← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

وكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب يخبره أنه قد ولّى عقبة بن نافع الفهري، وأنه قد بلغ زويلة، وأن ما بين برقة وزويلة سلمٌ كلهم، قد أطاع مسلمهم بالصدقة، وأقر معاهدهم بالجزية. وبلغ عمرو بن العاص أطرابلس ففتحها، فكتب إلى عمر: إن بيننا وبين إفريقية تسعة أيام، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن للمسلمين في دخولها فعل؛ فإن المسلمين قد اجترؤوا عليهم وعلى بلادهم وعرفوا قتالهم، وليس عدوّاً كلٌّ شوكة منهم، وإفريقية عين مال الغرب، فيوسّع الله بما فيها على المسلمين. فكتب إليهم عمر: لو فتحت إفريقية ما قامت بوالٍ مقتصدٍ لا جند معه، ثم لا آمن أن يقتلوه، فإن شحنتها بالرجال كلفت حمل مال مصر أو عامته إليهم، لا أدخلها جنداً للمسلمين أبداً، وسيرى الوالي بعدي رأيه. فلما ولي عثمان أغزى الناس إفريقية، وأمرهم أن يلحقوا بعبد الله بن سعد. وأمر عبد الله بن سعد أن يسير بمن معه، ومن أمده بهم عثمان بن عفان إلى إفريقية. فخرج بالناس حتى نزل بقربها، فصالحه بطريقها على صلح يخرجه له، فقبل ذلك منه. فلما ولي معاوية بن أبي سفيان، وجّه عقبة بن نافع بن عبد قيس الفهري إلى إفريقية غازياً في عشرة آلاف من المسلمين، فافتتحها واختط قيروانها، وقد كان موضعه غيطة لا ترام من السباع والحيات وغير ذلك من الدواب، فدعا الله عليها، فلم يبق فيها شيء مما كان فيها من السباع وغير ذلك إلا خرج منها هارباً بإذن الله، حتى إن السباع وغيرها لتحمل أولادها. قالوا: ولما قدم إفريقية وقف على واديها، فقال: من كان ههنا من الحي فليرتحل،

стр. 5847

فإنا نازلون، فمن وجدناه قتلناه. قال: فرأى الناس الحيات تنساب خارجة من الوادي. وكان يقال: إن عقبة رجل يستجاب دعاؤه. وقيل: إن عقبة بن نافع نادى: إنا نازلون فاظعنوا. قال: فزبنّ يخرجن من جحرتهنّ هوارب. قال محمد بن عمر: فقلت لموسى بن علي: إنه يقال: إن بإفريقية عقارب تقتل. قال: بناحية منها، قلّما لدغت إنساناً إلا خيف عليه منها، وربما عافاه الله. قلت لموسى: أرأيت بناء إفريقية اليوم؟ هذا الواصل المجتمع، من أوّل من بناء حتى بني إليه؟، قال: أول من ابتنى بها عقبة بن نافع ومن كان معه الدور والمساكن، وأقام بها. قال الليث بن سعد: في سنة إحدى وأربعين غزوة عقبة بن نافع غدامس. وفي سنة اثنتين وأربعين حاربت البربر، فغزاهم عقبة بن نافع. وفي سنة ثلاث وأربعين غزوة عقبة بن نافع هوّارة. وفي سنة ثمان وأربعين غزوة عقبة بن نافع ومالك بن هبيرة مشتاههم بساموس. وفي سنة أربع وخمسين غزوة ابن مسعود وعقبة بن نافع مشتاهم بقريطيا، وفي سنة اثنتين وستين غزوة عقبة بن نافع إفريقية. وقال خليفة: في سنة إحدى وأربعين ولّى عمرو بن العاص وهو على مصر عقبة بن نافع الفهري

стр. 5848

وهو ابن خالة عمرو إفريقية، فانتهى إلى قونية ومراقية، فأطاعوا، ثم كفروا؛ فغزاهم من سبتة، فقتل وسبى، وفيها يعني سنة اثنتين وأربعين غزا عقبة بن نافع إفريقية، فافتتح غدامس، فقتل وسبى، وفيها يعني سنة ثلاث وأربعين غزا عقبة بن نافع، فافتتح كوراً من بلاد السودان، وافتتح ودّان، وهي من حيدة برقة، وكلها من بلاد إفريقية. وفي سنة خمسين وجه معاوية عقبة بن نافع إلى إفريقية، فخط القيروان وأقام بها ثلاث سنين، ولما افتتحها وقف على القيروان، فقال: يا أهل الوادي، إنا حالون إن شاء الله فاظعنوا، ثلاث مرات، قال؛ فما رأينا حجراً ولا شجراً، إلا يخرج من تحته دابة حتى هبطن بطن الوادي، ثم قال للناس: انزلوا باسم الله. حدث رجل من جند مصر قال: قدمنا مع عقبة بن نافع إفريقية، وهو أول الناس، اختطها وقطّعها للناس مساكن ودوراً. وبنى مسجدها. قال: فأقمنا معه حتى عزل عنها، وهو خير وال، وخير أمير، وولّى معاوية بن أبي سفيان حين عزل عقبة بن نافع مسلمة بن مخلّد الأنصاري، ولاّه مصر وإفريقية، وعزل معاوية بن حديج الكندي عن مصر، فوجّه مسلمة بن مخلّد إلى إفريقية ديناراً أبا المهاجر، مولىً له، وعزل عقبة بن نافع، فقيل لمسلمة بن مخلّد: لو أقررت عقبة بن نافع عليها؛ فإن له جرأة وفضلاً، وهو الذي اختطها وبنى مسجدها، فقال مسلمة: إن أبا المهاجر، كنا نرى، إنما هو كأحدنا، صبر علينا في غير ولاية ولا كثير نيل، فنحن يجب أن نكافئه ونصطنعه، فوجهه إلى إفريقية.

стр. 5849

فلما قدم دينار إفريقية كره أن ينزل في الموضع الذي اختط عقبة بن نافع، فمضى حتى خلّفه بميلين، ثم نزل بموضع يقال له: أبت كروان فابتناه ونزله. وخرج عقبة بن نافع منصرفاً إلى المشرق حنقاً على أبي المهاجر، وكان أساء عزله، فدعا الله أن يمكنه منه، وبلغ ذلك أبا المهاجر، فلم يزل خائفاً منه مذ بلغته دعوته. فقدم عقبة بن نافع على معاوية فقال: الله! إني فتحت البلاد ودانت لي، وبنيت المنازل، وبنيت مسجد الجماعة، وسكّنت الرجال، ثم أرسلت عبد الأنصار، فأساء عزلي! فاعتذر إليه معاوية، وقال: قد عرفت مكان مسلمة بن مخلّد من الإمام المظلوم ﵀، وتقديمه إياه على من سواه، ثم قيامه بعد ذلك بدمه، وبذل مهجة نفسه محتسباً صابراً مع من أطاعه من قومه ومواليه، وقد رددتك على عملك والياً. قال عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة: لما ولّى مسلمة بن مخلّد أبا المهاجر إفريقية أوصاه بتقوى الله، وأن يسير بسيرةٍ حسنةٍ، وأن يعزل صاحبه أحسن العزل؛ فإن أهل بدله يحسنون القول فيه، فخالفه أبو المهاجر، فأساء عزله. فمر عقبة بن نافع على مسلمة بن مخلد، فركب إليه مسلمة، يقسم له بالله، لقد خالفه ما صنع، ولقد أوصيته بك خاصة. ولم يوله معاوية، ولكنه أقام حتى مات معاوية، فولاه يزيد بعد ذلك. وعن عقبة بن نافع: وكان قد استشهد بإفريقية أنه أوصى ولده، فقال: لا تقبلوا الحديث عن رسول الله ﷺ إلا عن ثقة، ولا تديّنوا وإن لبستم العبا، ولا تكتبوا ما يشغلكم عن القرآن. وروى الليث: أن عقبة بن نافع قدم من عند يزيد بن معاوية في جيش على غزو المغرب، فمر على عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو بمصر، فقال له: يا عقبة، لعلك من الجيش الذين

