Полный текст (10 576 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.
стр. 6056
وأمر النّبي ﷺ عليّاً أن يلحقه بالمدينة، فخرج عليّ في طلبه، بعدما أخرج إليه أهله، يمشي الليل ويكمن النهار حتى قدم المدينة، فلما بلغ النّبي ﷺ قدومه، قال: " ادعوا لي علياً "، قيل: يا رسول الله لا يقدر أن يمشي، فأتاه النّبي ﷺ ، فلما رآه النّبي ﷺ اعتنقه، وبكى رحمة لما بقدميه من الورم، وكانتا تقطران دماً، فتفل النّبي ﷺ في يديه، ثم مسح بهما رجليه، ودعا له بالعافية، فلم يشتكهما علي حتى استشهد.
وعن علي قال:
لما خرج رسول الله ﷺ إلى المدينة في الهجرة أمرني أن أقيم بعده حتى أؤدي ودائع كانت عنده للناس، وإنما كان يسمى الأمين، فأقمت ثلاثاً، وكنت أظهر، ما تغيبت يوماً، ثم خرجت، فجعلت أتبع طريق رسول الله ﷺ حتى قدمت بني عمرو بن عوف، ورسول الله ﷺ مقيم، فنزلت على كلثوم بن الهرم، وهنالك منزل رسول الله ﷺ .
وعن علي أنه قال: قيل لي يوم بدر ولأبي بكر، قيل لأحدنا: معك جبريل، وقيل للآخر: معك ميكائيل وإسرافيل، ملك عظيم يشهد القتال ولا يقاتل، ويكون في الصف.
قال ابن عباس: إن رسول الله ﷺ دفع الرّاية إلى علي يوم بدر، وهو ابن عشرين.
قال أبو جعفر محمد بن علي: نادى مناد في السماء يوم بدر يقال له رضوان: لا سيف إلاّ ذو الفقار، ولا فتى إلاّ علي قال الحافظ: هذا مرسل وكنا ننفل النّبي ﷺ ذا الفقار يوم بدر، ثم وهبه لعلي بعد ذلك.
وعن ابن عباس: أن راية المهاجرين كانت مع علي في المواقف كلها، يوم بدر ويوم أحد ويوم خيبر
стр. 6057
ويوم الأحزاب ويوم فتح مكة، ولم تزل معه في المواقف كلها.
وعن ابن عباس قال: لعلي أربع خصال: هو أول عربي وعجمي صلّى مع النّبي ﷺ ، وهو الذي كان لواؤه معه في كلّ زحف، وهو الذي صبر معه يوم المهراس، انهزم الناس كلهم غيره، وهو الذي غسله، وهو الذي أدخله قبره.
قال الشعبي: رأى أبو بكر عليّاً فقال: من سرّه أن ينظر إلى أعظم الناس منزلة من رسول الله ﷺ وأقربه قرابة، وأفضله دالة، وأعظمه غناءً عن نبيّه، فلينظر إلى هذا. فسمع علي قول أبي بكر، فقال: أما إنه إن قال ذلك إنه لأوّاه، وإنه لأرحم للأمة، وإنه لصاحب رسول الله ﷺ في الغار، وإنه لأعظم الناس غناء عن نبيّه في ذات يده.
وعن سعيد بن المسيب قال: كانت راية رسول الله ﷺ يوم أحد مرطاً أسود كان لعائشة، وراية الأنصار يقال لها: العقاب، وعلى ميمنته علي بن أبي طالب، وعلى الميسرة المنذر بن عمرو الساعدي، والزبير بن العوام على الرجال، ويقال: المقداد وحمزة بن عبد المطلب على القلب، واللواء مع مصعب بن عمير أخي بني عبد الدار بن قصي، فقتل؛ فأعطاه رسول الله ﷺ علياً.
ويقال: كانت له ثلاثة ألوية: لواء المهاجرين إلى مصعب بن عمير، ولواء إلى علي بن أبي طالب، والمنذر بن عمرو جميعاً من الأنصار.
وكان علي بن أبي طالب يوم بدر معلماً بصوفة بيضاء.
стр. 6058
وعن جابر بن سمرة قال: قالوا: يا رسول الله، من يحمل رايتك يوم القيامة؟ قال: " ومن عسى أن يحملها يوم القيامة إلا من كان يحملها في الدنيا؟ علي بن أبي طالب ".
قال معمر بن المثنى: كان لواء المشركين يوم بدر مع طلحة بن أبي طلحة، فقتله علي بن أبي طالب، وفي ذلك يقول الحجاج بن علاط السّلمي: من الكامل
لله أيّ مذبّبٍ عن حرمةٍ ... أعني ابن فاطمة المعمّ المخولا
جادت يداك له بعاجل طعنةٍ ... تركت طليحة للجبين مجدّلا
وشددت شدّة باسلٍ فكشفتهم ... بالحقّ إذ يهوين أخول أخولا
وعللت سيفك بالدّماء ولم تكن ... لتردّه حرّان حتى ينهلا
قال أبو رافع: لما كان يوم أحد نظر النّبي ﷺ إلى نفر من قريش، فقال لعلي: " احمل عليهم "، فحمل عليهم، فقتل هاشم بن أمية المخزومي وفرق جماعتهم، ثم نظر النّبي ﷺ إلى جماعة من قريش فقال لعلي: " احمل عليهم "، فحمل عليهم، ففرق جماعتهم، وقتل فلاناً الجمحي، ثم نظر إلى نفر من قريش، فقال لعلي: " حمل عليهم "، فحمل عليهم ففرق جماعتهم وقتل أحد بني عامر بن لؤي، فقال له جبريل ﵇: إن هذه للمواساة، فقال النّبي ﷺ : " إنه مني وأنا منه "، فقال له جبريل: وأنا منكم يا رسول الله.
وفي مقتل عمرو بن عبد ودّ قالوا: إن فوارس من قريش فيهم عمرو بن عبد ودّ، وعكرمة بن أبي جهل، وضرار بن الخطاب، وهبيرة بن أبي وهب،
стр. 6059
تلبسوا للقتال، وخرجوا علي خيولهم حتى مروا بمنازل بني كنانة، فقالوا: تهيؤوا للحرب، يا بني كنانة، فستعلمون من الفرسان اليوم.
ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق، فقالوا: والله، إن هذه لمكيدة، ما كانت العرب تكيدها، ثم تيمموا مكاناً من الخندق ضيقاً، فضربوا خيولهم فاقتحمت، فجالت في سبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي في نفر من المسلمين حتى أخذ عليهم الثغرة التي منها اقتحموا، فأقبلت الفوارس تعنق نحوهم.
وكان عمرو بن عبد فارس قريش، وكان قد قاتل يوم بدر حتى ارتثّ، واثبتته الجارحة، فلم يشهد أحداً، فلما كان يوم الخندق خرج معلماً ليرى مشهده، فلما وقف هو وخيله، قال له علي: يا عمرو، قد كنت تعاهد الله لقريش ألا يدعوك رجل إلى خلتين، إلا قبلت منه إحداهما. فقال له علي: فإني أدعوك إلى الله ورسوله وإلى الإسلام. قال: لا حاجة لي في ذلك. فقال: فإني أدعوك إلى النزال. فقال له: يا بن أخي، لم؟ فوالله ما أحب أن أقتلك. فقال له علي: لكني والله أحب أن أقتلك؛ فحمي عمرو، فاقتحم عن فرسه فعقره، ثم أقبل، فجاء إلى علي، فتنازلا وتجاولا، فقتله علي، وخرجت خيله منهزمة هاربة حتى اقتحمت من الخندق.
وكان فيمن خرج يوم الخندق هبيرة بن أبي وهب المخزومي، واسم أبي وهب جعدة، وخرج نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي، فسأل المبارزة؛ فخرج إليه الزبير بن العوام، فيضربه ضربة؛ فيشقه باثنتين، حتى فلّ في سيفه فلاًّ، فانصرف وهو يقول:
إني امرؤ أحمي وأحتمي ... عن النّبي المصطفى الأمّي
وخرج عمرو بن عبد، فنادى من يبارز؟ فقام علي وهو مقنع في الحديد، فقال: أنا لها يا نبيّ الله، فقال: " إنه عمرو، اجلس "، ونادى عمرو: ألا رجل؟ وهو
стр. 6060
يؤنبهم ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها؟ أفلا تبرزون إليّ رجلاً؟ فقام علي فقال: أنا يا رسول الله، فقال: " اجلس ".
