← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

ولكني بعثتكم لتقيموا بهم الصلاة وتقسموا فيهم فيئهم وتحكموا بينهم بالعدل فإن أشكل عليكم شيء فارفعوه إليَّ ألا ولا تضربوا العرب فتذلوها ولا تجمِّروها فتفتنوها وفي رواية لا تجلدوا العرب فتذلوها ولا تُجَمِّروها فتفتنوها وفي رواية ولا تجهلوها فتفتنوها ولا تعتلوا عليها فتحرموها حدود الله زاد في حديث آخر وجوِّدوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ وأنا شريككم انطلقوا عن أبي فراس قال شهدت عمر بن الخطاب وهو يخطب الناس فقال يا أيها الناس إنه قد أتى علي زمان وأنا أرى أن من قرأ القرآن يريد الله وما عنده فيخيل إلي أن قوما قرءوه يريدون به الناس ويريدون به الدنيا ألا فأريدوا الله بأعمالكم ألا إنا إنما كنا نعرفكم إذ ينزل الوحي وإذ النبي ﷺ بين أظهرنا وإذ ينبئنا الله من أخباركم فقد انقطع الوحي وذهب نبي الله ﷺ فإنما نعرفكم بما نقول لكم ألا من رأينا منه خيرا ظننا به خيرا وأحببناه عليه ومن رأينا منه شرا ظننا به شرا وأبغضناه عليه سرائركم بينكم وبين ربكم ألا إني إنما أبعث عمالي ليعلموكم دينكم وليعلموكم سنتكم ولا أبعثهم ليضربوا ظهوركم ولا ليأخذوا أموالكم ألا فمن رابه شيء من ذلك فليرفعه إليّ فوالذي نفس عمر بيده لأقصنَّكم منه فقال عمرو بن العاص يا أمير المؤمنين أرأيت إن بعثت عاملا من عمالك فأدّب رجلا من أهل رعيته فضربه إنك لمقصّه منه قال فقال نعم والذي نفس عمر بيده لأقصن منه ألا أقص وقد رأيت رسول الله ﷺ يقص من نفسه ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم ولا تجمروهم فتفتنوهم ولا تنزلوهم الغياض فتضيِّعوهم وكتب عمر إلى أبي عبيدة: أما بعد، فإني كتبت إليك بكتاب لم ألك ونفسي فيه خيراً، الزم خمس خصال يسلم

стр. 6442

لك دينك، ويحظى بالفضل حظك: إذا حضرك الخصمان فعليك بالبيّنات العدول، والأيمان القاطعة، ثم أدن الضعيف حتى ينبسط لسانه، ويجترئ قلبه، وتعاهد الغريب، فإنه إذا طال حبسه ترك حاجته، وانصرف إلى أهله، وإذا الذي أبطل حظه من لم يرفع به رأساً، واحرص على الصلح ما لم يتبين لك القضاء، والسلام عليك. وعن طاوس أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم، ثم أمرته بالعدل أفقضيت ما علي؟ قالوا: نعم. قال: لا، حتى أنظر في عمله، أعمل بما أمرته أم لا. وعن عرزب الكندي أن رسول الله ﷺ قال: " ستحدث بعدي أشياء، فأحبّها إلي أن تلزموا ما أحدث عمر ". وعن إسماعيل بن زياد قال: مرّ علي بن أبي طالب ﵇ على المساجد في شرخ رمضان، وفيها القناديل، فقال: نوّر الله على عمر في قبره كما نوّر علينا مساجدنا. وعن أبي وائل قال: قال عبد الله: ما رأيت عمر إلا وكأن بين عينيه ملكاً يسدّده. وعن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب قال لرجل: ما اسمك؟ قال: جمرة، قال: ابن من؟ قال: ابن شهاب، قال: ممن؟ قال: من الحرقة، قال: أين مسكنك؟ قال: بحرّة النار، قال: بأيّها؟ قال: بذات اللظى، فقال عمر بن الخطاب: أدرك أهلك فقد احترقوا. قال: فكان كما قال عمر ﵁. وعن ابن شهاب قال: كان رأي عمر كيقين غيره. وعن الحسن قال: إن كان أحد يعرف الكذب إذا حدّث به انه كذب فهو عمر بن الخطاب.

стр. 6443

وعن طارق بن شهاب قال: إن كان الرجل ليحدث عمر بالحديث فيكذب الكذبة فيقول: احبس هذه. فيقول له: كل ما حدثتك به حق إلا ما أمرتني أن أحبسه. وعن عامر قال: كان علماء هذه الأمة بعد نبيّها ستة نفر: عمر، وعبد الله، وزيد بن ثابت فإذا قال عمر قولاً، وقال هذان كان قولهما لقوله تبعاً وعلي، وأبيّ بن كعب، وأبو موسى الأشعري، فإذا قال علي قولاً، وقال هذان قولاً كان قولهما لقوله تبعاً. وعن عبد الله بن مسعود قال: لو وضع علم الناس في كفة ميزان، وعلم عمر في كفة لرجح علم عمر بعلم الناس. فحدثت به إبراهيم فقال: قد قال عبد الله أجود من ذلك: إني لأحسب عمر حين مات قد ذهب بتسعة أعشار علم الناس. وفي حديث بمعناه قال سليمان: ليس هو هذا ولكنه العلم بالله . وعن عبد الله بن مسعود قال: لا يأتي عليكم عام إلا شر من العام الذي مضى، قالوا: أليس يكون العام أخصب من العام؟ قال: ليس ذلك أعني، إنما أعني ذهاب العلماء. ثم قال: وأظن عمر بن الخطاب يوم أصيب ذهب معه ثلث العلم. وعن عمرو بن ميمون قال: ذهب عمر بثلثي العلم. قال: فذكر لإبراهيم فقال: ذهب عمر بتسعة أعشار العلم. وعن حذيفة قال: إنما بقي للناس ثلاثة من قد علم ناسخ القرآن من منسوخه. قيل: من هو؟ قال: عمر بن الخطاب، أو رجل لا يجد من ذلك بداً، أو أحمق متكلف. قال محمد: ما أنا بواحد منهما، وأرجو ألا أكون الثالث.

стр. 6444

وعن قبيصة بن جابر قال: ما رأيت أحداً أرأف برعيته ولا خيراً من أبي بكر الصديق ﵁، ولم أر أحداً أقرأ لكتاب الله، ولا أفقه في دين الله، ولا أقوم بحدود الله، ولا أهيب في صدور الرجال من عمر بن الخطاب ﵁، ولا رأيت أحداً أشد حياء من عثمان بن عفان ﵁. وعن ابن عمر قال: تعلم عمر بن الخطاب البقرة في اثنتي عشرة سنة. فلما تعلمها نحر جزوراً. سمع ابن عمر سائلاً يقول: أين الزاهدون في الدنيا والراغبون في الآخرة؟ فأخذ بيده، وانطلق به إلى قبر رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فقال: سألت عن هؤلاء، فهم هؤلاء. وعن طلحة بن عبيد الله قال: ما كان عمر بن الخطاب بأولنا إسلاماً، ولا أقدمنا هجرة، ولكنه كان أزهدنا في الدنيا، أرغبنا في الآخرة. وعن معاوية قال: أما أبو بكر فلم يرد الدنيا ولم ترده، وأما عمر فأرادته ولم يردها، وأما عثمان فأصاب منها، وأصابت منه، وعالجها وعالجته، وأما نحن فتمرّغنا فيها ظهراً لبطن، فالله أعلم إلام نصير. وعن المسوّر بن مخرمة قال: كنا نلزم عمر بن الخطاب نتعلم منه الورع. قالت الشفاء بنت عبد الله ورأت فتياناً يقصدون في المشي، ويتكلمون رويداً فقالت: ما هذا؟ فقالوا: نسّاك، فقالت: كان والله عمر إذا تكلم سمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع، وهو الناسك حقاً. وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال لعمر: يا أمير المؤمنين، إن يسرّك أن تلحق بصاحبيك فأقصر الأمل، وكل دون الشبع،

стр. 6445

وانكس الإزار، وارفع القميص، واخصف النعل تلحق بهم. قال الأحنف بن قيس: ما كذبت قط إلا مرة، قالوا: وكيف يا أبا بحر؟ قال: وفدنا إلى عمر بفتح عظيم. فلما دنونا من المدينة قال بعضنا لبعض: لو ألقينا ثياب سفرنا ولبسنا ثياب صبوتنا، فدخلنا على أمير المؤمنين والمسلمين في هيئة حسنة كان أمثل. فلبسنا ثياب صبوتنا حتى إذا طعنا في أوائل المدينة لقينا رجل فقال: انظروا إلى هؤلاء أصحاب دنيا ورب الكعبة، قال: فكنت رجلاً ينفعني رأيي، فعلمت أن ذلك ليس بموافق للقوم، فعدلت، فلبستها، وأدخلت ثياب صبوتي العيبة، وأشرجتها، وأغفلت طرف الرداء، ثم ركبت راحلتي فلحقت أصحابي. فلما دفعنا إلى عمر نبت عيناه عنهم، ووقعت عيناه علي، فأشار إلي بيده، فقال: أين أبدلتم؟ قلت: في مكان كذا وكذا، فقال: أرني يدك، فقام معنا إلى مناخ ركابنا، فجعل يتخللها ببصره، ثم قال: ألا اتقيتم الله في ركابكم هذه؟ أما علمتم أن لها عليكم حقاً؟ ألا تقصّدتم بها في المسير؟ ألا حللتم عنها، فأكلت من نبت الأرض؟ فقلنا: يا أمير المؤمنين، إنا قدمنا بفتح عظيم، فأحببنا أن نسرع إلى أمير المؤمنين وإلى المسلمين بما يسرّهم، فحانت منه التفاتة، فرأى عيبتي، فقال: لمن هذه العيبة؟ قلت: لي يا أمير المؤمنين، قال: فما هذا الثوب؟ قلت: ردائي، قال: بكم ابتعته؟ فألغيت ثلثي ثمنه، فقال: إن رداءك هذا لحسن لولا كثرة ثمنه، ثم انصفق راجعاً ونحن معه، فلقيه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، انطلق معي فأعدني على فلان، فإنه قد ظلمني، فرفع الدرة، فخفق بها رأسه، فقال: تدعون أمير المؤمنين وهو معرض لكم، حتى شغل في أمر من أمر المسلمين أتيتموه: أعدني، أعدني؟ قال: فانصرف الرجل، وهو متذمر. قال: علي الرجل، فألقى إليه المخفقة، فقال: امتثل، فقال: لا والله، ولكن أدعها لله ولك. قال: ليس هكذا، إما أن تدعها لله إرادة ما عنده، أو تدعها لي، فاعلم ذلك، قال: أدعها لله، قال: فانصرف، ثم جاء فمشى حتى دخل منزله ونحن معه،

