← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

قال المبّرد: رأيت الجاحظ يكتب شيئاً، فتبسّم. فقلت: ما يضحكك؟ فقال: إذا لم يكن القرطاس صافياً، والمداد نامياً، والعلم مواتياً، والقلب خالياً، فلا عليك أن تكون غائباً. وعن يموت بن المزرّع، قال: قال لنا عمرو بن بحر الجاحظ: ما غلبني قطّ إلاّ رجل وامرأة؛ فأمّا الرّجل، فإني كنت مجتازاً في بعض الطّرق، فإذا أنا برجل قصير بطين كبير الهامة طويل اللّحية، متّزر بمئزر، وبيده مشط يسقي به شقّةً ويمشطها بيده؛ فقلت في نفسي: رجل قصير بطين ألحى! فاستزريته. فقلت: أيّها الشّيخ، قد قلت فيك شعراً. قال: فترك المشط من يده، وقال: قل. فقلت: من الوافر كأنّك صعوة في أصل حشّ ... أصاب الحشّ طشّ بعد رشّ فقال لي: اسمع جواب ما قلت. فقلت: هات. قال: من الوافر كأنك كندر في ذنب كبش ... يدلدل هكذا والكبش يمشي وأمّا المرأة؛ فإني كنت مجتازاً في بعض الطّرقات، فإذا بامرأتين، وكنت راكباًعلى حمارة، فضرطت الحمارة؛ فقالت إحداهما للأخرى: حمارة الشّيخ تضرط! فغاظني قولها، فأعننت، ثم قلت لها: إنه ما حملتني أنثى إلاّ ضرطت. فضربت بيدها على كتف الأخرى وقالت: كانت أمّ هذا منه تسعة أشهر في جهد جهيد. قال أبو بكر محمد بن إسحاق: قال لي إبراهيم بن محمود ونحن ببغداد: ألا تدخل على عمرو بن بحر الجاحظ؟ فقلت: ما لي له؟ قال: إنك إذا انصرفت إلى خراسان سألوك عنه، فلو دخلت عليه وسمعت كلامه. ثم لم يزل بي حتى دخلت عليه يوماً، فقدّم إلينا طبقاً عليه رطب،

стр. 6652

فتناولت منه ثلاث رطبات، وأمسكت، ومرّ فيه إبراهيم، فأشرت إليه أن يمسك، فرمقني الجاحظ فقال لي: دعه يا فتى، فقد كان عندي في هذه الأيام بعض إخواني فقدّمت إليه الرّطب فامتنع، فحلفت عليه، فأبى إلاّ أن يبرّ قسمي بثلاثمئة رطبة. قال الجاحظ: رأيت جارية ببغداد في سوق النّخّاسين ينادى عليها، فدعوت بها، وجعلت أقلّبها، فقلت: ما أسمك؟ قالت: مكّة. قلت: الله أكبر، قد قرّب الله الحجّ؛ أتأذنين أن أقبّل الحجر الأسود؟ قالت: إليك عنّي، وألم تسمع الله تعالى يقول: " لم تكونوا بالغيه إلاّ بشقّ الأنفس ". قال أبو العيناء: كان الجاحظ يأكل مع محمد بن عبد الملك الزّيّات، فجاؤوا بفالوذجة، فتولّع محمد بالجاحظ وأمر أن يجعل من جهته ما رقّ من الجام، فأسرع في الأكل، فتنّظف ما بين يديه؛ فقال ابن الزّيات: تقشّعت سماؤك قبل سماء النّاس! فقال له الجاحظ: لأن غيمها كان رقيقاً. وقال أبو العيناء: كنت عند ابن أبي داؤد بعد قتل ابن الزّيّات، فجيء بالجاحظ مقيداً وكان في أسبابه وناحيته وعند ابن أبي داؤد محمد بن منصور وهو إذ ذاك يلي قضاء فارس وخوزستان فقال ابن أبي داؤد للجاحظ: ما تأويل هذه الآية " وكذلك أخذ ربّك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد "؟ فقال: تلاوتها تأويلها أعزّ الله القاضي. فقال: جيئوا بحدّاد. فقال: أعزّ الله القاضي ليفكّ عني أو ليزيدني؟ قال: بل ليفكّ عنك. قال: فجيء بالحدّاد، فغمزه بعض أهل المجلس أن يعنف بساق الجاحظ ويطيل أمره قليلاً؛ ففعل، فلطمه الجاحظ، فقال: اعمل عمل شهر في يوم، وعمل يوم

стр. 6653

في ساعة، وعمل ساعة في لحظة، فإن الضّرر على ساقي، وليس بجذع ولا ساجة. فضحك ابن أبي داؤد وأهل المجلس منه. وقال ابن أبي داؤد لمحمد بن منصور: أنا أثق بظرفه ولا أثق بدينه. قال المبرد: حدّثني الجاحظ، قال: وقفت أنا وأبو حرب على قاصّ، فأردت الولوع به فقلت لمن حوله: إنه رجل صالح لا يحبّ الشّهرة فتفرّقوا عنه. فتفرّقوا عنه، فقال لي: الله حسيبك، إذا لم ير الصّياد طيراً كيف يمدّ شبكته؟ قال يموت بن المزرّع: سمعت خالي عمرو بن بحر الجاحظ يقول: أمليت على إنسان مرّةً: انا عمرو، فاستملى انا بشر، وكتب انا زيد. عن يحيى بن علي، قال: حدّثني أبي، قال: قلت للجاحظ: إني قرأت في فصل من كتابك المسمّى كتاب " البيان والتبيّن ": إن ممّا يستحسن من النّساء اللّحن في الكلام، واستشهدت ببيتي مالك بن أسماء يعني قوله: من الخفيف وحديث ألذّه هو ممّا ... ينعت النّاعتون يوزن وزناً منطق صائب وتلحن أحيا ... نا وخير الحديث ما كان لحناً قال: هو كذلك. قلت: أفما سمعت بخبر هند بنت أسماء بن خارجة مع الحجّاج حين لحنت في كلامها، فعاب ذلك عليها، فاحتجّت ببيتي أخيها؟ فقال لها: إن أخاك أراد أن المرأة فطنة، فهي تلحن بالكلام إلى غير المعنى في الظّاهر لتستر معناه، وتورّي عنه، وتفهمه من أرادت بالتّعريض، كما قال الله تعالى: " ولتعرفنّهم في لحن القول " ولم يرد الخطأ من الكلام، والخطأ لا يستحسن من أحد. فوجم الجاحظ ساعةً ثم قال: لو سقط إليّ هذا الخبر لما قلت ما تقدّم. فقلت له:

стр. 6654

فأصلحه. فقال: الآن، وقد سار الكتاب في الآفاق؟ هذا لا يصلح؛ أو نحو هذا من الكلام. أنشد أبو العيناء للجاحظ: من الوافر يطيب العيش أن تلقى حكيماً ... غذاه العلم والظّنّ المصيب فيكشف عنك حيرة كلّ جهل ... وفضل العلم يعرفه الأديب سقام الحرص ليس له شفاء ... وداء الجهل ليس له طبيب وأنشد المبرّد للجاحظ: من السريع إن حال لون الرّأس عن حاله ... ففي خضاب الرّأس مستمتع هب من له شيب له حيلة ... فما الذي يحتاله الأصلع قال إبراهيم بن رباح: أتاني جماعة من الشعراء فأنشدوني، وكلّ واحد منهم يدّعي أنه مدحني بهذه الأبيات، وأعطي كلّ واحد منهم عليها، وهي: من المتقارب بدا حين أثرى بإخوانه ... ففلّل عنهم شباة العدم وذكّره خصّة الله بالمكرما ... ت فمازج منه الحياء الكرم إذا همة قصرت عن يد ... تناولها بجزيل الهمم ولا ينكث الأرض عند السؤا ... ل ليقطع زوّاره عن نعم قال إبراهيم: فكان اللاحقيّ منهم، وأحسبها له؛ ثم آخر من جاءني الجاحظ، وأنا والي الأهواز، فأعطيته عليها مالاً؛ ثم كنت عند ابن أبي داؤد فدخل إلينا الجاحظ، فالتفت إليّ ابن أبي داؤد فقال: يا أبا إسحاق قد امتدحت بأشعار كثيرة ما سمعت شيئاً رفع قلبي وقبلته نفسي مثل أبيات مدحني بها أبو عثمان؛ ثم أنشدتها بحضرته: بدا حين أثرى بإخوانه.....

