل عن ذلك، ولكنا نجد تحته ما هو خير من ذلك، قال: وما هو؟ قال: ليدفننّ تحته، أو ليقبرنّ قوم يبعثهم الله يوم القيامة لا حساب عليهم، فقال عمرو: اللهم اجعلني منهم.
قال حرملة: فرأيت أنا قبر عمرو بن العاص فيه، وفيه قبر أبي نصرة الغفاري وعقبة بن عامر.
عقبة بن علقمة بن جريج
أبو عبد الرحمن ويقال: أبو يوسف، ويقال: أبو سعيد المعافري البيروتي حدث عن الأوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
" إذا صلى أحدكم فسها في صلاته، فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً فليسجد سجدتين وهو جالس ".
وقال مرة أخرى: " فلم يدر أزاد أم نقص ".
стр. 5840
وحدث عنه بسنده إلى زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : " العمرى سبيلها سبيل الميراث ".
سكن عقبة بن علقمة بدمشق، وكان ثقة خياراً، وهو من أهل أطرابلس الغرب.
توفي عقبة سنة أربع ومئتين.
كان الأوزاعي إذا أراد أن يعتم يوم الجمعة يكره أن يرى معتمّاً وحده خوف الشهرة، فيبعث إلى هقل وإلى عقبة، وإلى ابن أبي العشرين أن اعتموا فإني أكره أن أعتم اليوم.
عقبة بن عمرو بن ثعلبة
ابن أسيرة بن عسيرة بن عطية بن جدارة بن عوف بن الحارث بن الخزرج أبو مسعود الأنصاري، البدري نسب إلى موضع كان يعرف ببدر.
صاحب سيدنا رسول الله ﷺ وفد على معاوية.
حدث أبو مسعود الأنصاري عن النبيّ ﷺ قال: " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما صنعت ".
стр. 5841
وعن أبي مسعود قال: كان فينا رجل نازل يقال له أبو شعيب، وكان له غلام لحام، فقال لغلامه: اصنع لي طعاماً لعلي أدعو النبيّ ﷺ خامس خمسة، فتبعه رجل، فقال النّبي ﷺ : " إنك دعوتني خامس خمسة، وإن هذا تبعني فإن أذنت له إلا رجع ". قال: لا بل تأذن له.
شهد أبو مسعود العقبة الآخرة.
وولد عوف بن الحارث بن الخزرج خدرة وهو الأبجر، وجادرة، بطنان، فمن جدارة أبو مسعود البدري، واسمه عقبة بن عمرو، وأمه سلمى بنت غارب بن عوف بن عبد الله بن خالد من قضاعة.
قيل: البدري: إنه من ماء بدر، من ساكني الكوفة.
مات قبل الأربعين، قبل علي بن أبي طالب، ولم يشهد بدراً، وشهد العقبة وأحداً، ونزل بالكوفة، وابتنى بها داراً في سوق المراضيع.
وقيل: إنه توفي في أول خلافة معاوية، وقيل: في آخرها، وقيل: توفي في خلافة علي ﵇ بالكوفة.
قال أبو بكر الخطيب، قال الدارقطني: أما نسيره: فهو في نسب أبي مسعود الأنصاري.
قال الخطيب: وهذا تصحيف لا شكّ فيه. وذكر ذلك بسنده، قال: وما كان ينبغي للدارقطني أن يجعله أصلاً في كتابه ولا يذكره إلا على سبيل البيان لفساده، وقد أورد نسب أبي مسعود في أول كتابه في حرف الألف، فقال: عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة بن عسيرة، بفتح الألف، وأسند ذلك، ووافقه خليفة بن خياط إلا أنه ذكره بضم الألف من أسيرة، وذكره ابن إسحاق يسيرة بالياء المضمومة، وليس بين ابن إسحاق وبين
стр. 5842
خليفة بن خياط خلاف؛ لأن الياء قد تبدل من الألف، وأما النون فلا تبدل من الألف. فقد بان ان ما ذكره الدارقطني من نسيرة بالنون خطأ وتصحيف، وقولهم يسيرة بالياء أيضاً وهم.
وقد قيل: إنه شهد بدراً، واستخلفه علي بن أبي طالب في مخرجه إلى صفين على الكوفة.
