Полный текст (10 576 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.
стр. 6161
قال عبد الله محمد بن مكرّم مختصر هذا التاريخ: قوله: فقد كان لعثمان مثل ما له من هذه الفضيلة وزيادة. فيه دليل على أنه ما كان لفاطمة ﵍ عنده مزية على غيرها من بناته ﷺ .
قال الزهري: لما قتل عثمان: برز علي بن أبي طالب بالناس، فدعاهم إلى البيعة، فبايعه الناس، ولم يعدلوا به لا طلحة ولا غيره.
وعن علقمة بن وقاص قال: اجتمعنا في دار مخرمة للبيعة بعد ما قتل عثمان، فقال أبو جهم بن حذيفة: أما من بايعنا منكم لا يحول بين قصاص، فقال عمار: أما دم عثمان فلا. فقال: يا بن سميّة أتقصّ من جلدات جلدتهن ولا تقصّ من دم عثمان، قال: فتفرقوا يومئذٍ عن غير بيعة.
قال إبراهيم بن رباح: يستحق علي الخلافة بخمسة أشياء: بالقرب من رسول الله ﷺ ، والسبق إلى الإسلام، والزهد في الدنيا، والفقه في الدين، والنكاية في العدو، فلم تر هذه الخمسة الأشياء إلا في عليّ ﵇.
قال عمرو بن دينار: كلم أهل المدينة ابن عباس أن يحجّ بهم، وعثمان محصور، فدخل عليه فاستأذنه، فقال: حجّ بهم، فحج بهم، ثم رجع وقد أصيب عثمان، فقال لعلي: إن قمت الآن بهذا الأمر ألزمك الناس دم عثمان إلى يوم القيامة.
وعن علي بن الحسين قال: قال مروان بن الحكم: ما كان في القوم أحد أدفع عن صاحبنا من صاحبكم يعني علياً عن عثمان قال: قلت: فما لكم تسبوهن على المنابر؟ قال: لا يستقيم الأمر إلا بذلك.
خطب علي بن أبي طالب فقال: إن رسول الله ﷺ لم يعهد إلينا في الإمارة شيئاً،
стр. 6162
ولكنه رأيٌ رأيناه، فاستخلف أبو بكر، فقام واستقام، ثم استخلف عمر، فقام واستقام، ثم ضرب الدين بجرانه، وإن أقواماً طلبوا الدنيا، فمن شاء الله منهم أن يعذّب عذّب، ومن شاء أن يرحم رحم.
وعن قيس بن عباد قال: كنا مع علي، فكان إذا شهد مشهداً، أو أشرف على أكمة، أو هبط وادياً قال: سبحان الله، صدق الله ورسوله، فقلت لرجل من بني يشكر: انطلق بنا إلى أمير المؤمنين حتى نسأله عن قوله: صدق الله ورسوله، قال: فانطلقنا إليه، فقلنا: يا أمير المؤمنين، رأيناك إذا شهدت مشهداًن أو هبطت وادياً، أو أشرفت على أكمة قلت: صدق الله ورسوله، فهل عهد إليك رسول الله ﷺ شيئاً في ذلك؟ قال: فأعرض عنا، وألححنا عليه. فلما رأى ذلك قال: والله ما عهد إلي رسول الله ﷺ عهداً إلا شيئاً عهده إلى الناس، ولكن الناس وقعوا على عثمان فقتلوه، فكان غيري فيه أسوأ حالاً وفعلاً مني ثم إني رايت أني أحقهم بهذا الأمر، فوثبت عليه، فالله أعلم أصبنا أم أخطأنا.
وعن علي بن أبي طالب قال: قبض رسول الله ﷺ وأنا أرى أني أحق الناس بهذا الأمر، فاجتمع الناس على أبي بكر، فسمعت وأطعت، ثم إن أبا بكر حضر فكنت أرى أن لا يعدلها عني، فولى عمر، فسمعت وأطعت، ثم إن عمر أصيب، فظننت أنه لا يعدلها عني فجعلها في ستةٍ أنا أحدهم، فولاها عثمان، فسمعت وأطعت، ثم إن عثمان قتل، فجاؤوني فبايعوني طائعين غير مكرهين. فوالله ما وجدت إلا السيف أو الكفر بما أنزل على محمد ﷺ .
وعن الحسن قال:
لما قدم عليّ البصرة في إثر طلحة وأصحابه قام عبد الله بن الكوا وابن عباد فقالا: يا أمير المؤمنين، أخبرنا عن مسيرك هذا، أوصية أوصاك بها رسول الله ﷺ ام عهد عهده إليك، أم رأي رأيته حين تفرقت الأمة، واختلفت كلمتها؟ فقال: ما أكون أول كاذب عليه وفي رواية: ولا والله إن كنت أول من صدق به، فلا أكون أول من كذب عليه والله ما مات رسول الله ﷺ موت فجاءة، ولا قتل قتلاً زاد في رواية: ولو كان
стр. 6163
عندي من النبي ﷺ في ذلك عهد ما تركت أخا تيم بن مرة وعمر بن الخطاب يقومان على منبره، ولقاتلتهما بيدي، ولو لم أجد إلا بردي هذا قال: ولقد مكث في مرضه كل ذلك يأيته المؤذن فيؤذنه بالصلاة، فيقول: مروا أبا بكر ليصلي بالناس، ولقد تركني وهو يرى مكاني، ولو عهد إلى شيئاً لقمت به، حتى عرضت في ذلك امرأة من نسائه فقالت: إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قام مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر أن يصلي بالناس، فقال لها: إنكنّ صواحب يوسف. فلما قبض رسول الله ﷺ نظر المسلمون في أمرهم، فإذا رسول الله ﷺ قد ولى أبا بكر أمر دينهم، فولّوه أمر دنياهم، فبايعه المسلمون، وبايعته معهم، فكنت أغزو إذا أغزاني، وآخذ إذا أعطاني، وكنت سوطاً بين يديه في إقامة الحدود، فلو كانت محاباة عند حضور موته لجعلها في ولده، فأشار بعمر، ولم يأل، فبايعه المسلمون وبايعته معهم، فكنت أغزو إذا أغزاني، وآخذ إذا أعطاني، وكنت سوطاً بين يديه في إقامة الحدود، فلو كانت محاباة عند حضور موته لجعلها في ولده، وكره أن ينتخب منا معشر قريش رجلاً فيوليه أمر الأمة، فلا يكون فيه إساءة لمن بعده إلا لحقت عمر في قبره، فاختار منا ستة، أنا فيهم، لنختار للأمة رجلاً منا. فلما اجتمعنا وثب عبد الرحمن فوهب لنا نصيبه منها، على أن نعطيه مواثيقنا على أن نختار من الخمسة رجلاً، فنوليه أمر الأمة، فأعطيناه مواثيقنا، فأخذ بيد عثمان فبايعه، ولقد عرض في نفسي ذلك. فلما نظرت في أمري فإذا عهدي قد سبق بيعتي، فبايعت وسلمت، فكنت أغزو إذا أغزاني، وآخذ إذا أعطاني. فلما قتل عثمان نظرت في أمري، فإذا الرّبقة التي كان لأبي بكر وعمر في عنقي قد انحلّت، وإذا العهد لعثمان قد وفيت به، وإذا أنا رجل من المسلمين ليس لأحد عندي دعوى، ولا طلبة، فوب فيها من ليس مثلي يعني: معاوية لا قرابته كقرابتي، ولا علمه كعلمي، ولا سابقته كسابقتي، وكنت أحقّ بها منه، قالا: صدقت، فأخبرنا، عن قتالك هذين الرجلين يعنيان: طلحة والزبير صاحباك في الهجرة، وصاحباك في بيعة الرضوان، وصاحباك في المشورة. قال: بايعاني بالمدينة، وخلعاني بالبصرة، ولو أن رجلاً ممن بايع أبا بكر خلعه لقاتلناه، ولو أن رجلاً ممن بايع عمر خلعه لقاتلناه.
стр. 6164
وفي حديث آخر عنه بمعناه قال: فلما قبض الله نبيّه نظرنا في أمورنا، فاخترنا لدنيانا من رضيه النبي ﷺ لديننا، فكانت الصلاة أصل الإسلام، وقوام الدين، وهو أمين الدين، فبايعنا أبا بكر، فكان لذلك أهلاً، لم يختلف عليه منا اثنان، ولم يشهد بعضنا على بعض، ولم يقطع منه البراءة، فأديت إلى أبي بكر حقّه، وعرفت له طاعته، وغزوت معه في جنوده، وكنت آخذ إذا أعطاني، وأغزو إذا أغزاني، وأضرب بين يديه الحدود بسوطه، وذكر مثل ذلك عن عمر.
قال الإمام أبو الطيب سهل بن محمد الصعلوكي وهو يذكر ما يجمع هذا الحديث من فضائل علي ﵁ ومناقبه ومراتبه ومحاسنه وإلا لات صدقه، وقوة دينه، وصحة يقينه قال: ومن مختارها أنه لم يدع ذكر ما عرض له فيما أجرى إليه عبد الرحمن وإن كان يسيراً حتى قال: لقد عرض في نفسي عند ذلك وفي ذلك ما يوضح أنه ولو عرض له في أمر أبي بكر وعمر شيء، واختلف له في سرٍّ وعلانية بنيّة تصريح، أو نبّه عليه بتعريض كما فعل فيما عرض له عند فعل عبد الرحمن ما فعل.
سئل جابر بن عبد الله عن قتال علي فقال: ما يشك في قتال علي إلا كافر.
قال الميموني:
سمعت أحمد بن حنبل وقل له: ما تذهب في الخلافة؟ قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فقيل له: كأنك ذهبت إلى حديث سفينة، وإلى شيء آخر: رأيت علياً في زمن أبي بكر وعمر وعثمان لم يتسمّ بأمير المؤمنين، ثم لم يقم الجمع والحدود، ثم رأيته بعد قتل عثمان قد فعل، فعلمت أنه قد وجب له في ذلك الوقت ما لم يكن له قبل ذلك.
كان نقش خاتم عليّ: الملك لله وقيل: الله ولي علي وقيل: نعم القادر الله.
стр. 6165
قال المدائني: لما دخل علي بن أبي طالب الكوفة دخل عليه رجل من حكماء العرب فقال: والله يا أمير المؤمنين، لقد زنت الخلافة وما زانتك، ورفعتها وما رفعتك، وهي كانت أحوج إليك منك إليها.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: كنت بين يدي أبي جالساً ذات يوم، فجاءت طائفة من الكرخيين، فذكروا خلافة أبي بكر، وخلافة عمر، وخلافة عثمان بن عفان، فأكثروا، وذكروا خلافة علي بن أبي طالب، وزادوا، فأطالوا، فرفع أبي رأسه إليهم فقال: يا هؤلاء، قد أكثرتم في علي والخلافة، وعلى أن الخلافة لم تزين علياً بل عليٌّ زينها. قال السياري: حدثت بهذا الحديث بعض الشيعة، فقال لي: قد أخرجت نصف ما كان في قلبي على أحمد بن حنبل من البغض.
