Полный текст (10 576 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.
стр. 6476
عن مالك الدّار، قال: أصاب النّاس قحط في زمان عمر بن الخطّاب، فجاء رجل إلى قبر النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، استسق الله لأمّتك، فإنّهم قد هلكوا. فأتاه رسول الله ﷺ في المنام، وقال: " ائت عمر، فأقره السّلام وأخبره أنكم مسقون، وقل له: عليك الكيس الكيس " فأتى الرّجل فأخبر عمر، فبكى عمر، ثم قال: يا ربّ، ما آلو إلاّ ما عجزت عنه.
وعن خوّات بن جبير، قال: أصاب النّاس قحط شديد على عهد عمر، فخرج عمر بالنّاس، فصلّى بهم ركعتين، وخالف بين طرفي ردائه فجعل اليمين على اليسار على اليمين، ثم بسط يده، فقال: اللهم إنّا نستغفرك ونستسقيك؛ فما برح مكانه حتى مطروا؛ فبيناهم كذلك إذا الأعراب قد قدموا، فأتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين، بينا نحن في بوادينا في يوم كذا، في ساعة كذا، إذ أظلّنا غمام، فسمعنا فيها صوتاً: أتاك الغوث أبا حفص، أتاك الغوث أبا حفص.
وعن أبي السّائب بن يزيد، قال: ركب عمر بن الخطاب عام الرّمادة دابّةً، فراثت شعيراً، فرآها عمر، فقال: المسلمون يموتون هزلاً، وهذه الدّابة تأكل الشّعير! لا والله لا أركبها حتى يحيا النّاس.
وعن يحيى بن سعيد، قال: اشترت امرأة عمر بن الخطاب لعمر فرق سمن بستّين درهماً، فقال عمر: ما هذا؟ فقالت امرأته: هو من مالي، ليس من نفقتك. فقال عمر: ماأنا بذائقه حتى يحيا النّاس.
стр. 6477
وعن ابن عمر أن عمر لمّا كان عام الرّمادة، واشتد الجوع على أهل المدينة، قال: والله لا أتأدّم وكان رجلاً لا يوافقه الزّيت ولا الشّعير ولا التّمر، وكان يوافقه السّمن فقال: والله لا أتادّم بالسّمن حتى يفتح الله على المسلمين عامه هذا.
قال: فشحب، وصحب بطنه، وضعف قوّته. قال: فاشترت ابنته له عكّة من سمن، فحلف بالله لا يأكل منها ولا يتأدّمها، فجعل إذا أكل خبز الشّعير والثّمر بغير أدم تقرقر بطنه؛ يقول هو في المجلس ويضع يده على بطنه: إن شئت فقرقر، وإن شئت لا تقرقر، مالك عندي أدم حتى يفتح الله على العامّة.
حدّث نافع مولى الزّبير، قال: سمعت أبا هريرة يقول: رحم الله ابن حنتمة، لقد رأيته عام الرمّادة، وإنه ليحمل على ظهره جرابين، وعكّة زيت في يده، وإنه ليعتقب هو وأسلم؛ فلمّا رآني قال: من أين يا أبا هريرة؟ قلت: قريباً.
قال: فأخذت أعقبه، فحملناه، حتى انتهينا إلى صرار، فإذا صرم نحو من عشرين بيتاً من محارب، فقال عمر: ما أقدمكم؟ قالوا: الجهد.
قال: وأخرجوا لنا جلد الميتة مشويّاً كانوا يأكلونه، ورمّة العظام مسحوقةً كانوا يسفّونها؛ فرأيت عمر طرح رداءه، ثم اتّزر، فما زال يطبخ لهم حتى شبعوا.
وأرسل أسلم إلى المدينة فجاء بأبعرة فحملهم عليها حتى أنزلهم الجبّانة، ثم كساهم، وكان يختلف إليهم وإلى غيرهم حتى رفع الله ذلك.
وعن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: لمّا كان عام الرّمادة تحلّبت العرب من كلّ ناحية فقدموا المدينة، فكان عمر بن
стр. 6478
الخطّاب قد أمر رجالاً يقومون عليهم، ويقسمون عليهم أطعمتهم وإدامهم، فكان يزيد ابن أخت النّمر، وكان المسور بن مخرمة، وكان عبد الرحمن بن عبد القاريّ، وكان عبد الله بن عتبة بن مسعود، فكانوا إذا أمسوا اجتمعوا عند عمر، فيخبروه بكلّ ما كانوا فيه، وكان كل رجل منهم على ناحية من المدينة، وكان الأعراب حلولاً فيما بين رأس الثّنيّة، إلى راتج، إلى بني حارثة، إلى بني عبد الأشهل، إلى البقيع، إلى بني قرطبة، ومنهم طائفة بناحية بني سلمة، هم محدقون بالمدينة. فسمعت عمر يقول ليلةً وقد تعشّى النّاس عنده: أحصوا من يتعشّى عندنا؛ فأحصوهم من القابلة فوجدوهم سبعة آلاف رجل. وقال: أحصوا العيالات الذين لا يأتون، والمرضى والصبيان؛ فأحصوهم، فوجدوهم أربعين ألفاً. ثم مكثنا ليالي فزاد النّاس، فأحصوا، فوجدوا من تعشى عنده عشرة آلاف، والأخرين خمسين ألفاً فما برحوا حتى أرسل الله السّماء. فلمّا مطرت رأيت عمر قد وكّل كلّ قوم من هؤلاء النّفر بناحيتهم، يخرجونهم إلى البادية، ويعطونهم قوتاً وحملاناً إلى باد يتهم، ولقد رأيت عمر يخرجهم هو بنفسه. قال أسلم: وقد كان وقع فيهم الموت، فأراه مات ثلثاهم وبقي ثلث، وكانت قدور عمر يقوم إليها العمّال في السّحر يعلمون الكركور حتى يصبحوا، ثم يطعمون المرضى منهم، ويعلمون العصايد؛ وكان عمر يأمر بالزّيت فيفار في القدور الكبار على النّار حتى يذهب حمتّه وحرّه، ثم يثرد الخبز، ثم يؤدم بذلك الزّيت؛ فكانت العرب يحمّون من الزّيت. وما أكل عمر في بيت أحد من ولده، ولا بيت أحد من نسائه ذواقاً زمان الرّمادة إلاما يتعشّى مع النّاس حتى أحيا الله النّاس أوّل ما أحيا.
حدث أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدّه، قال: كنّا نقول: لو لم يرفع الله المحل عام الرّمادة لظننّا أن عمر يموت همّاً بأمر المسلمين.
стр. 6479
وعن بعض نساء عمر، قالت: ما قرب عمر امرأة زمن الرّمادة، حتى أحيا النّاس.
عن قسامة بن زهير، قال: وقف أعرابيّ على عمر بن الخطّاب، فقال: من الرجز
يا عمر الخيّر خير الجنه ... جهّز بنيّاتي وأكسهنّه
أقسم بالله لتفعلنّه
قال: فإن لم أفعل يكون ماذا يا أعرابيّ؟ قال: أقسم أني سوف أمضينّه قال: فإن مضيت يكون ماذا ياأعرابيّ؟ قال:
والله عن حالي لتسألنّه ... ثم تكون المسألات ثمّه
والواقف المسؤول بينهنّه ... إمّا إلى نار وإمّا جنّه
قال: فبكى عمر حتى اخضلّت لحيته بدموعه، ثم قال: يا غلام: أعطه قميصي هذا لذلك اليوم لا لشعره، والله ما أملك قميصاً غيره.
عن المسور بن مخرجة الزّهري، قال: خرجنا حجّاجاً مع عمر بن الخطّاب، فنزلنا منزلاً بطريق مكة يقال له: الأبواء، فإذا نحن بشيخ على قارعة الطريق؛ فقال الشيخ: ياأيّها الرّكب، قفوا. فقال عمر: قفوا. فوقفنا؛ فقال عمر: قل يا شيخ. قال: أفيكم رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: أمسكوا لا يتكلمنّ أحد، ثم قال: أتعقل يا شيخ؟ قال: العقل ساقني إلى هاهنا. قال: توفي النبيّ ﷺ . قال: وقد توفي ﷺ ؟ قال: نعم.
стр. 6480
قال: فبكى حتى ظننّا أن نفسه ستخرج من بين جنبيه؛ ثم قال: فمن ولي أمر الأمّة من بعده؟ قال: أبو بكر. قال: نحيف بني تيم؟ قال: نعم. قال: أفيكم هو؟ قال: لا. قال: وقد توفّي؟ قال: نعم. قال فبكى حتى سمعنا لبكائه شحيجاً؟ ثم قال: فمن ولي أمر الأمّة بعده؟ فقال: عمر بن الخطّاب. قال: فأين كانوا عن أبيض بني أميّة؟ يريد عثمان بن عفّان فإنه كان ألين جانباً، وأقرب. قال: قد كان ذلك. قال: إن كانت صداقة عمر لأبي بكر لمسلمه إلى خير، أفيكم هو؟ قال: هو الذي يكلّمك منذ اليوم. قال: أغثني، فإني لم أجد مغيثاً. قال: ومن أنت بلّغك الغوث؟ قال: أنا أبو عقيل، أحد بني مليل، لقيت رسول الله ﷺ ردهة بني جعل، دعاني إلى الإسلام، فآمنت به، وصدّقت بما جاء به، فسقاني شربةً من سويق شرب رسول الله ﷺ أوّلها وشربت آخرها، فما برحت أجد شبعها إذا جعت، وريّها إذا عطشت، وبردها إذا أصبحت، ثم تيمّمت في رأس الأبيض أنا وقطعة غنم لي، أصلّي في يومي وليلتي خمس صلوات، وأصوم شهراً وهو رمضان، وأذبح شاةً لعشر ذي الحجّة، أنسك بها؛ ذاك علمي، حتى ألفت بها السنّة فما أبقت لنا منها إلاّ شاةً واحدةً، كنّا ننتفع بدرّتها، فعسّها الذّيب البارحة الأولى، فأدركنا ذكاتها، فأكلنا وبلغناك ببعض. فأغثنا أغاثك الله. فقال عمر: بلّغك الغوث، بلّغك الغوث، أدركني على الماء.
قال المسور بن مخرمة: فنزلنا المنزل، وأصبنا من فضل زادنا، وكأنّي أنظر إلى عمر متعباً على قارعة الطريق، آخذاً بزمام ناقته، لم يطعم طعاماً، ينتظر الشيخ ويرمقه. فلمّا رحل النّاس، دعا عمر صاحب الماء فوصف له الشيخ وحلاّه له، وقال: إذا أتى عليك فأنفق عليه وعلى آله حتى أعود إليك إن شاء الله.
