Полный текст (10 576 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.
стр. 6686
إليّ من الموت. فقال أبو الأعور السّلمي: لأن أكون مثلك أحبّ إليّ من حمر النّعم، ولكنّي والله أرجو أموت قبل أن أرى ثلثاً؛ أن أنصح فتردّ نصيحتي، وأرى الغير فلا أستطيع تغييره، وقبل الهرم.
عمرو بن أبي سلمة أبو حفص الدّمشقيّ
نزيل تنّيس.
حدّث عن الأوزاعي، بسنده إلى أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " إن اليهود والنّصارى لا تصبغ، فخالفوهم ".
وعن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدّه؛ أن رسول الله ﷺ قال: " كلوا واشربوا وتصدّقوا في غير مخيلة ولا سرف، فإن الله يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده ".
وعنه، بسنده إلى عجرد بن مدرع التّميميّ: أنه نازع رجلاً عند أبيّ بن كعب، فقال: يال تميم. فقال أبيّ: أعضّك الله بأير أبيك. فقالوا: ما عهدناك يا أبا المنذر فحّاشاً. فقال: إن رسول الله ﷺ أمرنا من اعتزى بعزاء الجاهليّة أن نعضّه ولا نكني.
وعن الأوزاعي، بسنده إلى ربيعة بن كعب الأسلميّ، قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فآتيه بوضوئه وبحاجته، فكان يقوم من اللّيل فيقول: " سبحان ربّي وبحمده، سبحان ربّي وبحمده، سبحان ربّي وبحمده " الهويّ، ثم يقول: " سبحان ربّ العالمين، سبحان ربّ العالمين " الهويّ.
стр. 6687
قال أبو حفص: الهويّ: هويّ من اللّيل.
قال ابن يونس: قدم مصر، وسكن تنّيس، وله بها بقيّة من ولده إلى الآن، ولهم ربع، وله جباب للماء مسبلة للنّاس والبهائم، وكان ثقةً. توفي بتنّيس سنة ثلاث عشرة ومئتين. وقال مرّة أخرى: سنة أربع عشرة ومئتين.
قال نصر بن مرزوق المصريّ: سمعت عمرو بن أبي سلمة يقول: قلت للأوزاعيّ: منذ أربعة أيّام لم أسمع منك إلاّ ثلاثين حديثاً!. قال: وتستقلّ ثلاثين حديثاً في أربعة أيّام؟ لقد سار جابر بن عبد الله إلى مصر، واشترى راحلةً وركبها حتى سأل عقبة بن عامر عن حديث واحد، وانصرف إلى المدينة؛ وأنت تستقلّ ثلاثين حديثاً في أربعة أيّام. الصّحيح أنه مات سنة أربع عشرة ومئتين.
عمرو بن سليمان بن عبد الملك
ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأمويّ وأمّه أمّ ولد.
عمرو بن سليم الحضرميّ الحمصيّ
يأتي ذكره في باب الكنى إن شاء الله، في ترجمة أبي عذبة.
стр. 6688
عمرو بن سهيل بن عبد العزيز
ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس الأمويّ
بعثه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز عامل يزيد بن الوليد على العراق أميراً على البصرة. وبلغني أن عمرو بن سهيل قتله مروان بن محمد بن مروان.
عمرو بن شراحيل أبو المغيرة
العنسيّ الدّارانيّ وكان قدريّاً.
روى عن بلال بن سعد، عن أبيه، قال: قلنا: يا رسول الله، أيّ أمتك خير؟ قال: " أنا وأقراني ". قال: ثم ماذا؟ قال: " ثم يأتون قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويحلفون ولا يستحلفون، ويؤتمنون ولا يؤدّون ".
قال أبو زرعة: أبو المغيرة، عمرو بن شراحيل، من الثّقات.
عن عمرو بن شراحيل، قال: سيّرنا هشام بن عبد الملك إلى دهلك، فلم ننزل بها حتى مات هشام واستخلف
стр. 6689
الوليد، فكلّم فينا فأبى، وقال: والله ما عمل هشام عملاً أرجى له عندي أن تناله المغفرة، من قتله القدريّة وتسييره إيّاهم. وكان الوالي علينا الحجّاج بن بشر بن فيروز بن الدّيلمي؛ فكان يقول: لا يعيش إلاّ ثمانية عشر شهراً حتى يقتل، ويكون قتله سبب هلاك أهل بيته.
عمرو بن شعيب بن محمد
ابن عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سهم أبو عبد الله، ويقال: أبو إبراهيم، القرشيّ السّهميّ روى عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو: عن النّبيّ ﷺ قال: " يحضر الجمعة ثلاثة؛ فرجل حضرها بلغو فهو حظّه منها؛ ورجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه وإن شاء منعه؛ ورجل حضرها بإنصات وسكوت، ولم يتخطّ رقبة مسلم، ولم يؤذ أحداً، فهي كفّارة له إلى التي تليها وزيادة ثلاثة أيّام، ذلكم بأن الله يقول: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ".
وعن أبيه، عن جدّه، قال: سئل رسول الله ﷺ : في كم تقطع اليد؟ قال: " لا تقطع في ثمر معلّق، فإذا ضمّه الجرين قطعت في ثمن المجنّ، ولا تقطع في حريسة الجبل فإذا آواها المراح قطعت في ثمن المجنّ ". وسئل عن ضوالّ الغنم، قال: " لك أو لأخيك أو للذّئب زاد عبد الله: خذها ".
стр. 6690
وسئل عن ضوالّ الإبل، فقال: " معها الحذاء والسّقاء، دعها حتى يجدها ربّها ". وسئل عن اللّقطة، فقال: " ما كان في طريق مائيّ أو في قرية عامرة فعرّفها سنةً، فإن جاء صاحبها وإلاّ فلك، وما لم يكن في طريق مائي ولا في قرية عامرة ففيه وفي الرّكاز الخمس ". وبه، قال: نهى رسول الله ﷺ عن نتف الشّيب.
وعن أبيه، عن عبد الله بن عمرو: أن رجلاً وهب هبة فرجع فيها، فقال رسول الله ﷺ : " هذا مثل الكلب الذي يأكل، حتى إذا شبع قاء ما في بطنه، ثم رجع إليه فأكله ".
قال ابن أبي حاتم: سكن مكة، وكان يخرج إلى الطّائف إلى ضيعة له.
عن رجاء بن أبي سلمة، قال: سمعت عمرو بن شعيب بمكة يقول: لا نفل بعد النّبيّ ﷺ . فقال سليمان بن موسى: أشغلك أكل الزّبيب بالطّائف؛ حدّثنا مكحول، عن زيادة بن جارية اللّخميّ، عن حبيب بن مسلمة الفهريّ أن رسول الله ﷺ نفّل في البدأة الرّبع بعد الخمس، وفي الرّجعة الثّلث بعد الخمس.
قال المصنّف: وليس في هذا الحديث حجّة على رد قول عمرو فإنه لم ينكر أن النّبيّ ﷺ نفّل،
стр. 6691
ويستدل عليه سليمان بهذا وهو يقّر بأن النّبيّ ﷺ نفّل؛ فلو كان في الحديث أن النبي ﷺ أمر بذلك بعده حجّةً عليه.
عن الأوزاعيّ، قال: ما رأيت قرشيّاً أكمل من عمرو بن شعيب.
قال خليفة: وفي سنة ثمان عشرة ومئة مات عمرو بن شعيب. وزاده غيره: بالطّائف.
عمرو بن شمر بن غزيّة
ممّن أدرك النّبيّ ﷺ ، وكان من قوّاد اليمن الذين شهدوا فتح دمشق.
قال ابن ماكولا: أمّا غزيّة؛ بفتح الغين وكسر الزّاي، عمرو بن شمر بن غزيّة؛ من قوّاد اليمن، بقي بدمشق مع يزيد بن أبي سفيان.
عمرو ويقال: عمير بن شييم
ويقال: شييم بن عمرو بن عبّاد بن بكر بن عامر بن أسامة بن مالك بن جشم ابن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، التّغلبيّ المعروف بالقطاميّ شاعر من فحول الشّعراء، وكان نصرانيّاً فأسلم، فقدم دمشق مادحاً للوليد بن عبد الملك، ويقال: لعمر بن عبد العزيز.
стр. 6692
قال الدّارقطنيّ: سمّي القطاميّ بقوله: من الرجز
يحطهنّ جانباً فجانباً ... حطّ القطاميّ قطاً قواربا
والقطاميّ: اسم من أسماء الصّقر، وهو مشتق من القطم، وهو: القطع.