قال إبراهيم بن علي الطبري: صرت إلى أحمد بن حنبل ﵁، فسألته عن خلافة علي ﵁: هل تثبت؟ فقال: ما سؤالك عن هذا؟! فقلت: إن الناس يزعمون أنك قلت: لا تثبت خلافته، فاستنكر ذلك وقال: أنا أقول ذلك؟! وأسبلت عيناه، ثم قال: يا هذا، قبض رسول الله ﷺ وقد صلى خلفه ثلاثون ألف رجل، فجاؤوا بجماعتهم، فقدموا أبا بكر ﵁، فقدموه فأقول: أخطأ القوم وأصبت؟! ثم فشا الإسلام بعده فجاؤوا إلى عمر ﵁، فقدموه فأقول: أخطأ القوم وأصبت؟! ثم فتحت الفتوح، وفشا الإسلام، فصار المسلمون أضعاف هذه العدة مضاعفة، فقدموا عثمان ﵁، فأقول: أخطأ القوم وأصبت؟! ثم زاد الإسلام وفشا، ثم قدموا علي بن أبي طالب ﵁ فأقول: أخطأ القوم وأصبت؟!.
وعن علي قال: إن القرية ليكون فيها الشّيعة فندفع بهم عنها ثم قال: أبيتم إلا أن أقولها، فوالله لعهدّ إليّ رسول الله ﷺ أن الأمة ستغدر بي.
стр. 6166
وفي حديث: " أن الأمة ستغدر بك بعدي ".
قال البيهقي: فإن صح هذا فيحتمل أن يكون المراد به والله أعلم في خروج من خرج عليه في إمارته ثم قتله.
وعن علي كرم الله وجهه قال: قال رسول الله ﷺ : " رحم الله أبا بكر، زوّجني ابنته، وحملني إلى دار الهجرة، وأعتق بلالاً من ماله. رحم الله عمر، يقول الحق، وإن كان مرّاً، تركه الحق، وماله من صديق. رحم الله عثمان، تستحييه الملائكة. رحم الله علياً، اللهم، أدر الحق معه حيث دار.
وعن أبي سعيد قال: كنا عند بيت النبي ﷺ في نفر من المهاجرين والأنصار، فخرج علينا رسول الله ﷺ فقال: " ألا أخبركم بخياركم؟ " قالوا: بلى، قال: " خياركم الموفون، المطيّبون إن الله يحب الحفيّ التقي ". قال: ومرّ علي بن أبي طالب فقال: " الحق مع ذا، الحق مع ذا ".
قال أبو ثابت مولى أبي ذر: دخلت على أم سلمة فرأيتها تبكي، وتذكر علياً، وقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " علي مع الحق، والحق مع علي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض يوم القيامة ".
وعن مالك بن جعونة عن أم سلمة قالت: والله إن علياً على الحق قبل اليوم وبعد اليوم، عهداً معهوداً، وقضاء مقضياً، قلت: أنت سمعت من أم المؤمنين؟ قال: إي والله الذي لا إله إلا هو، ثلاث مرات، فسألت عنه فإذا هم يحسنون عليه الثناء.
وعن أبي ليلى الغفاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ستكون من بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب، فإنه أول من
стр. 6167
يراني، وأول من يصافحني يوم القيامة، وهو معي في السماء الأعلى، وهو الفاروق بين الحق والباطل ".
وعن أبي هريرة قال:
بلغني أن رسول الله ﷺ ذكر فتنة فقرّبها قال: فأتيته بالبقيع، وعنده أبو بكر، وعمر، وعلي، وطلحة، والزبير فقلت: يا رسول الله، بلغني أنك ذكرت فتنة، قال: " نعم، كيف أنتم إذا اقتتلت فئتان، دينهما واحد، وصلاتهما واحدة، وحجّهما واحد؟ " قال: قال أبو بكر: أدركها يا رسول الله؟ قال: " لا "، قال: الله أكبر. قال عمر: أدركها يا رسول الله؟ قال: " لا "، قال: الحمد لله، قال عثمان: أدركها يا رسول الله؟ قال: " نعم، وبك يبتلون "، قال علي: أدركها يا رسول الله؟ قال: " نعم، تقود الخيل بأزمّتها ".
وعن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال خطبة خطبها في حجة الوداع: " لأقتلنّ العمالقة في كتيبة "، فقال له جبريل: أو علي، فقال: " أو علي بن أبي طالب ".
وعن أبي سعيد الخدري قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ وقد انقطع شسع نعله، فدفعها إلى عليّ يصلحها، ثم جلس، وجلسنا حوله، كأنما على رؤوسنا الطير، فقال: " إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله "، فقال أبو بكر: أنا رسول الله؟ قال: " لا "، فقال عمر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: " لا، ولكنه خاصف النعل "، قال: فأتينا علياً نبشّره بذلك، فكأنه لم يرفع به رأساً، كأنه قد سمعه قبل.
وكان حزام بن زهير عند علي في الرحبة فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، هل كان في النعل حديث؟ فقال: اللهم، إنك تعلم أنه مما كان يسرّه إلي رسول الله ﷺ وأشار بيده ورفعهما.
стр. 6168
وعن ابن عباس قال: خرجنا مع علي إلى الجمل ست مئة رجل، فسلكنا على الرّبذة، فنزلناها فقام غليه ابنه الحسن بن علي فبكى بين يديه، وقال: ائذن لي فأتكلم، فقال علي: تكلم، ودع عنك أن تخنّ خنين الجارية، فقال حسن: إني كنت أشرت عليك بالمقام، وأنا أشير به عليك الآن، إن للعرب جولة، ولو قد رجعت إليها عوازب أحلامها، قد ضربت إليك أبساط الإبل حتى يستخرجوك، ولو كنت في مثل جحر الضبّ، فقال علي: أتراني لا أبالك كنت منتظراً كما تنتظر الضبع الدم؟! وعن مالك بن الحويرث قال: قام علي بن أبي طالب بالرّبذة فقال: من أحب أن يلحقنا فليلحقنا، ومن أحب أن يرجع فليرجع، مأذون له غير حرج، فقام الحسن بن علي فقال: يا أبه أو يا أمير المؤمنين لو كنت في جحر، وكان للعرب فيك حاجة لاستخرجوك من جحرك، فقال: الحمد لله الذي يبتلي من يشاء بما يشاء، ويعافي من يشاء مما يشاء، أما والله لقد ضربت هذا الأمر ظهراً لبطن أو ذنباً ورأساً، فوالله إن وجدت له إلا القتال، أو الكفر بالله، يحلف بالله عليه، اجلس يا بني ولا تخنّ خنين الجارية.
وروي أن بني عبس قالت لحذيفة: إن أمير المؤمنين عثمان قد قتل فما تأمرنا؟ قال: آمركم أن تلزموا عماراً، قالوا: إن عماراً لا يفارق علياً، قال: إن الحسد هو أهلك الحسد، وإنما ينفركم من عمار قربه من علي، فوالله لعلي أفضل من عمار أبعد ما بين التراب والسحاب، وإن عماراً لمن الأخيار، وهو يعلم أنهم إن لزموا عماراً كانوا مع علي.
قال أبو شريح: كنا عند حذيفة بالمدائن، فأتاه الخبر أن عماراً والحسن بن علي قدما الكوفة، يستنفران الناس إلى أمير المؤمنين عليّ، فقال حذيفة: إن الحسن بن علي قدم يستنفر الناس إلى عدو الله وعدوكمن فمن أحب أن يلقى أمير المؤمنين حقاً حقاً فليأت علي بن أبي طالب.
стр. 6169
ولما كان يوم الجمل نادى علي في الناس: لا ترموا أحداً بسهم، ولا تطعنوا برمح، ولا تضربوا بسيف، وكلموا القوم، فإن هذا مقام من فلح يوم القيامة، قال: فتواقفنا حتى أتانا جرّ الحديد، ثم إن القوم نادوا: يا جمع، يا لثارات عثمان، قال: وابن الحنفيّة أمامنا ربوة، معه اللواء. قال: فنادى علي: يا بن الحنفية، ما يقولون؟ فأقبل علينا بعرض وجهه فقال: يا أمير المؤمنين، يثولون: يا لثارات عثمان، قال: فمدّ علي يديه وقال: اللهم أكبّ قتلة عثمان لوجوههم، قال: فقال: سحما فعل والله ذلك، كأنه يقول: إن القوم كانوا أولى بقتل عثمان من علي، ثم إن الزبير قال لأساودة كانوا معه: قال: ارموهم، ترشون، لا تبلغوا، وكأنه إنما أراد أن ينشب القتال، قال: فما نظر أصحابنا إلى النشاب لم ينتظروا أن يقع على الأرض وحملوا، قال: فهزمهم الله، ورمى مروان طلحة بسهم فشك ساقه بجنب فرسه، فقمص به الفرس، وعليه بحربةٍ، فانطلق به، قال: فالتفت مروان إلى أبا عثمان وهو معه، فقال: قد كفيتك أحد قتلة أبيك.
قال أبو حزم المازني: شهدت علياً والزبير حين تواقفا، فقال له علي: يا زبير، أنشدك بالله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنك تقاتلني وفي رواية: تقاتل وأنت ظالم لي؛ قال: نعم، ولم أذكر إلا في موقفي هذا، ثم انصرف.
وعن أبي بكرة قال: لما اشتد القتال يوم الجمل، ورأى علي الرؤوس تندر أخذ الحسن ابنه، فضمه إلى صدره ثم قال: إن لله، يا حسن، أيّ خير يرجى بعد هذا؟.
وعن قيس بن عباد قال: قال علي يوم الجمل: يا حسن، يا حسن، ليت أباك مات مذ عشرين سنة، قال له: يا أبه، قد كنت أنهاك عن هذا، قال: يا بني، إني لم أر أن الأمر يبلغ هذا.
стр. 6170
قال رجل لشريك: خبرني عن قول علي للحسن يوم الجمل: ليت أباك مات قبل هذا بعشرين سنة، أقاله إلا وهو شاكّ في أمره، فقال له شريك: خبرني عن قول مريم " يا ليتني متّ قبل هذا " أقالته شاكةٌ في عفّتها؟ فسك الرجل.
