Полный текст (10 576 стр.). Показаны 6546–6585 · переход к 6551.
стр. 6546
سعيد بن المسّب، فردّ عليه، ثم قال: من أشعر صاحبنا أو صاحبكم؟ - يريد عبيد الله بن قيس الرّقيّات وعمر بن أبي ربيعة قال: حين يقولان ماذا؟ فإن صاحبنا قال في فنون الشّعر وصاحبكم قال في النّسيب؛ قال: حين يقول: من الطويل
خليليّ ما بال المطايا كأنّما ... نراها على الأدبار بالقوم تنكص
وقد أتعب الحادي سراهنّ وانتحى ... بهنّ فما يلوي عجول مقلص
وقد قطعت أعناقهن صبابةً ... فأنفسها ممّا تكلّف شخص
يزدّن بنا قرباً فيزداد شوقناً ... إذا زاد طول العهد والقرب ينقص
فلّيقل صاحبكم بعد هذا ما شاء. فلما انقضى ما بينهما عقد سعيد بأصبعه، فاستغفر مئة مرة.
عن عمر الرّكاء، قال: بينا ابن عبّاس في المسجد الحرام وعنده ابن الأزرق وناس من الخوارج يسائلونه إذ أقبل عمر بن أبي ربيعة في ثوبين مصبوغين مورّدين أو ممصّرين، حتى سلّم وجلس؛ فأقبل عليه ابن عبّاس فقال: أنشدنا، فأنشده: من الطويل
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غد أو رائح فمهجّر
حتى أتى على آخرها؛ فأقبل عليه ابن الأزرق فقال: الله، يا ابن عبّاس، إنّا لنضرب إليك أكباد المطيّ من أقاصي الأرض لنسألك عن الحلال والحرام فتثاقل علينا ويأتيك مترف من مترفي قريش فينشدك:
стр. 6547
رأت رجلاً أما إذا الشمّس عارضت ... فيخزى وأما بالعشيّ فيخسر
فقال ابن عبّاس: ليس هكذا قال: فكيف قال؟ قال: قال:
رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأما بالعشيّ فيخصر
قال: ما أراك إلاّ قد حفظت البيت: قال: نعم، وإن شئت أنشدك القصيدة أنشدتكها. قال: فإني أشاء. فأنشده القصيدة حتى جاء على آخرها. ثم أقبل على ابن أبي ربيعة فقال: أنشد؛ فقال: من المتقارب تشطّ غداً دار جيراننا فقال ابن عبّاس: وللدّار بعد غد أبعد فقال: كذلك قلت أصلحك الله أسمعته؟ قال: لا، ولكن كذلك ينبغي.
عن العتبّي، عن أبيه، قال: ابتنى معاوية بالأبطح مجلساً، فجلس عليه ومعه ابنة قرظة، فإذا هو بجماعة على رحال لهم وإذا شاب منهم قد رفع عقيرته يتغنّى: من الرمل
من يساجلني يساجل ماجداً ... أخضر الجلدة في بيت العرب
قال: من هذا؟ قالوا: عبد الله بن جعفر. قال: خلّوا له الطريق فليذهب. ثم إذا هو بجماعة فيهم غلام يغني: من الرمل
بينما يذكرنني أبصرنني ... دون قيد الميل يعدو بي الأغرّ
قلن: تعرفن الفتى؟ قلن: نعمقد عرفناه، وهل يخفى القمر؟
стр. 6548
قال: من هذا؟ قالوا: عمر بن أبي ربيعة. خلّوا له الطّريق فليذهب. قال: ثم إذا بجماعة وإذا رجل منهم يسأل، فقال: رميت قبل أن أحلق؛ وحلقت قبل أن أرمي؛ لأشياء أشكلت عليهم من مناسك الحّج؛ فقال: من هذا؟ قال: عبد الله بن عمر. فالتفت إلى بنت قرظة فقال: هذا وأبيك الشّرف، هذا والله شرف الدّينا وشرف الآخرة.
عن الهيثم: أن عبد الملك بن مروان بعث إلى عمر بن أبي ربيعة القرشيّ، وإلى جميل بن معمر العذريّ، وإلى كثيّر عزّة: وبعث إلى ناقة فأوقرها دراهم ودنانير، ثم قال: لينشدني كلّ واحد منكم ثلاثةً أبيات فأيّكم كان أغزل شعراً فله النّاقة وما عليها. فقال عمر بن أبي ربيعة: من الطويل
فيا ليت أنيّ حين تدنو منّيتي ... شممت الذي بين عينيك والفم
وليت طهوري كان ريقك كلّه ... وليت حنوطي من مشاشك والدّم
وليت سليمى في المنام ضجيعتي ... لدى الجنّة الحمراء أو في جهنّم
وقال جميل: أنا الذي أقول: من الطويل
حلفت يميناً يا بثينة صادقاً ... فإن كنت فيها كاذباً فعميت
حلفت لها بالبدن تدمى نحورها ... لقد شقيت نفسي بكم وعنيت
ولو أن راقي الموت يرقى جنازتي ... بمنطقها في النّاطقين حييت
وقال كثيّر: أنا الذي أقول: من الكامل
بأبي وأمّي أنت من معشوقةً ... ظفر العدّو بها فغيّر حالها
стр. 6549
ومشى إليّ ببين عزّةً نسوة ... جعل المليك خدودهنّ نعالها
لو أن عزّةً خاصمت شمس الضّحى ... في الحسن عند موفّق لقضى لها
فقال عبد الملك: خذ النّاقة وما عليها يا صاحب جهنّم.
عن أبي بكر القرشيّ، قال: كان عمر بن أبي ربيعة جالساً بمنى في فناء مضربه إذ أقبلت امرأة برزة عليها أثر النّعمة، فسلّمت، فردّ عليها عمر السّلام، فقالت له: أنت عمر بن أبي ربيعة؟ قال: ها أنا هو، فما حاجتك؟ قالت: حيّاك الله وقرّبك، هل لك في محادثة أحسن النّاس وجهاً، وأتّمهنّ خلقاً، وأكملنّ أدباً، وأشرفهنّ حسباً؟ قال: هل لك في محادثة أحسن النّاس على شرط. قال: قولي. قالت: تمكّنني من عينيك حتى أشدّهما وأقودك، حتى إذا توسّطت الموضع الذي أريد حللت الشّدّ، ثم أفعل ذلك بك عند إخراجك حتى أنتهي بك إلى مضربك. قال: شأنك. ففعلت. قال عمر: فلّما انتهت بي إلى المضرب التي أرادت كشفت عن وجهي، فإذا أنا بامرأة على كرسيّ لم أر مثلها جمالاً وكمالاً، فسلّمت وجلست؛ فقالت: أنت عمر بن أبي ربيعة؟ قلت: أنا عمر. قلت: أنت الفاضح للحرائر؟ قلت: وما ذاك جعلني الله فداءك؟ قالت: ألست القائل: من الكامل
قالت: وعيش أخي وحرمة والدي ... لأنبّهنّ الحيّ إن لم تخرج
فخرجت خوف يمينها فتبسّمت ... فعلمت أن يمينها لم تحرج
فتناولت رأسي لتعلم مسّه ... بمخضّب الأطراف غير مشنّج
فلثمت فاها آخذاً بقرونها ... شرب النّزيف ببرد ماء الحشرج
قم فاخرج. ثم قامت، وجاءت المرأة فشدّت عيني ثم أخرجتني حتى انتهت بي إلى مضربي، وانصرفت وتركتني؛ فحللت عيني وقد دخلني من الكآبة والحزن ما الله به أعلم.