стр. 6655

فقلت: جدّ أيّدك الله مقالاً. فقال: وعجبت من عمرو وسكوته، ولم أذكر من ذلك شيئاً. قال أبو سعيد البصريّ: قدمت على الجاحظ بعدما كبر سنّه، فقلت له: حدّثني. فقال: اكتب؛ الأمصار عشرة: الصّناعة بالبصرة، والفصاحة بالكوفة، والتّخنّث ببغداد، والغدر بالرّيّ، والجفاء بنيسابور، والحسد بهراة، والطّرمذة بسمرقند، والمروءة ببلخ، والبخل بمرو، والتّجارة بمصر. قال أبو العيناء: أنا والجاحظ وضعنا حديث فدك وأدخلنا على الشيوخ ببغداد فقبلوه، إلاّ ابن أبي شيبة العلويّ فإنه قال: لا يشبه آخر هذا الحديث أوّله. فأبى أن يقبله. وكان أبو العيناء يحدّث بهذا بعدما مات. حدّث ابن أبي الذ يّال المحدّث بسرّ من رأى، قال: حضرت وليمةً حضرها الجاحظ، وحضرت صلاة الظّهر، فصلّينا وما صلّى الجاحظ، وحضرت صلاة العصر فصلّينا وما صلّى الجاحظ؛ فلمّا عزمنا على الانصراف قال الجاحظ لصاحب المنزل: إني ما صلّيت لمذهب أو لسبب أخبرك به. فقال له أو فقيل له: ما أظنّ أن لك مذهباً في الصّلاة إلاّ تركها. قال المبرّد: دخلت على الجاحظ في آخر أيّامه وهو عليل، فقلت له: كيف أنت؟ فقال: كيف يكون من نصفّ مفلوج ولو نشر بالمناشير ما أحسّ به، ونصفه الآخر منقرس لو طار الذّباب بقربه لآلمه؛ والآفة في جميع هذا أني قد جزت التّسعين. ثم أنشدنا: من الوافر أترجو أن تكون وأنت شيخ ... كما قد كنت أيّام الشّباب

стр. 6656

لقد كذبتك نفسك ليس ثوب ... دريس كالجديد من الثّياب قال الصّوليّ: مات الجاحظ سنة خمس وخمسين ومئتين. عمرو بن بشر بن السّرح أبو بشر العنسيّ من أهل دمشق. روى عن الوليد بن سليمان، بسنده إلى نعيم بن همّار الغطفانيّ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " قال الله تعالى: ابن آدم لا تعجزّني من أربع ركعات في أوّل النّهار أكفك آخره ". وعن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغسّاني، عن ضمرة بن حبيب، عن أبي الدّرداء، عن رسول الله ﷺ قال: " إن الله يحبّ القلب الحزين ". وقال رسول الله ﷺ : " قوتوا طعامكم يبارك لكم فيه ". قال عنه أبو حاتم: محلّه الصّدق، ما به بأس. وقال العقيليّ: منكر الحديث.

стр. 6657

عمرو بن يزيد بن محمد ابن عبد الله ابن عمرو بن المؤمّل بن حبيب بن تميم بن عبد الله ابن قرط بن رزاح بن عديّ بن كعب بن لؤيّ أبو بكر القرشيّ المؤمليّ العدويّ قاضي دمشق للرّشيد والأمين، وهو أخو عمر بن أبي بكر. مات في الفتنة التي كانت بين المأمون ومحمد. عمرو بن أبي بكر بن يزيد ابن معاوية بن أبي سفيان الأمويّ أمّه أم أبان بنت خالد بن عمرو بن عثمان بن عفّان. عمرو بن جامع بن عمرو ابن محمد بن حرب أبو الحسن الكوفيّ سكن دمشق، وحدّث بها. حدّث عن عمران بن موسى الطّرسوسيّ، عن أبي صالح كاتب اللّيث، عن يحيى بن أيّوب الخزاعيّ، قال: سمعت من يذكر أنه كان في زمن عمر بن الخطّاب شابّ متعبّد قد لزم المسجد، وكان عمر به معجباً، وكان له أب شيخ كبير، فكان إذا صلّى العتمة انصرف إلى أبيه، وكان طريقه على باب امرأة فافتنت به، فكانت تنصب نفسها له على طريقه؛ فمرّ بها ذات ليلة، فما زالت تغويه حتى تبعها، فلمّا أتى الباب دخلت، وذهب يدخل فذكر الله عزّ جلّ، وجلّي عنه، ومثلت هذه الآية على لسانه " إنّ الّذين اتقوا الله إذا مسّهم طائف من الشّيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون ". قال: فخرّ الفتى مغشيّاً عليه؛ فدعت المرأة جاريةً لها فتعاونتا عليه فحملتاه إلى بابه، واحتبس على أبيه، فخرج أبوه يطلبه فإذا به على الباب مغشيّاً عليه، فدعا بعض أهله فحملوه فأدخلوه، فما أفاق حتى ذهب من اللّيل ما شاء الله ؛ فقال له أبوه: يا بنيّ مالك؟ قال: خير. قال: فإني أسألك. قال: فأخبر بالأمر. قال: أي بنيّ، وأيّ آية قرأت؟ فقرأ الآية التي كان قرأ، فخرّ مغشيّاً عليه، فحرّكوه فإذا هو ميّت؛ فغسّلوه وأخرجوه ودفنوه ليلاً. فلمّا أصبحوا رفع ذلك إلى عمر ﵁، فجاء عمر إلى أبيه فعزّاه به، وقال: ألا آذنتني؟ قال: يا أمير المؤمنين، كان اللّيل. قال: فقال عمر: فاذهبوا بنا إلى قبره. قال: فأتى عمر ومن معه القبر. فقال عمر: يا فلان " ولمن خاف مقام ربّه جنّتان " فأجابه الفتى من داخل القبر: يا عمر قد أعطانيهما ربّي في الجنّة. مرتين. قال أبو الحسين الرّازي: سكن دمشق بباب البريد، مات في شوال سنة ثلاثين وثلاثمئة. عمرو بن جزء الخولانيّ من ساكني داريّا، غزا مع بسر بن أبي أرطاة. قال: كنت مع أبي مسلم الخولانيّ بأرض الرّوم مع بسر بن أبي أرطاة، ونحن شاتون، فحرست ليلةً مطيرةً، فجئت وقد ابتلّت ثيابي، فإذا أبو مسلم وأصحابه قد أوقدوا ناراً

стр. 6658

عظيمةً، فلمّا رآني أقبل أبو مسلم يهرول إليّ فقال: وجبت وربّ الكعبة يقولها ثلاثاً استغفر لي يا بن أخي. ثم نزع ثيابي فجفّفها ثم ضمّني إليه حتى أدفأني. عمرو بن الجنيد بن عبد الرّحمن المرّيّ عمرو بن الحارث بن عبد الله العامريّ مولى بني عامر بن لؤيّ كان على خاتم عبد الملك بعد قبيصة بن ذؤيب، وقيل: كان كاتبه، وكان على خاتم الوليد بن عبد الملك. روى عن محمود بن الرّبيع، عن عبادة بن الصّامت: أن محموداً صلّى إلى جنبه يوماً، فسمعه يقرأ وراء الإمام، فسأله حين انصرف عن ذلك، فقال له: إن رسول الله ﷺ أمّنا يوماً، فانصرف إلينا وقد غلط في بعض القرآن، فقال: " هل قرأ معي أحد منكم؟ " قال " فقلنا: نعم. قال: " قد عجبت، قلت: من هذا الذي ينازعني القرآن، إذا قرأ الإمام فلا يقرأنّ أحد منكم معه إلاّ بأمّ القرآن ". روى عن عبد الله بن سالم، بسنده إلى أبي بحريّة الكنديّ: أنه أخبره عن عمر، أنه خرج على مجلس فيه عثمان بن عفّان وعليّ بن أبي طالب والزّبير بن العوّام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقّاص وعبد الرّحمن بن عوف فقال: كلّكم يحدّث نفسه بالإمارة بعدي. قال: فسكتوا. فقال: كلّكم يحدّث نفسه بالإمارة بعدي. فقال الزّبير: نعم، كلّنا يحدّث نفسه بالإمارة بعدك ويراه لها أهلاً. قال: أفلا أحدّثكم عنكم؟ قال: فسكتوا. ثم قال: ألا أحدّثكم عنكم؟ فسكتوا. ثم قال: ألا أحدّثكم عنكم؟ قال الزّبير: فحدّثنا ولو سكتنا لحدّثتنا. فقال: أمّا أنت يا زبير فإنك

стр. 6659

كافرالغضب مؤمن الرّضا، يوماً تكون شيطاناً ويوماً تكون إنساناً أفرأيت يوماً تكون شيطاناً من يكون الخليفة يومئذ؟ أمّا أنت يا طلحة فلقد مات رسول الله ﷺ وإنه عليك لعاتب. وأمّا أنت يا عبد الرّحمن فإنّك لما جاءك من خير لأهل. وأمّا أنت يا عليّ فإنك صاحب رياء وفيك دعابة. وإن منكم لرجلاً لو قسم إيمانه بين جند من الأجناد لأوسعهم، يريد عثمان بن عفّان. وأمّا أنت يا سعد فأنت صاحب مال. عمرو بن الحارث، مجهول العدالة، والمحفوظ عن عمر شهادته لهم بأن رسول الله ﷺ مات وهو عنهم راض. عمرو بن الحارث بن يعقوب ابن عبد الله أبو أميّة الأنصاريّ، المصريّ الفقيه مولى قيس بن سعد بن عبادة وفد على يزيد بن الوليد ببيعة أهل مصر، في نفر من وجوههم، ثم خرج مع صالح بن علي الهاشميّ إلى الصّائفة فاجتاز بدمشق. روى عن ابن شهاب، بسنده إلى عائشة؛ أن أمّ حبيبة بنت جحش ختنة رسول الله ﷺ وتحت عبد الرّحمن بن عوف