وفي رواية: فقال رسول الله ﷺ : " هل يبارزه أحد؟ " فقام علي فقال: أنا يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : " اجلس "، فقال رسول الله ﷺ : " هل يبارزه أحد؟ " فقام علي فقال: دعني يا رسول الله، فإنما أنا بين حسنتين: إما أن أقتله فيدخل النار، وإما أن يقتلني فأدخل الجنة. قال: ثم نادى الثالثة، فقال:
" ولقد بححت من النّدا ... ء بجمعكم هل من مبارز "
" ووقفت إذ جبن المشجّع موقف القرن المناجز "
" وكذاك إني لم أزل ... متسرّعاً قبل الهزاهز "
" إن الشجاعة في الفتى ... والجود من خير الغرائز "
فقام علي فقال: يا رسول الله، أنا، فقال: " إنه عمرو "، فقال: إن كان عمرو!! فأذن له رسول الله ﷺ ، فمشى إليه علي حتى أتاه وهو يقول:
لا تعجلنّ فقد أتا ... ك مجيب صوتك غير عاجز
ذو نيّةٍ وبصيرة ... والصدق منجى كلّ فائز
إني لأرجو أن أقيم عليك نائحة الجنائز
من ضربة نجلاء يبقى ذكرها عند الهزاهز
فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، وقال: أنا ابن عبد مناف، فقال: غيرك يا بن أخي من أعمامك، من هو أسنّ منك، فإني أكره أن أهريق دمك، فقال علي: لكني والله ما أكره أن أهريق دمك؛ فغضب؛ فنزل وسلّ سيفه
стр. 6061
كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي كرّم الله وجهه مغضباً، واستقبله علي بدرقته، فضربه عمرو في الدّرقة فقدّها، وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجه، فضربه علي ﵇ على حبل العاتق، فسقط، وثار العجاج، وسمع رسول الله ﷺ التكبير، فعرف أن علياً قد قتله، فثمّ يقول علي ﵇: من الكامل
أعليّ تقتحم الفوارس هكذا ... عني وعنهم أخبروا أصحابي
اليوم يمنعني الفرار حفيظتي ... ومصمّمٌ في الرأس ليس بنابي
آدى عميرٌ حين أخلص صقله ... صافي الحديدة يستفيض ثوابي
وغدوت ألتمس القراع بمرهفٍ ... عضبٍ مع البتراء في أقرابي
آلى ابن عبدٍ حين شدّ أليّةً ... وأليت فاستمعوا من الكذّاب
ألاّ أصدّ ولا يهلّل فالتقى ... رجلان يضطربان كل ضراب
فصددت حين تركته متجدّلاً ... كالجذع بين دكادك وروابي
وعففت عن أثوابه ولو أنّني ... كنت المقطّر بزّني أثوابي
عبد الحجارة من سفاهة عقله ... وعبد ربّ محمدٍ بصواب
ثم أقبل علي نحو رسول الله ﷺ ووجهه يتهلل، فقال عمر بن الخطاب: هلاّ سلبته درعه؟ وإنه ليس للعرب درع خير منها، فقال: ضربته فاتقاني بسواده، فاستحييت ابن عمي أن أسلبه، وخرجت خيله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق.
стр. 6062
قال سمرة بن جندب: كان رسول الله ﷺ يعجبه الفأل الحسن، فسمع علياً وهو يقول: هذه خضرة، فقال: " يا لبيك، قد أخذنا فألنا من فيك، فاخرجوا بنا إلى خضرة "، قال: فخرجوا إلى خيبر، فما سلّ سيف إلاّ سيف علي بن أبي طالب.
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: " لأعطين هذه الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله، يفتح الله عليه ". قال عمر بن الخطاب: فما أحببت الإمارة إلاّ يومئذٍ، قال: فتشارفت لها رجاء أن أدعى لها. قال: فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، فأعطاه إياها قال: " امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك ".
قال: فسار علي شيئاً ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول الله، على ماذا أقاتل؟ قال: " قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ".
وعن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: " لأعطينّ هذه الرّاية رجلاً يفتح الله على يديه، يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله "، قال: فبات الناس يذكرون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ ، كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: " أين علي بن أبي طالب؟ " قالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: " فأرسلوا إليه ". فأتى به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية. فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: " انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله، لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم ".
стр. 6063
وفي رواية: " فوالله، لأن يسلم على يديك رجل خير لك من أن يكون لك حمر النعم ".
وفي حديث سلمة بن الأكوع قال: كان علي قد تخلف عن رسول الله ﷺ في خيبر، وكان رمد العين، فقال: أنا أتخلف عن رسول الله ﷺ ؟! فخرج علي فلحق بالنّبي ﷺ ، فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله صباحها، قال رسول الله ﷺ : " لأعطينّ الرّاية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله "، أو قال: " يحبّه الله ورسوله "، يفتح الله عليه، فإذا نحن بعلي، وما نرجوه، فقالوا: هذا علي. وأعطاه رسول الله ﷺ الرّاية ففتح الله عليه.
وفي حديث إياس بن سلمة عن أبيه: " لأعطين هذا اللواء رجلاً يحبه الله ورسوله، أو هو من أهل الجنة "، وكان علي أرمد، فدعاه، فبصق في عينيه، ودعا له، ثم أعطاه اللواء. الحديث.
وفي حديث آخر عنه: فخرج مرحب يخطر بسيفه، فقال: من الرجز
قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطلٌ مجرّب
إذا الحروب أقيلت تلهّب ... أطعن أحياناً وحيناً أضرب
فقال علي بن أبي طالب:
أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره
أوفيهم بالصاع كيل السّندره
стр. 6064
وقال في آخر: فاختلف هو وعلي ضربتين، فضربه علي على هامته حتى عضّ السيف منه بيض رأسه.
وفي رواية: وعضّ السيف بالأضراس، وسمع أهل العسكر صوت ضربته، فما تتامّ آخر الناس مع علي حتى فتح الله لهم وله.
وفي حديث سلمة بن الأكوع قال: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي بكر الصديق برايته إلى بعض حصون خيبر، فقاتل ثم رجع، ولم يكن فتح وقد جهد، ثم بعث الغد عمر بن الخطاب، فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح وقد جهد، فقال رسول الله ﷺ : " لأعطينّ الرّاية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، يفتح الله على يديه ليس بفرار ".
قال سلمة: فدعا رسول الله ﷺ علياً وهو أرمد، فتفل في عينيه، ثم قال: " خذ هذه الرّاية فامض بها حتى يفتح الله عليك ".
قال: يقول سلمة: فخرج، والله، بها يهرول هرولة، وإنا لخلفه نتبع أثره حتى ركز رايته في رجم من حجارة تحت الحصن، فاطّلع اليهودي من رأس الحصن، فقال: من أنت؟ قال علي بن أبي طالب. قال: فقال اليهودي: غلبتم وما أنزل التوراة على موسى، أو كما قال: فما رجع حتى فتح الله على يديه.
وفي حديث بريدة الأسلمي: أن رسول الله ﷺ أعطى اللواء عمر بن الخطاب، فنهض معه من نهض من الناس، فلقوا أهل خيبر، فانكشف عمر وأصحابه، فرجعوا إلى رسول الله ﷺ يجبّنه أصحابه ويجبّنهم، قال رسول الله ﷺ : " لأعطين اللواء غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله،
стр. 6065
ويحبّه الله ورسوله، فلما كان الغد تصادر لها أبو بكر وعمر، فدعا علياً وهو أرمد، فتفل في عينه وأعطاه اللواء. الحديث.
وفي حديث ابن عمر قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن اليهود قتلوا أخي، فقال: " لأدفعنّ الرّاية غداً إلى رجل يحبّ الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فيفتح الله عليه؛ فيمكنك من قاتل أخيك "، فتطاول لها أبو بكر وعمر وأصحاب رسول الله ﷺ ، فأرسل إلى عليّ، فعقد له اللواء، فقال: يا رسول الله: إني أرمد كما ترى، وكان يومئذٍ أرمد، فتفل في عينيه، قال علي: ما رمدت بعد يومئذ، فمضى علي لذلك الوجه فما تتامّ لآخرنا حتى فتح لأولنا، فأخذ عليٌّ قاتل الأنصاري فدفعه إلى أخيه فقتله.
قال عمرو بن ميمون: إني لجالس إلى ابن عباس إذ أتاه تسعة رهط، فقالوا: إما أن تقوم معنا يا بن عباس، وإما أن تحلونا يا هؤلاء، قال: وهو يومئذٍ صحيح قبل أن يعمى قال: بل أقوم معكم، فابتدؤوا فتحدثوا، فلا أدري ما قالوا، فجاء وهو ينفض ثوبه، وهو يقول: أف تف، يقعون في رجلٍ له عشر، وقعوا في رجل، قال رسول الله ﷺ : " لأبعثن رجلاً يحب الله ورسوله، لا يخزيه الله أبداً "، قال: فاستشرف لها من استشرف، فقال: " أين علي؟ " قالوا: هو في الرحى يطحن وما كان أحدكم ليطحن فدعاه، وهو أرمد ما يكاد أن يبصر، فنفث في عينه، ثم هزّ الرّاية ثلاثاً فدفعها إليه، فجاء بصفية بنت حبي.
وبعث أبا بكر بسور التوبة، وبعث علياً خلفه فأخذها منه، فقال أبو بكر: لعل الله ورسوله. فقال: " لا، ولكن لا يذهب بها رجل إلاّ رجلاً هو مني وأنا منه ".
وقال لبني عمه: " أيكم يواليني في الدنيا والآخرة؟ " قال: وعلي معهم، فأبوا، فقال علي: أنا أواليك في الدنيا والآخرة، فقال: " أنت وليي في الدنيا والآخرة "، فتركه، ثم أقبل على رجلٍ رجلٍ
стр. 6066
منهم فأبوا، فقال علي: أنا أواليك في الدنيا والآخرة، فقال: " أنت وليي في الدنيا والآخرة ".
قال: ودعا رسول الله ﷺ الحسن والحسين وعلياً وفاطمة ﵈، ومدّ عليهم ثوباً ثم قال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامّتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ".
قال: وكان أول من أسلم من الناس بعد خديجة، وشرى علي بنفسه، ولبس ثوب النّبي ﷺ ، ونام مكانه، فجعل المشركون يرمونه كما يرمون رسول الله ﷺ ، وهم يحسبون أنّه نبي الله، قال: فجاء أبو بكر فقال: يا نبي الله؟ فقال علي: إنّ نبيّ الله قد ذهب نحو بئ ميمون، فأدركه، فدخل معه الغار.