стр. 6550
وبتّ ليلتي، فلمّا أصبحت إذا أنا بها، فقالت: هل لك في العود؟ قلت: شأنك: ففعلت مثل فعلها بالأمس حتى انتهت بي إلى الموضع، فلّما دخلت إذا بتلك الفتاة على كرسيّ، فقالت: إيهاً يافضّاح الحرائر؛ فقلت: بماذا جعلني الله فداءك أيضاً؟ قالت: بقولك: من الطويل
وناهدة الثد يين قلت لها: اتّكي ... على الرّمل من جبّانة لم توسّد
فقالت: على اسم الله، أمرك طاعة ... وإن كنت قد كلّفت مالم أعوّد
فلمّا دنا الإصباح قالت: فضحتني ... فقم غير مطرود وإن شئت فازدد
قم فاخرج عنّي. فقمت فخرجت، ثم رددت، فقالت لي: لولا وشك الرّحيل وخوف الفوت، ومحبّتي لمناجاتك، والاستكثار من محادثتك لأقصيتك، هات الآن كلّمني وحدّثني وأنشدني. فكلّمت آد ب النّاس وأعلمهم بكل شيء، ثم نهضت، وأبطأت العجوز، وخلا البيت، فأخذت أنظر فإذا أنا بتور فيه خلوق فأدخلت يدي فيه ثم خبأتها في ردني، ثم جاءت العجوز فشدّت عيني، ونهضت بي تقودني حتى إذا صرت على باب المضرب أخرجت يدي فضربت بها على المضرب، ثم صرت إلى مضربي، فدعوت غلماني فقلت: أيّكم يقفني على باب مضرب عليه خلوق كأنّه أثر كفّ فهو حرّ وله خمسمئة درهم. فلم ألبث أن جاء بعضهم فقال: قم، فنهضت معه فإذا أنا بالكفّ طرّية، وإذا المضرب مضرب فاطمة بنت عبد الملك بن مروان؛ فأخذت في أهبة الرّحيل. فلّما نفرت معها، فبصرت في طريقها بقباب ومضرب وهيئة جميلة، فسألت عن ذلك، فقيل لها: هذا عمر بن أبي ربيعة؛ فساءها أمره، وقالت للعجوز التي كانت ترسلها إليه: قولي له: نشدتك الله والرّحم أن فضحتني، ويحك ما شأنك؟ وما الذي تريد؟ انصرف ولا تفضحني وتشيط بدمك. فصارت إليه العجوز فأدّ ت إليه ما قالت لها فاطمة؛ فقال: لست بمنصرف أو توجّه إليّ بقميصها الذي يلي جلدها: فأخبرتها ففعلت، ووجّهت إليه بقميص من ثيابها، فزاده ذلك شغفاً، ولم يزل يتبعهم لا يخالطهم،
стр. 6551
حتى إذا صاروا على أميال من دمشق انصرف وقال في ذلك: من الكامل
ضاق الغداة بحاجتي صدري ... ويئست بعد تقارب الأمر
وذكرت فاطمة التي عّلقتها ... عرضاً فيا لحوادث الدّهر
ممكورة ردع العبير بها ... جمّ العظام لطيفة الخصر
وكأن فاها بعدما رقدت ... تجري عليه سلافة الخمر
وبجيد آدم شادن خرق ... يرعى الرّياض ببلدة قفر
لّما رأيت مطيّها حزقاً ... خفق الفؤاد وكنت ذا صبر
وتبادرت عيناي بعدهم ... وانهلّ مدمعها على الصّدر
ولقد عصيت ذوي أقاربها ... طرّاً وأهل الودّ والصّهر
حتى إذا قالوا وما كذبوا ... أجننت أم بك داخل السّحر
عن سلامة العجليّ، قال: كان عمر بن أبي ربيعة إذا هوي شيئاً قال فيه شعراً، ثم إذا توبع على إرادته استحال عنه وانتحى لغيره، فبينما هو ذات يوم يمشي مع صديق له يقال له: عمرو إذا هو بجارية تتهادى بين جواريها، عجيبة الحسن، أنيقة المنظر؛ فقال لصاحبه: ويحك، من هذه؟ امش فاجنح بنا نأخذ قرطاساً ونكتب إليها بأبيات. فمال إلى بقّال فأخذ منه قرطاساً وكتب إليها: من الخفيف
بدت الشمّس في جوار تهادى ... مخطفات القدود معتجرات
فتبسّمت ثم قلت لعمرو ... قد بدت في الحياة لي حسناتي
هل سبيل إلى التي لا أبالي ... أن أموتن بعدها حسرات
وبعث إليها بالرّقعة، فأجابته وقالت: من الخفيف
قد أتاني الرّسول بالأبيات ... في كتاب قد خطّ بالتّرّهات
стр. 6552
خانك الطّرف إذ نظرت وما ... طرفك عندي بصادق النّظرات
عدعنّي فقد عرفت بغيري ... عهدك الخائن القليل الثّبات
وأنشد له: من الكامل
لبثوا ثلاث منى بمنزل قلعة ... وهم على غرض لعمرك ماهم
متجاورين بغيردار إقامة ... لوقد أجدّ رحيلهم لم يندموا
ولهنّ بالبيت العتيق لبانة ... والبيت يعرفهنّ لو يتكلّم
لو كان حيّا قبلهنّ ظعائناً ... حيّا الحطيم وجوههنّ وزمزم
لكنّه ممّا يطيف بركنه ... منهنّ صمّاء الصّدى مستعجم
وكأنهنّ وقد صدرن عشيّةً ... بيض بأكناف الخيام منظّم
وله: من المتقارب
تقول وتظهر وجداً بنا ... ووجدي ولو أظهرت أوجد
لممّا شقائي تعلّقتكم ... وقد كان لي عنكم مقعد
سباني من بعد شيب القذا ... ل ريم له عنق أغيد
وعين تصابي وتدعو الفتى ... لما غيره للفتى أرشد
وله: من الطول
نظرت إليها بالمحصّب من منى ... ولي نظر لولا التّحرّج عارم
فقلت: أشمس أم مصابيح بيعة ... بدت لك يوم السّجف أم أنت حالم
بعيدة مهوى القرط إمّا لنوفل ... أبوها وإمّا عبد شمس وهاشم
فلم أستطعها غير أن قد بدا لنا ... عشيّة راحت وجهها والمعاصم
معاصم لم تضرب على البهم بالضّحى ... عصاها ووجه لم تلحه السّمائم
стр. 6553
نضار ترى فيه أساريع مائه ... صبيح تغاديه الأكفّ النّواعم
وله: من الكامل
يا عمّتي عرضت لبنتك فتنةّ ... فتعوّذي بالله من شرّ الفتن
ياعمّتي رجل يطوف ببابكم ... في حلّة خضراء من عصب اليمن
فعشقته من غير فاحشة له ... والعشق مالم يوت فاحشةً حسن
قال ثعلب: وينشد: يا أمّتا. وبدل فعشقته: فهويته: وهو أحسن. وله: من البسيط
سمعي وقلبي حليفاها على بصري ... فكيف أصبرعن سمعي وعن بصري
لوشايعاني على أن لا أكلّمها ... إذاً لقضّيت من أوطارها وطري
ردّ الفؤاد إليها بعث نسوتها ... ونظرة عرضت كانت من القدر
وقول بكر: ألافاربع نسائلها ... وانظر فلابأس بالتّسليم والنّظر
وقولها ودموع العين تسبقها ... لأختها: دين هذا القلب من عمر
تفسير دين: ملك واستعبد. وله: من البسيط
السّرّ يكتمه الإثنان بينهما ... وكلّ سرّ عدا الاثنين ينتشر
والمرء مالم يراقب عند صبوته ... لمح العيون بسوء الظّنّ يشتهر
وله: من الكامل
قد كان أورق عود حبّك بالمنى ... وسقاه ماء رجائكم فترعرعا
стр. 6554
حتى إذا هبّت بيأس ريحكم ... تركته من ورق المطامع أقرعا
واليأس من بذل الأحبّة لم يزل ... بتخطّف الأرواح قدماً مولعا
وله: من المتقارب
ألا من لقلب معنّى خبل ... بدكر المحلّة أخت المحل
تراءت لنا يوم فرع الأرا ... ك بين المساء وبين الأصل
وقالت لجارتها هل رأي ... ت إذا عرض الرّجل فعل الرّجل
فإن تبسّمه ضاحكاً ... أجدّ اشتياقا لقلب ذهلً
كأن القرنفل والزنجبي ... ل وريح الخزامى وذوب العسل
يعلّ به برد أنيابها ... إذا النّجم وسط السّماء اعتدل
وله: من مجزوء الخفيف
ذكر الشمس إذ بدت ... من خلال السّحائب
أمّ عمرو إذ اقبلت ... بين حور كواعب
بلوى الخيف من منى ... أو بذات التّناضب
يوم أرخت مرجّلاً ... فوق خدّ وحاجب
واستهلّت بواكف ... من دموع سواكب
стр. 6555
ثم قالت لنسوة ... من لؤيّ بن غالب
قمن نقض لحبّنا ... حاجةً أو نعاتب
فتولّى نواعم ... مثقلات الحقائب
وتأطّرن ساعةً ... في مناخ الرّكائب
كالدّمى أو كبدن ... من نعاج ربائب
قطف المشي آنس ... واضحات التّرائب
فتناولت كفّها ... ثم مالت بجانب
وأمالت بجيدها ... فاحماًذا ذوائب
فانتجينا بسارما ... مجلساً ذا عجائب
وله: من الخفيف
فالتقينا فرحّبت حين سلّم ... ت وكفّت دمعاً من العين مارا
ثم قالت عند العتاب: رأينا ... فيك عنّا تجلّداً وازورارا
قلت: كلاّ، لاه ابن عمّك بل خف ... نا أموراً كنّا بها أغمارا
فركبنا حالاً لنكذب عنّا ... قول من كان بالأكفّ أشارا
فجعلنا الصّدود لمّا خشينا ... قالة النّاس بالهوى أستارا
فلذاك الإعراض عنك وما ... آثر قلبي عليك أخرى اختيارا
ليس كالعهد إذ عهدت ولكن ... أوقد النّاس بالنّميمة نارا
ما نبالي إذا النّوى قرّبتكم ... فدنوتم من حلّ أومن سارا
واللّيالي إذا نأيت طوال ... وأراها إذا دنوت قصارا
أنشد ابن أبي عتيق سعيد بن المسيّب قول عمر بن أبي ربيعة: من الخفيف
стр. 6556
أيّها الرّاكب المجدّ ابتكارا ... قد مضى من تهامة الأوطارا
إن يكن قلبك الغداة جليداً ... ففؤادي بالحبّ أمسى معارا
ليت ذا الدّهر كان حتماً علينا ... كلّ يومين حجّةً واعتمارا
فقال: لقد كلّف المسلمين شططاً. فقال: يا أبا محمد، في نفس الجمل شيء غير ما في نفس سائقه.