стр. 5850

الجنة ترجى لهم. قال: فمضى بجيشه حتى قاتل البربر، وهم كفار فقتلوه جميعاً. وقيل: إن عبد الله بن عمرو بن العاص قال لعقبة لما دخل عليه: ما أقدمك يا عقبة؟ فإني أعلمك تحب الإمارة، فقال: إن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية عقد لي على جيش إلى إفريقية. فقال له عبد الله: إياك أن تكون لعبة لأرامل أهل مصر، فإني لم أزل أسمع أنه سيخرج رجل من قريش في هذا الوجه فيهلك فيه. قال: فقدم إفريقية فتتبع آثار أبي المهاجر، وضيق عليه، وحدّده. وأخذه في وثاق شديد، وأساء عزله. ثم خرج إلى قتال البربر وهم خمسة آلاف رجل من أهل مصر. وأخرج بأبي المهاجر معه في الحديد، فقتل، وقتل أصحابه، وقتل أبو المهاجر، وكان قدوم عقبة والياً على أبي المهاجر سنة ثنتين وستين. وفي سنة ثلاث وستين غزا عقبة بن نافع، وساتخلف على القيروان زهير بن قيس البلويّ، فأتى السوس القصوى، فغنم وسلم وقفل، فلقيه كسيلة بن اليزم، وكان نصرانياً، فقتل عقبة بن نافع، وأبو المهاجر مولى الأنصار، وعامة أصحابه، ثم سار كسيلة، فلقيه زهير بن قيس على بريد من القيروان فقتل كسيلة، وانهزم أصحابه، وقتلوا قتلاً ذريعاً. ولما رد يزيد بن معاوية عقبة بن عامر والياً على إفريقية خرج سريعاً لحنقه على أبي المهاجر حتى قدم إفريقية، فأوثق أبا المهاجر ي وثاق شديد، وأساء عزله، وغزا به إلى السوس الأدنى. وهو في حديد، وهو خلف طنجة، فيما بين قبلة مدينتها التي تسمى

стр. 5851

وليلى والمغرب وأهل السوس، إذ ذاك أثبته، وجوّل في بلادهم، ولا يعرض له أحد، ولا يقاتله. ثم انصرف راجعاً إلى إفريقية، فلما دنا من ثغرها أمن أصحابه، وأذن لهم فتفرقوا عنه، وبقي في عدة قليلة، فأخذ تهوذة، وهي ثغر من ثغور إفريقية متياسراً عن طينة، ثغر الزاب، فيما بين طينة والمشرق، وتهوذة من مدينة قيروان إفريقية على مسيرة ثمانية أيام. فلما انتهى عقبة إلى تهوذة، عرض له كسيلة بن يلزم الأودي في جمع كبير من البربر والروم، وقد كان بلغه افتراق الناس عن عقبة وقلة من معه، وجمع لذلك جمعاً، فالتقوا، فاقتتلوا قتالاً شديداً. فقتل عقبة بن نافع شهيداً ﵀، وقتل من كان معه، وقتل أبو المهاجر، وهو موثوق بالحديد، واشتعلت إفريقية حرباً. ثم سار كسيلة ومن معه حتى نزلوا قونية، الموضع الذي كان عقبة بن نافع اختطه، فأقام بها ومن معه. وقهر من قرب منه بآب قايش وما يليه، وجعل يبعث أصحابه في كل وجه إلى أن توفي يزيد بن معاوية، وكانت خلافته ثلاث سنين وثلاثة أشهر. قال ابن لهيعة: كان قتل الحسن بن علي ﵉، وقتل عقبة بن نافع، وحريق الكعبة في سنة واحدة، سنة ثنتين أو ثلاث سنين، وكان ذلك كله في خلافة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. عقبة بن يريم دمشقي. حدث عقبة بن يريم عن أبي ثعلبة الخشني: أن النبيّ ﷺ كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم يثني

стр. 5852

بفاطمة، ثم يأتي أزواجه، فقدم من سفرة مرة، فأتى فاطمة، فتلقته على باب المسجد، فجعلت تلثم فاه وعينه وتبكي، فقال لها: " ما يبكيك؟ " فقالت: أراك شعثاً نصباً قد اخلولقت ثيابك، فقال: " لا تبكي، فإن الله بعث أباك بأمر لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر ولا شعر، إلا أدخله الله به عزاً أو ذلاً حتى يبلغ حيث بلغ الليل ". عقيل بن أحمد بن محمد بن الأزرق أبو طالب الفراء الوراق حدث سنة ثمان وأربعين وأربع مئة بسنده عن الشريف أبي الغنائم محمد بن يحيى بن الحسين الحسني الزيدي بسنده إلى أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : " من تعلم القرآن وعلمه، وأخذ بما فيه، كان له شفيعاً ودليلاً إلى الجنة ". عقيل بن أي طالب عبد مناف ابن هاشم بن عبد مناف أبو يزيد ويقال: أبو عيسى الهاشمي أخو علي وجعفر، وكان أكبر منهما، أسلم قبل سنة ثمان، وشهد غزوة مؤتة من أرض البلقاء. وفد على معاوية. روى عقيل بن أبي طالب قال: جاءت قريش إلى أبي طالب، فقالوا: إن ابن أخيك يؤذينا في نادينا وفي مسجدنا، فانهه عن أذانا، فقال: يا عقيل ائتني بمحمد؛ فذهبت فأتيته به، فقال: يا بن

стр. 5853

أخي إن بني عمك يزعمون أنك تؤذيهم في ناديهم وفي مسجدهم، فانته عن ذلك، قال: فلحظ رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء، فقال: " أترون هذه الشمس؟ " قالوا: نعم، قال: " ما أنا بأقدر على أن أدع لكم ذلك على أن تستشعلوا لي منها شعلة "، قال: فقال أبو طالب: ما كذب ابن أخي، فارجعوا. قال الحسن البصري: قدم عقيل بن أبي طالب البصرة، فتزوج امرأة من بني جشم، فلما خرج قالوا: بالرّفاء والبنين، فقال: لا تقولوا هكذا، نهانا رسول الله ﷺ أن نقول: بالرفاء والبنين، وأمرنا أن نقول: " بارك الله لك، وبارك عليك ". وجعفر وعلي وعقيل بنو أبي طالب، أمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي، وقد أسلمت وهاجرت إلى الله وإلى رسوله بالمدينة وماتت بها، وشهدها رسول الله ﷺ . أتى عقيل البصرة والكوفة والشام، ومات في خلافة معاوية. وعقيل وجعفر وعلي كل واحد منهم أسنّ من صاحبه بعشر سنين على الولاء، وأخوهم طالب لا عقب له. وهو الذي يقول حين استكرهه مشركو قريش على الخروج إلى بدر: من الرجز يا ربّ إمّا خرجوا بطالب ... في مقنبٍ من هذه المقانب فاجعلهم المغلوب غير الغالب ... والرجل المسلوب غير السالب وكان علي أصغر بني أبي طالب سناً، وأولهم إسلاماً، وكان عقيل فيمن أخرج من بني هاشم كرهاً مع المشركين إلى بدر، فشهدها، وأسر يومئذ، وكان لا مال له، ففداه

стр. 5854

العباس بن عبد المطلب، ورجع عقيل إلى مكة، فلم يزل بها حتى خرج إلى سيدنا رسول الله ﷺ مهاجراً في أول سنة ثمانٍ، فشهد غزوة مؤتة، ورجع، فعرض له مرض، فلم يسمع له بذكر في فتح مكة ولا الطائف ولا خيبر ولا حنين، وقد أطعمه رسول الله ﷺ بخيبر مئة وأربعين وسقاً كل سنة، ومات عقيل بن أبي طالب بعدما عمي في خلافة معاوية، وله عقب، وله دار بالبقيع ربّة يعني كثيرة الأهل والجماعة واسعة. وروي أن عقيلاً بارز رجلاً يوم مؤتة فقتله، فنفّله النبي ﷺ خاتمه. وقيل: نفّله سيفه وترسه، وكان إسلام عقيل قبل يوم مؤتة، وكان ورث أبا طالب هو وطالب دون علي وجعفر، لأنهما كانا مسلمين. وعن ابن عباس: في قول الله : " يا أيها النبيّ قل لمن في أيديكم من الأسارى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم ويغفر لكم، والله غفور رحيم " نزلت في الأسارى يوم بدر، ومنهم العباس بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث وعقيل بن أبي طالب. وقال عقيل للنبي ﷺ : من قتلت من أشرافهن أثخن فيهم! فقال: قتل أبو جهل، فقال: " الآن صفا لك الوادي ". وقال له عقيل: إنه لم يبق من أهل بيتك أحد إلا وقد أسلم، قال: " فقل لهم فليلحقوا بي، فلما أتاهم عقيل بهذه المقالة خرجوا ".