стр. 6446

فافتتح الصلاة، فصلى ركعتين وجلس، فقال: يا بن الخطاب، كنت وضيعاً فرفعك الله، وكنت ضالاً فهداك الله، وكنت ذليلاً فأعزك الله، ثم حملك على رقاب المسلمين، فجاءك رجل يستعديك، فضربته، ما تقول لربك غداً إذا أتيته؟ فجعل يعاتب نفسه في ذلك معاتبة ظننا أنه من خير أهل الأرض. قال الحسن البصري: أتيت مجلساً في مسجدنا يعني جامع البصرة فإذا أنا بنفر من أصحاب رسول الله ﷺ يتذاكرون زهد أبي بكر وعمر ﵄، وما فتح الله عليهما من الإسلام، وحسن سيرتهما، فدنوت من القوم فإذا فيهم الأحنف بن قيس التميمي، فسمعته يقول: أخرجنا عمر بن الخطاب في سريّة إلى العراق، ففتح الله علينا العراق وبلد فارس، فأصبنا فيها من بياض فارس وخراسان فحملناه معنا، واكتسبنا منه. فلما قدمنا على عمر أعرض عنا بوجهه، وجعل لا يكلمنا فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فأتينا ابنه عبد الله بن عمر، وهو جالس في المسجد، فشكونا إليه ما نزل بنا من الجفاء من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فقال عبد الله: إن أمير المؤمنين رأى عليكم لباساً لم ير رسول الله ﷺ يلبسه، ولا الخليفة من بعده أبو بكر الصديق، فأتينا منازلنا، فنزعنا ما كان علينا، وأتيناه في البزّة التي كان يعهدنا فيها، فسلم علينا، على رجل رجل، ويعانقه حتى كأنه لم يرنا قبل ذلك، فقدمنا إليه الغنائم، فقسمها بيننا بالسوية، فعرض عليه في الغنائم سلال من أنواع الخبيص من أصفر وأحمر، فذاقه عمر فوجده طيب الطعم، طيب الريح، فأقبل علينا بوجهه وقال: والله. يا معشر المهاجرين والأنصار ليقبّلن منكم الابن أباه والأخ أخاه على هذا الطعام، ثم أمر به، فحمل إلى أولاد من قتلوا بين يدي رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، ثم إن عمر قام منصرفاً فمشى وراءه أصحاب رسول الله ﷺ في إثره، فقال: ما ترون يا معشر المهاجرين والأنصار، إلى زهد هذا الرجل، وإلى حلته؟ لقد تقاصرت إلينا أنفسنا، قد فتح الله على يديه ديار كسرى وقيصر، وطرفي المشرق والمغرب، ووفود العرب والعجم يأتونه، فيرون عليه هذه الجبة قد رقعها اثنتي عشرة رقعة، فلو سألتم معاشر أصحاب محمد ﷺ وأنتم الكبراء من أهل المواقف والمشاهد مع رسول الله ﷺ ، والسابقين من المهاجرين

стр. 6447

والأنصار أن يغير هذه الجبة بثوب ليّن يهاب فيه منظره ويغدى عليه جفنة من الطعام ويراح عليه جفنة يأكل ومن حضره من المهاجرين والأنصار، فقال القوم بأجمعهم: ليس لهذا القول إلا علي بن أبي طالب، فإنه أجرأ الناس عليه وصهره على ابنتيه، أو ابنته حفصة، فإنها زوجة رسول الله ﷺ وهو موجب لها لموضعها من رسول الله ﷺ ، فكلموا علياً فقال علي: لست بفاعل ذلك، ولكن عليكم بأزواج رسول الله ﷺ فإنهن أمهات المؤمنين يجترئن عليه. قال الأحنف بن قيس: فسألوا عائشة وحفصة، وكانتا مجتمعتين، فقالت عائشة: إني سائل أمير المؤمنين ذلك، وقالت حفصة: ما أراه يفعل، وسيتبين لك ذلك، فدخلتا على أمير المؤمنين، فقربهما، وأدناهما، فقالت عائشة: يا أمير المؤمنين، أتاذن أكلمك؟ قال: تكلمي يا أم المؤمنين، قالت: إن رسول الله ﷺ مضى لسبيله، إلى جنته ورضوانه، لم يرد الدنيا ولم ترده، كذلك مضى أبو بكر على إثره لسبيله بعد إحياء سنن رسول الله ﷺ ، وقتل الكذابين، وأدحض حجة المبطلين، بعد عدله في الرعية، وقسمه بالسوية، وإرضاء ربّ البرية، فقبضه الله إلى رحمته ورضوانه، وألحقه بنبيه ﷺ بالرفيع الأعلى، لم يرد الدنيا ولم ترده، وقد فتح الله على يديك كنوز كسرى وقيصر وديارهما، وحمل إليك أموالهما، ودانت لك طرفا المشرق والمغرب، ونرجو من الله المزيد، وفي الإسلام التأييد، ورسل العجم يأتونك، ووفود العرب يردون عليك، وعليك هذه الجبة قد رقعتها اثنتي عشرة رقعة، فلو غيرتها بثوب لين يهاب فيه منظرك، ويغدى عليك بجفنة من الطعام، ويراح عليك بجفنة تأكل أنت ومن حضرك من المهاجرين والأنصار، فبكى عمر عند ذلك بكاء شديداً، ثم قال: سألتك بالله: هل تعلمين رسول الله ﷺ شبع من خبز برّ عشرة أيام، أو خمسة، أو ثلاثة، أو جمع بين عشاء وغداء حتى لحق بالله؟ فقالتا: لا، فأقبل على عائشة فقال: هل تعلمين أن رسول الله ﷺ قرب إليه طعام على مائدة في ارتفاع شبر من الأرض، كان يأمر بالطعام فيوضع على الأرض، ويأمر بالمائدة فترفع؟ قالتا: اللهم، نعم، فقال لهما: أنتما زوجتا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم

стр. 6448

وأمهات المؤمنين، ولكما على المؤمنين حقّ، وعليّ خاصةً، ولكن أتيتما ترغّباني في الدنيا، وإني لأعلم أن رسول الله ﷺ لبس جبة من الصوف، فربما حك جلده من خشونتها، أتعلمان ذلك؟ قالتا: اللهم، نعم، فقال: هل تعلمين أن رسول الله ﷺ كان يرقد على عباءة على طاقة واحدة، وكان مسجّى في بيتك يا عائشة يكون بالنهار بساطاً، وبالليل فراشاً، فندخل عليه فنرى أثر الحصير في جنبه، ألا يا حفصة، أنت حدثتني أنك اسى له ذات ليلة، فوجد لينها، فرقد عليها، فلم يستيقظ إلا بأذان بلال، فقال لك: يا حفصة، " اسى المهاد ليلتي حتى ذهب بي النوم إلى الصباح، ما لي وللدنيا، وما للدنيا وما لي؟ شغلتموني بلين الفراش، يا حفصة، أما تعلمين أن رسول الله ﷺ كان مغفوراً له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. أمسى جائعاً، ورقد ساجداً، ولم يزل راكعاً وساجداً، وباكياً، ومتضرعاً في آناء الليل والنهار إلى أن قبضه الله إلى رحمته ورضوانه. لا أكل عمر طيباً، ولا لبس ليناً، فله أسوة بصاحبيه، ولا جمع بين أدمين إلا الملح والزيت، ولا أكل لحماً إلا في كل شهر، حتى ينقضي ما انقضى من القوم. فخرجتا فخبرتا بذلك أصحاب رسول الله ﷺ ، فلم يزل بذلك حتى لحق بالله . وعن ثابت: أن عمر استسقى، فأتي بإناء من عسل، فوضعه على كفه. قال: فجعل يقول: أشربها فتذهب حلاوتها، وتبقى نقمتها. قالها ثلاثاً، ثم دفعه إلى رجل من القوم فشربه. وعن عتبة بن فرقد السلمي قال: وفدت إلى عمر بن الخطاب من العراق، فقلت: يا أمير المؤمنين، أهديت لك هدية أحب أن تقبلها، فدعا بها، فأتيته بها، فأمرني ففتحت سلة من خبيص، فأكل منه، فأعجبته فقال: عزمت عليك إلا رزقت الجند من هذا سلة سلة، أو سلتين، فقلت: إن

стр. 6449

النفقة تكثر فيه، فقال: اقبض عني سلالك فلا حاجة لي فيما لا يسع العامة، ثم أتي بقصعة من ثريد ولحم، فأكل وأكلت، ثم جعلت أهوي إلى القصعة أراها شحماً، فألوكها ساعة فأجدها عصباً، وعمر يأكل أكلاً شهياً، ثم أتي بعسّ من نبيذ، فشرب وسقاني، ثم قال: إننا ننحر كل يوم جزوراً، فيكون بطنها وأطايبها من غشيها من المسلمين وأهل الفاقة، ويكون العنق لأهل عمر، ثم نشرب عليه من هذا النبيذ فيقطعه في بطوننا. وفي حديث آخر عن ابن فرقد أنه لما أتاه بالخبيص جعل يخرج من الخبيص ألواناً: أصفر وأحمر وأخضر، فطفق عمر ينظر إليه ويقول: بخٍ بخٍ ما أحسن هذا! فقال: اردده في جونته التي أخرجته منها، ثم ارجع من حيث جئت. قال ابن فرقد: ما يمنعك يا أمير المؤمنين أن تأكل؟ فقال عمر: إني آكل مما يأكل الناس، وألبس مما يلبس الناس، وأستبقي دنياي لآخرتي. قال الحسن قدم على عمر أمير المؤمنين وفد من أهل البصرة مع أبي موسى الأشعري. قال: فكنا ندخل عليه، وله كل يوم خبز ثلاث فربما وافقناه مأدوماً بسمن، وأحياناً بزيت، وأحياناً باللبن. وربما وافقنا القدائد اليابسة قد دقت ثم أغلي بماء، وربما وافقنا اللحم الغريض، وهو قليل، فقال لنا يوماً: إني أرى تعزيركم وكراهيتكم طعامي، ولو شئت صلائق وصناب والصّلاء: الشّواء. والصّناب: الخردل. الصّلائق: الخبز الرقاق ولكني سمعت الله عيّر قوماً بأمرٍ فعلوه، فقال: " أذهبتم طيّباتكم في حياتكم الدّنيا واستمتعتم بها ".