وعن حبّة قال: سمعت علياً يقول: نحن النجباء، وأفراطنا أفراط الأنبياء، وحزبنا حزب الله، والفئة الباغية حزب الشيطان، ومن سوّى بيننا وبني عدونا فليس منا.
لما حبس يحيى بن خالد البرمكي كتب إلى الرشيد: إن كل يوم يمضي من بؤسي يمضي من نعمتك مثله، والموعد المحشر، والحكم الدّيّان، وقد كتبت إليك بأبيات كتب بها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى معاوية بن أبي سفيان: الوافر
أما والله إن الظلم شؤمٌ ... وما زال المسيء هو الظّلوم
إلى ديّان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم
تنام ولم تنم عنك المنايا ... تنبّه للمنيّة يا نؤوم
لأمرٍ ما تصرّمت الليالي ... لأمرٍ ما تحركت النجوم
وعن ابن عباس قال: عقم النساء أن يأتين بمثل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والله ما رأيت، ولا سمعت رئيساً يوزن به. لرأيته يوم صفين، وعلى رأسه عمامة بيضاء، قد أرخى طرفيها، كأن عينيه سراجاً سليط، وهو يقف على شرذمة شرذمة يحضّهم ويحمشهم حتى انتهى إليّ، وأنا في كثفٍ من الناس فقال: معاشر المسلمين، استشعروا الخشية، وغضوا الأصات، وتجلببوا السكينة زاد في رواية: وأكملوا اللّؤم، واخفوا الجنن وأعملوا الأسنّة، وأقلقوا السيوف في الأغماد، قبل السلّة، واطعنوا الوخز، ونافحوا بالظّبا،
стр. 6171
وصلوا السيوف بالخطا، والنبال بالرماح، فإنكم بعين الله، ومع ابن عم نبيه ﷺ عاودوا الكرّ واستحيوا من الفرّ، فإنه عار باق في الأعقاب والأعناق ونار يوم الحساب، وطيبوا عن أنفسكم أنفساً، وامشوا إلى الموت سجحاً، وعليكم بهذا السواد الأعظم، والرّاق المطنّب فاضربوا ثبجه، فإن الشيطان راكب صعبه، ومفرش ذراعيه، قد قدّم للوثبة يداً، وأخرّ للنكوص رجلاً، فصمداً صمداً حتى ينجلي لكم عمود الدين " وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم ".
قوله: سراجاً سليط السليط: الزيت، وهو عند قوم دهن السمسم. وقوله: يحمشهم أي يغضبهم، وأحمشت النار إذا ألهبتها. والكثف الجماعة، ومنه التكاثف والحشد نحوه. وقوله: وغضوا الأصوات وفي رواية: وعنّوا الأصوات إن كان بفتح العين وتشديد النون فإنه أراد احبسوها واخفوها، نهاهم عن اللّغط، والتعنية: الحبس، ومنه قيل للأسير: عانٍ، واللّؤم جمع لأمة على غير قياس، واللأمة: الدرع. والجنن الترسة، يقول: اجعلوها خفافاً. وأقلقوا السيوف في الغمد يريد: سهلوا سلّها قبل أن تحتاجوا إلى ذلك، لئلا يعسر عليكم عند الحاجة إليها. والظبا جمع ظبة السيف: أي حدّه. وقوله: وصلوا السيوف بالخطا يقول: إذا قصرت عن الضرائب تقدمتم وأسرعتم حتى تلحقوا. وقوله: والرماح بالنبل يريد: إذا قصرت الرماح ببعد من تريد أن تطعنه منك رميته بالنبل. وقوله: امشوا إلى الموت مشية سجحاً أو سجحاً أي سهلة، لا تنكلوا، ومنه قول عائشة لعلي يوم الجمل: ملكت فأسجح، أي سهّل. ويقال: خدّ أسجح أي سهل. وقوله: عليكم الرّواق المطنّب يعني: رواق البيت المشدود بالأطناب، وهي حبال تشدّ به، وهذا مثل قول عائشة: ضرب الشيطان روقه ومدّ طنبه، وقوله: قد قدّم للوثبة يداً وأخّر للنكوص رجلاً، وهو مثل قوله تعالى: " وإذ زيّن لهم الشّيطان أعمالهم " إلى قوله " نكص على
стр. 6172
عقبيه " أي رجع على عقبيه، وأراد على أنه قد قدم يداً ليثب إن رأى فرصة، وإن رأى الأمر على ما هو معه نكص رجلاً، وقوله في رواية: والحظوا الشّزر هو النظر بمؤخر العين نظر العدو والمبغض. يقول: الحظوهم شزراً، ولا تنظروا إليهم نظراً يبين لهم، فإن ذلك أهيب لكم في صدروهم.
خرج عبد الله بن شداد بن الهاد على عائشة مرجعه من العراق ليالي قتل علي، فقالت: يا عبد الله بن شداد، هل أنت صادقي عما أسألك عنه؟ قال: وما لي لا أصدقك؟! قالت: فحدثني عن قصتهم قال:
فإن علياً لما كاتب معاوية وحكّم الحكمين خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس، حتى نزلوا بأرض يقال لها حروراء من جانب الكوفة، عتبوا عليه قالوا: انسلخت من قميصٍ ألبسك الله، واسمٍ سمّاك الله به، ثم انطلقت فحكّمت في دين الله الرجال، فلا حكم إلا لله. فلما بلغ علياً ما عتبوا عليه ففارقوا أمره أذّن مؤذّن ألا يدخل على أمير المؤمنين إلا رجل قد قرأ القرآن. فلما امتلأت الدار من قراء الناس جاء بالمصحف إماماً عظيماً فوضعه علي بين يديه، وطفق يحركه بيده ويقول: أيها المصحف، حدّث الناس، فناداه الناس: ما تسأل عنه! إنما هو مداد وورق، ونحن نتكلم بما روينا منه، فماذا تريد؟ فقال: أصحابكم الذين خرجوا، بيني وبينهم كتاب الله. يقول الله في كتابه في امرأة ورجل " فإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها " إلى قوله: " يوفّق الله بينهما " الآية فأمة محمد ﷺ أعظم حقاً وحرمة من امرأة ورجل. ونقموا عليّ أني كاتبت معاوية، كتبت: علي بن أبي طالب، وقد جاءنا سهيل بن عمرو ونحن مع رسول الله ﷺ بالحديبية حين صالح قومه قريشاً فكتب رسول الله ﷺ : " بسم الله الرحمن الرحيم " قال سهيل: لا أكتب بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: " كيف تكتب؟ " فقال: باسمك اللهم، فكتب باسمك اللهم، فقال رسول الله ﷺ : " اكتب محمد رسول الله "، فقال: لو نعلم أنك رسول الله ما خالفناك، فكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله
стр. 6173
قريشاً، يقول الله في كتابه " لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ". فبعث إليهم عبد الله بن عباس فخرجت معه، حتى توسطنا عسكرهم فقال عبد الله بن شداد: فقام ابن الكوا فخطب الناس فقال: يا حملة القرآن، إن هذا عبد الله بن عباس، فمن لم يكن يعرفه فأنا أعرفه من كتاب الله، هو الذي نزل فيه وفي قومه " بل هم قومٌ خصمون " فردّوه إلى صاحبه، ولا تواضعوا كتاب الله، فقام خطباؤهم فقالوا: بلى والله لنواضعنّه كتاب الله فإن جاء بحق نعرفه اتبعناه. وإن جاء بباطل لنبكّتنّه بباطله ولنردّنّه إلى صاحبه، فواضعوا عبد الله الكتاب ثلاثة أيام. قالوا: كيف قلت يا بنعباس؟ قال: قلت: ما الذي تتكلمون على صهر رسول الله ﷺ وابن عمه؟ قالوا: ثلاث خصال: قال: فما هنّ؟ قالوا: أما واحدة فإنما قاتل ولم يسب، ولم يغنم، فإن كان القوم كفاراً فقد أحلّ الله دماءهم ونساءهم، وإن كانوا غير ذلك فبم استحل ما صنع بهم؟. وأما الثانية فإنه حكّم الرجال في أمر الله، وفي دين الله، فما للرجال والحكم في دين الله بعد قوله: " إن الحكم إلاّ لله " وأما الثالثة فإنه محا نفسه، وهو أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين، قال ابن عباس: هل عندكم غير هذا؟ قالوا: حسبنا خصلة من هذه الخصال، قال: فإن أنا أتيتكم من كتاب الله ما ينقض قولكم هذا فترجعون؟ قالوا: نعم، قال: قال: فإن الله قد صير حكمه حكم الرجال في كتابه ما لا يقبل غيره " يا أيّها الّذين آمنوا لا تقتلوا الصّيد وأنتم حرمٌ ومن قتله منكم متعمّداً فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم " وقال في آية أخرى: " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفّق الله بينهما " أخرجت لكم من هذه؟
стр. 6174
قالوا: نعم. وأما قولكم: قاتل ولم يسب ولم يغنم فاتكم كان يسبي عائشة، فإن قلتم: إنما نستحل منها ما نستحل من المشركات بعد قول الله تعالى: " وأزواجه أمّهاتكم " فقد خرجتم من الإسلام، فأنتم بين ضلالتين، فاخرجوا من إحداهما إن كنتم صادقين، قال: أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم. وأما قولكم: إنه محى اسمه وهو أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين، فأنا آتيكم برجال ممن ترضون؛ إن رسول الله ﷺ يوم الموادعة كتب: هذا ما اصطلح عليه رسول الله ﷺ وأبو سفيان وسهيل بن عمرو فمحو رسول الله ﷺ بعد الوحي والنبوة أعظم أو محو علي بن أبي طالب نفسه يوم الحكمين؟ قالوا: بل محو رسول الله ﷺ قال: أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم.
قال عبد الله بن شداد: فرجع منهم أربعة آلاف فيهم ابن الكوا حتى أدخلناهم على علي بالكوفة، فبعث علي إلى بقيتهم، فقال: قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم، فاعتلوا حين شئتم حتى تجتمع أمة محمد ﷺ فتوجهوا منها حيث شئتم، بيننا وبينكم أن تسفكوا دماً حراماً، أو تقطعوا سبيلاً، أو تظلموا الأمة، فإنكم إن فعلتم فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء " إنّ الله لا يحبّ الخائنين ".