قال: وكان المشركون يرمون علياً وهو يتضور حتى أصبح فكشف عن رأسه، قال: فقالوا له: إنك للئيم، كنا نرمي صاحبك فلا يتضور وأنت تضور، قد استنكرنا ذلك.
قال: وقد خرج بالناس في غزوة تبوك، فقال علي: أخرج معك؟ فقال: " لا ". قال: فبكى، قال: فقال: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنك لست بنبي؟ " قال: نعم. قال: " وإنك خليفتي في كل مؤمن ".
قال: وسدّ أبواب المسجد غير باب علي، وكان يدخل المسجد وهو جنب، وهو طريقه، ليس له طريق غيره.
قال: وقال: " من كنت وليه فإن علياّ وليه ".
стр. 6067
قال: وقال ابن عباس: وأخبرنا الله في القرآن أنه قد رضي عن أصحاب الشجرة فهل حدثنا بعد أنّه سخط عليهم؟ قال: وقال رسول الله ﷺ لعمر حين قال: ائذن لي، فلأضرب عنقه، قال أبو موسى: يعني حاطباً: " وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ".
وفي حديث عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : " لأدفعنّ الرّاية إلى رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله "، فبعث إلى علي، فجاء وهو أرمد، فتفل في عينه، وأعطاه الراية، فما ردّ وجهه حتى فتح الله عليه، وما اشتكاها بعد.
وعن أبي سعيد قال: أخذ رسول الله ﷺ الراية فهزها، ثم قال: " من يأخذها بحقّها ". فجاء الزبير فقال: أنا، فقال: " أمط ". ثم قام رجل آخر فقال: أنا، فقال: " أمط ". ثم قام آخر فقال: أنا، فقال: " أمط "، فقال رسول الله ﷺ : " والذي أكرم وجه محمد، لأعطينها رجلاً لا يفرّ بها، هاك يا علي "، فقبضها، ثم انطلق حتى فتح الله عليه فدك وخيبر، وجاء بعجوتها وقديدها.
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان علي يلبس في الحر الشديد القباء المحشو الثخين، وما يبالي الحر، فأتاني أصحابي، فقالوا: إنا قد رأينا من أمير المؤمنين شيئاً، فهل رأيته؟ فقلت: وما هو؟ قال: رأيناه يخرج علينا في الحر الشديد في القباء المحشو الثخين وما يبالي الحر، ويخرج علينا في البرد الشديد في الثوبين الخفيفين وما يبالي البرد، فهل سمعت في ذلك شيئاً؟
стр. 6068
فقلت: لا، ما سمعت فيه بشيء. فقالوا: سل لنا أباك عن ذلك، فإنه يسمر معه، فأتيته فسألته وأخبرته ما قال الناس. فقال: ما سمعت في ذلك شيئاً. قلت: فإنهم قد أمروني أن أسألك؛ فدخل على علي فسمر معه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، إن الناس قد تفقدوا منك شيئاً وسألوني عنه، فلم أدر ما هو؟ فقال علي: وما ذلك؟ فقال: يزعمون أنك تخرج عليهم في الحر الشديد عليك القباء المحشو الثخين لا تبالي بالحر، وتخرج عليهم في البرد الشديد عليك الثوبان الخفيفان لا تبالي البرد!! فقال: أو شهدت معنا خيبر؟ فقلت: بلى، قال: فما رأيت رسول الله ﷺ حين دعا أبو بكر فعقد له، وبعثه إلى القوم، فانطلق، ثم جاءه بالناس وقد هزموا؟ فقال: بلى. قال: ثم بعث إلى عمر فعقد له، ثم بعثه إلى القوم فانطلق، ولقي القوم فقاتلهم، ثم رجع وقد هزم؛ فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: " لأعطين الراية اليوم رجلاً يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله، يفتح عليه غير فرار "، فدعاني، فأعطاني الراية، ثم قال: انطلق، فقلت: يا رسول الله: إني أرمد، والله ما أبصر، فتفل في عيني، ثم قال: " اللهم اكفه الحر والبرد "، فما وجدت بعد يومي ذاك برداً ولا حراً.
وعن أم موسى قالت: سمعت علياً يقول: ما رمدت ولا صدعت منذ مسح رسول الله ﷺ وجهي وتفل في عيني يوم خيبر حين أعطاني الراية.
قال أبو رافع مولى رسول الله ﷺ : " خرجنا مع علي حين بعثه رسول الله ﷺ برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من يهود فطرح ترسه من يده، فتناول علي باباً من عند الحصن فتترس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده، فلقد رأيتني في نفر معي سبعة، وأنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب، فما استطعنا أن نقلبه.
وحدث جابر بن عبد الله: أن علياً حمل الباب على ظهره يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه ففتحوها، وأنه جربوه بعد ذلك، فلم يحمله الأربعون رجلاً.
стр. 6069
وحدث سعد بن أبي وقاص قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما يمنعك أن تسب أباتراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله ﷺ ، فلأن يكون لي واحدة منهن أحبّ إليّ من حمر النعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: خلّفه في بعض مغازيه، فقال له علي: يا رسول الله: تخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله ﷺ : " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبوة بعدي ". وسمعته يقول يوم خيبر: " لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله "، قال: فتطاولنا لها، قال: " ادعوا لي علياً "، فأتي به أرمد، فبصق في عينيه، ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه. ولما نزلت هذه الآية: " ندع أبناءنا وأبناءكم " دعا رسول الله ﷺ علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: " اللهم هؤلاء أهلي ".
وفي حديث آخر بمعناه:
وقال: لما نزلت هذه الآية: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً " دعا رسول الله ﷺ علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: " اللهم هؤلاء أهلي ".
ومن حديث عن عامر بن سعد، قال سعد: لعليٍّ ثلاث، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إليّ من حمر النعم: نزل على رسول الله ﷺ الوحي، فأدخل علياً وفاطمة وابنيها تحت ثوبه، ثم قال: " اللهم هؤلاء أهلي وأهل بيتي ". الحديث.
وعن سعد بن أبي وقاص من حديث قال: قال سعد: أما والله، إني لأعرف علياً وما قال له رسول الله ﷺ ؛ أشهد لقال لعلي يوم غدير
стр. 6070
خم، ونحن قعود معه، فأخذ بضعه ثم قام به، ثم قال: " أيها الناس، من مولاكم؟ " قالوا: الله ورسوله، قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم عاد من عاداه ووال من والاه ". الحديث.
ومن حديث الحارث بن مالك قال: أتيت مكة فلقيت سعد بن أبي وقاص، فقلت: هل سمعت لعلي منقبة؟ قال: شهدت له أربعاً، لأن تكون لي واحدتهن أحبّ إلي من الدنيا أعمر فيها مثل عمر نوح ﵇: إن رسول الله ﷺ بعث أبا بكر ببراءة إلى مشركي قريش، فسار بها يوماً وليلة، ثم قال لعلي: اتبع أبا بكر فخذها، فبلّغها ورد عليّ أبا بكر، فرجع أبو بكر فقال: يا رسول الله: أنزل فيّ شيء؟ قال: " لا، إلا خيراً، لا، إنه ليس يبلّغ عني إلا أنا أو رجل مني "، أو قال: " من أهل بيتي ".
قال: فكنا مع النبي ﷺ فنودي فينا ليلاً: ليخرج من في المسجد إلا آل رسول الله ﷺ وآل علي، قال: فخرجنا نجر نعالنا، فلما أصبحنا أتى العباس النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أخرجت أعمامك وأصحابك وأسكنت هذا الغلام؟ فقال رسول الله ﷺ : " ما أنا أمرت بإخراجكم ولا إسكان هذا الغلام، إن الله هو أمر به ".
والثالثة: أن نبي الله ﷺ بعث عمر وسعداً إلى خيبر، فخرج عمر وسعد، ورجع عمر فقال رسول الله ﷺ : " لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، في ثناء أخشى أن لا أحصي "، فدعا عليّاً، فقالوا: إنه أرمد، فجيء به يقاد، فقال له: " افتح عينيك "، قال: لا أستطيع، قال: فتفل في عينيه ريقه، دلكهما بإبهامه، وأعطاه الراية.
стр. 6071
والرابعة: يوم غدير خم، قام رسول الله ﷺ فأبلغ، ثم قال: " أيها الناس: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ " ثلاث مرات، قالوا: بلى، قال: " ادن يا علي "، فرفع يده، ورفع رسول الله ﷺ يده حتى نظرت إلى بياض إبطيه، فقال: " من كنت مولاه فعلي مولاه "، حتى قالها ثلاث مرات.
ومن حديث خيثمة بن عبد الرحمن قال:
قلت لسعد بن أبي وقاص: ما خلفك عن علي، أشيء رأيته أو شيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، بل شيء رأيته أنا، إني قد سمعت له من رسول الله ﷺ ثلاثاً، لو تكون واحدة لي منها أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس، ومن الدنيا وما فيها، وذكر غزوة تبوك ويوم خيبر، قال: ثم أعطاه الراية فمضى بها. قال: واتبعه الناس من خلفه، قال: فما تكامل الناس من خلفه حتى لقي مرحباً فاتقاه بالرمح فقتله، ثم مضى إلى الباب حتى أخذ بحلقة الباب ثم قال: انزلوا يا أعداء الله على حكم الله وحكم رسوله، وعلى كل بيضاء وصفراء، قال: فجاء رسول الله ﷺ فجلّس علي الباب، فجعل علي يخرجهم على حكم الله وحكم رسوله، فبايعهم وهو آخذ بيد رسول الله ﷺ ، قال: فخرج حيي بن أخطب. قال: فقال له رسول الله ﷺ : " برئت منك ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتني شيئاً "، قال: نعم، وكانت له سقاية في الجاهلية، فقال له رسول الله ﷺ : " ما فعلت سقايتكم التي كانت لكم في الجاهلية؟ " قال: فقال: يا رسول الله أجلينا يوم النضير فاستهلكناها لما نزل بنا من الحاجة. قال: " فبرئت منك ذمة الله وذمة رسوله إن كذبتني ". قال: نعم، قال: فأتاه الملك فأخبره، فدعاه رسول الله ﷺ فقال: " اذهب إلى جذع نخلة كذا وكذا، فإنه قد نقرها وجعل السقاية في جوفه ". قال: فاستخرجها، فجاء بها، قال: فلما جاء بها قال لعلي: " قم فاضرب عنقه "، قال: فقام إليه عليّ فضرب عنقه، وضرب عنق ابن أبي الحقيق وكان زوج صفية بنت حيي، وكان عروساً بها، قال: فأصابها رسول الله ﷺ .