стр. 6450

قال: فكلمنا أبو موسى الأشعري، فقال: لو كلمتم أمير المؤمنين، ففرض لكم من بيت المال طعاماً تأكلونه. قال: فكلمناه فقال: يا معشر الأمراء، أما ترضون لأنفسكم ما أرضى لنفسي؟ فقلنا: يا أمير المؤمنين، إن المدينة أرضٌ العيش فيها شديد، ولا نرى طعامك يعشّي، ولا يؤكل، وإنا بأرض ذات ريف، وإن أميرنا يعشّي، وإن طعامه يؤكل، فنكس عمر ساعة ثم رفع رأسه فقال: قد فرضت لكم من بيت المال شاتين وجريبين، فإذا كان بالغداة فضع إحدى الشاتين على أحد الجريبين فكل أنت وأصحابك، ثم ادع بشراب فاشرب يعني الشراب الحلال، ثم اسق الذي عن يمينك، ثم الذي يليه. ثم قم لحاجتك، فإذا كان بالعشي فضع الشاة الغابرة على الجريب الغابر فكل أنت وأصحابك، ثم ادع بشراب، فاشرب يعني الشراب الحلال ثم اسق الذي عن يمينك ثم الذي يليه، ثم قم لحاجتك. فإن كان بالعشي فضع الشاة الغابرة على الجريب الغابر فكل أنت وأصحابك ألا وأشبعوا الناس في بيوتهم، وأطعموا عيالهم، فإنّ تحفينكم للناس لا يحسّن أخلاقهم، ولا يشبع جائعهم، ووالله مع ذلك ما أظن رستاقاً يؤخذ منه كل يوم شاتان وجريبان إلا يسرع ذلك في خرابه. وعن الربيع بن زياد أنه وفد على عمر بن الخطاب فأعجبه هيئته، فشكا عمر وجعاً به من طعام غليظ يأكله، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن أحق الناس بمطعم طيب، وملبس لين، ومركب وطيء لأنت، وكان متكئاً وبيده جريدة نخل، فاستوى جالساً، فضرب به رأس الربيع بن زياد وقال: ما أردت بهذا إلا مقاربتي، وإن كنت لأحسب فيك خيراً. ألا أخبرك بمثلي ومثل هؤلاء؟ إنما مثلنا كمثل قوم سافروا، فدفعوا نفقتهم إلى رجل منهم فقالوا: أنفق علينا، فهل له أن يستأثر عليهم بشيء؟ قال: لا. كان عمر بن الخطاب يقول: والله ما نعبأ بلذاذة العيش بأن نأمر بصغار المعزى فتسمط لنا، ونأمر بلباب الحنطة فتخبز لنا، ونأمر بالزبيب، فينبذ لنا، حتى إذا صار

стр. 6451

مثل عين اليعقوب أكلنا هذا، وشربنا هذا، ولكن نريد أن نستبقي طيباتنا، لأنا سمعنا الله تعالى يذكر قوماً فقال: " أذهبتم طيّباتكم في حياتكم الدّنيا واستمتعتم بها ". دخل عمر على عاصم بن عمر وهو يأكل لحماً فقال: ما هذا؟ قال: قرمنا إليه، فقال: أو كلّما قرمت إلى شيء أكلته؟ كفى بالمرء سرفاً أن يأكل كلّ ما اشتهى. وعن أبي نافع قال: قال لي أبو أحمد بن جحش ليلة بعد المغرب: أي بني، اذهب بي إلى عمر بن الخطاب فعرفت أنه يريد العشاء، فذهبت به، فاستأذن على عمر، فأذن له، فأجلسه عند رأسه، وجلست خلفهما، فدعا صاحب طعامه، فقال: أتبغي لأبي أحمد شيئاً يتعشى؟ فقال: لا والله، ما عندي شيء، قال: ولو رغيفين، فقال بأصبعه: لا والله، ولا رغيف، قال: فالشاة التي ذبحتم اليوم، بقي عندكم منها شيء؟ قال: لا، لقد أكلتموها، قال: فرأسها، ما فعل؟ قال: قد أكلوه. قال: فالجمجمة؟ قال: هو ذيك مطروحة. قال: فائتني بها، فأتي بالجمجمة قد أكل لحمها، وعلى اليافوخ جلدة يابسة سوداء، قال: فجعل عمر يقشرها، فيناولها، فيلوكها، وهو شيخ كبير، ثم التفت إلي فقال: يا بني، إذا أردت أن تأتينا بمولاك فائتنا به قبل أن نتعشى، فإنا إذا تعشينا لم يكن عندنا شيء. قال عمر بن الخطاب يوماً: لقد خطر على قلبي شهوة الحيتان الطري، قال: فيرتحل يرفا راحلة له. فسار ليلتين إلى الجار مدبراً وليلتين مقبلاً، واشترى مكتلاً، فجاءه به. قال: ويعمد يرفا إلى الراحلة، فغسلها، فأتى عمر وقال: انطلق حتى أنظر إلى الراحلة، فنظر ثم قال:

стр. 6452

نسيت أن تغسل هذا العرق الذي تحت أذنها، عذّبت بهيمة من البهائم في شهوة عمر، لا والله لا يذوق عمر مكتلك. وعن البراء بن معرور أن عمر خرج يوماً، وكان قد اشتكى شكوى، فنعت له العسل، وفي بيت المال عكّة، فقال: إن أذنتم لي فيها أخذتها، وإلا فإنها علي حرام، فأذنوا له فيها. قال أبو حازم: دخل عمر على حفصة ابنته، فقدمت إليه مرقداً بارداً وخبزاً، وصبت في المرق زيتاً، فقال: أدمان في إناء واحد؟ لا أذوق حتى ألقى الله. وعن عمر أنه قال: لا أحد يحل لي أن آكل من مالكم هذا إلا كما كنت آكل من صلب مالي: الخبز والزيت والسمن. قال: فكان ربما أتي بالحفنة قد صنعت بزيت فيعتذر إلى القوم، فيقول: إني رجل عربي، ولست أستمرئ هذا الزيت. وعن ابن عمر قال: دخل علين عمر وهو على مائدة، فأوسع له عن صدر المجلس، فقال: بسم الله ثم ضرب بيده، فلقم لقمة، ثم ثنى بأخرى ثم قال: إني لأجد طعم دسم، ما هو بدسم اللحم، فقال عبد الله: يا أمير المؤمنين، إني خرجت إلى السوق أطلب السمين لأشتريه، فوجدته غالياً، فاشتريت بدرهم من المهزول، وحملت عليه بدرهم سمناً، وأردت أن يزاد عيالي عظماً عظماً، فقال عمر: ما اجتمعا عند رسول الله ﷺ إلا أكل أحدهما وتصدق بالآخر، فقال عبد الله: عد يا أمير المؤمنين فلن يجتمعا عندي أبداً إلا فعلت ذلك. قال: ما كنت لأفعل. قال الأحنف بن قيس: كنا نأكل عند عمر يوماً بلحم غريض، ويوماً بزيت، ويوماً بقديد.

стр. 6453

قال قتادة: كان عمر بن الخطاب يلبس وهو أمير المؤمنين جبة من صوف، مرقوعة بعضها بأدم، ويطوف في الأسواق، ومعه الدرة يؤدب الناس بها، ويمر بالنّكث والنوى فيلتقطه ويلقيه في منازل الناس لينتفعوا بذلك. وعن أنس قال: رأيت بين كتفين عمر أربع رقاع في قميص له. وعن زيد بن وهب قال: رأيت بين كتفي عمر أربع عشرة رقعة بعضها من أدم. وعن الحسن أن عمر بن الخطاب خطب بالناس وهو خليفة وعليه إزار فيه ثنتا عشرة رقعة. وفي آخر: بعضها من أدم. وعن ابن عباس قال: رأيت عمر بن الخطاب يطوف بالبيت، وإزاره مرقوع بأدم. وقال أبو عثمان: رأيت عمر بن الخطاب يرمي الجمرة، وعليه إزار مرقوع بقطعة جراب. وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: خرجت مع عمر بن الخطاب حاجاً من المدينة إلى مكة إلى أن رجعنا فما ضرب فيه فسطاطاً، ولا خباء، كان يلقي الكساء والنطع على الشجرة، ويستظل تحته. وعن أبي الغادية الشامي قال: قدم عمر بن الخطاب الجابية على جمل أورق، تلوح صلعته بالشمس، ليس عليه

стр. 6454

قلنسوة ولا عمامة، قد طبّق رجليه بين شعبتي رحله، بلا ركاب، وطاؤه كساء أنبجاني من صوف، هو وطاؤه إذا ركب، وفراشه إذا نزل، حقيبته محشوة ليفاً، وهي حقيبته إذا ركب، ووسادته إذا نزل، عليه قميص من كرابيس قد دسم، وتخرق جيبه، فقال: ادعوا لي رأس القرية، فدعوا له فقال: اغسلوا قميصي وخيطوه، وأعيروني قميصاً أو ثوباً، فأتي بقميص كتان، فقال: ما هذا؟ قالوا: كتان، قال: وما الكتان؟ فأخبروه، فنزع قميصه، فغسل، ورقع، ولبسه فقال له رأس القرية: أنت ملك العرب، وهذه بلاد لا تصلح بها الإبل، فأتي ببرذون، فطرح عليه قطيفة بلا سرج ولا رحل فركبه. فلما سار هنيهة قال: احبسوا، احبسوا، ما كنت أظن الناس يركبون الشيطان، هاتوا جملي، فأتي بجمله فركبه. قال علقمة بن عبد الله المري: أتي عمر بن الخطاب برذون، فقال: ما هذا؟ فقيل له: يا أمير المؤمنين، هذه دابة لها وطاة ولها هبّة، ولها جمال تركبه العجم، فقام فركبه. فلما سار هزّ منكبيه فقال: قبح الله هذا، بئس الدابة هذا، فنزل عنه. قال مجاهد: أنفق عمر بن الخطاب في حجة حجها ثمانين درهماً من المدينة إلى مكة، ومن مكة إلى المدينة، ثم جعل يتلهف، ويضرب بيده على الأخرى، ويقول: ما أخلقنا أن نكون قد أسرفنا من مال الله تعالى. دخل عبد الرحمن على أم سلمة ﵂ فقالت: سمعت النبي ﷺ يقول: إن من أصحابي لمن لا يراني بعد أن أموت أبداً، فخرج عبد الرحمن من عندها مذعوراً حتى