فقالت عائشة: يا بن شداد، فلم قتلهم؟ قال: فوالله ما بعث إليهم حتى قطعوا السبل، وسفكوا الدم، واستحلوا أهل الذمة، قالت: الله الذي لا إله إلا هو لقد كان؟ قال: نعم، قالت: فما شيء بلغني عن أهل العراق يتحدثون: ذو الثديّة؟ قال: قد رأيته وقمت عليه مع علي في القتلى فدعا الناس فقال: هل تعرفون هذا؟ فما أكثر من قال: رأيته في مسجد بني فلان يصلي، ورأيته في مسجد فلان يصلي، قالت: فما قال علي حين قام عليه كما يزعم أهل العراق؟ قال: سمعته يقول: صدق الله ورسوله، قالت: نعم، صدق الله ورسوله، رحم الله علياً لئن كان من قوله إذا رأى شيئاً يعجبه قال: صدق الله ورسوله، قال: فذهب أهل العراق يكذبون عليه ويزيدون عليه الحديث.
стр. 6175
وعن علي قال: عهد إلي رسول الله ﷺ أن أقاتل الناكثين، والقاسطين، والمارقين.
وعنه قال: أمرت بقتال ثلاثة: القاسطين، والناكثين، والمارقين. فأما القاسطون فأهل الشام، وأما الناكثون فذكرهم، وأما المارقون فأهل النّهروان، يعني الحرورية.
وعن علي قال يوم النهروان: أمرني رسول الله ﷺ بقتال الناكثين، والمارقين، والقاسطين.
وعن عبد الله قال: خرج رسول الله ﷺ من بيت زينب بنت جحش، وأتى بيت أم سلمة، فكان يومها من رسول الله ﷺ فلم يلبث أن جاء علي، فدق الباب دقاً خفياً، فانتبه النبي ﷺ للدقّ وأنكرته أم سلمة، فقال رسول الله ﷺ : " قومي فافتحي له "، قالت: يا رسول الله، من هذا الذي من خطره ما نفتح له الباب؟ أتلقاه بمعاصمي، وقد نزلت فيّ آية من كتاب الله بالأمس! فقال لها كهيئة المغضب؛ " إن طاعة الرسول طاعة الله ومن عصى رسول الله ﷺ فقد عصى الله، إن بالباب رجلاً ليس بعزق ولا غلق، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، لم يكن ليدخل حتى ينقطع الوطء "، قالت: فقمت، وأنا أختال في مشيتي، وأنا أقول: بخ بخ، من ذا الذي يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله؟ ففتحت الباب، فأخذ بعضادتي الباب، حتى إذا لم يسمع حساً ولا حركة وصرت في خدري استأذن، فدخل، فقال رسول الله ﷺ : " يا أم سلمة، أتعرفينه؟ " قالت: نعم يا رسول الله، هذا علي بن أبي طالب، قال: " صدقت، سيد أحبه، لحمه من لحمي ودمه من دمي وهو عتبة بيتي، اسمعي واشهدي، وهو قاتل الناكثين والقاسطين، والمارقين من بعدي، فاسمعي واشهدي، وهو قاضي عداتي، فاسمعي واشهدي، وهو والله يحيي سنّتي، فاسمعي واشهدي، لو أن عبداً عبد الله ألف عام بعد
стр. 6176
ألف عام وألف عام بين الركن والمقام ثم لقي الله مبغضاً لعلي بن أبي طالب وعترتي أكبّه الله على منخريه يوم القيامة في نار جهنم ".
وعن أبي سعيد الخدري قال: أمرنا رسول الله ﷺ بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين، فقلنا: يا رسول الله، أمرتنا بقتال هؤلاء، فمع من؟ قال: " مع علي بن أبي طالب، معه يقتل عمار بن ياسر ".
وعن علقمة والأسود قالا: أتينا أبا أيوب الأنصاري عند منصرفه من صفين، فقلنا له: يا أبا أيوب، إن الله أكرمك بنزول محمد ﷺ وبمجيء ناقته تفضّلاً من الله، وإكراماً لك حتى أناخت ببابك دون الناس، ثم جئت بسيفك على عاتقك تضرب به أهل لا إله إلا الله، فقال: يا هذا إن الرّائد لا يكذب أهله، وإن رسول الله ﷺ أمرنا بقتال ثلاثة مع علي: بقتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين، فأما الناكثون فقد قاتلناهم، أهل الجمل: طلحة، والزبير، وأما القاسطون فهذا منصرفنا من عندهم، يعني: معاوية وعمراً، وأما المارقون فهم أهل الطّرفاوات، وأهل السعيفات وأهل النخيلات، وأهل النهروانات، والله ما أدري أين هم، ولكن لابد من قتالهم إن شاء الله.
قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول لعمار: " يا عمال، تقتلك الفئة الباغية، وأنت مذ إذ ذاك مع الحق، والحق معك، يا عمار بن ياسر، إن رأيت علياً قد سلك وادياً، وسلك الناس وادياً غيره فاسلك مع علي، فإنه لن يدليك في ركيّ ولن يخرجك من هدي، يا عمار، من تقلّد سيفاً أعان به علياً على عدوّه قلّده الله يوم القيامة وشاحين من درّ، ومن تقلّد سيفاً أعان به عدوّ علي عليه قلّده الله يوم القيامة وشاحين من نار "، قلنا: يا هذا، حسبك رحمك الله حسبك رحمك الله.
стр. 6177
وعن عمار بن ياسر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " يا علي، ستقاتلك الفئة الباغية، وأنت على الحق، فمن لم ينصرك يومئذ فليس مني ".
وعن مازن العائذي قال: قال علي بن أبي طالب: ما وجدت من قتال القوم بداً، أو الكفر بما أنزل على محمد ﷺ .
وعن مخنف بن سليم قال: أتينا أبا أيوب الأنصاري وهو يعلف خيلاً له بصفّين فقلنا: قاتلت المشركين بسيفك مع رسول الله ﷺ ثم جئت تقاتل المسلمين؟! قال: إن رسول الله ﷺ أمرني بقتال ثلاثة: الناكثين، والقاسطين، والمارقين. فقد قاتلت الناكثين، والقاسطين، وأنا مقاتل إن شاء الله المارقين بالسبعات، بالطرفات، بالنهروانات، وما أدري أين هو.
وعن علي ﵇ قال: أنا فقأت عين الفتنة.
وعن أبي صالح قال: قال علي لأبي موسى: يا أبا موسى، احكم عليّ ولو على حزّ عنقي.
قال سفيان بن عيينة: سمعت غير واحدٍ من أصحابنا يقولون: إن علي بن أبي طالب لم ير بعد تحكيم الحكمين إلا وهو يقول: الرجز
لقد عجزت عجزةً لا أعتذر ... سوف أكيس بعدها واستمر
وعن قيس بن عباد قال: قال علي: أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله يوم القيامة.
قال زيد بن وهب: قدم على علي وفد من اليمن، فجمع الناس، وحضرته الصلاة، فنادى: الصلاة جامعة، فقام رجل من الوفد الذين قدموا، فتكلم، فحمد الله وأثنى عليه، حتى فرغ من
стр. 6178
خطبته ثم قام آخر، فتكلم، فخطب نحواً من خطبة صاحبه ثم قال في آخر كلامه: إن طاعة هذا طاعة للربّ تعالى، ومعصيته معصية للربّ تعالى يعني: علياً فقال له علي: كذبت، فما هزّه قول علي حين كذبه أن مضى في خطبته حتى فرغ، ثم قام الثالث فتكلم، وخطب نحواً من خطبة صاحبيه، غير أنه لم يذكر شيئاً من ذكر علي، ثم قام علي فحمد الله، وأثنى عليه، فأجاب الأول في خطبته حتى فرغ، ثم أجاب الثاني، ثم أجاب الثالث، ثم قال: كل خطبائكم قد أحسن إلا ما كان من كلام هذا الخطيب الثاني الذي زعم أن طاعتي طاعة للربّ تعالى، وأن معصيتي معصية للربّ تعالى، ولست كذلك، إنما ذلك رسول الله ﷺ الذي طاعته طاعة للربّ، ومعصيته معصية للربّ تعالى.
وعن عثمان بن أبي عثمان قال: جاء أناس إلى علي بن أبي طالب من الشيعة، فقالوا: يا أمير المؤمنين، أنت هو؟ قال: من أنا؟ قالوا أنت هو، قال: ويلكم! من أنا؟! قالوا: أنت ربّنا، أنت ربّنا، قال: ارجعوا فأبوا، فضرب أعناقهم، ثم جدلهم في الأرض، ثم قال: يا قنبر، ائتني بحزم الحطب، فأحرقهم بالنار ثم قال: الرجز
لما رأيت الأمر أمراً منكراً ... أوقدت ناري ودعوت قنبرا
قال أبو صالح السمان: رأيت علياً دخل بيت المال، فرأى فيه شيئاً فقال: ألا ارى هذا هاهنا، وبالناس إليه حاجة؟! فأمر به فقسم، وأمر بالبيت فنكسن ونضح، فصلى فيه، أو قال فيه، يعني: نام.
وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: لم يرزأ علي بن أبي طالب من بيت مالنا، يعني بالبصرة، حتى فارقنا عن دبة محشوة، وخميصة درابجرديّة.
стр. 6179
وعن عنترة قال: دخلت على عليّ بالخورنق، وعليه شمل: قطيفة، وهو يرعد فيها فقتل: يا أمير المؤمنين، إن الله قد جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال نصيباً، وأنت تفعل هذا بنفسك؟! فقال: إني والله ما أرزأكم شيئاً، وما هي إلا قطيفتيّ اللتين أخرجتهما من بيتي، أو قال: من المدينة.
وحدث أبو حكيم صاحب الحناء عن أبيه: أن علياً ﵇ أعطى العطاء في سنة ثلاث مرات، ثم أتاه مال من أصبهان فقال: أغدوا إلى العطاء الرابع، إني لست لكم بخازن. قال: وقسم الحبال، فأخذها قوم، وردّها قوم.
قال موسى بن طريف:
دخل عليّ بيت المال، فأضرط به ثم قال: لا أمسي وفيك درهم، ثم أمر رجلاً من بني أسد، فقسمه حتى أمسى، فقيل: يا أمير المؤمنين، لو عوضته شيئاً، فقال: إن شاء الله ولكنه سحت.
قال عنترة: أتيت علياً بالرّحبة يوم نيروز أو مهرجان؛ وعنده دهاقين وهدايا، قال: فجاء قنبر، فأخذ بيده، فقال: يا أمير المؤمنين، إنك رجل لا تليق شيئاً، وإن لأهل بيتك في هذا المال نصيباً، وقد خبأت لك خبيئة، قال: وما هي؟ قال: انطلق فانظر ما هي، قال: فأدخله بيتاً فيه ناسية مملوءة آنية ذهب، وفضة مموّهة بالذهب. فلما رآها علي قال: ثكلتك أمك، لقد أردت أن تدخل بيتي ناراً عظيمة، ثم جعل يزنها ويعطي كل عريف بحصته ثم قال: لا تغريني، وغرّي غيري هذا جناي وخياره فيه، إذ كلّ جانٍ يده إلى فيه.