قال: وقال رسول الله ﷺ يوم خم، ورفع بيد علي فقال: " من كنت مولاه فعلي مولاه ".
стр. 6072
وحدث أبو نجيح قال: لما حج معاوية أخذ بيد سعد بن أبي وقاص فقال: يا أبا إسحاق إنا قوم قد أجفانا هذا الغزو عن الحج حتى كدنا أن ننسى بعض سننه، فطف نطف بطوافك. قال: فلما فرغ أدخله في دار الندوة فأجلسه معه على سريره، ثم ذكر علي بن أبي طالب فوقع فيه. قال: أدخلتني دارك، وأقعدتني على سريرك، ثم وقعت فيه تشتمه؟ والله لأن أكون في إحدى خلاله الثلاث أحبّ إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، ولأن يكون قال لي ما قاله له حين رآه غزا تبوكاً: " ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبي بعدي ". أحب إليّ من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس. ولأن يكون قال لي ما قاله له يوم خيبر: " لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه، ليس بفرار ". أحب إلي أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس. ولأن أكون كنت صهره على ابنته، ولي منها من الولد ماله، أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس، لا أدخل عليك داراً بعد اليوم. ثم نفض رداءه، ثم خرج.
وعن عمر بن الخطاب قال: لقد أعطي علي بن أبي طالب ثلاث خصال، لأن يكون لي خصلة منها أحب إليّ من أن أعطى حمر النعم، قيل: وما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: تزويجه فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وسكناه المسجد مع رسول الله ﷺ ، لا يحل لي فيه ما يحل لي، والراية يوم خيبر.
وعن ابن عمر قال: كنا نقول في زمان النبي ﷺ : رسول الله ﷺ خير الناس، ثم أبو بكر، ثم عمر، ولقد أعطي عليٌّ ثلاثاً؛ لأن أكون أعطيتهن أحبّ إلي من حمر النعم: زوّجه رسول الله ﷺ فاطمة فولدت له، وأعطي الراية يوم خيبر، وسدت أبواب الناس إلا بابه.
وعنه قال: لقد أعطي علي بن أبي طالب ثلاث خصال، لأن يكون لي واحدة منهن أحبّ إلي من حمر النعم: تزوج فاطمة بنت رسول الله ﷺ فولد الحسن والحسين سبطي
стр. 6073
رسول الله ﷺ وحبيبي رسول الله ﷺ ، وسد الأبواب كلها إلا باب علي، ودفع إليه الراية يوم خيبر.
وعن بريدة:
أن نفراً من الأنصار قالوا لعلي: عندك فاطمة. فدخل على النبي ﷺ فقال: " ما حاجة ابن أبي طالب؟ " قال: ذكرت فاطمة بنت رسول الله ﷺ . قال: " مرحباً وأهلاً ". لم يزده عليها. فخرج على الرهط من الأنصار ينتظرونه، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما أدري غير أنه قال لي: مرحباً وأهلاً. قالوا: يكفيك من رسول الله ﷺ إحداهما، قد أعطاك الأهل وأعطاك الرحب، فلما كان بعد ذلك بعدما زوجه قال: " يا عليّ، إنه لابد للعرس من وليمة "، فقال سعد: عندي كبش، وجمع له رهطٌ من الأنصار آصعاً من ذرة.
فما كان ليلة البناء قال: يا علي: " لا تحدث شيئاً حتى تلقاني "، فدعا بماء فتوضأ منه، ثم أفرغه على علي، فقال: " اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في شملهما ".
قال أبو الحسين: الشمل: الجماع.
وعن علي أنه قال على منبر الكوفة: أردت أن أخطب إلى رسول الله ﷺ ابنته، ثم ذكرت أن لا شيء لي، ثم ذكرت عائدته وصلته؛ فخطبتها، قال: " هل عندك شيء؟ " قلت: لا، قال: " فأين ردعك الحطميّة التي أعطيتك يوم كذا وكذا؟ " قلت: عندي، قال: " فأعطها "، فأعطيتها، فزوجني رسول الله ﷺ ، فدخل عليّ رسول الله ﷺ وعليّ كساء أو قطيفة فتحثّثنا.
وفي رواية: فتحشحشنا، فقال: " مكانكما "، قلت: يا رسول الله، أنا أحبّ إليك أم هي؟
стр. 6074
قال: " هي أحب إليّ منك، وأنت أعزّ عليّ منها ".
وعن أبي هريرة قال: لما خطب علي فاطمة من رسول الله ﷺ دخل عليها فقال لها: " أيّ بينة، إن ابن عمك علياً قد خطبك، فماذا تقولين؟ " فبكت ثم قالت: كأنك يا أبه، إنما ادخرتني لفقير قريش، فقال: " والذي بعثني بالحق، ما تكلمت في هذا حتى أذن الله فيه من السماء "؛ فقالت فاطمة: رضيت بما رضي الله لي ورسوله. فخرج من عندها واجتمع المسلمون إليه، ثم قال: " ياعليّ، اخطب لنفسك "، فقال علي: الحمد لله الذي لا يموت، وهذا محمد رسول الله ﷺ زوّجني فاطمة ابنته على صداقٍ مبلغه أربع مئة درهم. فاسمعوا ما يقول واشهدوا، قالوا: ما تقول يا رسول الله؟ قال: " أشهدكم أني قد زوجته ".
وعن علي: أن رسول الله ﷺ حيث زوجه فاطمة دعا بماء فمجّه، ثم أدخله معه فرشه في جيبه وبين كتفيه، وعوذه ب: " قل هو الله أحد " والمعوذتين، ثم دعا بفاطمة فقامت على استحياء، فقال: " لم آل أن زوجتك خير أهلي ".
وعن معقل بن يسار قال: وضأت النبي ﷺ ذات يوم فقال: " هل لك في فاطمة نعودها؟ " فقلت: نعم، فقام متوكئاً عليّ فقال: " أما إنه سيحمل ثقلهاغيرك، ويكون أجرها لك ". قال: فكأنه لم يكن عليّ شيء، حتى دخلنا على فاطمة، فقال: " كيف تجدينك؟ " قالت: والله لقد اشتد كربي، واشتدت فاقتي، وطال سقمي.
وفي رواية في هذا الحديث قال: " أو ما ترضين أني زوجتك أقدم أمتي سلماً، وأكثرهم علماً، وأعظمهم حلماً ".
وعن جابر بن عبد الله قال: دخلت أم أيمن على النبي ﷺ وهي تبكي، فقال لها: " ما يبكيك لا أبكى الله عينيك؟ " قالت: بكيت يا رسول الله، لأني دخلت منزل رجل من الأنصار قد زوج ابنته رجلاً من الأنصار، فنثر على رأسها اللوز والسّكّر، وذكرت تزويجك فاطمة من
стр. 6075
علي بن أبي طالب ولم تنثر عليها شيئاًن فقال النبي ﷺ : " لا تبكي يا أم أيمن. فوالذي بعثني بالكرامة، واستخصني بالرسالة، ما أنا زوجته ولكن الله زوّجه، ما رضيت حتى رضي عليّ، وما رضيت فاطمة حتى رضي الله ربّ بالعالمين: يا أم أيمن، إن الله لما أن زوّج فاطمة من علي أمر الملائكة المقربين أن يحدّقوا بالعرش، فيهم جبريل وميكائيل وإسرافيل، وأمر الجنان أن تزخرف فتزخرفت، وأمر الحور العين أن يتزيّنّ فتزينّن وكان الخاطب الله تعالى، وكان الملائكة الشهود، ثم أمر شجرة طوبى أن تنثر فنثرت عليهم اللؤلؤ الرطب مع الدر الأبيض مع الياقوت الأحمر مع الزبرجد الأخضر، فابتدر حور العين من الجنان يرفلن في الحلي والحلل يلتقطنه، ويقلن: هذا من نثار فاطمة بنت محمد، فهنّ يتهادينه بينهن إلى يوم القيامة ".
стр. 6076
وفي حديث آخر بمعناه: عن عبد الله بن مسعود قالت أم سلمة:
ولقد كانت فاطمة تفخر على النساء وتقول: إني أول من خطب عليها جبريل.