стр. 5855

وذكر أن العباس ونوفلاً وعقيلاً رجعوا إلى مكة، أمروا بذلك ليقيموا ما كانوا يقيمون من أمر السقاية والرفادة يعني والرياسة، وذلك بعد موت أبي لهب، وكانت السقاية والرفادة والرياسة في الجاهلية في بني هاشم، ثم هاجروا بعد إلى المدينة، فقدموها بأهاليهم وأولادهم. قال علي كرم الله وجهه: لما كان ليلة بدر أصابنا وعك من حمى وشيء من مطر، فافترق الناس يستترون تحت الشجر، وما رأيت أحداً يصلي غير النبي ﷺ حتى انفجرا لصبح، فصاح: " عباد الل " هـ، فأقبل الناس من تحت الشجر، فصلى بهم، ثم أقبل على القتال، ورغبهم فيه، فقال: " إن بين عبد المطلب قوم أخرجوا كرهاً، لم يريدوا قتالكم، فمن لقي منكم أحداً منهم فر يقتله، وليأسره أسراً ". ثم قال لهم: " إن جمع قريش عند ذلك الضلع من الجبل ". فلما تصافّ القوم، رأى النبي ﷺ رجلاً يسير على جمل أحمر، فقال: " عن يكن عند أحد من القوم خير فعند صاحب هذا الجمل الأحمر "، ثم قال: " يا علي انطلق إلى حمزة، وكان حمزة أدنى القوم من القوم، فسله عن صاحب الجمل الأحمر وماذا يقول "؛ فسأله، فقال: هذا عتبة بن ربيعة، وهو ينهى عن القتال. قال علي: وكان الشجاع منا يومئذ الذي يقوم بإزاء رسول الله صلى عليه وسلم، فلما هزم الله القوم التفت فإذا عقيل مشدودة يداه إلى عنقه بنسعة، قال: فصددت عنه، فصاح بي: يا بن أم علي، وأما والله لقد رأيت مكاني، ولكن عمداً تصدّ عنّي. فقال علي: فأتيت النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، هل لك في أبي يزيد مشدودة يداه إلى عنقه بنسعة؟ فقال: " انطلق بنا إليه " فمضينا إليه نمشي، فلما رآنا عقيل قال:

стр. 5856

يا رسول الله، إن كنتم قتلتم أبا جهل فقد ظفرتم، وإلا فأدركوا القوم ما داموا بحدثان قرحهم، فقال له النبي ﷺ : " قد قتله الله ". وعن حسن بن علي ﵉ قال: كان ممن ثبت مع رسول الله ﷺ يوم حنين العباس وعلي وأبو سفيان بن الحارث وعقيل بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، والزبير بن العوام وأسامة بن زيد. وزاد في حديث آخر: وأيمن بن عبيد أخو أسامة بن زيد. وروي عن أنس: أن زينب بنت رسول الله ﷺ أجارت أبا العاص بن عبد شمس، فأجاز رسول الله ﷺ جوارها، وأن أم هانئ بنت أي طالب أجارت أخاها عقيل بن أي طالب يوم الفتح، فأجاز رسول الله ﷺ جوارها. قال: وهذا الحديث غير محفوظ، إنما أجارت رجلين من أحمائها من بني مخزوم، فأما عقيل فتقدم إسلامه قبل الفتح، والله أعلم. وعن زيد بن أسلم: أن عقيلاً دخل على امرأته فاطمة بنت عتبة بن ربيعة وسيفه متلطخ بالدماء، فقالت: إني قد عرفت أنك قد قاتلت، فما أصبت من غنائم المشركين؟ فقال: دونك هذه الإبرة فخيطي بها ثيابك، ودفعها إليها. فسمع منادي النبي ﷺ يقول: من أصاب شيئاً فليرده، وإن كانت إبرة، فرجع عقيل إلى امرأته فقال: ما أرى إبرتك إلا قد ذهبت منك. فأخذ عقيل الإبرة فألقاها في الغنائم.

стр. 5857

وعن علي ﵇ أن رسول الله ﷺ قال: " أعطي كل نبيّ سبة رفقاء، وأنا أعطيت أربعة عشر "، قيل لعلي: من هم؟ قال: أنا وابناي الحسن والحسين وحمزة وجعفر وعقيل وأبو بكر وعمر وعثمان والمقداد وسلمان وعمار وطلحة والزبير. وعن عقيل بن أبي طالب قال: نازعت علياً وجعفر بن أبي طالب في شيء، فقلت: والله ما أنتما بأحب إلى رسول الله ﷺ مني، إن قرابتنا لواحدة، وإن أبانا لواحد، وإن أمنا لواحدة. فقال رسول الله ﷺ : " أنا أحب أسامة بن زيد " ٠ قلت: إني ليس عن أسامة أسألك، إنما أسألك عن نفسي. فقال: " يا عقيل: إني والله لأحبك لخصلتين: لقرابتك ولحب أبي طالب إياك وكان أحبهم إلى أبي طالب وأما أنت يا جعفر فإن خلقك يشبه خلقي، وأما أنت يا علي فأنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي ". وفي رواية أنه قال لعقيل: " إني أحبك حبين: حباً لقرابتك مني، وحباً لما كنت أعلم من حب عمي إياك ". وعن جابر: أن عقيلاً دخل على النبي ﷺ ، فقال: " مرحباً بك أبا يزيد، كيف أصبحت؟ " قال: بخير صبّحك الله يا أبا القاسم. حدث يزيد بن حبّان عن زيد بن أرقم قال: دخلنا عليه فقلنا له: لقد رأيت خيراً، صاحبت رسول الله ﷺ ، وصليت خلفه، قال: لقد رأيته وقد خشيت أن يكون إنما أخرت لشرٍّ، ما حدثتكم به فاقبلوه، وما سكتّ عنه فدعوه. قال: قام رسول الله ﷺ بوادٍ بين مكة والمدينة يدعى: خمّ، فخطب، فقال:

стр. 5858

إنما أنا بشر أوشك أن أدعى فأجيب، ألا وإني تارك فيكم الثقلين: أحدهما كتاب الله، حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة، ثم أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، ثلاث مرات. قال: فقلنا: من أهل بيته، نساؤه؟ قال: لا، لأن المرأة تكون مع الرجل برهة من الدهر، ثم يطلقها، فترجع إلى أبيها وقومها. وأهل بيته: أهله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده. آل علي والعباس وآل جعفر وآل عقيل. جاء علي بن أبي طالب إلى عثمان بن عفان، فقال له: يا أمير المؤمنين، لي إليك حاجة، لابد أن تسعفني بها، قال: ما هي؟ قال: فاطمة بنت عتبة بن ربيعة، خطبتها، فأبتني، وتزوجت عقيل بن أبي طالب، فسلها: لم ذاك؟ فقال عثمان: ما نصنع بذلك؟ النساء يأخذن ويدعن، قال: إني أحب ذلك، أقسمت إلا سألتها عن ذلك. فدعا عثمان مولاه معتّباً فقال له: اذهب إلى فاطمة بنت عتبة فأقرها السلام ورحمة الله، وقل: إن عمك أرسلني إليك يسألك: لم رددت علياً وتزوجت عقيلاً؟ فلما جاءها استأذن عليها، فقالت: من هذا؟ قال: معتّب مولى عثمان، فقالت: ادخل، مرحباً، فدخل، فأبلغها رسالة عثمان، فقالت له: نعم، أمر معروف، إني وجدت علياً قتل الأحبة، ووجدت عقيلاً قاتل معهم. اخرج أبا زيد، فخرج عليّ شيخ أعقف في ملحفة مورّسة. فجاء عقيل بن أبي طالب إلى علي بن أبي طالب بالعراق ليعطيه. فأبى أن يعطيه شيئاً، فقال: إذاً أذهب إلى رجل هو أوصل منك، فذهب إلى معاوية، فغرف له معاوية.