قال مصعب: قدم عمر بن أبي ربيعة الكوفة فنزل على محمد بن الحجّاج بن يوسف، وكان لعبد الله بن هلال صاحب إبليس قينتان حاذقتان، فكان يأتيهما فيسمع منهما، فقال في ذلك: من الكامل
يا أهل بابل ما نفست عليكم ... من عيشكم إلاّ ثلاث خلال
ماء الفرات وطيب ليل بارد ... وسماع منشدتين لابن هلال
قال ابن جريج: كنت مع معن بن زائدة باليمن، فحضر الحجّ فلم تحضرني نيّة. قال: فخطر ببالي قول عمر بن أبي ربيعة: من البسيط
تالله قولي في غير معتبة ... ماذا أردت بطول المكث باليمن
إن كنت حاولت دنيا أو نعمت بها ... فما أخذت بترك الحجّ من ثمن
فدخلت على معن فأخبرته أني عزمت الحجّ؛ فقال لي: ما نزعك إليه ولم تكن تذكره؟ قلت له: ذكرت قول ابن أبي ربيعة؛ وأنشدته شعره، فجهّزني وانطلقت. وله من الخفيف
стр. 6557
خبّرها بأنّني قد تزوّج ... ت فظلّت تكاتم الغيظ سرّا
ثم قالت لأختها ولأخرى ... جزعاً: ليته قد تزوّج عشرا
وأشارت إلى نساء لديها ... لاترى دونهنّ للسّرّ سترا
ما لقلبي كأنه ليس منّي ... وعظامي إخال فيهنّ فترا
من حديث نما إليّ فظيع ... خلت في القلب من تلظّيه جمرا
قال هارون بن محمد: أنشدنا الزّبير لمجنون بني جعدة: من البسيط
حبّذا راكب كنّا نسرّبه ... يهدي لنا من أراك الموسم القضبا
قالت لجارتها يوماً تسائلها ... لمّا تعرّت وألقت عندها السّلبا:
ناشدتك الله ألاّ قلت صادقةً ... أصادفت صفة المجنون أم كذبا
قال: فقلت: أتراه سرقه من قول عمر بن أبي ربيعة: من الرمل
ولقد قالت لجارات لها ... وتعرّت ذات يوم تبترد:
أكما ينعتني تبصرنني ... عمركنّ الله أم لا يقتصد؟
فتضاحكن وقد قلن لها: ... حسن في كلّ عين من تودّ
حسد منهنّ قد حمّلنه ... وقديماً كان في النّاس الحسد
أنشد أبو الحسن عليّ بن سليمان الأخفش لعمر بن أبي ربيعة وقال: ما قيل في المساعدة أحسن منها: من الوافر
وخلّ كنت عين النّصح منه ... إذا نظرت ومستمعاً سميعاً
أراد قبيحةً فنهيت عنها ... وقلت له: أرى أمراً فظيعاً
أردت رشاده جهدي فلمّا ... أبى وعصى أتيناه جميعاً
стр. 6558
عن عوانة بن الحكم: أن عمر بن أبي ربيعة كان قد ترك الشّعر ورغب عنه، ونذر على نفسه لكلّ بيت يقوله هدي بدنة؛ فمكث بذلك حيناً ثم خرج ليلة يريد الطّواف بالبيت إذ نظر إلى امرأة ذات جمال تطوف وإذا رجل يتلوها، كلّما رفعت رجلها وضع رجله موضع رجلها، فجعل ينظر إلى ذلك من أمرهما؛ فلمّا فرغت المرأة من طوافها تبعها الرّجل هنيهةً ثم رجع، وفي قلب عمر ما فيه. فلمّا رآه عمر وثب إليه وقال: لتخبرنّي عن أمرك؛ قال: نعم، هذه المرأة التي رأيت ابنة عمّي، وأنا لها عاشق، وليس لي مال؛ فخطبتها إلى عمّي فرغب عنّي وسألني من المهر ما لا أقدر عليه؛ والّذي رأيت هو حظّي منها وما لي في الدّنيا أمنية غيرها، وإنّما ألقاها عند الطّواف وحظّي ما رأيت من فعلي.
قال له عمر: ومن عمّك؟ قال: فلان بن فلان؛ قال: انطلق معي إليه؛ فانطلقا، فاستخرجه عمر فخرج مبادراً إليه فقال: ما حاجتك يا أبا الخطّاب؟ قال: تزوّج ابنتك فلانة من ابن أخيك فلان، وهذا المهر الذي تسأله مساق إليك من مالي. قال: فإني قد فعلت. قال عمر: أحبّ أن لا أبرح حتى يجتمعا. قال: وذلك أيضاً.
قال: فلم يبرح حتى جمعهما، وأتى منزله فاستلقى على فراشه، فجعل النّوم لا يأخذه، وجعل جوفه يجيش بالشّعر؛ فأنكرت جاريته ذلك، فجعلت تسأله عن أمره، وتقول: ويحك، ما الذي دهاك؟ فلمّا أكثرت عليه جلس وأنشأ يقول: من الوافر
تقول وليدتي لمّا رأتني ... طربت وكنت قد أقصرت حينا
أراك اليوم قد أحدثت شوقاً ... وهاج لك البكا داءً دفينا
بربّك هل رأيت لها رسولاً ... فشاقك، أم رأيت لها خد ينا؟
فقلت: شكا إليّ أخ محبّ ... كبعض زماننا إذ تعلمينا
стр. 6559
فعدّ عليّ ما يلقى بهند ... فوافق بعض ما كنّا لقينا
وذو القلب المصاب وإن تعنّى ... يهيّج حين يلقى العاشقينا
وكم من خلّة أعرضت عنها ... لغير قلىً وكنت بها ضنينا
رأيت صدودها فصدفت عنها ... ولو جنّ الفؤاد بها جنونا
وفي غير هذه الرّواية إلاّ أنه متى قال بيت شعر أعتق رقبة، فذكر معناها، ثم قال: أستغفر الله وأتوب إليه. ثم دعا بثمانية من مماليكه فأعتقهم.
عن صالح بن أسلم، قال: نظرت إلى امرأة مستترة بثوب وهي تطوف بالبيت، فنظر إليها عمر بن أبي ربيعة من وراء الثّوب، ثم قال: من الطويل
ألمّا بذات الخال واستطلعا لنا ... على العهد باق ودّها أم تصرّما
قال: فقلت له: امرأة مسلمة غافلة محرمة قد سيّرت فيها شعراً وهي لا تعلم! فقال: إني قد أنشدت من الشّعر ما بلغك؛ وربّ هذه البنّية ما حللت إزاري على فرج حرام قطّ.
قال الضّحاك بن عثمان: إن عمر بن أبي ربيعة مرض واشتّد مرضه، فحزن عليه أخوه الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة حزناًشديداً؛ فقال عمر: يا أخي كأنك تخاف عليّ قوافي الشّعر؟ قال: نعم. قال: أعتق ما أملك إن كان وطئ فرجاً حراماً قطّ. قال الحارث: الحمد لله، هوّنت عليّ.
قال عبد الله بن عمر: فاز عمر بن أبي ربيعة بالدّنيا والآخرة؛ غزا البحر فاحترقت سفينته فاحترق فيها. وبلغني من وجه آخر: إن عمر بن أبي ربيعة عدا يوماً على فرس فهبّت ريح فاستتر بقفلة، فعصفت الرّيح، فخدشه غصن منها، فدمي منه، فمات من ذلك.
стр. 6560
عمر بن عبد الله بن أبي سفيان
ابن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب القرشيّ ذكر في تسمية من كان بدمشق وغوطتها من بني أميّة، وقال ابن أبي العجائز: وكان رجلاً شابّاً.
عمر بن عبد الله بن عبد الملك
ابن مروان بن الحكم ابن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس الأمويّ ولي الموسم في ولاية يزيد بن الوليد النّاقص سنة ستّ وعشرين ومئة.
عمر بن عبد الله بن محمد
أبو حفص الأصبهانيّ المؤدب قدم دمشق، وحدّث بداريّا، وأظنّه عمر بن عبد الله بن الحسن الذي حدّث ببعلبك، فالله أعلم. حدّث عن أبي عبد الله أحمد بن يعقوب الباسياريّ، بسنده إلى سهل بن عبد الله، قال: رفعت الدّنيا رأسها على عهد أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا لها: يا دنيا أيش فيك؟ قالت: فيّ حلال وشبهات ومكروه وحرام. فقالوا: لا حاجة لنا في شبهاتك ولا في مكروهاتك ولا حرامك من حاجة، هات الحلال. فأخذوا الحلال فأكلوه. ثم جاء القرن الثّاني فقالوا لها: با دنيّا، أيش فيك؟ فقالت: فيّ حلال وشبهات
стр. 6561
ومكروهات وحرام. فقالوا: لا حاجة لنا في شبهاتك ولا مكروهاتك ولا حرامك من حاجة، هات فقالت: قد سبقوكم. قالوا: هات الشّبهات؛ فأخذوه فأكلوه. ثم جاء القرن الثالث، فقالوا: يا دنيا ما معك؟ فقالت: معي حلال وشبهات ومكروه وحرام. فقالوا: ما لنا في شبهاتك ولا في مكروهاتك وحرامك من حاجة، هات الحلال. قالت قد سبقوكم. قالوا: فهات الشّبهات. قالت: قد سبقوكم. قالوا: فهات المكروه. فأخذوه فأكلوه. ثم جاء القرن الرّابع، قالوا: يا دنيا أيش فيك؟ قالت: فيّ حلال وشبهات ومكروه وحرام. قالوا: ما لنا في شبهاتك ولا مكروهاتك وحرامك من حاجة؛ هات الحلال. قالت: قد سبقوكم. قالوا: هات الشّبهات. قالت: قد سبقوكم. قالوا: هات المكروه. قالت قد سبقوكم. قالوا: فهات الحرام. فأخذوه فأكلوه. ثم جاء القرن الخامس فقالوا: ما فيك؟ فقالت: في الحلال والشّبهات والمكروهات والحرام. قالوا: مالنا في شبهاتك ولامكروهات ولاحرامك من حاجة؛ هات الحلال. قالت: قد سبقوكم. قالوا: فهات الشّبهاب. قالت: قد سبقوكم. قالوا: فهات المكروه. قالت: قد سبقوكم. قالوا: فهات الحرام. قالت: قد سبقوكم. قالوا: فما نصنع؟ قالت: خذوا السّيوف الحداد فاضربوا رقاب من معه الحرام.
قال سهل: يادوست، فاليوم لانصل إلى الحرام إلاّ بالسيف، وقد كان قبل ذلك موجوداً!
عمر بن عبد الله اللّيثي
حدث، قال: كنت جالسا عند واثلة بن الأصقع. قال: فأتاه سائل، فأخذه كسرةً فجعل عليها فلساً، ثم قام حتى وضعها في يده. قال: فقلت له: يا أبا الأسقع، أما كان في أهلك من يكفيك هذا؟ قال: لا، وكنه من قام يمشي إلى مسكين بصدقة حطّت عنه بكل خطوة خطيئة، فإذا وضعها في يده حطّت عنه بكّل خطوّة عشر خطيئات.