قال أبو عمرو: أول ما حرّك من القطاميّ فرفع من ذكره أنه قدم في خلافة الوليد بن عبد الملك دمشق ليمدحه، فقيل له: إنه بخيل لا يعطي الشّعراء؛ وقيل: بل قدمها في خلفة عمر بن عبد العزيز، فقيل له: إن الشّعر لا ينفق عند هذا ولا يعطي عليه شيئاً، وهذا عبد الواحد بن سليمان فامتدحه؛ فمدحه بقصيدة التي أوّلها: من البسيط
إنّا محيوك فاسلم أيّها الطّلل ... وإن بليت وإن طالت بك الطّيل
فقال له: كم أمّلت من أمير المؤمنين؟. قال: أمّلت أن يعطيني ثلاثين ناقة، فقال: قد أمرت لك بخمسين ناقة وأن يوقر لك برّاً وتمراً وثياباً. ثم أمر بدفع ذلك إليه.
قال الكلابيّ: قال عبد الملك بن مروان للأخطل: من أشعر النّاس؟ قال: أنا، ثم المغدف القناع، القبيح السّماع، الضّيق الذّراع؛ يعني القطاميّ.
قال الأصمعي: سأل عمرو بن سعيد القرشيّ الأخطل: أيسرك أن لك شعراً بشعرك؟ قال: لا والله ما يسرني أنّ لي بمقولي مقولاً من مقاول العرب، غير أن رجلاً من قومي قد قال أبياتا حسدته عليها، وايم الله إنه لمغدف القناع، ضيّق الذّراع، قليل السّماع. قال: ومن هو؟ قال: القطاميّ. قال: وما الأبيات؟ قال: قوله: من البسيط
стр. 6693
يمشين رهواً فلا الأعجاز خاذلة ... ولا الصّدور على الأعجاز تتّكل
من كلّ سامية العينين تحسبها ... مجنونة أو ترى ما لا ترى الإبل
حتى وردن ركيّات الغوير وقد ... كاد الملاء من الكتّان يشتعل
يمشين معترضات والحصا رمض ... والرّيح ساكرة والظّل معتدل
والعيش لا عيش إلا ما تقرّ به ... عين ولا حال إلاّ سوف ينتقل
إن تصبحي من أبي عثمان منجحة ... فقد يهون على المستنجح العمل
والنّاس من يلق خيراً قائلون له ... ما يشتهي، ولأمّ المخطئ الهبل
قد يدرك المتأنّي بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزّلل
قال القاضي: لعمري إن هذه الأبيات لمن رصين الشعر وبليغه، وكلمة القطانيّ التي هذه الأبيات منها من أجود شعره.
قال محمد بن سلام: وكان القطاميّ شاعراً فحلاً، رقيق الحواشي، حلو الشّعر، والأخطل أبعد منه ذكراً، وأمتن شعراً. وكان زفر بن الحارث أسره في حرب بينهم وبين تغلب، فمنّ عليه وأعطاه مئة من الأبل، وردّ عليه ماله، فقال القطاميّ في كلمة له: من البسيط
من مبلغ زفر القيسيّ مدحته ... عن القطاميّ قولاً غير إفناد
فلن أثيبك بالنّعماء مشتمة ... ولن أبدّل إحساناً بإفساد
إنيّ وإن كان قومي ليس بينهم ... وبين قومك إلاّ ضربة الهادي
مثن عليك بما أسلفت من حسن ... وقد تعرّض منّي مقتل بادي
فإن هجوتك ما تّمت محافظتي ... وإن مدحت لقد أحسنت إصفادي
إذ يعتريك رجال يسألون دمي ... ولو تعطيهم أبكيت عوّادي
стр. 6694
وإذ يقولون: أرضيت العداة بنا ... لا، بل قدحت بزند غير صلاّد
ولا كردّك مالي بعدما كربت ... تبدي الشّماتة أعدائي وحسّادي
فإن قدرت علي يوم جزيت به ... والله يجعل أقواماً بمرصاد
فلمّا بلغ زفر قوله قال: لا قدرت على ذلك اليوم. وقال يمدحه في أخرى: من الوافر
ومن يكن استسلام إلى ثويّ ... فقد أحسنت يا زفر المتاعا
أكفر بعد دفع الموت عنّي ... وبعد عطائك المئة الرّتاعا
فلم أر منعمين أقلّ منّاً ... وأكرم عندما اصطنعوا اصطناعا
من البيض الوجوه بني نفيل ... أبت أخلاقهم إلاّ اتّساعا
بني القرم الذي علمت معدّ ... تفضّل فوقهم حسباً وباعا
وهو يقول في كلمة أخرى: من البسيط
إنّا محيّوك فاسلم أيّها الطّلل ... وإن بليت وإن طالت بك الطّيل
والنّاس من يلق خيراً قائلون له ... ما يشتهي، ولأمّ المخطىء الهبل
قد يدرك المتأنّي بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزّلل
أمّا قريش فلن تلقاهم أبداً ... إلاّ وهم خيرمن يحفى وينتعل
قوم هم أمراء المؤمنين وهم ... رهط النّبيّ فما من بعده رسل
وفيها يقول:
وما هواي لتسليم على دمن ... بالغور غيّرهنّ الأعصر الأول
فهنّ كالحلل الموشيّ ظاهرها ... أو كالكتاب الذي قد مسّه بلل
كانت منازل بالغور منّا ما يجهمنا ... حتى تحلل دهر محيل حيل
والعيش لا عيش إلاّ ما تقرّبه ... عين ولا حال إلاّ سوف ينتقل
стр. 6695
عن محمد بن عبيد الله العتبيّ، قال: خرجت إلى المربد فإذا بأعرابيّ غزل، فملت إليه، فذكرت عنده النّساء، فتنفّس ثم قال: يا بن أخي، وإن من كلامهنّ لما يقوم مقام الماء فيسقي من الظّمأ. فقلت: يا أعرابيّ، صف لي نساءكم. فقال: نساء الحيّ تريد؟ قلت: نعم. فأنشأ يقول: من الكامل
رجح ولسن من اللّواتي بالضّحى ... لذيولهنّ على الطّريق غبار
وإذا خرجن يردن أهل مصيبة ... كان الخطا لسراعها الإستار
يأنسن عند بعولهنّ إذا خلوا ... وإذا هم خرجوا فهنّ خفار
قال العتبيّ: فرجعت إلى أبي فذكرت ذلك له. فقال: أتدري من أين أخذ الأعرابيّ قوله: وإن من كلامهنّ لما يقوم مقام الماء فيسقي من الظّمأ؟ قال: من قول القطاميّ: من البسيط
يقتلننا بحديث ليس يعلمه ... من يتّقين ولا مكنونه باد
فهنّ ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلّة الصّادي
قال الأصمعيّ: قال بلال بن أبي بردة لجلسائه ذات ليلة: خبّروني بسابق الشعراء والمصلّي والثّالث والرّابع. فسكتوا. ثم قالوا له: إن رأى الأمير أصلحه الله أن يخبرنا بذلك فعل. قال: سابق الشعراء قول المرقّش: من الطويل
من يلق خيراً يحمد النّاس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائماً
والمصلّي قول طرفة: من الطويل
стр. 6696
ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
والثّالث قول النّابغة: من الطويل
ولست بمستبق أخاً لا تلمّه ... على شعث، أيّ الرّجال المهذّب؟
والرّابع قول القطاميّ: من البسيط
قد يدرك المتأنيّ بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزّلل
عمرو بن صفوان بن أميّة
ابن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب القرشيّ، الجمحيّ، المكّيّ سكن دمشق، وعرض عليه يزيد بن معاوية ولاية مكّة، فأبى.
عمرو بن طراد بن عمرو
ابن حاتم بن سقر أبو القاسم الأسديّ الخلاّد حدّث عن أبي بكر الميانجيّ، بسنده إلى عبد الله بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: نهى رسول الله ﷺ عن الورس والزّعفران.
قال شعبة: قلت لعبد الله: المحرم؟ قال: نعم. توفي في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وأربعمئة. وكان ثقةً مأموناً من أهل السّنّة.
стр. 6697
عمرو بن الطّفيل بن عمرو
ابن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس ابن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله ابن مالك بن نصر بن الأزد الأزديّ، الدّوسيّ وهو عمرو بن ذي النّور، أرسله خالد بن الوليد عند توجّهه من العراق إلى الشّام بشيراً لأبي عبيدة ومن بالشّام من المسلمين بتوجّهه إليهم، فأتى أبا عبيدة بالجابية، فأخبره بذلك.
قال أبو نعيم الحافظ: عمرو ذو النّور، وهو ابن الطّفيل الدّوسيّ، كان النّبيّ دعا له، واستشهد يوم اليرموك، وذو النّور هو أبوه الطّفيل بن عمرو، وابنه عمرو مختلف في صحبته.
وقال عبد الله بن محمد بن ربيعة القداميّ في كتاب فتوح الشّام: وكان عمرو جليداً شديداً، أصابته يومئذ يعني يوم أجنادين طعنة، فكان المسلمون يرجون أن يبرأ منها، فمكث أربعة أيّام أو خمسة ثم إنها انتقضت عليه، فاستأذن خالداً وأبا عبيدة فأذنا له، فخرج إلى أهله، فمات عندهم.