وعن مسروق قال: لما قدم عبد الله بن مسعود الكوفة قلنا له: حدثنا حديثاً عن رسول الله ﷺ ، فذكر الجنة، ثم قال: سأحدثكم حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ ، فلم أزل أطلب الشهادة. الحديث. فلم أرزقها، سمعت رسول الله ﷺ يقول في غزوة تبوك، ونحن نسير معه، فقال: " إن الله لما أمرني أن أزوج فاطمة من علي، ففعلت، ثم قال لي جبريل: إن الله قد بنى جنة من لؤلؤ وقصب بين كل قصب إلى قصبة لؤلؤة من ياقوت مشذّرة بالذهب، وجعل سقوفها زبرجداً أخضراً، وجعل فيها طاقات من لؤلؤ مكللة بالياقوت، ثم جعل عليها غرفاً: لبنة من فضة، ولبنة من ذهب، ولبنة من ياقوت، ولبنة من زبرجد، ثم جعل فيها عيوناً تنبع من نواحيها، وحفّت بالأنهار، وجعل على الأنهار قباباً من درّ، قد شعبت بالسلاسل من الذهب، وحفّت بأنواع الشجر، وجعل في كل بيت مفرش، وجعل في كل قبة أريكة، من درّ بيضاء غشاوتها السندس والإستبرق، وفرش أرضها بالزعفران. وفتق المسك والعنبر، وجعل في كل قبة حوراء، والقبة لها مئة باب، على كل باب جاريتان وشجرتان، في كل قبة مفرش، مكتوب حول القباب آية الكرسي، فقلت: لجبريل: لمن بنى الله هذه الجنة؟ فقال: هذه جنة بناها الله سبحانه لعلي وفاطمة، تحفة أتحفهما الله ﵎، وأقر عينك يا رسول الله ".
стр. 6077
وعن علي الهلالي قال: جخلت على رسول الله ﷺ في شكاته التي قبض فيها فإذا فاطمة عند رأسه، قال: فبكت حتى ارتفع صوتها، فرفع رسول الله ﷺ طرفه إليها، فقال: " حبيبتي فاطمة، ما الذي يبكيك؟ " قالت: أخشى الضيعة من بعدك، فقال: " لقد علمت أن الله اطلع إلى الأرض اطلاعة، فاختار منها أباك، فبعثه برسالته، ثم اطلع اطلاعة فاختار منها بعلك، وأوحى إليّ أن أنكحك إياه، يا فاطمة، ونحن أهل بيت قد أعطانا الله سبع خصال لم يعط أحداً قبلنا، ولا يعطي أحداً بعدنا: أنا خاتم النبيين، وأكرم النبيين على الله، وأحب المخلوقين إلى الله، وأنا أبوك، ووصيي خير الأوصياء وأحبهم إلى الله وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وأحبهم إلى الله، وهو حمزة بن عبد المطلب، وهو عم أبيك وعم بعلك، ومنا من له جناحان أخضران يطير في الجنة مع الملائكة حيث شاء، وهو ابن عم أبيك وأخو بعلك، ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك الحسن والحسين، وهما سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما والذي بعثني بالحق خير منهما، يا فاطمة والذي بعثني بالحق إن منهما مهديّ هذه الأمة، إذا صار الدنيا هرجاً مرجاً، وتظاهرت الفتن، وتقطعت السبل، وأغار بعضهم على بعض، فلا كبير يرحم صغيراً، ولا صغير يوقر كبيراً، فيبعث الله عند ذلك منهما من يفتتح حصون الضلالة وقلوباً غلفاً، يقوم بالدين في آخر الزمان، كما قمت به في أول الإيمان، ويملأ الدنيا عدلاً كما ملئت جوراً، يا فاطمة، لا تحزني ولا تبكي، فإن الله أرحم بك وارأف عليك مني، وذلك لمكانك مني، وموضعك من قلبي، وزوّجك الله زوجك، وهو أشرف أهل بيتي حسباً، وأكرمهم منصباً، وأرحمهم بالرعية، وأعدلهم بالسوية، وأبصرهم بالقضية، وقد سالت ربي أن تكوني أول من يلحقني من أهل بيتي ".
قال علي: فما قبض النبي ﷺ لم تبق فاطمة بعده إلا خمسة وسبعين يوماً حتى ألحقها الله به ﷺ .
وعن أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: " أمرت بتزويجك من السماء. وقتلت المشركين يوم بدر، وتقتل من بعدي على سنتي، وتبرئ ذمتي ".
стр. 6078
وعن بريدة قال: قال لي رسول الله ﷺ : " قم بنا يا بريدة نعود فاطمة "، فلما أن دخلنا عليها أبصرت أباها، ودمعت عيناها، فقال: " ما يبكيك يا بنية؟ " قالت: قلة الطعام وكثرة الهم وشدة السقم، قال: " أما والله، لما عند الله خير مما ترغبين إليه، يا فاطمة، أما ترضين أني زوجتك أقدمهم سلماً، وأكثرهم علماًن وأفضلهم حلماً، والله إن ابنيك لمن شباب أهل الجنة ".
وعن أسماء بنت عميس قالت:
لما كانت ليلة أهديت فاطمة إلى علي قال رسول الله ﷺ : " لا تحدثي شيئاً حتى أجيء "، فجاء حتى قام على الباب، فقال: " ثمّ أخي؟ " فخرجت إليه أم أيمن فقالت: أخوك وزوّجته ابنتك؟! فدعا علياً ودعاها، فقامت وإنها لتعثر، ثم قال لها: " أي بنية، إن لم آل أن أزوّجك أحبّ أهلي ". قالت: ثم دعا بمخضب وهو تور من حجارة من ماء فدعا فيه، ثم أمر أن يصب عليه بعضه وعليها بعضه، فقالت أسماء: ثم قال لي: " أجئت مع ابنة رسول الله ﷺ تكرمينها؟ " قالت: فدعا لي.
وعن أبي سعيد قال: لما أنكح رسول الله ﷺ علياً فاطمة أصابها حصر شديد. قال: فقال لها ﷺ : " والله لقد أنكحتكيه سيداً في الدنيا، وإنه في الآخرة من الصالحين ".
وعن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال لفاطمة: " أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين؟ " قالت فاطمة: فأين مريم بنت عمران؟ قال لها: " أي بنية، تلك سيدة نساء عالمها، وأنت سيدة نساء عالمك، والذي بعثني بالحق، لقد زوجتك سيداً في الدنيا وسيداً في الآخرة، فلا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق ".
وعن عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال له: " ألا تنطلق بنا نعود فاطمة؟ فإنها تشتكي "، قلت: بلى. قال: فانطلقنا حتى إذا انتهينا إلى بابها، فلسلم فاستأذن، فقال: " أدخل أنا ومن معي؟ " قالت: نعم، ومن معك
стр. 6079
يا أبتاه، فوالله ما عليّ إلا عباءة. فقال لها: " اصنعي بها هكذا، واصنعي بها هكذا "، فعلمها كيف تستتر، فقالت: والله ما على رأسي خمار، قال: فأخذ خلق ملاءة كانت عليه، قال: " اختمري بها "، ثم أذنت لهما، فدخلا، فقال: " كيف تجدينك يا بنية؟ " قالت: إني لوجعة، وإنه ليزيدني أني ما لي طعام آكله، قال: " أما ترضين يا بنية أنك سيدة نساء العالمين؟ " قال: تقول: يا أبه، فأين مريم بنت عمران؟ قال: " تلك سيدة نساء عالمها، وأنت سيدة نساء عالمك، أما والله لقد زوجتك سيداً في الدنيا والآخرة ".
وعن ابن عباس قال: لما زوج الني ﷺ فاطمة من علي قالت فاطمة: يا رسول الله، زوجتني من رجل فقير ليس له شيء، فقال النبي ﷺ : " أما ترضين أن الله اختار من أهل الأرض رجلين، أحدهما أبوك والآخر زوجك؟ ".
عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: حين نزلت: " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها " كان يجيء نبي الله ﷺ إلى باب عليّ صلاة الغداة ثمانية أشهر يقول: " الصلاة، رحمكم الله "، " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً ".
قال أبو الحمراء: صحبت رسول الله ﷺ تسعة أشهر، فكان إذا أصبح أتى باب علي وفاطمة وهو يقول: " يرحمكم الله، " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ".
قال ميمون الكردي: كنا عند ابن عباس فقال رجل: ليته حدثنا عن علي فسمعه ابن عباس فقال: أما
стр. 6080
لأحدثنّك حقاً، إن رسول الله ﷺ أمر بالأبواب الشارعة في المسجد فسدت، وترك باب علي، فقال: إنهم وجدوا من ذلك، فأرسل إليهم " أن بلغني أنكم وجدتم من سدي أبوابكم وتركي باب علي، وإني والله ما سددت من قبل نفسي، ولا تركت من قبل نفسي، إن أنا إلا عبد مأمور أمرت بشيء فقلت: " إن أتّبع إلا ما يوحى إلي ".
وعن العلاء بن عرار قال: إني قلت لعبد الله بن عمر وهو في المسجد جالس: كيف تقول في هذين الرجلين علي وعثمان؟ فقال عبد الله: أما علي فلا تسأل عنه أحداً، وانظر إلى منزله من منزل رسول الله ﷺ ، فقد أخرجنا من مسجد رسول الله ﷺ إلا علي، وأما عثمان فتلا: " يوم التقى الجمعان " فأذنب ذنباً عظيماً، فعفا الله عنه، وأذنب فيكم ذنباً من دون فقتلتموه.
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال:
جاءنا رسول الله ﷺ ، ونحن مضطجعون في المسجد، وفي يده عسيب رطب، فضربنا وقال: " أترقدون في المسجد؟ إنه لا يرقد فيه أحد "، فأجفلنا، وأجفل معنا علي بن أبي طالب، فقال رسول الله ﷺ : " تعال يا علي، إنه يحل لك في المسجد ما يحل لي، يا علي، إنك لتذودنّ عن حوضي يوم القيامة رجالاً كما يذاد البعير الضالّ عن الماء، بعصاً معك من عوسج، كأنّي أنظر إلى مقامك من حوضي ".