قال المسور: فقضينا حجّنا، وانصرفنا، فلمّا نزلنا المنزل دعا عمر صاحب الماء، فقال: هل أحسست الشيخ؟ قال: نعم ياأمير المؤمنين، أتاني وهو موعوك، فمرض عندي ثلاثاً، فمات، ودفنته، وهذا قبره.
стр. 6481
فكأني أنظر إلى عمر وقد وثب مباعداً بين خطاه حتى وقف على القبر، فصلّى عليه، ثم انضجع فاعتنقه، وبكى، حتى سمعنا لبكائه شحيجاً، ثم قال: كره الله له منتّكم، وسيق به، واختار له ما عنده إن شاء الله. ثم أمر بأهله فجعلوا معه؛ فلم يزل ينفق عليهم حتى قبض.
عن زيد بن أسلم، عن أبيه أسلم، قال: خرجنا مع عمر بن الخطّاب إلى حرّة واقم، حتى إذا كنّا بصرار إذا نار، فقال: ياأسلم، إنّي لأرى ها هنا ركباً قصّر بهم اللّيل والبرد، انطلق بنا. فخرجنا نهرول حتى دنوها منهم، فإذا بامرأة معها صبيان صغار، وقدور منصوبة على نار، وصبيانها يتضاغون؛ فقال عمر: السّلام عليكم يا أصحاب الضّوء وكره أن يقول: يا أصحاب النّار فقالت: وعليك السّلام. فقال: أدنو؟ فقالت؛ ادن بخير أو دع. قال: فدنا، وقال: ما لكم؟ قالت: قصّر بنا اللّيل والبرد. قال: وما بال هؤلاء الصبّية يتضاغون؟ قال: الجوع. قال: فأيّ شيء في هذه القدور؟ قالت: ماء أسكتهم به حتى يناموا، والله بيننا وبين عمر. قال: أي رحمك الله، وما يدري عمر بكم؟ قالت: يتولّى أمرنا ثم يغفل عنّا! قال: فأقبل عليّ، فقال: انطلق بنا، فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدّقيق، فأخرج عدلاً من دقيق، وكبّة شحم؛ فقال: احمله عليّ. فقلت: أنا أحمله عنك. فقال: أنت تحمل وزري يوم القيامة، لا أمّ لك؟ فحملته عليه، فانطلق وانطلقت معه إليها نهرول، فألقى ذلك عندها، وأخرج من الدّقيق شيئاً، فجعل يقول لها: ذرّي عليّ وأنا أحرك لك، وجعل ينفخ تحت القدر ثم يمرثها؛ فقال: ابغي شيئاً؛ فأتته بصحفة، فأفرغها فيها، ثم جعل يقول لها: أطعميهم وأنا أسطح لهم. فلم يزل حتى شبعوا، وترك عندها فضل ذلك، وقام وقمت معه، فجعلت تقول: جزاك الله خيراً، كنت أولى بهذا الأمر من المؤمنين. فيقول: قولي خيراً، إذا جئت أمير المؤمنين وجدتني هناك إن شاء الله.
стр. 6482
ثم تنحّى عنها ناحيةً، ثم استقبلها، فربض مربضاً؛ فقلت: لك شأن غير هذا؟ فلم يكلّمني، حتى رأيت الصّبية يصطرعون، ثم ناموا، وهدؤوا. فقال: ياأسلم، إن الجوع أسهرهم وأبكاهم، فأحببت ألاّ أنصرف حتى أرى ما رأيت.
عن جهم بن أبي جهم، قال: قدم خالد بن عرفطة العذريّ على عمر، فسأله عمّا وراءه، فقال: ياأمير المؤمنين، تركت من ورائي يسألون الله أن يزيد في عمرك من أعمارهم، ما وطئ أحد القادسيّة إلاّ عطاؤه ألفان أو خمس عشرة مئة، وما من مولود يولد إلاّ ألحق على مئة وجريبين كل شهر ذكراً كان أو أنثى، وما يبلغ لنا ذكر إلاّ ألحق على خمسمئة أو ستّمئة، فإذا خرج هذا لأهل بيت، منهم من يأكل الطعام ومنهم من لا يأكل الطعام، فما ظنّك به؟ فإنه لينفقه فيما ينبغي ومالا ينبغي. قال عمر: فالله المستعان، إنّما هو حقّهم أعطوه، وأنا أسعد بأدائه إليهم منهم بأخذه، فلا تحمدنّي عليه، فإنه لو كان من مال الخطّاب ما أعطيتموه، ولكني قد علمت أن فيه فضلاً ولا ينبغي أن أحبسه عنهم، فلو أنه إذا خرج عطاء أحد هؤلاء العريب ابتاع منه غنماً فجعلها بسوادهم، ثم إذا خرج العطاء الثانية ابتاع الرأس فجعله فيها، فإني ويحك يا خالد بن عرفطة أخاف عليكم أن يليكم بعدي ولاة لا يعدّ العطاء في زمانهم مالاً، فإن بقي أحد منهم أو أحد من ولده كان لهم شيء قد اعتقدوه، فيتكئون عليه، فإن نصيحتي لك وأنت عندي جالس كنصيحتي لمن هو بأقصى ثغر من ثغور المسلمين، وذلك لما طوّقني الله من أمرهم؛ قال رسول الله ﷺ : " من مات غاشّاً لرعيّته لم يرح رائحة الجنّة ". وعن ابن عمر، قال: قدمت رفقة من التّجار، فنزلوا المصلّى، فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف: هل لك أن نحرسهم اللّيلة من السّرق؟ فباتا يحرسانهم، ويصلّيان ما كتب الله لهما، فسمع عمر بكاء صبيّ، فتوجه نحوه، فقال لأمّه: اتّقي الله وأحسني إلى صبيّك؛ ثم عاد إلى مكانه، فسمع
стр. 6483
بكاءه، فعاد إلى أمّه، فقال لها مثل ذلك، ثم عاد إلى مكانه؛ فلّما كان في آخر اللّيل سمع بكاءه، فأتى أمّه، ويحك، إنّي لأراك أمّ سوء، مالي أرى ابنك لا يقرّ منذ اللّيلة؟ قالت: يا عبد الله، قد أبرمتني منذ الليلّة، إنّي أريغه عن الفطام فيأبى. قال: ولم؟ قالت: لأن عمر لا يفرض إلاّ للفطم. قال: وكم له؟ قالت: كذا وكذا شهراً. قال: ويحك، لا تعجليه. فصلى الفجر وما يستبين النّاس قراءته من غلبة البكاء، فلمّا سلّم قال: يا بؤساً لعمر، كم قتل من أولاد المسلمين!. ثم أمر منادياً فنادى: ألا لا تجعلوا صبيانكم عن الفطام، فإنّا نفرض لكلّ مولود في الإسلام. وكتب بذلك في الآفاق: إنّا نفرض لكّل مولود في الإسلام. قال الأحنف بن قيس: ما سمع النّاس بمثل عمر بن الخطّاب في باب الدّين والدّنيا، كان منوّر القلب، فطناً بجميع الأمور؛ بيناه يطوف ذات ليلة سمع امرأة تقول في الطّواف وهي تنشد: من الطويل
فمنهنّ من تسقى بعذب مبرّد ... نقاخ، فتلكم عند ذلك قرّت
ومنهنّ من تسقى بأخضر آجن ... أجاج، ولولا خشية الله فرّت
ففطن عمر ﵀ ما تشكو، فبعث إلى زوجها، فقال لرجل: استنكه فمه؛ فوجده متغيّر الفم، فخيّره بين خمسمئة درهم وجارية من الفيء، على أن يطلّقها؛ فاختار خمسمئة والجارية، فأعطاه، فطلّقها. عن الحسن، قال: قال عمر: لو مات جمل في عملي ضياعاً خشيت أن يسألني الله عنه. وعن سالم بن عبد الله: أن عمر بن الخطاب كان يد خل يده في دبرة البعير ويقول: إنّي لخائف أن أسأل عمّا بك!.
стр. 6484
عن عوانه، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى ابنه عبد الله بن عمر: أمّا بعد؛ فإنه من اتّقى الله وقاه ومن توكّل عليه كفاه ومن أقرضه جزاه ومن شكره زاده؛ فلتكن التقوى عماد عملك، وجلاء قلبك؛ فإنه لا عمل لمن لا نيّة له، ولا مال لمن لا رفق له، ولا جديد لمن لا خلق له. عن جعفر بن برقان، قال: بلغني أن عمر بن الخطاب كتب إلى بعض عمّاله، فكان في آخر كتابه؛ أن حاسب نفسك في الرّخاء قبل حساب الشّدّة، فإنه من حاسب نفسه في الرّخاء قبل حساب الشّدّة عاد مرجعه إلى الرّضى والغبطة، ومن ألهته حياته وشغله هواه عاد مرجعه إلى النّدامة والحسرة، فتذكّر ما توعظ به لكي تنتهي عمّا تنهى عنه. وعن مالك بن مغول أنه بلغه أن عمر بن الخّطاب قال: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، فإنّه أهون أو قال: أيسر لحسابكم، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتجهّروا للعرض الأكبر يوم " تعرضون لا تخفى منكم خافية ".
عن هشام " بن عروة " عن أبيه، عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول في خطبته: أيّها النّاس، تعلمون أن الطمع فقر، وأن اليأس غنى، وأن المرء إذا أيس من الشيء استغنى عنه.
عن الحسن، قال: أتى عمر بن الخطاب أعرابيّ، فقال: يا أمير المؤمنين، إني رجل من أهل البادية، وإن لي أشغالاً، وإنّ لي وإنّ لي، فأوصني بأمر يكون لي ثقة وأبلغ به. فقال عمر: أرني يدك، فأعطاه يده، فقال: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصّلاة، وتوتي الزّكاة المفروضة، وتحجّ وتعمر، وتسمع وتطيع، وعليك بالعلانية، وإيّاك والشّرّ، وعليك بكل شيء إذا ذكر ونشر لم تستحي منه ولم يفضحك، وإيّاك وكلّ شيء إذا ذكر ونشر استحييت وفضحك.
стр. 6485
فقال: يا أمير المؤمنين، أعمل بهنّ، فإذا لقيت ربّي أقول: أمرني بهنّ عمر بن الخطّاب. فقال: خذهنّ، فإذا لقيت ربّك فقل له ما بدا لك.