стр. 6180
وعن عبد العزيز بن محمد عن أبيه أن علياً أتي بالمال، فأقعد بين يديه الوزان والنقاد، فكوم كومة من ذهب، وكومة من فضة، وقال: يا حمراء، يا بيضاء، احمرّي وابيضّي، وغرّي غيري، هذا جناي وخياره فيه، وكل جانٍ يده إلى فيه.
قال عبد الله بن أبي سفيان: أهدى إليّ دهقان من دهاقين السواد برداً، وإلى الحسن أو الحسين برداً مثله، فقام علي يخطب بالمدائن يوم الجمعة، فرآه عليهما، فبعث إلي وإلى الحسين فقال: ما هذان البردان؟! قال: بعث إليّ وإلى الحسين دهقان من دهاقين السواد، قال: فأخذهما فجعلهما في بيت المال.
وعن مجمّع أن علياً كان يكنس بيت المال، ثم يصلي فيه؛ رجاء أن يشهد له أنه لم يحبس فيه المال عن المسلمين.
وعن المسوّر قال: قدمت على علي بالكوفة، وهو يعطي الناس في بيت له بابان على غير كتاب، فقال: يا بن مخرمة، هذا جناي وخيارة فيه، إذ كلّ جان يده إلى فيه.
فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الناس يتراجعون عليك، قال: أوقد فعلوا؟ قلت: نعم، قال: فاكتبوهم، فكتبوا.
قال عمرو بن يحيى: سمعت أبي يحدث عن أبيه عمرو قال: كان عليّ بن أبي طالب استعمل يزيد بن قيس على الري، ثم استعمل مخنف بن سليم على أصبهان، واستعمل على أصبهان عمرو بن سلمة. فلما أقبل عمرو بن سلمة عرض له الخوارج بحلوان. فلما عقدم عمرو بن سلمة على عليّ أمره فليضعها في الرحبة، ويضع عليه أبناءه حتى يقسمها بين المسلمين، فبعثت إليه أم كلثوم بنت علي: أرسل إلينا من هذا العسل الذي معك، فبعث إليها بزقّين من عسل، وزقّين من سمن. فلما أن خرج علي كان عليّ بن أبي طالب استعمل يزيد بن قيس على الري، ثم استعمل مخنف بن سليم على أصبهان، واستعمل على أصبهان عمرو بن سلمة. فلما أقبل عمرو بن سلمة عرض له الخوارج بحلوان. فلما قدم عمرو بن سلمة على عليّ أمره فليضعها في الرحبة، ويضع عليه أبناءه حتى يقسمها بين المسلمين، فبعثت إليه أم كلثوم بنت علي: أرسل إلينا من هذا العسل الذي معك، فبعث إليها بزقّين من عسل، وزقّين من سمن. فلما أن خرج علي إلى
стр. 6181
الصلاة عدّها فوجدها تنقص زقّين، فدعاه، فسأله عنهما، فقال: يا أمير المؤمنين، لا تسلني عنهما، فإنا نأتي بزقّين مكانهما، قال: عزمت عليك لتخبرنّي ما قصّتهما، قال: بعثت إلي أم كلثوم، فأرسلت بهما إليها قال: أمرتك أن تقسم فيء المسلمين بينهم. ثم بعث إلى أم كلثوم أن ردّي الزقّين، فأتى بهما مع ما نقص منهما، فبعث إلى التجار: فزمّوهما مملوءتين وناقصتين، فوجدوا فيهما نقصان ثلاثة دراهم وشيء، فأرسل إليها أن أرسلي إلينا بالدراهم، ثم أمر بالزّقاق فقسمت بين المسلمين.
حدث أبو عمرو بن العلاء عن أبيه عن جده قال: سمعت علي بن أبي طال يقول: ما أصبت من فيئكم إلا هذه القارورة، أهداها إليّ الدهقان، ثم أتى بيت المال، فقال: خذه، وأنشأ يقول: الرجز
طوبى لمن كانت له قوصرّه ... يأكل منها كل يومٍ مرّه
وفي نسخة: أفلح من كانت ...
قال عبد الله بن زرير: دخلت على علي بن أبي طالب يوم الأضحى، فقرب إلينا حريرة، فقلت: أصلحك الله، لو قربت إلينا من هذا البط يعني: فإن الله قد أكثر الخبز فقال: يا بن زرير، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يحل للخليفة من مال الله إلا قصعتان: قصعة يأكلها هو وأهله، وقصعة يضعها بين يدي الناس.
وعن سفيان قال: ما بنى عليّ آجرة على آجرّة، ولا لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة، وإن كان ليؤتى بجبوبه من المدينة في جراب.
وعن مجمّع التيمي قال: خرج علي بن أبي طالب بسيفه إلى السوق، فقال: من يشتري مني سيفي هذا؟ فلو كان عندي أربعة دراهم أشتري بها إزاراً ما بعته.
стр. 6182
وعن ابن عباس قال: اشترى علي بن أبي طالب قميصاً بثلاثة دراهم، وهو خليفة، وقطع كميّه من موضع الرّصغين، وقال: الحمد لله الذي هذا من رياشه.
وعن سعيد الرجّاني قال: اشترى علي قميصين سنبلاويين أنبجانيين بسبعة دراهم، فكسا قنبراً أحدهما. فلما أراد أن يلبس قميصه فإذا إزاره مرقوع برقعة من الكم.
وعن جرموز قال: رأيت علياً وهو يخرج من العصر وعليه قطريّتان: إزار إلى نصف الساق، ورداء مشمر، فريب منه، ومعه درّة له، يمشي بها في الأسواق ويأمرهم بتقوى الله وحسن البيع ويقول: أوفوا الكيل والميزان، ويقول لا تنقّحوا اللحم.
قال زيد بن وهب الجهني: خرج علينا علي بن أبي طالب ذات يوم وعليه بردان، متّزر بأحدهما، مرتدٍ الآخر، قد أرخى جانب إزاره، ورفع جانباً، قد رفع إزاره بخرقة، فمر به أعرابي فقال: أيها الإنسان، البس من هذه الثياب، فإنك ميت أو مقتول، فقال: أيها الأعرابي، إنما ألبس هذين الثوبين ليكونا أبعد لي من الزهو، وخيراً لي في صلاتي وسنّة للمؤمن.
وعن زيد بن وهب قال: قدم على عليّ وفد من البصرة فيهم رجل من رؤوس الخوارج يقال له: الجعد بن
стр. 6183
نعجة، فخطب الناس فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: يا عليّ، اتق الله، فإنك ميت، وقد علمت سبيل المحسن والمسيء، ثم وعظه وعاتبه في لبوسه، فقال: ما لك وللبوسي؟! إن لبوسي أبعد من الكبر، وأجدر أن يقتدي به المسلم.
وعن أبي مطر قال: خرجت من المسجد، فإذا رجل ينادي من خلفي: ارفع إزارك فإنه أنقى لثوبك، وأنقى لك، وخذ من رأسك إن كنت مسلماً، فمشيت خلفه، وهو بين يدي مؤتزرٌ بإزار، مرتدٍ برداء، ومعه الدّرة كأنه أعرابي بدوي، فقلت: من هذا؟ فقال لي رجل: أراك غريباً بهذا البلد، فقلت: أجل، رجل من البصرة، فقال: هذا عليّ أمير المؤمنين، حتى انتهى إلى دار ابن أبي معيط، وهو سوق الإبل فقال: بيعوا ولا تحلفوا، فإن اليمين تنفق السلعة، وتمحق البركة، ثم أتى صاحب التمر، فإذا خادم تبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقالت: باعني هذا الرجل تمراً بدرهم، فردّه مواليّ فأبى أن يقبله، فقال له علي: خذ تمرك وأعطها درهمها، فإنها ليس لها أمر، فدفعه، فقلت: أتدري من هذا؟ فقال: لا، فقلت: هذا علي أمير المؤمنين، فصبّت تمره وأعطاها درهمها، قال: أحب أن ترضى عني يا أمير المؤمنين، قال: ما أرضاني عنك إذا أوفيتهم حقوقهم، ثم مرّ مجتازاً بأصحاب التمر، فقال: يا أصحاب التمر، أطعموا المساكين يرب كسبكم، ثم مرّ مجتازاً معه المسلمون حتى انتهى إلى أصحاب السمك، فقال: لا يباع في سوقنا طافياً، ثم أتى دار فرات وهي سوق الكرابيس فأتى شيخاً، فقال: يا شيخ، أحسن بيعي في قميصٍ بثلاثة دراهم. فلما عرفه لم يشتر منه شيئاً، ثم أتى آخر. فلما عرفه لم يشتر منه شيئاً، فأتى غلاماً حدثاً، فاشترى منه قميصاً بثلاثة دراهم، ولبسه ما بين الرّصغين إلى الكفّين، يقول في لبسه: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، وأواري به عورتين فقيل له: يا أمير المؤمنين، هذا شيء ترويه عن نفسك، أو شيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، بل شيء سمعته من رسول الله ﷺ يقوله عند الكسوة، فجاء أبو الغلام صاحب الثوب، فقيل له: يا فلان، قد باع ابنك اليوم من أمير المؤمنين قميصاً بثلاثة دراهم، قال: أفلا أخذت منه درهمين؟! فأخذ أبوه درهماً، ثم جاء به إلى أمير المؤمنين وهو جالس مع المسلمين على باب الرّحبة، فقال: أمسك هذا الدرهم، فقال: ما شأن هذا الدرهم؟ فقال: ما كان قميصاً ثمن درهمين، فقال: باعني رضاي، وأخذ رضاه.
стр. 6184
قال الشعبي:
وجد علي بن أبي طالب درعه عند رجل نصراني، فأقبل به إلى شريح يخاصمه، قال: فجاء عليّ حتى جلس إلى حيث شريح، فقال له علي: يا شريح، لو كان خصمي مسلماً ما جلست إلا معه، ولكنه نصراني، وقد قال رسول الله ﷺ إذا كنتم وإياهم في طريق، فاضطروهم إلى مضايقه وصغّروا بهم، كما صغّر الله تعالى بهم من غير أن تطغوا، ثم قال عليّ: هذا الدرع درعي، لم أبع، ولم أهب، فقال شريح للنصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟ فقال النصراني: ما الدرع إلا درعي، وما أمير المؤمنين عندي بكاذب، فالتفت شريح إلى علي، فقال: يا أمير المؤمنين، هل من بيّنة؟ فضحك عليّ ﵇ وقال: أصاب شريح، ما لي بيّنة، فقضى بها للنصراني، قال: فمشى خطاً ثم رجع، فقال: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه، وقاضيه يقضي عليه، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، والدرع والله درعك يا أمير المؤمنين، ابتعت الجيش، وأنت منطلق إلى صفين، فخرجت من بعيرك الأورق، فقال: أما إذ أسلمت فهي لك، وحمله على فرس. قال الشعبي: فأخبرني من رآه يقاتل الخوارج مع علي يوم النّهروان.