стр. 6660

استحيضت سبع سنين فاستفتت رسول الله ﷺ في ذلك فقال رسول الله ﷺ : " إن هذه ليست بالحيضة، ولكنّ هذا عرق فاغتسلي وصليّ ". قالت عائشة: فكانت تغتسل في مركن في حجرة أختها زينب جحش حتى تعلو حمرة الدّم الماء. ولد سنة اثنتين أو إحدى وتسعين، وتوفي سنة ثمان وأربعين ومئة، وكان أخطب النّاس وأرواه للشعر وأبلغه. وكان فقيهاً أديباً، وكان مؤدباً لولد صالح بن عليّ الهاشميّ، وكان ثقةً. عن اللّيث، قال: كان بين عمرو بن الحارث وبين أبيه الحارث بن يعقوب في الفضل كما بين السّماء والأرض، وكان بين الحارث وبين أبيه يعقوب كما بين السّماء والأرض؛ وكان يعقوب أفضل من الحارث، وكان الحارث أفضل من عمرو. وقال اللّيث: كنت أرى عمرو بن الحارث عليه أثواب بدينار، قميصه ورداؤه وإزاره، ثم لم تمض اللّيالي والأيّام حتى رأيته يجرّ الوشي والخزّ، فإنّا لله إليه راجعون. قال عمرو بن الحارث: الشّرف شرفان؛ شرف العلم وشرف السّلطان، وشرف العلم أشرفهما. قال أحمد بن حنبل: ليس فيهم يعني أهل مصر أصحّ حديثاً من اللّيث بن سعد، وعمرو بن الحارث يقاربه. توفي سنة سبع وأربعين ومئة، وقيل: ثمان وأربعين، وقيل: تسع وأربعين.

стр. 6661

عمرو بن حازم بن عمرو بن عيسى بن موسى بن سعيد ويقال: عمرو بن حازم بن عمرو بن حازم بن خالد بن عمرو أبو الجهم القرشيّ سمع منه في سنة ستّ وتسعين ومئتين. روى عن سليمان بن عبد الرّحمن، بسنده إلى أمّ سلمة، عن النّبيّ ﷺ قال: " ما من أحد يلبس ثوباً ليباهي به أو لينظر النّاس إليه، لم ينظر الله إليه حتى ينزعه ". وبه، قالت: قال رسول الله ﷺ : " لا يمنعنّ أحدكم هيبة النّاس أن يقول الحقّ إذا رآه أو سمعه ". عمرو بن حازم بن زيد ابن لوذان بن عمرو بن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النّجّار أبو الضّحّاك ويقال: أبو محمد الأنصاريّ النّجّاريّ له صحبة، شهد الخندق مع رسول الله ﷺ ، واستعمله على نجران، وروى عن النّبيّ ﷺ أحاديث. وقيل: إنه وفد على معاوية.

стр. 6662

قال: رآني رسول الله ﷺ وأنا متكىء على قبر فقال: " لا توذ صاحب هذا القبر " أو قال: " لا تؤذه ". وعنه، أن رسول الله ﷺ قال: " لا تقعدوا على القبور ". قال محمد بن سعد: استعمله النّبيّ ﷺ على نجران وهو ابن سبع عشرة سنة، وأدرك بيعة معاوية ليزيد ابنه، ومات بعد ذلك. وقال أبو نعيم: أحد عمّال النّبيّ على اليمن، سكن المدينة، توفي في خلافة عمر بن الخطّاب، وقيل: بل توفي سنة أربع وخمسين؛ ويكنى أبا الضّحّاك؛ شهد الخندق هو وزيد بن ثابت، وكان أول مشهد شهده عمرو بن حزم. عن عبد الله بن لأبي بكر، عن أبيه أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: هذا كتاب رسول الله ﷺ عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقّه أهلها، ويعلّمهم السّنّة، ويأخذ صدقاتهم؛ فكتب لهم كتاباً وعهداً، وأمره فيه بأمره، فكتب: بسم الله الرّحمن الرّحيم هذا كتاب من الله ورسوله " يا أيّها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ". عهد من محمد رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن: أمره بتقوى الله في أمره كلّه، " فإنّ الله مع الّذين اتّقوا والّذين هم محسنون "، وأمره أن يأخذ الحقّ كما أمره الله، وأن يبشّر النّاس بالخير ويأمرهم به،

стр. 6663

ويعلّم النّاس القرآن ويفقّههم فيه، وينهى النّاس فلا يمسّ أحد القرآن إلا وهو طاهر، ويخبر النّاس بالذي لهم والذي عليهم، ويلين لهم في الحقّ، ويشتدّ عليهم في الظّلم؛ فإن الله كره الظّلم ونهى عنه، وقال: " ألا لعنة الله على الظّالمين " ويبشّر النّاس بالجنّة وبعملها، وينذر النّاس النّار وعملها، ويتألّف النّاس حتى يفقهوا في الدّين، ويعلّم النّاس معالم الحجّ وسننه وفرائضه، وما أمره الله به في الحجّ الأكبر والحجّ الأصغر والحجّ الأصغر: العمرة وينهى النّاس أن يصلّي الرّجل في الثوب الواحد صغيراً، إلاّ أن يكون واسعاً فليخالف بين طرفيه على عاتقيه، وينهى أن يحتبي الرّجل في ثوب واحد ويفضي بفرجه إلىالسّماء، ولا يعقص شعر رأسه إذا عفا في قفاه، وينهى النّاس إذا كان بينهم هيج أن يدعوا بدعوى القبائل والعشائر، وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، فمن لم يدع إلى الله ودعا إلى العشائر والقبائل فليقطفوا بالسّيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له. ويأمر النّاس بإسباغ الوضوء، وجوههم وأيديهم إلى المرافق، وأرجلهم إلى الكعبين، وأن يمسحوا برؤوسهم كما أمرهم الله؛ وأمره بالصّلاة لوقتها، وإتمام الرّكوع والخشوع، وأن يغلّس بالصّبح ويهجّر بالهجرة حين تميل الشّمس، وصلاة العصر والشّمس في الأرض مدبرة، والمغرب حين يقبل اللّيل ولا يؤخّر حين تبدو النّجوم في السّماء، والعشاء أوّل اللّيل؛ وأمره بالسّعي إلى الجمعة إذا نودي لها، والغسل عند الرّواح إليها. وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله، وما كتب على المؤمنين في الصّدقة من العقار فيما سقت العين، وفيما سقت السّماء العشر، وفيما سقى الغرب فنصف العشر. وفي كلّ عشر الإبل شاتان، وفي عشرين أربع؛ وفي أربعين من البقر بقرة، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، جذع أو جذعة؛ وفي كلّ أربعين من الغنم سائمةً وحدها شاة، فإنها فريضة الله التي افترض على المؤمنين في الصّدقة، فمن زاد فهو خير له. وأنه من أسلم من يهوديّ أو نصرانيّ إسلاماً خالصاً من نفسه، فدان دين الإسلام فإنه

стр. 6664

من المؤمنين، له ما لهم وعليه ما عليهم؛ ومن كان على نصرانيّته أو يهوديتّه فإنه لا يغيّر عنها، وعلى كلّ حالم ذكر أو أنثى، حرّ أو عبد دينار واف أو عوضه من الثّياب، فمن أدّى ذلك فإن له ذمّة الله وذمّة رسوله؛ ومن منع ذلك فإنه عدّو لله ورسوله وللمؤمنين جميعاً. صلوات الله على محمد النّبيّ، والسّلام عليه ورحمة الله وبركاته. توفي سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة أربع وخمسين. عمرو بن الحسن بن عليّ ابن أبي طالب ابن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ الهاشميّ الحسنيّ خرج مع عمه الحسين بن علي إلى العراق، وكان فيمن قدم به دمشق مع علي بن الحسين. قال الزّبير بن بكار: فأما عمرو بن الحسن بن علي فولد محمداً وقد انقرض ولد عمرو بن الحسن بن علي، وكان رجلاً ناسكاً من أهل الصّلاح والدّين. عمرو بن حصين السّكسكي ويقال السّكونيّ من شجعاء أصحاب معاوية من فرسان أهل الشّام الذين شهدوا واقعة صفّين. عن تميم بن حذلم، قال: خرج حريث مولى معاوية يومئذ، وكان شديداً ذا بأس، فقال: أها هنا عليّ؟