روى الشعبي عن أبي مسعود الأنصاري قال: وأعدنا رسول الله ﷺ العقبة يوم الأضحى ونحن سبعون رجلاً أنا أصغرهم، فأتانا، فقال: أوجزوا في الخطبة فإني أخاف عليكم كفار قريش. فقلنا: يا رسول الله، سلنا لربك، وسلنا لنفسك ولأصحابك، وأخبرنا الثواب على ذلك عليك وعلى ربك؟ فقال رسول الله ﷺ : " أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأسألكم لنفسي أن تتبعوني أهدكم سبيل السلام، وأسألكم لي ولأصحابي أن تواسونا في ذات أيديكم، وأن تمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم، وإذا فعلتم ذلك فإن لكم الجنة على الله واجبة ". قال: فمدننا أيدينا فبايعناه.
قال عمر بن الخطاب لأبي مسعود الأنصاري: نبئت أنك تفتي الناس، ولست بأمين، فولٌ حارّها من تولّى قارّها.
وكان أبو مسعود تشبه تجاليده تجاليد عمر بن الخطاب ﵁.
دخل رجلان من أبواب كندة، وأبو مسعود الأنصاري جالس في حلقة، فقال أحدهما: ألا رجل ينفد بيننا؟ فقال رجل في الحلقة: أنا فأخذ أبو مسعود كفاً من
стр. 5843
خصىً فرماه به، وقال: مه، إنه كان يكره التسرع إلى الحكم.
ولما خرج عليٌّ كرم الله وجهه إلى صفين استخلف عقبة بن عمرو أبا مسعود على الكوفة، قال: وقد تخبأ رجال لم يخرجوا مع علي، قال: فقام على المنبر فقال: يا أيها الناس من كان تخبأ فليظهر، فلعمري لئن كان إلى الكثرة، إن أصحابنا لكثير، وما نعده فتحاً أن يلتقي هذا الخيلان غداً من المسلمين فيقتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، حتى إذا لم يبق إلا رجرجة من هؤلاء وهؤلاء ظهرت إحدى الطائفتين غداً على الأخرى، ولكن نعده فتحاً أن يأتي الله بأمر من عنده يحقن دماءهم، ويصلح به ذات بينهم، ويصلح به كلمتهم.
قال الشعبي: لما خرج عليٌّ إلى صفين استخلف أبا مسعود على الكوفة، وكان رجال من أهل الكوفة استخفوا، فلما خرج ظهروا، فكان ناس يأتون أبا مسعود فيقولون: قد والله أهلك الله أعداءه، وأظهر أمير المؤمنين، فيقول أبو مسعود: إني والله ما أعده ظفراً ولا عافية أن تظهر إحدى الطائفتين على الأخرى. قال: فمه؟ قال: يكون بين القوم صلح.
فلما قدم عليّ ذكروا ذلك له، فقال له علي: اعتزل عملنا، قال: وذلك ممّه؟ قال: إنا وجدناك لا تعقل عقلة، قال: أما أنا فقد بقي من عقلي أن الآخر شر.
وعن أبي مسعود قال: ذكرت الدنانير والدراهم عنده، قال: فقال: الزقوها بأكبادكم، وتناجزوا عليها تناجزكم، والذي نفس عقبة بن عمرو بيده لا تصلون إلى الآخرة دينا ولا بدرهم،
стр. 5844
ولتتركنّها في بطون الأرض وعلى ظهرها كما تركها من كان قبلكم، تناجزوا عليها الآن تناجزكم، وتذابحوا عليها تذابحكم، وليهلك دينكم ودنياكم.
قال أبو مسعود: وعن يسير بن عمرو قال: شيّعنا أبا مسعود حين خرج فنزل في طريق القادسية، فدخل بستاناً، فقضى الحاجة ومسح على جوربين، ثم خرج وإن لحيته ليقطر منها الماء، فقلنا: اعهد غلينا فإن الناس قد وقعوا في الفتن، ولا ندري أنلقاك بعد اليوم أم لا، فقال: اتقوا الله، واصبروا حتى يستريح برٌّ أو يستراح من فاجر، وعليكم بالجماعة، فغن الله لا يجمع أمته على ضلالة.
توفي سنة أربعين، وقيل: سنة تسع وثلاثين.