стр. 5859

قال حميد بن هلال: أتى عقيل علياً، فقال: يا أمير المؤمنين إني محتاج، وإني فقير فأعطني، قال: اصبر حتى يخرج عطائي مع المسلمين فأعطيك معهم، فألح عليه، فقال لرجل: خذ بيده فانطلق به إلى حوانيت أهل السوق فقل: دقّ هذه الأقفال وخذ ما في هذه الحوانيت. قال: يريد عليٌّ أن يتخذني سارقاً، فرجع إليه، فقال: يا أمير المؤمنين: أردت أن تتخذني سارقاً! قال: أنت والله أردت أن تتخذني سارقاً، أن آخذ أموال الناس فأعطيكها دونهم، قال: لآتينّ معاوية، قال؛ أنت وذاك، فأتى معاوية فسأله فأعطاه مئة ألف ثم قال: اصعد المنبر فاذكر ما أولاك عليٌّ من نفسه، وما أوليتك من نفسي. قال: فصعد فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إني أخبركم أني أردت علياً على دينه، فاختار دينه، وإني أردت معاوية على دينه فاختارني على دينه. فقال معاوية: هذا الذي تزعم قريش أنه أحمق، وأنها أعقل منه! وقيل: إن عقيلاً لما أتى معاوية قال له: كيف أنت أبا يزيد؟ كيف تركت علياً وأصحابه؟ قال: كأنهم أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر، إلا أني لم أر رسول الله ﷺ فيهم، وكأنك وأصحابك أبو سفيان يوم أحد، إلا أني لم أر أبا سفيان معكم، فكره معاوية أن يراجعه، فيأتي بأشد مما جاء به. فلما كان الغد قعد معاوية على سريره، وأمر بكرسي يوضع إلى جنب السرير، ثم أذن للناس فدخلوا، وأجلس الضحاك بن قيس معه، ثم أذن لعقيل، فدخل عليه، فقال: يا معاوية من هذا معك؟ قال: هذا الضحاك بن قيس. فقال: الحمد لله الذي رفع الخسيسة، وتمم النقيصة، هذا الذي كان أبوه يخصي بهمنا بالأبطح، لقد كان

стр. 5860

بخصائها رفيقاً. فقال الضحاك: إني لعالم بمحاسن قريش، وإن عقيلاً لعالم بمساوئها. ثم قال: ومن هذا الشيخ؟ فقال: أبو موسى الأشعري، قال: ابن المرّاقة، لقد كانت أمه طيبة المرق، فقال له معاوية: أبا يزيد: على رسلك، فقد علمنا مقصدك ومرادك. فأمر له بخمسين ألف درهم، وقال له: كيف رأيتني من أخيك؟ قال: أخي خير لنفسه منك، وأنت خير لي منك لنفسك، فأخذها ورجع إلى أخيه، فقال: اخترت الدنيا على الآخرة. وقيل: إن عقيلاً لما أتى علياً ومنعه، قال له: أكتب لك إلى مالي بالينبع فتعطى؟ فقال عقيل: لأذهبن إلى رجل يعطيني. فأتى معاوية فقال: مرحباً بأبي يزيد، هذا أخو علي وعمه أبو لهب. فقال له عقيل: هذا معاوية، وعمته حمالة الحطب. وقال معاوية لعقيل: أين ترى عمك أبا لهب من النار؟ فقال له عقيل: إذا دخلتها فهو على يسارك مفترشٌ عمتك حمالة الحطب، والركب خير من المركوب. قال معاوية لعقيل: أي النساء أشهى إليك؟ قال: المواتية لما نهوى. قال: فأي النساء أسوأ؟ قال: المجانبة لما نرضى، فقال معاوية: هذا النقد العاجل، فقال له عقيل: بالميزان العادل. قال عبد الله بن عبد الله بن يسار: كنت عند عبد الله بن عمر بالمدينة، فجاءه عباس بن سهل الأنصاري، قال: إن عقيل بن أبي طالب قد وضع بباب المسجد، فصلي عليه، وابن الزبير حينئذ بمكة.

стр. 5861

عقيل بن العباس بن الحسن ابن العباس بن الحسن بن الحسين أبي الحسن بن علي بن محمد بن علي بن إسماعيل بن جعفر ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو البركات. نقيب العلويين بدمشق. حدث الأمير النقيب عماد الدولة أبو البركات عقيل بن العباس الحسيني، عن أبي عبد الله الحسن عبد الله بن أبي كامل بن كامل الأطرابلسي، بسنده إلى واثلة بن الأسقع الليثي، قال: جئت رسول الله ﷺ أريد علياً، فلم أجده، فقال: قالت فاطمة ﵍: انطلق إلى رسول الله ﷺ يدعوه فاجلس، فجاء مع رسول الله ﷺ ، فدخلا، ودخلت معهما، فدعا رسول الله ﷺ حسناً وحسيناً، فأجلس كل واحد منهما على فخذه، وأدنى فاطمة من حجره وزوجها، ثم لف عليهم ثوبه، وأنا منتبذ، فقال: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرّحس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً "، اللهم هؤلاء أهلي، اللهم أهلي أحق، قال واثلة: فقلت: يا رسول الله، وأنا من أهلك، فقال: " وأنت من أهلي "، فقال واثلة: إنها لمن أرجى ما أرجو. توفي الشريف عماد الدولة أبو البركات سنة إحدى وخمسين وأربع مئة بطرابلس، وقيل: توفي سنة ثلاث وخمسين. عقيل بن عبيد الله بن أحمد ابن عبدان بن أحمد بن زياد بن وردازاد بن غند بن شبة بن أحمد بن عبد الله أبو طالب الأزدي الصفار حدث عن أبي بكر محمد بن أحمد الواسطي البزار بالكوفة بسنده إلى أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ أسمر.

стр. 5862

ولد أبو طالب عقيل في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة، وتوفي في جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وأربع مئة. وكان ثقة. عقيل بن علّفة بن الحارث بن معاوية ابن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ بن مرة أبو العملّس، ويقال: أبو الخرقاء، ويقال: أبو علّفة ويقال: أبو الوليد المرّي من أشراف بني مرة ووجوههم. كان يسكن البادية، ووفد على عبد الملك بن مروان وعمر بن عبد العزيز وغيرهما من خلفاء بني أمية. وعلّفة: بعين مهملة مضمومة ولام مشددة بعدها فاء. شاعر شريف شديد الغيرة، كانت الملوك تخطب إليه وأمه عمرة بنت الحارث بن عوف بن أبي حارثة المرّي، وأختها البرصاء بنت عمرو أم شبيب بن البرصاء. تزوج إليه يزيد بن عبد الملك بن مروان، ويحيى بن الحكم أخو مروان. وخطب إليه إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي، وهو خال هشام بن عبد الملك فأبى أن يزوجه، وكان غيوراً جافياً، وأراد أن يضرب ابنته بالسيف غيرةً عليها فمنعه أخوها منها، ورماه بسهم فانتظم فخذيه، فقال عقيل: من الرجز

стр. 5863

إنّ بنيّ ضرّجوني بالدم ... شنشنةٌ أعرفها من أخزم من يلق أبطال الرجال يكلم ... ومن يكن ذا أودٍ يقوّم قوله: شنشنة أعرفها من أخزم قال: جد أبي حاتم الطائي. وهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن أخزم بن أبي أخزم. وإنما اجتلبه عقيل، لما جاء موضعه وهو القائل: من الطويل وللدّهر أثوابٌ فكن في ثيابه ... كلبسته يوماً أجدّ وأخلقا وكن أكيس الكيسى إذا كنت فيهم ... وإن كنت في الحمقى فكن أنت أحمقا وله يرثي ابنه: من الطويل لتمض المنايا حيث شئن فإنّها ... مجلّلةٌ بعد الفتى ابن عقيل فتى كان أحيا من فتاةٍ حييّةٍ ... وأقطع من ذي شفرتين صقيل فتىً كان مولاه يحلّ بنجوةٍ ... فخلّ الموالي عبده بمسيل وقيل في نسبه موضع ضباب: صبار، بالصاد المهملة والراء، قالوا: وهو وهم قبيح من الدارقطني، وهو ضباب، بضادٍ معجمة مكسورة، وآخرها باء معجمة بواحدة، وهذا على أن الدارقطني ذكره على الصحة في باب الضباب.