стр. 6665

هل لك يا علي في المبارزة؟ أقدم إذا شئت أبا حسن. فأقبل علي نحوه وهو يقول: من الرّجز أنا عليّ وابن عبد المطّلب ... نحن لعمر الله أولى بالكتب أهل اللّواء والمقام والحجب ... منّا النّبيّ المصطفى غير كذب نحن نصرناه على جلّ العرب ... يا أيها العبد الغرير المنتدب اثبت لنا يا أيّها الكلب الكلب ثم التقيا فبدأه عليّ فقتله. فلمّا قتل حريثاً نهد إليه عمرو ابن الحصين السّكسكيّ، فقال: يا أبا الحسن، هلّم إلي المبارزة. فشدّ على عليّ فأثنى عليه عليّ وهو يقول: من الرجز ما علّتي وأنا جلد صارم ... وعن يميني مذحج القماقم وعن يساري وائل الخضارم ... والقلب منّي مضر الجماجم أقسمت بالله العليّ العالم ... لا أنثني إلاّ بردّ الرّاغم فحمل عليه عمرو ليضربه بالسّيف، وبذره سعيد بن قيس فطعنه بالرّمح فدقّ صلبه. فقام عليّ بين الصّفّين فنادى: ويلك يا معاوية، ابرز إليّ، علام نضرب بعض النّاس ببعض؟ فالتفت معاوية إلى عمرو بن العاص فقال له: ما ترى يا أبا عبد الله؟ فقال له عمرو: قد أنصفك الرّجل، واعلم أنك إن نكلت عنه لم تزل سبّةً عليك وعلى عقبك ما بقي عربيّ. فقال له معاوية: يا بن العاص، أمثلي يخدع عن نفسه؟ والله ما بارز ابن أبي طالب رجلاً إلاّ سقى الأرض من دمه. عمرو بن حفص بن يزيد أبو محمد الثّقفيّ روى عن الوليد بن مسلم، بسنده إلى أبي هريرة، قال: سئل رسول الله ﷺ : متى وجببت لك النّبوّة؟ قال: " فيما بين خلق آدم ونفخ الرّوح فيه ".

стр. 6666

قال المصنّف: لا أدري هذا وابن شليلة إلاّ واحداً، والله أعلم. عمرو ويقال عمر بن حفص بن شليلة أبو هشام الثّقفيّ الدّمشقيّ البزّاز مولى الحجّاج بن يوسف، ويعرف بابن زبر، وكانت داره بدمشق بناحية باب السّلامة. روى عن الوليد بن مسلم، بسنده إلى أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : " إن اسم الله الأعظم لفي ثلاث سور من القرآن؛ في البقرة وآل عمران وطه ". قال: فالتمستها، فوجدت في البقرة آية الكرسيّ " الله لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم "، وفاتحة آل عمران " الله لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم "، وفي طه " وعنت الوجوه للحيّ القيّوم ". وعنه، بسنده إلى أبي هريرة، قال: سئل رسول الله ﷺ : متى وجبت لك النّبوّة؟ قال: " قيما بين خلق آدم ونفخ الرّوح فيه ". قال عنه أبو حاتم: دمشقيّ صدوق.

стр. 6667

عمرو بن الحمق بن الكاهن ابن حبيب بن عمرو بن ربيعة بن كعب الخزاعيّ له صحبة، سكن الكوفة ثم انتقل إلى مصر، وكان قد سيّره عثمان بن عفّان إلى دمشق. روى عن النّبيّ ﷺ أحاديث. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من رجل أمّن رجلاً على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافراً ". وروى عن رسول الله ﷺ قال: " تكون فتنة أسلم النّاس فيها أو خير النّاس فيها الجند الغربيّ " فلذلك قدمت عليكم مصر. قال العجليّ: لم يرو عمرو بن الحمق عن النّبيّ ﷺ غير حديثين: " إذا أراد الله بعبد خيراً عسله ". وفي حديث آخر: " من ائتمن على نفسه رجلاً فقتله ". قال المصنّف: كذا قال، وقد روينا له غيرهما. عن معمر، قال: بلغني أن النّبيّ ﷺ كان جالساً في أصحابه يوماً، فقال: " اللهم أنج أصحاب السّفينة " ثم مكث ساعةً فقال: " قد استمرّت " فلمّا دنوا من المدينة، قال: " قد جاؤوا يقودهم رجل صالح ".

стр. 6668

قال: والذين كانوا في السّفينة الأشعريّون، والذي قادهم عمرو بن الحمق الخزاعيّ؛ فقال رسول الله ﷺ : " من أين جئتم؟ " قالوا: من زبيد. قال النّبيّ ﷺ : " بارك الله في زبيد ". قالوا: وفي زمع. قال: " بارك الله في زبيد ". قالوا: وفي زمع يا رسول الله. قال في الثالثة: " وفي زمع ". وعن عمرو بن الحمق الخزاعيّ: أنه سقى رسول الله ﷺ فقال: " اللهم أمتعه بشبابه " فمرّت به ثمانون سنة لم ير الشعرة البيضاء. وعن الأجلح بن عبد الله الكنديّ قال: وكان رسول الله ﷺ قال له: " يا عمرو أتحبّ أن أريك آية الجنّة؟ " قال: نعم يا رسول الله؛ فمرّ على عليّ فقال: " هذا وقومه آية الجنّة ". فلمّا قتل عثمان وبايع النّاس عليّاً لزمه فكان معه حتى أصيب؛ ثم كتب معاوية في طلبه وبعث من يأتيه به. قال الأجلح: فحدّثني عمران بن سعيد البجليّ، عن رفاعة بن شدّاد البجليّ وكان مؤاخياً لعمرو بن الحمق أنه خرج معه حين طلب، فقال لي: يا رفاعة، إن القوم قاتلي، وإن رسول الله ﷺ أخبرني أن الجنّ والإنس تشترك في دمي؛ وقال لي: " يا عمرو إن أمنك رجل على دمه فلا تقتله فتلقى الله بوجه غادر ". قال رفاعة: فما أتمّ حديثه حتى رأيت أعنّة الخيل فودّعته، وواثبته حيّة فلسعته، وأدركوه فاحتزّوا رأسه فكان أول رأس أهدي في الإسلام. قتل سنة خمسين. وقيل: إحدى وخمسين.

стр. 6669

عمرو بن حويّ أبو حويّ السّكسكيّ من وجوه أهل دمشق وشجعانهم، كان ممدوحاً وله شعر، ذكره دعبل بن عليّ الخزاعيّ، وذكر أنه كان صديقاً له، وقال: كان جواداً شريفاً، ولي الرّيّ ثلاث سنين، فأنشد له دعبل فيما حكاه محمد بن داود بن الجرّاح: من الطويل هلمّ اسقينها لا عدمتك صاحباً ... ودونك صفو الرّاح إن كنت شاربا إذا أسرت نفس المدام نفوسنا ... جنينا من اللّذّات عنها الأطايبا أيا كوكباً لا يمسك اللّيل غيره ... بربّك لا تخبر علينا الكواكبا ويا قمر اللّيل المفرّق بيننا ... تأخّر عن الإفياء بالله جانبا ويا ليل لولا أن تشوبك غدرة ... بنا ما تبدّلنا بك الدّهر صاحبا دعوت حفاظاً باسمها طرف ناظري ... فكان لها عيناً عليّ مراقبا وقال إبراهيم بن هشام بن يحيى الغسّاني الدّمشقيّ يرثي عمرو بن حويّ السّكسكيّ. من الوافر فلو كان البكاء يردّ حقاً ... على قدر الرّزايا بالعباد لكان بكاك بعد أبي حويّ ... يقلّ ولو جرى بدم الفؤاد مضى وأقام ما دجت اللّيالي ... له مجد يجلّ عن النّفاد فإن يك غاب وجه أبي حويّ ... فأوجه عرفه غرّ بوادي عمرو بن الخبيب بن عمرو وجّهه أبو عبيدة بن الجرّاح من مرج الصّفّر بعد وقعة اليرموك إلى فحل.؟؟

стр. 6670

عمر بن خير أبو خير الشّعبانيّ قال: كنت مع كعب الأحبار على جبل دير مرّان فأراني لمعةً حمراء سائلةً في الجبل، فقال: هاهنا قتل ابن آدم أخاه وهذا أثر دمه جعله الله آية للعالمين؛ وويل لأربع قرايات من قرى الغوطة، داريّا، وبيت الآبار، والمزّة وبيت لهيا؛ وليفنينّ أربع قبائل حتى لا يبقى لهنّ داعية؛ عكّ وسلامان وخشين وشعبان. عمرو بن الدّرفس والصحيح عمر تقدّم في باب عمر. عمرو بن الزّبير بن العوّام ابن خويلد بن أسد بن عبد العزّي بن قصيّ بن كلاب بن مرّة القرشيّ الأسديّ الزّبيري من الصّحابة، ولا أعرف له رواية، ووفد على معاوية ويزيد بن معاوية. عن مصعب بن ثابت، أن عبد الله بن الزّبير كانت بينه وبين أخيه عمرو بن الزّبير خصومة؛ فدخل عبد الله بن الزّبير على سعيد بن العاص، وعمرو بن الزّبير معه على السّرير، فقال سعيد