عقبة بن نافع بن عبد قيس
ابن لقيط بن عامر بن أمية بن ظرب بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر الفهري يقال: إن له صحبة، والأظهر أنه لا صحبة له.
سكن مصر، ووفد علمعاوية ويزيد بن معاوية.
روى أبو عبيدة بن عقبة بن نافع: ان أباه وفد على معاوية بن أبي سفيان، فقرب له الغداء، فقال؛ اقترب يا عقبة، فاستأخرت، فقال: اقترب يا عقبة، قلت: إني صائم، قال: أما إنها ليست بسنة، وكان عقبة على سفر.
стр. 5845
شهد الفتح بمصر، واختط بمصر، وولي الإمرة لمعاوية بن يزيد بن معاوية على المغرب، وهو الذي بنى قيروان إفريقية وأنزلها المسلمين، وقتلته البربر بتهوذة من أرض الزاب بالمغرب سنة ثلاث وثمانين، وولده بمصر وبالمغرب، وقيل: سنة ثلاث وستين، وهو الذي قال النبي ﷺ : " رأيت كأني في دار عقبة بن نافع، فأتينا برطبٍ أبرّ طاب، فأوّلتها الرفعة والعافية، وإن ديننا قد طاب لنا. هكذا قال.
ووهم علي بن يونس في نسبه في موضعين، ووهم فيما حكى فيه عن النبي ﷺ ، فإن ذاك عقبة بن رافع، ولذلك قال: إن لنا الرفعة.
وقال أبو نعيم الحافظ: عقبة بن رافع وقيل: ابن نافع بن عبد القيس بن لقيط بن عامر بن أمية بن الحارث بن عامر بن فهر القرشي.
وعن أبي الخير قال: لما فتح المسلمون مصر بعث عمرو بن العاص إلى القرى التي حولها، الخيل تطؤهم، فبعث عقبة بن نافع بن عبد القيس، وكان نافع أخا العاص بن وائل لأمه، فدخلت خيولهم أرض النوبة غزاة، غزوا كصوائف الروم، فلقي المسلمون من النوبة قتالاً شديداً، لقد لاقوهم أول يوم، فرشقوهم بالنبل، ولقد جرح منهم عامتهم، وانصرفوا بجارحات كثيرة. وحذق ٍ بفقية، سموهم يومئذ رماة الحدق. فلم يزالوا على ذلك حتى ولي مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ولاه عثمان، فسألوه الصلح والموادعة، فأجابهم إلى ذلك، فاصطلحوا على غير جزية، على هداية ثلاث مئة رأس في كل سنة، ويهدي إليهم المسلمون طعاماً مثل ذلك.
стр. 5846
وكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب يخبره أنه قد ولّى عقبة بن نافع الفهري، وأنه قد بلغ زويلة، وأن ما بين برقة وزويلة سلمٌ كلهم، قد أطاع مسلمهم بالصدقة، وأقر معاهدهم بالجزية.
وبلغ عمرو بن العاص أطرابلس ففتحها، فكتب إلى عمر: إن بيننا وبين إفريقية تسعة أيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن للمسلمين في دخولها فعل؛ فإن المسلمين قد اجترؤوا عليهم وعلى بلادهم وعرفوا قتالهم، وليس عدوّاً كلٌّ شوكة منهم، وإفريقية عين مال الغرب، فيوسّع الله بما فيها على المسلمين.
فكتب إليهم عمر: لو فتحت إفريقية ما قامت بوالٍ مقتصدٍ لا جند معه، ثم لا آمن أن يقتلوه، فإن شحنتها بالرجال كلفت حمل مال مصر أو عامته إليهم، لا أدخلها جنداً للمسلمين أبداً، وسيرى الوالي بعدي رأيه.
فلما ولي عثمان أغزى الناس إفريقية، وأمرهم أن يلحقوا بعبد الله بن سعد. وأمر عبد الله بن سعد أن يسير بمن معه، ومن أمده بهم عثمان بن عفان إلى إفريقية. فخرج بالناس حتى نزل بقربها، فصالحه بطريقها على صلح يخرجه له، فقبل ذلك منه.