قال محمد بن سعد: ورجع الطّفيل بن عمرو إلى رسول الله ﷺ فكان معه بالمدينة حتى قبض، فلمّا ارتدّت العرب خرج مع المسلمين فجاهد حتى فرغوا من طليحة، ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة ومعه ابنه عمرو بن الطّفيل، فقتل الطّفيل باليمامة شهيداً، وجرح ابنه عمرو بن
стр. 6698
الطّفيل وقطعت يده، ثم استبلّ وصحّت يده؛ فبينما هو عند عمر بن الخطّاب إذ أتي بطعام فتنحّى عنه؛ فقال عمر: مالك؟ لعلّك تنحّيت لمكان يدك؟ قال: أجل. قال: لا والله لا أذوقه حتى تسوطه بيدك، فوالله ما في القوم أحد بعضه في الجنّة غيرك. ثم خرج عام اليرموك في خلافة عمر بن الخطّاب مع المسلمين فقتل شهيداً.
عمرو بن العاص بن وائل
ابن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ بن غالب أبو عبد الله، ويقال: أبو محمد، القرشيّ، السّهميّ صاحب رسول الله ﷺ ، أسلم طوعاً في الهدنة، وهاجر، واستعمله النّبيّ ﷺ على جيش ذات السّلاسل، وفيه أبو بكر وعمر، وبعثه إلى عمان، وأمرّه عمر في فتوح الشّام ثم ولاّه مصر، وولاّه إيّاها عثمان؛ روى عن النّبيّ ﷺ أحاديث. ودخل دمشق قبل الفتح برسالة من أبي بكر، وشهد فتح دمشق، وكان له بها دار عند سقيفة كرمس في جيرون، ودار في ناحية باب الجابية ما بين دار الشّعّارين وزقاق الهاشميّين، ودار تعرف ببني حجيجة في رحبة الزّبيب، ودار تعرف بالمارستان الأوّل عند عين الحمى. وشهد اليرموك أميراً على كردوس.
حدّث، قال: سمعت رسول الله ﷺ جهاراً غير سرّ يقول: " إنّ آل فلان ليسوا لي بأولياء، إنّما وليّي الله وصالح المؤمنين ".
стр. 6699
عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، قال: كنّا مع عمرو بن العاص في حجّ أو في عمرة، وإذا امرأة قد أخرجت يديها عليها حبائرها وخواتيمها، فوضعت يديها على هودجها، فعدل فدخل شعباً، فقال: كنّا مع رسول الله ﷺ في هذا الشّعب فإذا غربان كثيرة، وإذا فيها غراب أعصم أحمر المنقار والرّجلين، فقال رسول الله ﷺ : " لا يدخل الجنّة من النّساء إلاّ كقدر هذا الغراب في هذه الغربان ".
قال محمد بن سعد: عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم، ويكنى أبا عبد الله، وأمّه النّابغة بنت خزيمة من عنزة، قدم على النّبيّ ﷺ في صفر سنة ثمان قبل الفتح بأشهر، هو وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة، فأسلموا.
وقال ابن البرقيّ: وكانت وفاته بمصر بعد الفطر، صلّى عليه عبد الله بن عمرو سنة ثلاث وأربعين. وقال محمد بن عبد الله: وكان يوم توفي ابن تسعين سنة.
عن أبي هريرة، قال: قال النّبيّ ﷺ : " ابنا العاصي مؤمنان؛ هشام وعمر ".
قال ابن يونس: قدم مصر في الجاهلية للتّجارة، وشهد الفتح، وكان أمير العرب مدخلهم مصر، وولّي على مصر من سنة عشرين إلى مقتل عمر، وولي بعد عمر لعثمان بن عفّان حين انتقضت الإسكندرية، وولي أيضاً لمعاوية بن أبي سفيان من ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين إلى أن توفي بمصر ليلة الفطر سنة ثلاث وأربعين.
وقال أبو نعيم الحافظ: كان يخضب بالسّواد، خرج إلى الحبشة، إلى النّجاشيّ، بعد الأحزاب، فأسلم عنده
стр. 6700
بالحبشة، فأخذه أصحابه بالحبشة فغمّوه، فأفلت منهم مجرداً ليس عليه قشرة، فأظهر للنّجاشيّ إسلامه، فاسترجع من أصحابه جميع ماله وردّه عليه، فقدم هو وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة مهاجرين المدينة إلى رسول الله ﷺ ، فتقدّم خالد فبايع، ثم تقدّم هو فبايعه على أن يغفر له ما كان قبله، فقال له رسول الله ﷺ : " الهجرة، والإسلام يجبّ ما قبله " ثم بعثه رسول الله ﷺ على غزوة ذات السّلاسل والياً لعلمه بالحرب والمكيدة؛ وكان يلي مصر من قبل عمر بن الخطّاب، وكان يسرد الصّوم ويباشر الحروب، وشهد الفتنة. توفي بمصر والياً عليها ليلة الفطر سنة ثلاث وأربعين، ودفن يوم الفطر، وصلّى عليه ابنه عبد الله قبل صلاة الفطر، له نحو من مئة سنة. كان أحد دهاة العرب.
قال فيه النّبيّ ﷺ : " أسلم النّاس وآمن عمرو ". وقال: " ابنا العاص مؤمنان، عمرو وهشام ". وقال: " نعم أهل البيت عبد الله وأبو عبد الله وأمّ عبد الله ".
حدّث عمرو بن العاص من فيه، قال: لمّا انصرفنا من الأحزاب عن الخندق جمعت رجالاً من قريش، فأتوا يرون رأيي ويسمعون منّي، فقلت لهم: والله إني لأرى أمر محمد يعلو الأمور علوّاً منكراً وإني قد رأيت رأياً فما ترون فيه؟ قالوا: وما ذاك الذي رأيت؟ قال: قلت: رأيت أن نلحق بالنّجاشيّ فنكون معه، فإن ظهر محمد ﷺ على قومنا كنّا عند النّجاشيّ، فإنّا أن نكون تحت يديه أحبّ إلينا من أن نكون تحت يدي محمد، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلم يأتنا منهم إلاّ خير. قالوا: هذا الرّأي. قلت: فاجمعوا له ما يهدى له وكان أحبّ ما يهدى إليه من أرضنا الأدم فجمعنا له أدماً كثيراً، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه؛ فوالله إنّا لعنده إذ جاء عمرو بن أميّه الضّمريّ وقد كان رسول الله ﷺ بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه قال: فدخل عليه، ثم خرج من عنده. قال: فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أميّة، ولو قد دخلت على النّجاشيّ فسألته إيّاه فأعطانيه،
стр. 6701
فضربت عنقه؛ فإذا فعلت به ذلك رأت قريش أن قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد. قال: فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع؛ فقال: مرحباً بصديقي، أهديت لي من بلادك شيئاً؟ قلت: نعم، قد أهديت لك أدماً كثيراً؛ ثم قرّبته إليه، فأعجبه واشتهاه، ثم قلت له: أيّها الملك، قد رأينا رجلاً خرج من عندك، وهو رسول رجل عدوّ لنا، فأعطنيه لأقتله فإنه قد أصاب من أشرافنا. قال: فغضب، ثم مدّ يده فضرب بها أنفه ضربةً ظننت أنه قد كسره. قال: لو انشقّت الأرض لدخلت فيها فرقاً منه؛ ثم قلت: أيّها الملك، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه. فقال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه النّاموس الأكبر الذي كان يأتي موسى؟. قال: قلت: أيّها الملك، أكذلك هو؟ قال: ويحك يا عمرو، أطعني واتّبعه، فإنه والله على الحقّ، وليظهرنّ على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده. قال: قلت: أتبايعني على الإسلام؟ قال: نعم. فبسط يده فبايعته على الإسلام ثم خرجت إلى أصحابي، وقد حال رأيي عمّا كان عليه، فكتمت أصحابي إسلامي، ثم خرجت عامداً لرسول الله ﷺ في إسلامي، فلقيت خالد بن الوليد وذلك قبيل الفتح وهو مقبل من مكة فقلت: أين يا أبا سليمان؟ قال: والله لقد استقام الميسم، وإن الرّجل لنبيّ، أذهب والله أسلم، حتى متى؟ قال: قلت: فأنا والله ما جئت إلاّ للإسلام. فقدمنا على رسول الله ﷺ فتقدّم خالد بن الوليد فأسلم وبايع، ثم دنوت فقلت: يا رسول الله إني أبايعك على أن يغفر لي ما تقدّم من ذنبي. قال: ولا أذكر ماتأخّر. فقال رسول الله ﷺ : " يا عمرو بايع، فإن الإسلام يجب ما كان قبله، وإن الهجرة تجبّ ما كان قبلها ". قال: فبايعت، ثم انصرفت.