стр. 6562
عمر بن عبد الباقي بن عليّ
أبو حفص الموصليّ الوّراق سكن دمشق، وسمع بها. روى بصور سنة أربع وسبعين وأربعمئة، عن أبي محمد عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن أحمد بن عبدان الصفار، بسنده إلى ابن عبّاس، قال: قال رسول الله ﷺ : " اسمح يسمح لك ".
عمر بن عبد الحميد
حكى عن عمر بن عبد العزيز، قال: أجازني عمر بن عبد العزيز بعشرة آلاف درهم.
عمر بن عبد الحميد
قال: سمعت أبا خليد يذكر عن مالك وكان أبو خليد يصحب مالكاً قال: قدم أبو جعفر المنصور المدينة فأتيته مسلماً عليه، فقال لي: يا مالك إني قد طلبت العلم سنوات قبل خلافتي، وإنّما العلم في هذا البطن يعني الحجاز وأنت رأس أهله. قال: وأمر لي بألف دينار.
عمر بن عبد الرّحمن بن زيد
ابن الخطّاب ابن نفيل بن عبد العزّى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عديّ بن كعب القرشيّ العدويّ وفد على معاوية.
стр. 6563
قال: كان عمر يصاب بالمصيبة فيقول: أصبت بزيد بن الخطاب فصبرت. وأبصر قاتل أخيه زيد فقال له: ويحك، لقد قتلت لي أخاً ما هبت الصّبا إلاّ ذكرته.
عن سعيد بن عبد الكبير بن عبد الحميد، عن أبيه، عن جدّه، قال: كان يقال له: المصوّر، من حسنه وجماله، وكان قدم على معاوية بن أبي سفيان فأقام عنده أشهراً، ثم قام إليه يوماً فقال: ياأمير المؤمنين، أقض لي حاجتي. قال له معاوية: أقضي لك أنك أحسن الناس وجهاً، ثم قضى له حاجته، ووصله وأحسن جائزته.
قال عمر بن عبد الرّحمن: قال عمر لقاتل زيد: غيّب عنّي وجهك.
عمر بن عبد الرّحمن بن عوف
ابن عبد عوف بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرّة بن كعب أبو حفص القرشيّ الزهريّ المدنيّ روى أن رجلاً من الأنصار جاء إلى النّبي ﷺ يوم الفتح، والنّبي ﷺ قريب من المقام، فسلّم على النّبي ﷺ ثم قال: يا نّبي الله إني نذرت لئن فتح الله للنّبي ﷺ والمؤمنين مكّة لأصلّينّ في بيت المقدس، وإني وجت رجلاً من أهل الشام ها هنا في قريش مقبلاً ومدبراً. فقال النّبي صلى الله: " ها هنا فصلّ " فقال الرّجل قوله هذا ثلاث مرّات، كلّ ذلك يقول النّبيّ ﷺ : " ها هنا فصلّ " ثم قالها الرّابعة مقالته هذه فقال النّبيّ ﷺ : " اذهب فصلّ فيه، فوالّذي بعث محمداً بالحقّ لو صلّيت ها هنا لقضى عنك ذلك كلّ صلاة في بيت المقدس ".
قال شاعر في عمر بن عبد الرّحمن: من الوافر
стр. 6564
فما عمر أبو حفص إذا ما ... تفاخرت القبائل بالقليل
له كفّان كفّ ندىً وجود ... وكفّ ما تهلّل عن قتيل
عن رجل من بني زهرة، قال: لمّا هلك عبد الرّحمن بن عوف بعث عثمان بن عفّان سهل بن حنيف يقسم ماله بين ولده، فأخذ بيد عمر بن عبد الرّحمن وكانت أمّه سهلة بنت عاصم بن عديّ فقال له: يا ابن أختي، أنت والله أحبّ القوم إليّ علانيةً غير سرّ، وذلك من قبل الأنصاريّات الّلاتي ولدنك؛ وإني أوصيك بوصيّة إن حفظتها فهي خير لك من مال أبيك، وإن تركتها لم ينفعك ما ترك أبوك لو كان لك. قال: ما ذاك؟ أوصني. قال: يا ابن أختي، اعلم أنه لا عيلة لمصلح ولا مال لخرق، واعلم أنّ الرّقيق ليسوا بمال وهم جمال، واعلم أن خير المال العقد وشرّ العقد النّضح، هي كانت أموالنا في الجاهليّة، حتى كان أحدنا سفيهاً بولده وخادمه؛ فأما إذ ركبتم الدّواب ولبستم الثياب فليست من أموالكم في شيء، فإن كنت لابدّ منها شيئاً فاتّخذ مزرعةً إن عالجتها نفعتك، وإن تركتها لم تضرّك.
قال عمر بن عبد الرّحمن: فحفظت وصيّة خالي، فكانت خيراً لي ممّا ورثت من أبي.
عمر بن عبد الرّحمن بن محمد
ويقال: ابن عبد الرّحمن بن أحمد، أبو القاسم ويقال: أبو الفرج الطّرسوسيّ سكن درب القرشيّين.
روى عن القاضي أبي بكر يوسف بن القاسم الميانجيّ، بسنده إلى ابن عبّاس، قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئاً نسأل هذا الرّجل. قالوا: سلوه عن الرّوح.
стр. 6565
فسألوه عن الرّوح، وبيد النّبيّ ﷺ جريدة ينكث بها الأرض، فنزلت " ويسألونك عن الرّوح قل الرّوح من أمر ربّي وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلاً ". وهو غريب.
عمر بن عبد العزيز بن عبيد
أبو حفص السّبائيّ الطّرابلسيّ من أهل طرابلس المغرب، شاب صالح فقيه على مذهب مالك، كان يعرف شيئاً من الأدب، ويكتب بخطّ حسن؛ قدم دمشق من مكّة، وأقام بها مدّة، وحدّث بشيء يسير، ثم توجّه إلى العراق طالباً للعلم فتوفي ببغداد سنة تسع عشرة أو ثمان عشرة وخمسمئة فيما أظنّ. وقد جالسته غير مرّة، وسمعته ينشد شيئاً، ولم أحفظ عنه شيئاً.
عمر بن عبد العزيز بن مروان
ابن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس بن مناف أبو حفص القرشيّ الأمويّ، أمير المؤمنين بويع له بالخلافة بعد سليمان بن عبد الملك. وأمّه أمّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطّاب.
روى عن يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: كان النّبيّ ﷺ إذا جلس يتحدّث يكثر أن يرفع بصره إلى السّماء.
стр. 6566
قال عمر: زعمت المرأة الصّالحة خولة بنت حكيم أن رسول الله ﷺ خرج محتضناً أحد ابني ابنته وهو يقول: " والله إنكم لتجبّنون وتبخّلون، وإنكم لمن ريحان الله ، وإن آخر وطأة وطئها الله بوجّ ".
وعن أبي بكر بن عبد الرّحمن، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: " أيما رجل أفلس فأدرك رجل ماله بعينه فهو أحقّ به من غيره ".
قال محمد بن سعد: في الطّبقة الثالثة من تابعي أهل المدينة: عمر بن عبد العزيز.
قالوا: ولد عمر سنة ثلاث وستّين، وهي السّنة التي ماتت فيها ميمونة زوج النّبيّ ﷺ . وكان عمر بن عبد العزيز ثقةً مأموناً، له فقه وعلم وورعّ، وروى حديثا كثيرا، وكان إمام عدل ﵀ ورضي عنه.
قال ابن أبي حاتم: وكان استوهب من سهل بن سعد السّاعديّ قدحاً شرب فيه النّبيّ ﷺ فوهبه له.
عن اسماعيل بن عليّ الخطبيّ، قال: ورأيت صفته يعني عمر بن عبد العزيز في بعض الكتب، أنه كان رجلاً أبيض، رقيق الوجه، جميلاً، نحيف الجسم، حسن اللّحية، غائر العينين، بجبهته أثر نفحة حافر دابّة؛ فلذلك سمّي أشجّ بني أميّة، وكان قد وخطه الشّيب.
стр. 6567
وعن ثروان مولى عمر بن عبد العزيز، قال: دخل عمر بن عبد العزيز إلى اصطبل أبيه وهو غلام فضربه فرس فشجّه، فجعل أبوه يمسح عنه الدّم ويقول: إن كنت أشجّ بين أميّة إنّك إذاً لسعيد.
عن يعقوب، عن أبيه: أن عبد العزيز بن مروان بعث ابنه عمر بن عبد العزيز إلى المدينة يتأدب بها، فكتب إلى صالح بن كيسان يتعاهده، فكان يلزمه الصّلوات؛ فأبطأ يوماً عن الّصلاة فقال: ما حبسك؟ قال: كانت مرجّلتي تسكن شعري! فقال: بلغ منك حبّك تسكين شعرك أن تؤثره على الصّلاة؟ فكتب إلى عبد العزيز يذكر ذلك، فبعث إليه عبد العزيز رسولاً فلم يكلّمه حتى حلق شعره. وكان عمر يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله يسمع منه العلم، فبلغ عبيد الله أن عمر ينتقص عليّ بن أبي طالب، فأتاه عمر، فقام يصّلي، وأرز عمر فلم يبرح حتى سلّم من ركعتين، ثم أقبل على عمر بن عبد العزيز فقال: متى بلغك أن الله سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم؟ قال: فعرف عمر ما أراد؛ فقال: معذرة إلى الله وإليك، والله لا أعود. قال: فما سمع عمر بن عبد العزيز، بعد ذلك ذاكراً عليّاً إلاّ بخير.
حدّث العتبيّ، قال: إن أول ما استبين من عمر بن عبد العزيز وحرصه على العلم ورغبته في الأدب، أن أباه ولي مصر وهو حديث السّنّ يشكّ في بلوغه، فأراد إخراجه معه؛ فقال: يا أبه، أو غير ذلك، لعلّه أن يكون أنفع لي ولك؛ ترحلّني إلى المدينة فأقعد إلى فقهاء أهلها وأتأدّب بآدابهم.
