Полный текст (10 576 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.
стр. 6196
ٍوالعدل منها على أربع شعب: غائص يعني: الفهم، وشرائع الحكم، وزهرة العلم، وروضة الحلم، فمن فهم فسّر جميع العلم، ومن علم عرف شرائع الحكم، ومن حلم لم يفرّط أمره، وعاش في الناس جميلاً.
والجهاد على أربع شعب: على أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، والصدق في المواطن، وشنآن الفاسقين: فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر رغم أنف المنافق، ومن صدق في المواطن قضى ما عليه، ومن شنأ الفاسقين وغضب غضب الله له. قال: فقام إليه السائل فقبّل رأسه.
قيل لعلي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين، ما السخاء؟ قال: ما كان منه ابتداء، فأما ما كان عن مسألة فحياء وتكرم.
كتب علي إلى بعض عماله: أما بعد. فلا تطوّلن حجابك على رعيتك، فإن احتجاب الولاة على الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم بالأمور والاحتجاب يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيصغر عندهم الكبير، ويعظم الصغير، ويقبح الحسن، ويحسن القبيح، ويشاب الحقّ بالباطل، وإنما الوالي بشرٌ، لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور، وليست على الحق سمات تعرف بها ضروب الصّدق من الكذب، فتحصّن من الإدخال في الحقوق بلين الحجاب، فإنما أنت أحد رجلين: إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق، ففيم احتجابك من حقّ واجبٍ أن تعطيه، أو خلق كريم تسديه، وغما مبتلى بالمنع، فما أسرع كفّ الناس عن
стр. 6197
مسألتك إذا يئسوا من بذلك، مع أن أكثر حاجات الناس إليك ما لا مؤنة فيه عليك، من شكاة مظلمةٍ، أو طلب إنصافٍ. فانتفع بما وصفت لك، واقتصر على حظك ورشدك، إن شاء الله.
وعن علي ﵇ قال: الكريم يلين إذا استعطف، واللئيم يقسو إذا ألطف.
قال علي: من أراد أن ينصف الناس من نفسه فليحبّ لهم ما يحبّ لنفسه.
وعن علي بن أبي طالب قال: لا تؤاخ العاجز، فإنه يزين لك فعله، ويحب لو أن لك مثله، ويزين لك أسوأ خصاله، ومدخله عليك، ومخرجه من عندك شين وعار، ولا الأحمق فإنه يجهد نفسه لك، ولا ينفعك، وربما أراد أن ينفعك فيضرك، فسكوته خير من نطقه، وبعده خير من قربه، وموته خير من حياته، ولا الكذاب فإنه لا ينفعك معه عيش، ينقل حديثك، وينقل الحديث إليك وغن يحدّث بالصدق فما يصدّق.
قال علي بن أبي طالب: إني لأستحي من الله أن يكون ذنبٌ أعظم من عفوي، أو جهلٌ أعظم من حلمي، أو عورة لا يواريها ستري، أو خلّة لا يسدّها جودي.
وعن علي قال: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والتّعس في اللذة. قيل: وما التعس في اللذة؟ قال: لا ينال شهوةً حلالاً إلا جاءه ما ينغّصه إياه.
جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فأطراه، وكان يبغضه، فقال له: إني ليس كما تقول، وأنا فوق ما في نفسك.
стр. 6198
وعن عل يكرم الله وجهه قال: حسب حسب النبي ﷺ ، وديني دين النبي ﷺ ، ومن نال مني شيئاً فإنما يناله من النبي ﷺ .
وعن عروة أن رجلاً وقع في علي بمحضر من عمر، فقال عمر: تعرف صاحب هذا القبر، محمد بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب ابن عبد المطلب. لا تذكر علياً إلا بخير، فإنك إن آذيته آذيت هذا في قبره. وفي رواية: فإنك إن أبغضته آذيت هذا في قبره.
قال الشعبي: كان أبو بكر شاعراً، وكان عمر شاعراً، وكان علي أشعر الثلاثة.
كتب معاوية إلى علي بن أبي طالب:
يا أبا الحسن، إن لي فضائل كثيرة، وكان أبي سيداً في الجاهلية، وصرت ملكاً في الإسلام، وأنا صهر رسول الله ﷺ ، وخال المؤمنين، وكاتب الوحي، فقال علي: أبا الفضائل يفخر عليّ ابن آكلة الأكباد؟ ثم قال: اكتب يا غلام: الوافر
محمدٌ النبيّ أخي وصهري ... وحمزة سيّد الشهداء عمّي
وجعفرٌ الذي يمسي ويضحي ... يطير مع الملائكة ابن أمّي
وبنت محمدٍ سكني وعرسي ... مسوطٌ لحمها بدمي ولحمي
وسبطا أحمدٍ ولداي منها ... فأيّكم له سهمٌ كسهمي؟
سبقتكم إلى الإسلام طرّاً ... صغيراً ما بلغت أوان حلمي
فقال معاوية: أخفوا هذا الكتاب، لا يقرأه أهل الشام، فيميلون إلى ابن أبي طالب.
قال جابر بن عبد الله: سمعت علياً ينشد ورسول الله ﷺ يسمع: البسيط
стр. 6199
أنا أخو المصطفى لا شكّ في نسبي ... معه ربيت وسبطاه هما ولدي
جدّي وجدّ رسول الله منفردٌ ... وفاطم زوجتي لا قول ذي فند
صدّقته وجميع الناس في بهمٍ ... من الضلالة والإشراك والنكد
فالحمد لله شكراً لا شريك له ... البرّ بالعبد والباقي بلا أمد
فتبسم رسول الله ﷺ وقال: " صدقت يا علي ".
وقال علي بن أبي طالب: الوافر
إذا اشتملت على اليأس القلوب ... وضاق بما به الصدر الرحيب
وأوطنت المكاره واطمأنّت ... وأرست في أماكنها الخطوب
ولم ير لانكشاف الصبر وجهٌ ... ولا أغنى بحيلته الأريب
أتاك على قنوطٍ منك غوثٌ ... يجيء به القريب المستجيب
وكلّ الحادثات إذا تناهت ... فموصولٌ بها الفرج القريب
قال الشعبي: قال علي بن أبي طالب لرجل وكره له صحبة رجلٍ؛ فقال له: الهزج
لا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإياه
فكم من جاهلٍ أردى ... حليماً حين آخاه
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ماشاه
وللشيء من الشيء ... مقاييسٌ وأشباه
وللقلب على القلب ... دليلٌ حين يلقاه
ومن شعر علي ﵇: مجزوء الكامل
стр. 6200
كم فرحةٍ مطويةٍ ... لك بين أثناء النوائب
ومسرّة قد أقبلت ... من حيث تنتظر المصائب
حدّث أبو عمرو بن العلاء عن أبيه قال: وقف علي بن أبي طالب على قبر فاطمة فأنشأ يقول: الطويل
ذكرت أبا أروى فبتّ كأنني ... بردّ الهموم الماضيات وكيل
لكلّ اجتماعٍ من خليلين ... فرقةٌ وكلّ الذي قبل الممات قليل
وإن افتقادي واحداً بعد واحدٍ ... دليلٌ على ألاّ يدوم خليل
ستعرض عن ذكري وتنسى مودّتي ... ويحدث بعدي للخليل خليل
إذا انقطعت يوماً من العيش مدّتي ... فإن عناء النائبات قليل
وله: المتقارب
لا تفش سرّك إلاّ إليك ... فإنّ لكلّ نصيحٍ نصيحا
فإني رأيت غواة الرجال ... لا يتركون أديماً صحيحا
وله: الوافر
نقشنا ودّ إخوان الصفاء ... بأقلام الهباء على الهواء
فكلّهم ذئابٌ في ثيابٍ ... حياتهم وفاةٌ للحياء
وله: مجزوء الكامل
الصّبر من كرم الطبيعه ... والمنّ مفسدة الصنيعه
والحقّ أمنع جانباً ... من قلّة الجبل المنيعه
والشرّ أسرع جريةً ... من جرية الماء السريعه
стр. 6201
ترك التعاهد للصّدي ... ق يكون داعة القطيعه
وله: الطويل
إن كنت محتاجاً إلى الحلم إنني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج
وما كنت أرضى الجهل خدناً وصاحباً ... ولكنني أرضى به حين أحوج
ولي فرسٌ للحلم بالحلم ملجمٌ ... ولي فرسٌ للجهل بالجهل مسرج
فمن شاء تقويمي فإني مقوّمٌ ... ومن شاء تعويجي فإنّي معوج
وعن أيوب السّختياني قال:
من أحبّ أبا بكر فقد أقام الدّين، ومن أحبّ عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحبّ عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحبّ عليّاً فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن قال الحسنى في أصحاب رسول الله ﷺ فقد برئ من النفاق.
قال سفيان الثوري: حبّ علي من العبادة، وأفضل العبادة ما كتم.
قال يحيى بن آدم: ما أدركت أحداً بالكوفة إلاّ يفضل عليّاً، يبدأ به، وما استثنى أحداً غير سفيان الثوري.
قال عبد الرزاق: قال معمر مرة وأنا مستقبله، وتبسّم، وليس معنا أحد، قلت: ما شأنك؟ قال: عجبت من أهل الكوفة، كأن الكوفة إنما بنيت على حبّ علي، ما كلمت أحداً منهم إلاّ وجدت المقتصد منهم الذي يفضل علياً على أبي بكر وعمر، منهم سفيان الثوري، قال: فقلت لمعمر وأريت كأني أعظمت ذلك فقال معمر: وما ذاك؟ لو أن رجلاً قال: عليّ أفضل عندي منهما ما عنّفته إذا ذكر فضلهما، إذا قال: عندي، ولو أن رجلاً قال: عمر عندي أفضل من علي وأبي بكر ما عنّفته. قال عبد الرّزاق: فذكرت ذلك لوكيع بن
стр. 6202
الجراح ونحن خاليان فاشتهاها أبو سفيان وضحك، وقال: لم يكن سفيان يبلغ بنا هذا الحدّ، ولكنه أفضى إلى معمر ما لم يفض إلينا.