وعن مسروق، عن عمر، قال: حسب الرّجل د ينه، وأصله عقله، ومروءته خلقه؛ وإن الشّجاع ليقاتل عمّن لا يبالي أن لا يعرف، وإن الجبان ليفّر عن أبيه. وقال: لا تعرض لما لا يعنيك، واعتزل عدوّك، واحتفظ من خليلك إلاّ الأمين، فإن الأمين ليس شيء يعدله، ولا أمين إلاّ من يخشى الله، ولا تصحب الفاجر فيحملك على الفجور، ولا تفش لأحد سرّك، وشاور في أمرك الذين يخشون الله .
وقال عمر: إن الشجاعة والجبن غرائز في الرّجال، يقاتل الشجاع عن من لا يعرف، ويفرّ الجبان عن أبيه، والكرم الحسب، وحسب المرء دينه، وكرمه خلقه ولو كان فارسياً أو نبطياً. وقال: ثلاث يصفين لك ودّ أخيك: تبدؤه بالسّلام إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحبّ أسماءه إليه. وثلاث من العيّ: أن يستبين لك من النّاس ما يخفى عليك من نفسك، وأن تعيب على النّاس بالّذي تأتى، وأن تؤذي جليسك بما لا يعنيك.
وقال عمر بن الخطاب: من كنتم سرّه كانت الخيرة في يديه، ومن عرّض نفسه للتّهمة فلا يلومنّ من أساء به الظّنّ، ولا تظنّنّ بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير مدخلاً، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تكثر الحلف فيهينك الله، وما كافأت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وعليك بإخوان الصّدق اكتسبهم فإنّهم زين في الرّخاء وعدّة عند البلاء.
стр. 6486
عن الأحنف بن قبس، قال: قال لي عمر بن الخطاب: يا أحنف من كثر ضحكه قلّت هيبته، ومن مزح استخفّ به، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قلّ حياؤه، ومن قلّ حياؤه قلّ ورعه، ومن قلّ ورعه مات قلبه.
وعن زيد بن عقبه، قال: قال عمر بن الخطاب: الرّجال ثلاثة، والنّساء ثلاثة، فامرأة عفيفة مسلمة، هّينة ليّنة ودود ولود، تعين أهلها على الدّهر ولا تعين الدّهر على أهلها، وقلّ ما تجدها؛ والأخرى وعاء للولد، لا تزيد على ذلك شيئاً؛ وأخرى غلّ قمل يجعلها الله في عنق من يشاء، وينزعه إذا شاء. والرّجال ثلاثة: فرجل إذا أقبلت الأمور وتشبّهت، يأمر فيها أمره، ونزل عند رأيه؛ وآخر ينزل به الأمر فلا يعرفه، فيأتي ذوي الرّأي فينزل عند رأيهم؛ وآخر حائر بائر، لا يأتمر رشداً، ولا يطيع مرشداً.
عن أبي السفر، قال: رؤيء على عليّ برده كان يكثر لبسه، فقيل له: يا أمير المؤمنين، إنك لتكثر لبس هذا؛ قال: إنه كسانيه خليلي، وصفييّ، وصديقي، وخاصّتي، عمر بن الخطاب؛ إن عمر ناصح الله فنصحه الله تعالى؛ ثم بكى.
وقال عليّ بن أبي طالب: إ ن أبا بكر كان أوّاهاً منيباً، وإن عمر نصح الله فنصحه. وقال عليّ: إن عمر كان رشيد الأمر.
قال سالم بن أبي الجعد: جاء أهل نجران بكتابهم إلى عليّ في أديم أحمر، فقالوا: ننشدك بكتابك بيمينك، وشفاعتك بلسانك، إلا ما رددتنا إلى أرضنا. فقال: إن عمر كان رشيد الأمر.
стр. 6487
قال سالم: فلو كان طاعناً على عمر لكان ذلك اليوم.
وعن عليّ، قال: لا أجد رجلاً يفضّلني على أبي بكر وعمر، إلا جلدته حدّ المفتري.
عن علقمة بن قيس، قال وضرب بيده على منبر الكوفة فقال: خطبنا عليّ على هذا المنبر، فذكر ما شاء الله أن يذكر، ثم قال: ألا إنه بلغني أن ناساً يفضّلونني على أبي بكر وعمر، ولو كنت تقدّمت في ذلك لعاقبت، ولكن أكره العقوبة قبل التّقدّم، من أتيت به بعد مقامي هذا قد قال شيئاً من ذلك فهو مفتر، عليه ماعلى المفتري، ثم قال: إنّ خير النّاس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر: أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ماعسى أن يكون حبيبك يوماً ما.
قال سعيد بن زيد لابن مسعود: يا أبا عبد الرحمن، توفي رسول الله ﷺ ، فأين هو؟ قال: في الجنّة. قال: توفي أبو بكر فأين هو؟ قال ذاك الأوّاه عند كل خير يبتغى. قال: توفي عمرفأين هو؟ قال: إذا ذكر الصالحون فحيّ هلا بعمر.
عن عبد الله بن مسعود، قال: إذا ذكرالصّالحون فحيّ هلا بعمر؛ وايم الله، إني لأّحسب أن بين عينيه ملكاً يسدّده.
وعن زيد بن وهب، قال: كنت في حلقة في المسجد، فيها أناس من القرّاء، فاختلف رجلان في قراءة آية، فبينما هما كذلك إذ دخل عبد الله بن مسعود من أبواب كندة، فقاما إليه يسألانه عنها، وقمت معهما أنظر ما يرجع إليهما. قال: فاحتبسناه في صحن المسجد، وهو قائم، فقالا: آية اختلفنا في قراءتها، فأحببنا أن نعلم موضعها. فقال لأحدهما: اقره؛ فلمّا قرأ قال: من أقرأكها؟ قال: أقرأنيها معقل بن مقرن المزني. ثم قال للآخر: اقره؛ فلمّا قرأ قال: من أقرأكها؟ قال:
стр. 6488
أقرأنيها عمر بن الخطّاب. فلما ذكر عمر، بكى حتى نشج، وحتى رأيت في الحصى من دموعه أثراً، ثم قال: إن عمر كان أعلمنا بالله، وأفقهنا في دين الله، وأقرأنا لكتاب الله، فاقرأها كما أقرأكها عمر، فوالله لهي أبين من طريق السّيلحين، وبالله ما من أهل بيت لم يدخل حزن عمر يوم أصيب إلاّ أهل بيت سوء، كان عمر حصناً حصيناً يدخل الإسلام فيه ولا يخرج منه.
وزاد في رواية: إن عمر كان حائطاً كثيفاً يدخله المسلمون ولا يخرجون منه، فمات عمر، فانثلم الحائط فهم يخرجون ولا يدخلون، ولو أن كلباً أحبّ عمر لأحببته، وما أحببت حبّي لأبي بكر وعمر وأبي عبيدة بن الجّراح بعد رسول الله ﷺ حبّي لهؤلاء الثلاثة. وقال: لقد أحببت عمر حتى لقد خفت الله، ولو أني أعلم أن كلباً يحبّ عمر لأحببته، ولوددت أني كنت خادماً لعمر حتى أموت، ولقد وجد فقده كلّ شيء حتى العضاه، وإنّ هجرته كانت نصراً، وإن سلطانه كان رحمةً.
عن عمّار بن ياسر، قال: من فضّل على أبي بكر وعمر أحداً من أصحاب النبيّ ﷺ فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وطعن على أصحاب النبيّ ﷺ . قال: فقال عليّ: لا يفضّلني أحد على أبي بكر وعمر إلاّ وقد أنكر حقّي وحقّ أصحاب رسول الله ﷺ .
قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، في حديث عمرو بن العاص، أنه قال: إن ابن حنتمة بعجت له الدّنيا معاها، وألقت إليه أفلاذ كبدها، ونقّت له مخّتها، وأطعمته شحمتها، وأمطرت له جوداً سال منه شعابها، ودفعت في محافلها، فمصّ منها
стр. 6489
مصّاً، وقمص منها قمصاً، وجانب غمرتها، ومشى ضحضاحها، وما ابتلّت قدماه؛ ألا كذاك أيّها النّاس؟ قالوا: نعم، ﵀.
ابن حنتمة: عمر بن الخطّاب، وأمّه حنتمة بنت هشام بن المغيرة، ابنة عّم أبي جهل بن هشام. وقوله: بعجت له الدّنيا معاها: مثل ضربه، أراد أنه كشفت له ما كان مخبوءاً عن غيره؛ والبعج: الشق والفتح. وألقت إليه أفلاذ كبدها: يعني كنوزها، وهم يكنّون عن المال بأفلاذ الكبد، وهي قطعها، ولذلك يقول عابرو الرؤّيا في الكبد إنه مال مدفون.
والشّعاب: الأودية. والمحافل: المواضع التي تحتفل فيها الماء، أي تجتمع وتكثر. وقوله: فمصّ منها مصّاً: أي نال اليسير. وقمص قمصاً: أي نفر؛ يقال: دابّة بها قماص، بكسر القاف. وجانب غمرتها: أي كثرتها. ومشى ضحضاحها؛ وهو مارقّ من الماء على وجه الأرض، ومنه: " إن أبا طالب في ضحضاح من نار ". وما ابتلّت قدماه: يقول: لم يتعلّق منها بشيء.
عن ابن عبّاس، قال: أكثروا ذكر عمر، فإن عمر إذا ذكر ذكر العدل، وإذا ذكر العدل ذكر الله.
وعن عائشة، قالت: زيّنوا مجالسكم بالصّلاة على النبيّ ﷺ ، وبذكر عمر بن الخطّاب.
قال معاوية بن أبي سفيان لصعصعة: صف لي عمر بن الخطّاب. فقال: كان عالماً برعيّته، عادلاً في نفسه، قليل الكبر،
стр. 6490
قبولاً للعذر، سهل الحجاب، مفتوح الباب، يتحرّى الصّواب، بعيد من الإساءة، رفيق بالضعيف، غير صخّاب، كثير الصّمت، بعيد من العيب.
عن عبد العزيز بن حفص الوالبيّ، قال: قلت للحسن: حبّ أبي بكر وعمر سنّة؟ قال: لا، فريضة.
عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: أن رجلاً جاءه، فقال: انعت لي أبا بكر وعمر. فقال ربيعة: ما أدري كيف أنعمتها لك، أمّا هما فقد سبقا من كان معهما، وأتعبا من كان بعدهما.
قال المسعودي عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: فضل النّاس عمر في أربع؛ في الأسرى إذ قال لرسول الله عليه وسلم: اضرب أعناقهم. فنزل " ما كان لنبيّ أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ". وقوله للنبيّ ﷺ : اضرب على أزواجك حجاباً. فقالت زينب: يا ابن الخطّاب، تغار علينا والوحي ينزل علينا في بيوتنا؟ فأنزل الله تعالى: " وإذا سألتموهنّ متاعاً فاسألوهنّ من وراء حجاب ".