وعن أبي سعيد الخدري أن النّبي ﷺ قال لعلي: " لا يحلّ لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك ".
وعن أم سلمة قالت: خرج النّي ﷺ من بيته حتى انتهى إلى صرح المسجد، فنادى بأعلى صوته: " إنه لا يحلّ المسجد لجنب ولا لحائض إلا لمحمد ﷺ وأزواجه، وعلي وفاطمة بنت محمد ﷺ ، ألا هل بينت لكم الأسماء أن تضلوا ".
стр. 6081
وعن أبي رافع: أن النّبي ﷺ خطب الناس، فقال: " يا أيها الناس إن الله أمر موسى وهارون أن يتبوأا لقومهما بيوتاً، وأمرهما أن لا يبيت في مسجدهما جنب، ولا يقربوا فيه النساء إلا هارون وذريته، ولا يحل لأحد أن يعرك النساء في مسجدي هذا، ولا يبيت فيه جنب إلا عليٌّ وذريته ".
وعن سعد بن أبي وقاص قال: لما غزا رسول الله ﷺ غزوة تبوك خلّف علياً بالمدينة، فقال الناس: ملّه وكره صحبته، فتبع علي النّبي ﷺ حتى لحقه في بعض الطريق، فقال: يا رسول الله خلّفتني بالمدينة مع النساء والذراري حتى قال الناس: ملّه وكره صحبته؟ فقال له النّبي ﷺ : " يا علي، إنما خلفتك على أهلي، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبيّ بعدي ".
وعن حكيم بن جبير قال: قلت لعلي بن الحسين: يا سيدي إن الشعبي حدث عن أبي جحيفة وهب الخير أن أباك صعد المنبر فقال: خير هذه الأمة بعد نبيها وأبو بكر وعمر، فقال: أين تذهب يا أبا حكيم؟ حدثني سعيد بن المسيب عن سعدٍ أن النّبي ﷺ قال له: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إن المؤمن يهضم نفسه ".
وعن عامر بن سعد قال: إني لمع أبي إذ تبعنا رجل في نفسه على علي بعض الشيء، فقال: يا أبا إسحاق، ما حديث يذكر الناس عن علي؟ قال: ما هو؟ قال: أنت مني بمنزلة هارون من موسى؟ قال: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول لعليّ: أنت مني كهارون من موسى، ما تنكر أن يقول لعلي هذا وافضل من هذا؟ وعن سعد قال: قال لي معاوية: أتحب علياً؟ قال: قلت: وكيف لا أحبه؟ وقد سمع رسول الله ﷺ يقول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي، ولقد
стр. 6082
رأيته بارز يوم بدر، وهو يحمحم كما يحمحم الفرس ويقول: من الرجز
بازل عامين حديثٌ سنّي ... سنحنح الليل كأنّي جني
لمثل هذا ولدتني أمّي
فما رجع حتى خضب سيفه دماً.
وعن سعد بن أبي وقاص: أن عليّ بن أبي طالب خرج مع رسول الله ﷺ حتى إذا جاء ثنية الوداع، ورسول الله ﷺ يريد تبوك، وعليّ يبكي ويقول: يا رسول الله تخلّفني مع الخوالف؟ فقال له رسول الله ﷺ : " ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا النبوة؟ ".
وعن سعد بن مالك أن رسول الله ﷺ قال لعلي: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي، سالم الله من سالمته، وعادى الله من عاديته ".
وعن سويد بن غفلة قال: رأى عمر رجلاً يخاصم علياً، فقال له عمر: إني لأظنك من المنافقين، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " علي مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبيّ بعدي ".
وفي رواية: أنه رأى رجلاً يشتم علياً كانت بينه وبينه خصومة.
وعن عبد الله بن عباس قال:
سمعت عمر بن الخطاب وعنده جماعة، فتذاكروا السابقين إلى الإسلام، فقال عمر:
стр. 6083
أما علي: فسمعت رسول الله ﷺ يقول فيه ثلاث خصال، لوددت أن لي واحدة منهن، فكان أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، كنت أنا وأبو عبيدة وأبو بكر وجماعة من الصحابة إذ ضرب النّبي ﷺ بيده على منكب علي، فقال له: " يا علي، أنت أول المؤمنين إيماناً، وأول المسلمين إسلاماً، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى ".
وعن ابن عباس عن النّبي ﷺ أنه قال لأم سلمة: " يا أم سلمة، إن علياً لحمه من حلمي ودمه من دمي، وهو مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي ".
وعنه قال: رأيت علياً أتى النّبي ﷺ فاحتضنه من خلفه، فقال: بلغني أنك سميّت أبا بكر وعمر وضربت أمثالهما ولم تذكرني، فقال النّبي ﷺ : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى ".
وعن عبد الله بن جعفر قال: لما قدمت ابنة حمزة المدينة اختصم فيها علي وجعفر وزيد، فقال رسول الله ﷺ : " قولوا ": فقال زيد: هي ابنة أخي وأنا أحق بها، وقال علي: ابنة عمي وأنا جئت بها، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها عندي. قال: " خذها يا جعفر أنت أحقهم بها "؛ فقال رسول الله ﷺ : " لأقضينّ بينكم: أما أنت يا زيد فمولاي وأنا مولاك، وأما أنت يا جعفر فأشبهت خلقي وخلقي، وأما أنت يا علي فأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ النّبوة ".
وفي رواية: " إلا أنّه لا نبوة ".
وعن قيس بن أبي حازم قال: سأل رجل معاوية عن مسألة، فقال: سل عنها علي بن أبي طالب فهو أعلم مني، قال: قولك يا أمير المؤمنين أحبّ إليّ من قول علي، قال: بئس ما قلت، ولؤم ما جئت
стр. 6084
به، لقد كرهت رجلاً كان رسول الله ﷺ يغرّه بالعلم غرّاً، ولقد قال له: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي "، وكان عمر بن الخطاب يسأله ويأخذ عنه، ولقد شهدت عمر إذا أشكل عليه أمر قال: هاهنا علي بن أبي طالب. ثم قال للرجل: قم لا أقام الله رجليك، ومحا اسمه من الديوان.
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ لعلي في غزوة تبوك: " اخلفني في أهلي "، فقال علي: يا رسول الله، إني أكره أن يقول العرب: خذل ابن عمه، وتخلّف عنه، فقال: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ "، قال: بلى، قال: " اخلفني ".
وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه لا نبيّ بعدي، ولو كان لكنته ".
وفي رواية: " إلا أنه ليس بعدي نبي، أو لا يكون بعدي نبي ".
وعن يزيد بن أرقم أن رسول الله ﷺ قلا: " أنت مني كهارون من موسى، غير أنك لست نبي ".
وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: " يا علي أنت مني، وأنا منك، أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا يوحى إليك ".
وعن أبي الفيل قال: لما خرج رسول الله ﷺ في غزاة تبوك استخلف علي بن أبي طالب على المدينة، فماج المنافقون بالمدينة وفي عسكر رسول الله ﷺ وقالوا: كره قربه، وساء فيه
стр. 6085
رأيه، فاشتد ذلك على علي، فقال: يا رسول الله، تخلفني مع النساء والصبيان؟ أنا عائذ بالله من سخط الله وسخط رسوله، فقال: " رضي الله يا أبا الحسن برضائي عنك، فإن الله عنك راضٍ، إنما منزلك مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي "، فقال علي: رضيت، رضيت.
وعن زيد بن أرقم قال: لما عهد رسول الله ﷺ لجيش العسرة قال لعلي: " إنه لابدّ من أن تقيم أو أقيم "، قال: فخلف علياً، وسار، فقال ناس: ما خلفه إلا لشيء يكرهه منه، فبلغ ذلك علياً، فاتبع رسول الله ﷺ حتى انتهى إليه، فقال: " ما جاء بك يا علي؟ " فقال: يا رسول الله، إني سمعت أناساً يزعمون أنك خلفتني لشيء كرهته مني، قال: فتضاحك إليه وقال: " ألا ترضى أن تكون مني كهارون من موسى غير أنك لست بنبي؟ " قال: بلى يا رسول الله، قال: " فإنه كذلك ".
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ لعلي يوم غزوة تبوك: " أما ترضى أن يكون لك من الأجر مثل ما لي، ولك من المغنم مثل ما لي ".
قال بريدة:
غزوت مع علي إلى اليمن فرأيت منه جفوة، فقدمت على رسول الله ﷺ فذكرت علياً فتنقصته، فرأيت وجه رسول الله ﷺ يتغير، فقال: " يا بريدة، ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ " فقلت: بلى يا رسول الله، قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه ".
وعن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : " عليّ بن أبي طالب مولى من كنت مولاه ".
وعن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : " عليّ بن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة، وهو وليّكم بعدي ".
وعن بريدة قال: بعث رسول الله ﷺ بعثين إلى اليمن، على أحدهما علي بن أبي طالب، وعلى الآخر خالد بن الوليد، فقال: " إذا اجتمعتما فعليٌّ على الناس وإذا افترقتما فكل واحد
стр. 6086
بينكما على حدة "، قال: فلقينا بني زيد من اليمن فقاتلناهم، وظهر المسلمون على الكافرين، فقتلوا المقاتل وسبوا الذرية، واصطفى عليّ جارية من الفيء، فكتب معي خالد يقع في علي، وأمرني أن أنال منه.