стр. 6702
وقال الزّبير: ثم بعث إليه رسول الله ﷺ فقال: " إني أردت أن أوجّهك وجهاً، وأرغب لك رغبةً " فقال عمرو: أمّا المال فلا حاجة لي فيه، ووجّهني حيث شئت. فقال رسول الله عليه وسلم: " نعمّا بالمال الصّالح للرّجل الصّالح ". ووجّهه قبل الشّام، وأمره أن يدعو أخوال أبيه العاص من بليّ إلى الإسلام ويستنفرهم إلى الجهاد؛ فشخص عمرو إلى ذلك الوجه، ثم كتب إلى رسول الله ﷺ يستمدّه؛ فأمدّه بجيش فيهم أبو بكر وعمر، وأميرهم أبو عبيدة بن الجّراح. فقال عمرو: إنّما أنتم أميركم. فقال له أبو عبيدة: تعلم يا عمرو أن رسول الله ﷺ عهد إليّ أخالفك. فسلّم له أبو عبيدة، وصلّى خلفه.
عن طلحة بن عبيد الله، قال: سمعت النّبيّ ﷺ وهو يقول: " إن عمرو بن العاص لرشيد الأمر ".
وعن عليّ بن رباح، قال: سمعت عمرو بن العاص يقول: كان في المدينة فزع، فتفرّقوا، فنظرت إلى سالم مولى أبي حذيفة في المسجد، عليه سيف محتبياً به، فلّما نظرت إلى سالم دعوت بسيفي فاحتبيت به إلى جنبه؛ فخرج رسول الله ﷺ فقال: " أيّها النّاس لا يكون فزعكم إلاّ إلى الله ورسوله، ما هذا؟ ألا فعلتم كما فعل هذان الرّجلان المؤمنان؟ ".
عن علقمة بن رمثة، أن رسول الله ﷺ بعث عمرو بن العاص إلى البحرين، فخرج رسول الله ﷺ في سريّة وخرجنا معه، فنعس رسول الله ﷺ ، فاستيقظ، فقال: " يرحم الله عمراً " قال: فتذاكرنا كلّ من اسمه عمرو. فنعس رسول الله صلى الله وسلم، فاستيقظ، فقال: " يرحم الله عمراً " ثم نعس الثّالثة فاستيقظ، فقال: " رحم الله عمراً ".قلنا: يا رسول الله، من عمرو هذا؟ قال: " عمرو بن العاص " قلنا: وما شأنه؟ قال: " كنت إذا ندبت النّاس
стр. 6703
إلى الصّدقة جاء فأجزل منها، فأقول: أنّى لك هذا؟ فقال: من عند الله " قال: " وصدق عمرو إن له عند الله خيراً كثيراً ".
عن عمرو بن العاص، قال: ما عدل بي رسول الله ﷺ وبخالد بن الوليد في حربه منذ أسلمنا أحداً من أصحابه.
عن إسماعيل بن قيس، قال: بعث رسول الله ﷺ عمراً على جيش ذات السّلاسل، إلى لخم وجذام. قال: وكان في أصحابه قلّة. فقال لهم عمرو: لا يوقدنّ أحد منكم ناراً. قال: فشقّ ذلك عليهم، فكلّموا أبا بكر يكلّم لهم عمراً، فكلّمه، فقال: لا يوقد أحد منكم ناراً إلاّ ألقيته فيها. فقاتل العدوّ فظهر عليهم، فاستباح عسكرهم؛ فقال له النّاس: ألا تتبعهم؟ فقال: لا، إني لأخشى أن يكون لهم وراء هذه الجبال مادّة يقتطعون المسلمين. فشكوه إلى النّبيّ ﷺ حين رجعوا، فقال: " صدقوا يا عمرو؟ " فقال له: إنه كان في أصحابي قلة فخشيت أن يرغب العدوّ في قتلهم، فلّما أظهرني الله عليهم قالوا: أنتبعهم؟ فقلت: أخشى أن يكون لهم وراء هذه الجبال مادّة يقتطعون المسلمين؛ فكأن النّبيّ ﷺ حمد أمره؛ فقال عمرو عند ذلك: أيّ النّاس أحب إليك يا رسول الله؟ قال: " لم؟ " قال: لأحبّ من تحبّ. فقال: " أحبّ النّاس إليّ عائشة " فقال: لست أسألك عن النّساء، إنّما أسألك عن الرّجال. فقال: " أبو بكر ".
وعن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص، أنه قال: لّما بعثني رسول الله صلى عليه وسلم عام ذات السّلاسل فاحتلمت في باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيمّمت ثم صلّيت بأصحابي صلاة الصّبح. قال: فلّما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: " يا عمرو صلّيت بأصحابك وأنت جنب؟ " قال: قلت: نعم يا رسول الله ﷺ ، إني احتملت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، وذكرت قول الله: " ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً " فتيممّت ثم صلّيت. فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئاً.
стр. 6704
قال الحسن: قال رجل لعمرو بن العاص: أرأيت رجلاً مات رسول الله ﷺ وهو يحبّه، أليس رجلاً صالحاً؟ قال: بلى. قال: قد مات رسول الله ﷺ وهو يحبّك، وهو استعملك. فقال: قد استعملني، فوالله ما أدري أحبّاً كان لي منه أو استعانةً بي؛ ولكن سأحدّثك برجلين مات وهو يحبّهما، عبد الله بن مسعود وعمّار بن ياسر.
عن مولى لعمرو بن العاص، قال: سمعت عمرو بن العاص يقول: أسلمت عند النّجاشيّ وبايعته على الإسلام، ثم قدمت على رسول الله ﷺ المدينة، فأعلمته أني قدمت راغباً في الهجرة وفي ظهور الإسلام، وأنا أحبّ أن يرى أثري وغناي عن الإسلام وأهله فقد طال ما كنت عوناً. فقال رسول الله ﷺ : " الإسلام يجبّ ما كان قبله، وأنا باعثك في أناس أبعثهم إن شاء الله ". فلمّا كان بعد ذلك بعث رسول الله ﷺ ثمانية نفر سمّاهم، فكنت أنا المبعوث إلى جيفر وعبد ابني الجلندى وكانا من الأزد، والملك منهما جيفر؛ وكتب رسول الله ﷺ معي إليهما كتاباً يدعوهما فيه إلى الإسلام، وكتب أبيّ بن كعب الكتاب وختمه رسول الله ﷺ ، فخرجت حتى قدمت عمان، فعمدت إلى عبد بن الجلندى وكان أحلم الرّجلين وأسهلهما خلقاً فقلت: إني رسول رسول الله ﷺ إليك وإلى أخيك. فقال: أخي المقدّم عليّ بالسّنّ والملك، وأنا أوصلك إليه. فمكثت ببابه أيّاماً ثم وصلت إليه، فدفعت إليه الكتاب مختوماً، ففضّ خاتمه ثم قرأه إلى آخره، ثم دفعه إلى أخيه فقرأه، وقال: يا عمرو أنت ابن سيّد قومك، فكيف صنع أبوك فإن لنا فيه قدوة؟ فقلت: مات ولم يؤمن بمحمد، ووددت أنه كان أسلم وصدّق به، وقد كنت أنا على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام. قال: فمتى تبعته؟ قلت: قريباً. قال: فسألني أين كان إسلامي؟ فقلت: عند النّجاشيّ، وقد أسلم. قال: فكيف صنع قومه بملكه؟ قلت: أقرّوه واتّبعوه. قال: والأساقفة والرّهبان تبعوه؟ قال: قلت: نعم. قال: فأبى أن يسلم، فأقمت أيّاماً ثم قلت: إني خارج غداً. فلمّا أيقن بخروجي أرسل إليّ فأجاب إلى الإسلام، فأسلم هو وأخوه، وصدّقا بالنّبيّ ﷺ ، وخلّيا بيني وبين
стр. 6705
الصّدقة والحكم فيما بينهم، وكانا لي عوناً على من خالفني، فأخذت الصّدقة من أغنيائهم فرددتها على فقرائهم، وأخذت صدقات ثمارهم وما يجزوا به؛ فلم أزل مقيماً حتى بلغنا وفاة رسول الله ﷺ .