وقول رسول الله ﷺ : " اللهم أيدّ الإسلام بعمر بن الخطّاب ". وكان أول من بايع أبا بكر.
عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: جاء بلال يريد أن يستأذن على عمر، فقلت: إنه نائم. فقال: يا أسلم، كيف تجدون عمر؟ فقلت: خير النّاس، إلاّ أنه إذا غضب فهو أمر عظيم. فقال بلال: لو كنت عنده إذا غضب، قرأت عليه القرآن حتى يذهب غضبه.
عن ابن أبي
стр. 6491
حازم، عن أبيه، قال: سئل علي بن الحسن عن أبي بكر وعمر، ومنزلتهما من رسول الله ﷺ ، فقال: كمنزلتهما اليوم، هما ضجيعاه.
وعن مالك، قال: قال لي أمير المؤمنين هارون: يا مالك، كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر من النبيّ ﷺ ؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين، قربهما منه في حياته كقرب مضجعهما بعد وفاته. قال: شفيتني يا مالك، شفيتني يا مالك.
عن عبد الله بن مصعب، قال: قال لي أمير المؤمنين: يا أبا بكر، ما تقول في الذين يشتمون أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فقلت: زنادقة، يا أمير المؤمنين. قال: ما علمت أحداً قال هذا غيرك، فكيف ذلك؟ قال: قلت: إنّما هم قوم أرادوا رسول الله ﷺ فلم يجدوا أحداً من الأمّة يتابعهم على ذلك فيه، فشتموا أصحابه؛ يا أمير المؤمنين ما أقبح با لرّجل أن يصحب صحابة السّوء! فكأنّهم قالوا: رسول الله ﷺ صحب صحابة السّوء! فقال لي: ما أرى الأمر إلاّ كما قلت. كان مالك بن أنس، يقول: كان صالحو السّلف يعلّمون أولادهم حبّ أبي بكر وعمر، كما يعلّمون السّورة من القرآن.
عن عقبة، قال: ما أدركت أحداً ممّن كنّ نأخذ منه كان يفضّل على أبي بكر وعمر أحداً بعد النبيّ ﷺ .
وعن سفيان الثّوري، قال: من فضّل علياً على أبي بكر وعمر فقد أزرى على اثني عشر ألفاً من أصحاب محمد ﷺ .
стр. 6492
وعن محمد بن عبيد الطنافسي، عن أبيه، قال: أدركت النّاس وما يتكلّمون في أبي بكر ولا عمر، وما كان الكلام إلاّ في عليّ وعثمان.
وعن مالك بن مغول، قال: إني لأرجو على حبّ أبي بكر وعمر ﵄ ما أرجو بالتّوحيد.
وقال بعض علماء الشّام: إنّ عمر بن الخطّاب سراج أهل الجنّة، وإن عمر تمنّى أن يكون شعرةً في صدر أبي بكر.
عن محمد بن عاصم الأصبهاني، قال: سمعت أبا أسامة يقول: تدرون من أبو بكر وعمر؟ أبو الإسلام وأمّه. فذكرت ذلك لأبي أيّوب سليمان الشاذوكيّ، فقال: صدق، هما ربيّا الإسلام.
وعن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، قال: قلت لأبي: يا أبه، لو رأيت رجلاً يسبّ عمر، ما كنت صانعاً به؟ قال: كنت أضرب عنقه.
وعن جعفر بن محمد الصّادق، قال: أنا بريء ممّن ذكر أبا بكر وعمر إلاّ بخير.
عن جابر بن عبد الله، قال: قيل لعائشة: إن ناساً يتناولون أصحاب رسول الله ﷺ ، حتى إنهم ليتناولون أبا بكر وعمر! فقال: أتعجبون من هذا؟ إنّما قطع عنهم العمل، فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر.
وعن الأجلح، قال: سمعنا أنه ما شتم أبا بكر وعمر أحد إلاّ مات قتلاً أو فقراً.
عن خلف بن تميم، قال: سمعت بشيراً، ويكنى أبا الخصيب، قال: كنت رجلاً تاجراً، وكنت موسراً،
стр. 6493
وكنت أسكن مدائن كسرى، وذلك في زمن ابن هبيرة. قال: فأتاني أجيري يذكر أن في بعض الخانات رجلاً قد مات، وليس يوجد له كفن، فأقبلت حتى دخلت ذلك الخان، فدفعت إلى رجل مسجىً، وعلى بطنه لبنة، ومعه نفر من أصحابه، فذكروا من عبادته وفضله. فبعثت ليشترى الكفن وغيره، وبعثت إلى حافر يحفر له، وهيّأنا له لبناً، وجلسنا نسخّن لنغسله؛ فبينا نحن إذ وثب المّيت وثبةً، فبدرت اللّبنة عن بطنه، وهو يدعو بالويل والثّبور والنّار. قال: فتصدّع أصحابه عنه. قال: فدنوت حتى أخذت بعضده وهززته، ثم قلت: ما رأيت وما حالك؟ قال: صحبت مشيخةً من أهل الكوفة، فأدخلوني في دينهم أوفي رأيهم، الشّك من أبي الخصيب في سبّ أبي بكر وعمر، والبراءة منهما. قال: قلت: استغفر الله ثم لا تعد. قال: فأجابني: وما ينفعني وقد انطلق بي إلى مدخلي من النّار فأريته، وقيل لي: إنك سترجع إلى أصحابك فتحدّثهم بما رأيت، ثم تعود إلى حالك!. فما انقضت كلمته حتى مال ميتاً على حاله الأول. قال: فانتظرت حتى أتي بالكفن، فأخذته، وقمت، فقلت: لا كفّنته ولا غسّلته ولا صلّيت عليه، ثم انصرفت. فأخبرت بعد أن القوم الذين كانوا معه كانوا على رأيه، وتولّوا غسله ودفنه والصّلاة عليه. وقالوا: ما الذي أنكرتم من صاحبنا، إنّما كانت خطفة من الشّيطان تكلّم به على لسانه. قال خلف: قلت: يا أبا الخصيب، هذا الحديث الذي حدّثتني به تشهد به؟ قال: بصر عيني، وسمع أذني، وأنا أؤدّيه إلى النّاس. قال مالك بن أنس: من سبّ أصحاب رسول الله ﷺ فليس له في الفيء حقّ، يقول الله : " للفقراء المهاجرين الّذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً " الآية. هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ ، الذين هاجروا معه، ثم قال: "
стр. 6494
والذّين تبوّؤا الدّار والإيمان ". هؤلاء الأنصار، ثم قال: " والذّين جاؤوا من بعدهم " قال مالك: فاستثنى الله ، فقال: " يقولون ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الّذين سبقونا بالأيمان ". الفيء لهؤلاء الثلاثة، فمن سبّ أصحاب رسول الله ﷺ فليس من هؤلاء الثلاثة، ولا حقّ له في الفيء.
عن خليفة، قال: سنة ثلاث عشرة: فيها بويع عمر بن الخطاب. واسم أم عمر حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وفيها: بعث عمر أبا عبيد بن مسعود الثقفي إلى العراق، فلقي جابان بين الحيرة والقادسية، ففضّ جمعه، وأسره وقتل ومردانشاه، ففدى جابان نفسه بغلامين وهو لا يعرف. قال: ثم سار إلى كسكر، فلقي نرسي، فهزمهم الله، ثم أغار على مسلحة بالس فانهزموا.
قال خليفة: سنة أربع عشرة: فيها فتحت دمشق.
قال ابن إسحق، وغيره: وفيها مصّرت البصرة.
стр. 6495
قال خليفة: وفيها فتح الأبلّة. سنة خمس عشرة: قال: وحدّ ثني عبد الله بن المغيرة، عن أبيه، قال: افتتح شرحبيل بن حسنة الأردن كلّها عنوةً، ما خلا طبريّة، فإن أهلها صالحوه، وذلك بأمر أبي عبيدة. وقال: وبعث أبو عبيدة خالد بن الوليد فغلب على أرض البقاع، وصالحه أهل بعلبك، وكتب لهم كتاباً.
وقال ابن الكلبي: ثم خرج أبو عبيدة يريد حمص، فسألوه الصّلح على أموالهم وأنفسهم وكنائسهم وعلى أرض حمص، على مئة ألف دينار وسبعين ألف دينار.
قال خليفة: وفيها وقعة اليرموك، وفي هذه السّنة بالعراق فتح نهر تيرى، ود ست ميسان، وقراها. وفيها: وقعة القادسية. وعلى المسلمين سعد بن مالك؛ وذكر أن فيها افتتحت المدائن. سنة ستّ عشرة: قال خليفة: وفي هذه السّنة افتتحت الأهواز، ثم كفروا. قال: وعن عبد الله بن المغيرة، عن أبيه، أن أبا عبيدة بعث عمرو بن العاص بعد فراغه من اليرموك إلى قنّسرين، فصالح أهل حلب ومنبج وأنطاكية، وافتتح سائر أرض قنّسرين عنوة.
стр. 6496
وعن سالم بن عبد الله بن عمر، قال: خرج أهل إ يلياء إلى عمر فصالحوه على الجزية، وفتحوها.
وقال عامر بن حفص: قدم أبو موسى البصرة سنة سبع عشرة، فكتب إليه عمر، أن سر إلى كور الأهواز. فسار أبو موسى فأتى الأهواز فافتتحها يقال: عنوة، ويقال: صلحاً فوظف عليها عمر عشرة آلاف ألف وأربعمئة ألف.
قال خليفة: وفيها يعني سنة سبع عشرة وقعة جلولاء؛ وفي هذه السّنة كوّفت الكوفة.
وقال ابن إسحاق: وفي سنة ثمان عشرة فتحت الرّها.
قال خليفة: إن أبا موسى الأشعريّ افتتح الرّها وسميساط، وما والاهما عنوة. وكان أبو عبيدة بن الجرّاح وجّه عياض بن غنم الفهريّ إلى الجزيرة فوافق أبا موسى بعد فتح هذه المدن، فمضى ومعه أبو موسى فافتتحا حرّان ونصيبين وطوائف الجزيرة عنوة.