وكنت أقول لسفيان: يا أبا عبد الله، أرأيت إن فضلنا عليّاً على أبي بكر وعمر ما تقول في ذلك؟ فيسكت ساعة ثم يقول: أخشى أن يكون طعناً على أبي بكر وعمر، ولكنا نقف. قال عبد الرزاق: وأخبرنا ابن التيمي يعني: معتمراً قال: سمعت أبي يقول: فضل علي بن أبي طالب أصحاب رسول الله ﷺ بمئة منقبة، وشاركهم في مناقبهم. عثمان أحبّ إليّ منه.
وعن سالم مولى أبي الحسين قال: كنت جالساً مع أبي الحسين زيد بن علي، ومعه ناس من قريش، ومن بني هاشم، وبني مخزوم، فتذاكروا أبا بكر وعمر، فكأنّ المخزوميين قدّموا أبا بكر وعمر، وزيد ساكت، لا يقول لهم شيئاً، ثم قاموا فتفرّقوا، فعادوا بالعشي إلى مجلسهم، فقال زيد بن علي: إني سمعت مقالتكم، وإني قلت في ذلك كلمات، فاسمعوهنّ ثم أنشد زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم: الطويل
ومن فضّل الأقوام يوماً برأيهم ... فإنّ عليّاً فضّلته المناقب
وقول رسول الله والحقّ قوله ... وإن رغمت فيه الأنوف الكوذاب
بأنّك مني يا عليّ معالناً ... كهارون من موسى أخٌ لي وصاحب
دعاه ببدرٍ فاستجاب لأمره ... فبادر في ذات الإله يضارب
فما زال يعلوهم به وكأنّه ... شهابٌ تثنّى بالتّوائم ثاقب
أنشد القاسم بن يسار وأبو عبد الله بن الحميم: الطويل
إذا ما ذكرنا من عليّ فضيلةً ... رمونا لها جهلاً بشتم أبي بكر
يديروننا لا قدّس الله أمرهم ... على شتمه تبّاً لذلك من أمر
إذا ما ذكرنا فضله فكأنما ... نجرّعهم منحه أمرّ من الصّبر
وهل يشتم الصّدّيق من كان مؤمناً ... ضجيع رسول الله في الغار والقبر
стр. 6203
وقد سال الصّدّيق من آل هاشمٍ ... عليّ الهدى عند ارتداد ذوي الكفر
فقال له إن مانعوك زكاتهم ... وما كان قد يعطونه سيّد البدر
فحارب على ردّ الشريعة إنها ... شريعة ربّ الناس ذي العزّ والفخر
فلا تنكروا تفضيل من كان هادياً ... فإن عليّاً خيركم يا بني فهر
ويروى: حبركم وحرّكم.
قال الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني: إن تركتنا الذنوب والخطايا حتى نجتمع مع علي بن أبي طالب ﵇ يوم القيامة فسيعلم الروافض من هو أشدّ حبّاً له: نحن أو هم.
ومن شعر أبي حفص عمر بن عبد الله بن خليل: المتقارب
يقولون لي لا تحبّ الوصيّ ... فقلت الثرى بفم الكاذب
أحبّ النّبيّ وآل النّبيّ ... وأختصّ آل أبي طالب
وأعطي الصحابة حقّ الولاء ... وأجري على السّنن الواجب
فإن كان نصباً ولاء الجميع ... فإنّي كما زعموا ناصبي
وإن كان رضاً ولاء الجميع ... فلا برح الرفض من جانبي
وأنشد إسحاق بن خلف الشاعر: البسيط
إني رضيت عليّاً قدوةً علماً ... كما رضيت عتيقاً صاحب الغار
وقد رضيت أبا حفصٍ وشيعته ... وما رضيت بقتل الشيخ في الدّار
إن كنت تعلم أني لا أحبّهم ... إلاّ لوجهك فأعتقني من النّار
قال أبو إسحاق السّبيعي: حججت، وأنا غلام، فمررت بالمدينة، فرأيت الناس عنقاً واحداً، فاتّبعتهم، فأتوا
стр. 6204
أم سلمة زوج النّبي ﷺ فسمعتها وهي تقول: يا شبث بن ربعي، فأجابها رجل خلف حجاب: لبيك يا أمه، فقالت: أيسبّ رسول الله ﷺ في ناديكم؟ فقال: إنا نقول شيئاً، يريد: عرض هذه الحياة الدّنيا فقالت: سمعت رسول الله يقول: " من سبّ عليّاً فقد سبّني، ومن سبّني سبّه الله تعالى ".
حدّث شيخ من بني هاشم قال: رأيت رجلاً بالشام قد اسودّ نصف وجهه، وهو يغطيه، فسألته عن سبب ذلك، فقال: نعم، قد جعلت لله عليّ ألاّ يسألني أحد عن ذلك إلاّ أخبرته: كنت شديد الوقيعة في علي بن أبي طالب، كثير الذكر له بالمكروه، فبينا أنا ذات ليلة نائم إذ أتاني آتٍ في منامي، فقال: أنت صاحب الوقيعة في علي، وضرب شقّ وجهي، فأصبحت وشقّ وجهي أسود كما ترى.
وعن علي بن أبي طالب قال: والله، ما ضللت ولا ضلّ بي، ولا نسيت الذي قيل لي، وإنّي لعلى بيّنة من ربّي، تبعني من تبعني، وتركني من تركني.
وعن عبيد الله بن أبي رافع قال: سمعت عليّاً، وقد وطئ الناس على عقبيه حتى أدموهما، وهو يقول: اللهم، إني قد مللتهم، وملّوني، فأبدلني بهم خيراً منهم، وأبدلهم بي شرّاً مني، قال: فما كان إلا ذلك اليوم حتى ضرب على رأسه.
قال أبو صالح الحنفي: رأيت علي بن أبي طالب آخذاً بمصحف فوضعه على رأسه حتى غني لأرى فرقه يتقعقع، ثم قال: اللهم، إنهم منعوني ما فيه فأعطين ما فيه، ثم قال: اللهم، إني قد مللتهم وملّوني، وأبغضتهم وأبغضوني، وحملوني على غير طبيعتي، وخلقي، وأخلاقٍ لم تكن تعرف لي، فأبدلني بهم خيراً منهم، وأبدلهم بي شرّاً مني. اللهم، مث قلوبهم ميث الملح في الماء. قال إبراهيم: يعني أهل الكوفة.
стр. 6205
قال زهير بن الأقمر الزّبيدي: خطبنا علي فقال: أنبئت بسراً قد اطلع اليمن وإني والله قد خشيت أن يدخل هؤلاء القوم عليكم وما بي إن يكونوا أولى بالحقّ منكم، ولن تطيعوني في الحقّ كما يطيعون إمامهم في الباطل ما ظهروا عليكم، ولكن بصلاحهم في أرضهم، وفسادكم في أرضكم، وطواعيتهم إمامهم، وعصيانكم إمامكم، وبأدائهم الأمانة وخيانتكم. استعملت فلاناً فخان وغدر، واستعملت فلاناً فخان وغدر، واستعملت فلاناً فخان وغدر، واستعملت فلاناً فخان وغدر، وحمل المال إلى معاوية. فوالله، لو أني أمنت أحدكم على قدح لخشيت أن يذهب بعلاقته. اللهم، قد كرهتهم وكرهوني، وسئمتهم وسئموني، اللهم، فأرحني منهم وأرحهم مني. قال: فما جمّع.
وعن أنس بن مالك قال: مرض علي بن أبي طالب فدخل عليه النّبي ﷺ فتحولت عن مجلسي، فجلس النّبي ﷺ حيث كنت جالساً، وذكر كلاماً، فقال رسول الله ﷺ : " إن هذا لا يموت حتى يملأ غيظاً، ولن يموت إلا مقتولاً ".
وعن أبي رافع أن رسول الله ﷺ قال لعلي: " أنت تقتل على سنّتي ".
وعن عبد الله بن سبع قال: سمعت عليّاً يقول: لتخضبنّ هذه من هذه، قالوا: يا أمير المؤمنين، أخبرنا به، والله لنبيرنّ عترته،
стр. 6206
قال: أنشد الله أن يقتل فيّ غير قاتلي، قالوا: استخلف عليا، قال: لا، أدعكم إلى ما ودعكم رسول الله ﷺ ، قالوا: فماذا تقول لربّك وفي حديث غيره: إذا لقيته وقد تركتنا هملاً؟ قال: أقول: اللهم، ربّ تركتني فيهم ما بدا لك، فلما قبضتين تركتك فيهم. فإن شئت أصلحتهم، وإن شئت أفسدتهم.
حدث أبو سنان الدؤلي أنه عاد عليّاً في شكوى اشتكاها، قال: فقلت له: لقد تخوفنا عليك يا أمير المؤمنين في شكواك هذا، فقال: ولكنني والله ما تخوّفت على نفسي منه لأني سمعت رسول الله ﷺ الصادق المصدوق يقول: " إنك ستضرب ضربه هاهنا وأشار إلى صدغه فيسيل دمها حتى تخضب لحيتك، ويكون صاحبها أشقاها، كما كان عاقر الناقة أشقى ثمود ".
وفي حديث آخر بمعناه: كما عقر ناقة الله أشقى بني فلان من ثمود، نسبه إلى جده الأدنى.
قال زيد بن وهب: قدم علي على قوم من البصرة من الخوارج، فيهم رجل يقال له: الجعد بن بعجة، فقال له: اتقّ الله يا علي، فإنك ميّت، فقال علي: بل مقتول: ضربةٌ على هذا تخضب هذه يعني: لحيته من رأسه عهد معهود، وقضاء مقضيّ " وقد خاب من افترى ".
وعاتبه في لباسه فقال: ما لكم ولباسي؟ هو أبعد من الكبر، وأجدر أن يقتدي بين المسلم.