قال: فلما أتيت رسول الله ﷺ رأيت الكراهية في وجهه، فقلت: هذا مكان العائذ يا رسول الله، بعثتني مع رجل وأمرتني بطاعته، فبلغت ما أرسلني، قال: " يا بريدة: لا تقع في عليّ، عليٌّ مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي ".
وفي حديث آخر بمعناه: قال بريدة: وكنت من أشد الناس بغضاً لعليّ. قال: وكنت رجلاً إذا تكلمت طأطأت رأسي حتى أفرغ من حاجتي، فطأطأت رأسي، وتكلمت فوقعت في علي حتى فرغت، ثم رفعت رأسي، فرأيت رسول الله ﷺ قد غضب غضباً لم أره غضب مثله قط إلا يوم قريظة والنضير، فنظر إليّ فقال: " يا بريدة، إن عليّاً وليكم بعدي، فأحب عليّاً فإنه يفعل ما يؤمر ". قال: فقمت وما أحد من الناس أحب إليّ منه.
قال عبد الله بن عطاء: حدثت بذلك أبا حرب بن سويد بن عفلة، فقال: كتمك عبد الله بن بريدة بعض الحديث؛ إن رسول الله ﷺ قال له: " أنافقت بعدي يا بريدة؟ " وفي حديث آخر فقال: " يا بريدة، أتبغض علياً؟ " قال: قلت: نعم، قال: " فأحبّه، فإن له في الخمس أكثر من ذلك ".
وعن البراء بن عازب قال: بعث رسول الله ﷺ جيشين وأمّر على أحدهما علي بن أبي طالب، وعلى الآخر خالد بن الوليد، فقال: " إذا كان قتال فعليٌّ على الناس ".
قال: ففتح عليٌّ قصراً، فاتّخذ لنفسه جارية، فكتب معي خالد بن الوليد يشي به، فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب قال: " ما تقول في رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله " قال: قلت: أعوذ بالله من غضب الله.
стр. 6087
وعن عمران بن حصين قال: بعث رسول الله ﷺ سريةً وأمّر عليهم علي بن أبي طالب، فأحدث شيئاً في سفره، فتعاقد أربعة من أصحاب محمد ﷺ أن يذكروا أمره لرسول الله ﷺ ، قال عمران: وكنا إذا قدمنا من سفر بدأنا برسول الله ﷺ ، فسلمنا عليه، قال: فدخلوا عليه، فقام رجل منهم فقال: يا رسول الله، إن علياً فعل كذا وكذا، فأعرض عنه. ثم قام الثاني، فقال: يا رسول الله، إن علياً فعل كذا وكذا، فأعرض عنه. ثم قام الثالث، فقال: يا رسول الله، إن علياً فعل كذا وكذا، فأعرض عنه. ثم قام الرابع فقال: يا رسول الله، إن علياً فعل كذا وكذا، قال: فأقبل رسول الله ﷺ على الرابع وقد تغير وجهه، فقال: " دعوا علياً، دعوا علياً، دعوا علياً، إن علياً مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي ".
وفي رواية: فأقبل إليه رسول الله ﷺ والغضب يعرف في وجهه فقال: " ما تريدون من علي؟ ما تريدون من علي؟ ما تريدون من علي؟ إن علياً مني وأنا منه، وهو وليّ كل مؤمن بعدي ".
وعن وهب بن حمزة قال: سافرت مع علي بن أبي طالب من المدينة إلى مكة، فرأيت منه جفوة، فقلت: لئن رجعت ولقيت رسول الله ﷺ لأنالنّ منه. قال: فرجعت، فلقيت رسول الله ﷺ فذكرت علياً فنلت منه، فقال رسول الله ﷺ : " لا تقولنّ هذا لعلي، فإن علياً وليكم بعدي ".
وعن أبي سعيد الخدري قال:
بعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب إلى اليمن قال: أبو سعيد: فكنت فيمن خرج معه فلما احتفر إبل الصدقة سألناه أن نركب منها ونريح إبلنا، وكنا قد رأينا في إبلنا خللاً، فأبى علينا، وقال: إنما لكم منها سهم كما للمسلمين.
стр. 6088
قال: فلما فرغ علي وانصفق من اليمن راجعاً، أمّر علينا إنساناً فأسرع هو فأدرك الحج، فلما قضى حجّته قال له النّبي ﷺ : " ارجع إلى أصحابك حتى تقدم عليهم ".
قال أبو سعيد: وقد كنا سألنا الذي استخلفه ما كان علي منعنا إياه ففعل، فلما جاء عرف في إبل الصدقة أنا قد ركبت، رأى أثر الراكب، فذمّ الذي أمّره ولامه، فقال: أما إنّ لله عليّ إن قدمت المدينة لأذكرنّ لرسول الله ﷺ ، ولأخبرنّه ما لقينا من الغلظة والتّضييق.
قال: فلما قدمنا المدينة غدوت إلى رسول الله ﷺ أريد أن أفعل ما كنت قد حلفت عليه، فلقيت أبا بكر خارجاً من عند رسول الله ﷺ ، فلما رآني قعد معي ورحّب بي، وساءلني وساءلته، وقال: متى قدمت؟ قلت: قدمت البارحة، فرجع معي إلى رسول الله ﷺ فدخل وقال: هذا سعد بن مالك، ابن الشهيد، قال: ائذن له فدخلت فحيّيت رسول الله ﷺ وحيّاني وسلّم عليّ، وساءلني عن نفسي وعن أهلي فأحفى في المسألة، فقلت: يا رسول الله، ما لقينا من علي من الغلظة وسوء الصحبة والتّضييق فانتبذ رسول الله ﷺ ، وجعلت أنا أعدّد ما لقينا منه حتى إذا كنت في وسط كلامي ضرب رسول الله ﷺ على فخذي، وكنت منه قريباً، وقال: " سعد بن مالك ابن الشهيد، مه بعض قولك لأخيك علي، فوالله، لقد علمت أنه أخشن في سبيل الله ".
قال: فقلت في نفسي: ثكلتك أمك، سعد بن مالك، ألا أراني كنت فيما يكره منذ اليوم وما أدري؟ لا جرم، والله لا أذكره بسوء أبداً سرّاً ولا علانية.
وعن عمرو مع علي بن أبي طالب إلى اليمن فأجفاني، فأظهرت لائمة علي بالمدينة حتى فشا ذلك، فدخلت المسجد مرجع النّبي ﷺ ذات غداة، ورسول الله ﷺ جالس،
стр. 6089
فرماني ببصره حتى إذا جلست قال: والله، يا عمرو بن شأس، لقد آذيتني، فقلت: أعوذ بالله وبالإسلام أن أوذي رسول الله ﷺ ، فقال: " بلى، من آذى مسلماً فقد آذاني، ومن آذى مسلماً فقد آذى الله ".
وفي حديث آخر: قلت: أعوذ بالله من أن أؤذيك، قال: " بلى، من آذى علياً فقد آذاني ".
وعن عمرو بن شأس: سمع النّبي ﷺ يقول: " من آذى علياً فقد آذاني ".
وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: " من آذاك فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله ".
وعن سعد بن أبي وقاص قال: كنت جالساً في المسجد، أنا ورجلان معي، فنلنا من علي، فأقبل رسول الله ﷺ غضبان يعرف في وجهه الغضب، فتعوذت بالله من غضبه، فقال: " ما لكم ومالي؟ من آذى علياً فقد آذاني ".
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: خطب الناس أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في الرّحبة قال: أنشد الله امرأ نشدة الإسلام سمع رسول الله ﷺ يوم غدير أخذ بيدي يقول: " ألست أولى بكم يا معشر المسلمين من أنفسكم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم واله من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله "، إلا قام، فقام بضعة عشر رجلاً فشهدوا، وكتم قوم فما فنوا من الدنيا حتى عموا وبرصوا.
وزاد في حديث آخر: " وأحبّ من أحبّه، وأبغض من أبغضه ".
стр. 6090
وعن زياد بن الحارث قال: جاء رهط إلى علي بالرّحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال: كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله ﷺ يوم غدير خم يقول: " من كنت مولاه فإن هذا مولاه ".
قال رياح: فلما مضوا تبعتهم، فسألت من هؤلاء؟ قالوا: نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري.
وعن حذيفة بن أسيد قال:
لما قفل رسول الله ﷺ عن حجة الوداع نهى أصحابه عن شجرات البطحاء متقاربات أن ينزلوا حولهن، ثم بعث إليهن، فصلى تحتهن، ثم قام فقال: " أيها الناس: قد نبأني اللطيف الخبير أنه لم يعمر نبي إلا مثل نصف عمر الذي يليه من قبله، وإني لأظن أن يوشك أن أدعى فأجيب، وإني مسؤول، وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلّغت ونصحت وجهدت، فجزاك الله خيراً، قال: " ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأن جنته حق وناره حق، وأن الموت حق، وأن البعث بعد الموت حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور؟ " قالوا: بلى، نشهد بذلك، قال: " اللهم اشهد ".
ثم قال: " أيها الناس إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ".
ثم قال: " أيها الناس إني فرطكم وإنكم واردون عليّ الحوض، حوض أعرض مما بين بصرى وصنعاء، فيه عدد النجوم قدحان فضّة، وإني سائلكم حين تردون عليّ عن الثّقلين، فانظروا كيف تخلفونني فيهما، الثّقل الأكبر كتاب الله، سببّ طرفه بيد الله ، وطرفٌ بأيديكم، فاستمسكوا به، لا تضلوا ولا تبدلوا، وعترتي أهل بيتي، فإنه قد نبّأني اللطيف الخبير أنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ".