ويقال: وجّه أبو عبيدة خالد بن الوليد إلى الجزيرة فوافق أبا موسى قد افتتح الرّها وسميساط، فوجّه خالد أبا موسى وعياضاً إلى حرّان فصالحا أهلها، ومضى خالد إلى نصيبين، فافتتحها، ثم رجع إلى آمد، فافتتحها صلحا، وما بينها عنوة. وقال: إن عمر وجّه عياضاً فافتتح الموصل، وذلك سنة ثمان عشرة. وفيها فتحت حلوان والماهات. وفيها فتح جند يسابور والسّوس صلحاً، صالحهم أبو موسى ثم رجع إلى الأهواز.
стр. 6497
قال خليفة: سنة تسع عشرة: فيها فتحت قيساريّة، أميرها معاوية بن أبي سفيان وسعيد بن عامر بن جذيم.
قال ابن إسحاق: سنة عشرين: فيها فتحت تكريت.
وقال خليفة: سنة عشرين: فيها أمر مصر، وفيها: وقعة تستر.
قال خليفة: سنة إحدى وعشرين: فيها وقعة نهاوند. وفيها: وقعة إصطخر. وفيها: فتحت الإسكندرية، فتحها عمرو بن العاص.
قال خليفة: سنة اثنين وعشرين: قال أبو عبيدة: مضى حذ يفة بن اليمان بعد نهاوند إلى مدينة نهاوند، فصالحه دينار على ثمانمئة ألف درهم في كل سنة. وغزا حذيفة مدينة الدّينور، فافتتحها عنوةً، وقد كانت فتحت لسعد ثم انتقضت، ثم غزا حذيفة ماه سبذان، فافتتحها عنوةً، وقد كانت فتحت لسد فانتقضت. وفيها فتحت أذربيجان. وفيها: افتتح عمرو بن العاص أطرابلس.
قال خليفة: سنة ثلاث وعشرين: فيها غزوة إصطخر الأولى. وفيها: قتل عمر بن الخطاب.
عن سعيد بن المسيّب: أن عمر بن الخطّاب لّما نفر من أناخ بالأبطح، ثم كوّم كومةً من بطحاء، فألقى عليها طرف ردائه، ثم استلقى، ورفع يديه إلى السّماء، ثم قال: اللهم، كبرت
стр. 6498
سنّي، وضعفت قوّتي، وانتشرت رعيّتي، فاقبضني إليك غير مضيّع ولا مفرّط. فما انسلخ ذو الحجّة حتى طعن، فمات.
عن جبير بن مطعم، قال: حججت مع عمر آخر حجّة حجّها، فبينما نحن واقفون معه على جبل عرفة، صرخ رجل فقال: يا خليفة؛ فقال رجل من لهب وهم حيّ من أزد شنؤة يعتافون مالك، قطع الله لهجتك وقال عقيل: لهاتك والله لا يقف عمر على هذا الجبل بعد هذا العام أبداً.
قال جبير: فوقعت بالرّجل اللهبيّ، فشتمته؛ حتى إذا كان الغد، وقف عمر وهو يرمي الجمار، فجاءت حصاة عائرة من الحصا الذي يرمي به النّاس، فوقعت في رأسه، ففصدت عرقاً من رأسه؛ فقال رجل: أشعر، وربّ الكعبة، لا يقف عمر على هذا الموقف أبداً بعد هذا العام.
قال جبير: فذهبت ألتفت إلى الرّجل الذي قال ذلك، فإذا هو اللهبيّ الذي قال لعمر على جبل عرفة ما قال.
وزاد في أخرى: قال: فوالله ما حجّ عمر بعدها.
عن عائشة زوج النبيّ ﷺ : أن عمر بن الخطّاب أذن لأزواج النبيّ ﷺ يحججن في آخر حجّة حجّها عمر بن الخطّاب. قالت: فلمّا ارتحل عمر من الحصبة آخر اللّيل، أقبل رجل يسير، فقال وأنا أسمع: أين كان مناخ أمير المؤمنين؟ قالت: فقال له قائل وأنا أسمع: هذا كان منزله؛ فأناخ في منزل عمر، ثم رفع عقيرته يتغنّى، فقال: من الطويل
стр. 6499
عليك سلام من أمير وباركت ... يدالله في ذاك الأديم الممزّق
فمن يسع أو يركب جناحي نعامة ... ليدرك ما قدّمت بالأمس يسبق
قضيت أموراً ثم غادرت بعدها ... بوائج في أكمامها لم تفتّق
فلمّا سمعت ذلك، قلت لبعض أهلي: اعلموا لي من هذا الرّجل. فانطلقوا إليه فلم يجدوه في مناخه، فقالت عائشة: والله إنّي لأحسبه من الجنّ؛ حتى إذا قتل عمر نحل النّاس هذه الأبيات شمّاخ بن ضرار الغطفانّي، ثم الثّعلبيّ، أو عمّ شمّاخ.
وفي رواية: فأقبل رجل إلى عمر منتقب، فسلّم عليه، ثم قال: من الطويل
جزى الله خيراً من إمام وباركت ... يد اله في ذاك الأديم الممزّق
قضيت أموراً ثم غادرت بعدها ... بوائج في أكمامها لم تفتّق
وكنت تشوب الدّين بالحلم والتّقى ... وحكم صليب الرّأي غير مزوّق
فمن يسع أويركب جناحي نعامة ... ليدرك ما قدّمت بالأمس يسبق
وزير النبيّ حياته ووليّه ... كساه الإله جبّةً لم تخرّق
من الفضل والإسلام والدّين والتّقى ... فبابك عن كلّ الفواحش مغلق
أبعد قتيل بالمدينة أظلمت ... له الأرض واهتزّ العضاه بأسؤق
فما كنت أخشى أن تكون وفاته ... بكفّي سبنتى أزرق العين مطرق
تظّل الحصان البكر تبدي عويلها ... تنادي فويق الأيطل المتأرّق
عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ صعد أحد وأبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم، فقال نبيّ الله ﷺ : " اثبت أحد، فإنما عليك نبيّ وصدّيق وشهيدان "
стр. 6500
عن أبي صالح، قال: قال كعب لعمر بن الخطّاب: أجدك في التّوراة كذا، وأجدك كذا، وأجدك تقتل شهيداً! فقال عمر بن الخطّاب: وأنّى لي بالشهادة، وأنا في جزيرة العرب؟.
عن الحسن، قال: قال عمر بن الخطّاب: حدّثني ياكعب عن جنّات عدن، فقال: نعم ياأمير المؤمنين، قصور في الجنّة لا يسكنها إلاّ نبيّ أو صدّيق أو شهيد أو حكم عدل. فقال عمر: أمّا النّبوّة فقد مضت لأهلها، وأمّا الصدّيقون فقد صدقت الله ورسوله، فأمّا حكم عدل فإنّي أرجو أن لا احكم بشيء إلاّ لم آل فيه عدلاً، وأمّا الشّهادة فأنّى لعمر الشّهادة.
وعنه، قال: قال عمر بن الخطّاب رحمة الله عليه: لولا ثلاث لتمنّيت الموت؛ الجهاد في سبيل الله وأنا أرجوه، والسّجود لله عزّوجلّ، وأن أجالس أقواماً يلتقطون جيّد الكلام كما يلتقط القوم جيّد التّمر إذا وضع بين أيديهم.
عن قيس بن أبي حازم، قال: خطب عمر بن الخطّاب النّاس ذات يوم على منبر المدينة، فقال في خطبته: إن في جنّات عدن قصراّ له خمسمئة باب، على كلّ باب خمسة آلاف من الحور العين، لا يدخله إلا نبيّ ثم نظر إلى قبر الرّسول ﷺ ، فقال: هنيئاً لك يا صاحب القبر ثم قال: أو صدّيق ثم التفت إلى قبر أبي بكر، فقال: هنيئاّ لك يا أبا بكر ثم قال: أو شهيد ثم أقبل على نفسه، فقال: وأنّى لك الشّهادة يا عمر ثم قال: إنّ الذي أخرجني من مكّة إلى هجرة المدينة لقادر أن يسوق إليّ الشّهادة.
قال ابن مسعود: فساقها الله إليه على يد شرّ خلقه مجوسيّ، عبد، مملوك للمغيرة.
عن عوف بن مالك الأشجعيّ: أنه رأى رؤيا زمان أبي بكر باليمن، فلمّا قدم قصّها على أبي بكر، وعمر يسمع، فقال: ما هذا؟. فلمّا ولّى دعاه فسأله، فقال: أولم تكذب بها؟ قال: لا، ولكنّي
стр. 6501
استحييت من أبي بكر. فقصّها عليه، فقال: رأيت كأنّ عمر أطول النّاس، وهو يمشي فوقهم، فقلت: أنّى هذه؟ فقيل: إنه لا يخاف في الله لومة لائم، وإنّه أمير المؤمنين، وإنه يقتل شهيداً. فقال: وكيف لي بالشّهادة، وبيني وبين الرّوم رجال أهل الشّام وأهل العراق؟. قال: يتيحها الله من حيث شاء.
عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، قال: ألّلهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك.
عن أنس بن مالك، عن أبي موسى الأشعريّ، قال: رأيت كأنّي أخذت جوادّ كثيرة، فاضمحلّت حتّى بقيت جادّة واحدة فسلكتها، حتى انتهيت إلى جبل، فإذا رسول الله ﷺ فوقه، إلى جنبه أبو بكر، وإذا هو يومي إلى عمر: أن تعال؛ فقلت: " إنّا لله وإليه راجعون " مات والله أمير المؤمنين. فقلت: ألا تكتب بهذا إلى عمر؟ فقال: ما كنت لأنعى له نفسه.
عن معدان بن أبي طلحة اليعمري: أن عمر بن الخطّاب خطب يوم الجمعة، وذكر نبيّ الله ﷺ ، وذكر أبا بكر، ثم قال: رأيت كأن ديكاً نقرني نقرةً أو نقرتين، وإنّي لا أراه إلاّ لحضور أجلي؛ وإنّ أقواماً يأمرونني أن أستخلف، وإنّ الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته، ولا الذي بعث نبيّه ﷺ ، فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء السّتّة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، وقد علمت أن أقواماً سيطعنون في هذا الأمر بعدي أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام، فإن فعلوا فأولئك أعداء الله الكفرة الضّلاّل، وإنّي لا أدع شيئاّ بعدي هو أهمّ إليّ من الكلالة، وما راجعت رسول الله عليه وسلم في شيء ما راجعت في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء منذ صاحبته ما أغلظ لي في الكلالة، حتى
стр. 6502
طعن بإصبعه في صدري، فقال: " أما يكفيك آية الصّيف الّتي في سورة النساء، وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرؤه ". ثم قال: اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار، فإنّما بعثتم ليعلّموا النّاس د ينهم، وسنّة نبيّهم ﷺ ، ويعدلوا عليهم، ويرفعوا إليّ ما أشكل عليهم من أمرهم. ثم إنكم أيها النّاس تأكلون من شجرتين ما أراهما إلاّ خبيثتين، هما البصل والثّوم، وقد كنت أرى رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرّجل في المسجد أمر فأخذ بيده، فأخرج به البقيع، فمن كان أكلهما لا بدّ فليمتهما طبخاً.