عن عمرو عن العاص، قال: بعثني رسول الله ﷺ والياً على عمان، فأتيتها، فخرج إليّ أساقفتهم ورهبانهم فقالوا: من أنت؟ فقلت: عمرو بن العاص بن وائل السّهميّ، رجل من قريش. قالوا: ومن بعثك؟ قلت: رسول الله ﷺ . قالوا: ومن هو؟ قلت: محمد بن عبد الله بن عبد المطّلب، وهو رجل منّا قد عرفناه وعرفنا نسبه، أمرنا بمكارم الأخلاق ونهانا عن مساوئها، وأمرنا أن نعبد الله وحده. قال: فصيّروا أمرهم إلى رجل منهم، فقال لي: هل به من علامة؟ قلت: نعم، لحماً متراكباً بين كتفيه يقال له: خاتم النّبوّة. فقال: فهل يأكل الصّدقة؟ قلت: لا. قال: فهل يقبل الهديّة؟ قلت: نعم، ويثيب عليها. قال: فكيف الحرب بينه وبين قومه؟ فقلت: سجالاً، مرّةً له ومرّةً عليه. قال: فأسلم وأسلموا. ثم قال لي: والله لئن كنت صدقتني لقد مات في هذه اللّيلة؛ أو: لقد أتى على أجله في هذه اللّيلة. قلت: ما تقول؟ قال: والله، لئن كنت صدقتني لقد صدقتك. قال: فمكثت أيّاماً فإذا راكب قد أناخ يسأل عن عمرو بن العاص؛ فقمت إليه مفزوعاً، فناولني كتاباً فإذا عنوانه: من أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ إلى عمرو بن العاص. فأخذت الكتاب ففككته فإذا فيه: " بسم الله الرّحمن الرّحيم "
من أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ إلى عمرو بن العاص: سلام عليك، أمّا بعد: فإن الله بعث نبيّه ﷺ حين شاء، وأحياه
стр. 6706
ما شاء، ثم توفّاه حين شاء، وقد قال في كتابه الصّادق: " إنك ميّت وإنهم ميّتون " وإن المسلمين قلّدوني أمر هذه الأمّة عن غير إرادة منّي ولا محبّة، فأسأل الله العون والتوفيق. فإذا آتاك كتابي فلا تحلّنّ عقالاً عقله رسول الله ﷺ ، ولا تعقلنّ عقالاً حلّه رسول الله ﷺ . والسّلام. فبكيت بكاءً طويلاً، ثم خرجت عليهم فأعلمتهم، فبكوا وعزّوني. فقلت: هذا الذي ولينا من بعده، ما تجدونه في كتابكم؟ قال: يعمل بعمل صاحبه اليسير ثم يموت. قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم يليكم قرن الحديد، فيملأ مشارق الأرض ومغاربها قسطاً وعدلاً، لا تأخذه في الله لومة لائم. قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم يقتل. قال: قلت: يقتل؟ قال: إي والله يقتل. قال: قلت: ومن ملأ أم من غيلة؟ قال: بل غيلة. فكانت أهون عليّ. قال: ثم ماذا؟ وانقطع من كتاب الشّيخ.
عن اللّيث بن سعد، قال: نظر عمر بن الخطّاب إلى عمرو بن العاص يمشي، فقال: ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلاّ أميراً.
عن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم، قال: خرج عمرو بن العاص إلى بطريق غزّة في نفر من أصحابه، عليه قباء عليه صدأ الحديد وعمامةً سوداء وفي يده رمح وعلى ظهره ترس: فلمّا طلع عليه ضحك البطريق، وقال: ما كنت تصنع بحمل السّلاح إلينا؟ قال: خفت أن ألقى دونك فأكون قد فرّطت. فالتفت إلى أصحابه فقال بيده عقد الأنملة على إبهامه، ثم قال: مرحباً بك: وأجلسه معه على سريره، وحادثه، فأطال: ثم كلّمه بكلام كثير، وحاجّه عمروّ ودعاه إلى الإسلام. فلمّا سمع البطريق كلامه وبيانه وأداءه قال بالرّوميّة: يا معشر الرّوم، أطيعوني
стр. 6707
اليوم واعصوني الدّهر، أمير القوم؛ ألا ترون أني كلّما كلّمته كلمةً أجابني عن نفسه؟ لا يقول: أشاور أصحابي، وأذكر لهم ما عرضت عليّ؛ وليس الرّأي إلاّ أن نقتله قبل أن يخرج من عندنا، فتختلف العرب بينها، وينتهي أمرهم، ويعفون من قتالنا. فقال من حوله من الرّوم: ليس هذا برأي. وقد كان دخل مع عمرو بن العاص رجل من أصحابه يعرف كلام الرّوم، فألقى إلى عمرو ما قال الملك؛ ثم قال الملك: ألا تخبرني هل في أصحابك مثلك يلبس ثيابك ويؤدّي أداءك؟ فقال عمرو: أنا أكلّ أصحابي لساناً، وأدناهم أداء؛ وفي أصحابي من لو كلّمته لعرفت أني لست هناك. قال: فأنا أحبّ أن تبعث إليّ رأسكم في البيان والتّقدّم والأداء حتى أكلّمه. فقال عمرو: أفعل. وخرج عمرو من عنده، فقال البطريق لأصحابه: لأخالفنّكم، لئن دخل فرأيت منه ما يقول لأضربنّ عنقه. فلمّا خرج عمرو من الباب كبّر، وقال: لا أعود لمثل هذا أبداً. وأتى منزله، فاجتمع إليه أصحابه يسألونه، فخبّرهم خبره وخبر البطريق، فأعظم القوم ذلك، وحمدوا الله على ما رزق من السّلامة. وكتب عمرو بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: الحمد لله على إحسانه إلينا، وإيّاك والتّغرير بنفسك أو بأحد من المسلمين في هذا أو شبهه، وبحسب العلج منهم أن يكلّم في مكان سواء بينك وبينه، فتأمن غائلته، ويكون أكسر. فلمّا قرأ عمرو بن العاص كتاب عمر، ترحّم عليه، ثم قال: ليس الأب البرّ بولده بأبرّ من عمر بن الخطّاب برعيّته.
عن موسى بن عمران بن مناح، قال: لمّا رأى عمرو بن العاص يوم اليرموك صاحب الرّاية ينكشف بها، أخذها، ثم جعل يتقدّم وهو يصيح: إليّ يا معاشر المسلمين؛ فجعل يطعن بها قدماً وهو يقول: اصنعوا كما أصنع؛ حتى إنه ليرفعها وكأن عليها ألسنة المطر من العلق.
стр. 6708
قال خليفة: وفي هذه السّنة يعني سنة ست عشرة افتتحت حلب وأنطاكية ومنبج.
وقال: إن أبا عبيدة بعث عمرو بن العاص بعد فراغه من اليرموك إلى قنّسرين فصالح أهل حلب وكتب لهم كتاباً. وقال: وولّى عمر عمرو بن العاص فلسطين والأردنّ، وكتب إليه عمر، فسار إلى مصر فافتتحها. وقال: إن عمر كتب إلى عمرو بن العاص أن سر إلى مصر، فسار، وبعث عمر الزّبير بن العوّام مدداً له، ومعه عمر بن وهب الجمحيّ وبسر بن أبي أرطاة وخارجة بن حذافة، حتى أتى باب اليون فامتنعوا، فافتتحها عنوة، وصالحه أهل الحصن. وكان الزّبير أوّل من ارتقى سور المدينة ثم اتّبعه النّاس بعد؛ فكلّم الزبير عمرو بن العاص أن يقسمها بين من افتتحها؛ فكتب عمرو إلى عمر فكتب عمر: أكلة وأكلات خير من أكلة، أقرّوها.
عن أبي العالية، قال: سمعت عمرو بن العاص على المنبر يقول: لقد قعدت مقعدي هذا وما لأحد من قبط مصر عليّ عهد ولا عقد، إن شئت قتلت وإن شئت بعت وإن شئت خمّست، إلاّ أهل أنطابلس فإن لهم عهداً نوفي به.
стр. 6709
قال يعقوب: ثم كان فتح الإسكندرية الأول، وأميرها عمرو بن العاص سنة ثنتين وعشرين؛ وغزوة عمرو بن العاص أطرابلس الغرب سنة ثلاث وعشرين؛ ثم كان فتح الإسكندرية الأخيرة أميرها عمرو بن العاص سنة خمس وعشرين.
قال عمرو بن العاص: خرج جيش من المسلمين أنا أميرهم حتى نزلنا الإسكندرية، فقال عظيم من عظمائهم: أخرجوا إلىّ رجلاً أكلّمه ويكلّمني. فقلت: لا يخرج إليه غيري. فخرجت معي ترجمان ومعه ترجمان حتى وضع لنا منبران؛ فقال: ما أنتم؟ قلت: نحن العرب، ومن أهل الشّوك والقرظ، ونحن أهل بيت الله، كنّا أضيق النّاس أرضاً وشرّه عيشاً، نأكل الميتة والدّم، ويغير بعضنا على بعض، كنّا بشر عيش عاش به النّاس، حتى خرج فينا رجل ليس بأعظمنا يومئذ شرفاً ولا أكثرنا مالاً، وقال: أنا رسول الله إليكم؛ يأمرنا بما لا نعرف وينهانا عمّا كنّا عليه آباؤنا، فشنفنا له وكذّبناه، ورددنا عليه مقالته، حتى خرج إليه قوم من غيرنا فقالوا: نحن نصدّقك ونؤمن بك ونتّبعك ونقاتل من قاتلك؛ فخرج إليهم، وخرجنا إليه، وقاتلناه فقتلنا وظهر علينا وغلبنا، وتناول من يليه من العرب فقاتلهم حتى ظهر عليهم، فلو يعلم من ورائي ما أنتم فيه من العيش لم يبق أحد إلاّ جاءكم حتى يشرككم فيما أنتم فيه من العيش. فضحك ثم قال: إن رسولكم قد صدق، وقد جاءتنا رسلنا بمثل الذي جاء به رسولكم، وكنّا عليه حتى ظهرت فينا ملوك فجعلوا يعلمون فينا بأهوائهم ويتركون أمر رسولكم، فإن أنتم أخذتم بأمر نبيّكم لم يقاتلكم أحد إلاّ غلبتموه، ولم يسارقكم أحد إلاّ ظهرتم عليه؛ فإذا فعلتم مثل الذي فعلنا فتركتم أمر نبيّكم، وفعلتم بمثل الذي عملوا بأهوائهم، وخلّي بيننا وبينكم، لم تكونوا أكثر عدداً منّا ولا أشدّ منّا قوّةً. قال عمرو بن العاص: فما كلّمت رجلاً قطّ أذكى منه.