حدث رجل من ثقيف أن علياً استعمله على عكبرا، قال: ولم يكن السواد يسكنه المصلون، فقال لي بين أيديهم: لتستوف خراجهم، ولا يجدون فيك رخصة، ولا يجدون فيك ضعفاً، ثم قال لي: إذا كان عند الظهر فرح إليّ، فرحت إليه، فلم أجد عليه حاجباً يحجبني دونه، وجده جالساً وعنده قدح وكوز فيه ماء، فدعا بطينة، فقلت في نفسي: لقد أمنني حتى يخرج إلي جوهراً، ولا أدري ما فيها، فإذا عليها خاتم، فكسر الخاتم، فإذا فيها سويق، فأخرج منه وصبّ في القدح، فصبّ عليه ماء فشرب وسقاني، فلم أصبر أن قلت له: يا أميرالمؤمنين، أتصنع هذا بالعراق؟! طعام العراق أكثر من ذلك، قال: أما والله ما أختم عليه بخلاً عليه، ولكني أبتاع قدر ما يكفيني، فأخاف أن يفنى، فيصنع فيه من
стр. 6185
غيره، فإنما حفظي لذلك، وأكره أن أدخل بطني إلا طيباً، وغني لم أستطع أن أقول لك إلا الذي قلت لك بين أيديهم، إنهم قوم خدع، ولكني آمرك الآن بما تأخذهم به، فإن أنت فعلت وإلا أخذك الله به دوني، فإن يبلغني عنك خلاف ما أمرتك وعزلتك، فلا تبيعنّ لهم رزقاً يأكلونه، ولا كسوة شتاء ولا صيف، ولا تضربن رجلاً منهم سوطاً في طلب درهم، ولا تقبحه في طلب درهم، فإنا لم نؤمر بذلك، ولا بتبغ لهم دابة يعملون عليها، إنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو، قال: قلت: إذاً أجيئك كما ذهبت، قال: وإن فعلت، قال: فذهبت، فتتبعت ما أمرني به، فرجعت والله ما بقي علي درهم واحد إلا وفيته.
جاء جعدة بن هبيرة إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، يأتيك الرجلان، أنت أحب إلى أحدهما من نفسه أو قال: من أهله وماله والآخر لو يستطيع أني ذبحك لذبحك، فتقضي لهذا على هذا؟ قال: فلهزه علي وقال: إن هذا شيء لو كان لي فعلت، ولكن إنما ذا شيء لله.
حدث صالح بياع الأكسية عمن حدثه قال: رأيت علياً اشترى تمراً بدرهم، فحمله في ملحفته فقال: يا أمير المؤمنين، ألا نحمله عنك؟ فقال: أبو العيال أحق بحلمه.
وعن زاذان عن علي أنه كان يمشي في الأسواق وحده، وهو وال، يرشد الضال، ويعين الضعيف، ويمر بالبياع والبقال، فيفتح عليه القرآن، ويقرأ " تلك الدّار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علوّاً في الأرض ولا فساداً " ويقول: نزلت هذه الآية في أهل العدل والتواضع من الولاة، وأهل القدرة من سائر الناس.
وعن صالح بن أبي الأسود عمن حدثه.
أنه رأى علياً قد ركب حماراً، ودلّى رجليه إلى موضع واحد ثم قال: أنا الذي أهنت الدنيا.
стр. 6186
وعن حسن بن صالح قال: تذاكروا الزهاد عند عمر بن عبد العزيز فقال قائلون: فلان، وقال قائلون: فلان، فقال عمر بن عبد العزيز: أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب.
قال هشام بن حسان:
بينا نحن عند الحسن إذ أقبل رجل من الأزارقة، فقال له: يا أبا سعيد، ما تقول في علي بن أبي طالب؟ قال: فاحمرّت وجنتا الحسن، وقال: رحم الله علياً، إن علياً كان سهماً لله، صائباً أعدائه، وكان في محلة العلم أشرفها، وأقربها من رسول الله ﷺ وكان رهبانيّ هذه الأمة، لم يكن لمال الله بالسّروقة، ولا في أمر الله بالنّؤومة، أعطى القرآن عزيمة علمه، فكان منه في رياض مونقة، وأعلام بيّنة. ذاك علي بن أبي طالب، يا لكع.
وعن يزيد بن أي زياد عن بنت سرّية لعلي بن أبي طالب عن أمها قالت: اغتسلت، فأقعدت. فلم أستطع أن أقوم، فأخبر بذلك علي بن أبي طالب، فجاء فوضع يده على رأسي، فلم تزل يده على رأسي يدعو. حتى قمت، فسمعته يقول: لا تغتسلي في الحشّ، ولا في مكان يبال فيه، ولا في قمراء.
وعن عمار قال: حدث رجل علياً بحديث، فكذبه، فما قام حتى عمي.
وعن زاذان أن رجلاً حدث علياً بحديث، فقال: ما أراك إلا قد كذبتني، قال: لم أفعل، قال: أدعو عليك إن كنت كذبت قال: ادع، فدعا، فما برح حتى عمي.
وعن أبي مكين قال: مررت أنا وخالي أبو أمين على دار في جبل حين من مراد، فقال: ترى هذه الدار؟ قلت: نعم، قال: فإن علياً مرّ عليها وهم يبنونها، فسقطت عليه قطعة فشجّته فدع الله أن لا يكمل بناؤها، قال: فما وضعت عليها لبنة، قال: فكنت تمر عليها لا تشبه الدور.
стр. 6187
قال أبو بشير الشيباني: شهدت الجمل مع مولاي، فما رأيت يوماً قط أكثر ساعداً نادراً وقدماً نادرة من يومئذ، ولا مررت بدار الوليد قط إلا ذكرت يوم الجمل. قال: فحدثني الحكم بن عتيبة أن علياً دعا يوم الجمل، فقال: اللهم، خذ أيديهم وأقدامهم.
قال المدائني: نظر علي بن أبي طالب إلى قوم ببابه، فقال لقنبر: يا قنبر، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء شيعتك يا أمير المؤمنين، قال: فقال: لا أرى فيهم سيماء الشيعة، قال: وما سيماء الشيعة؟ قال: خمص البطون من الطوى، يبس الشفاه من الظما، عمش العيون من البكا.
قال أبو أراكة: صلّيت مع عل بن أبي طالب صلاة الفجر. فلما سلّم انفتل عن يمينه ثم مكث كأنّ عليه كآبة حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح قال: وحائط المسجد يومئذ أقصر مما هو الآن ثم قلب يده ثم قال: والله لقد رأيت أصحاب محمد ﷺ فما أرى اليوم شيئاً يشبههم، لقد كانوا يصبحون صفراً، شعثاً، غبراً، بين أعينهم كأمثال ركب المعز، قد باتوا لله سجّداً وقياماً، يتلون كتاب الله، يراوحون بين جباههم وأقدامهم. فإذا أصبحوا، فذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تبلّ ثيابهم، والله لكأنّ القوم باتوا غافلين ثم نهض، فما رئي بعد ذلك مفترّاً، يضحك، حتى قتله ابن ملجم عدو الله الفاسق.
وعن الحسن قال: قال علي بن أبي طالب: طوبى لكل عبد نومة، عرف الناس، ولم يعرفه الناس، وعرفه الله منه برضوان، أولئك مصابيح الهدى، تجلى عنهم كل فتنة مظلمة، يدخلهم في رحمته، ليس ألئك بالمذاييع البذر، ولا بالجفاة المرائين.
стр. 6188
وعن علي بن أبي طالب أنه قال: تعلموا العلم، تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، فإنه يأتي من بعدكم زمان ينكر فيه الحق تسعة أعشاره، وإنه لا ينجو منه إلا كل نومة منبتّ الداء، أولئك أئمة الهدى، ومصابيح العلم، ليسوا بالعجل، المذاييع البذر.
ثم قال: إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة. وإن الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا.
ألا وإن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطاً، والتراب فراشاً، والماء طيباً. ألا من اشتاق إلى الآخرة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرّمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات. ألا إن لله عباداً كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين، وأهل النار في النار معذبين، شرورهم مأمونة، وقلوبهم محزونة، وأنفسهم عفيفة، وجوانحهم خفيفة، صبروا أيام العقبى لراحة طويلة، أما الليل فصافّون أقدامهم، تجري دموعهم على خدودهم يجأرون إلى ربهم، ربّنا ربّنا، يطلبون فكاك رقابهم، وأما النهار فعلماء، حلماء بررة، أتقياء، كأنهم القداح، ينظر إليهم الناظر فيقول: مرضى، وما بالقوم من مرض، وخولطوا، ولقد خالط القوم أمر عظيم.
وعن ابن عباس قال:
قال عمر لعلي: عظني يا أبا الحسن، قال: لا تجعل يقينك شكاً، ولا علمك جهلاً، ولا ظنك حقاً، واعلم أنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فأمضيت، وقسمت فسوّيت، ولبست فأبليت، قال: صدقت يا أبا الحسن.
خطب علي ﵇ على منبر الكوفة فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس، إن أخوف ما أخاف عليكم من طول الأمل، واتباع الهوى، فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصدّ عن الحق. ألا إن الدنيا قد ولت مدبرة، والآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل.
стр. 6189
وعن الأصبغ بن نباتة قال: صعد علي ذات يوم المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر الموت فقال: يا عباد الله، الموت ليس منه فوت، إن أقمتم له أخذكم، وإن فررتم منه أدرككم فالنّجاء النّجاء، والوجاء الوجاء، وراءكم طالب حثيث: القبر، فاحذروا ضغطته، وظلمته، ووحشته، ألا وإن القبر حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة. ألا وإنه يتكلم في كل يوم ثلاث مرات فيقول: أنا بيت الظلمة، أنا بيت الوحشة، أنا بيت الدود. ألا وإن رواء ذلك يوم يشيب فيه الصغير، ويسكر في الكبير " وتضع كلّ ذات حملٍ حملها، وترى النّاس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديدٌ " ألا وإن وراء ذلك ما هو أشدّ منه: نار حرّها شديد، وقعرها بعيد، وحليها حديد، ثم قال: وإن وراء ذلك جنّة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين. جعلنا الله وإياكم من المتقين، وأجارنا وإياكم من العذاب الأليم.