عن عامر بن أبي محمد، قال: قال عيينة بن حصن الفراريّ لعمر بن الخطّاب: يا أمير المؤمنين، احترس وأخرج العجم من المدينة، فإني لا آمن أن يطعنك رجل منهم في هذا الموضع ووضع يده في الموضع الذي طعنه أبو لؤلؤة فلّما طعن عمر، قال: ما فعل عيينة؟ قالوا بالهجم أو بالحاجر. فقال: إن هناك لرأياً.
عن المسور بن مخرمة، قال: قال كعب لعمر: يا أمير المؤمنين اعهد فإنك ميت في ثلاثة أيام!. فقال عمر: الله! إنك لتجد عمري في التّوراة؟ قال: لا، ولكن أجد صفتك وحليتك.
قال: وعمر لا يحسّ أجلاً ولا وجعاً؛ فلّما مضى ثلاثة طعنه أبو لؤلؤة، فجعل يدخل عليه المهاجرون والأنصار فيسلّمون عليه؛ قال: ودخل في النّاس كعب، فلّما نظر إليه عمر، قال: من الطويل
فأوعدني كعب ثلاثاً يعدّها ... ولا شكّ أن القول ما قال لي كعب
وما بي حذار الموت، إني لميت ... ولكن حذار الذّ نب يتبعه الذّنب
стр. 6503
عن عمر بن ميمون، أن أبا لؤلؤة عبد المغيرة بن شعبة طعن عمر بخنجر له رأسان، وطعن معه اثني عشر رجلاً، فمات منهم ستّة، فألقى عليه رجل من أهل العراق ثوباً، فلّما اغتّم فيه طعن نفسه فقتلهما.
عن أبي رافع، قال: كان أبو لؤلؤة عبداً للمغيرة بن شعبة، وكان يصنع الرّحى. قال: فكان المغيرة يستغله كلّ يوم أربعة دراهم. قال: فلقي أبو لؤلؤة عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، أن المغيرة قد أثقل عليّ، فكلّمه أن يخفّف عنّي. قال: فقال عمر: اتّق الله وأحسن إلى مولاك. قال: ومن نيّة عمر أن يلقى المغيرة فيكلّمه في التّخفيف عنه. قال: فغضب أبو لؤلؤة، وقال: يسع النّاس عدله كلّهم غيري؛ فغضب، وأضمر على قتله. قال: فصنع خنجراً له رأسان. قال: فشحذه. قال: وتحيّن عمر. وكان عمر لا يكبّر إذا أقيمت الصّلاة حتى يتكلّم: أقيمو صفوفكم. قال: فجاء فقام في الصّفّ بحذاه مقابل عمر في صلاة الغداة. قال: فلّما أقيمت الصّلاة تكلّم قال: أقيموا صفوفكم. قال: ثم كبّرفلّما كبّر وجأةً وجأةً. قال: ثم كبّر، فوجأةً وجأة على كتفه، ووجأةً مكاناً آخر، ووجأه في خاصرته. فسقط عمر، ووجأ ثلاثة عشر رجلاً معه، فأفلت منهم سبعة ومات منهم ستة، واحتمل عمر، فذهب به إلى أهله، وصاح النّاس حتى كادت الشمس أن تطلع، فنادى عبد الرحمن بن عوف: أيّها النّاس الصّلاة؛ ففزع النّاس إلى الصّلاة، فتقدم عبد الرحمن فصلّى بهم، وقرأ بأقصر سورتين من القرآن؛ فلّما انصرف توجه النّاس إلى عمر، فدعا بشراب لينظر ما مدى جرحه. قال: فأتي بنبيذ، فشربه، فخرج من جرحه؛ فلم يدر نبيذ هو أم دم. قال: فدعا بلبن، فأتي به، فخرج من جرحه؛ فقالوا: لا بأس عليك يا أمير المؤمنين. قال: إن يكن القتل بأساً فقد قتلت. قال: فتكّلم صهيب فرفع صوته: وأخاه، ثلاثاً؛ فقال: مه يا صهيب، يا أخي، أوما بلغك، أوما سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن المعوّل عليه يعذّب في قبره "؟ فأقبل النّاس يثنون عليه: جزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين، كنت وكنت؛ فيجيء قوم
стр. 6504
فيثنون وينصرفون، ويجيء قوم فيثنون وينصرفون، ويجيء قوم آخرون. فقال عمر: أما والله على ما تقولون لوددت أني خرجت منها كفافاً لا لي ولا علّي، وأن صحبة رسول الله ﷺ سلمت لي. فتكلّم ابن عبّاس وكان ابن عبّاس خلط بعمر فقال: لا والله يا أمير المؤمنين لا تخرج منها كفافاً، لقد صحبت رسول الله ﷺ فصحبته بخير ما صحبه صاحب، كنت له، وكنت، حتى قبض رسول الله ﷺ وهو عنك راض، وكان أبو بكر بعده فكنت تنفذ أمره، فكنت له وكنت، حتى قبض وهو عنك راض، ثم وليتها أنت فوليتها بخير ما وليها، وإن كنت وكنت. قال: فكأن عمر استراح إلى كلام ابن عبّاس، وقال: يا ابن عبّاس، عد في حد يثك. قال: فعاد فيه ابن عبّاس. قال: فقال عمر: أما والله على ما تقول لو أن طلاع الأرض ذهباً لافتد يت به من هول المطلع. فجعلها شورى في ستّة؛ عليّ، وعثمان بن عفّان، والزّبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقّاص؛ وجعل عبد الله بن عمر معهم وليس منهم. قال: وأمر صهيباً أن يصلّي بالنّاس، وأجّلهم ثلاثاً.
عن عمر بن ميمون: أنه رأى عمر بن الخطّاب قبل أن يصاب بأيّام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف، فقال: نخاف أن تكونا حمّلتما الأرض مالا تطيق. قالا: حمّلناهما أمراً هي له مطيقة، وما فيها كثير فضل. فقال: انظر أن يكونا حملّتما الأرض مالا تطيق. قالا: لا. فقال: لئن سلّمني الله لأدعنّ أرامل أهل العراق لا يحتجن بعدي إلى أحد. قال: فما أتت عليه إلا أربعة حتّى أصيب.
стр. 6505
قال عمرو بن ميمون: وإني لقائم ما بيني وبينه إلاّ عبد الله بن عبّاس غداة أصيب، وكان إذا مر بين الصّفّين قام بينهما، فإذا رأى خللاً قال: استووا. حتى إذا لم يرى فيهم خللاً تقدّم فكبّر. قال: وربما قرأ بسورة يوسف أو بالنّحل في الرّكعة الأولى حتى يجتمع النّاس. قال: فما هو إلاّ أن كبّر، فسمعته يقول: قتلني الكلب، أو: أكلني الكلب؛ حين طعنه. قال: وطار العلج بسكّين ذي طرفين لا يمرّ على أحد يميناً وشمالاً إلاّ طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً، فمات منهم تسعة؛ فلّما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برساً، فلّما ظنّ العلج أنه مأخوذ نحر نفسه؛ وأخذ عمر بيد عبد الرحمن بن عوف فقدّمه. فأمّا من يلي عمر رأى الذين رأيت، وأمّا نواحي المسجد فإنّهم لا يدرون ما الأمر، غير أنهم فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان الله: سبحان الله؛ فصلّى عبد الرّحمن بالنّاس صلاة خفيفة. فلّما انصرفوا قال: يا ابن عبّاس، انظر من قتلني. قال: فجال ساعة، ثم قال: غلام المغيرة بن شعبة. فقال: الصّنع؟ قال: نعم. قال: قاتله الله، لقد كنت أمرت له بمعروف؛ ثم قال: الحمد الله الذي لم يجعل منيّتي بيد رجل يدّعي الإسلام، كنت أنت وأبوك تحبان أن يكثر العلوج بالمدينة وكان العبّاس أكثرهم رقيقاً فقال ابن العبّاس: أن شئت " فعلنا " قال: بعد ما تكلّموا بلسانكم، وصلّوا إلى قبلتكم، وحجّوا حجّكم؟؟؟؟! قال: فاحتمل إلى بيته. قال: فكأن النّاس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ. قال: فقائل يقول: نخاف عليه. وقائل يقول: لابأس. قال: فأتي بنبيذ فشرب منه فخرج من جرحه، ثم أتي بلبن، فشرب منه، فخرج من جرحه. قال: فعرفوا أنه ميّت. قال: فولجنا عليه، وجاء الناّس يثنون عليه. قال: وجاء رجل شاب فقال: أبشر ياأمير المؤمنين ببشرى الله، قد كان لك من صحبه رسول الله ﷺ ، وقدم الإسلام ما قد علمت، ثم استخلفت فعدلت، ثم شهادة. فقال: يا ابن أخي، وددت أن ذلك كفافاً لا عليّ ولا لي.
стр. 6506
فلمّا أدبرالرّجل إذا إزاره يمسّ الأرض، فقال: ردّوا الغلام، يا ابن أخي ارفع ثوبك، فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربّك؛ يا عبد الله انظر ما عليّ من الديّن. فحسبوه فوجدوه ستّةً وثمانين ألفاً، أو نحو ذلك. فقال: إن وفى مال آل عمران فأدّه من أموالهم، وإلاّ فاسأل في بني عديّ بن كعب، فإن لم تف أموالهم فاسأل في قريش ولا تعدهم إلى غيرهم؛ اذهب إلى أمّ المؤمنين عائشة، فقل: يقرأ عليك عمر بن الخطّاب السّلام، ولا تقل: أمير المؤمنين، فإنّي اليوم لست للمؤمنين بأمير، فقل: يستأذن عمر بن الخطّاب أن يدفن مع صاحبيه.