стр. 6455

دخل على عمر فقال له: اسمع ما تقول أمك، فقام عمر حتى دخل عليها، فسألها ثم قال: أنشدك الله، أمنهم أنا؟ قالت: لا، ولن أبرئ بعدك أحداً. وعن عبد الله بن عيسى قال: كان في خد عمر بن الخطاب خيطان أسودان من البكاء. وعن جعفر بن زيد أن عمر خرج يعسّ بالمدينة ليلة، ومعه غلام له، وعبد الرحمن بن عوف، فمر بدار رجل من المسلمين، فوافقه وهو قائم يصلي، فوقف يسمع لقراءته، فقرأ: " والطّور " حتى بلغ " إنّ عذاب ربّك لواقعٌ ما له من دافعٍ " فقال عمر: قسم وربّ الكعبة حق، امض لحاجتك، فاستسند إلى حائط، فمكث ملياً، فقال له عبد الرحمن: امض لحاجتك، فقال: ما أنا بفاعل الليلة إذ سمعت ما سمعت. قال: فرجع إلى منزله فمرض شهراً، يعوده الناس لا يدرون ما مرضه. وعن الحسن قال: كان عمر بن الخطاب يمرّ بالآية من ورده بالليل، فيسقط، حتى يعاد منها أياماً كثيرة، كما يعاد المريض. وعن عمر بن الخطاب أنه قال: من خاف الله لم يشف غيظه، ومن اتقى الله لم يصنع ما يريد، ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون. وعن ابن عمر قال: ما رأيت عمر غضب قط فذكر الله عنده أو خوّف أو قرأ عنده إنسان آية من القرآن إلا وقف عما كان يريد. وعن أبي مسلم الأزدي أنه صلى مع عمر بن الخطاب أو حدثه من صلى مع عمر المغرب فمشى بها، أو

стр. 6456

شغله بعض الأمر حتى طلع نجمان. فلما فرغ من صلاته تلك أعتق رقبتين. وعن ابن عباس قال: كان الحر بن قيس بن حصن من القراء الذين يدنيهم عمر وكان القراء أهل مجلس عمر شباباً كانوا أو شيوخاً فقدم عيينة بن حصن فقال للحر بن قيس: يا بن أخي، ألك وجه عند هذا الأمير فتستأذن لي عليه؟ فقال: سأستأذن لك عليه، فاستأذن له عمر. فلما دخل عليه قال: والله يا عمر ما تعطينا لاجزل، ولا تحكم فينا بالعدل، قال: فغضب عمر حتى همّ أن يقع به، فقال الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى يقول: " وأعرض عن الجاهلين " وإن هذا من الجاهلين. قال: فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله تعالى. قال مزيدة بن قعنب الرهاوي: كنا عند عمر بن الخطاب إذ جاءه قوم، فقالوا له: إن لنا إماماً يصلي بنا العصر، فإذا صلى صلاته تغنى بأبيات، فقال عمر: قوموا بنا إليه، فاستخرجه عمر من منزله فقال: إنه بلغني أنك تقول أبياتاً إذا قضيت صلاتك، فأنشدنيها، فإن كانت حسنة قتلها معك، وإن كانت قبيحة نهيتك عنها، فقال الرجل: الرمل وفؤادي كلما نبّهته ... عاد في اللذات يبغي تعبي لا أراه الدهر إلا لاهياً ... في تماديه فقد برّح بي يا قرين السّوء ما هذا الصّبا ... فني العمر كذا باللعب وشباب بان مني فمضى ... قبل أن أقضي منه أربي ما أرجيّ بعده إلا الفنا ... ضيّق الشيب عليّ مطلبي نفس لا كنت ولا كان الهوى ... اتقي المولى وخافي وارهبي فقال عمر: نعم نفس لا كنت ولا كان الهوى وهو يبكي ويقول: اتقي الله وخافي وارهبي. ثم قال عمر: من كان منكم متغنياً فليغن هكذا.

стр. 6457

قال طارق: قلت لابن عباس: أي رجل كان عمر؟ قال: كان كالطير الحذر الذي كأن له بكل طريق شركاً. قال عبد الله بن عامر بن ربيعة. رأيت عمر بن الخطاب أخذ نبتة من الأرض فقال: يا ليتني هذه النبتة، ليتني لم أك شيئاً، ليت أمي لم تلدني، ليتني كنت نسياً منسيّاً. حدث نجدة مولى عمر بن الخطاب عن عمر أنه كان في سوق المدينة يوماً، فأخذ شق تمرة، فمسحها من التراب، ثم مرّ أسود عليه قربة، فمشى إليه عمر، وقال: اطرح هذه في فيك، فقال له أبو ذر، ما هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: هذه أثقل أو ذرّة؟ قال: لا، بل هذه أثقل من ذرّة. قال: فهل فهمت ما أنزل الله في سورة النساء؟: " إنّ الله لا يظلم مثقال ذرّةٍ وإن تك حسنةٌ يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً ". كان بدو الأمر مثقال ذرّة، وكان عاقبته أجراً عظيماً. وعن مالك بن مغول أنه بلغه أن عمر بن الخطاب قال: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، فإنه أهون لحسابكم، وزنوا أنفسكم قبل ان توزنوا، وتجهزوا للعرض الأكبر " يومئذٍ تعرضون لا تخفى منكم خافيةٌ ". وعن يحيى بن جعدة قال: قال عمر بن الخطاب: لولا أن أسير في سبيل الله أو أضع جبيني في التراب، أو أجالس قوماً يلتقطون طيب القول كما يلتقط طيب التمر لأحببت أن أكون قد لحقت بالله . نادى عمر بن الخطاب بالصلاة جامعة. فلما اجتمع الناس وكبّروا صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على نبيّه ﷺ ثم قال: أيها الناس، لقد رأيتني أرعى

стр. 6458

على خالات لي من بني مخزوم، فيقبّضن لي القبضة من التمر أو الزبيب، فأظل يومي وأي يوم، ثم نزل، فقال له عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين، ما زدت على أن قميت نفسك يعني: عبت فقال: ويحك يا بن عوف إني خلوت، فحدثتني نفسي قالت: أنت أمير المؤمنين، فمن ذا أفضل منك، فأردت أن أعرّفها نفسها. قال عبد الرحمن بن حاطب: كنت مع عمر بن الخطاب بضجنان فقال: كنت أرعى للخطاب بهذا المكان، فكان فظاً غليظاً، فكنت أرعى أحياناً، وأحتطب أحياناً، فأصبحت أضرب الناس، ليس فوقي أحد إلا الله ربّ العالمين، ثم قال: البسيط لا شيء مما ترى يبقى بشاشته ... يبقى الإله ويفنى المال والولد زاد في آخر: لم تغن عن هرمز يوماً خزائنه ... والخلد قد حاولت عادٌ فما خلدوا ولا سليمان إذ تجري الرياح له ... والإنس والجنّ فيما بينها برد أين الملوك التي كانت نواهلها ... من كلّ أوبٍ إليها راكبٌ يفد حوضاً هنالك موروداً بلا كذبٍ ... لابدّ من ورده يوماً كما وردوا قال جراد بن نشيط: كنت عند عمر بن الخطاب، فأتاه رجل مسمّن مخصب في العيش، فقال: يا أمير المؤمنين، هلكت وهلك عيالي زاد في رواية: فجعل عمر يصعّد فيه البصر ويصوبه ثم قال: يجيء أحدهم ينثّ كأنه حميت يقول: هلكت وهلك عيالي ثم قرب عمر يحدث عن نفسه، فقال: لقد رأيتني وأختاً لي نرعى على أبوينا ناضحاً لهم، قد ألبستنا أمنا

стр. 6459

نقيبة لنا، وزودتنا من الهبيد نمتر منها، فنخرج بناضحنا، فإذا طلعت الشمس ألقيت النقيبة إلى أختي، وخرجت أسعى عرياناً، فترجع أمنا وقد جعلت لنا لفيتة من ذلك الهبيد فما خضناه. قال: ثم قال: أعطوه ربعة من نعم الصدقة، قال: فخرجت يتبعها ظئران لها، قال: فما حسدت أحداً ما حسدت ذلك الرجل ذلك اليوم. وعن عبيد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب حمل قربة على عنقه فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين، ما حملك على هذا؟ قال: إن نفسي أعجبتني فأردت أن أذلّها. قال الحسن: خرج عمر بن الخطاب في يوم حار واضعاً رداءه على رأسه، فمرّ به غلام على حمار، فقال: يا غلام، احملني معك، قال: فوثب الغلام عن الحمار، وقال: اركب يا أمير الؤمنين، فقال: لا، وأركب أنا خلفك، تريد أن تحملني على المكان الوطيء، وتركب أنت على الموضع الخشن؟ ولكن اركب أنت على المكان الوطيء، وأركب أنا خلفك على المكان الخشن. فركب خلف الغلام، ودخل المدينة وهو خلفه والناس ينظرون إليهما. وعن أنس بن مالك أن الهرمزان رأى عمر بن الخطاب نائماً في المسجد بالمدينة، فقال: هذا والله هو الملك الهنيء.

стр. 6460

وعن عامر قال: إذا اختلف الناس في أمر فانظر كيف قضى فيه عمر، فإنه لم يكن يقضي في الأمر لم يقض فيه قبله حتى يشاور. قال الشعبي: من سرّه أن يأخذ بالوثيقة من القضاء فليأخذ بقضاء عمر، فإنه كان يستشير. وعن عاصم قال: أخذ أبو عثمان النهدي عصاً كانت بيده، ثم رفعها، ثم قال: والذي لو شاء أن ينطق هذه العصا لنطقت، لو كان عمر ميزاناً ما كان يميط شعرة. قال أبو حريز الأزدي: كان رجل لا يزال يهدي لعمر فخذ جزور إلى أن جاءه ذات يوم بخصم، فقال: يا أمير المؤمنين، لقض بيننا قضاءً فصلاً كما يفصل الفخذ سائر الجزور، قال عمر: فما زال يردّدها علي حتى خفت على نفسي، فقضى عليه عمر، ثم كتب إلى عماله: أما بعد، فإياي والهدايا، فإنها من الرّشى. كتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله، فكان في آخر كتابه أن حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة، فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد مرجعه إلى الرضا والغبطة، ومن ألهته حياته وشغلته شهواته عاد مرجعه إلى الندامة والحسرة، فتذكّر ما توعظ به لكي تنتهي عما تنهى عنه. قال عمر بن الخطاب: الوالي إذا طلب العافية ممن هو دونه أعطاه الله العافية ممن هو فوقه. كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في بناء منزل يسكنه، فوقع في كتابه: ابن ما يسترك من الشمس، ويكنك من الغيث، فإن الدنيا دار قلعة.