стр. 6710
قال ربيعة بن لقيط: سمعت عمرو بن العاص وهو يصلّي باللّيل، وهو يبكي ويقول: أللهم إنك آتيت عمراً مالاً فإن كان أحبّ إليك إن تسلب عمراً ماله ولا تعذّبه بالنّار فاسلبه ماله؛ وإنك آتيت عمراً أولاداً فإن كان أحبّ إليك أن تثكل عمراً ولده ولا تعذّبه بالنّار فأثكله ولده؛ وإنك آتيت عمراً سلطاناً فإن كان أحبّ إليك أن تنتزع منه سلطانه ولا تعذّبه بالنّار فانزع منه سلطانه.
عن الزّهريّ، قال: توفّى الله عمر، واستخلف عثمان، فنزع عمرو بن العاص عن مصر وأمّر عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
وعن عبد الوهاب بن يحيى بن عبد الله الزّبير، عن أشياخه: أن الفتنة وقعت وما رجل من قريش له نباهة أعمامها من عمرو بن العاص. قال: ومازال معتصماً بمكة ليس في شيء ممّا فيه النّاس، حتى كانت وقعة الجمل؛ فلّما حانت وقعة الجمل بعث إلى ابنيه عبد الله ومحمد ابني عمرو فقال لهما: إني قد رأيت رأياً، ولستما باللّذين تردّاني ولكن أشيراً عليّ؛ إني رأيت العرب صاروا غارين يضطربان، وأنا طارح نفسي بين جزّاري مكة، ولست أرضي بهذه المنزلة، فإلى أيّ الفريقين أعمد؟ فقال له عبد الله ابنه: إن كنت لا بدّ فاعلاً فإلى عليّ. فقال عمرو: ثكلتك أمّك، إني إن أتيت عليّاً قال لي: إنّما أنت رجل من المسلمين؛ وإن أتيت معاوية يخلطني بنفسه ويشركني في أمره. فأتى معاوية.
عن الوليد البلخيّ، قال: فلّما انتهى كتاب معاوية إلى عمرو بن العاص استشار ابنيه عبد الله ومحمداً ابني عمرو فقال: إنه قد كانت مني في عثمان هنات لم أستقلّها بعد، وقد كان منّي نفسي حيث ظننت أنه مقتول ماقد أحتمله؛ وقد قدم جرير على معاوية فطلب البيعة لعلّي، وقد
стр. 6711
كتب إليّ معاوية يسألني أن أقدم عليه فما تريان؟ فقال عبد الله بن عمرو: يا أبه، إن رسول الله ﷺ قبض وهو عنك راض، والخليفتان من بعده، وقتل عثمان وأنت عنه غائب، فأقم في منزلك فلست مجعولاً خليفة، ولا تريد أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة فانية. فقال محمد: يا أبه، أنت شيخ قريش وصاحب أمرها، وإن تصرّم هذا الأمر وأنت فيه خامل خملت، فالحق بجماعة أهل الشام والطلب بدم عثمان. فقال عمرو: أما أنت يا عبد الله فأمرتني بما هو خير لي في ديني، وأما أنت يا محمد فأمرتني بما هو خير لي في دنياي. فلّما جنّ عليه اللّيل أرق في فراشه ذلك، وجعل يتفكر فيما يريد، أي الأمرين يأتي؟ ثم أنشأ يقول: من الطويل
تطاول ليلي للهموم الطّوارق ... وخوف التي تجلو وجوه العوائق
وإن ابن هند سألني أن أزوره ... وتلك التي فيها عظام البوائق
أتاه جرير من عليّ بخطّة ... أمرّت عليها العيش، ذات مضايق
فوالله ما أدري وما كنت هكذا ... أكون ومهما أن أرى فهو سابقي
أخادعه والخدع فيه دنيّة ... أم اعطيه من نفسي نصيحة وامق
أم اقعد في بيتي وفي ذاك راحة ... لشيخ يخاف الموت في كلّ شارق
وقد قال عبد الله قولاً تعلّقت ... وإني لصلب الرّأي عند الحقائق
فلّما أصبح عمرو دعا غلامه وردان فقال: ارحل يا وردان، حطّ يا وردان مرتين أو ثلاثاً فقال له وردان: خلطت يا أبا عبد الله، أما إنك إن شئت أنباتك بما في نفسك. قال: هات. قال: اعترضت الدّنيا والآخرة على قلبك فقلت: عليّ معه الآخرة، وفي الآخرة عوض من الدّنيا، ومعاوية معه الدّنيا بلا آخرة، وليس في الدّنيا عوض من الآخرة، فأنت متحّير بينهما. فقال له عمرو: قاتلك الله، يا وردان والله ما أخطأت، فما ترى؟ قال: أرى أن تقيم في منزلك؛ فإن ظهر أهل الدّين عشت في عفو دينهم، وإن ظهر أهل الدّنيا لم يستغنوا عنك. فقال له عمرو: الآن حين شهرني النّاس بمسيري أقيم؟ فارتحل إلى معاوية.
стр. 6712
عن عبد الله بن معقل، قال: قال رسول الله ﷺ : " الله الله في أصحابي، لا تتّخذهم غرضاً من بعدي؛ فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم؛ ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن الله يوشك أن يأخذه ".
عن أبي هشام الرّماني، عن من حدّثه، قال: كتب عليّ بن أبي طالب عمرو بن العاص، فلّما أتى الكتاب أقرأه معاوية وقال: قد ترى ما كتب إليّ عليّ بن أبي طالب، فإمّا أن ترضني وإمّا أن ألحق به. فقال له معاوية: فما تريد؟ قال: أريد مصر مأكلةً. فجعلها له معاوية كما أراد.
عن سويد عن غفلة، قال: إني لأمشي مع عليّ بشطّ الفرات، فقال: قال رسول الله ﷺ : " إن بني إسرائيل اختلفوا، فلم يزل اختلافهم بينهم حتى بعثوا حكمين فضلاً وأضلاّ، وإن هذه الأمّة ستختلف فلا يزال اختلافهم بينهم حتى يبعثوا حكمين؛ ضلاّ وضلّ من اتّبعهما.
عن عمرو بن محمد، عن رجل، قال: دعا معاوية بن أبي سفيان عمرو بن العاص، وهو متحزّم عليه ثيابه وسيفه، وحوله إخواته وأناس من قريش؛ يا عمرو، إن أهل الكوفة أكرهوا عليّاً على أبي موسى وهو لا يريده، ونحن بك راضون، وقد ضمّ إليك رجل طويل اللّسان كليل المدية، وله بعد حظّ من دين؛ فإذا قال فدعه فليقل، ثم قل وأوجز واقطع المفصل، ولا تلقه بكلّ رأيك، واعلم أن خفيّ الرّأي زيادة في العقل؛ فإن خوّفك بأهل العراق فخوّفه بأهل الشّام، وإن خوّفك بعليّ فخوّفه بمعاوية، وإن خوّفك بمصر فخوّفه باليمن، وإن أتاك بالتفسير فأته بالحمل. قال له عمرو: يا أمير المؤمنين، أنت وعليّ رجلا قريش، ولم يقل في حربك ما رجوت ولم تأمن ما خفت؛ ذكرت أن لعبد الله ديناً، وصاحب الدّين منصور، وايم الله لأفنينّ علله ولأستخرجن خبيئه، ولكن إن جاءني بالإيمان والهجرة ومناقب عليّ فما عسيت أن أقول؟ فقال معاوية: قل ما ترى. فقال عمرو: فهل تدعني وما ترى؟ وخرج مغضباً، فقال لأصحابه: إنّما أراد معاوية أن يصغّر أبا موسى لأنه علم أني خادعه غداً،
стр. 6713
فأحبّ أن يقول: لم يخدع أريباً؛ فقد كذّبته بالخلاف عليه. وقال في ذلك شعراً: من الوافر
يشجّعني معاوية بن حرب ... كأنّي للحوادث مستكين
وأني عن معاوية غنيّ ... بحمد الله والله المعين
وهوّن أمر عبد الله عمرو ... وقال له على ما ذاك دين
فقلت له ولم أردد عليه ... مقالته وللشّكوى أنين
ترى أهل العراق يدبّ عنهم ... وعن حرماتهم رجل مهين
فإن جهلوه لم يجهل عليّ ... وغبّ القول يحمله السّمين
ولكن خطبه فيهم عظيم ... وفضل المرء فيهم مستبين
فإن أظفر فلم أظفر بوغد ... وإن يظفر فقد قطع الوتين
قال: فلمّا بلغ معاوية شعره غضب من ذلك، وقال: لولا مسيره كان لي فيه رأي. فقال عبد الرّحمن بن أم الحكم: أما والله إن أمثاله من قريش لكثير، ولكنك ألزمت نفسك الحاجة إليه، فألزمها الغنى عنه. فقال معاوية: فأجبه. فقال عبد الرّحمن: من الوافر
ألا يا عمرو عمرو قبيل سهم ... أمن طبّ أصابك ذا الجنون؟
دع البغي الذي أصبحت فيه ... فإن البغي صاحبه لعين
ألم تهرب بنفسك من عليّ ... بصفّين وأنت بها ضنين
حذاراً أن تلاقيك المنايا ... وكل فتى سيدركه المنون
ولسنا عاتبين عليك إلاّ ... لقولك: إنني لا أستكين
عن عمرو بن الحكم، قال: لمّا التقى النّاس بدومة الجندل قال ابن عبّاس للأشعريّ: احذر عمراً فإنّما يريد أن يقدّمك ويقول: أنت صاحب رسول الله ﷺ وأسنّ منّي؛ فكن متدبّراً لكلامه.