وعن أبي الطّفيل أن عليّاً جمع الناس للبيعة، فجاء عبد الرحمن بن ملجم فردّه مرتين، ثم قال علي: ما يحبس أشقاها؛ فواله لخضبنّ هذه من هذا ثم تمثّل: الهزج
اشدد حيازيمك للموت ... فإنّ الموت لاقيك
ولا تجزع من القتل ... إذا حلّ بواديك
стр. 6207
وعن علي قال: أتاني عبد الله بن سلام، وقد وضعت قدمي في الغرز فقال لي: لا تقدم العراق فإني أخشى أن يصيبك بها ذباب السيف، فقال علي: وايم الله، لقد أخبرني به رسول الله ﷺ . قال أبو الأٍسود: فما رأيت كاليوم قطّ محارباً يخبر بهذا عن نفسه.
وعن صهيب قال: قال النّبي ﷺ لعلي: " من أشقى الأولين؟ " قال: عاقر الناقة، " قال: فمن أشقى الآخرين؟ " قال: لا علم لي يا رسول الله، قال: " الذي يضربك على هذه وأشار بيده إلى يافوخه يخضب هذه من هذه يعني: لحيته " فكان علي يقول: ألا يخرج الأشقى الذي يخضب هذه يعني: مفرق رأسه.
وعن فضالة بن أبي فضالة الأنصاري وكان أبو فضالة من أهل بدر قال: خرجت مع أبي عائداً لعلي من مرض أصابه ثقل منه، قال: فقال له أبي: ما يقيمك بمنزلك هذا؟ لو أصابك أجلك لم تك إلا أعراب جهينة تحمل لك المنية، فإن أصابك أجلك وليك أصحابك وصلّوا عليك، فقال علي: إن رسول الله ﷺ عهد إليّ ألا أموت حتى أؤمّر، ثم تخضب هذه يعني: لحيته من هذه يعني: هامته فقتل، وقتل أبو فضالة مع علي يوم صفين.
قال سعيد بن المسيّب: رأيت عليّاً على المنبر، وهو يقول: لتخضبنّ هذه من هذه وأشار بيده إلى لحيته وجبينه فما يحبس أشقاها؟ قال: فقلت: لقد ادعى علي علم الغيب. فلما قتل علمت لأنه قد كان عهد إليه.
وعن عائشة قالت: رأيت النّبي ﷺ التزم عليّاً، وقبّله، ويقول: بأبي الوحيد الشهيد، بأبي الوحيد الشهيد.
وعن عمار بن ياسر قال: كنت أنا وعلي بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة، من بطن ينبع. فلما نزلها
стр. 6208
رسول الله ﷺ أقام بها شهراً، فصالح بها بني مدلج وحلفائهم من بني ضمرة، فوادعهم، فقال له علي بن أبي طالب: هل لك يا أبا اليقظان أن تأتي هؤلاء نفر من بني مدلج، يعملون في عين لهم ننظر كيف يعملون؟ فأتيناهم، فنظرنا إليهم ساعة، ثم غشينا النوم فعمدنا إلى صور من النخل في دقعاء من الأرض، فنمنا فيه، فوالله ما أهبّنا إلاّ رسول الله ﷺ بقدمه، فجلسنا وقد تترّبنا من تبك الدقعاء فيومئذٍ قال رسول الله ﷺ لعلي: " يا أبا تراب "، لما عليه من التراب. فأخبرناه بما كان من أمرنا فقال: " ألا أخبركما بأشقى الناس رجلين؟ " قلنا: بلى، يا رسول الله، فقال: " أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه فوضع رسول الله ﷺ يده على رأسه حتى يبلّ منها هذه، ووضع يده على ليحته ".
وعن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : " من أشقى ثمود؟ " قالوا: عاقر الناقة، قال: " فمن أشقى هذه الأمة؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " قاتلك يا علي ".
وعن عمرو بن أبي جندب قال: مرّ بنا علي بصفين وليس معه أحد، فقال له سعيد: أما تخشى أن يغتالك عدو، فإني لا أرى معك أحداً؟ قال: إن لكل عبدٍ حفظة يحفظونه، لا يخرّ عليه حائط، أو يتردّى في بئر حتى إذا جاء القدر الذي قدّر له خلت عنه الحفظة، فأصابه ما شاء الله أن يصيبه.
وعن أبي نصر قال: كنا جلوساً حول سيدنا الأشعث بن قيس إذ جاء رجل بيده عنزة، فلم نعرفه، وعرفه. قال: أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قال: تخرج هذه الساعة، وأنت رجل محارب؟! قال: إن عليّ من الله جنّة حصينة، إذا جاء القدر لم تغن شيئاً. إنه ليس من الناس أحد إلاّ وقد وكّل به ملك، ولا تريده دابة ولا شيء إلاّ قال: اتّقه، اتّقه، فإذا جاء القدر خلا عنه.
стр. 6209
وعن يعلي بن مرّة قال:
كان علي يخرج بالليل إلى المسجد ليصلي تطوعاً، وكان الناس يفعلون ذلك، حتى كان شبث الحروري، فقال بعضنا لبعض: لو جعلنا علينا عقباً يحضر كل ليلة منا عشرة، فكنت في أول من حضر، فألقى درّته ثم قام يصلي. فلما فرغ أتانا، فقال: ما يجلسكم؟ قلنا: نحرسك، فقال: من أهل السماء؟ قال: فإنه لا يكون في الأرض شيء حتى يقضى في السماء، وإنّ عليّ من الله جنّة حصينة، فإذا جاء أجلي كشف عني، وإنه لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
دخل الحسن بن علي على معاوية فقال معاوية: أبوك الذي كان يقاتل أهل البصرة، فإذا كان آخر النهار مشى في طرقها! قال: علم أن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه. فقال معاوية: صدقت.
وعن حكيم بن سعد أنه قيل لعلي: لو علمنا قاتلك لأبرنا عترته، فقال: مه، ذكم الظلم. النفس بالنفس، ولكن اصنعوا ما صنع فقال: النبي قتل، ثم أحرق بالنار.
وعن معاوية بن جوين الحضرمي قال: عرض عليّ الخيل، فمرّ عليه ابن ملجم، فسأله عن اسمه أو قال: نسبه فانتمى إلى غير أبيه، فقال له: كذبت، حتى انتسبت إلى أبيه، فقال: صدقت. أما إن رسول الله ﷺ حدّثني أن قاتلي شبه اليهود، هو يهودي، فامضه.
قال عثمان بن المغيرة: لما أن دخل رمضان كان علي يتعشى ليلة عند الحسن والحسين وابن عباس لا يزيد على ثلاث لقم، يقول: يأتيني أمر الله وأنا خميصٌ، إنما هي ليلة أو ليلتين، فأصيب من الليل.
حدّث الحين بن كثير عن أبيه وكان أدرك عليّاً قال: خرج علي إلى الفجر، فأقبل الوز يصحن في وجهه، فطردوهن عنه، فقال:
стр. 6210
ذروهنّ فإنهنّ نوائح، فضربه ابن ملجم، فقيل: يا أمير المؤمنين، خلّ بيننا وبين مراد، فلا نقوم لهم راعية أو راغبة أبداً، قال: لا، ولكن احبسوا الرجل، فإن أمت فاقتلوه، وإن أعش فالجروح قصاص.
وعن الأصبغ الحنظلي قال: لما كانت الليلة التي أصيب فيها علي أتاه ابن النّبّاح حين طلع الفجر يؤذن بالصلاة، وهو مضطجع، فتثاقل فعاد إليه ثانية، وهو كذلك، ثم عاد الثالثة، فقام علي يمشي وهو يقول:
شدّ حيازيمك للموت ... فإنّ الموت لاقيكا
ولا تجزع من الموت ... إذا حلّ بواديكا
فلما بلغ الباب الصغير شدّ عليه عبد الرّحمن بن ملجم، فضربه، فخرجت أم كلثوم بنت علي فجعلت تقول: ما لي ولصلاة الغداة؟ قتل زوجي أمير المؤمنين صلاة الغداة، وقتل أبي صلاة الغداة.
قال أبو عون الثقفي: كنت اقرأ على أبي عبد الرحمن السلمي، وكان الحسن بن علي يقرأ عليه. قال أبو عبد الرّحمن: فاستعمل أمير المؤمنين عليٌّ رجلاً من بني تميم يقال له: حبيب بن مرّة على السّواد، وأمره أن يدخل الكوفة من بالسواد من المسلمين، فقلت للحسن بن علي: إن لي ابن عم في السواد يحب أن يقوم مكانه، فقال لي: تغدو غداً على كتابك وقد ختم، فغدوت من الغد فإذا الناس يقولون: قتل أمير المؤمنين، قتل أمير المؤمنين، فقلت للغلام: أنفذ بي إلى القصر، فدخلت القصر، فإذا الحسن بن علي قاعد في مسجد في الحجرة، وإذا صوائح، فقال: ادن إلي يا أبا عبد الرّحمن، فجلست إلى جنبه، فقال لي: خرجت البارحة وأمير المؤمنين يصلي في هذا المسجد، فقال لي: يا بنيّ، إنّي بتّ البارحة أوقظ أهلي، لأنها ليلة الجمعة، صبيحة بدر لسبع عشرة من رمضان، فملكتني عيناي، فسنح لي رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، ماذا لقيت من أمتك من الأود واللّدد
стр. 6211
قال: والأود: العوج، واللّدد: الخصومات، فقال لي: " ادع عليهم "، قال: قلت: اللهم أبدل لي بهم من هو خير منهم، وأبدلهم بي من هو شرّ مني، فجاء ابن النّبّاح فآذنه بالصلاة، فخرج، وخرجت خلفه، فاعتوره رجلان، فأما أحدهما فوقعت ضربته في الطّاق، وأما الآخر فأثبتها في رأسه. قال أبو هشام: قال لي أبو أسامة: إني أغار عليه كما يغار الرجل على المرأة الحسناء، لا تحدّثن به ما دمت حيّاً.
قال أبو أسامة
في هذا الحديث ثلاثة عشر حديثاً: فيه أن الحسن بن علي قرأ علي أبي عبد الرحمن، وأن أبا عبد الرحمن سأل الحسن بن علي حاجة، وهو يقرأ عليه، وأن عليّاً كره أن يدخل المسلمون السواد، وأن الحسن شفع في أن ينزل رجل بالسواد من المسلمين وأن علي بن أبي طالب كان إذا كتب ختم كتابه، وأنه اتّخذ مسجداً في حجره، وأنه صيح عليه، فلم ينكره الحسن، وأنا علياً نام وهو جالس، فلم يتوضأ، وأنه قال: الأود: العوج، واللّدد: الخصومات، وأنه كان له مؤذّن يؤذنه بالصلاة، وأنه كان لباب داره طاق، وأنه قتل فيه.