стр. 6461

وكتب عمر إلى عمرو بن العاص وهو على مصر: كن لرعيتك كما تحب أن يكون لك أميرك. قال أسلم: قال عمر بن الخطاب: اجتمعوا لهذا الفيء حتى ننظر فيه، ثم قال لهم بعد: إني كنت أمرتكم أن تجتمعوا حتى ننظر فيه، وإني قرأت آيات من كتاب الله فاستغنت بهن، قال الله تعالى: " ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرّسول " إلى قوله: " شديد العقاب " والله ما هو لهؤلاء وحدهم، ثم قرأ: " للفقراء المهاجرين الّذين أخرجوا من ديارهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولإخواننا " والله ما هو لهؤلاء وحدهم، ولئن بقيت إلى قابل لألحقن آخر الناس بأولهم، ولأجعلنهم ببّاناً واحداً، يعني: باجاً واحداً. قال: فجاء ابن له، وهو يقسم يقال له عبد الرحمن بن لهيّة امرأة كانت لعمر فقال له: اكسني خاتماً، فقال له: الحق بأمك تسقيك شربة من سويق فوالله ما أعطاه شيئاً. قال عبد الرحمن بن عوف: بعث إلي عمر ظهراً، فأتيته. فلما دخلت الدار إذا نحيب شديد، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، اعترى والله أمير المؤمنين اعتراء، فقلت: لا بأس أمير المؤمنين، قال: إنه لا بأس، قال: فوضع يديه على ركبتيه، فكان أول ما كلمني به أن قال: ما أعجبك، بكائي شديد، ثم أخذ بيدين فأدخلني بيتاً، فإذا حقيبات بعضها على بعض، فقال: هاهنا هان آل الخطاب على الله، والله لو كرمنا عليه لكان إلي صاحبي بين يدي فلاقاً مالي فيه أميراً أقتدي به. فلما رأيت ما حلّ به قلت: اقعد بنا

стр. 6462

يا أمير المؤمنين نتفكر. قال: فقعدنا، فكسا أهل المدينة، وكسا المخفّين في سبيل الله، وكسا أزواج النّبي ﷺ ، وكسا من ذون ذلك، فأصاب المخفّين أربعة أربعة، وأصاب أزواج النّبي ﷺ أربعة أربعة، وأصاب من دون ذلك اثنان اثنان، حتى وزعنا ذلك المال. وعن ابن عمر قال: شهدت جلولاء فابتعت من المغنم بأربعين ألفاً. فلما قدمت على عمر قال: أرأيت لو عرضت على النار فقيل لك: افتده، كنت مفتديّ؟ قلت: والله ما من شيء يؤذيك إلا كنت مفتديك منه، فقال: كأني شاهدٌ الناس حين تبايعوا، فقال: عبد الله بن عمر صاحب رسول الله ﷺ وابن أمير المؤمنين، وأحب الناس إليه وأنت كذلك فكان أن يرخصوا عليك فإنه أحب إليهم من أن يغلوا عليك بدرهم، وإني قاسم مسؤول، وأنا معطيك أكثر ما ربح تاجر من قريش، لك ربح الدرهم درهماً، ثم دعا التجار فابتاعوه منه بأربعة مئة ألف، فدفع إلي ثمانين ألفاً، وبعث البقية إلى سعد بن أبي وقاص فقال: اقسمه في الذي شهدوا الوقعة، ومن كان مات فابعثه إلى ورثته. وحدث أسلم قال: رأيت عبد الله بن الأرقم صاحب بيت مال المسلمين في زمن أبي بكر وعمر أتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، إن عندنا حلية من حلية جلولاء، آنية من ذهب وورق، فانظر أن تفرغ لذلك يوماًن فترى فيه رأيك، فقال: إذا رأيتني فارغاً فآذني، فجاءه يوماً فقال: أراك اليوم فارغاً، فقال: أجل، فابسط لي نطعاً في الأشاء وهو النخل الذي لا يسقى فبسط له فيه نطعاًن ثم أتى بذلك المال فصب عليه، فدنا عمر حتى وقف عليه، وقال: اللهم، إنك ذكرت وقلت: " زيّن للنّاس حبذ الشّهوات من النّساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذّهب والفضّة " وقلت: " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم " وإنا لا نستطيع ألا نفرح بما زيّنت لنا، اللهم، فاجعلني أنفقه

стр. 6463

في الحق، وأعذني من شرّه، قال: وأتى ابن له يقال له عبد الرحمن، فقال: يا أبتاه، هب لي خاتماً، فقال عمر: اذهب إلى أمك تسقيك سويقاً. بعث أبو موسى من العراق إلى عمر بن الخطاب بحلية فوضعت بين يديه، وفي حجره أسماء بنت زيد بن الخطاب وكانت أحب إليه من نفسه، لما قتل أبوها باليمامة عطف عليهم فأخذت من الحلية خاتماً، فوضعته في يدها، وأقبل عليها يقبّلها، ويلتزمها. فلما غفلت أخذ الخاتم من يدها، فرمى به في الحلية وقال: خذوها عني. قدم مل الروم على عمر بن الخطاب، فاستقرضت امرأة عمر بن الخطاب ديناراً فاشترت به عطراً، وجعلته في قوارير، وبعثت به مع البريد إلى امرأة ملك الروم. فلما أتاها فرّغتهن وملأتهن جواهر، وقالت: اذهب به إلى امرأة عمر بن الخطاب. فلما أتاها فرّغتهن على البساط، فدخل عمر بن الخطاب فقال: ما هذا؟ فأخبرته الخبر، فأخذ عمر الجوهر فباعه، ودفع إلى امرأته ديناراً، وجعل ما بقي من ذلك في بيت مال المسلمين. وعن ابن عمر قال: أهدى أبو موسى الأشعري لامرأة عمر عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل طنفسة، أراها تكون ذراعاً وشبراً، فدخل عليها عمر فرآها فقال: أنى لك هذه؟ فقالت: نعم أهداها إلي أبو موسى الأشعري، فقال: أحضروه، وأتعبوه، قال: فأتي به قد أتعب وهو يقول: لا تعجل علي يا أمير المؤمنين، فقال: ما يحملك على أن تهدي لنسائي؟ ثم أخذها فضرب بها فوق رأسه وقال: خذها، فلا حاجة لنا فيها. قال عبد الله بن عمر: اشتريت إبلاً وارتجعتها إلى اليمن. فلما سمنت قدمت بها، قال: فدخل عمر بن الخطاب السوق فرأى إبلاً سماناً فقال: لمن هذه؟ قيل: لعبد الله بن عمر، قال: فجعل يقول: يا عبد الله بن عمر، بخٍ بخٍ، ابن أمير المؤمنين، فجئته أسعى، فقلت: مالك يا أمير المؤمنين قال: ما هذه الإبل؟ قلت: أنا اشتريتها، وبعثت بها إلى الحمى أبتغي ما يبتغي المسلمون، قال: فقال: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، يا عبد الله بن عمر، أغد على رأس مالك، واجعل باقيه في بيت مال المسلمين.

стр. 6464

قال عمرو بن العاص يوماً، وذكر عمر فترحم عليه ثم قال: ما رأيت أحداً بعد نبي الله وأبو بكر أخوف لله من عمر، لا يبالي على من وقع الحق: على ولد أو والدٍ، ثم قال: إني لفي منزلي ضحى، في مصر إذ أتاني آتٍ فقال: قدم عبد الله وعبد الرحمن ابنا عمر غازيين، فقلت: أين نزلا؟ قال: في موضع كذا وكذا لأقصى مصر وقد كتب إلي عمر: إياك أن يقدم عليك أحد من أهل بيتي فتضعه بأمر لا تصنعه بغيره، فأفعل بك ما أنت أهله فأنا لا أستطيع أن أهدي لهما، ولا آتيهما في منزلهما للخوف من أبيهما، فإني لعلى ما أنا فيه إذ قال قائل: هذا عبد الرحمن بن عمر وأبو سروعة يستأذنان، فقلت: يدخلان، فدخلا وهما منكران، فقالا: أقم علينا حدّ الله، فإنا قد أصبنا البارحة شراباً فسركنا، قال: فنهرهما وطردهما، فقال عبد الرحمن: إن لم تفعل أخبرت أبي إذا قدمت عليه، قال: يحضرني رأي، وعلمت أني إن لم أقم عليهما الحدّ غضب علي عمر في ذلك وعزلني، وخالفه ما صنعت، فنحن على ما نحن فيه إذ دخل عبد الله بن عمر، فقمت إليه، فرحبت به وأردت أجلسه على صدر مجلسين فأبى علي وقال: إن أبي نهاني أن أدخل عليك إلا ألاّ أجد بداً، وإني لم أجد بداً من الدخول عليك، إن أخي لا يحلق على رؤوس الناس أبداًن فأما الضرب فاصنع ما بدا لك. قال: وكانوا يحلقون مع الحدّ. قال: فأخرجتهما إلى صحن الدار فضربتهما الحد، ودخل ابن عمر بأخيه عبد الرحمن بيت في الدار فحلق رأسه ورأس أبي سروعة، فوالله ما كتبت إلى عمر بحرف مما كان، حتى إذا تحينت كتابه إذا هو فيه: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى العاص ابن العاص، فعجبت لك يا ابن العاص ولجرأتك علي، وخلاف عدين أما إني قد خالفت فيك أصحاب بدر ممن هو خير منك واخترتك لجرأتك عني وإنفاد عهدي، فأراك تلوثت بما قد