стр. 6671

لعبد الله: هاهنا. فقال: لا، قضى رسول الله ﷺ أو سنّة رسول الله ﷺ أن الخصمين يقعدن بين يدي الحكم. قال الزّبير: وأمّا عمرو بن الزّبير فكان من أجمل أهل زمانه. قال محمد بن سعد: كتب يزيد بن معاوية إلى عمرو بن سعيد أن يوجّه إليه يعني عبد الله بن الزّبير جنداً، فسأل عمرو بن سعيد: من أعدى النّاس لعبد الله بن الزّبير؟ فقيل: أخوه عمرو بن الزّبير. فولاه شرطه بالمدينة؛ فضرب ناساً كثيراً من قريش والأنصار بالسّياط، وقال هؤلاء شيعة عبد الله بن الزّبير؛ وفرّ منه قوم كثير في نواحي المدينة، ثم وجّهه إلى عبد الله بن الزّبير في جيش من أهل الشّام ألف رجل وأمره بقتاله. فمضى عمرو بن الزّبير حتى قدم مكة فنزل بذي طوى، وأتى النّاس عمرو بن الزّبير يسلّمون عليه، وقال: جئت لأن يعطي عبد الله الطّاعة ليزيد ويبرّ قسمه، فإن أبى قاتلته. فقال له حنين بن شيبة: كان غيرك أولى بهذا منك، تسير إلى حرم الله وأمنه، وإلى أخيك في سنّه وفضله، تجعله في جامعة؟ ما أرى النّاس يدعونك وما تريد. قال: أرى أن أقاتل من حال دون ما خرجت له. ثم أقبل عمرو فنزل عند الصّفا، وجعل يرسل إلى أخيه ويرسل إليه أخوه، فيما قدم له. وكان عمرو يخرج فيصلّي بالنّاس وعسكره بذي طوى وابن الزّبير معه يشبك أصابعه في أصابعه ويكلّمه في الطّاعة ويلين له الكلام. فقال عبد الله بن الزّبير: ما بعد هذا شيء، إني لسامع مطيع، أنت عامل يزيد وأنا أصلّي خلفك، ما عندي خلاف، فأما أن تجعل في عنقي جامعة، ثم أقاد إلى الشّام، فإني نظرت في ذلك فرأيته لا يحلّ لي أن أحل بنفسي، فراجع صاحبك واكتب إليه. قال: لا، والله ما أقدر على ذلك. فهيّأ عبد الله بن صفوان قوماً كانوا معدّين مع ابن الزّبير من أهل السّراة وغيرهم،

стр. 6672

فعقد لهم لواء، وخرج عبد الله بن صفوان من أسفل مكة من اللبط، فلم يشعر أنيس بن عمرو الأسلميّ وهو على عسكر عمرو بن الزّبير إلاّ بالقوم، فصاح بأصحابه وهم قريب على عدّة فتصافّوا، فقتل أنيس بن عمرو في المعركة؛ ووجّه عبد الله بن الزّبير مصعب بن عبد الرّحمن بن عوف في جمع إلى عمرو بن الزّبير، فلقوه فتفرّق أصحابه عنه وانهزم عسكره من ذي طوى، وجاء عبيدة بن الزّبير إلى عمرو بن الزّبير فقال: أنا أجيرك من عبد الله. فجاء به إلى عبد الله أسيراً والدّم يقطر على قدميه؛ فقال: ما هذا الدّم؟ فقال: من الطويل لسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدّما فقال: وتكلم أي عدو الله، المستحلّ لحرمة الله!. فقال عبيدة: إني قد أجرته فلا تخفر جواري. فقال: أنا أجير جوارك لهذا الظّالم الذي فعل ما فعل، فأما حقّ النّاس فإني أقتصّ لهم منه. فضربه بكل سوط ضرب به أحداً من الذين بالمدينة وغيرهم، إلاّ محمد بن المنذر بن الزّبير فإنه أبى أن يقتصّ، وعثمان بن عبد الله حكيم بن حزام فإنه أبى أيضاً. وأمر به فحبس في حبس زيد عارم مع عمرو بن الزّبير فأخذه فحبسه مع عمرو بن الزّبير، فسميّ ذلك الحبس بسجن عارم، وبنى لزيد عارم ذراعين في ذراعين وأدخله وأطبق عليه بالجصّ والآجرّ. وقال عبد الله بن الزّبير: من كان يطلب عمرو بن الزّبير بشيء فليأتنا نقصّه منه؛ فجعل الرّجل يأتي فيقول: نتف أشعاري. فيقول: انتف أشعاره. وجعل الآخر يقول: نتف حلمتي. فيقول: انتف حلمته. وجعل الرّجل يأتي فيقول: لهزني. فبقول: الهزه. وجعل الرّجل يقول: نتف لحيتي. فيقول: انتف لحيته.

стр. 6673

وكان يقيمه كلّ يوم يدعو النّاس إلى القصاص منه سنةً؛ فقام مصعب بن عبد الرحمن بن عوف فقال: جلدني مئة جلدة بالسّياط، وليس بوال، ولم آت قبيحاً، ولم أركب منكراً، ولم أخلع يداًمن طاعة. فأمر بعمرو أن يقام ودفع إلى مصعب سوطاً، وقال له عبد الله بن الزّبير: اضرب. فجلده مصعب مئة جلدة بيده. فتعكّر جسد عمرو فمات، فأمر به عبد الله فصلب. قال: ثم صحّ من بعد ذلك الضّرب، ثم مرّ به عبد الله بن الزّبيربعد أن أخرجه من السّجن جالساً بفناء المنزل الذي كان فيه، فقال أبا يكسوم، ألا أراك حيّاً؟. فأمر به فسحب إلى السّجن، فلم يبلغ حتى مات. فأمر به عبد الله فطرح في شعب الجيف، وهو الموضع الذي صلب فيه عبد الله بن الزّبير بعد. عمرو بن زرارة بن قيس ابن الحارث بن عداء بن الحارث بن عوف ويقال: ابن عمرو بن جشم بن كعب بن قيس بن سعد بن مالك بن النّخع بن عمرو النّخعيّ من أهل الكوفة، أدرك عصر النّبيّ ﷺ ، وكان ممّن سيّره عثمان بن عفّان من الكوفة إلى دمشق. عن سعيد بن عمرو بن زرارة عن أبيه، قال: كنت جالساً عند النّبيّ فتلا هذه الآية " إن المجرمين في ضلال وسعر " إلى قوله: " بقدر ". فقال رسول الله ﷺ : " نزلت هذه الآية في ناس يكذّبون بقدر الله ".

стр. 6674

قال المصنّف: لا يحفظ لعمرو صحبة، وإنّما يقال: إن أباه زرارة له صحبة. قال محمد بن سعد: وفد إلى النّبيّ ﷺ وفد النّخع، وهم مئتا رجل، وكانوا آخر وفد قدموا من اليمن، فقدموا للنّصف من المحرم سنة إحدى عشرة من الهجرة، فنزلوا في دار رملة بنت الحارث، ثم جاؤوا رسول الله ﷺ مقرّين بالإسلام، وقد بايعوا معاذ بن جبل باليمن، فقال رجل منهم يقال له زرارة: يا رسول الله، إني رأيت في سفري هذا عجباً. قال له رسول الله ﷺ : " وما رأيت؟ " قال: رأيت أتاناً تركتها في الحيّ كأنها ولدت جدياً أسفع أحوى. فقال له رسول الله ﷺ : " هل تركت أمةً لك مصرّةً على حمل؟ " قال: نعم يا رسول الله، تركت أمة لي قد حملت. قال: " فإنها قد ولدت غلاماً، وهو ابنك ". قال: يا رسول الله، فما باله أسفع أحوى؟ قال: " ادن منّي " فدنا منه، فقال له: " هل بك من مرض تكتمه؟ " قال: نعم، والذي بعثك بالحقّ ما علم به أحد، ولا اطّلع عليه غيرك. قال: " فهو ذاك ". قال: يا رسول الله، ورأيت النّعمان بن المنذر عليه قرطان ودملجان ومسكتان. قال: " ذلك ملك العرب رجع إلى أحسن زيّه وبهجته ". قال: يا رسول الله، ورأيت عجوزاً شمطاء خرجت من الأرض. قال: " تلك بقيّة الدّنيا ". قال: ورأيت ناراً خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابن لي يقال له عمرو، وهي تقول: لظى لظى، بصير وأعمى، أطعموني آكلكم أهلكم ومالكم. قال رسول الله ﷺ : " تلك فتنة تكون في آخر الزّمان ". قال: يا رسول الله، وما الفتنة؟ قال: " يقتل النّاس إمامهم، ويشتجرون اشتجار أطباق الرّأس " وخالف رسول الله ﷺ بين أصابعه " يحسب المسيء فيها أنه محسن، ويكون دم المؤمن أحلّ من شرب الماء، إن مات ابنك أدركت الفتنة، وإن متّ أنت أدركها ابنك ". فقال: يا رسول الله، ادع الله أن لا أدركها. فقال