стр. 5864

قال أبو عبد الله الجمحي: قيل لعقيل بن علفة: ما نرك تقرأ شيئاً من كتاب الله! قال: بلى والله، وإني لأقرأ. قالوا: فاقرأ، قال: إنا بعثنا نوحاً. وقيل: ما قال: إنا فرطنا نوحاً، قالوا: فقد والله أخطأت، قال: فكيف أقول؟ قال: قالوا: تقول: " إنا أرسلنا نوحاً " قال: إنا أرسلنا وبعثنا، أشهد أنكم تعلمون أنهما سواء. ثم قال: من الطويل خذا صدر هرشى أو قفاها فإنّه ... كلا جانبي هرشى لهنّ طريق وكان عقيل زوج ابنته الجرباء يحيى بن الحكم بن أبي العاص، فطلقها يحيى، فأقبل إليها عقيل ومعه ابناه: العملس وحزام فحملها، وقال عقيل في ذلك: من الطويل قضت وطراً من دير يحيى وطالما ... على عجل ناطحنه بالجماجم فأصبحن بالموماة ينقلن فتيةً ... نشاوى من الإدلاج ميل العمائم ثم قال: أجز يا حزام فأرتج عليه، فقالت الجرباء: من الطويل كأن الكرى يسقيهم صرخديّةً ... عقاراً تمشّت في القرا والقوائم

стр. 5865

فقال عقيل: شربتها ورب الكعبة، وشد عليها بالسيف، فطرح حزام نفسه عليها، فضربها فأصاب حزاماً. ومن شعر عقيل بن علفة: من الرجز إني وإن سيق إليّ المهر ... ألفٌ وعبدانٌ وذودٌ عشر أحبّ أصهاري إليّ القبر وله: من الرجز سميتها إذ ولدت تموت ... والقبر صهرٌ ضامنٌ زمّيت ليس لمن يسكنه تربيت يقال: ربّيته وربّبته. كان لعقيل بن علفة جار من بني سلامان فخطب إليه، فأخذه فقمّطه، ودهن استه بشحم، وألقاه في قرية النمل، فأكلن خصيتيه، ثم خلاه، وقال؛ يخطب إليّ عبد الملك فأرده، وتجترئ أنت عليّ؟! ثم إنه بعد ذلك ورد وادي القرى فثار به بنو حنّ بن ربيعة فعقروا به، فقال في ذلك: من الطويل لقد عقرت حنٌّ بنا وتلاعبت ... وما لعبت حنٌّ بذي حسبٍ قبلي رويد بني حنٍّ تسيحوا وتأمنوا ... وتنتشر الأنعام في بلدٍ سهل

стр. 5866

وقيل: إن عقيل بن علفة جاور جذاماً، فبينا هو ذات يوم بفنائه إذ أتته جماعة منهم فخطبوا إليه ابنته، فقام يسعى حتى صعد شرفاً، ثم رمى ببصره نحو الحجاز، ثم عوى عواء الكلب: فقالوا: لقد جنّ، ثم قاموا، فقالت له ابنته: إنه ما أنت ببلاد غطفان، تقول ما أحببت لا تخاف أحداً، والله إني لأخاف أن يغتالك القوم، فالحق ببلادك، فعرف ما قالت، فلما أمسى قربٍ رواحله وانصرف إلى قومه، وقال شعراً. عقيل بن محمد بن علي بن أحمد بن رافع أبو الفضل الفارسي البعلبكي، الفقيه الشافعي كان يحفظ المزني حفظاً جيداً، وكان يمتنع من الرواية، ويقول: لست أصلح لرواية حديث النبي ﷺ ، وسمع منه أبو محمد بن الأكفاني بعد جهد، وكان مكثراً ﵀. حدث عن أبي محمد عبد الرحمن بن عثمان بن أبي نصر بسنده إلى أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قال: " يقول الله ﵎ لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير بين يديك، فيقول الله : هل رضيتم؟ فيقولون: يا ربنا وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطه أحداً من خلقك! قال: فيقول: أفلا أعطيكم أفضل من ذلك؟ قال: فيقولون: يا ربنا، فأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحلل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً ".

стр. 5867

قال: وأخبرنا ابن حبيب بسنده إلى الأوزاعي ف يقوله : " في روضة يحبرون "، قال: هو السماع، إذا أراد أهل الجنة أن يطربوا أوحى الله إلى رياح يقال لها: الهفافة، فدخلت في آجام قصب اللؤلؤ الرطب، فحركته، فضرب بعضه بعضاً، فتطرب الجنة، فإذا طربت لم يبق في الجنة شجرة إلا ورّدت. وحدث عقيل بن محمد عن أبي بكر محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن يحيى القطان بسنده إلى أي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ أن يكون ". عقيل بن خالد بن عقيل أبو خالد الأيلي مولى عثمان بن عفان، قدم على هشام بن عبد الملك، وكان يصحب الزّهري حضراً وسفراً. حدث عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة ﵂، وأنها قالت: قال رسول الله ﷺ : " من حمل من أمتي ديناً ثم جهد في قضائه فمات قبل أن يقضيه فأنا وليه ". وعقيل بضم العين وفتح القاف. وكان ثقة. قال عقيل: قال لي عبد الواحد بن سليمان: امض إلى ابن شهاب فامتر لنا منه علمه، فخرجت، فأقمت عنده أشهراً، ثم قدمت بالكتب على عبد الواحد، فأمر بها فنسخت فاستوهبته الأصول فوهبها لي.

стр. 5868

قال عقيل: كنت أسمر مع الزهري، فكان يسقينا العسل، قال: فنعست، فقال لي: ما أنت من سمّار قريش. قال مصعب بن عبد الله الزبيري وذكر أصحاب البدع فقال: منهم من لا يتّهم على أصحاب النبي ﷺ ، ولكن يتّهم على الله وعلى رسوله. ثم قال: قال الوليد يعني ابن عبد الملك للزهري يعني محمد بن مسلم: حدثني ولا تحدث الناس، فقال: لا أحدثك وأحدث الناس. قال: حدثني وحدث الناس، قال: فحدثه بأحاديث، ثم كتبها، وأخرجها إلى الناس، فحدثهم بها، فاجتمع الناس عليه وكثروا، فقال: كلكم لا يقدر على أن يأخذ هذه، ولكن خذوها من ديوان الوليد. فأتوا ديوان الوليد، فأخذوها منه، فإذا قد ألصق إليها أربعة أحاديث زيادة لم يحدثه بها: منها حديث حدث به عقيل عن الزهري بسنده. وكان الوليد قال للزهري حين أراد أن يحدثه: أروي حديثاً وأسنده؟ قال: لا والله، إلا أن أنصه إليك، فلم يفعل، فألزق إلى حديثه أربعة أحاديث كذب، فاحتملت من ديوان الوليد، ورويت، وبئست الرواية. وفي رواية أخرى: وزاد فيها حديثاً يحدث به عقيل عن الزهري بسنده في علي بن أبي طالب. قال الماجشون: كان عقيل شرطياً بالمدينة، وتوفي بمصر سنة إحدى وأربعين وقيل: سنة اثنتين وأربعين ومئة، وقيل: سنة أربع وأربعين ومئة فجأة.