قال فسلّم ثم استأذن، فوجدوها تبكي؛ فقال لها: يستأذن عمر بن الخطّاب أن يدفن مع صاحبيه. فقالت: قد كنت أريده لنفسي، ولأوثرنّه اليوم على نفسي. قال: فجاء؛ فلمّا أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء. فقال: ارفعاني؛ فأسنده إليه رجل، فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحبّ يا أمير المؤمنين، قد أذنت لك. قال: الحمد لله، ما كان شيء أهّم إليّ من ذلك المضجع، فإذا أنا قبضت، فسلّم، وقل: يستأذن عمر بن الخطّاب، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردّتني فردّوني إلى مقابر المسلمين. ثم جاءت أم المؤمنين حفصة والنّساء يسترنها فلمّا رأيناها قمنا، فمكثت عنده ساعةً، ثم استأذن الرّجال، فولجت داخلاً، ثم سمعنا بكاءها من الدّاخل، فقيل له: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف. قال: ما أرى أحداً أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النّفر الذي توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضً، سمّى علياً، وطلحة، وعثمان، والزّبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعداً. قال: وشهد عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء كهيئة التّعزية له، فإن أصابت الإمرة سعداً فهو ذاك وإلا فليستعن به، أو لكم ما أمر، فإني لم أعزله من عجز ولا من خيانة. ثم قال: أوصي الخليفة من بعدي بتقوى الله. وأوصيه بالمهاجرين الأوّلين أن يعلم لهم حقّهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيراً، " الذين تبوّؤا الدّار والإيمان "
стр. 6507
أن يقبل من محسنهم ويعفوا عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيراً بأنهم ردء الإسلام وجباة المال وغيظ العدوّ، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضىً منهم، وأوصيه بالأعراب خيراً فإنّهم أصل العرب ومادّة الإسلام، أن يؤخذ منهم من حواشي أموالهم فيردّ على فقرائهم، وأوصيه بذمّة الله وذ مّة رسوله أن يفي لهم بعدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلّفوا إلاّ طاقتهم.
قال: فلمّا توفي خرجنا به نمشي، فسلّم عبد الله بن عمر، فقال: يستأذن عمر. قالت: أدخلوه. فأدخل، فوضع هناك مع صاحبيه. فلمّا فرغ من دفنه، ورجعوا، اجتمع هؤلاء الرّهط، فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم. فقال الزّبير: قد جعلت أمري إلى عليّ وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن؛ وقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان. قال: فخلا هؤلاء النّفر الثلاثة عليّ وعثمان وعبد الرحمن بن عوف، فقال: عبد الرحمن للآخرين: أيّكما يبرأ من هذا الأمر ويجعله إليه، والله عليه والإسلام لينظرنّ أفضلهم في نفسه وليحرصنّ على صلاح الأمّة؟ قال: فأسكت الشّيخان عليّ وعثمان؛ فقال عبد الرحمن: اجعلوه إليّ، والله عليّ لا آلو عن أفضلكم. قالا: نعم. فخلا بعليّ فقال: لك من القدم في الإسلام والقرابة ما قد علمت، والله عليك لئن أمّرتك لتعدلنّ ولئن أمّرت عليك لتسمعنّ ولتطيعنّ؟ فقال: نعم. قال: ثم خلا بالآخر، فقال له مثل ذلك؛ فلمّا أخذ الميثاق قال لعثمان: ارفع يديك، فبايعه، ثم بايع له عليّ، ثم ولج أهل الدّار فبايعوه.
عن عمرو بن ميمون، قال: رأيت عمر يوم طعن، وعليه ثوب أصفر، فخرّ وهو يقول: " وكان أمر الله قدراً مقدوراً ".
стр. 6508
عن المسور بن مخرمة، عن عمر ليلة طعن: أنه دخل معه هو وابن عبّاس، فلمّا أصبح بالصّلاة من الغد، أفزعوه، فقالوا: الصّلاة. ففزع، قال: نعم، ولاحظّ في الإسلام لمن ترك الصّلاة، فصلّى والجرح يثعب دماً.
وعن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: كان لأهل بدر مجلس من عمر لا يجلسه غيرهم. قال: وكان عليّ بن أبي طالب أوّلهم دخولاً آخرهم خروجاً، فلمّا طعن عمر، قال: عن ملأ منكم كان هذا؟ قال عليّ: ما كان عن ملأ منّا، ولوددنا أنه زيد من أعمارنا في عمرك.
قال الزّبير بن بكار: وعمر بن الخطّاب مصّر الأمصار، ودوّن العطاء، ومناقبه كثيرة، وهو أوّل من أرّخ.
عن كعب، قال: كان في بني إسرائيل ملك إذا ذكرناه ذكرنا عمر، وإذا ذكرنا عمر ذكرناه، وكان إلى جنبه نبيّ يوحى إليه، فأوحى الله إلى النبيّ أن يقول له: اعهد عهدك، واكتب وصيّتك، فإنك ميت إلى ثلاثة أيّام؛ فأخبره النبيّ ﷺ بذلك، فلمّا كان اليوم الثالث وقع بين الجدر وبين السّرير، ثم جأر إلى ربّه فقال: اللهم إن كنت تعلم أني كنت أعدل في الحكم، وإذا اختلفت الأمور اتّبعت هواك، وكنت، فزدني في عمري حتى يكبر طفلي، وتربوا أمّتي؛ فأوحى الله إلى النّبيّ: إنه قد قال كذا وكذا، وقد صدق، وقد زدته في عمره خمس عشرة سنةً، ففي ذلك ما يكبر طفله، وتربوا أمّته. فلمّا طعن عمر قال كعب: لئن سأل ربّه ليبقينّه الله. فأخبر بذلك عمر، فقال: اللهم اقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم.
стр. 6509
عن ابن عبّاس، قال: دخلت على عمر حين طعن، فقلت: أبشر يا أمير المؤمنين، والله لقد مصّر الله بك الأمصار، وأوسع بك الرّزق، وأظهر بك الحقّ. فقال عمر: قبلها أو بعدها؟ فقلت: بعدها وقبلها. قال: فوالله وددت أنّي أنجو منها كفافاً لا أوجر ولا أوزر.
وعنه، قال: لمّا طعن عمر، قال: الآن لو أن لي الدّنيا وما فيها لافتديت بها من هول المطلع. فقلت له: لم؟ قد صحبت رسول الله ﷺ فمات وهو عنك راض، ووليت المسلمين فعدلت فيهم. فقال: اعد عليّ الكلمات.
وعنه، قال: كنت مع عليّ فسمعنا الصّيحة على عمر. قال: فقام وقمت معه حتى دخلنا عليه البيت الذي هو فيه، فقال: ما هذا الصّوت؟ فقالت له امرأة: سقاه الطّبيب نبيذاً فخرج، وسقاه لبناً فخرج. فقال: لا أرى أن تمسي، فما كنت فاعلاً فافعل، فقالت أمّ كلثوم: واعمراه. وكان معها نسوة فبكين معها، وارتجّ البيت بكاءً؛ فقال عمر: والله لو أن لي ما على الأرض من شيء لافتديت به من هول المطلع. فقال ابن عبّاس: والله إني لأرجو أن لا تراها إلاّ مقدار ما قال الله: " وإن منكم إلاّ واردها " إن كنت ما علمنا لأمير المؤمنين؛ وأمين المؤمنين، وسيّد المؤمنين، تقضي بكتاب الله، وتقسم بالسّويّة. فأعجبه قولي، فاستوى جالساً، فقال: أتشهد لي بهذا يا ابن عبّاس؟ قال: فكففت، فضرب على كتفي، فقال: أتشهد؟ قلت: نعم، أنا أشهد.
عن عليّ بن زيد، قال: لمّا طعن عمر دخل عليه عليّ يعوده، فقعد عند رأسه، وجاء ابن عبّاس فأثنى عليه، فقال له عمر: أنت لي بهذا يا ابن عبّاس؟ فأومى إليه عليّ؛ أن قل: نعم. فقال
стр. 6510
ابن عبّاس: نعم. فقال عمر: لا تغرّني أنت ولا أصحابك؛ يا عبد الله بن عمر، خذ رأسي عن الوسادة فضعه في التراب لعلّ الله جلّ ذكره ينظر إليّ فيرحمني، والله لو أن لي ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع. وصلّى على عمر صهيب.
عن أبي رافع: أن عمر بن الخطّاب كان مستنداً إلى ابن عبّاس، وعنده ابن عمر وسعيد بن زيد، فقال: اعلموا أني لم أقل في الكلالة شيئاً، ولم أستخلف من بعدي أحداّ، وأنه من أدرك وفاتي من سبي العرب فهو حرّ من مال الله. فقال سعيد بن زيد: أما إنك لو أشرت برجل من المسلمين لأتمنك النّاس، وقد فعل ذلك أبو بكر وأئّمة النّاس. فقال عمر: قد رأيت من أصحابي حرصاً سيّئاً، وإني جاعل هذا الأمر إلى هؤلاء النّفر السّتّة الذين مات رسول الله ﷺ وهو عنهم راض؛ ثم قال عمر: لو أدركني أحد رجلين ثم جعلت هذا الأمر إليه لوثقت به سالم مولى أبي حذ يفة، وأبو عبيدة بن الجّراح.
عن الشّعبي، قال: دخل ابن عبّاس على عمر حين طعن، فقال: أبشر بالجنّة، أللهم، أسلمت حين كفر النّاس، وجاهدت مع رسول الله ﷺ حين خذله النّاس، وتوفي رسول الله ﷺ وهو عنك راض، ولم يختلف في خلافتك اثنان، وقتلت شهيداً. فرفع رأسه إليه، فقال: كيف قلت؟ أعد عليّ. فأعاد عليه؛ ثم قال: أما والله، إن المغرور لمن غررتموه، والله لو أن لي ما طلعت عليه الشّمس من صفراء أو بيضاء لافتديت به من هول المطلع.
عن ابن عمر، قال: دخلت على حفصة، فقالت: أعلمت أن أباك غير مستخلف؟ قال: قلت: كلا. قالت: إنه فاعل؛ حلفت أن أكلّمه في ذلك، فخرجت في سفر أو قال: في غزاة فلم أكلّمه، فكنت في سفري كأنما أحمل بيميني جبلاً، حتى قدمت فدخلت عليه، فجعل يسائلني، فقلت له: إني سمعت النّاس يقولون مقالةً فآليت أقولها لك، زعموا أنك غير مستخلف، وقد علمت أنه لو كان لك راعي غنم فجاءك وقد ترك رعايته رأيت أن قد ضيّع، فرعاية النّاس أشدّ. قال: فوافقه قولي، فأطرق ملياً، ثم رفع رأسه، فقال إنّ
стр. 6511
الله يحفظ دينه، وأن لا أستخلف فإنّ رسول الله ﷺ لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف. قال: فما هو إلاّ أن ذكر رسول الله ﷺ وأبا بكر، فعلمت انه لا يعدل برسول الله ﷺ أحداً، وأنه غير مستخلف. وعنه، قال: حضرت أبي حين أصيب. قال: فأثنوا عليه خيراً، فقال: راهب وراغب. قالوا: ألا تستخلف؟ قال: أتحمّل أمركم حيّاً وميتاً، لوددت أن حظي منها الكفاف لا عليّ ولا لي.