стр. 6675

رسول الله ﷺ : " اللهم لا يدركها ". فمات، وبقي ابنه عمرو بن زرارة، فكان أول خلق الله خلع عثمان بالكوفة وبايع عليّاً. عمرو بن سبيع الرّهاويّ وفد على النّبيّ ﷺ ، وعقد له لواء، وكان في جيش أسامة الذي خرج إلى البلقاء، وشهد مع معاوية صفّين. حدّث عمرو بن هزّان بن سعيد الرّهاويّ، عن أبيه، قال: وفد رجل منّا يقال له: عمرو بن سبيع إلى النّبيّ ﷺ ، فعقد له رسول الله ﷺ لواءً، فقاتل بذلك اللّواء يوم صفّين مع معاوية؛ وقال في إتيانه النّبيّ ﷺ : من الطويل إليك رسول الله أعلمت نصّها ... تجوب الفيافي سملقاً بعد سملق على ذات ألواح أكلّفها السّرى ... تخبّ برحلي مرّةً ثم تعنق فما لك عندي راحة أو تلجلجي ... بباب النّبيّ الهاشميّ الموفّق عتقت إذاً من رحلة ثم رحلة ... وقطع دياميم وهمّ مؤرّق عمرو بن سعد بن الحارث ابن عبّاد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر له صحبة، وشهد مؤتة، واستشهد بها.

стр. 6676

عمرو بن سعد الفدكيّ مولى أمير المؤمنين عثمان بن عفّان. ذكر أبو زرعة الرّازي أنه دمشقيّ. روى عن نافع، قال: سأل عمر رسول الله ﷺ : أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: " نعم، ويتوضّأ ". وعنه، عن ابن عمر: أن عمر بن الخطّاب خرج مع رسول الله ﷺ ، فمرّ بثوب سيراء، فأقبل عمر يساومه، فقال له رسول الله ﷺ : " ماذا تريد إليه؟ " قال: أشتريه لك يا رسول الله، فتلبسه يوم عيد، وإذا قدم عليك الوفد. قال: " لا يلبس هذا في الدّنيا إلاّ من لاخلاق له في الآخرة ". قال عنه أبو زرعة: دمشقيّ ثقة. عمرو بن سعيد بن إبراهيم ابن طلحة بن عمرو بن مرّة الجهنيّ من أهل دمشق. عمرو بن سعيد أبي أحيحة ابن العاص بن أميّة بن عبد شمس أبو عتبة الأمويّ أخو خالد وأبان، لهم صحبة.

стр. 6677

قدم دمشق مجاهداً، وقتل يوم أجنادين وأجنادين على قول سيف بعد اليرموك وفتح دمشق وحمص، فمن شهدها مّمن خرج أوّلاً فقد شهد الفتح وقيل: إنه قتل باليرموك. وكان رسول الله ﷺ قد استعمل عمرو بن سعيد على خيبر ووادي القرى وتيماء وتبوك، وقبض النّبيّ ﷺ وهو يليها له. عن عبد الله بن عمرو بن سعيد بن العاص، قال: لمّا أسلم خالد بن سعيد وصنع به أبوه أحيحة ما صنع، فلم يرجع خالد عن دينه، ولزم رسول الله ﷺ حتى خرج إلى الحبشة في الهجرة الثانية، غاظ ذلك أبا أحيحة وغمّه وقال: لأعتزلنّ في مالي لا أسمع شتم آبائي ولا عيب آلهتي، هو أحبّ إليّ من المقام مع هؤلاء الصّبأة. فاعتزل في ماله بالظّريبة نحو الطّائف، وكان ابنه عمرو بن سعيد على دينه، وكان يحبّه ويعجبه، فقال أبو أحيحة: من الطويل ألا ليت شعري عنك يا عمرو سائلاً ... إذا شبّ واشتدّت يداه وسلّحا أتترك أمر القوم فيه بلابل ... وتكشف غيظاً كان في الصدر موجحا قال: فلمّا خرج أبو أحيحة إلى ماله بالظّريبة أسلم عمرو بن سعيد، ولحق بأخيه خالد بن سعيد بأرض الحبشة. وعن أم خالد بنت خالد، قالت: قدم علينا عمّي عمرو بن سعيد أرض الحبشة بعد مقدم أبي بسنتين، فلم يزل هناك حتى حمل في السّفينتين مع أصحاب رسول الله ﷺ ، فقدموا على النّبيّ ﷺ وهو بخيبر سنة سبع من الهجرة، فشهد عمرو مع النّبيّ ﷺ الفتح وحنين والطّائف وتبوك؛ فلمّا خرج المسلمون إلى الشّام كان فيمن خرج، فقتل يوم أجنادين شهيداً في خلافة أبي بكر الصّدّيق في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، وكان على النّاس يومئذ عمرو بن العاص.

стр. 6678

قال الزّبير بن بكّار: وكان إسلام خالد متقدّماً، وأسلم أخوه عمرو وهاجرا جميعاً إلى أرض الحبشة، وكانا مّمن قدم على رسول الله ﷺ في السّفينتين. ولعمرو وخالد يقول أبان بن سعيد أخوهما جميعاً: من الطويل ألا ليت ميتاً بالظّريبة شاهد ... لما يفتري في الدّين عمرو وخالد أطاعا بنا أمر النّساء فأصبحا ... يعينان من أعدائنا من نكايد فأجابه عمرو بن سعيد، فقال: من الطويل أخي ما أخي لا شاتم أنا عرضه ... ولا هو عن سوء المقالة مقصر يقول إذا شكّت عليه أموره: ... ألا ليت ميتاً بالظّريبة ينشر فدع عنك ميتاً قد مضى لسبيله ... وأقبل على الحيّ الذي هو أفقر ثم أسلم أبان واستشهد بأجنادين. عن خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد، عن أبيه: أن أعماماً له خالداً وعمراً بني سعيد رجعوا عن أعمالهم حين بلغتهم وفاة رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر: ما أحد أحقّ بالعمل من عمّال رسول الله ﷺ ، ارجعوا إلى أعمالكم. قال بنو أبي أحيحة: لا نفعل بعد رسول الله ﷺ لغيره. فخرجوا إلى الشّام فقتلوا جميعاً؛ وكان خالد على اليمن، وأبان على البحرين، وعمرو على تيماء وخيبر. عن عبد الله بن قرط الثّماليّ وكان من أصحاب النّبيّ ﷺ ، وكان قد نزل حمص وأقام بها قال: مررت يومئذ بعمرو بن سعيد ومعه رجال من المسلمين سبعة أو ثمانية، وهم بارزو أيديهم نحو العدوّ، ويقول: " يا أيّها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولّوهم

стр. 6679

الأدبار " حتى فرغ من الآية ولكن الجنّة نعم المصير، ولمن؟ هي والله لمن يشري نفسه لله، وقاتل في سبيل الله. ونادى: يا أهل الإسلام، أنا عمرو بن سعيد بن العاص، لا تفرّوا فإنّ الله يراكم، ومن رآه فارّاً عن نصر دينه مقته، فاستحيوا من ربّكم أن يراكم تطيعون أبغض خلقه إليه الشّيطان الرّجيم وتعصونه وهو أرحم الرّاحمين. قال عبد الله بن قرط: ودنا القوم من الرّوم فحملوا حملةً منكرة فرّقت بيني وبين أصحابي، فانتهيت إلى عمرو بن سعيد. قال: فقلت في نفسي: ما أنا بواجد اليوم في هذا العسكر رجلاً أقدم صحبة ولا أقرب من رسول الله ﷺ قرابةً من هذا الرّجل؛ فدنوت منه ومعي رمحي، وقد أحاطت به من العدوّ جماعةً، فحملت عليهم فأصرع منهم واحداً، ثم أقبلت إليه وأقف معه، ثم قلت له: يا ابن أبي أحيحة أتعرفني؟ قال: نعم، ألست أخا ثقيف؟ فقلت له: لم تبعد من الإخوان والجيران والحلفاء، أنا أخو ثمالة، أنا عبد الله بن قرط. قال: مرحباً بك، أنت أخي في الإسلام وأقرب نسباً، والله لئن استشهدت لأشفعنّ لك. قال: فنظرت فإذا هو مضروب على حاجبه بالسّيف، وإذا الدّماء قد ملأت عينيه، وإذا هو لا يستطيع أن يطرف ولا يستطيع أن يفتح عينيه من الدّم. قال: فقلت: أبشر بخير فإن الله معافيك من هذه الضّربة، ومنزل النّصر على المسلمين. قال: أمّا النّصر على أهل الإسلام فأنزله الله فعجّل، وأمّا أنا فجعل الله لي هذه الضّربة شهادةً وأهدى إليّ بأخرى مثلها، فوالله ما أحبّ أنها بعرض أبي قبيس، والله لولا أن قتلي يكسر بعض من ترى حولي لأقدمت على هذا العدوّ حتى ترى يا بن أخي أن ثواب الشّهادة عظيم، وأن الدّنيا دار لا نسلم فيها. قال عبد الله: فما كان بأسرع أن شدّت علينا منهم جماعة، فمشى إليهم بسيفه فضاربهم ساعةً