стр. 6091
قال عطية العوفي: أتيت زيد بن أرقم فقلت له: إن ختناً لي حدثني عنك بحديث في شأن علي ﵇ يوم غدير خم، فأنا أحب أن أسمعه منك فقال: إنكم معشرٌ فيكم ما فيكم، فقلت له: لي عليك مني بأس، قال: نعم، كنا الجحفة فخرج رسول الله ﷺ إلينا ظهراً وهو آخذ بعضد علي، فقال: " أيها الناس: ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ " قالوا: بلى، قال: " فمن كنت مولا فعلي مولاه ".
قال: فقلت له: هل قال: " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه؟ " قال: إنما أخبرك كما سمعت.
وعن البراء بن عازب قال: كنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فكسح لرسول الله ﷺ تحت شجرتين، ونودي في الناس أن الصلاة جامعة، فدعا علياً وأخذ بيده فأقامه عن يمينه، فقال: " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ " قالوا: بلى، قال: " الست أولى بكل مؤمن من نفسه؟ " قالوا: بلى، قال: " أليس أزواجي أمهاتكم؟ " قالوا: بلى، قال: " هذا وليي، وأنا مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه "، فقال له عمر: هنيئاً لك يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن.
وفي رواية: " أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة ".
وعن البراء بن عازب وزيد بن أرقم قالا: كنا مع النّبي ﷺ يوم غدير خم، ونحن نرفع غصن الشجرة عن رأسه فقال: " إن الصدقة لا تحلّ لي ولا لأهل بيتي، لعن الله من ادّعى إلى غير أبيه، ومن تولى غير مواليه، والولد للفراش وللعاهر الحجر، ليس لوارث وصية، ألا قد سمعتموني ورأيتموني، فمن كذب
стр. 6092
عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، ألا إني فرطكم على الحوض، ومكاثرٌ بكم، فلا تسوّدوا وجهي، ألا وإني أستنقذ رجالاً، وليستنقذنّ بي قوم آخرون، ألا وإن الله وليّي، وأنا وليّ كل مؤمن، فمن كنت مولاه فعلي مولاه ".
وفي حديث سعد قال: كنا مع رسول الله ﷺ بطريق مكة، وهو متوجّه إليها، فلما بلغ غدير خم الذي بخمّ وقف الناس، ثم ردّ من مضى، فلحقه منهم من تخلّف، فلما اجتمع الناس قال: " أيها الناس هل بلّغت؟ " قالوا: نعم، قال: " اللهم اشهد "، ثم قال: " أيها الناس هل بلّغت؟ " قالوا: نعم، قال: " اللهم اشهد " ثلاثاً، " أيها الناس من وليّكم؟ " قالوا: الله ورسوله، ثلاثاً، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب فأقامه فقال: " من كان الله ورسوله وليّه فإن هذا وليّه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ".
قال عبد الله بن محمد بن عقيل: كنا عند جابر بن عبد الله وعنده محمد بن الحنفية، فجاء رجل من أهل العراق فقال: أنشدك بالله يا جابر، إلا أخبرتني ما سمعت من رسول الله ﷺ ، قال جابر: كنا مع رسول الله ﷺ فخرج من خباء أو فسطاط، فقال لعلي بيده: " هلم هلم "، وثمّ ناسٌ من جهينة ومزينة وغفار، فقال: " من كنت مولاه فعلي مولاه ".
قال: فقال: نشدتك بالله، أكان ثمّ أبو بكر وعمر؟ قال: اللهم لا.
وعن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو آخذ بضبع علي يوم الحديبية وهو يقول: "
стр. 6093
هذا أمير البررة، قاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله "، مد بها صوته.
وعن جابر بن عبد الله قال: خرج رسول الله ﷺ حتى نزل خم، فنحّى الناس عنه، ونزل معه علي بن أبي طالب؛ فشق على النبيّ ﷺ تأخر الناس عنه، فأمر علياً فجمعهم، فلما اجتمعوا قام فيهم، وهو متوسد على علي بن أبي طالب، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " يا أيها الناس، إني قد كرهت تخلفكم وتنحيكم عني حتى خيّل إلي أنه ليس شجرة أبغض إليّ من شجرة تليني "، ثم قال: " لكن عليّ بن أبي طالب أنزله الله مني بمنزلتي منه، ﵁ كما أنا عنه راض، فإنه لا يختار على قربي ومحبتي شيئاً "، ثم رفع يديه، ثم قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ".
وابتدر الناس إلى رسول الله ﷺ يبكون ويتضرعون إليه، ويقولون: يا رسول الله إنما تنحينا كراهة أن نثقل عليك، فنعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله.
فرضي رسول الله ﷺ عند ذلك، فقال أبو بكر: يا رسول الله، استغفر لنا جميعاً؛ ففعل، فقال لهم: " أبشروا، فوالذي نفسي بيده، ليدخلنّ الجنّة من أصحابي سبعون ألفاً بغير حساب، ومع كل ألف سبعون ألفاً ومن بعدهم مثلهم أضعافاً ".
قال أبو بكر: يا رسول الله زدنا، وكان رسول الله ﷺ في موضع رمل، فحفن بيديه من ذلك الرمل ملء كفيه، ثم قال: هكذا. قال أبو بكر: زدنا يا رسول الله، ففعل مثل ذلك ثلاث مرات، فقال أبو بكر: زدنا يا رسول الله، فقال عمر: ومن يدخل النار بعد الذي سمعنا من رسول الله ﷺ وبعد ثلاث حثيات من الرمل من الله؟ فضحك رسول الله ﷺ فقال: " والذي نفسي بيده، ما تفي بهذا أمتي حتى توفي عدتهم من الأعراب ".
стр. 6094
قال جعفر بن إبراهيم الجعفري: كنت عند الزهري أسمع منه، فإذا عجوز قد وقفت عليه فقالت: يا جعفري، لا تكتب عنه، فإنه مال إلى بني أمية، وأخذ جوائزهم، فقلت: من هذه؟ قال: أختي رقية، خرفت، قال: خرفت أنت؛ كتمت فضائل آل محمد.
وقد حدثني محمد بن المكندر عن جابر بن عبد الله قال: أخذ رسول الله ﷺ بيد علي فقال: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه وانصر من نصره، واخذل من خذله ".
وحدثني محمد بن المكندر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : " أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله ".
قال سهم بن حصين الأسدي: قدمت إلى مكة أنا وعبد الله بن علقمة، وكان عبد الله بن علقمة سبّابة لعلي دهراً. قال: فقلت له: هل لك في هذا يعني أبا سعيد الخدري يحدّث به عهداً؟ قال: نعم. فأتيناه فقال: هل سمعت لعلي رضوان الله عليه منقبة؟ قال: نعم، إذا حدثتك فسل عنها المهاجرين والأنصار وقريشاً: إن رسول الله ﷺ قام يوم غدير خم فأبلغ ثم قال: " يا أيها الناس، ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ " قالوا: بلى، قالها ثلاث مرات. ثم قال: " ادن يا علي، فرفع رسول الله ﷺ يديه حتى نظرت إلى بياض آباطهما، قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه ". ثلاث مرات.
قال: فقال عبد الله بن علقمة: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال أبو سعيد: نعم، وأشار إلى أذنيه وصدره، وقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي.
قال عبد الله بن شريك: فقدم علينا عبد الله بن علقمة وسهم بن حصين، فلما صلّينا الهجير قام عبد الله بن علقمة فقال: إني أتوب إلى الله وأستغفره من سبّ علي، ثلاث مرات.
стр. 6095
وعن أبي هريرة قال: من صام يوم ثماني عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهراً. وهو يوم غدير خم، لما أخذ النبي ﷺ بيد علي بن أبي طالب فقال: " ألست وليّ المؤمنين؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه ".
فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا بن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مسلم، فأنزل الله : " اليوم أكملت لكم دينكم ".
من صام يوم سبعة وعشرين من رجب كتب له صيام ستين شهراً، وهو أول يوم نزل جبريل بالرسالة.
وعن أبي فاختة قال:
أقبل علي وعمر جالس في مجلسه، فلما رآه عمر تضعضع وتواضع وتوسّع له في المجلس، فلما قام علي قال بعض القوم: يا أمير المؤمنين، إنك تصنع بعلي صنيعاً ما تصنعه بأحد من أصحاب محمد، قال عمر: وما رأيتني أصنع به؟ قال رأيتك كلما رأيته تضعضعت وتواضعت وأوسعت حتى يجلس. قال: وما يمنعني؟ والله إنه لمولاي ومولى كل مؤمن.
وعن جرير بن عبد الله البجلي قال: شهدنا الموسم في حجة مع رسول الله ﷺ ، وهي حجة الوداع، فبلغنا مكاناً يقال له: غدير خم، فنادى: الصلاة جامعة، فاجتمعنا: المهاجرون والأنصار، فقام رسول الله ﷺ وسطنا، فقال: " أيها الناس بم تشهدون؟ " قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله. قال: " ثم مه؟ " قالوا: وأن محمداً عبده ورسوله. قال: " فمن وليكم؟ " قالوا: الله ورسوله مولانا، قال: " فمن وليكم؟ " ثم ضرب بيده إلى عضد علي فأقامه، فنزع عضده، فأخذ بذراعيه، فقال: " من يكن الله ورسوله مولياه فإن هذا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، اللهم من أحبه من الناس فكن له حبيباً، ومن أبغضه فكن له مبغضاً، اللهم إني لا أجد أحداً أستودعه في الأرض بعد العبدين الصالحين غيرك، فاقض فيه بالحسنى ".
следующие страницы →