стр. 6568
فوجّهه إلى المدينة، فقعد مع مشايخ قريش وتجنّب شبابهم، وجاءته ألطاف أبيه من مصر فجعل يقسمها بينهم، فشهره أهل المدينة بعلمه وعقله مع حداثة سنّه؛ فحسده فتيان قريش فقعدوا إليه، فقالوا: كيف أصبحت يا أبا حفص؟ فقال: مهلاً، إيّاي وكلام المجعة؛ فشهرت منه بالمدينة حتى كتب بها إلى أبيه بمصر والمجعة: القليلة عقولهم، الضّعيفة آراؤهم ثم بعث إليه عبد الملك عند وفاة أبيه فخلطه بولده وقدّمه على كثير منهم، وزوّجه بابنته فاطمة، وهي التي يقول فيها الشّاعر: من الكامل
بنت الخليفة، والخليفة جدّها ... أخت الخلائف، والخليفة زوجها
فلم تكن امرأة تستحق هذا البيت إلى يومنا هذا غيرها. وكان الذين يعيبون عمر ممّن يحسده إلا بشيئين: إلاّ بالإفراط في النّعمة والاختيال في المشية؛ ولو كانوا يجدون ثالثاً لجعلوه معهما؛ وهو الأحنف: الكامل من عدّت هفواته، ولا تعدّ إلاّ من قلّة. فدخل يوماً على عبد الملك وهو يتجانف في مشيته، فقال له: يا عمر، مالك تمشي غير مشيتك؟ قال: إن بي جرحاً. قال: وفي أيّ حسدك؟ قال: بين الرّانفة والصّفن. قال عبد الملك لروح بن زنباع: أقسم بالله لو رجل من قومك سئل عن هذا لما أجاب هذا الجواب. الرّانفة: طرف الألية. والصّفن: جلد الخصية. قال جرير: من الرجز يترك أصفان الخصى جلاجلا قال خليفة: سنة سبع وثمانين أقام الحجّ عمر بن عبد العزيز.
стр. 6569
وقال: سنة تسع وثمانين أقام الحجّ عمر بن عبد العزيز.
وقال: سنة تسعين أقام الحجّ عمر بن عبد العزيز.
وقال: سنة اثنيتين وتسعين أقام الحجّ عمر بن عبد العزيز أخبر من رأى عمر بن عبد العزيز واقفاً بعرفة وهو يقول: اللهم زد محسن آل محمد ﷺ إحساناً؛ اللهم راجع بمسيئهم إلى التّوبة؛ اللهم حطّ من أوزارهم برحمتك ويقول بيده هكذا؛ اللهم من كان صلاحه لأمّة محمد، وأهلك من كان هلاكه صلاحاً لأمّة محمد ﷺ .
قال مالك: أتى فتيان إلى عمر بن عبد العزيز فقالوا: إن أبانا توفي وترك مالاً عند عمنّا حميد الأمجيّ. قال: فأحضره عمر بن عبد العزيز. قال: فلّما دخل عليه قال: أنت حميد؟ قال: فقال: نعم. قال: فقال: أنت القائل: من المتقارب
حميد الذي أمج داره ... أخو الخمر ذو الشّيبة الأصلع
أتاه المشيب على شربها ... فكان كريماً فلم ينزع
قال: نعم. قال عمر بن عبد العزيز: ما أراني إلاّ سوف أحدّك. قال، ولم؟ قال: لأنك أقررت بشرب الخمر، وزعمت أنك لم تنزع عنها. قال: أيهات، أين يذهب بك؟ ألم تسمع الله يقول: " والشّعراء يتّبعهم الغاوون ألم تر أنّهم في كلّ واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون "؟ قال: فقال عمر: أولى لك يا حميد، ماأراك إلاّ وقد أفلتّ، ويحك يا حميد كان أبوك رجلاً صالحاً وأنت رجل سوء! قال: أصلحك الله، وأيّنا يشبه أباه؟ كان أبوك رجل سوء وأنت رجل صالح.
стр. 6570
قال: إن هؤلاء زعموا أن أباهم توفي وترك مالاً عندك. قال: صدقوا. قال: فأحضره بخاتم أبيهم. قال: قال: إن أبا هؤلاء توفي مذ كذا وكذا وإني كنت أنفق عليهم من مالي، وهذا مالهم. فقال عمر: ماأجد أحداً أحقّ أيكون عنده منك. قال: فقال: أيعود إليّ وقد خرج منّي؟ قال أنس بن مالك: ما رأيت أحداً أشبه صلاةً برسول الله ﷺ من هذا الفتى يعني عمر بن عبد العزيز وهو على المدينة.
عن العبّاس بن أبي راشد، عن أبيه، قال: نزل بنا عمر بن عبد العزيز، فلمّا رحل قال لي مولاي: اركب معي نشيّعه. قال: فركبت فمررنا بواد فإذا نحن بحيّة ميتة مطروحة على الطريق، فنزل عمر فنحّاها وواراها ثم ركب، فبينما نحن نسير إذا هاتف يهتف وهو يقول: يا خرقاء يا خرقاء. قال: فالتفتنا يميناً وشمالاً فلم نر أحداً. فقال له عمر: أسألك بالله أيّها الهاتف إن كنت مّمن تظهر إلاّ ظهرت، وإن كنت مّمن لا تظهر أخبرنا من الخرقاء؟ قال: الحيّة التي دفنتم في مكان كذا وكذا فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول لها يوماً: " يا خرقاء تموتين بفلاة من الأرض يدفنك خير مؤمن من أهل الأرض يومئذ ". فقال له عمر: ومن أنت يرحمك الله؟ قال: أنا من التّسعة أو السّبعة شكّ التّرقفيّ الذين بايعوا رسول الله ﷺ في هذا المكان، أو قال: في هذا الوادي شكّ التّرقفيّ فقال له عمر: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: آلله، إني أنا سمعت هذا من رسول الله ﷺ . فدمعت عينا عمر، وانصرفنا.
قال سفيان: سألت عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز حين قدم علينا: كم أتى على عمر؟ قال: مات ولم يتّم أربعين سنةً؛ وذكر شيئاً من فضله.
стр. 6571
قال: وقال مجاهد: أتيناه نعلّمه فما برحنا حتى تعلّمنا منه.
وقال ميمون بن مهران: كانت العلماء عند عمر تلامذة.
عن عبد الله بن كثير، قال: قيل لعمر بن عبد العزيز: ما كان بدو إنابتك؟ قال: أردت ضرب غلام لي فقال لي: يا عمر اذكر ليلةً صبيحتها يوم القيامة.
وعن مالك: أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز حين خرج من المدينة التفت إليها فبكى ثم قال: يا مزاحم، أتخشى أن نكون ممّن نفت المدينة؟ قال عبد العزيز بن يزيد الأيليّ: حجّ سليمان بن عبد الملك ومعه عمر بن عبد العزيز، فأصابهم ليلةً برقّ ورعد فكادت تنخلع أفئدتهم؛ فقال سليمان: يا أبا حفص، هل رأيت مثل هذه اللّيلة قطّ وسمعت بها؟ قال: يا أمير المؤمنين، هذا صوت رحمة الله، فكيف لو سمعت صوت عذاب الله!
قال عبد الرّحمن بن حسّان الكنانيّ: لمّا مرض سليمان بن عبد الملك المرض الذي توفي فيه، وكان مرضه بدابق، ومعه رجاء بن حيوة؛ فقال لرجاء بن حيوة: يا رجاء من لهذا الأمر من بعدي؟ أستخلف ابني؟ قال: ابنك غائب. قال: فالآخر؟ قال: ذاك صغير. قال: فمن ترى؟ قال: أرى أن تستخلف عمر بن عبد العزيز. قال: أتخوّف من بني عبد الملك ألاّ يرضوا. قال: فول عمر بن عبد العزيز ومن بعده يزيد بن عبد الملك، وتكتب كتاباً وتختم عليه وتدعوهم إلى بيعته مختوماً عليها. قال: لقد رأيت، ائتني بقرطاس.
стр. 6572
قال: فدعا بقرطاس فكتب فيه العهد لعمر بن عبد العزيز ومن بعده يزيد بن عبد الملك، ثم ختمه، ثم دفعه إلى رجاء، قال: اخرج إلى النّاس فمرهم فليبايعوا على ما في هذا الكتاب مختوماً. قال: فخرج إليهم رجاء فجمعهم، وقال: إن أمير المؤمنين يأمركم أن تبايعوا لمن في هذا الكتاب من بعده. قالوا: ومن فيه؟ قال: مختوم، لا تخبرون بمن فيه حتى يموت. قالوا: لا نبايع حتى نعلم من فيه. قال: فرجع رجاء إلى سليمان؛ انطلق إلى أصحاب الشّرط والحرس، وناد: الصّلاة جامعةً، ومر النّاس فليجتمعوا، ومرهم بالبيعة على ما في هذا الكتاب، فمن أبى أن يبايع منهم فاضرب عنقه. قال: ففعل، فبايعوا على ما فيه.
قال رجاء: فلمّا خرجوا خرجت إلى منزلي، فبينا أنا أسير في الطريق إذ سمعت جلبة موكب، فالتفتّ فإذا هشام، فقال لي: يا رجاء، قد علمت موقعك منّا، وإن أمير المؤمنين قد صنع شيئاً لا أدري ما هو، وأنا أتخّوف أن يكون قد أزالها عنّي، فإن يكن عدلها عنّي فأعلمني ما دام في الأمر نفس، حتى أنظر في هذا الأمر قبل أن يموت. قال: قلت: سبحان الله، يستكتمني أمير المؤمنين أمراً أطلعك عليه! لا يكون ذاك أبداً؛ فأدارني وألاصني، فأبيت عليه. قال: فانصرف. فبينا أنا أسير إذ سمعت جلبةً خلفي فإذا عمر بن عبد العزيز، فقال لي: يا رجاء، إنه قد وقع في نفسي أمر كثير من هذا الرّجل، أتخوّف أن يكون قد جعلها إليّ، ولست أقوم بهذا الشّأن، فأعلمني ما دام في الأمر نفس لعلّي أتخلّص منه ما دام حيّاً. قلت: سبحان الله، يستكتمني أمير المؤمنين أمراً أطلعك عليه! ؛ فأدارني وألاصني، فأبيت عليه.