وعن علي بن أبي طالب أنه خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد. فإن الدنيا قد أدبرت، وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت، وأشرفت باطّلاع، وإن المضمار اليوم، وغداً السباق. ألا وإنكم في أيام أمل، من ورائه أجل، فمن قصّر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خيب عمله. ألا فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة. ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها، ولم أر كالنار نام هاربها. ألا وإنه من لم ينفعه الحق ضرّه الباطل، ومن لم يستقم به الهدى حاربه الضلال، ألا وإنكم قد أمرتم بالظّعن، ودللتم على الزاد.
ألا أيها الناس، إنما الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البرّ والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر. ألا إنّ " الشّيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرةً منه وفضلاً والله واسعٌ عليمٌ " أيها الناس، أحسنوا في عمركم تحفظوا في عقبكم، فإن الله وعد جنته من أطاعه، وأوعد ناره من عصاه، إنها نار لا يهدأ زفيرها، ولا
стр. 6190
يفكّ أسيرها، ولا يجبر كسيرها، حرّها شديد، وقعرها بعيد، وماؤها صديد، وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى، وطول الأمل.
وعن ابن عباس قال: كتب إليّ علي بن أبي طالب بموعظة ما سررت بموعظةٍ سروري بها: أما بعد. فإن المرء يسرّه درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فما بالك من دنياك فلا تكن بها فرحاً، وما فاتك منها فلا تتبعه أسفاً، وليكن سرورك على ما قدمت، وأسفك على ما خلفت، وهمّك فيما بعد الموت.
ذم رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب فقال علي: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، مهبط وحي الله، ومصلّى ملائكته، ومسجد أنبيائه، ومتجر أوليائه ربحوا فيها الرحمة، واكتسبوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها وقد آذنت ببينها، ونادت بفرقها وشبهت بشرورها السرور، وببلائها غليه ترغيباً وترهيباً، فيا أيها الذام للدنيا، المعللّ نفسه، متى خدعتك الدنيا، أو متى استذمّت إليك، أبمصارع آبائك في البلى أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى. كم مرضت ببدنك، وعللت بكفيك، تطلب له الشفاء، وتستوصف له الأطباء، لا يغني عنك دواؤك ولا ينفعك بكاؤك.
وعن يحيى بن يعمر قال: قال علي بن أبي طالب:
إن الأمر ينزل من السماء كقطر المطر، لكل نفس ما كتب الله لها من زيادة أو نقصان: في نفس، أو أهل، أو مال، فمن رأى نقصاً في أهله، أو نفسه، أو ماله ورأى لغيره غفيرة فلا يكونن ذلك له فتنة، فإن المسلم ما لم يغش جناءة يظهر تخشعاً لها إذا ذكرت، يغرى به لئام الناس، كالياسر الفالج، ينتظر أول فوزةٍ من قداحه توجب
стр. 6191
له المغنم، وتدفع عنه المغرم، فكذلك المرء المسلم البريء من الخيانة بين إحدى الحسنيين. إذا ما دعا الله، فما عند الله خير له، وإما أن يرزقه الله مالاً، وإذا هو ذو أهل ومال، ومعه حسبه ودينه. الحرث حرثان: فحرث الدنيا: المال والبنون، وحرث الآخرة: الباقيات الصالحات، وقد يجمعهما الله لأقوام.
قال سفيان: ومن يحسن يتكلم بهذا الكلام إلا علي؟.
وعن علي بن أبي طالب أنه قال: ذمتي رهينة، وأنا به زعيم، لا يهيج على التقوى زرع قوم، ولا يظمأ على التقوى سنخ أصل، وإن أجهل الناس من لم يعرف قدره، وكفى بالمرء جهلاً ألا يعرف قدره، وإن أبغض الناس إلى الله رجل قمش علماً في أغمار من الناس غشّوه، أغار فيه بأغبار الفتنة، عمي عمّا في رتب الفتنة سماه أشباه الناس عالماً ويم يغن في العلم، ذكر فاستكثر ما قلّ منه، وما قل منه خير مما أكثر، حتى ارتوى من آجن، واستكثر من غير طائل، جلس للناس مغيثاً لتخليص ما التبس على غيره، فإن نزلت به إحدى المبهمات هيأ لها حشواً من رأيه، فهو من قطع المشتبهات في مثل نسج العنكبوت، لا يدري أخطأ أم أصاب، خبّاط جهالات، ركّاب عمايات، لا يعتذر مما لا يعلم ليسلم، ولا يعضّ على العلم بضرسٍ قاطع فيغنم، تبكي منه الدماء، وتصرخ منه المواريث، ويستحل بقضائه الفرج الحرام لا مليءٌ والله بإصدار ما ورد عليه، ولا هو أهل لما قرّظ به، أولئك الذين حقت عليهم النياحة أيام الدنيا.
стр. 6192
قال: وهذا الفريق الذين وصفهم أمير المؤمنين في الجهالة الأراذل السّفلة قد كثروا في زماننا، وغلبوا على أهله، واستعلوا على علمائه، والربانيين فيه، وإلى الله المشتكى. وقد تظاهرت الأخبار عن سيدنا رسول الله ﷺ أنه قال: " إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا.
وعن الحسن بن علي قال: قال لي أبي علي بن أبي طالب: أي بنيّ، لا تخلّفنّ وراءك شيئاً من الدنيا، فإنك تخلّفه لأحد رجلين: إما رجل عمل فيه بطاعة الله فسعد بما سعيت به، وإما رجل عمل فه بمعصية الله فكنت عوناً له على ذلك. وليس أحد هذين بحقيق أن تؤثره على نفسك.
وعن علي قال: كونوا في الناس كالنحلة في الطير، إنه ليس في الطير شيء إلا وهو يستضعفها، ولو يعلم الطير ما في أجوافها من البركة لم يفعلوا ذلك بها، خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم، وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم فإن للمرء ما اكتسب، وهو يوم القيامة مع من أحبّ.
وعن علي بن أبي طالب قال: التوفيق خير قائد، وحسن الخلق خير قرين، والعقل خير صاحب، والأدب خير ميراث، والوحشة أشد من العجب.
وعن علي بن أبي طالب أنه قال: يا حملة القرآن، اعملوا به، فإنما العالم من علم ثم عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، تخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف عملهم علمهم، يجلسون حلقاً، فيباهي بعضهم بعضاً، حتى إن الرجل يغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه. أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله.
وعن علي بن أبي طالب قال: وأبردها على الكبد إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول: الله أعلم.
стр. 6193
وعن علي قال: كلمات لو رحلتم فيهن المطي لأنضيتموهنّ قبل أن تدركوا مثلهن: لا يرج عبدٌ إلا ربّه، ولا يخافنّ إلا دينه، ولا يستحي من لا يعلم أن يتعلم، ولا يستحي إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم وفي رواية: أن يقول: لا أعلم واعلموا أن منزلة الصبر من الإيمان كمنزلة الرأس من الجسد، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد، فإذا ذهب الصبر ذهب الإيمان.
وعن علي قال:
ألا أخبركم بالفقيه حق الفقيه؟ الذي لا يقنط الناس من رحمة الله، ولا يرخّص لهم في معاصي الله، ولا يدع القرآن رغبة إلى غيره. إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا خير في علم لا فقه فيه، ولا خير في قراءة لا تدبّر فيها.
وعن علي قال: كونوا بقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل، فإنه لن يقلّ عمل مع التقوى، وكيف يقلّ عمل يتقبّل؟.
قال عكرمة: لما قدم علي من صفين قام إليه شيخ من أصحابه فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن مسيرنا هذا إلى أهل الشام: بقضاء وقدر؟ فقال علي: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ما قطعنا وادياً، ولا علونا تلعة إلا بقضاء وقدر، فقال الشيخ: عند الله احتسبت عنائي، فقال علي: ولم يك أعظم الله أجركم في مسيرنا، وأنتم مصعدون، وفي منحدركم وأنتم منحدرون، وما كنتم في شيء من أموركم مكرهين، ولا إليها مضطرين، فقال الشيخ: كيف يا أمير المؤمنين والقضاء والقدر ساقنا إليها؟ قال: ويحك! لعلك ظننته قضاء لازماً، وقدراً حاتماً، لو كان ذلك لسقط الوعد والوعيد، ولبطل الثواب والعقاب، ولا أتت لائمة من الله لمذنب، ولا محمدة من الله لمحسن، ولا كان المحسن أولى بثوب الإحسان من المذنب. ذلك مقال إخوان عبدة الأوثان، وجنود الشيطان، وخصماء الرحمن، وهم قدريّة هذه الأمة ومجوسها، ولكن الله تعالى أمر بالخير تخيراً، ونهى عن الشر تحذيراً، ولم يعص مغلوباً، ولم يطع مكرهاً، ولم يملك تعويضاً، ولا خلق السموات والأرض، وما
стр. 6194
أرى فيهما من عجائب آياتهما باطلاً، ذلك ظن الذين كفروا، فويلٌ للذين كفروا من النار، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، فما كان القضاء والقدر الذي كان فيه مسيرنا ومنصرفنا؟ قال: ذلك أمر الله وحكمته، ثم قرأ علي " وقضى ربّك ألا تعبدوا إلى إيّاه " فقام الشيخ تلقاء وجهه ثم قال: البسيط
أنت الإمام الذي نرجو بطاعته ... يوم النّشور من الرحمن رضوانا
أوضحت من ديننا ما مكان ملتبساً ... جزاك ربّك عنّا فيه إحسانا
قال الحارث: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن القدر، قال: طريق مظلم لا تسلكه، قال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن القدر، قال: بحر عميق لا تلجه، قال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن القدر، قال: سرّ الله قد خفي عليك فلا تفشه، قال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن القدر، قال: أيها السائل إن الله خلقك لما شاء أول ما شئت؟ قال: بل لما شاء، قال: فيستعملك كما شاء أو كما شئت؟ قال: بل كما شاء، قال: فيبعثك يوم القيامة كما شاء أو كما شئت؟ قال: بل كما شاء، قال: أيها السائل، ألست تسأل ربك العافية؟ قال: نعم، قال: فمن أي شيء تسأله العافية: أمن البلاء الذي ابتلاك به غيره؟ قال: من البلاء الذي ابتلاني به، قال: أيها السائل، تقول: لا حول ولا قوة إلا بمن؟ قال: إلا بإذنه العلي العظيم، قال: فتعلم ما تفسيرها؟ قال: تعلمني مما علمك الله يا أمير المؤمنين.