стр. 6465

تلوثت، فماأراني إلا عازلك فمسيء عزلك، تضرب عبد الرحمن في بيتك وتحلق رأسه في بيتك، وقد عرفت أن هذا يخالفني؟ إنما عبد الرحمن رجل من رعيتك تصنع به ما تصنع بغيره من المسلمين، ولكن قتل: هو ولد أمير المؤمنين، وقد عرفت أن لا هوادة لأحد من الناس عند في حق يجب به عليه. فإذا جاءك كتابي هذا فابعث به في عباءة على قتب حتى يعرف سوء ما صنع، فبعثت به كما قال أبوه، وأقرأت ابن عمر كتاب أبيه، وكتبت إلى عمر كتاباً أعتذر فيه، وأخبره أني ضربته في صحن داري، وبالله الذي لا يحلف بأعظم منه إني لأقيم الحدود في صحن دار على الذمي والمسلم، وبعثت بالكتاب مع عبد الله بن عمر، فقال: أسلمه، فقدم بعبد الرحمن على أبيه، فدخل عليه، وعليه عباءة، ولا يستطيع المشي من مركبه، فقال: يا عبد الرحمن، فعلت وفعلت، السياط، فكلمه عبد الرحمن بن عوف فقال: يا أمير المؤمنين قد أقيم عليه الحد مرة، فما عليه أن تقيمه ثانية؟ فلم يلتفت إلى هذا عمر وزبره، فجعل عبد الرحمن يصيح: إني مريض وأنت قاتلي، فضربه الثانية الحدّ، وحبسه في مرض فمات. وفي حديث بمعناه: إنه جلده وعاقبه من أجل مكانه منه، ثم أرسله، فلبث شهراً صحيحاً، ثم أصابه قذة، فتحسّب عامة الناس أنه مات من جلد عمر، ولم يمت من جلده. وعن الحسن قال: بينما عمر بن الخطاب يمشي ذات يوم في بعض أزقة المدينة إذا صبيّةٌ بين يده، تقوم مرة وتقع أخرى وفي رواية: تطيش هزالاً فقال: يا بؤسها: من لهذه؟ فقال ابن عمر: هذه إحدى بناتك يا أمير المؤمنين زاد في آخر قال: وأي بناتي هذه؟ قال: ابنتي قال: فما لها؟ قال: منعتها ما عندك، قال: أفعجزت إذ منعتها ما عندي أن تكسب عليها كما تكسب الأقوام على بناتهم؟ والله مالك عندي إلا مالرجل من المسلمين، وبيني وبينك كتاب الله. قال الحسن: فخصمه الله. وفي آخر فقال: إني والله ما أعول من ولدك، فاسع على ولدك أيها الرجل.

стр. 6466

وعن عاصم بن عمر قال: أرسل إلي عمر يرفا، فأتيته وهو في مصلاه عند الفجر أو عند الظهر قال: فقال: والله ما كنت أرى هذا المال يحل لي من قبل أن أليه إلا بحقه، وما كان قط أحرم علي منه إذ وليته، فعاد أمانتي، وقد أنفقت عليك شهراً من مال الله، ولست بزائدك، ولكني معينك بثمن مالي بالغابة، فاجدده فبعه، ثم ائت رجلاً من قومك من تجارهم، فقم إلى جنبه، فإذا اشترى شيئاً فاستشركه، فاستنفعه وأنفق على أهلك. قال أسلم: خرجت مع عمر بن الخطاب إلى السوق، فلحقت عمر امرأة شابة فقالت: يا أمير المؤمنين، هلك زوجي وترك صبية صغاراً، والله ما ينضجون كراعاً، ولا لهم زرع ولا ضرع، وخشيت أن يأكلهم الضّبع، وأنا بنت خفاف بن إيماء الغفاري، وقد شهد أبي الحديبية مع رسول الله ﷺ ، فوقف معها عمرن ولم يمض ثم قال: مرحباً بنسب قريب، ثم انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطاً في الدار، فحمل عليه غرارتين ملأهما طعاماً، وحمل بينهما نفقة وثياباً، ثم ناولها بخطامه ثم قال: اقتاديه فلن يفنى حتى يأتيكم الله بخير، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أكثرت لها، فقال عمر: ثكلتك أمك، والله إني لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصرا حصناً زماناً فافتتحناه، ثم أصبحنا نستقي بينهما بهماً فيه. وعن محمد بن سيرين أن صهراً لعمر بن الخطاب قدم على عمر فعرض عليه أن يعطيه من بيت المال، فانتهره عمر فقال: أردت أن ألقى الله ملكاً خائناً. فلما كان بعد ذلك أعطاه من صلب ماله عشرة آلاف درهم.

стр. 6467

وعن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﷺ يحدثنا عن الدجال أنه يسلّط على نفس يقتلها ثم يحييها، فيقول: ألست بربك؟ قال: فتقول: ما كنت قط أكذب منك الساعة، قال: فما كنا نراه إلا عمر بن الخطاب حتى قتل أو مات. وعن حذيفة قال: لأن أعلم أن فيكم مئة مؤمن أحبّ إلي من حمر النّعم وسودها، فقال أصحاب النبي ﷺ : ما تهاجرنا بيننا ولا تشاتمنا بيننا ولا تفرقنا. قال: هل فيكم من لا يخاف في الله لومة لائم ثم بكى ثم قال: ما أعلمه إلا عمر، فكيف أنتم لو قد فارقكم؟. وعن حذيفة قال: كنا جلوساً عند عمر فقال: أيّكم يحفظ قول رسول الله ﷺ في الفتنة؟ قلت، أنا، كما قال، قال: إنك لجريء عليها أو عليه قلت: فتنة الرجل في أهله وولده وجاره تكفّرها الصلاة، والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: ليس هذا أريد، ولكن الفتنة التي تموج كموج البحر، قلت: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها باباً مغلقاً، قال: أيكسر أو يفتح؟ قلت: بل يكسر، قال: إذاً لا يغلق أبداً، قلنا؛ أكان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم كما يعلم أن دون غدٍ ليلة، إني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط، فهبنا حذيفة أن نسأله من الباب، فأمرنا مسروقاً، فسأله فقال: الباب عمر. وعن قدامة بن مظعون أن عمر بن الخطاب أدرك عثمان بن مظعون وهو على راحلته، وعثمان على راحلته، على ثنية الأثاية والعرج، فضعضعت راحلته راحلة عثمان، وقد مضت راحلة رسول الله ﷺ أمام الركب، فقال عثمان بن مظعون: أوجعتني يا غلق الفتنة. فلما أسهلت الرواحل دنا منه عمر بن الخطاب فقال: يغفر الله لك أبا السائب، ما هذا الاسم الذي سميتنيه؟ فقال: لا والله ما أنا الذي سميتكه، لكن سمّاكه رسول الله ﷺ : بينا هو

стр. 6468

أمام الركن يقدم القوم مررت بنا يوماً ونحن جلوس مع رسول الله ﷺ فقال: " هذا غلق الفتنة وأشار بيده لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغلق ما عاش هذا بين ظهرانيكم ". وفي حديث غيره: قفل الفتنة. مرّ عبد الله بن سلام بعبد الله بن عمر بن الخطاب وهو راقد في مشرقة، وفحركه برجله فقال: من هذا؟ قال: أنا عبد الله بن أمير المؤمنين عمر، قال: قم يا بن قفل جهنم، قال: فقام عبد الله وقد تغير لونه حتى أتى والده عمر، فقال: يا أبه، أما سمعت ما قال ابن سلام لي؟ قال: وما قال لك يا بني؟ قال: قال لي: قم يا بن قفل جهنم، قال: فقال عمر: الويل لعمر إن كان بعد عبادة أربعين سنة ومصاهرته رسول الله ﷺ وقضاياه بين المسلمين بالاقتصاد أن يكون مصيره إلى جهنم حتى يعني يكون قفلاً لجهنم، قال: ثم قام وتقنّع بطيلسان له، وألقى الدرة على عاتقة فاستقبله عبد الله بن سلام، فقال له عمر: يا بن سلام، بلغني أنك قلت لابني: قم يا بن قفل جهنم، قال: نعم، قال عمر: وكيف علمت أني في جهنم، حتى أكون قفلاً لجهنم؟ قال: معاذ الله يا أمير المؤمنين أن تكون في جهنم، ولكنك قفل جهنم، قال: وهل يكون أحد لا يكون في جهنم وهو قفل جهنم؟ قال: نعم، قال: وكيف ذلك؟ قال: إنه أخبرني أبي عن آبائه عن موسى بن عمران عن جبريل ﵇ أنه قال: يكون في أمة محمد ﷺ رجل يقال له: عمر بن الخطاب، أحسن الناس ديناً، وأحسنهم يقيناً. ما دام بينهم الدين عالٍ، والدين فاشٍ واستمسك بالعروة الوثقى من الدين فجهنم مقفلة، فإذا مات عمر يرق الدين، ويقل اليقين، وقلّ أعمار الصالحين، وافترق الناس على فرق من الأهواء، وفتحت أقفال جنهم، فيدخل في جهنم من الآدميين كثير. قال كعب وهو عند عمر: ويل لملك الأرض من ملك السماء، فقال عمر: إلا من حاسب نفسه، فقال كعب: إنك مصراع الفتنة.

стр. 6469

وعن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال يوماً وهو يذكر عمر فقال: إن مات عمر رقّ الإسلام، ما أحب أن لي ما تطلع عليه الشمس أو تغرب وأني أبقى بعد عمر. قال قائل: ولم؟ قال: سترون ما أقول إن بقيتم، أما هو فإن ولي والٍ بعد عمر فأخذهم بما كان عمر يأخذهم به لم يطع له الناس بذلك، ولم يحملوه، وإن ضعف عنهم قتلوه. وعن حذيفة أنه قال: ما بينكم وبين أن يرسل عليكم الشرّ فراسخ، إلا أن يطلع عليكم راكب من هاهنا فينعى لكم عمر. وعن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب وجّه جيشاً، ورأس عليهم رجلاً يدعى سارية، قال: فبينما عمر بن الخطاب يخطب جعل ينادي: يا ساري، الجبل، يا ساري، الجبل، ثلاثاً. ثم قدم رسول الجيش، فسأله عمر فقال: يا أمير المؤمنين، هزمنا، فبينا نحن كذلك إذ سمعنا صوتاً ينادي: يا ساري، الجبل، ثلاثاً. فأسندنا ظهورنا بالجبل، فهزمهم الله. قال: فقيل لعمر: إنك تصيح لذلك. ولما فتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص حين دخل بوونه من أشهر العجم، فقالوا: يا أيها الأمير، إن لنيلنا هذا سنّة: لا يجري إلا بها، فقال لهم: وما ذاك، فقالوا: إذا كان ثنتا عشرة تخلوا من هذا الشهر عمدنا إلى جارية، بكر بين أبويها، فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو: إن هذا أمر لا يكون أبداً في الإسلام، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله، فأقاموا بوونه وألبيب ومسرى لا يجري قليلاً ولا كثيراً حتى همّوا بالجلاء. فلما رأى ذلك عمرو كتب إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب: إنك قد أصبت بالذي فعلت، وإن الإسلام يهدم ما كان قبله، وبعث ببطاقة في داخل كتابه، وكتب إلى عمرو: إني قد بعثت إليك