стр. 6680

وانكشف الكفّار. قال: فشددنا عليهم فصرعنا منهم ثلاثة، وإذا نحن بصاحبنا صريع، وقد قتل وبه أكثر من ثلاثين ضربة ممّا رأوا من شدّة قتاله إيّاهم، فحنقوا عليه، فأخذوه يجزّعونه بأسيافهم. وقال معاذ بن جبل حين حصر القتال: يا أهل الإسلام، إن هذا اليوم له ما بعده، غضّوا أبصاركم وقدّموا أقدامكم على عدوّكم، ولا تفارقوا ذراريكم، ولا تزولوا عن مصافّكم، والعدوّ منهزمون، وسوقوهم سوقاً، ولا تشاغلوا عنهم بغنائمهم ولا بما في عسكرهم، إني أخاف أن يكون لهم عليكم عطفة إن أنتم تفرّقتم واشتغلتم بغنائمكم واطلبوهم حتى لا ترونّ لهم جمعاً ولا صفّاً. فمضى المسلمون على راياتهم وصفوفهم يقتلون ويأسرون، فقتلوا منهم في المعركة أكثر من ثلاثة آلاف، وقتلوا في عسكرهم نحواً من ألفين، فخرجوا على ذلك والجند يتبعهم حتى اقتحموا في فحل، وفحل على الهوتة تحتها الماء. قال: وكانت وقعة أجنادين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة. عمرو بن سعيد بن العاص ابن سعيد بن العاص بن أميّة بن عبد شمس أبو أميّة الأموي المعروف بالأشدق وهو ابن ابن أخي المذكور آنفاً. ولاّه معاوية ويزيد المدينة، ثم إنه بعد ذلك طلب الخلافة، وزعم أن مروان جعله

стр. 6681

وليّ عهده بعد عبد الملك ابنه، وغلب على دمشق، ثم قتله عبد الملك بعد أن أعطاه الأمان. يقال: إنه رأى النّبيّ ﷺ . حدّث قال: كنت عند عثمان فدعا بطهور، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما من أمرىء مسلم تحضره صلاة متوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلاّ كانت كفّارة لما قبلها من الذّنوب ما لم يؤت كبيرةً، وذلك الدّهر كلّه ". أخرجه مسلم. وقال: قال رسول الله ﷺ : " ما نحل والد ولده أفضل من أدب حسن ". قال المصنّف: وهذا عندي مرسل. عن عبد الملك بن عمير، عن أبيه قال: لمّا حضرت سعيد بن العاص الوفاة جمع بنيه فقال: أيّكم يكفل ديني؟ فسكتوا. فقال: ما لكم لا تكلّمون؟ فقال عمرو الأشدق وكان عظيم الشدّقين: وكم دينك يا أبه؟ قال: ثلاثون ألف دينار. قال: فيم استدنتها يا أبه؟ قال: في كريم سددت فاقته، وفي لئيم فديت عرضي منه. فقال عمرو: هي عليّ يا أبه. فقال سعيد: مضت خلّة وبقيت خلّتان. فقال عمرو: ما هما يا أبه؟ قال: بناتي لا تزوّجهن إلاّ من الأكفاء ولو بفلق الخبز الشّعير. فقال: وأفعل يا أبه. قال سعيد: مضت خلّتان وبقيت خلّة واحدة. فقال: وما هي يا أبه؟ فقال: إخواني، إن فقدوا وجهي فلا يفقدون معروفي. فقال عمرو: وأفعل يا أبه. فقال سعيد: أما والله ولئن قلت ذلك لقد عرفت ذلك في حماليق وجهك وأنت في مهدك.

стр. 6682

ثم قال سعيد: ما شتمت رجلاً كنت رجلاً، ولا كلّفت من يرتجبيني أن يسألني؛ لهو أمنّ عليّ منّي عليه إذا قضيتها له إذ قصدني لحاجته. عن الزّبير بن بكّار، قال: وكان عمرو بن سعيد ولاّه معاوية المدينة، ثم ولاّه يزيد بن معاوية، وبعث عمرو بعثاً إلى ابن الزّبير بمكة؛ وقتل عبد الملك بن مروان عمرو بن سعيد بعد ذلك. وكان عمرو بن سعيد يدّعي أن مروان بن الحكم جعل إليه ولاية العهد بعد عبد الملك، ثم نقض ذلك وجعله إلى عبد العزيز بن مروان؛ فلّما شخص عبد الملك إلى حرب مصعب بن الزّبير خالف عليه عمرو وغلّق دمشق، فرجع إليه عبد الملك فأعطاه الأمان، ثم غدر به فقتله؛ فقال يحيى بن الحكم بن أبي العاص في ذلك: من الطويل أعينيّ جودا بالدّموع على عمرو ... عشيّة تبتزّ الخلافة بالغدر كأن بني مروان إذ يقتلونه ... بغاث من الطّير اجتمعن على صقر غدرتم بعمرو يا بني خيط باطل ... وأنتم ذوو قربى به وذوو صهر فرحنا وراح الشّامتون عشيّة ... كأن على أكتافنا فلق الصّخر وقال في ذلك سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص: من الطويل دعوت ولم أملك أفهر بن مالك ... وهل تنفعنيّ إن هتفت بها فهر لعمرك لا أنسى وإن طال عهدها ... أحاديث عمرو إذ قضى نحبه عمرو وقال التّيميّ: من الطويل فلا تحسب السّلطان عاراً عقابها ... ولا ذلّة عند الحفائظ في الأصل فقد السّلطان عمراًو مصعباً ... قريعي قريش واللّذين هما مثلي عماد بني العاص الرّفيع عمادها ... وقرم بني العوّام آنية النّحل قال: كان يقال لمصعب بن الزّبير: آنية النّحل من كرمه؛ وكان مروان يلّقب بخيط باطل.

стр. 6683

قال الخليفة: وفيها يعني سنة سبعين خلع عمرو بن سعيد بن العاص عبد الملك بن مروان، وأخرج عبد الرّحمن بن أم الحكم عن دمشق وكان خليفة عبد الملك عليها؛ فسار إليه عبد الملك فاصطلحا على أن يكون عمرّو الخليفة من بعد عبد الملك، وعلى أن لعمرو مع كلّ عامل عاملاً، وفتح المدينة ودخل عليه عبد الملك، ثم غدر به فقتله. وقال له عبد الملك: أبا أميّة، لو أعلم أن تبقى وتصلح قرابتي لفديتك ولو بدم النّواظر، ولكنه قلّ ما اجتمع فحلان في إبل إلاّ أخرج أحدهما صاحبه، فأخذ السّيف وهو يقول: من البسيط يا عمرو إلاّ تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حيث تقول الهامة: اسقوني عمرو بن سعيد أبو سعيد الثّقفيّ مولاهم، البصريّ وفد على الوليد بن يزيد. روى عن أبي زرعة بن عمرو، عن جرير بن عبد الله، قال: رأيت رسول الله ﷺ يفتل عرف فرس بأصبعيه وهو يقول: " الخيل معقود بنواصيها الخير، الأجر والمغنم، إلى يوم القيامة ". قال عمرو بن سعيد الثّقفيّ: أوفدني يوسف بن عمر إلى الوليد، فلّما قدمت قال لي: كيف رأيت الفاسق؟ يعني الوليد ثم قال: إيّاك وأن يسمع هذا منك أحد. فقلت: حبيبة بنت عبد الرحمن بن جبير طالق إن سمعته أذني ما دمت حيّاً. فضحك.

стр. 6684

قال ابن سعد: وكان ثقةً. وروى عن أنس، قال: ما رأيت بالعيال من رسول الله ﷺ . عمرو بن سعيد أبو بكر الأوزاعيّ روى عن أبي سلام الأسود، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : " من ساء ته سيّئته وسرّته حسنته فهو مؤمن ". عمرو بن سفيان ويقال: عمرو بن عبد الله بن سفيان ويقال: سفيان بن عمرو ويقال: الحارث بن ظالم بن علس وهو: عمرو بن سفيان بن عبد شمس بن سعيد ابن قائف بن الأوقص بن مرّة بن هلال ابن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة ابن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان أبو الأعور السّلميّ يقال: له صحبة، ويقال: لا صحبة له. وشهد اليرموك أميراً على كردوس، وكان مع معاوية بصفّين، وكان على أهل الأردنّ وهم الميسرة.