وعن الليث بن سعد: أن عبد الرحمن بن ملجم ضرب عليّاً في صلاة الصبح على دهس، بسيفٍ كان سمّه بالسّمّ، ومات من يومه ودفن بالكوفة ليلاً.
وعن ابن الحنفية قال: دخل علينا ابن ملجم الحمام، وأنا وحسن جلوس في الحمام. فلما دخل كأنّهما اشمأزّا منه، وقالا: ما جرّأك تدخل علينا؟! قال: فقلت لهما: دعاه منكما، فلعمري ما يريد بكما أجسم من هذا. فلما كان يوم أتي به أسيراً قال ابن الحنفية: ما أنا اليوم بأعرف به مني يوم دخل علينا الحمام، فقال علي: إنه أسير فأحسنوا نزله، وأكرموا مثواه، فإن بقيت قتلت أو عفوت، وإن متّ فاقتلوه، قتلتي " ولا تعتدوا إنّ الله لا يحبّ المعتدين ".
стр. 6212
قال محمد بن سعد قالوا:
انتدب ثلاثة نفر من الخوارج: عبد الرحمن بن ملجم المرادي، وهو من حمير، والبرك بن عبد الله التميمي، وعمرو بن بكير التميمي، فاجتمعوا بمكة، وتعاهدوا، وتعاقدوا ليقتلنّ هؤلاء الثلاثة: علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، ويريحوا العباد منهم، فقال عبد الرحمن بن ملجم: أنا لكم بعلي بن أبي طالب، وقال البرك، أنا لكم بمعاوية، وقال عمرو بن بكير: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، فتعاهدوا على ذلك، وتعاقدوا، وتواثقوا ألاّ ينكص رجل منهم على صاحبه الذي سمّى، ويتوجه إليه حتى يقتله، أو يموت دونه، فاّتعدوا بينهم ليلة سبع عشرة من بدر رمضان، ثم توجه كل رجل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه، فقدم عبد الرحمن بن ملجم الكوفة، فلقي أصحابه من الخوارج، فكاتمهم ما يريد، وكان يزورهم ويزورونه، فزار يوماً نفراً من بني تيّم الرباب، فرأى امرأى منهم يقال لها قطام بنت شجنة بن عدي بن عامر وكان علي قتل أباها وأخاها يوم النهروان فأعجبته فخطبها، فقالت: لا أتزوجك حتى تشتفي لي فقال: لا تسأليني شيئاً إلا أعطيتك، فقالت: ثلاثة آلاف، وقتل علي بن أبي طالب، فقال: والله ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل علي بن أبي طالب، وقد أعطيتك ما سألت. ولقي عبد الرحمن بن ملجم شبيب بن بجرة الأشجعي، فأعلمه ما يريد، ودعاه إلى أن يكون معه فأجابه إلى ذلك، وظلّ عبد الرحمن تلك الليلة التي عزم فيها أن يقتل علياً في صبيحتها يناجي الأشعث بن قيس الكندي في مسجده، حتى كاد يطلع الفجر، فقال له الأشعث، فضحك الصبح، فقام عبد الرحمن بن ملجم وشبيب بن بجرة فأخذا أسيافهما، ثم جاءا حتى جلسا مقابل السدّة التي يخرج منها علي. قال الحسن بن علي: وأتيته سحراً، فجلست إليه فقال: إني بتّ الليلة أوقظ أهلي، فملكتني عيناي وأنا جالس، فسنح لي رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، ما لقيت من أمت من الأود واللّدد! فقال لي: " ادع عليهم "، فقلت: اللهم، أبدلني بهم خيراً لي منهم، وأبدلهم بي شراً لهم مني، ودخل ابن النّبّاح المؤذن على ذلك، فقال: الصلاة، فأخذت بيده فقام يمشي، ابن النّبّاح بين يديه، وأنا خلفه. فلما خرج من الباب نادى: أيها الناس، الصلاة، الصلاة، كذلك كان يصنع في كل يوم يخرج، ومعه درّته يوقظ
стр. 6213
الناس، فاعترضه الرجلان، فقال بعض من حضر ذلك: فرأيت بريق السيف، وسمعت قائلاً يقول: لله الحكم يا علي، لا لك، ثم رأيت سيفاً ثانياً، فضربا جميعاً، فأما سيف عبد الرحمن بن ملجم فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه، وأما سيف شبيب فوقع في الطاق، وسمع علياً يقول: لا يفوتنّكم الرجل، وشدّ النسا عليهما من كل جانب، فأما شبيب فأفلت، وأخذ عبد الرحمن بن ملجم، فأدخل على عليّ فقال: أطيبوا طعامه، وألينوا فراشه، فإن أعش، فأنا وليّ دمي عفو أو قصاص، وإن أمت فألحقوه بي أخاصمه عند رب العالمين، فقالت أم كلثوم بنت علي: يا عدو الله، قتلت أمير المؤمنين؟ قال: ما قتلت إلا أباك، قالت: فوالله إني لأرجو ألاّ يكون على أمير المؤمنين بأس، قال: فلم تبكين إذاً؟ ثم قال: والله لقد سممته شهراً يعني: سيفه فإن أخلفني فأبعده الله وأسحقه، وبعث الأشعث بن قيس ابنه قيس بن الأشعث صبيحة ضرب علي، فقال: أي بني، انظر كيف أصبح أمير المؤمنين، فذهب، فنظر إليه ثم رجع، فقال: رأيت عينيه داخلتين في رأسه، فقال الأشعث: عيني دميع ورب الكعبة. قال: ونكب علي يوم الجمعة وليلة السبت وتوفي ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان سنة أربعين، وغسله الحسن والحسين وعبد الله وجعفر، وكفن في ثلاثة أثواب، ليس فيها قميص.
قالوا: وكان عبد الرحمن بن ملجم في السجن. فلما مات علي ودفن بعث الحسن بن علي إلى عبد الرحمن بن ملجم، فأخرجه من السجن ليقتله، فاجتمع النّاس وجاؤوا بالنّفط والبواري والنار، فقالوا: نحرقه، فقال عبد الله بن جعفر وحسين بن علي ومحمد بن الحنفية: دعونا حتى نشفي أنفسنا منه، فقطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه، فلم يجزع ولم يتكلم، فكحل عينيه بمسمار محمّى، فلم يجزع وجعل يقول: إنك لتكحل عيني عمك بملمول ممضّ، وجعل يقرأ: " اقرأ باسم ربّك الّذي خلق خلق الإنسان من علقٍ " حتى أتى على آخر السورة كلها، وإن عينيه لتسيلان، ثم أمر به فعولج عن لسانه ليقطعه، فجزع فقيل له، قطعنا يديك ورجليك، وسملنا عينيك يا عدو الله، فلم
стр. 6214
تجزع. فلما صرنا إلى لسانك جزعت؟! فقال: ما ذاك من جزع، إلا أني أكره أن أكون في الدنيا فواقاً لا أذكر الله، فقطعوا لسانه، ثم جعلوه في قوصرّة وأحرقوه بالنار، والعباس بن علي يومئذ صغير فلم يستأن به بلوغه.
وكان عبد الرحمن بن ملجم رجلاً أسمر، أبلج، شعره مع شحمة أذنه، في جبهته أثر السجود.
وعن أبي تحيى قال: لما ضرب ابن ملجم علياً الضربة قال علي: افعلوا به كما أراد رسول الله ﷺ أني فعل برجل أراد قتله، فقال: اقتلوه ثم حرّقوه.
ولما ضرب ابن ملجم علياً ﵇ قال علي: فزت وربّ الكعبة.
وعن شقيق بن سلمة قال: قيل لعلي بن أبي طالب: ألا تستخلف علينا؟ فقال: ما استخلف رسول الله ﷺ ولكن إن يرد الله بالناس خيراً استجمعهم بعدي علىخيرهم، كما جمعهم بعد نبيّهم على خيرهم.
وعن عقبة بن أبي الصهباء قال: لما ضرب ابن ملجم علياً دخل عليه السحن، وهو باك، فقال له: ما يبكيك يا بنيّ؟ قال: وما لي لا أبكي وأنت في أول يوم من الآخرة، وآخر يوم من الدنيا؟ فقال: يا بني، احفظ أربعاً وأربعاً لا تضرك ما عملت معهن، قال: وما هن يا أبه؟ قال: إن أغنى الغنى العقل، وأكبر الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العجب، وأكرم الحسب حسن الخلق. قال: قلت: يا أبه، هذه الأربع فأعطني الأربع الأخر، قال: إياك ومصادقة
стр. 6215
الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، وإياك ومصادقة الكذاب فإنه يقرّب عليك البعيد، ويبعد عليك القريب، وإياك ومصادقة البخيل فإنه يبعد عنك أحوج ما تكون إليه، وإياك ومصادقة الفاجر فإنه يبيعك بالتافه.
فلما فرغ علي من وصيته قال: أقرأ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ثم لم يتكلم بشيء إلا: لا إله إلا الله حتى قبضه الله، رحمة الله ورضوانه عليه، وصلى عليه الحسن، وكبّر عليه أربعاً، ودفن في السّحر.
قال هارون بن سعد: كان عند علي مسك أوصى أن يحتفظ به، وقال: فضل من حنوط رسول الله ﷺ .
ون الحسن بن علي قال: دفنت أبي علي بن أبي طالب في حجرة أو قال: في حجرة من دور آل جعدة بن هبيرة.