فلما ولي معاوية بن أبي سفيان، وجّه عقبة بن نافع بن عبد قيس الفهري إلى إفريقية غازياً في عشرة آلاف من المسلمين، فافتتحها واختط قيروانها، وقد كان موضعه غيطة لا ترام من السباع والحيات وغير ذلك من الدواب، فدعا الله عليها، فلم يبق فيها شيء مما كان فيها من السباع وغير ذلك إلا خرج منها هارباً بإذن الله، حتى إن السباع وغيرها لتحمل أولادها.
قالوا: ولما قدم إفريقية وقف على واديها، فقال: من كان ههنا من الحي فليرتحل،
стр. 5847
فإنا نازلون، فمن وجدناه قتلناه. قال: فرأى الناس الحيات تنساب خارجة من الوادي. وكان يقال: إن عقبة رجل يستجاب دعاؤه.
وقيل: إن عقبة بن نافع نادى: إنا نازلون فاظعنوا. قال: فزبنّ يخرجن من جحرتهنّ هوارب.
قال محمد بن عمر: فقلت لموسى بن علي: إنه يقال: إن بإفريقية عقارب تقتل. قال: بناحية منها، قلّما لدغت إنساناً إلا خيف عليه منها، وربما عافاه الله. قلت لموسى: أرأيت بناء إفريقية اليوم؟ هذا الواصل المجتمع، من أوّل من بناء حتى بني إليه؟، قال: أول من ابتنى بها عقبة بن نافع ومن كان معه الدور والمساكن، وأقام بها.
قال الليث بن سعد: في سنة إحدى وأربعين غزوة عقبة بن نافع غدامس. وفي سنة اثنتين وأربعين حاربت البربر، فغزاهم عقبة بن نافع. وفي سنة ثلاث وأربعين غزوة عقبة بن نافع هوّارة. وفي سنة ثمان وأربعين غزوة عقبة بن نافع ومالك بن هبيرة مشتاههم بساموس. وفي سنة أربع وخمسين غزوة ابن مسعود وعقبة بن نافع مشتاهم بقريطيا، وفي سنة اثنتين وستين غزوة عقبة بن نافع إفريقية.
وقال خليفة: في سنة إحدى وأربعين ولّى عمرو بن العاص وهو على مصر عقبة بن نافع الفهري
стр. 5848
وهو ابن خالة عمرو إفريقية، فانتهى إلى قونية ومراقية، فأطاعوا، ثم كفروا؛ فغزاهم من سبتة، فقتل وسبى، وفيها يعني سنة اثنتين وأربعين غزا عقبة بن نافع إفريقية، فافتتح غدامس، فقتل وسبى، وفيها يعني سنة ثلاث وأربعين غزا عقبة بن نافع، فافتتح كوراً من بلاد السودان، وافتتح ودّان، وهي من حيدة برقة، وكلها من بلاد إفريقية.
وفي سنة خمسين وجه معاوية عقبة بن نافع إلى إفريقية، فخط القيروان وأقام بها ثلاث سنين، ولما افتتحها وقف على القيروان، فقال: يا أهل الوادي، إنا حالون إن شاء الله فاظعنوا، ثلاث مرات، قال؛ فما رأينا حجراً ولا شجراً، إلا يخرج من تحته دابة حتى هبطن بطن الوادي، ثم قال للناس: انزلوا باسم الله.
حدث رجل من جند مصر قال: قدمنا مع عقبة بن نافع إفريقية، وهو أول الناس، اختطها وقطّعها للناس مساكن ودوراً. وبنى مسجدها. قال: فأقمنا معه حتى عزل عنها، وهو خير وال، وخير أمير، وولّى معاوية بن أبي سفيان حين عزل عقبة بن نافع مسلمة بن مخلّد الأنصاري، ولاّه مصر وإفريقية، وعزل معاوية بن حديج الكندي عن مصر، فوجّه مسلمة بن مخلّد إلى إفريقية ديناراً أبا المهاجر، مولىً له، وعزل عقبة بن نافع، فقيل لمسلمة بن مخلّد: لو أقررت عقبة بن نافع عليها؛ فإن له جرأة وفضلاً، وهو الذي اختطها وبنى مسجدها، فقال مسلمة: إن أبا المهاجر، كنا نرى، إنما هو كأحدنا، صبر علينا في غير ولاية ولا كثير نيل، فنحن يجب أن نكافئه ونصطنعه، فوجهه إلى إفريقية.