стр. 6685

روى أن رسول الله ﷺ قال: " إنّما أخاف على أمّتي شحّاً مطاعاً، وهوىّ متعباً، وإماماً ضالاً ". وقال رسول الله ﷺ : " إيّاكم وأبواب السّلطان فإنه قد أصبح صعباً هبوطاً ". وعن إسحاق بن بشر القرشيّ، قال: قالوا: وانحطّ إلى أبي بكر رجال من بني سليم فيهم عمرو بن سفيان، وهو أبو الأعور، وكانت له صحبة من رسول الله ﷺ ، فدخل عليه فقال: إنّا قد جئناك من غير قحمة عد وّ ولا عدم من مال، فإن شئت أقمنا معك مرابطين، وإن شئت وجّهتنا إلى عدوّك من المشركين. فقال أبو بكر: لا، بل تجاهدون الكفّار وتواسون المسلمين. قالوا: فسار حتى قدم بمن معه على أبي عبيدة بن الجرّاح. قال: ونزل أيضاً أبو في الأعور السّلميّ يعني يوم اليرموك فقال: يا معشر قيس خذوا نصيبكم من الأجر والصّبر، فإن الصّبر في الدّنيا عز ومكرمة، وفي الآخرة رحمة وفضيلة؛ فاصبروا وصابروا. قال اللّيث بن سعد: ثم كانت غزوة عمّورية، أمير أهل مصر وهب بن عمير الجمحيّ، وأمير أهل الشام أبو الأعور سنة ثلاث وعشرين. وعن يزيد بن عبيدة، قال: ثم غزا أبو الأعور السّلمي قبرس غزوتها الآخرة سنة ست وعشرين. وغزيت قبرس الثانية سنة سبع وعشرين، عليهم أبو الأعور السّلميّ. عن أبي عبد الرحمن؛ أن أبا الأعور السّلمي كان جالساً في مجلس فقال رجل: والله ما خلق الله شيئاً أحبّ

стр. 6686

إليّ من الموت. فقال أبو الأعور السّلمي: لأن أكون مثلك أحبّ إليّ من حمر النّعم، ولكنّي والله أرجو أموت قبل أن أرى ثلثاً؛ أن أنصح فتردّ نصيحتي، وأرى الغير فلا أستطيع تغييره، وقبل الهرم. عمرو بن أبي سلمة أبو حفص الدّمشقيّ نزيل تنّيس. حدّث عن الأوزاعي، بسنده إلى أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " إن اليهود والنّصارى لا تصبغ، فخالفوهم ". وعن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدّه؛ أن رسول الله ﷺ قال: " كلوا واشربوا وتصدّقوا في غير مخيلة ولا سرف، فإن الله يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده ". وعنه، بسنده إلى عجرد بن مدرع التّميميّ: أنه نازع رجلاً عند أبيّ بن كعب، فقال: يال تميم. فقال أبيّ: أعضّك الله بأير أبيك. فقالوا: ما عهدناك يا أبا المنذر فحّاشاً. فقال: إن رسول الله ﷺ أمرنا من اعتزى بعزاء الجاهليّة أن نعضّه ولا نكني. وعن الأوزاعي، بسنده إلى ربيعة بن كعب الأسلميّ، قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فآتيه بوضوئه وبحاجته، فكان يقوم من اللّيل فيقول: " سبحان ربّي وبحمده، سبحان ربّي وبحمده، سبحان ربّي وبحمده " الهويّ، ثم يقول: " سبحان ربّ العالمين، سبحان ربّ العالمين " الهويّ.

стр. 6687

قال أبو حفص: الهويّ: هويّ من اللّيل. قال ابن يونس: قدم مصر، وسكن تنّيس، وله بها بقيّة من ولده إلى الآن، ولهم ربع، وله جباب للماء مسبلة للنّاس والبهائم، وكان ثقةً. توفي بتنّيس سنة ثلاث عشرة ومئتين. وقال مرّة أخرى: سنة أربع عشرة ومئتين. قال نصر بن مرزوق المصريّ: سمعت عمرو بن أبي سلمة يقول: قلت للأوزاعيّ: منذ أربعة أيّام لم أسمع منك إلاّ ثلاثين حديثاً!. قال: وتستقلّ ثلاثين حديثاً في أربعة أيّام؟ لقد سار جابر بن عبد الله إلى مصر، واشترى راحلةً وركبها حتى سأل عقبة بن عامر عن حديث واحد، وانصرف إلى المدينة؛ وأنت تستقلّ ثلاثين حديثاً في أربعة أيّام. الصّحيح أنه مات سنة أربع عشرة ومئتين. عمرو بن سليمان بن عبد الملك ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأمويّ وأمّه أمّ ولد. عمرو بن سليم الحضرميّ الحمصيّ يأتي ذكره في باب الكنى إن شاء الله، في ترجمة أبي عذبة.

стр. 6688

عمرو بن سهيل بن عبد العزيز ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس الأمويّ بعثه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز عامل يزيد بن الوليد على العراق أميراً على البصرة. وبلغني أن عمرو بن سهيل قتله مروان بن محمد بن مروان. عمرو بن شراحيل أبو المغيرة العنسيّ الدّارانيّ وكان قدريّاً. روى عن بلال بن سعد، عن أبيه، قال: قلنا: يا رسول الله، أيّ أمتك خير؟ قال: " أنا وأقراني ". قال: ثم ماذا؟ قال: " ثم يأتون قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويحلفون ولا يستحلفون، ويؤتمنون ولا يؤدّون ". قال أبو زرعة: أبو المغيرة، عمرو بن شراحيل، من الثّقات. عن عمرو بن شراحيل، قال: سيّرنا هشام بن عبد الملك إلى دهلك، فلم ننزل بها حتى مات هشام واستخلف

стр. 6689

الوليد، فكلّم فينا فأبى، وقال: والله ما عمل هشام عملاً أرجى له عندي أن تناله المغفرة، من قتله القدريّة وتسييره إيّاهم. وكان الوالي علينا الحجّاج بن بشر بن فيروز بن الدّيلمي؛ فكان يقول: لا يعيش إلاّ ثمانية عشر شهراً حتى يقتل، ويكون قتله سبب هلاك أهل بيته. عمرو بن شعيب بن محمد ابن عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سهم أبو عبد الله، ويقال: أبو إبراهيم، القرشيّ السّهميّ روى عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو: عن النّبيّ ﷺ قال: " يحضر الجمعة ثلاثة؛ فرجل حضرها بلغو فهو حظّه منها؛ ورجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه وإن شاء منعه؛ ورجل حضرها بإنصات وسكوت، ولم يتخطّ رقبة مسلم، ولم يؤذ أحداً، فهي كفّارة له إلى التي تليها وزيادة ثلاثة أيّام، ذلكم بأن الله يقول: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ". وعن أبيه، عن جدّه، قال: سئل رسول الله ﷺ : في كم تقطع اليد؟ قال: " لا تقطع في ثمر معلّق، فإذا ضمّه الجرين قطعت في ثمن المجنّ، ولا تقطع في حريسة الجبل فإذا آواها المراح قطعت في ثمن المجنّ ". وسئل عن ضوالّ الغنم، قال: " لك أو لأخيك أو للذّئب زاد عبد الله: خذها ".

стр. 6690

وسئل عن ضوالّ الإبل، فقال: " معها الحذاء والسّقاء، دعها حتى يجدها ربّها ". وسئل عن اللّقطة، فقال: " ما كان في طريق مائيّ أو في قرية عامرة فعرّفها سنةً، فإن جاء صاحبها وإلاّ فلك، وما لم يكن في طريق مائي ولا في قرية عامرة ففيه وفي الرّكاز الخمس ". وبه، قال: نهى رسول الله ﷺ عن نتف الشّيب. وعن أبيه، عن عبد الله بن عمرو: أن رجلاً وهب هبة فرجع فيها، فقال رسول الله ﷺ : " هذا مثل الكلب الذي يأكل، حتى إذا شبع قاء ما في بطنه، ثم رجع إليه فأكله ". قال ابن أبي حاتم: سكن مكة، وكان يخرج إلى الطّائف إلى ضيعة له. عن رجاء بن أبي سلمة، قال: سمعت عمرو بن شعيب بمكة يقول: لا نفل بعد النّبيّ ﷺ . فقال سليمان بن موسى: أشغلك أكل الزّبيب بالطّائف؛ حدّثنا مكحول، عن زيادة بن جارية اللّخميّ، عن حبيب بن مسلمة الفهريّ أن رسول الله ﷺ نفّل في البدأة الرّبع بعد الخمس، وفي الرّجعة الثّلث بعد الخمس. قال المصنّف: وليس في هذا الحديث حجّة على رد قول عمرو فإنه لم ينكر أن النّبيّ ﷺ نفّل،
следующие страницы →