стр. 6714
فكان إذا التقيا يقول عمرو: إنك صحبت رسول الله ﷺ قبلي وأنت أسنّ منّي فتكلّم ثم أتكلّم. وإنّما يريد عمرو أن يقدّم أبا موسى في الكلام ليخلع عليّاً، فاجتمعا على أمرهما فأداره عمرو على معاوية فأبى، وقال أبو موسى: عبد الله بن عمرو. فقال عمرو: أخبرني عن رأيك. فقال أبو موسى: أرى أن نخلع هذين الرّجلين ونجعل هذا الأمر شورى بين المسلمين فيختاروا لأنفسهم من أحبّوا. قال عمرو: الرّأي ما رأيت. فأقبلا على النّاس وهم مجتمعون، فقال له عمرو: يا أبا موسى، أعلمهم بأن رأينا قد اجتمع. فتكلّم أبو موسى: إنّ رأينا قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح به أمر هذه الأمّة. فقال عمرو: صدق وبرّ، ونعم النّاظر للإسلام وأهله، فتكلّم يا أبا موسى. فأتاه ابن عبّاس فخلا به فقال: أنت في خدعة، ألم أقل لك لا تبدأه وتعقّبه، فإنّي أخشى أن يكون أعطاك أمراً خالياً ثم نزع عنه على ملأ من النّاس واجتماعهم. فقال الأشعريّ: لاتخشى ذلك، قد اجتمعنا واصطلحنا. فقام أبو موسى فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيّها النّاس، قد نظرنا في أمر هذه الأمّة فلم نر شيئاً هو أصلح لأمرها ولا ألمّ لشعثها من أن لا نبتزّ أمورها ولا نعصبها حتى يكون ذلك عن رضىً منها وتشاور، وقد اجتمعنا أنا وصاحبي على أمر واحد، على خلع عليّ ومعاوية، وتستقبل هذه الأمّة هذا الأمر فيكون شورى بينهم يولّون منهم من أحبّوا عليهم، وإنّي قد خلعت عليّاً ومعاوية، فولّوا أمركم من رأيتم. ثم تنحّى. وأقبل عمرو بن العاص، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن هذا قد قال ما قد سمعتم، وخلع صاحبه، وإنّي أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبت صاحبي معاوية، فإنه وليّ ابن عفّان والطّالب بدمه وأحقّ النّاس بمقامه. فقال سعد بن أبي وقّاص: ويحك يا أبا موسى ما أضعفك عن عمرو ومكايده. فقال أبو موسى: فما أصنع؟ جامعني على أمر ثم نزع عنه. فقال ابن عبّاس: لاذنب لك يا أبا موسى، الذّنب لغيرك، للّذي قدّمك في هذا المقام. فقال أبو موسى: رحمك الله، غدرني، فما أصنع؟
стр. 6715
وقال أبو موسى لعمرو: إنّما مثلك كالكلب " إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ". فقال عمرو: إنّما مثلك مثل " الحمار يحمل أسفاراً ". فقال ابن عمر: إلام صيّرت هذه الأمّة؟ إلى رجل لا يبالي ما صنع، وآخر ضعيف. وقال عبد الرّحمن بن أبي بكر: لو مات الأشعريّ من قبل هذا كان خيراً له.
وعن عبد الواحد بن أبي عوف، قال: لمّا صار الأمر في يدي معاوية استكثر طعمة مصر لعمرو بن العاص ما عاش؛ ورأى عمرو أن الأمر كلّه قد صلح به وبتدبيره وعنائه وسعيه فيه، وظنّ أن معاوية سيزيده الشّام مع مصر، فلم يفعل معاوية؛ فتنكّر عمرو لمعاوية فاختلفا وتغالظا وتميّز النّاس وظنّوا أنه لا يجتمع أمرهما، فدخل بينهما معاوية بن خديج فأصلح أمرهما، وكتب بينهما كتاباً، وشرط فيه شروطاً لمعاوية وعمرو خاصّة وللنّاس عامّة، وأن لعمرو ولاية مصر سبع سنين، وعلى أن على عمرو السّمع والطّاعة لمعاوية. وتواثقا وتعاهدا على ذلك، وأشهدا عليهما به شهوداً؛ ثم مضى عمرو بن العاص على مصر والياً عليها وذلك في آخر سنة تسع وثلاثين، فوالله ما مكث بها إلاّ سنتين أو ثلاثاً حتى مات.
عن عبد الله بن عمرو، قال وذكر معاوية: والله لأبي أقدم صحبةً، وكان أحبّ إلى رسول الله ﷺ ، ولكن كرهنا الفرقة.
وعن عبد الكريم بن راشد، أن عمر بن الخطّاب قال: يا أصحاب محمد تناصحوا، فإنكم إن لم تفعلوا ذلك غلبكم عليها عمرو بن العاص ومعاوية.
قال شعيب بن يعقوب: اجتمع معاوية وعمرو بن العاص، فقال معاوية: من النّاس؟ قال: أنا وأنت ومغيرة وزياد. قال: وكيف ذلك؟ فقال: أنت للتّأنّي، وأمّا أنا فللبديهة، وأما مغيرة
стр. 6716
فللمعضلات، وأما زياد فللصّغير والكبير. قال له معاوية: أما ذانك فقد غابا، فهات قولك: أنا للبديهة؛ وأما أنا فللأناة، فهات بديهتك. قال: وتريد ذاك؟ قال: نعم. قال: فأخرج من عندك. فأمرهم فخرجوا حتى لم يبق في البيت غيرهما. قال: فقال عمرو: يا أمير المؤمنين أسارّك. قال: فأدنى رأسه منه. قال: هذا من ذلك، ومن معنا في البيت حتى أسارّك؟ عن محمد بن سلاّم الجمحيّ، قال: كان عمر بن الخطّاب إذا رأى الرّجل يتلجلج في كلامه، قال: خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد.
عن قبيصة بن جابر، قال: صحبت عمر بن الخطّاب فما رأيت رجلاً أقرأ لكتاب الله، ولا أفقه في دين الله، ولا أحسن مداراةً منه؛ وصحبت طلحة بن عبيد الله فما رأيت رجلاً أعطى لجزيل عن غير مسألة منه؛ وصحبت معاوية بن أبي سفيان فما رأيت رجلاً أثقل حلماً منه؛ وصحبت عمرو بن العاص فما رأيت رجلاً أبين أو قال: أنصع طرفاً منه، ولا أكرم جليساً، ولا أشبه سريرة بعلانية منه؛ وصحبت المغيرة بن شعبة، فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلاّ بالمكر لخرج من أبوابها كلّها.
وعن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، قال: كان عمرو بن العاص يسرد الصّوم، وقلّ ما يصيب من العشاء، وأكثر ذلك كان يصيب من السّحر؛ فسمعته يقول: قال رسول الله ﷺ : " إن فصل بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السّحر ".
وعن أبي عمران الفلسطينيّ، قال: بينما امرأة عمرو بن العاص تفلي رأسه إذ نادت جارية لها فأبطأت عنها، فقالت: يا زانية. فقال عمرو: رأيتها تزني؟ قالت: لا. قال: والله لتضربنّ لها يوم القيامة ثمانين سوطاً. فقالت لجاريتها وسألتها تعفو، فعفت عنها، فقالت: هل يجزيء عنّي؟ فقال لها: وما لها ألاّ تعفو وهي تحت يدك؟ فأعتقتها. فقالت: هل يجزيء عنّي ذلك؟ قال: فلعلّ.