стр. 6573
قال رجاء: وثقل سليمان، وحجب النّاس عنه حتى مات؛ فلمّا مات أجلسته وأسندته وهيّأته، وخرجت إلى النّاس، فقالوا: كيف أصبح أمير المؤمنين؟ فقلت: إن أمير المؤمنين أصبح ساكناً؛ وقد أحبّ أن تسلّموا عليه، وتبايعوا على ما في هذا الكتاب، والكتاب بين يديه. قال: فأذنت للنّاس فدخلوا وأنا قائم عنده؛ فلمّا دنوا قلت: إن أميركم يأمركم بالوقوف؛ ثم أخذت الكتاب من عنده ثم تقدّمت إليهم فقلت: إن أمير المؤمنين يأمركم أن تبايعوا على ما في هذا الكتاب. قال: فبايعوا، وبسطوا أيديهم؛ فلمّا بايعتهم على ما فيه أجمعين وفرغت من بيعتهم قلت لهم: آجركم الله في أمير المؤمنين. قالوا: فمن؟ فافتتح الكتاب فإذا فيه العهد لعمر بن عبد العزيز، فلمّا نظرت بنو عبد الملك تغيّرت وجوههم، فلمّا قرؤوا من بعده يزيد بن عبد الملك كأنهم تراجعوا؛ فقالوا: أين عمر بن عبد العزيز؟ فطلبوه فلم يوجد في القوم. قال: فنظروا فإذا هو في مؤخر المسجد. قال: فأتوه، فسلّموا عليه بالخلافة، فعقر فلم يستطع النّهوض حتى أخذوا بضبعيه، فرقوا به المنبر، فلم يقدر على الصّعود حتى أصعدوه، فجلس طويلاً لايتكلّم، فلمّا رآهم رجاء جلوساً قال: ألا تقومون إلى أمير المؤمنين فتبايعونه؟ قال: فنهض القوم إليه فبايعوه رجلاً رجلاً. قال: فمدّ يده إليهم. قال: فصعد إليه هشام فلمّا مدّ يده إليه قال هشام: " إنّا لله وإنّا إليه راجعون " فقال عمر: نعم " إنّا لله وإنّا إليه راجعون " حين صار يلي هذا الأمر أنا وأنت. قال: ثم قام عمر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيّها النّاس إنّي لست بقاض ولكنّي منفّذ، ولست بمبتدع ولكنّي متّبع، وإن حولكم من الأمصار والمدن فإن هم أطاعوا كما أطعتم فأنا واليكم، وإن هم نقموا فلست لكم بوال. ثم نزل يمشي؛ فأتاه صاحب
стр. 6574
المراكب، فقال: ما هذا؟ قال: مركب للخليفة. قال: لا حاجة لي فيه، إيتوني بدابتّي. فأتوه بدابّته فركبها ثم خرج يسير، وخرجوا معه، فمالوا إلى طريق؛ قال: إلى أين؟ قالوا: إلى البيت الذي يهيّأ للخليفة. قال: لا حاجة لي فيه، انطلقوا بي إلى منزلي. قال رجاء: فأتى منزله، فنزل عن دابّته ثم دعا بداوة وقرطاس، وجعل يكتب بيده إلى العّمال في الأمصار، ويملّ على نفسه. قال رجاء: فلقد كنت أظنّ سيضعف، فلّما رأيت صنيعه في الكتاب علمت أنه سيقوى بهذا ونحوه.
عن حماد العدويّ، قال: سمعت صوتاً عند وفاة سليمان بن عبد الملك، يقول: من الكامل
اليوم حلّت واستقرّ قرارها ... على عمر المهديّ قام عمودها
وعن محمد بن الضّحاك بن عثمان، عن أبيه، قال: لمّا انصرف عمر بن عبد العزيز عن قبر سليمان صفّوا له مراكب سليمان، فقال: من الطويل
فلولا التّقى ثم النّهى خشية الرّدى ... لعاصيت في حبّ الصّبا كلّ زاجر
قضى ما قضى فيما مضى ثم لا ترى ... له صبوة أخرى اللّيالي الغوابر
ثم قال: ما شاء الله، لا قوّة إلاّ بالله؛ قوموا إلى بغلتي.
وعن سليمان بن داود الخولاني؛ أن رجلاً بايع عمر بن عبد العزيز، فمدّ يده إليه، ثم قال: بايعني بلا عهد ولا ميثاق؛ تطيعني ما أطعت الله، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليك. فبايعه.
стр. 6575
وعن عمر بن ذرّ، قال: قال مولى لعمر بن عبد العزيز له حين رجع من جنازة سليمان: ما لي أراك مغتّماً؟ فقال عمر: لمثل ما أنا فيه يغتّم؛ ليس أحد من أمّة محمد ﷺ في شرق ولا غرب إلاّ وأنا أريد أن أودّي إليه حقّه غير كاتب ولا طالبه منّي.
وعن إبراهيم بن هشام بن يحيى، عن أبيه، عن جدّه، قال: كنت أنا وابن أبي زكريا بباب عمر بن عبد العزيز فسمعنا بكاء في داره، فسألنا عنه، فقالوا: خيّر أمير المؤمنين امرأته بين أن تقوم في منزلها على حالها وأعلمها أنه قد شغل بما في عنقه عن النّساء وبين أن تلحق بمنزل أبيها؛ فبكت فبكى جواريها لبكاءها.
وحدّث بعض خاصّة عمر بن عبد العزيز بن مروان: أنه حين أفضت إليه الخلافة سمعوا في منزله بكاءً عالياً؛ فسئل عن البكاء، فقيل: إن عمر بن عبد العزيز خيّر جواريه، فقال: إنه قد نزل بي أمر شغلني عنكنّ، فمن أحبّ أن أعتقه عتقته، ومن أراد أن أمسكه أمسكته، أم يكن منّي إليها شيء؛ فبكين إياساً منه.
وعن مسعود بن بشر: أن رجلاً قال لعمر بن عبد العزيز لمّا ولي الخلافة: تفرّغ لنا. فقال: قد جاء شغل شاغل، وعدلت عن طرق السّلامة، ذهب الفراغ فلا فراغ لنا إلى يوم القيامة.
وعن سلام بن سليم، قال: لمّا ولي عمر بن عبد العزيز صعد المنبر فكان أول خطبة خطبها؛ حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيّها النّاس، من صحبنا فليصحبنا بخمس وإلاّ فلا يقربنا؛ يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، ويعيننا على الخير بجهده، ويدّلنا من الخير على ما لا نهتدي إليه، ولا يغتابنّ عندنا الرّعيّة، ولا يعترض فيما لا يعنيه. فانقشع عنه الشّعراء والخطباء، وثبت الفقهاء والزّهاد؛ وقالوا: ما يسعنا أن نفارق هذا الرّجل حتى يخالف فعله قوله.
стр. 6576
قال سفيان بن عيينة: لمّا ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة بعث إلى محمد بن كعب، وإلى رجاء بن حيوة، وإلى سالم بن عبد الله. قال: فحضروا؛ فقال لهم: قد ترون ما قد ابتليت به وما قد نزل بي، فما عندكم؟ فقال محمد بن كعب: يا أمير المؤمنين، اجعل النّاس أصنافاً ثلاثةً؛ اجعل الشّيخ أباً، والنّصف أخاً، والشّاب ولداً؛ فبّر أباك، وصل أخاك، وتعطّف على ولدك.
وقال رجاء بن حيوة: ما تقول يا رجاء؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ارض للنّاس ما ترضى لنفسك، وما كرهت أن يؤتى إليك فلا تأته إليهم، واعلم أنك لست أوّل خليفة يموت.
وقال لسالم بن عبد الله: ما عندك يا سالم؟ قال: يا أمير المؤمنين، اجعل الأمر يوماً واحداً صرفته عن شهوات الدّنيا، آخر نظرك فيه الموت، فكأن قد.
فقال عمر: لا حول ولاّ قوة إلاّ بالله.
عن مغيرة، قال: كان لعمر بن عبد العزيز سمار يستشيرهم فيما يرفع إليه كم أمور النّاس، وكان علامة ما بينه وبينهم إذا أحبّ أن يقوموا قال: إذا شئتم. قال حنبل: رأيت أبا عبد الله أحمد فعل ذلك إذا أراد القيام قال: إذا شئتم.
وعن السّريّ بن يحيى: أن عمر بن عبد العزيز حمد الله، ثم خنقته العبرة، ثم قال: أيّها النّاس؛ أصلحوا آخرتكم تصلح لكم دنياكم، وأصلحوا سرائركم تصلح لكم علانيتكم؛ والله إن عبداً ليس بينه وبين آدم أب إلاّ قد مات إنه لمعرق له في الموت.
وعن عبد الله بن شوذب، قال: خطب عمر بن عبد العزيز، فقال: كم من عامر موثق عمّا قليل يخرب، وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن، فأحسنوا رحمكم الله منها الرّحلة بأحسن ما يحضركم من النّقلة؛ بينا ابن آدم في الدّنيا ينافس فيها قرير العين قانعاً، إذ دعاه الله بقدره ورماه
стр. 6577
بيوم حتفه، فسلبه آثاره ودنياه، وصيّر لقوم آخرين مصانعه ومعناه، إن الدّنيا لاتسرّ بقدر ما تضرّ، تسرّ قليلاً وتحزن كثيراً.