стр. 5869

عكرمة بن ربعي بن عمير التيميّ البصري المعروف بالفياض قدم على عبد الملك بن مروان هارباً من الحجاج، فنزل على يزيد بن أبي النّمس الغساني بدمشق، فاستأمن له عبد الملك فأمنه. ولعكرمة بن ربعي يقول شبيب بن عمرو بن كريب: من الوافر إذا نهشت ربيعة للمعالي ... فعكرمة بن ربعيّ فتاها كانت امرأة من آل عكرمة الفياض تخاصم إلى ابن شبرمة، فكانت تأتيه بين موليين لها: أعمى وأعور، وكان ابن شبرمة إذا نظر إليها قال: من الطويل فلو كنت ممن يزجر الطير لم يكن ... وزيراك فيما ناب أعمى وأعور وقيل: إن الحجاج نادى مناديه يوم رستقياباذ: أمن الناس كلهم إلا أربعة: عبد الله بن الجارود، وعبد الله بن فضالة، وعكرمة بن ربعي، وعبيد الله بن زياد بن ظبيان. فأما عكرمة بن ربعي فإنه لحقته خيل الحجاج في بعض سكك المربد فعطف عليهم، فقتل منهم نيفاً وعشرين رجلاً ثم قتلوه. عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب أبو عثمان المخزومي كان من رؤوس الكفر والغلاة فيه، ثم رزقه الله الإسلام، فأسلم وحسن إسلامه، وصحب سيدنا رسول الله ﷺ ، واستعمله أبو بكر الصديق على عمان حين ارتدوا،

стр. 5870

فقاتلهم، فأظفره الله بهم، ثم خرج إلى الشام مجاهداً، فاستشهد يوم أجنادين، وقيل: في فتح دمشق، وقيل: باليرموك، وكان أميراً على بعض الكراديس. وروى عن رسول الله ﷺ قال: قال لي رسول الله ﷺ يوم جئته مهاجراً: " مرحباً بالراكب المهاجر ". وفي حديث آخر: " مرحباً بالراكب المهاجر أو المسافر ". ثم قال له: ما أقول يا نبي الله؟ قال: " أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ". قال: ثم ماذا؟ قال: " تقول: اللهم إني أشهدك أني مهاجر مجاهد "، ففعل، ثم قال النبي ﷺ : ما أنت سائلي شيئاً أعطيه أحداً من الناس إلا أعطيتك ". فقال: أما إني لا أسألك مالاً، إني أكثر قريش مالاً، وكلن أسألك أن تستغفر لي. وقال: كل نفقة أنفقتها لأصدّ بها عن سبيل الله، فوالله لئن طالت بي حياة لأضعفن ذلك كله. وفي رواية: إلا أنفقت مثلها في سبيل الله. وفي عكرمة يقول الشاعر وهو رجل من هذيل حين هزمت بنو بكر ودخل على امرأته فاراً فلامته وهجرته، وعيرته بالفرار وقيل: هو حماس أخو بني سعد بن ليث: إنك لو شهدتنا بالخندمه ... إذ فرّ صفوانٌ وفرّ عكرمه فلحقتنا بالسيوف المسلمه ... يقطعن كلّ ساعد وجمجمه لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه

стр. 5871

وكان عكرمة خرج هارباً يوم الفتح، فركب البحر حتى استأمنت له زوجته أم حكيم بنت الحراث بن هشام بن المغيرة من رسول الله ﷺ ، فأمنه، فأدركته باليمن، فردته إلى رسول الله ﷺ . فلما رآه رسول الله ﷺ قام فرحاً به، فقال: " مرحباً بالمهاجر ". وقيل: إن قيام رسول الله ﷺ إليه، وفرحه به؛ أنّ رسول الله ﷺ رأى في منامه أنه دخل الجنة، فرأى فيها عذقاً مذللاً، فأعجبه، فقيل: " لمن هذا؟ " فقيل له: لأبي جهل، فشق ذلك عليه، وقال: " ما لأبي جهل والجنة؟ " والله لا يدخلها أبداً، فلما رأى عكرمة أتاه مسلماً تأول ذلك العذق عكرمة بن أبي جهل. وقدم عليه عكرمة منصرفه من مكة بعد الفتح المدينة، فجعل عكرمة كلما مرّ بمجلس من مجالس الأنصار قالوا: هذا ابن أبي جهل، فيسبون أبا جهل؛ فشكا ذلك عكرمة إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : " لا تؤذوا الأحياء بسبّ الأموات ". وأم عكرمة أم جميل بنت مجالد بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة، وقيل: أمه أم مجالد بنت يربوع من بني هلال بن عامر. وليس لعكرمة عقب. وكان عكرمة إذا اجتهد في اليمين قال: والذي نجّاني يوم بدر. وكان يضع المصحف على وجهه ويقول: كلام ربي. ولما كان يوم فتح مكة آمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة: عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح.

стр. 5872

فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة، فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر، فسبق سعيدٌ إليه فقتله. وأما عكرمة فركب البحر، فأصابهم عاصف، فقال أصحاب السفينة لمن في السفينة: أخلصوا؛ فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً هاهنا، فقال عكرمة: لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص ما ينجيني في البرّ غيره، اللهم إن لك عليّ عهداً إن أنت عافيتني مما أنا فيه، أني آتي محمداً حتى أضع يدي في يده، فلأجدنه عفواً كريماً. فجاء فأسلم. وأما عبد الله بن سعد بن أبي سراح، فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة، جاء به حتى أوقفه على النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله: بايع عبد الله، فرفع ﷺ رأسه، فنظر إليه ثلاثاً، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد الثلاث، ثم أقبل على أصحابه، فقال: " ما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟! " قالوا: ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك؟ قال: " إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة أعين ". وعن يزيد بن أبي حبيبي: أن عكرمة بن أبي جهل قتل رجلاً من الأنصار يقال له: المجذر، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك، فتبسم، فقال له رجل من الأنصار: يا رسول الله تبسمت أن قتل رجل من قومك رجلاً من الأنصار؟ قال: " لا، ولكني تبسمت إذ كان جميعاً في درجة واحدة في الجنة ". قال: فأسلم عكرمة، وقتل يوم وقعة المسلمين بالروم بأجنادين.

стр. 5873

وعن أم سلمة قالت: لما قدم عكرمة بن أبي جهل المدينة جعل يمرّ بالأنصار فيقولون: هذا ابن عدو الله ابن أبي جهل، فشكا ذلك إلى أم سلمة، وقال: ما أظنني إلا راجعاً إلى مكة، فأخبرت أم سلمة بذلك رسول الله ﷺ ، فخطب الناس فقال: " إنما الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، لا يؤذينّ مسلم بكافر ". قال سيدنا رسول الله ﷺ : " رأيت في المنام كأن أبا جهل أتاني فبايعني ". فلما أسلم خالد بن الوليد ﵀. قيل: صدق الله رؤياك يا رسول الله، هذا كان لإسلام خالد. قال: " ليكوننّ غيره، حتى أسلم عكرمة بن أبي جهل، فكان ذلك تصديق رؤياه. وعن عبد الله بن الزبير قال: لما كان يوم الفتح أسلمت أم حكيم بنت الحارث بن هشام امرأة عكرمة بن أبي جهل، ثم قالت أم حكيم: يا رسول الله قد هرب عكرمة منك إلى اليمن، وخاف أن تقتله فآمنه، فقال رسول الله ﷺ : " وهو آمن ". فخرجت في طلبه، ومعها غلام لها رومي، فراودها عن نفسها، فجعلت تمنيه حتى قدمت به على حي من عكل، فاستغاثتهم عليه، فأوثقوه رباطاً. وأدركت عكرمة، وقد انتهى إلى ساحل من سواحل تهامة، فركب البحر، فجعل نوتيّ السفينة يقول له: أخلص، قال: أي شيء أقول؟ قال: قل: لا إله إلا الله. قال عكرمة ما هربت إلا من هذا.

стр. 5874

فجاءت أم حكيم على هدى من الأمر، فجعلت تلمح إليه وتقول: يا بن عم، جئتك من عند أوصل الناس وأبرّ الناس، وخير الناس، لا تهلك نفسك، فوقف لها حتى أدركته، فقالت: إني قد استأمنت لك رسول الله ﷺ ، قال: أنت فعلت؟ قالت: نعم، أنا كلمته، فأمنك. فرجع معها، وقالت: ما لقيت من غلامك الرومي، وخبرته خبره؛ فقتله عكرمة هو يومئذ لم يسلم. فلما دنا رسول الله ﷺ من مكة، قال لأصحابه: " يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمناً مهاجراًن فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي، ولا يبلغ الميت ". قال: وجعل عكرمة يطلب امرأته يجامعها، فتأبى عليه، وتقول: إنك كافر، وأنا مسلمة، فيقول: إن أمراً منعك مني لأمر كبير. فلما رأى النبي ﷺ عكرمة وثب إليه وما عليه رداء فرحاً به، ثم جلس رسول الله ﷺ ، فوقف بين يديه، ومعه زوجته منتقبة فقال: يا محمد إن هذه أخبرتني أنك أمّنتني، فقال رسول الله ﷺ : " صدقت، فأنت آمن ". قال عكرمة: فإلام تدعو يا محمد؟ قال: " أدعو إلى أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتفعل وتفعل "، حتى عدّ خصال الإسلام. فقال عكرمة: والله ما دعوت إلا إلى الحق، وأمر حسن جميل، قد كنت والله فينا قبل أن تدعو إلى ما دعوت إليه وأنت أصدقنا حديثاً، وأبرّنا برّاً. ثم قال عكرمة: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ فسرّ بذلك رسول الله ﷺ . ثم قال: يا رسول الله، علمني خير شيء أقوله. فقال: " تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ". فقال عكرمة: ثم ماذا؟ قال رسول الله ﷺ : " لا تسألني اليوم شيئاً أعطيه أحداً إلا أعطيتكه ".