قال عبد الملك بن عمير: لما حفر خالد بن عبد الله أسا دار يزيد ابنه استخرجوا شيخاً مدفوناً، أبيض الرأس واللحية، فقال: أتحبّ أن أريك علي بن أبي طالب؟ فكشف لي فإذا شيخ أبيض الرأس واللحية كأنما دفن بالأمس، طري فقال: يا غلام، عليّ بحطبٍ ونار، فقال الهيثم بن العريان: ليس يريد القوم منك هذا كله، قال: يا غلام، عليّ بقباطي، فلفّه فيها وحنّطه، وتركه مكانه، قال أبو زيد بن طريف: هذا الموضع بحذاء باب الوراقين، مما يلي قبلة المسجد بيت إسكاف، وما يكاد يقرّ في ذلك الموضع أحدٌ إلاّ انتقل عنه.
وقيل: إنه لا يعلم أين موضع قبره، وقيل دفن بالكوفة عند قصر بالإمارة ليلاً، وعمّي دفنه. وقيل: دفن عند المسجد الجامع. ويقال: دفن في موضع القصر، ويقال في الرّحبة التي تنسب إليه. ويقال: في الكناسة. ويقال: إن الحسن والحسين وابن الحنفية
стр. 6216
وعبد الله بن جعفر وعدّة من أهل بيتهم خرجوا به ليلاً، فدفن في ظاهر الكوفة، فعل به ذلك مخافة أن ينبشه الخوارج وغيرهم.
جاء رجل إلى شريك فقال: أين قبر علي بن أبي طالب، فأعرض عنه، حتى سأله ثلاث مرات، فقال له: في الرابعة، نقله الحسن بن علي إلى المدينة. قال الخطيب: هذا لفظ حديث البغوي. وقال: قال عبد الملك: وكنت عند أبي نعيم فمرّ قوم على حمير، قلت: أين يذهب هؤلاء؟ قالوا: يأتون قبر علي بن أبي طالب، فالتفت إليّ أبو نعيم فقال: كذبوا، نقله الحسن بن علي إلى المدينة.
قال محمد بن حبيب: أوّل من حوّل من قبر إلى قبر أمير المؤمنين عليّ. حوّله ابنه الحسن، وقيل حمله الحسن بعد صلحه مع معاوية فدفنه بالمدينة. قول غيره: حمله فدفنه بالثّويّة. ويقال: دفن بالبقيع مع فاطمة بنت سيدنا رسول الله ﷺ .
وقال عيس بن داب: عمّي قبر علي. قال: وحدثني الحسن أنه صرّ في صندوق وأكثر عليه من الكافور، وحمل على بعير يريدون به المدينة، فلما كان ببلاد طيء أضلوا البعير ليلاً، فأخذته طيء، وهم يظنون أن في الصندوق مالاً. فلما رأوا ما فيه خافوا أن يطلبوا، فدفنوا الصندوق بما فيه، ونحروا البعير، وأكلوه.
وكان أبو جعفر الحضرمي مطيّن ينكر أن يكون القبر المزور بظاهر الكوفة قبر علي بن أبي طالب، وكان يقول: لو علمت الرافضة قبر من هذا لرجمته بالحجارة، هذا قبر المغيرة بن شعبة، وقال مطيّن: لو كان هذا قبر علي بن أبي طالب لجعلت منزلي ومقيلي عنده أبداً.
وعن ابن شهاب قال: قدمت دمشق، وأنا أريد الغزو، فأتيت عبد الملك لأسلم عليه فوجدته في قبة على
стр. 6217
فرس، يفوق القائم، والناس تحته سماطان، فسلمت عليه، وجلست، فقال: يا بن شهاب، أتعلم ما كان في بيت المقدس صباح قتل علي بن أبي طالب؟ قلت: نعم، قال: هلم، فقمت من وراء الناس حتى أتيت خلف القبة وحوّل وجهه فأحنى عليّ وقال: ما كان؟ فقلت: لم يرفع حجر في بيت المقدس إلا وجد تحته دم. قال: فقال: لم يبق أحد يعلم هذا غيري وغيرك، فلا يسمعنّ منك، قال: فما تحدثت به حتى توفي.
قال البيهقي: وروي عن الزهري إسنادي أصح من إسناد هذا الحديث أن ذلك كان في قتل الحسين.
وتوفي علي وهو ابن سبع وخمسين سنة، وكان يوم قبض النبي ﷺ ابن سبع وعشرين. وقيل: توفي وهو ابن ثمان وخمسين، وولي خمس سنين وبعث النبي ﷺ وعلي ابن سبع سنين.
وأسلم علي وهو ابن سبع سنين.
قال الشعبي: أقام علي بعد إسلامه مع النبي ﷺ عشرين سنة، ومع أبي بكر وعمر ثلاث عشرة سنة، ومع عثمان اثنتي عشرة سنة، وولي خمس سنين.
وأهل بيته يقولون: قبض وهو ابن ثلاث وستين سنة، ويقولون: أسلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة، قالوا: وشهد بدراً وهو ابن عشرين سنة، وشهد الفتح وهو ابن ثمان وعشرين. وكان عظيم البطن، عظيم اللحية، قد ملأت ما بين منكبيه، وكان أصلع ﵀. وقيل: إن بن ملجم قتله لستٍ بقين من رمضان سنة أربعين.
قال عبد الله بن محمد بن عقيل: سمعت ابن الحنفية يقول: سنة الجحاف حين دخلت إحدى وثمانون هذه لي خمس وستون سنة، وقد جاوزت سن أبي. قلت: وكم كانت سنّه يوم قتل؟ قال: ثلاث وستون سنة.
قال محمد بن عمر: وهو الثّبت عندنا.
стр. 6218
وأم علي ﵇ فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وأسلمت قديماً، وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي، وهي ربت النبي ﷺ ويوم ماتت صلى النبي ﷺ عليها، وتمرغ في قبرها، وبكى، وقال: " جزاك الله من أمٍ خيراً، فقد كنت خير أمّ "، وولدت لأبي طالب عقيلاً، وجعفر، وعلياً، وأم هانئ، واسمها فاختة، وحمامة. وكان عقيل أسنّ من جعفر بعشر سنين، وجعفر أسنّ من علي بعشر سنين، وجعفر هو ذو الهجرتين، وذو الجناحين.
وقال أبو جعفر: توفي علي وله خمس وستون سنة، وكان عليّ، وطلحة، والزبير في سن واحدة.
قال سعيد بن جمهان عن سفينة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة " فقال لي: أمسك يعني: سفينة القائل لسعيد بن جمهان أمسك فذكر خلافة علي ستاً.
كذا قال في هذا الحديث، ولمي بلغ في الخلافة ست سنين.
وولد علي بمكة، في شعب بني هاشم، وقتل بالكوفة.
قال الهيثم بن عمران: بايع لعلي أهل العراق، ومكة، والمدينة، واليمن. فمكث ﵀ خمس سنين، وقتله ابن ملجم.
ولما قتل بويع الحسن بن علي بن أبي طالب.
وكان بين مقتل عثمان إلى اصطلاح الحسن بن علي ومعاوية خمس سنين وثلاثة أشهر وسبع ليال.
وكان لعليّ تسع عشرة سرّيّة. إنما كان كثرة تسرّي أمير المؤمنين طلباً للنسل، لتكثير العابدين.
ولما قتل علي قام حسن بن علي خطيباً، فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: أما بعد.
стр. 6219
والله لقد قتلتم الليلة رجلاً في ليلة نزل فيها القرآن، وفيها رفع عيسى بن مريم، وفيها قتل يوشع بن نون فتى موسى، وفيها تيب على بني إسرائيل. والله ما سبقه أحد كان قبله، ولا لحقه أحد كان بعده، وإن كان النبي ﷺ ليبعثه في السّرية، جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره. والله ما ترك صفراء ولا بيضاء، إلا ثماني مئة درهم، أو سبع مئة درهم أرصدها لخادم يشتريها.
وعن المغيرة قال: لما جيء معاوية بنعي علي، وهو قائل مع امرأته فاختة بنت قرظة في يوم صائف قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ماذا فقدوا من العلم، والحلم، والفضل، والفقه، فقالت امرأته: أنت بالأمس تطعن في غيبته، وتسترجع اليوم عليه؟! قال: ويلك! لا تدرين ماذا فقدوا من علمه، وفضله وسوابقه.
وكانت سودة بنت عمار تبكي علياً، وقالت: البسيط
صلى الإله على جسمٍ تضمّنه ... قبرٌ فأصبح فيه الجود مدفونا
قد حالف الحقّ لا يبغي به بدلاً ... فصار بالحقّ والإيمان مقرونا
قال أبو عياض مولى عياض بن ربيعة الأسدي: أتيت علي بن أبي طالب، وأنا مملوك، فقلت: يا أمير المؤمنين، ابسط يدك أبايعك. فرفع رأسه إلي، فقال: ما أنت؟ قلت: مملوك، قال: لا، إذاً، قلت: يا أمير المؤمنين، إنما أقول: إني إذا شهدتك نصرتك، وإن غبت نصحتك، قال: نعم، إذاً، قال: فبسط يده فبايعني.
قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: إنه سيأتيكم رجل يدعوكم إلى سبّي، وإلى البراءة مني، فأما السبّ فإنه لكم نجاة، ولي زكاة، وأما البراءة فلا تبرّؤوا مني، فإني على الفطرة.
وعن عمرو بن الأصم قال: دخلت على الحسن بن علي وهو في دار عمرو بن حريث فقلت: إن ناساً يزعمون أن علياً يرجع قبل يوم القيامة! فضحك، وقال: سبحان الله، لو علمنا ما زوجنا نساءه، ولا قسمنا ميراثه.
стр. 6220
وفي رواية عنه قال: قلت للحسن: إن هذه الشيعة يزعمون أن علياً مبعوث قبل يوم القيامة! فقال: كذب، أولئك الكذابون.
وفي حديث: والله ما هؤلاء بالشيعة.
بويع لعلي بالخلافة سنة خمس وثلاثين، فاستقبل المحرم سنة ست وثلاثين، وكان الذي عقد له عمار بن ياسر، وسهل بن حنيف، ولم يبايع خمسة له منهم: محمد بن مسلمة، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمرو، وكانت الحرب بينه وبين معاوية خمس سنين وثلاث أشره واثنتي عشرة ليلة.