قال: إن تفسيرها: لا يقدر على طاعة الله، ولا يكون له قوة في معصية الله في الأمرين جميعاً إلا بالله. أيها السائل، ألك مع الله مشيئة، أو فوق الله مشيئة، أو دون الله مشيئة؟ فإن قلت: إن لك دون الله مشيئة فقد اكتفيت بها عن مشيئة الله، وإن زعمت أن لك فوق الله مشيئة فقد ادعيت أن قوتك ومشيئتك عاليتان على قوة الله ومشيئته، وإن زعمت أن لك مع اله مشيئة فقد ادعيت مع الله شركاً في مشيئته. أيها
стр. 6195
السائل، إن الله يشج ويداوي، فمنه الداء، ومنه الدواء. أعقلت عن الله أمره؟ قال: نعم. قال علي: الآن أسلم أخوكم فقوموا فصافحوه، ثم قال علي: لو أن عندي رجلاً من القدرية لأخذت برقبته، ثم لا أزال أجأها حتى أقطعها، حتى أقطعها، فإنهم يهود هذه الأمة.
قال الأحنف بن قيس: ما سمعت بعد كلام رسول الله ﷺ أحسن من كلام أمير المؤمنين علي حيث يقول: إن للنكبات نهايات، لابد لأحد إذا نكب من أن ينتهي إليها، فينبغي للعاقل إذا أصابته نكبة أني ينام لها حتى تنقضي مدتها، فإن في دفعها قبل انقضاء مدتها زيادة في مكروهها.
قال الأحنف وفي مثله يقول القائل: البسيط
الدّهر يحنق أحياناً فلا ديةٌ ... فاصبر عليه ولا تجزع ولا تثب
حتى يفرّجها في حالٍ مدّتها ... فقد يزيد احتناقاً كلّ مضطرب
ولأبي تمام: الطويل
ومن لم يسلّم للنوائب أصبحت ... خلائقه جمعاً عليه نوائبا
قام رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: يا أمير المؤمنين، ما الإيمان؟ قال: الإيمان على أربع دعائم: على الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد.
فالصبر منها على أربع شعب: على الشوق، والشفقة، والزهادة، والترقب: فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات.
واليقين على أربع شعب: على تبصرة الفطنة، وتأويل الحكمة، وموعظة العبرة، وسنة الأولين: فمن تبصّر في الفطنة تأول الحكمة، ومن تأول الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة فكأنما كان في الأولين.
стр. 6196
ٍوالعدل منها على أربع شعب: غائص يعني: الفهم، وشرائع الحكم، وزهرة العلم، وروضة الحلم، فمن فهم فسّر جميع العلم، ومن علم عرف شرائع الحكم، ومن حلم لم يفرّط أمره، وعاش في الناس جميلاً.
والجهاد على أربع شعب: على أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، والصدق في المواطن، وشنآن الفاسقين: فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر رغم أنف المنافق، ومن صدق في المواطن قضى ما عليه، ومن شنأ الفاسقين وغضب غضب الله له. قال: فقام إليه السائل فقبّل رأسه.
قيل لعلي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين، ما السخاء؟ قال: ما كان منه ابتداء، فأما ما كان عن مسألة فحياء وتكرم.
كتب علي إلى بعض عماله: أما بعد. فلا تطوّلن حجابك على رعيتك، فإن احتجاب الولاة على الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم بالأمور والاحتجاب يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيصغر عندهم الكبير، ويعظم الصغير، ويقبح الحسن، ويحسن القبيح، ويشاب الحقّ بالباطل، وإنما الوالي بشرٌ، لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور، وليست على الحق سمات تعرف بها ضروب الصّدق من الكذب، فتحصّن من الإدخال في الحقوق بلين الحجاب، فإنما أنت أحد رجلين: إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق، ففيم احتجابك من حقّ واجبٍ أن تعطيه، أو خلق كريم تسديه، وغما مبتلى بالمنع، فما أسرع كفّ الناس عن
стр. 6197
مسألتك إذا يئسوا من بذلك، مع أن أكثر حاجات الناس إليك ما لا مؤنة فيه عليك، من شكاة مظلمةٍ، أو طلب إنصافٍ. فانتفع بما وصفت لك، واقتصر على حظك ورشدك، إن شاء الله.
وعن علي ﵇ قال: الكريم يلين إذا استعطف، واللئيم يقسو إذا ألطف.
قال علي: من أراد أن ينصف الناس من نفسه فليحبّ لهم ما يحبّ لنفسه.
وعن علي بن أبي طالب قال: لا تؤاخ العاجز، فإنه يزين لك فعله، ويحب لو أن لك مثله، ويزين لك أسوأ خصاله، ومدخله عليك، ومخرجه من عندك شين وعار، ولا الأحمق فإنه يجهد نفسه لك، ولا ينفعك، وربما أراد أن ينفعك فيضرك، فسكوته خير من نطقه، وبعده خير من قربه، وموته خير من حياته، ولا الكذاب فإنه لا ينفعك معه عيش، ينقل حديثك، وينقل الحديث إليك وغن يحدّث بالصدق فما يصدّق.
قال علي بن أبي طالب: إني لأستحي من الله أن يكون ذنبٌ أعظم من عفوي، أو جهلٌ أعظم من حلمي، أو عورة لا يواريها ستري، أو خلّة لا يسدّها جودي.
وعن علي قال: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والتّعس في اللذة. قيل: وما التعس في اللذة؟ قال: لا ينال شهوةً حلالاً إلا جاءه ما ينغّصه إياه.
جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فأطراه، وكان يبغضه، فقال له: إني ليس كما تقول، وأنا فوق ما في نفسك.
стр. 6198
وعن عل يكرم الله وجهه قال: حسب حسب النبي ﷺ ، وديني دين النبي ﷺ ، ومن نال مني شيئاً فإنما يناله من النبي ﷺ .
وعن عروة أن رجلاً وقع في علي بمحضر من عمر، فقال عمر: تعرف صاحب هذا القبر، محمد بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب ابن عبد المطلب. لا تذكر علياً إلا بخير، فإنك إن آذيته آذيت هذا في قبره. وفي رواية: فإنك إن أبغضته آذيت هذا في قبره.
قال الشعبي: كان أبو بكر شاعراً، وكان عمر شاعراً، وكان علي أشعر الثلاثة.
كتب معاوية إلى علي بن أبي طالب:
يا أبا الحسن، إن لي فضائل كثيرة، وكان أبي سيداً في الجاهلية، وصرت ملكاً في الإسلام، وأنا صهر رسول الله ﷺ ، وخال المؤمنين، وكاتب الوحي، فقال علي: أبا الفضائل يفخر عليّ ابن آكلة الأكباد؟ ثم قال: اكتب يا غلام: الوافر
محمدٌ النبيّ أخي وصهري ... وحمزة سيّد الشهداء عمّي
وجعفرٌ الذي يمسي ويضحي ... يطير مع الملائكة ابن أمّي
وبنت محمدٍ سكني وعرسي ... مسوطٌ لحمها بدمي ولحمي
وسبطا أحمدٍ ولداي منها ... فأيّكم له سهمٌ كسهمي؟
سبقتكم إلى الإسلام طرّاً ... صغيراً ما بلغت أوان حلمي
فقال معاوية: أخفوا هذا الكتاب، لا يقرأه أهل الشام، فيميلون إلى ابن أبي طالب.
قال جابر بن عبد الله: سمعت علياً ينشد ورسول الله ﷺ يسمع: البسيط
стр. 6199
أنا أخو المصطفى لا شكّ في نسبي ... معه ربيت وسبطاه هما ولدي
جدّي وجدّ رسول الله منفردٌ ... وفاطم زوجتي لا قول ذي فند
صدّقته وجميع الناس في بهمٍ ... من الضلالة والإشراك والنكد
فالحمد لله شكراً لا شريك له ... البرّ بالعبد والباقي بلا أمد
فتبسم رسول الله ﷺ وقال: " صدقت يا علي ".
وقال علي بن أبي طالب: الوافر
إذا اشتملت على اليأس القلوب ... وضاق بما به الصدر الرحيب
وأوطنت المكاره واطمأنّت ... وأرست في أماكنها الخطوب
ولم ير لانكشاف الصبر وجهٌ ... ولا أغنى بحيلته الأريب
أتاك على قنوطٍ منك غوثٌ ... يجيء به القريب المستجيب
وكلّ الحادثات إذا تناهت ... فموصولٌ بها الفرج القريب
قال الشعبي: قال علي بن أبي طالب لرجل وكره له صحبة رجلٍ؛ فقال له: الهزج
لا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإياه
فكم من جاهلٍ أردى ... حليماً حين آخاه
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ماشاه
وللشيء من الشيء ... مقاييسٌ وأشباه
وللقلب على القلب ... دليلٌ حين يلقاه
ومن شعر علي ﵇: مجزوء الكامل
стр. 6200
كم فرحةٍ مطويةٍ ... لك بين أثناء النوائب
ومسرّة قد أقبلت ... من حيث تنتظر المصائب
حدّث أبو عمرو بن العلاء عن أبيه قال: وقف علي بن أبي طالب على قبر فاطمة فأنشأ يقول: الطويل
ذكرت أبا أروى فبتّ كأنني ... بردّ الهموم الماضيات وكيل
لكلّ اجتماعٍ من خليلين ... فرقةٌ وكلّ الذي قبل الممات قليل
وإن افتقادي واحداً بعد واحدٍ ... دليلٌ على ألاّ يدوم خليل
ستعرض عن ذكري وتنسى مودّتي ... ويحدث بعدي للخليل خليل
إذا انقطعت يوماً من العيش مدّتي ... فإن عناء النائبات قليل
وله: المتقارب
لا تفش سرّك إلاّ إليك ... فإنّ لكلّ نصيحٍ نصيحا
فإني رأيت غواة الرجال ... لا يتركون أديماً صحيحا
وله: الوافر
نقشنا ودّ إخوان الصفاء ... بأقلام الهباء على الهواء
فكلّهم ذئابٌ في ثيابٍ ... حياتهم وفاةٌ للحياء
وله: مجزوء الكامل
الصّبر من كرم الطبيعه ... والمنّ مفسدة الصنيعه
والحقّ أمنع جانباً ... من قلّة الجبل المنيعه
والشرّ أسرع جريةً ... من جرية الماء السريعه
следующие страницы →