حدّث ابن لسعيد بن العاص، قال: كان آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز؛ حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيّها النّاس؛ أما بعد؛ فإنكم لم تخلقوا عبثاً ولن تتركوا سدىً، وإن لكم معاداً ينزل الله فيه للحكم فيكم والفصل بينكم؛ فخاب وخسر من خرج من رحمة الله، وحرم جنّة عرضها السّموات والأرض؛ ألم تعلموا أنه لا يأمن غداً إلاّ من حذر اليوم وخافه، وباع نافذاً بباق وقليلاً بكثير وخوفاً بأمان؛ ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وستكون من بعدكم للباقين، كذلك حتى يردّ إلى خير الوارثين؛ ثم إنكم في كلّ يوم تشيّعون غادياً ورائحاً إلى الله ، قد قضى نحبه حتى تغيبّوه في صدع من الأرض، في بطن صدع، غير موسّد ولا ممهّد، قد فارق الأحباب وباشر التّراب وواجه الحساب، فهو مرتهن بعمله، غنيّ عمّا ترك، فقير إلى ما قدّم؛ فاتّقوا الله قبل انقضاء مراقبته ونزول الموت بكم؛ أما إني لأقول هذا وما أعلم أن عند أحد من الذّنوب أكثر ممّا عندي، فأستغفر ال ثم رفع طرف رداءه على وجهه فبكى وأبكى من حوله.
قال سفيان الثّوريّ: لمّا قام عمر بن عبد العزيز كتب إلى أهل الشّام بكلمتين؛ من علم أن كلامه من عمله أقلّ منه إلاّ فيما ينفعه، ومن أكثر ذكر الموت اجتزأ من الدّنيا باليسير، والسّلام.
قال عمر بن عبد العزيز: رأيت رسول الله ﷺ في النّوم، فقال لي: ادن يا عمر ثم قال لي: ادن يا عمر ثم قال لي ادن يا عمر حتى كدت أن أصيبه، ثم قال لي: يا عمر، إذا وليت فاعمل في ولايتك نحواً من عمل هذين وإذا كهلان قد اكتنفاه، قلت: من هذان؟ قال: هذا أبو بكر وهذا عمر.
стр. 6578
عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، قال: كان نقش خاتم أبي عمر بن عبد العزيز " لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له ".
قال حمّاد: لمّا استخلف عمر بن عبد العزيز بكى، فقال: يا أبا فلان، هل تخشى عليّ؟ فقال: كيف حبّك للدّرهم؟ قال: لا أحبّه. قال: لا تخف، فإن الله سيعينك.
عن الوليد بن يسار الخزاعيّ، قال: لمّا استخلف عمر بن عبد العزيز قال للحاجب: أدن منّي قريشاً ووجوه النّاس؛ ثم قال لهم: إن فدك كانت بيد رسول الله ﷺ فكان يضعها حيث أراه الله، ثم وليها أبو بكر ففعل مثل ذلك، ثم وليها عمر ففعل مثل ذلك قال الأصمعي: وخفي عليّ ما قال في عثمان ثم إن مروان أقطعها فوهبها لمن لا يرثه من بني بنيه، فكنت أحدهم، ثم ولي الوليد فوهب لي نصيبه، ثم ولي سليمان فوهب لي نصيبه، ثم لم يكن من مالي شيء أردّ عليّ منها؛ ألا وإني قد رددتها موضعها. قال: فانقطعت ظهور النّاس، ويئسوا من المظالم.
عن عبد الله بن المبارك، قال: قال عمر بن عبد العزيز لمزاحم وكان مزاحم مولاه، وكان فاضلاً قال: إن هؤلاء القوم يعني أهله أقطعوني ما لم يكن لي أن آخذه، ولا لهم أن يعطوني، وإني قد هممت بردّها على أربابها. قال: فقال مزاحم: فكيف تصنع بولدك؟ قال: فجرت دموعه على وجنتيه، قال: فجعل يمسحها بأصبعه الوسطى، ويقول: أكلهم إلى الله.
قال عبد الله: لتعرف أنه قد كان يجد بولده ما يجد القوم بأولادهم.
قال عبد الله: وكأن مزاحم مع فضله لم يقنع بقوله، فخرج مزاحم فدخل على
стр. 6579
عبد الملك بن عمر، فقال: إن أمير المؤمنين قد همّ بأمر لهو أضرّ عليك وعل ولد أبيك من كذا وكذا، إنه قد همّ بردّ السّهلة. قال عبد الله: وهي باليمامة، وهي أمرّ عظيمّ. قال وكان عيش ولده منها.
قال عبد الملك: فماذا قلت له؟ قال كذا وكذا. قال: بئس لعمر الله وزير الخليفة أنت. قال: ثم قام ليدخل على عمر، وقد تبوّأ مقيله. قال: فاستأذن. قال: فقال له البوّاب: إنه قد تبوّأ مقيلة. قال: ما منه بدّ. قال: سبحان الله، ألا ترحموه، إنما هي ساعته. قال: فسمع عمر صوته، فقال: أعبد الملك؟ قال: نعم ادخل. قال: فدخل. قال: ما جاء بك؟ قال: إن مزاحماً أخبرني بكذا وكذا. قال: فما رأيك؟ فإني أريد أن أقوم به العشّية. قال: أرى أن تعجّله فما يؤمنك أن يحدث بك حدث، أو يحدث بقلبك حدث؟ قال: فرفع يديه فقال: الحمد لله الذي جعل من ذرّيّتي من يعينني على ديني. قال: ثم قام من ساعته، فجمع النّاس، وأمر بردّها.
حدّث اللّيث، قال: فلمّا ولي عمر بن عبد العزيز بدأ بلحمته وأهل بيته، فأخذ ما بأيديهم وسمّى أموالهم مظالم، ففزعت بنو أميّة إلى فاطمة بنت مروان عمّته، فأرسلت إليه: إنه قد عنّاني أمر لا بدّ من لقائك فيه؛ فأتته ليلاً؛ فأنزلها عن دابّتها. فلمّا أخذت مجلسها قال: يا عمّة، أنت أولى بالكلام فتكلّمي لأن الحاجة لك. قالت: تكلّم يا أمير المؤمنين. قال: إن الله بعث محمداً ﷺ رحمةّ ولم يبعثه عذاباً إلى النّاس كافّةً، ثم اختار له ما عنده فقبضه الله وترك لهم نهراً شربهم سواء، ثم قام أبو بكر فترك النّهر على حاله، ثم ولي عمر فعمل علي أمر صاحبه، ثم لم يزل النّهر يشتقّ منه يزيد ومروان وعبد الملك وسليمان حتى أفضى الأمر إليّ، وقد يبس النّهر الأعظم، ولن يروي أصحاب النّهر الأعظم حتى يعود النّهر
стр. 6580
إلى ما كان عليه. فقالت: حسبك، قد أردت كلامك ومذاكرتك، فأمّا إذا كانت مقالتك هذه فلست بذاكرة لك شيئاً أبداً؛ فرجعت إليهم فأبلغتهم كلامه.
عن ميمون بن مهران، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز قال: لو أقمت فيكم خمسين عاماً ما استكملت العدل، وإني لأريد الأمر من أمر العامّة أن أعمل به فأخاف أن لا تحمله قلوبهم فأخرج معه طمعاً من طمع الدّنيا، فإن أنكرت قلوبهم هذا سكنت لهذا.
قيل لطاوس: أخبرنا عن عمر بن عبد العزيز أهو المهديّ؟ قال: إنه لمهديّ وليس به، إذا كان المهديّ تيب على المسيء من إساءته، وزيد المحسن في إحسانه، سمح بالمال، شديد على العمّال، رحيم بالمساكين.
قال عبّاد السمّاك: سمعت سفيان يقول: أئمة العدل خمسة، أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وعمر بن عبد العزيز.
وعن سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، قال: والله لكأنّ عمر بن عبد العزيز كان صعد إلى السّماء فنظر ثم نزل إلى الأرض.
قال طلحة أبو محمد: سمعت أشياخنا يذكرون، قالوا: واستخلف عمر بن عبد العزيز سنة تسع وتسعين، ومات سنة إحدى ومئة، وكان يكتب إلى عمّاله بثلاث خصال يدور فيهم؛ بإحياء سنّة أو إطفاء بدعة، أو قسم في مسكنة، أو ردّ مظلمة؛ وكان يكتب إليهم: إنّما هلك من كان قبلكم من الولاة أنهم كانوا يحبسون الخير حتى يشترى منهم، ويبذلون الشّرّ حتى يفتدى منهم.
عن عمر بن أسيد بن عبد الرّحمن بن زيد بن الخطّاب، قال: إنّما ولي عمر بن عبد العزيز سنتين ونصفاً، ثلاثين شهراً، لا والله ما مات عمر حتى
стр. 6581
جعل الرّجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون للفقراء، فما يبرح حتى يرجع بماله يتذكر من يضعه فيهم فلا يجده، فيرجع بماله؛ قد أغنى عمر بن عبد العزيز النّاس.
حدّث إبراهيم بن هشام بن يحيى، عن أبيه، عن جدّه، قال: كانت فاطمة بنت عبد الملك جارية تعجب عمر، فلمّا صار إلى ما صار إليه زيّنتها فاطمة وطيّبتها، وبعثت بها إلى عمر، وقالت: إني قد كنت أعلم أنها تعجبك، وقد وهبتها لك فتنال منها حاجتك؛ فلمّا دخلت عليه قال لها عمر: اجلسي يا جارية، فوالله ما شيء من الدّنيا كان أعجب إليّ منك أن أناله، حدّثيني بقصّتك، وما سببك؟ قالت: كنت جاريةً من البربر جنى أبي جناية فهرب من موسى بن نصير عامل عبد الملك على إفريقية، فأخذني موسى بن نصير، فبعثني إلى عبد الملك، فوهبني عبد الملك لفاطمة، فبعثت بي فاطمة إليك. فقال: كدنا والله نفتضح. فجهّزها وبعث بها إلى أهلها.