стр. 6470

ببطاقة في داخل كتابي إليك، فألقها في النيل. فلما قدم كتاب عمر على عمرو بن العاص أخذ البطاقة ففتحها فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد. فإني كنت إنما تجري من قبلك فلا تجرن وإن كان الله الواحد القهار يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك، فألقى البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم، وقد تهيأ أهل مصلا للجلاء والخروج منها، لأنه لا تقوم مصلحتهم فيها إلا بالنيل. فلما ألقى البطاقة أصبحوا يوم الصليب وقد أجراه الله ستة عشرة ذراعاً في ليلة واحدة، فقطع الله تعالى تلك السّنّة السوء عن أهل مصر إلى اليوم. وعن مالك بن موسى بن الحدثان قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ما من المسلمين أحد إلا وله في هذا الفيء حق، ثم نحن فيه بعد على منازلنا في كتاب الله وقسم رسول الله ﷺ : " الرجل وقومه، والرجل وبلاؤه، والرجل وعياله، والرجل وحاجته، وإن أخوف ما أخاف عليكم أحمر، محذف القفا يحم لنفسه بحكم وللناس بحكم، ويقسن لنفسه قسماً وللناس قسماً. والله لئن سلمت نفسي ليأتين الراعي وهو بجبل صنعاء حظه من فيء الله وهو في غنمه ". وعن الحسن قال: أتي عمر بسوار كسرى بن هرمز فوضع بين يديه فأخذه سراقة بن مالك، فوضعه في يديه فبلغ منكبيه، فقال عمر: الحمد لله، سوار كسرى في يد سراقة بن مالك الخزاعي بني مدلج، اللهم، قد علمت أن نبيك مذ كان يحب أن يصيب مالاً فينفقه في سبيلك، وعلى عبادك، فزويت ذلك عنه نظراً له واختياراً. اللهم، إني قد علمت أن أبا بكر كان يحب أن يصيب مثل ذلك المال فينفقه في سبيلك، فزويت ذلك عنه نظراً منك له واختياراً. اللهم، فلا يكن ذلك مكراً بي منك ثم تلا: " أيحسبون أنّما نمدّهم به من مالٍ ونبين ". وعن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: لما أتي عمر بكنوز كسرى قال عبد الله بن الأرقم الزهري: ألا تجعلها في بيت المال

стр. 6471

حتى نقسمها؟ قال: لا أظلها تحت سقف بيت حتى أمضيها، فأمر بها فوضعت في صرح المسجد، وباتوا يحرسونها. فلما أصبح أمر بها فكشف عنها، فرأى ما فيها من البيضاء والحمراء ما كان يتلألأ منه البصر، فبكى عمر، فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين، فوالله إن هذا ليوم شكر، ويوم فرح، فقال عمر: إن هذا لم يعطه قوم قط إلا ألقى بينهم العداوة والبغضاء. قال سلمة بن سعيد: أتي عمر بن الخطاب بمال، فقام إليه عبد الرحمن بن عوف فقال: يا أمير المؤمنين، لو حبست من هذا المال في بيت المال لنائبة تكون أو أمرٍ يحدث، فقال: كلمة ما عرض بها إلا شيطان كفاني الله حجتها، ووقاني فتنتها، أعصي الله العام مخافة قابل، أعدّ لهم تقوى الله تعالى. قال الله تعالى: " ومن يتّق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب " وليكون فتنة على من يكون بعدي. وعن سعيد بن المسيب قال: انكسر بعي رمن مال الله فنحره عمر، وصنعه، ودعا عليه أصحاب رسول الله ﷺ فقال العباس بن عبد المطلب: يا أمير المؤمنين، لو صنعت لنا في كل يوم مثل هذا أصبنا منه، وتحدثنا عندك، فقال عمر، يهون عليك جوع امرأة بسلع؟ إنه كان لي صاحبان عملا عملاً، وسلكا طريقاً إن عملت مثل عملهما سلكت طريقهما، وإن عملت بغيره لم أسلك طريقهما. وعن أسلم: أن عمر بن الخطاب استعمل مولى له يعني: هنيّ على الحمى، فقال: يا هنيّ، اضمم جناحك عن المسلمين، واتق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مستجابة، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة، وإياي ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى زرع ونخل، وإن رب الصريمة ورب الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتيني

стр. 6472

ببينة فيقول: يا أمير المؤمنين، يا أمير المؤمنين، أفتاركهم أنا لا أبالك؟ فالماء والكلأ أيسر عليّ من الذهب والورق، وايم الله، إنهم ليرون أني ظلمتهم، وإنها لبلادهم، قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام. والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبراً. وعن أبي هريرة قال: قدمت من البحرين، فسألني عمر عن الناس، فأخبرته. ثم قال لي: ماذا جئت به؟ قلت: جئت بخمس مئة ألف. قال: ويحك هل تدري ما تقول؟ قلت: نعم، مئة ألف، ومئة ألف، ومئة ألف، ومئة ألف، ومئة ألف، قال: إنك ناعس، ارجع إلى أهلك فنم، فإذا أصبحت فائتني. فلما أصبحت أتيته، فقال: ماذا جئت به؟ قلت: جئت بخمس مئة ألف، قال: ويحك هل تدري ما تقول؟ قلت: نعم، مئة ألف، حتى عدها خمس مرات، يعدها بأصابعه الخمس، قال: أطنب، قلت: لا أعلم إلا ذلك، قال: فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إنه قد جاءنا مال كثير، فإن شئتم أن نكيلكم كيلاً، وإن شئتم أن نعدكم عداً، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إني قد رأيت هؤلاء الأعاجم يدوّنون ديواناً لهم، قال: فدوّن الديوان، وفرض للمهاجرين الأولين خمسة آلاف، خمسة آلاف، وللأنصار أربعة آلاف أربعة آلاف، ولأمهات المؤمنين اثني عشر ألفاً، اثني عشر ألفاً. وعن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب: السنة ثلاث مئة وستون يوماً، وإن حق الله على عمر أن يكسح بيت المال في كل سنة يوماً عذراً إلى الله أني لم أدع فيه شيئاً. وفي حديث بمعناه: حتى يعلم الله أني قد أديت إلى كل ذي حق حقه. قال الحسن: فأخذ صفوها، وترك كدرها حتى ألحقه الله بصاحبيه.

стр. 6473

نجز الجزء الثامن عشر من مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر ويتلوه في الجزء التاسع عشر بقية ترجمة عمر بن الخطاب علقه عبد الله محمد بن المكرم بن أبي الحسن الأنصاري الكاتب عفا الله عنه وفرغ منه في يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من رمضان سنة ثلاث وتسعين وست مئة الحمد لله رب العالمين كما هو أهله وصلواته على سيدنا محمد وآله وسلامه حسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 6474

عن زهير بن حيّان وكان زهير يلقى ابن عبّاس ويسمع منه قال: قال ابن عبّاس: دعاني عمر بن الخطاب، فأتيته، فإذا بين يديه نطع، عليه الذهب منثور حثاً. قال: يقول ابن عبّاس: يا زهير، هل تدري ما حثا؟ قال: قلت: لا. قال التّبن. قال: هلمّ، فاقسم هذا بين قومك، فالله أعلم حيث زوى هذا عن نبيّه ﷺ . وعن أبي بكر، فأعطيته، لخير أعطيته أم لشرّ؟ قال: فأكببت عليه أقسم وأزيّل. قال: فسمعت البكاء: فإذا صوت عمر يبكي، ويقول في بكائه: كلاّ، والذي نفسي بيده، ما حبسه عن نبيّه ﷺ وعن أبي بكر إرادة الشّرّ لهما، وأعطاه عمر إرادة الخير له. عن مخلد بن قيس العجليّ، عن أبيه، قال: لمّا قدم سيف كسرى ومنطقته وزبرجدته على عمر، فقال: إنّ أقواماً أدّوا هذا لذووا أمانة. فقال عليّ: إنك عففت فعفّت الرّعيّة. عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أن عمر بن الخطّاب رأى في الظّهر وفي حديث أبي مصعب، عن أبيه، أنه قال

стр. 6475

لعمر بن الخطاب: إن في الظّهر ناقةً عمياء، فقال عمر: ادفعها وقال أبو مصعب: يدفعها إلى أهل بيت ينتفعون بها. قال: فقلت: وهي عمياء؟ قال: يقطرونها بالإبل. قال: فقلت: كيف تأكل من الأرض؟ فقال عمر بن الخطاب: أمن نعم الجزية هي أم من نعم الصّدقة؟ قال: قلت: من نعم الجزية. قال: فقال عمر: أردتم والله أكلها. فقلت: إنّ عليها وسم الجزية، فأمر بها عمر بن الخطاب فنحرت. قال: وكان عنده صحاف تسع، فلا تكون فاكهة ولا طريفة إلا جعل في تلك الصّحاف منها، فبعث به إلى أزواج النبيّ ﷺ ، ويكون الذي يبعث إلى حفصة من آخر ذلك، فإن كان فيه نقص كان في حظّ حفصة. قال: فجعل في تلك الصّاف من لحم تلك الجزور، فبعث به إلى أزواج النبيّ ﷺ ، وأمر بما بقي من اللّحم فصنع، فدعا عليه المهاجرين والأنصار. عن عمران أن عمر بن الخطاب كان إذا احتاج أتى صاحب بيت المال، فاستقرضه، فربّما عسر، فيأتيه صاحب بيت المال يتقاضاه، فليزمه، فيحتاج له عمر، وربّما خرج عطاؤه فقضاه. عن إبراهيم أن عمر بن الخطّاب كان يتّجر وهو خليفة. قال يحيى في حديثه: وجهّز عيراً إلى الشّام، فبعث إلى عبد الرحمن بن عوف وقال الفضل: فبعث إلى رجل من أصحاب النبيّ ﷺ قالا جميعاً: يستقرضه أربعة آلاف درهم؛ فقال للرّسول: قل له: يأخذها من بيت المال ثم ليردّها. فلمّا جاءه الرسول فأخبره بما قال، شقّ ذلك عليه؛ فلقيه عمر، فقال: أنت القائل لنا: خذها من بيت المال؟ فإن متّ قبل أن يجيء قلتم: أخذها أمير المؤمنين، دعوها له، وأوخذ بها يوم القيامة؛ لا، ولكن أردت أن آخذها من رجل حريص شحيح مثلك، فإن متّ أخذها قال يحيى: من ميراثي. وقال الفضل: من مالي.