علي بن طاهر بن جعفر بن عبد الله
أبو الحسن القيسي السلمي النحوي حدث عن عبد العزيز بن أحمد الحافظ بسنده إلى جابر قال: كان رسول الله ﷺ لا يكاد يدع أحداً من أهله في يوم عيد إلا أخرجه.
ولد سنة إحدى وثلاثين وأربع مئة، وتوفي سنة خمس مئة، وكانت له حلقة في الجامع وقف فيها خزانة، فيها كتبه.
علي بن طاهر بن محمد
أبو الحسن القرشي المقدسي الصوفي أصله من شيراز.
حدّث عن أبي العباس أحمد بن محمد بن زكريا النّسوي بسنده إلى أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : " اطلبوا الحوائج إلى ذوي الرحمة من أمتي ترزقوا، وتنجحوا، فإن الله يقول: "
стр. 6221
رحمتي في ذوي الرحمة من عبادي "، ولا تطلبوا الحوائج عند القاسية قلوبهم، فلا ترزقوا ولا تنجحوا، فإن الله يقول: " إن سخطي فيهم " ".
علي بن أبي طاهر
أبو الحسن القزويني حدّث عن محمود بن خالد بسنده إلى أنس بن مالك أنه تزوج بالمدينة، قال: بعث إليها أن تأتيه بالبصرة، قال: فأبت، فكتب إليها: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد. فإن لكل عمل جزاء. والسلام عليك.
وحدّث عن إسماعيل بن توبة بسنده إلى عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " السّواك مطهرة للفم، مرضاة للربّ ".
وحدّث عن العباس بن الوليد بسنده أن الزهري قال: تعلّم سنةٍ أفضل من عبادة مئتي سنة.
علي بن عاصم بن أبي العاص
ابن إسحاق بن مسلمة بن عبد الملك بن مروان ابن الحكم بن أبي العاص، أبو الحسن الأموي حدّث عن عامر بن سيار التميمي الخراساني بسنده إلى أبي أمامة أو واثلة قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا كان يوم القيامة يجمع الله العلماء فيقول: إني لم أستودع قلوبكم الحكمة، وأنا أريد أن أعذّبكم، ثم يدخلهم الجنة ".
وعلي بن عاصم دمشقي، قدم مصر سنة أربع وستين ومئتين.
стр. 6222
علي بن أبي العاص بن الربيع
ابن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي قيل: إنه قتل يوم اليرموك.
قال الزبير بن بكار: وكانت زينب بنت رسول الله ﷺ عند أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى، فولدت له علياً، وأمامة، وكان علي مسترضعاً في بني غاضرة فافتصله رسول الله ﷺ وأبوه يومئذٍ مشرك، فقال رسول الله ﷺ : " من شاركني في شيء فأنا أحقّ به، وأيّما كافر شارك مسلماً في شيء فهو أحقّ به منه ".
وتوفي علي بن أبي العاص بن زينب بنت رسول الله ﷺ وقد ناهز الحلم. وكان رسول الله ﷺ أردفه على راحلته يوم الفتح. وكان رسول الله ﷺ يحمل أمامة على عاتقه، ويضعها إذا سجد. وأم أبي العاص هالة بنت خويلد بن أسد أخت خديجة بينت خويلد لأبيها وأمها.
وليس لعلي بن أبي العاص حديث.
علي بن العباس بن أحمد بن العباس
أبو الحسن الثغري النيسابوري حدّث بدمشق.
روى عن أبي محمد الحسن بن علي بن المؤمّل بسنده إلى أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: " الدعاء مستجاب ما بين النداء والإقامة ".
стр. 6223
علي بن العباس بن عبد الله بن جندل
أبو الحسن القرشي القزويني حدّث عن أبي نصر أحمد بن محمد بن عبد الله بسنده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: " يوم تبيضّ وجوهٌ وتسودّ وجوهٌ " " فأمّا الّذين ابيضّت وجوههم " فأهل السّنة والجماعة، " وأمّا الّذين اسودّت وجوههم " فأهل البدع والأهواء.
وحدّث عن أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن الهمذاني بجرجان قال: وجدت في بعض كتب أصحابنا سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي ﵀ ينشد: الطويل
صن النّفس واحملها على ما يزينها ... تعش سالماً والقول فيك جميل
ولا تولينّ الناس إلا تجمّلاً ... نبا بك دهرٌ أو جفاك خليل
وإن ضاق رزق اليوم فاصبر إلى غدٍ ... عسى نكبات الدهر عنك تحول
فيغنى غنيّ النفس إن قلّ ماله ... ويغنى فقير النفس وهو ذليل
ولا خير في ودّ امرئ متلوّنٍ ... إذا الرّيح مالت مال حيث تميل
وما أكثر الإخوان حين تعدّهم ... ولكنّهم في النائبات قليل
علي بن عبد الله بن أحمد
ابن عبد الصمد بن هشام بن الغاز، أبو الحسن الجرشي الصيداوي حدّث عن العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي بسنده إلى ابن عمر عن النّبي ﷺ أنه قال: " من كان ذا وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في منفعةٍ، عسر أو يسرٍ أعين على إجازة السّراط يوم دحض الأقدام ".
стр. 6224
علي بن عبد الله بن أحمد
ابن أبي شعبة، أبو الحسن حدّث عن القاضي علي بن محمد بن كاس النّخعي بسنده إلى علي قال: قال رسول الله ﷺ : " طلب العلم فريضة على كل مسلم ".
وحدّث عن محمد بن أحمد بن عبيد أبي سعيد بسنده إلى ابن عمر أن النّبي ﷺ لم يكن يصلي بعد المغرب، ولا بعد الجمعة إلا في بيته.
حدّث سنة ثلاث وستين وثلاث مئة.
علي بن عبد الله بن بحر الكاتب
رجل أديب. كان يكتب للأمير لؤلؤ أمير دمشق.
قال يرثي أبا علي الحسين بن محمد بن الحسين بن النصيبي، وأنشدها أباه الشريف القاضي أبا عبد الله: الطويل
أعزيك يا فرد المكارم والفضل ... وإن كان قد عزّاك مجدك من قبلي
وما خفت أن تأسى وفضلك بارعٌ ... لأن الأسى لا يستقرّ مع الفضل
ومنك تعلمت التعزّي وإنما ... أن اليوم أملي بعض ما كنت أستملي
مضى ابنك محمود الطرائق لم يشن ... بعيبٍ ولم يأثم بقولٍ ولا فعل
رأى أنه إن عاش ساواك في العلى ... فآثر أن تبقى فريداً بلا مثل
على مثله في فضله يحسن الأسى ... ولكنكم يسليكم شرف الأصل
ونحن على الحالات نعم أنّنا ... نموت ولكن نستريح إلى الجهل
ولو فكّر الإنسان في الموت لم يكن ... مدى الدهر ملتذّاً بشربٍ ولا أكل
تسلّ احتساباً عنه تغنم ثوابه ... وإلا ففي مرّ الحوادث ما يسلي
لكم في رسول الله أحسن أسوةٍ ... فقد مات وهو المصطفى خيرة الرسل
تأسّوا به إذ كنتم أهل بيته ... فلا خلق أولى بالتأسّي من الأهل
стр. 6225
وإنّي لأدري إنكم أهل صفوةٍ ... تردّون كلّ الحادثات إلى العدل
علي بن عبد الله بن جعفر
ابن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، أبو الحسن القرشي الهاشمي كان علي بن عبد الله بن العباس، وعلي بن الحسين بن علي، وعلي بن عبد اله بن جعفر يقدمون على الوليد بن عبد الملك، فيقول الوليد للعباس ابنه: جالس عمومتك.
قال الزبير بن بكار: فولد عبد الله بن جعفر: جعفر الأكبر، به كان يكنى، انقرض، وعوناً الأكبر انقرض، قتل بالطّفّ، وكان يجد به وجداً شديداً، وحزن عليه حزناً عرف فيه، حتى أقصر بعد. والعقب من ولد عبد الله بن جعفر لعلي، ومعاوية، وإسحاق وإسماعيل بن عبد الله بن جعفر.
وعن مصعب بن عبد الله قال: حمل علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أهل أبيات من قريش زمان الوليد بن عبد الملك في السّنيات البيض وكن سنيات اشتددن على أهل المدينة، فقال مساحق بن عبد الله بن مخرمة له: الطويل
أبا حسن إني رأيتك واصلاً ... لهلكى قريشٍ حين غيّر حالها
سعيت لهم سعي الكريم ابن جعفر ... أبيك وهل من غايةٍ لا تنالها
فما أصبحت في ابني لؤيّ فقيرةٌ ... مدقعةٌ إلا وأنت ثمالها
стр. 6226
علي بن عبد الله بن الحسن بن جهضم بن سعيد
أبو الحسن الهمذاني الجبلي الصوفي بفتح الجيم والباء المخففة المعجمة بواحدة من همذان من الجبل، والهمذاني بفتح الميم والدال المعجمة.
نزيل مكة.
حدّث في ذي الحجة من سنة سبع وأربع مئة عن علي بن إبراهيم بن سلمة القطان بسنده إلى أبي سعيد الخدري قال: كنا نورثه على عهد رسول الله ﷺ يعني: الجد.
وحدث بسنده إلى أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: " مثل أمتي مثل المطر، لا يدرى أوّله خير أم آخره ".