стр. 5849
فلما قدم دينار إفريقية كره أن ينزل في الموضع الذي اختط عقبة بن نافع، فمضى حتى خلّفه بميلين، ثم نزل بموضع يقال له: أبت كروان فابتناه ونزله.
وخرج عقبة بن نافع منصرفاً إلى المشرق حنقاً على أبي المهاجر، وكان أساء عزله، فدعا الله أن يمكنه منه، وبلغ ذلك أبا المهاجر، فلم يزل خائفاً منه مذ بلغته دعوته. فقدم عقبة بن نافع على معاوية فقال: الله! إني فتحت البلاد ودانت لي، وبنيت المنازل، وبنيت مسجد الجماعة، وسكّنت الرجال، ثم أرسلت عبد الأنصار، فأساء عزلي! فاعتذر إليه معاوية، وقال: قد عرفت مكان مسلمة بن مخلّد من الإمام المظلوم ﵀، وتقديمه إياه على من سواه، ثم قيامه بعد ذلك بدمه، وبذل مهجة نفسه محتسباً صابراً مع من أطاعه من قومه ومواليه، وقد رددتك على عملك والياً.
قال عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة: لما ولّى مسلمة بن مخلّد أبا المهاجر إفريقية أوصاه بتقوى الله، وأن يسير بسيرةٍ حسنةٍ، وأن يعزل صاحبه أحسن العزل؛ فإن أهل بدله يحسنون القول فيه، فخالفه أبو المهاجر، فأساء عزله. فمر عقبة بن نافع على مسلمة بن مخلد، فركب إليه مسلمة، يقسم له بالله، لقد خالفه ما صنع، ولقد أوصيته بك خاصة.
ولم يوله معاوية، ولكنه أقام حتى مات معاوية، فولاه يزيد بعد ذلك.
وعن عقبة بن نافع: وكان قد استشهد بإفريقية أنه أوصى ولده، فقال: لا تقبلوا الحديث عن رسول الله ﷺ إلا عن ثقة، ولا تديّنوا وإن لبستم العبا، ولا تكتبوا ما يشغلكم عن القرآن.
وروى الليث: أن عقبة بن نافع قدم من عند يزيد بن معاوية في جيش على غزو المغرب، فمر على عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو بمصر، فقال له: يا عقبة، لعلك من الجيش الذين
стр. 5850
الجنة ترجى لهم. قال: فمضى بجيشه حتى قاتل البربر، وهم كفار فقتلوه جميعاً.
وقيل: إن عبد الله بن عمرو بن العاص قال لعقبة لما دخل عليه: ما أقدمك يا عقبة؟ فإني أعلمك تحب الإمارة، فقال: إن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية عقد لي على جيش إلى إفريقية. فقال له عبد الله: إياك أن تكون لعبة لأرامل أهل مصر، فإني لم أزل أسمع أنه سيخرج رجل من قريش في هذا الوجه فيهلك فيه.
قال: فقدم إفريقية فتتبع آثار أبي المهاجر، وضيق عليه، وحدّده. وأخذه في وثاق شديد، وأساء عزله. ثم خرج إلى قتال البربر وهم خمسة آلاف رجل من أهل مصر. وأخرج بأبي المهاجر معه في الحديد، فقتل، وقتل أصحابه، وقتل أبو المهاجر، وكان قدوم عقبة والياً على أبي المهاجر سنة ثنتين وستين.
وفي سنة ثلاث وستين غزا عقبة بن نافع، وساتخلف على القيروان زهير بن قيس البلويّ، فأتى السوس القصوى، فغنم وسلم وقفل، فلقيه كسيلة بن اليزم، وكان نصرانياً، فقتل عقبة بن نافع، وأبو المهاجر مولى الأنصار، وعامة أصحابه، ثم سار كسيلة، فلقيه زهير بن قيس على بريد من القيروان فقتل كسيلة، وانهزم أصحابه، وقتلوا قتلاً ذريعاً.
ولما رد يزيد بن معاوية عقبة بن عامر والياً على إفريقية خرج سريعاً لحنقه على أبي المهاجر حتى قدم إفريقية، فأوثق أبا المهاجر ي وثاق شديد، وأساء عزله، وغزا به إلى السوس الأدنى. وهو في حديد، وهو خلف طنجة، فيما بين قبلة مدينتها التي تسمى
следующие страницы →