стр. 5875

قال عكرمة: فإني أسألك أن تستغفر لي كل عداوة عاديتكها، أو مسيرٍ أوضعت فيه، أو مقام لعنتك فيه، أو كلام قلته في وجهك، أو أنت غائب عنه. فقال رسول الله ﷺ : " اللهم اغفر له كل عداوة عادانيها، وكل مسير سار فيه إلى موضع يريد بذلك المسير إطفاء نورك، واغفر له ما نال مني من عرض في وجهي، أو أنا غائب عنه ". فقال عكرمة: رضيت يا رسول الله. ثم اجتهد في القتال حتى قتل شهيداً. فردّ رسول الله ﷺ امرأته بذلك النكاح الأول. وفي رواية: أن امرأته أدركته بأمان من سيدنا رسول الله ﷺ ، وقد ركب السفينة، فنادته: يا بن عم، هذا أمان معي من رسول الله ﷺ ، فإن تسلم وتقبل أمان رسول الله ﷺ فأنا زوجتك، وإلا انقطعت العصمة فيما بيني وبينك، لم يلتفت إليها. وتهيأ نوتي السفينة ليدفع سفينته، فتكلم عكرمة بشركه باللات والعزى، فقال النوتي: أخلص، فإنه لن ينجيك إلا الإخلاص. قال عكرمة: ما أراني أفرّ إلا من الحق. فنزل من السفينة، وقبل أمان رسول الله ﷺ . وقال سهيل بن عمرو يوم حنين: لا يجتبرها محمد وأصحابه، فقال له عكرمة:

стр. 5876

إن هذا ليس بقول، إنما الأمر بيد الله، وليس إلى محمدٍ من الأمر شيء، إن أديل عليه اليوم فإن له العاقبة غداً، فقال له سهيل: والله إن عهدك بخلافه لحديث، قال: يا أبا يزيد، إنا كنا والله نوضع في غير شيء، وعقولنا عقولنا، نعبد حجراً لا يضر ولا ينفع. وقيل: إن عكرمة لما ركب البحر جعلت الصواري ومن في السفينة يدعون الله ويستغيثون به، فقال: ما هذا؟ قيل: هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله ، فقال عكرمة: فهذا إله محمد الذي كان يدعو إليه، ارجعوا بنا، فرجع، فأسلم. ولما رجع وضع يده في يد النبي ﷺ فقال: هذا مكان العائذ، إن قتلت قتلت مذنباً مخطئاً، وإن عفوت عفوت عن ذي رحم، فشهد شهادة الحق، وبسط رسول الله ﷺ يده فبايعه. وكان إسلام عكرمة بن أبي جهل سنة ثمان. ولما كان يوم اليرموك نزل فترجل، فقاتل قتالاً شديداً، فقتل، فوجدوا به بضعة وسبعين ما بين طعنة وضربة ورمية. ولما ترجل قال له خالد بن الوليد: لا تفعل، فإن قتلك على المسلمين شديد، فقال: خلّ عني يا خالد، فإنه قد كان لك مع رسول الله ﷺ سابقة، وإن وأبي كنا من أشد الناس على رسول الله ﷺ . فمشى حتى قتل. وقيل: إنه قال يوم اليرموك: قاتلت رسول الله ﷺ في كل موطن، وأفرّ منكم اليوم؟! ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور في أربع مئة

стр. 5877

من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعاً جراحة، وقتلوا إلا من نبا، منهم ضرار بن الأزور. قال الزهري: إن عكرمة يوم فحلٍ كان أعظم الناس بلاء، وإنه كان يركب الأسنة حتى جرحت صدره ووجهه، فقيل له: اتق الله وارفق بنفسك، قال: كنت أجاهد بنفسي عن اللات والعزى وأبذلها، فأستبقيها الآن عن الله ورسوله؟ لا والله أبداً، فلم يزدد إلا إقداماً حتى قتل يومئذ. قالوا: فوقف عليه خالد بن الوليد فقال: ليت ابن حنتمة يعني عمر نظر إلى ابن عمي وركوبه الأسنة حتى يعلم أنّا إذا لقينا العدو ركبنا الأسنة ركوباً. قالوا: وقال الزهري: كان الذي كان بينهما كالمتجانبين حتى أذهب الله ذلك منهم بعد، رحمة الله عليهما. وكان عكرمة بن أبي جهل محمود البلاء في الإسلام، محمود الإسلام حين دخل فيه. قال الزبير بن بكار: لما ندب أبو بكر الصديق الناس لغزو الروم، وقدم الناس، فعسكروا بالجرف على

стр. 5878

ميلين من المدينة، خرج أبو بكر يطوف في معسكرهم، ويقوي الضعيف منهم، فبصر بخباء عظيم، حوله المرابط، ثمانية أفراس ورماح وعدة ظاهرة، فانتهى إلى الخباء، فإذا خباء عكرمة، فسلم عليه، وجزاه أبو بكر خيراً، وعرض عليه المعونة، فقال له عكرمة: أنا غني عنها، معي ألفا دينار، فاصرف معونتك إلى غيري. فدعا له أبو بكر بخير. ثم استشهد يوم أجنادين. وكانت وقعة أجنادين في جمادى الأولى من سنة ثلاث عشرة. قالوا: وكانت وقعة أجنادين ومرج الصّفّر سنة ثلاث عشرة. وقال ابن إسحاق: كان فتح دمشق في سنة أربع عشرة في رجب، وقتل من المسلمين يوم دمشق عكرمة بن أي جهل. عكرمة أبو عبد الله مولى ابن عباس الهاشمي أصله من البربر. قدم عكرمة الشام، واشتراه خالد بن يزيد بن معاوية بدمشق من علي بن عبد الله بن عباس، ثم استقاله عليه؛ فأقاله البيع وأعتقه. وقدم مع عبد الله بن عباس غازياً بلاد الروم. روى عكرمة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " إذا صلى أحدكم في الثوب الواحد فليخالف بين طرفيه على عاتقيه ".

стр. 5879

وحدث عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ اعتكف واعتكف معه بعض نسائه، وهي مستحاضة ترى الدم، فربما وضعت تحتها الطست من الدم. وزعم أن عائشة رأت مثل ماء العصفر، قالت: كأنّ هذا شيء كانت فرنة تجده. وحدث عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " خير يوم يحتجم فيه يوم سبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين، وما مررت بملأ من الملائكة ليلة أسري بي إلا قالوا: عليك بالحجامة يا محمد ". وحدث عكرمة: أنه غزا مع ابن عباس أرض الروم، وعلى الناس حبيب بن مسلمة حتى بلغنا مدينة الفتية الذن ذكرهم الله في كتابه. وعن عكرمة مولى ابن عباس قال: وفد ابن عباس على معاوية بالشام، وكان يسمران حتى شطر الليل أو أكثر، قال: فشهد ابن عباس مع معاوية العشاء ذات ليلة في المقصورة، فلما فرغ معاوية ركع ركعة واحدة، ثم لم يزد عليها، قال: وأنا أنظر إليه، قال: فجئت ابن عباس فقلت له: ألا أضحكك من معاوية؟ صلى العشاء ثم أوتر بركعة لم يزد عليها، قال: أصاب أي بني، ليس أحد منا أعلم من معاوية، إنما هي واحدة أو خمس أو سبع أو أكثر من ذلك، يوتر ما شاء. فأخبرت عطاء خبر عتبة هذا، فقال: إنما سمعنا أنه قال: قد أصاب، أو ليس المغرب عطاء القائل ثلاث ركعات؟ كان عكرمة مولى ابن عباس لحصين بن أبي الحر العنبري جد عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة، فوهبه لابن عباس حين جاء والياً على البصرة لعلي بن أبي طالب.