وحدّث عن أبي عبد الله محمد بن جابان عن أبي عمرو بن علوان الرحبي قال: كنت قبل أن أصحب جنيد بن محمد، وأعاشر الفقراء لي جارية، وكنت مشغوفاً بها، وأميل إليها جداً. فلما انتزعت من جميع ما كان لي من الدنيا بعت الجارية أيضاً، وأنفقت ثمنها على الفقراء، وكان لي بيت أخلو فيه للعبادة. فبينا أنا ذات يوم أصلي خامر قلبي هوى سامره بذكر الجارية التي كانت لي، حتى تولدت مني شهوة الرجل، فنظرت إلى ثيابي التي علي، وقد اسودّ جميع ما كان علي، فأخرجت يدي فإذا قد اسودّت، ونظرت إلى رجلي وسائر بدني فإذا هو قد اسودّ، فاستترت في البيت، ولم أخرج، فدخلت عليّ أمي، ونظرت إلى وجهي وثيابي ويدي ورجلي، قد اسودّ ذلك كله عليّ فقالت: يا أبا عمرو، إيش أصابك؟! فسكتّ، فعالجوا الثياب بالصابون وألوان
стр. 6227
الغاسول، فلم تزدد إلا سواداً، ودخلت الحمام ودلّكوني بالأشنان وغير ذلك، فلم أزدد إلا سواداً، ثم انكشف عني السواد بعد ساعات من النهار بقدرة الله، ورجعت إلى لون البياض، وعادت ثيابي كما كانت بياضاً، فحمدت الله تعالى على جميل ستره، واستغفرت الله مما خامر سرّي. فلما كان بعد أيام دخل عليّ والدي، وبيده كتاب، وذكر أنه ورد علي من الجنيد بن محمد يستدعي قدومي عليه، فقال: يا بني، قم واخرج إلى حضرة أستاذك، فقد أكّد في كتابه خروجك إليه. قال: فانحدرت إلى بغداد، فساعة وافيتها قصدت الشيخ فدخلت عليه وهو يصلي، فسلمت عليه، ووقفت حتى سلّم من صلاته، فنظر إليّ شزراً، وقال بغضب: ما استحييت من الله جلّ ثناؤه كنت قائماً بين يديه، فسامرت نفسك شهوة استولت عليك برهة، فأخرجتك من بين يدي الله تعالى باللعن والطرد، ولولا أني دعوت الله تعالى لك، وتبت عنك بظهر الغيب للقيت الله وأنت بذلك الوصف، لا تفيق إلا بمودة من إذا أذنبت تاب وإذا مرضت عادك.
قال ابن جهضم:
ذكرت هذه الحكاية لبعض العلماء، فقال: هذا رفق من الله تعالى به وخيره له إذ لم يسوّد قلبه، وظهر السواد على يديه، وما من ذنب يرتكبه العبد يصرّ عليه إلا اسودّ القلب منه قبل سواد الجسم، لا يجلوه إلا التوبة النصوح، والعقوبة من الله تعالى فليست على قدر الذنب لكنها على قدر إرادة المعاقب وربما كانت في القلب، وهو إمراض القلوب، وربما كانت في الجسد، وربما تكون في الأموال والأهل والأولاد، وقد تكون مؤجلة في الآخرة. نعوذ بالله من سخطه وعقوباته، إلا أن الله جلّ ثناؤه يخوف عباده بمن يشار من عباد الأعلين، يجعلهم نكالاً للأدنين، ويخوف القوم من خلقه بالتنكيل ببعض الخصوص من عباده. حكمة له تعالى وحكم منه.
стр. 6228
علي بن عبد الله بن أبي الهيجاء بن حمدان بن حمدون
ابن الحارث بن لقمان بن راشد أبو الحسن الأمير التغلبي، والمعروف بسيف الدولة أصله من الجزيرة. قدم دمشق سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة، وملك حلب ثم توجّه منها إلى حمص، فلقيه عسكر الإخشيد محمد بن طغج بنجف أمير الشام ومصر مع غلامه كافور الإخشيدي الذي مدحه المتنبي، فكان الظفر لسيف الدولة، وجاء إلى دمشق، فنزل عليها فلم يفتحوا له، فرجع، وكان الإخشيد قد خرج من مصر إلى الشام، فالتقى هو وسيف الدولة بأرض قنّسرين، فلم يظفر أحد العسكرين بصاحبه، ورجع سيف الدولة إلى الجزيرة. فلما رجع الإخشيد إلى دمشق رجع سيف الدولة إلى حلب، ثم مات الإخشيد سنة أربع أو خمس وثلاثين وثلاث مئة، وسار كافور إلى مصر، فقصد سيف الدولة دمشق فملكها، وأقام بها، فذكر أنه كان يساير الشريف العقيقي بها فقال: ما تصلح هذه الغوطة إلا لرجل واحد، فقال له العقيقي: هي لأقوام كثير، فقال له سيف الدولة: لئن أخذتها القوانين لينبرون منها، فأعلم العقيقي أهل دمشق بهذا القول، فكاتبوا كافوراً فجاءهم، وأخرجوا سيف الدولة من دمشق سنة خمس أو ستّ وثلاثين، ووليها كافور.
ولد سيف الدولة سنة إحدى وثلاث ومئة. وقيل: سنة ثلاث وثلاث مئة.
ذكر أبو منصور الثعالبي في كتاب يتيمة الدهر فصلاً في ذكر ابن حمدان فقال: كان بنو حمدان ملوكاً وأمراء، أوجههم الصباحة، وألسنتهم الفصاحة، وأيديهم السماحة، وعقولهم الرجاحة، وسيف الدولة مشهور بسيادتهم، وواسطة قلادتهم، وكان غرة الزمان وعماد الإسلام، ومن به سداد الثغور، وسداد الأمور، وكان له وقائع في عصاة العرب، وغزوات مع طاغية الروم، وحضرته مقصد الوفود، ومطلع الجود، وقبلة الآمال، ومحطّ الرحال، وموسم الأدباء، وحلبة الشعراء. ويقال إنه ما اجتمع بباب أحد
стр. 6229
من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه، من شيوخ الشعراء، ونجوم الدهر. فإن السلطان سوق يجلب إليها ما ينفق لديها. وكان أديباً شاعراً، ومحبّاً لجيد الشعر، شديد الاهتزاز لما يمدح به.
قال أبو الحسن السلامي الشاعر:
تصدّ ودارها صدد ... وتوعده ولا تعد
وقد قتلته ظالمةً ... فلا عقلٌ ولا قود
منها في مدحه:
فوجهٌ كلّه قمرٌ ... وسائر جسمه أسد
فأعجب بها سيف الدولة، واستحسن هذا البيت منها، وجعل يردد إنشاده، فدخل عليه الشيظمي الشاعر، فقال له: اسمع هذا البيت، وأنشده إياها، فقال له الشيظمي: احمد ربك فإنه جعلك من عجائب البحر.
ومن شعر سيف الدولة في أخيه ناصر الدولة: الطويل
وهبت لك العليا وقد كنت أهلها ... وقلت لهم بيني وبين أخي فرق
وما كان بي عنها نكولٌ وإنّما ... تجاوزت عن حقي فتمّ لك الحقّ
أما كنت ترضى أن أكون مصلّياً ... إذا كنت أرضى أن يكون لك السّبق
ومما يستحسن من شعر سيف الدولة: الطويل
وساقٍ صبيحٍ للصّبوح دعوته ... فقام وفي أجفانه سنة الغمض
يطوف بكاسات العقار كأنجمٍ ... فمن بين منقضٍّ علينا ومنفضّ
وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفاً ... على الأفق دكناً والحواشي على الأرض
يطرّزها قوس السّحاب بأصفرٍ ... على أحمرٍ في أخضرٍ إثر مبيضّ
стр. 6230
كأذيال خودٍ أقبلت في غلائلٍ ... مصبّغةٍ والبعض أقصر من بعض
ومما ينسب إليه: المديد
قد جرى في دمعه دمه ... فإلى كم أنت تظلمه
ردّ عنه الطّرف منك فقد ... جرّحته منك أسهمه
كيف يسطيع التجلّد من ... خطرات الوهم تؤلمه
توفي كافور الإخشيدي وسيف الدولة أبو الحسن بن حمدان سنة ستّ وخمسين وثلاث مئة. وقيل: إنه توفي بحلب، وحمل في تابوت إلى ميّافارقين، ومات بالفالج. وقيل: مات بعسر البول.
علي بن عبد الله بن خالد
ابن يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان أبو الحسن الأموي السفياني، المعوف بأبي العميطر بويع له بالخلافة بدمشق في ولاية الأمين في ذي الحجة سنة خمس وتسعين ومئة، وغلب على دمشق مدة.
قال الهيثم بن مروان: سمعت أبا مسهر يقول: سمعت شيخاً من قريش أثق به يقول: سأل المهديّ ابن علاثة: لم رددت شهادة محمد بن إسحاق بن يسار؟ قال: لأنه كان لا يرى جمعة ولا جماعة، فسألت أبا مسهر حين خلا: من الرجل؛ فقال: أبو الحسن علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية. وكان مع المهدي في تلك السفرة، فلقيت عبد الله بن يعقوب فقال: سمعته من أبي مسهر، فسألت أصحاب محمد بن إسحاق، فقالوا: كان يروي حديث علي بن أبي طالب: لا جمعة إلا في مصر مع إمام عادل.
قال محمد بن عبد الرحمن الجرشي: كان علي بن عبد الله بن خالد، كنيته أبو الحسن، وكان يجالسنا، فكنا يوماً نتحدث إلى أن ذكرنا كنى البهائم، فقال لنا علي بن عبد الله: أي شيء كنية
стр. 6231
الحرذون؟ فقلنا: ما ندري، فقال: كنيته أبو العميطر، قال: فلقبناه بذلك، فكان يغضب، فقال لنا شيخ من القدماء: ترون هذا اللقب سيخرجه إلى أمر عظيم.
ولما خرج علي بن عبد الله بن خالد، وادعى الخلافة، وقاتل عليها وبويع له في سنة خمس وتسعين ومئة، قال يفتخر: أنا ابن العير والنفير، وأنا ابن شيخي صفين، أنا علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وأمي نفيسة بنت عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب. يعني شيخي صفين: علياً ومعاوية. وقد ولداه جميعاً.
وكان أبو العميطر يسكن المزة، وكان له دار بمدينة دمشق في رحبة البصل، وخرج يوم خرج بالمزة، ودعا لنفسه بالخلافة وهو ابن تسعين سنة. وكان الوليد بن مسلم يقول غير مرة: لو لم يبق من سنة خمس وتسعين ومئة إلا يوم واحد لخرج السفياني، فخرج أبو العميطر في هذه السنة.
قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل للهيثم بن خارجة: كيف كان مخرج السفياني بدمشق أيام ابن زبيدة بعد سليمان بن أبي جعفر؟ فوصفه بهيئة جميلة، واعتزال للشرّ قبل خروجه، ثم وصفه حين خرج بالظلم، فقال: أرادوه على الخروج مراراً فأبى، فحفر له خطاب الدمشقي المعروف بابن وجه الفلس، وأصحابه تحت بيته سرباً ثم دخّلوه في الليل، ونادوه: اخرج فقد آن لك، فقال: هذا شيطان، ثم أتوه في الليلة الثانية، فوقع في نفسه، ثم أتوه في الليلة الثالثة. فلما أصبح خرج، فقال أحمد بن حنبل: أفسدوه.
قال عبد الحميد الميموني: ولى محمد بن زبيدة سليمان بن أبي جعفر حمص ودمشق، فوثب به الخطاب ابن وجه الفلس، فخلع سليمان بن أبي جعفر، وبايع لعلي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية. قال ابن سراج: وجه الفلس هذا مولى الوليد بن عبد الملك وكان ابن الخطاب
стр. 6232
خرج بصيدا من ساحل دمشق، فضبطها ودعا لنفسه في أيام أبي العميطر فاستأمن بعد ذلك إلى عبد الله بن طاهر، فحمله عبد الله بن طاهر إلى خراسان مع مكرز بن حفص العامري، وكان قد خرج أيضاً في ساحل دمشق، فماتا بخراسان. ولما ظهر السفياني بدمشق سنة خمس وتسعين ومئة ودعا إلى نفسه وطرد عنها سليمان بن أبي جعفر بعد حصره إياه بدمشق لم يفلت منهم إلا بعد اليأس فوجّه محمد المخلوع الحسن بن علي بن عيسى بن ماهان، فلم ينفذ إليه، ولكنه لما صار إلى الرقة أقام بها.
وكان بدو أمر محمد بن صالح بن بيهس بن زميل بن عمرو بنهبيرة بن زفر بن عامر بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة أن سليمان بن أبي جعفر ولي دمشق عقيب فتنة وعصبية كانت بين قيس واليمن، وكان علي بن عبد الله أبو العميطر من ولد يزيد بن معاوية، وكان بنو أمية يروون فيه الروايات، ويذكرون أن فيه علامات السفياني، وأن أموره لا تتم له إلا بكلب، وأنهم أنصاره، فمالوا إليهم وتوددوهم، وأيقنوا أنهم لا يتم لهم أمر مع محمد بن صالح، وأن تمام أمر السفياني إنما هو بسباء نساء قيس وسفك دمائهم، وفاندسوا إلى سليمان بن أبي جعفر، فقالوا له: إن هذا الفساد في عملك بسبب هذه الزواقيل، وأن رؤساءهم وصناديدهم ومن معهم من الضّباب وهم عشيرة ابن بيهس تجنبهم، واحتالوا له حتى أخذه واحتبسوه. فلما أشغلوه أحكموا أمرهم، واجتمعوا على أي العميطر فبايعوه، وبعثوا إلى زواقيلهم، فلم يشعر سليمان بن أبي جعفر وهو في قصر الحجاج خارج دمشق حتى أحاطت به الرجّالة، فحصروه، فبعث إلى ابن بيهس، وهو محبوس معه في القصر. فقال له: ما ترى ما يصنع أهل بلدك؟ قال: هذا الذي أراد القوم بتحميلهم إياك عليّ، والآن الذي أرى أن تخرج معي إلى حوران، فأخرج بك في البرية إلى الكوفة وأنشأ أبياتاً فحمله سليمان خيراً، وقال: لا تسامعت العرب أني هربت، وقال شعراً يجيب به محمد بن صالح، ثم خرج
стр. 6233
سليمان بن أبي جعفر هارباً من دمشق، متوجهاً إلى العراق، وخرج معه ابن بيهس حتى أجازه ثنيّة العقاب، ولحقه الغوغاء والرّعاع فنهبوا مواخر عسكره، وانصرف ابن بيهس إلى حوران.
قال هارون بن محمد العقيلي كان أبو العميطر يوماً يقرأ علينا في كتاب أنه يخرج من بني أبي سفيان رجل من دمشق أضل من بعير أهله. قال: فلما خرج أبو العميطر قال له مولى لنا: أما تذكر ما حدثتنا به؟ فقال له: يا بن الخبيثة، ما أحفظك لرواية السوء! قال الطفيل بن عبيد ة بن عبد الرحمن بن عبيدة: كنا بباب هارون الرشيد بمدينة الرقة، ومعنا أبو العميطر، فقال لي: إنه سيخرج عن قريب بمدينة دمشق رجل منا، وذلك بعد موت هارون الرشيد، يزعم أنه السفياني، وهو كذاب، قال: فما مرت الأيام والليالي حتى بلغني خروج أبي العميطر، فكتبت إليه أذكّره ما كان قال لي، فكان أول شيء بدأ به أن قصد قومي.
قال أبو هشام عبد الصمد بن عبد الله: وجهني أبو قبظم محمد بن خريم إلى أبي العميطر حين ذكر أنه يريد الخروج فأتيته وهو في قرية قرحتاء، فقلت له: إن أخاك محمد بن خريم يقرئك السلام، ويقول لك: يا أبا الحسن، قد كبرت سنّك، وقد حملنا عنك علماً كثيراً، فلا تفسد نفسك، فلم يردّ عليّ جواباً، وكان في مجلسه محمد بن معيوف الكلمي، فوثب علي وقال: ارجع إلى صاحبك فقل له: علي بن عبد الله الخليفة، وقد استوسق أمره، وبايعه الناس، فادخل فيما دخلوا فيه، ودع عنك ما لا يعنيك، قال: فرجعت إلى محمد بن خريم، فأخبرته، فقال: إن لله وإنا إليه راجعون، ثم دعا غلاماً له فقال: ائتني بذلك القمطر، فأتاه بقمطر، ملئ كتباً فأخرجها ثم أمر بإحراقها، وكان كلها مما كتبه من أبي العميطر.
стр. 6234
قال أبو عامر موسى بنعامر: كان الوليد بن مسلم يحدث أن السفياني إذا خرج فصعد منبر دمشق دعا بماء، فشرب على المنبر، قال أبو عامر: فرأيت أبا العميطر على المنبر، وقد دعا بماء، فقام إليه أبو مسهر بكوب فيه ماء فشرب.
حدث شعيب مولى أبي أمية، وكان وكنيته أبو عبد الله: أن أبا سيحان شيخاً وربما قال في ولاية هشام بن عبد الملك: يا شعيب، كأنك بالرايات السود قد أقبلت، قلت: نعم، قال: وكأنك السفياني قد خرج عليهم، ثم قال لي: يا شعيب، إن رأيت خارجياً من آل أبي سفيان يدعو إلى نفسه، فلا يغرنّك ذلك، وإن رأيته قد جلس على منبر دمشق، فليس بشيء، حتى ترى الرايات الصفر من قبل المغرب، فإذا كان ذلك فهو أول مخرجه.
ولما خرج أبو العميطر بدمشق بعصب اليمانية فخرج بنفسه إلى قرية الحرجلّة، فقلت من ظفر به من بني سليم ونهبها وأحرقها، ثم جعل يطلب من بمدينة دمشق من القيسية، فكان القرشيون وأصحابه من اليمن يمرون بالدار من دور دمشق فيقولون: ريح قيسي يشمّ من هاهنا فيضرمونها بالنار.
ولما أخذ أبو العميطر المصّيصة قرية بناحية على باب دمشق دخل عليه بعض أصحابه، فقال: يا أمير المؤمنين، قد أخذنا المصيصة، فخرّ أبو العميطر ساجداً وهو يقول: الحمد لله الذي ملّكنا الثغر، توّهم أنهم قد أخذوا المصيصة التي عند طرسوس.
قال عمرو بن عبد الله النصري: دخلت على أبي العميطر، فسلمت عليه بالخلافة، فردّ علي، فقلت: يا أمير المؤمنين، حوانيت لي ورثتها من أبي أخذت من يدي، فقال: من قريش أنت؟ قلت: لا، قال: فمن مواليهم؟ قلت: لا، قال: ليس كل من قال حوانيتي يقبل منه، قال: ففزعت إلى أبي مسهر وهو يومئذ يلي القضاء فكتب له: يا أمير المؤمنين؛ بلغنا عن
стр. 6235
رسول الله ﷺ أنه قال: " لا قدست أمّة لا يقضى فيها بالحق، فيأخذ ضعيفها حقّه من قويّها، غير متعتع "، فأوصلنا إليه الكتاب، فقال: اذهبوا خذوا حوانيتكم، قال: فجئنا فكسرنا الأقفال عنها وأخذناها.
وكان الركيني يأخذ البيعة على الناس لأبي العميطر في الأسواق، وكان يدور على منازل أهل دمشق، فمن خرج إليه أخذ عليه البيعة، ومن لم يخرج قال: يا غلام، سمّر بابه، وأشمت به جاره.
قال شيبة بن الوليد: لما خرج أبو العميطر اتخذ حرساً على بابه وعلى سور مدينة دمشق، فكانوا ينادون بالليل والنهار، يا علي، يا مختار، يا من اختاره الجبّار على بني هاشم الأشرار.
قال محمد بن قادم: كان أصحاب أبي العميطر يوم ادعى الخلافة يدور في أسواق مدينة دمشق، ويقول للناس: قوموا بايعوا مهدي الله.
قال جرير بن زبر: أخذني أصحاب أبي العميطر، فأدخلوني إليه، فقالوا لي: بايع، فقلت: إني قد عاهدت الله ألا أقبض ديواناً من أيام هارون، فقال لي: ذاك ديوان أهل بيت اللعنة.
قال يحيى بن قادم: كان أصحاب أبي العميطر يدورون على الناس، ويقولون: قوموا بايعوا الرضا من آل محمد يريدون: أبا العميطر فمروا بمحمد بن الوليد العبسي الخفاف، فقالوا له: قم فبايع الرضا من آل محمد، فقال لهم: الرضا من آل محمد من بني العباس وليس من بني حرب، فضربوه، وأفلت من أيديهم، فلم يزل مختفياً حتى دخل ابن بيهس دمشق.
следующие страницы →