عن عامر بن عبد الله بن الزّبير، قال: نظر عمر إلى عليّ، فقال: اتّق الله إن وليت شيئاً من أمر النّاس فلاتحملنّ بني هاشم على رقاب النّاس؛ ثم نظر إلى عثمان، فقال: اتّق الله إن وليت شيئاً من أمور المسلمين، فلا تحملن بني أمية أو قال: بني أبي معيط على رقاب النّاس؛ ثم نظر إلى سعد والزّبير، فقال: وأنتما فاتّقيا الله إن وليتما شيئاً من أمور المسلمين.
عن عبد الله بن عمر، قال: دخل على عمر بن الخطّاب حين نزل به الموت عثمان بن عفّان وعليّ بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف والزّبير بن العوّام وسعد بن أبي وقّاص ﵃، وكان طلحة بن عبيد الله غائبا بأرضه بالشّراة، فنظر إليهم عمر ساعةً، ثم قال: إني قد نظرت لكم في أمر النّاس فلم أجد عند النّاس شقاقاً إلاّ أن يكون فيكم شيء، فإن شقاق فهو منكم، وإن الأمر إلى ستةّ، إلى عثمان بن عفّان وعليّ بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف والزّبير وطلحة وسعد؛ ثم قال: إن قومكم إنمّا يؤمّرون أحدكم أيّها الثلاثة، فإن كنت على شيء من أمر النّاس يا عثمان فلا تحملنّ بني أبي معيط على رقاب النّاس، وإن كنت على شيء من أمر النّاس يا عبد الرحمن فلا تحملنّ أقاربك على رقاب النّاس، وإن
стр. 6512
كنت على شيء يا عليّ فلا تحملنّ بني هاشم على رقاب النّاس، قوموا فتشاوروا وأمّروا أحدكم. فقاموا يتشاورون. قال عبد الله: فدعاني عثمان مرّة أو مّرتين ليدخلني في الأمر ولم يسمّني عمر، ولا والله ما أحب أني كنت معهم علماً منه بأنه سيكون من أمرهم ما قال أبي، والله ما لقّل ما سمعته حرّك شفتيه بشيء قطّ إلاّ كان حقاً: فلّما أكثر عثمان دعاني، فقلت ألا تعقلون؟ تؤمّرون وأمير المؤمنين حيّ؟ فو الله لكأنّما أيقظت عمر من مرقد؛ فقال عمر: أمهلوا، فإن حد ث بي حدث فليصلّ للنّاس صهيب مولى بني جدعان ثلاث ليال، ثم اجمعوا في اليوم الثالث أشراف النّاس وأمراء الأجناد فأمّروا أحدكم، فمن تأمّر عن غير مشورة فاضربوا عنقه.
عن ابن عبّاس، قال: خدمت عمر بن الخطّاب، وكنت له هائباً ومعظماً، فدخلت عليه ذات يوم في بيته وقد خلا بنفسه، فتنفّس تنفّساً ظننت أن نفسه خرجت، ثم رفع رأسه إلى السّماء فتنفّس الصّعداء. قال: فتحاملت وتشددّت، وقلت والله لأسألنّه، فقلت والله ما أخرج هذا منك إلاّ همّ يا أمير المؤمنين. قال: همّ والله، همّ شديد، هذا الأمر لو أجد له موضعاً يعني الخلافة. ثم قال: لعلك تقول: إن صاحبك لها يعني علياً. قال: قلت: يا أمير المؤمنين، أليس هو أهلها في هجرته، وأهلها في صحبته، وأهلها في قرابته؟ قال: هو كما ذكرت، ولكن رجل فيه دعابة. قال: فقلت: الزّبير؟ قال: وعقة لقس، يقاتل على الصّاع بالبقيع. قال: قلت: طلحة؟ قال: إن فيه لبأواً، وما أرى الله معطيه خيراً، وما برح ذلك فيه منذ أصيبت يده. قال: فقلت: سعد؟ قال: يحضر النّاس، ويقاتل، وليس بصاحب هذا الأمر.
стр. 6513
قال: فقلت: وعبد الرحمن بن عوف؟ قال: نعم المرء ذكرت، ولكنه ضعيف. قال: وأخرت عثمان لكثرت صلاته، وكان أحب النّاس إلى قريش. قال: فقلت: فعثمان؟ قال: أوّه، أوّه، كلف بأقاربه؛ ثم قال: لو استعملته استعمل بني أمية أجمعين أكتعين، ويحمل بني معيط على رقاب النّاس، والله لو فعلت لفعل، والله لو فعل ذلك لسارت إليه العرب حتى تقتله، والله لو فعلت فعل، والله لو فعل لفعلوا، إن هذا الأمر لا يحمله إلاّ اللّين في غير ضعف، والقويّ في غير عنف، والجواد في غير سرف، والممسك في غير بخل. قال: وقال عمر: لا يطيق هذا الأمر إلاّ رجل لا يصانع ولا يضارع ولا يتّبعّ المطامع، ولا يطيق أمر الله إلاّ رجل لا يتكلّم بلسانه كلّه، لا ينتقص عزمه، ويحكم في الحقّ على حزبه.
عن عثمان بن عفان، قال: أنا آخركم عهداً بعمر، دخلت عليه ورأسه في حجر ابنه عبد الله بن عمر، فقال له: ضع خدّي بالأرض، لا أمّ لك في الثانية أو في الثّالثة ثم شبك بين رجليه، فسمعته يقول: ويلي وويل أمّي أن لم يغفر الله لي؛ حتى فاظت نفسه.
عن يحيى بن أبي راشد النّصريّ، قال: قال عمر بن الخطّاب لابنه: إذا حضرني الوفاة فاحرفني، واجعل ركبتيك في صلبي، وضع يدك اليمنى على جبيني، ويدك اليسرى على ذقني، فإذا أنا متّ فاغمضني، واقصدوا في كفني، فإنه إن كان لي عند الله خير أبدلني ما هو خير منه، وإن كنت على غير ذلك سلبني فأسرع سلبي، واقصدوا في حفرتي، فإنه إن كان لي عند الله خير أوسع لي فيها مدّ بصري، وإن كنت على غير ذلك ضيّقها عليّ حتى تختلف أضلاعي، ولا تخرج معي امرأة، ولا تزكّوني بما ليس فيّ فإن الله هو أعلم، فإذا خرجتم فأسرعوا بي المشي، فإنه إن كان لي عند الله خير قدّمتموني إلى ما هو خير لي، وإن كنت على غير ذلك ألقيتم عن رقابكم شراً تحملونه.
стр. 6514
عن أبي موسى، قال: لمّا أصيب عمر بن الخطّاب أقبل صهيب من منزله حتى دخل على عمر، فقام بحياله وهو يبكي، فقال له عمر: على من تبكي؟ أعليّ تبكي؟ قال: إنّي والله لعليك أبكي يا أمير المؤمنين، قال: والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ قال: " من يبكى عليه يعذب ".
قال: فذكرت ذلك لموسى بن طلحة، فقال: كانت عائشة تقول: إنّما أولئك اليهود.
عن المقدام بن معدي كرب، قال: لمّا أصيب عمر دخلت عليه حفصة، فقالت: يا صاحب رسول الله ﷺ ، ويا صهر رسول الله عليه وسلم، ويا أمير المؤمنين. فقال عمر لابن عمر: أجلسني فلا صبرلي على ما أسمع؛ فأسنده إلى صدره، فقال لها: إنّي أحّرج عليك بما لي عليك من الحقّ أن تندبيني بعد مجلسك هذا، فأمّا عينك فلن أملكها، إنه ليس من ميّت يندب بما ليس فيه إلاّ الملائكة تمقته.
عن أبي عمر، قال: كفّن عمر في ثلاثة أثواب، ثوبين غسيلين، وثوب كان يلبسه.
وعن يحيى بن بكير، قال: ولي غسل عمر ابنه عبد الله بن عمر، وكفّنه في خمسة أثواب.
وعن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطّاب غسّل، وكفّن، وصلّي عليه، وكان شهيداً.
عن خليفة، قال: وصلّى على عمر صهيب بن سنان بين القبر والمنبر في مسجد رسول الله ﷺ ، وكانت
стр. 6515
ولايته عشر سنين وستّة أشهر وخمسة أيام أو تسعة أيام وصلّى صهيب ثلاثاً، ثم أنزلها على ابن عفّان.
عن أبي عبيدة بن عمار بن ياسر: إن صهيباً صلّى على عمر، وكبّر عليه أربعاً.
عن نافع أن ابن عمر، قال: صلّي على عمر في المسجد، وحمل عمر على سرير رسول الله ﷺ ، ونزل في قبره فيما بلغني عثمان بن عفّان، وعبد الله بن عمر، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف.
عن خالد بن أبي بكر، قال: كان عمر يصفّر لحيته، ويرجّل رأسه بالحنّاء، ودفن في بيت النّبيّ ﷺ ، وجعل رأس أبي بكر عند كتفي النّبيّ ﷺ ، وجعل رأس عمر عند حقوي النّبيّ ﷺ .
عن ابن عمر، قال: وضع عمر بن الخطّاب بين القبر والمنبر، فجاء عليّ بن أبي طالب حتى قام بين يدي الصّفوف، فقال: هو هذا ثلاث مرّات ثم قال: رحمة الله عليك، ما من خلق الله أحد أحبّ إليّ من أن ألقى الله بصحيفته بعد صحيفة النّبيّ ﷺ من هذا المسجّى عليه ثوبه.
عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: كنت عند عمر وهو مسجّى في ثوبه، قد قضى نحبه، فجاء عليّ فكشف الثّوب عن وجهه، ثم قال: رحمة الله عليك أبا حفص، فوالله ما بقي بعد رسول الله أحد أحبّ إليّ أن ألقى الله بصحيفته منك.
عن أوفى بن حكيم، قال: لمّا كان اليوم الذي هلك فيه عمر خرج علينا عليّ مغتسلاً، فجلس، فأطرق ساعةً، ثم رفع رأسه فقال: لله درّ باكية عمر، قالت: واعمراه، قوّم الأود، وأبرأ العمد؛ واعمراه، مات نقيّ الثّوب، قليل العيب؛ واعمراه، ذهب بالسّنّة وأبقى الفتنة.
следующие страницы →