стр. 5880

وكان عكرمة كثير الحديث والعلم، بحراً من البحور، وليس يحتج بحديثه، ويتكلم الناس فيه. قالوا: واحتج بحديثه عامة الأئمة القدماء، لكن بعض المتأخرين أخرج حديثه من خبر الصحاح. وروى ابن عيينة عن عمرو: أعطاني جابر بن زيد صحيفة فيها مسائل، قال: سل عكرمة، فجعلت كأني أتباطأ، فانتزعها من يدي، فقال: هذا عكرمة مولى ابن عباس، هذا أعلم الناس. كان عكرمة من سكان المدينة، وكان سكن مكة، وقدم مصر، وصار إلى إفريقية، وبالمغرب إلى وقتنا هذا قوم على مذهب الإباضيّة يعرفون بالصّفريّة، يزعمون أنهم أخذوا مذهبهم عن عكرمة مولى ابن عباس. قال عبد الحميد بن بهرام: رأيت عكرمة أبيض اللحية عليه عمامة بيضاء، طرفها بين كتفيه، قد أداها تحت لحيته، ولحيته بيضاء، وقميصه إلى الكعبين، وكان رداؤه أبيض. قال عكرمة: كان ابن عباس يضع في رجلي الكبل ويعلمني القرآن والسّنن. وقيل: الفرائض. قال عكرمة: طلبت العلم أربعين سنة، وكنت أفتي بالباب، وابن عباس في الدار.

стр. 5881

وعن عكرمة قال: قرأ ابن عباس هذه الآية: " لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذّبهم عذاباً شديداً ". قال: قال ابن عباس: لم أدر، أنجا القوم أم هلكوا! فما زلت أبيّن له، أبصّره حتى عرف أنهم قد نجوا، قال: فكساني حلّةً. قال عكرمة: قال ابن عباس: انطلق فأفت الناس، وأنا لك عون. قال: قلت: لو أن هذا الناس مثلهم مرتين لأفتيتهم. قال: انطلق فأفت الناس، فمن جاءك يسألك عما يعنيه فأفته، ومن سألك عما لا يعنيه فلا تفته، فإنك تطرح على نفسك ثلثي مؤنة الناس. قال عثمان بن حكيم: كنت جالساً مع أبي أمامة بن سهل بن حنيف، إذ جاء عكرمة فقال: يا أبا أمامة، أذكرك الله، هل سمعت ابن عباس يقول: ما حدثكم عني عكرمة فصدقوه، فإنه لم يكذب عليّ؟ وفي رواية: فإنه لم يكذب على الله؟ فقال أبو أمامة: نعم. قال عكرمة: قال لي ابن عباس: لتأبقنّ ولتغرقنّ، قال عكرمة: فأبقت وغرقت فأخرجت. وما ابن عباس وعكرمة عبد لم يعتقه، وباعه علي بن عبد الله بن عباس من

стр. 5882

خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار. فقال عكرمة: ما خير لك، بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار! فاستقاله، فأقاله وأعتقه. وكان عكرمة يرى رأي الخوارج، وادعى على عبد الله بن عباس أنه كان يرى رأي الخوارج. قال عمرو بن دينار: أعطاني جابر بن زيد صحيفة فيها مسائل، أسأل عنها عكرمة، وجعل يقول: هذا عكرمة مولى ابن عباس، هذا البحر فسلوه. وفي رواية: هذا أعلم الناس. قال الفرزدق بن جواس الحمّاني: كنا مع شهر بن حوشب بجرجان، فقدم علينا عكرمة، فقلنا لشهر: ألا نأتيه؟ فقال: ائتوه، فإنه لم يكن أمة إلا كان لها حبر، وإن مولى ابن عباس حبر هذه الأمة. قال مغيرة: قيل لسعيد بن جبير: تعلم أحداً أعلم منك؟ قال: نعم، عكرمة. وكان مصعب بن عبد الله يقول: تزوج عكرمة أم سعيد بن جبير. قال الشعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة.

стр. 5883

وقال قتادة: أعلم الناس بالحلال والحرام الحسن، وأعلمهم بالمناسك عطاء بن أبي رباح، وأعلمهم بالتفسير عكرمة. وفي رواية: أعلمهم بسيرة سيدنا رسول الله ﷺ عكرمة. وقال قتادة: لا تسألوا هذا العبد إلا عن القرآن، وكان عكرمة يقول: لقد فسرت ما بين اللوحين. قال أيوب: اجتمع حفاظ ابن عباس: سعيد بن جبير وعطاء وطاووس على عكرمة فأقعدوه، فجعلوا يسألونه عن حديث ابن عباس، قال: فكلما حدثهم حديثاً قال سعيد بن جبير بيده هكذا، فعقد ثلاثين، حتى سئل عن الحوت، فقال عكرمة: كان يسايرهما في ضحضاح من الماء، فقال سعيد: أشهد على ابن عباس أنه قال: كانا يحملانه في مكتل. فقال أيوب: أراه كان يقول القولين جميعاً. قال سفيان بن عيينة: لما قدم عكرمة البصرة أمسك الحسن عن التفسير. وعن سفيان الثوري أنه قال بالكوفة: خذوا التفسير عن أربعة: عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك. قال عكرمة: إني لأخرج إلى السوق فأسمع الرجل يتكلم بالكلمة فينفتح لي خمسون باباً من العلم.

стр. 5884

قال يحيى بن أيوب: قال لي ابن جريج: قدم عليكم عكرمة؟ قال: قلت: بلى، قال: فكتبتم عنه؟ قلت: لا، قال: فاتكم ثلثا العلم. قال: ذكر أيوب عكرمة فقال: كان قليل العقل، أتيناه يوماً، فقال: والله لأحدثنكم فمكثنا ساعة، فجعل يحدثنا، ثم قال: أيحسن حسنكم مثل هذا؟ قال: وبينا أنا عنده يوماً وهو يحدثنا إذ رأى أعرابياً فقال: هاه! لم أرك بأرض الجزيرة أو غيرها، فأقبل عليه وتركنا. وعن الزبير بن خريت عن عكرمة: " فإنّها محرمةٌ عليهم أربعين سنةً يتيهون في الأرض ". قال: التحريم أبداً، وأربعين سنةً يتيهون في الأرض، ثم قال: قولوا لحسنكم يعني الحسن البصري يجئ بمثل هذا. قال: " لا تضارّ والدةٌ بولدها " قال: الظّئر. قال: وقيل له: إن قتادة يقول: إن المائدة محكمة، إلا آية منها، قال: إنه ليحدس. قال المغيرة بن مسلم: لما قدم عكرمة خراسان قال أبو مجلز: سلوه

стр. 5885

ما جلاجل الحاج؟ قال: فسئل عكرمة عن ذلك، فقال: وأنّى هذا بهذه الأرض؟ جلاجل الحاج: الإفاضة، قال: فقيل لأبي مجلز، فقال: صدق. ولما قدم عكرمة الجند أهدى له طاووس نجيباً بستين دينار، فقيل لطاووس: ما يصنع هذا العبد بنجيب بستين ديناراً؟ فقال: أتروني لا أشتري علم ابن عباس لعبد الله بن طاووس بستين ديناراً؟ قال ابن هبيرة: قدم علينا عكرمة، فكان يحدثنا بالحديث عن الرجل من أصحاب النّبي ﷺ ، قال: ثم يحدثنا به عن غيره، قال: فأتينا شيخاً عندنا يقال له إسماعيل بن عبيد الأنصاري، قد كان سمع من ابن عباس، فذكرنا ذلك له، فقال: أنا أخبره لكم. قال: فأتاه فسأله عن أشياء ساءل عنها ابن عباس، فأخبره بها على مثل ما سمع. قال: فأتيناه، فسألناه، فقال: الرجل صدوق، ولكنه سمع من العلم فأكثر، وكلما سنح له طريق سلكه. وعن أرطاة بن أبي أرطاة: أنه سمع عكرمة يحدث القوم، وفيهم سعيد بن جبير وغيره من أهل المدينة قال: إن للعلم ثمناً، فأعطوه ثمنه، قالوا: وما ثمنه يا أبا عبد الله؟ قال: ثمنه أن تضعه عند من يحسن حفظه ولا يضيعه. كتب الحجاج بن يوسف إلى عثمان بن حيان: سل عكرمة مولى ابن عباس عن
следующие страницы →