عن عطاء، قال: دخلت على فاطمة بنت عبد الملك بعد وفاة عمر بن عبد العزيز، فقلت لها: يا بنت عبد الملك، أخبريني عن أمير المؤمنين. قالت: أفعل، ولو كان حيّاً ما فعلت.
إن عمر ﵀ كان قد فرغ نفسه وبدنه للنّاس، كان يقعد لهم يومه، فإن أمسى وعليه بقيّة من حوائج يومه وصله بليلته، إلى أن أمسى مساءً وقد فرغ من حوائج يومه، فدعا بسراجه الذي كان يسرج له من ماله، ثم قام فصلّى ركعتين، ثم أقعى واضعاً رأسه على يده تسايل دموعه على خدّه، يشهق الشّهقة فأقول: قد خرجت نفسه، أو تصدّعت كبده؛ فلم يزل كذلك ليلته حتى برق له الصّبح، ثم أصبح صائماً. قالت: فدنوت منه فقلت: يا أمير المؤمنين، لشيء ما كان قبل اللّيلة مل كان منك؟ قال: أجل، فدعيني وشأني، وعليك بشأنك.
стр. 6582
قالت: قلت له: إني أرجو أن أتّعظ. قال: إذن أخبرك. قال: إني نظرت إليّ فوجدتني قد وليت هذه الأمّة صغيرها وكبيرها، وأسودها وأحمرها، ثم ذكرت الغريب الضّائع، والفقير المحتاج، والأسير المفقود، وأشباههم، في أقاصي البلاد وأطراف الأرض فعلمت أن الله سائلي عنهم، وأن محمداً ﷺ حجيجي فيهم، فخفت أن لا يثبت لي عند الله عذر ولا يقوم لي مع رسول الله ﷺ حجّة، فخفت على نفسي خوفاً دمع له عيني، ووجل له قلبي؛ فأنا كلّما ازددت لهذا ذكراً ازددت منه وجلاً، وقد أخبرتك فاتّعظي الآن أو دعي.
عن سليمان بن داود؛ أن عمر بن عبد العزيز قال لبنيه: أتحبّون أن أولّي كلّ رجل منكم جنداً، فينطلق تصلصل به جلاجل البريد؟ فقال له ابنه ابن الحارثيّة: لم تعرض علينا ما لست صانعه؟ فقال عمر: إني لأعلم أن بساطي هذا يصير إلى البلى، وإني لأكره أن تدنّسوه بخفافكم، فكيف أقلّدكم ديني تدنّسوه في كلّ جند؟! حدّث مالك: أن عمر بن عبد العزيز قام في النّاس وهو خليفة على المنبر يوم الجمعة، فقال: يا أيّها النّاس، إني أنساكم ها هنا وأذكركم في بلادكم، فمن أصابه مظلمة من عامله فلا آذن له عليّ، ومن لا فلا أرينّه؛ وإني والله لئن منعت نفسي وأهل بيتي هذا المال وضننت به عنكم إني إذاً لضنين؛ ولولا أن أنعش سنّةً أو أعمل بحقّ ما أحببت أن أعيش فواقاً.
قال ابن عائشة: كتب بعض عمّال عمر بن عبد العزيز إليه: أمّا بعد؛ فإن مدينتنا قد خربت، فإن رأى أمير المؤمنين أن يقطع لنا مالاً نرمّها به. فوقّع في كتابه: أمّا بعد؛ فحصّنها بالعدل، ونقّ طرقها من الظّلم، فإنه مرمّتها، والسّلام.
стр. 6583
عن ضمرة، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عمّاله: أمّا بعد؛ فإذا دعتك قدرتك على النّاس إلى ظلمهم فاذكر قدرة الله تعالى عليك، ونفاد ما تأتي إليهم، وبقاء ما يأتون إليك.
عن الأوزاعيّ، قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز رسالةً لم يحفظها غيري وغير مكحول: أمّا بعد؛ فإنه من أكثر ذكر الموت رضي من الدّنيا باليسير، ومن عدّ كلامه من عمله قلّ كلامه إلاّ فيما ينفعه. والسّلام. وعنه: أن عمر بن عبد العزيز كان إذا أراد أن يعاقب رجلاً حبسه لثلاثة أيّام ثم عاقبه، كراهية أن يعجل في أول غضبه. وأسمعه رجل كلاماً، فقال له: أردت أن يستفزّني الشّيطان فأنال منك اليوم بما تناله أنت مني يوم القيامة! انصرف عنّي، عافاك الله ورحمك.
قال مالك بن دينار: يقولون: مالك زاهد؛ أيّ زهد عند مالك وله جبّة وكساء؟! إنّما الزّاهد عمر بن عبد العزيز، أتته الدّنيا فاغرة فاها فتركها.
عن مسلمة بن عبد الملك، قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز أعوده في مرضه، فإذا عليه قميص وسخ؛ فقلت لامرأته فاطمة: اغسلوا قميص أمير المؤمنين. فقالت: نفعل ذاك إن شاء الله. ثم عدت فإذا القميص على حاله! فقلت: يا فاطمة، ألم آمركم أن تغسلوا قميص أمير المؤمنين؟ فقالت: والله، ما له قميص غيره!! عن عمرو بن مهاجر، قال: كانت نفقة عمر بن عبد العزيز كل يوم درهمين.
стр. 6584
عن رجل من الأنصار، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن وهو بالعراق: أن أخرج للنّاس أعطيتاهم. فكتب إليه عبد الحميد: إني قد أخرجت للنّاس أعطيتاهم وقد بقي في بيت المال مال. قال: فكتب إليه: انظر كلّ من أدان من غير سفه ولا سرف فاقض عنه. فكتب إليه: إني قد قضيت عنهم وبقي في بيت مال المسلمين مال. قال: فكتب إليه: أن انظر كلّ بكر ليس له مال، فشاء أن تزوّجه فزوّجه واصدق عنه. فكتب إليه: إني قد زوّجت كلّ من وجدت، وقد بقي في بيت مال المسلمين مال. فكتب إليه بعد مخرج هذا: أن انظر من كانت عليه جزية، فضعف عن أرضه فأسلفه ما يقوى به على عمل أرضه، فإنّا لا نريدهم لعام ولا لعامين.
عن عمرو بن مهاجر: أن عمر بن عبد العزيز كان يسرج عليه الشّمعة ما كان في حوائج المسلمين، فإذا فرغ من حوائجهم أطفأهم ثم أسرج عليه سراجه.
وعن رباح بن عبيدة، قال: أخرج مسك من الخزائن، فوضع بين يدي عمر بن عبد العزيز، فأمسك أنفه مخافة أن يجد ريحه. قال: فقال له: رجل من أصحابه: يا أمير المؤمنين، ما ضرّك إن وجدت ريحه؟ قال: وهل ينتفع من هذا إلا بريحه؟ قال الحكم بن عمر الرّعينيّ: شهدت عمر بن عبد العزيز، وجاءه صاحب الرّقيق فسأل أرزاقهم وكسوتهم وما يصلهم، فقال عمر: كم هم؟ قال: هم كذا وكذا ألفاً. فكتب إلى أمصار الشّام: أن ارفعوا إليّ كلّ أعمى في الدّيوان أو مقعد أو من به
стр. 6585
الفالج أو من به زمانة تحول بينه وبين القيام إلى الصّلاة. فرفعوا إليه؛ فأمر لكل أعمى بقائد، وأمر لكل اثنين من الزّمنى بخادم. قال: وفضل من الرّقيق، فكتب: أن ارفعوا إليّ كلّ يتيم ومن لا أحد له ممّن قد جرى على والده الدّيون. فأمر لكل خمسة بخادم يتوزّعونه بينهم بالسّويّة. وكتب أن يفرّقوهم جنداً جنداً.
قال إسماعيل بن أبي حكيم: كان عمر بن عبد العزيز لا يدع النّظرة في المصحف كلّ يوم ولكن لا يكثر.
عن الحكم بن عمر، قال: شهدت عمر يقول لحرّاسه: إن بي عنكم لغنى؛ كفى بالقدر حاجزاً، وبالأجل حارساً، ولا أطرحكم من مراتبكم ليجري لكم سنّةً بعدي، من أقام منكم فله عشرة دنانير، ومن شاء فليلحق بأهله. قال: كان لعمر بن عبد العزيز ثلاثمئة شرطيّ وثلاثمئة حرسيّ.
عن عمرو بن مهاجر، قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز تفّاحاً، فقال: لو كان عندنا شيء من تفّاح؛ فإنه طيّب الرّيح، طيّب الطّعم. فقام رجل من أهل بيته فأهدى إليه تفّاحاً؛ فلّما جاء به الرّسول قال عمر: ما أطيب ريحه وأحسنه؛ ارفعه يا غلام، وأقر فلاناً السّلام، وقل له: إن هدّيتك قد وقعت عندنا بحيث تحبّ. قال عمرو بن مهاجر: فقلت: يا أمير المؤمنين، ابن عمّك ورجل من أهل بيتك، وقد بلغك أن النّبيّ ﷺ كان يأكل الهدّية ولا يأكل الصدّقة. فقال: ويحك، إن الهدّية كانت للنّبيّ ﷺ هديةً وهي اليوم لنا رشوة: عن ضمرة، قال: قال عمر بن عبد العزيز لبعض ولد الحسين بن عليّ بن أبي طالب: لا تقف على بابي ساعةً واحدةً إلاّ ساعةً تعلم أني جالس فيؤذن لك عليّ من ساعتك، فإني أستحي من الله أن يقف على بابي رجل من أهل بيت النبيّ ﷺ فلا يؤذن له عليّ من ساعته.
следующие страницы →