стр. 6476

عن مالك الدّار، قال: أصاب النّاس قحط في زمان عمر بن الخطّاب، فجاء رجل إلى قبر النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، استسق الله لأمّتك، فإنّهم قد هلكوا. فأتاه رسول الله ﷺ في المنام، وقال: " ائت عمر، فأقره السّلام وأخبره أنكم مسقون، وقل له: عليك الكيس الكيس " فأتى الرّجل فأخبر عمر، فبكى عمر، ثم قال: يا ربّ، ما آلو إلاّ ما عجزت عنه. وعن خوّات بن جبير، قال: أصاب النّاس قحط شديد على عهد عمر، فخرج عمر بالنّاس، فصلّى بهم ركعتين، وخالف بين طرفي ردائه فجعل اليمين على اليسار على اليمين، ثم بسط يده، فقال: اللهم إنّا نستغفرك ونستسقيك؛ فما برح مكانه حتى مطروا؛ فبيناهم كذلك إذا الأعراب قد قدموا، فأتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين، بينا نحن في بوادينا في يوم كذا، في ساعة كذا، إذ أظلّنا غمام، فسمعنا فيها صوتاً: أتاك الغوث أبا حفص، أتاك الغوث أبا حفص. وعن أبي السّائب بن يزيد، قال: ركب عمر بن الخطاب عام الرّمادة دابّةً، فراثت شعيراً، فرآها عمر، فقال: المسلمون يموتون هزلاً، وهذه الدّابة تأكل الشّعير! لا والله لا أركبها حتى يحيا النّاس. وعن يحيى بن سعيد، قال: اشترت امرأة عمر بن الخطاب لعمر فرق سمن بستّين درهماً، فقال عمر: ما هذا؟ فقالت امرأته: هو من مالي، ليس من نفقتك. فقال عمر: ماأنا بذائقه حتى يحيا النّاس.

стр. 6477

وعن ابن عمر أن عمر لمّا كان عام الرّمادة، واشتد الجوع على أهل المدينة، قال: والله لا أتأدّم وكان رجلاً لا يوافقه الزّيت ولا الشّعير ولا التّمر، وكان يوافقه السّمن فقال: والله لا أتادّم بالسّمن حتى يفتح الله على المسلمين عامه هذا. قال: فشحب، وصحب بطنه، وضعف قوّته. قال: فاشترت ابنته له عكّة من سمن، فحلف بالله لا يأكل منها ولا يتأدّمها، فجعل إذا أكل خبز الشّعير والثّمر بغير أدم تقرقر بطنه؛ يقول هو في المجلس ويضع يده على بطنه: إن شئت فقرقر، وإن شئت لا تقرقر، مالك عندي أدم حتى يفتح الله على العامّة. حدّث نافع مولى الزّبير، قال: سمعت أبا هريرة يقول: رحم الله ابن حنتمة، لقد رأيته عام الرمّادة، وإنه ليحمل على ظهره جرابين، وعكّة زيت في يده، وإنه ليعتقب هو وأسلم؛ فلمّا رآني قال: من أين يا أبا هريرة؟ قلت: قريباً. قال: فأخذت أعقبه، فحملناه، حتى انتهينا إلى صرار، فإذا صرم نحو من عشرين بيتاً من محارب، فقال عمر: ما أقدمكم؟ قالوا: الجهد. قال: وأخرجوا لنا جلد الميتة مشويّاً كانوا يأكلونه، ورمّة العظام مسحوقةً كانوا يسفّونها؛ فرأيت عمر طرح رداءه، ثم اتّزر، فما زال يطبخ لهم حتى شبعوا. وأرسل أسلم إلى المدينة فجاء بأبعرة فحملهم عليها حتى أنزلهم الجبّانة، ثم كساهم، وكان يختلف إليهم وإلى غيرهم حتى رفع الله ذلك. وعن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: لمّا كان عام الرّمادة تحلّبت العرب من كلّ ناحية فقدموا المدينة، فكان عمر بن

стр. 6478

الخطّاب قد أمر رجالاً يقومون عليهم، ويقسمون عليهم أطعمتهم وإدامهم، فكان يزيد ابن أخت النّمر، وكان المسور بن مخرمة، وكان عبد الرحمن بن عبد القاريّ، وكان عبد الله بن عتبة بن مسعود، فكانوا إذا أمسوا اجتمعوا عند عمر، فيخبروه بكلّ ما كانوا فيه، وكان كل رجل منهم على ناحية من المدينة، وكان الأعراب حلولاً فيما بين رأس الثّنيّة، إلى راتج، إلى بني حارثة، إلى بني عبد الأشهل، إلى البقيع، إلى بني قرطبة، ومنهم طائفة بناحية بني سلمة، هم محدقون بالمدينة. فسمعت عمر يقول ليلةً وقد تعشّى النّاس عنده: أحصوا من يتعشّى عندنا؛ فأحصوهم من القابلة فوجدوهم سبعة آلاف رجل. وقال: أحصوا العيالات الذين لا يأتون، والمرضى والصبيان؛ فأحصوهم، فوجدوهم أربعين ألفاً. ثم مكثنا ليالي فزاد النّاس، فأحصوا، فوجدوا من تعشى عنده عشرة آلاف، والأخرين خمسين ألفاً فما برحوا حتى أرسل الله السّماء. فلمّا مطرت رأيت عمر قد وكّل كلّ قوم من هؤلاء النّفر بناحيتهم، يخرجونهم إلى البادية، ويعطونهم قوتاً وحملاناً إلى باد يتهم، ولقد رأيت عمر يخرجهم هو بنفسه. قال أسلم: وقد كان وقع فيهم الموت، فأراه مات ثلثاهم وبقي ثلث، وكانت قدور عمر يقوم إليها العمّال في السّحر يعلمون الكركور حتى يصبحوا، ثم يطعمون المرضى منهم، ويعلمون العصايد؛ وكان عمر يأمر بالزّيت فيفار في القدور الكبار على النّار حتى يذهب حمتّه وحرّه، ثم يثرد الخبز، ثم يؤدم بذلك الزّيت؛ فكانت العرب يحمّون من الزّيت. وما أكل عمر في بيت أحد من ولده، ولا بيت أحد من نسائه ذواقاً زمان الرّمادة إلاما يتعشّى مع النّاس حتى أحيا الله النّاس أوّل ما أحيا. حدث أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدّه، قال: كنّا نقول: لو لم يرفع الله المحل عام الرّمادة لظننّا أن عمر يموت همّاً بأمر المسلمين.

стр. 6479

وعن بعض نساء عمر، قالت: ما قرب عمر امرأة زمن الرّمادة، حتى أحيا النّاس. عن قسامة بن زهير، قال: وقف أعرابيّ على عمر بن الخطّاب، فقال: من الرجز يا عمر الخيّر خير الجنه ... جهّز بنيّاتي وأكسهنّه أقسم بالله لتفعلنّه قال: فإن لم أفعل يكون ماذا يا أعرابيّ؟ قال: أقسم أني سوف أمضينّه قال: فإن مضيت يكون ماذا ياأعرابيّ؟ قال: والله عن حالي لتسألنّه ... ثم تكون المسألات ثمّه والواقف المسؤول بينهنّه ... إمّا إلى نار وإمّا جنّه قال: فبكى عمر حتى اخضلّت لحيته بدموعه، ثم قال: يا غلام: أعطه قميصي هذا لذلك اليوم لا لشعره، والله ما أملك قميصاً غيره. عن المسور بن مخرجة الزّهري، قال: خرجنا حجّاجاً مع عمر بن الخطّاب، فنزلنا منزلاً بطريق مكة يقال له: الأبواء، فإذا نحن بشيخ على قارعة الطريق؛ فقال الشيخ: ياأيّها الرّكب، قفوا. فقال عمر: قفوا. فوقفنا؛ فقال عمر: قل يا شيخ. قال: أفيكم رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: أمسكوا لا يتكلمنّ أحد، ثم قال: أتعقل يا شيخ؟ قال: العقل ساقني إلى هاهنا. قال: توفي النبيّ ﷺ . قال: وقد توفي ﷺ ؟ قال: نعم.

стр. 6480

قال: فبكى حتى ظننّا أن نفسه ستخرج من بين جنبيه؛ ثم قال: فمن ولي أمر الأمّة من بعده؟ قال: أبو بكر. قال: نحيف بني تيم؟ قال: نعم. قال: أفيكم هو؟ قال: لا. قال: وقد توفّي؟ قال: نعم. قال فبكى حتى سمعنا لبكائه شحيجاً؟ ثم قال: فمن ولي أمر الأمّة بعده؟ فقال: عمر بن الخطّاب. قال: فأين كانوا عن أبيض بني أميّة؟ يريد عثمان بن عفّان فإنه كان ألين جانباً، وأقرب. قال: قد كان ذلك. قال: إن كانت صداقة عمر لأبي بكر لمسلمه إلى خير، أفيكم هو؟ قال: هو الذي يكلّمك منذ اليوم. قال: أغثني، فإني لم أجد مغيثاً. قال: ومن أنت بلّغك الغوث؟ قال: أنا أبو عقيل، أحد بني مليل، لقيت رسول الله ﷺ ردهة بني جعل، دعاني إلى الإسلام، فآمنت به، وصدّقت بما جاء به، فسقاني شربةً من سويق شرب رسول الله ﷺ أوّلها وشربت آخرها، فما برحت أجد شبعها إذا جعت، وريّها إذا عطشت، وبردها إذا أصبحت، ثم تيمّمت في رأس الأبيض أنا وقطعة غنم لي، أصلّي في يومي وليلتي خمس صلوات، وأصوم شهراً وهو رمضان، وأذبح شاةً لعشر ذي الحجّة، أنسك بها؛ ذاك علمي، حتى ألفت بها السنّة فما أبقت لنا منها إلاّ شاةً واحدةً، كنّا ننتفع بدرّتها، فعسّها الذّيب البارحة الأولى، فأدركنا ذكاتها، فأكلنا وبلغناك ببعض. فأغثنا أغاثك الله. فقال عمر: بلّغك الغوث، بلّغك الغوث، أدركني على الماء. قال المسور بن مخرمة: فنزلنا المنزل، وأصبنا من فضل زادنا، وكأنّي أنظر إلى عمر متعباً على قارعة الطريق، آخذاً بزمام ناقته، لم يطعم طعاماً، ينتظر الشيخ ويرمقه. فلمّا رحل النّاس، دعا عمر صاحب الماء فوصف له الشيخ وحلاّه له، وقال: إذا أتى عليك فأنفق عليه وعلى آله حتى أعود إليك إن شاء الله. قال المسور: فقضينا حجّنا، وانصرفنا، فلمّا نزلنا المنزل دعا عمر صاحب الماء، فقال: هل أحسست الشيخ؟ قال: نعم ياأمير المؤمنين، أتاني وهو موعوك، فمرض عندي ثلاثاً، فمات، ودفنته، وهذا قبره.
следующие страницы →