стр. 6717
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، قال: وقع بين المغيرة بن شعبة وبين عمرو بن العاص كلام في الوهط، فسبّه المغيرة؛ فقال عمرو بن العاص: يال هصيص، يسبّني المغيرة! فقال له عبد الله ابنه: " إنّا لله وإنّا إليه راجعون " أدعوة القبائل وقد نهى رسول الله ﷺ عنها؟ فأعتق يعني عمرو بن العاص ثلاثين رقبة.
وعن عمرو بن دينار، قال: كان عمرو بن العاص يقيم كروم الوهط بألف ألف خشبة، كلّ خشبة بدرهم.
وعن المدائنيّ، قال: قال عمرو بن العاص: أربعة لا أملّهم أبداً؛ جليسي ما فهم عنّي، وثوبي ما سترني، ودابّتي ما حملتني، وامرأتي ما أحسنت عشرتي.
عن ابن الأعرابيّ، قال: قال عمرو بن العاص لعبد الله ابنه: يا بنيّ، سلطان عادل خير من مطر وابل، وأسد حطوم خير من سلطان ظلوم، وسلطان غشوم ظلوم خير من فتنة تدوم؛ يا بنيّ، زلّة الرّجل عظم يجبر؛ وزلّة اللّسان لا تبقي ولا تذر؛ يا بنيّ، استراح من لا عقل له. فأرسلها مثلاً.
قال الأصمعيّ: قال عمرو بن العاص لمعاوية بن أبي سفيان: يا أمير المؤمنين، لا تكوننّ لشيء من أمر رعيّتك أشدّ تعهداً منك لخصاصة الكريم حتى تعمل في سدّها، ولطغيان اللّئيم حتى تعمل في قمعه؛ واستوحش من الكريم الجائع ومن اللّئيم الشّبعان؛ فإن الكريم يصول إذا جاع، واللّئيم يصول إذا شبع.
وقال الأصمعيّ: قال معاوية لعمرو بن العاص: ما البلاغة؟ قال: من ترك الفضول واقتصر على
стр. 6718
الإيجاز. قال: فمن أصبر النّاس؟ قال: من كان في رأيه رادّاً لهواه. قال: فمن أسخى النّاس؟ قال: من بذل دنياه في صلاح دينه. قال: فمن أشبع النّاس؟ قال: من ردّ جهله بحلمه.
أنشد الحربيّ يعني إبراهيم بن إسحاق لعمرو بن العاص: من الطويل
إذا المرء لم يترك طعاماً يحبّه ... ولم يعص قلباً غاوياً حيث يمّما
قضى وطراً منه يسيراً وأصبحت ... إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما
قال هلال بن لاحق: قال عمرو بن العاص: ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشرّ، ولكنه الذي يعرف خير الشّرّين؛ وليس الواصل الذي يصل من وصله، ولكنه الذي يصل من قطعه.
عن عليّ بن عبد الله بن سفيان، قال: قال معاوية بن أبي سفيان لعمرو بن العاص: ما السّرور يا أبا عبد الله؟ قال: الغمرات ثم تنجلي.
وقال عمرو بن العاص: نكح العجز التّواني فولد منه النّدامة. وقال: عجبت من الرّجل يفرّ من القدر وهو مواقعه، ومن الرّجل يرى القذاة في عين أخيه ويدع الجذع في عينه، ومن الرّجل يخرج الضّغن من نفس أخيه ويدع الضّغن في نفسه، وما تقدّمت على أمر فلمت نفسي على تقدّمي عليه، وما وضعت سرّي عند أحد فلمته على أن أفشاه، وكيف ألومه وقد ضقت به؟ وقال وهو في الموت: اللهم لا ذو قوّة فأنتصر، ولا ذو براءة فأعتذر، اللهم إنّي مقرّ يذنبي مستغفر.
عن الحسن، قال: لمّا احتضر عمرو بن العاص نظر إلى صناديق، فقال: من يأخذها بما فيها؟
стр. 6719
ياليته كان بعراً؛ ثم أمر الحرس فأحاطوا بقصره، فقال بنوه: ما هذا؟ فقال: ما ترون هذا يغني عنّي شيئاً.
عن عوانة بن الحكم، قال: كان عمرو بن العاص يقول: عجباً لمن نزل به الموت وعقله معه كيف لا يصفه! ؛ فلما نزل به قال له ابنه عبد الله بن عمرو: يا أبت، إنك كنت تقول: عجباً لمن نزل به الموت وعقله معه كيف لا يصفه، فصف لنا الموت وعقلك معك. فقال: يا بنيّ، الموت أجل من أن يوصف، ولكنّي سأصف لك منه شيئاً؛ أجدني كأن على عنقي جبال رضوى، وأجدني كأن في جوفي شوك السّلاّء، وأجدني كأن نفسي يخرج من ثقب إبرة.
حدّث محمد بن زياد: أن عمرو بن العاص حين حضره الموت، قال: اللهم إنك أمرتنا بأشياء فتركناها، ونهيتنا عن أشياء فأتيناها؛ ثم قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله ثم قبض عليها بيده اليمنى وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ثم قبض عليها بيده اليسرى قال: فقبض وإن يداه لمقبوضتان.
عن الحسن، قال: بلغني أن عمرو بن العاص لمّا كان عند الموت دعا حرسه فقال: أيّ صاحب كنت لكم؟ قالوا: كنت لنا صاحب صدق، تكرمنا، وتعطينا، وتفعل، وتفعل. قال: إنّما كنت أفعل ذلك لتمنعوني من الموت، ها هو ذا قد نزل بي، فاغنوه عنّي. فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقالوا: والله ما كنّا نحسبك تكلّم بالعوراء؛ يا أبا عبد الله، قد علمت أنّا لا نغني عنك من الموت شيئاً. فقال: أما والله لقد قلتها، وإني لأعلم أنكم لا تغنون عنّي من الموت شيئاً، ولكن والله لأن أكون لم أتّخذ منكم رجلاً قطّ
стр. 6720
يمنعني من الموت أحبّ إليّ من كذا وكذا؛ فيا ويح ابن أبي طالب إذ يقول: حرس امرءاً أجله. ثم قال عمرو: اللهم، لا بريء فأعتذر، ولا عزيز فأنتصر، وإلاّ تدركني منك برحمة أكن من الهالكين.
وعن عبد الله بن عمرو: أنه حدّث أن أباه أوصاه، قال: يا بنيّ، إذا متّ فاغسلني غسلةً بالماء، ثم جفّفني في ثوب؛ ثم اغسلني الثّانية بماء قراح، ثم جفّفني في ثوب؛ ثم اغسلني الثّالثة بماء فيه شيء من كافور، ثم جفّفني في ثوب؛ ثم إذا ألبستني الثّياب فأزرّ عليّ فإني مخاصم؛ ثم إذا حملتني على السّرير فامش بي مشياً بين المشيتين، وكن خلف الجنازة فإن مقدّمها للملائكة وخلفها لبني آدم، فإذا أنت وضعتني في القبر فسنّ عليّ التراب سنّاً؛ ثم قال: اللهم إنك أمرتنا فأطعنا، ونهيتنا فركبنا، فلا بريء فأعتذر ولا عزيز فأنتصر، ولكن لا إله إلاّ أنت. ما زال يقولها حتى مات.
توفي عمرو بن العاص يوم الفطر بمصر سنة ثلاث وأربعين وهو وال عليها.
وقيل: سنة اثنتين وأربعين. وقيل: سنة إحدى وخمسين. وقيل: سنة ثمان وخمسين.
عمرو بن عامر السّلميّ
شاعر، وفد على معاوية.
ذكر جعفر بن شاذان، قال: وفد عمرو بن عامر السّلميّ على معاوية، فدخل وهو يرعش كبراً، فقال له
стр. 6721
معاوية: كيف تجدك يا عمرو؟ قال: أحببت النّساء وكنّ الشّقاء، وفقدت المطعم وكان المنعم، وثقلت على وجه الأرض، وقرب بعضي من بعض، فنومي سبات، وفهمي هنات، وسمعي تارات. قال: فهل قلت في ذلك شعراً؟ قال: نعم؛ فأنشد: من الطويل
إذا ذهب القرن الذي أنت فيهم ... وخلّفت في قرن فأنت غريب
وما للعظام الباليات من البلى ... شفاء، ولا للرّكبتين طبيب
وإنّ امرءاً قد سار تسعين حجّةً ... إلى منهل من ورده لقريب
فقال له معاوية: فما تحبّ؟ قال: عشرة آلاف درهم أقضي بها ديني، وعشرة آلاف درهم أقسمها في أهلي، وعشرة آلاف درهم أنفقها في بقيّة عمري. فقال له معاوية: فصرفت لك بكل عشرة مئةً. وأطلق له ثلاثمئة ألف درهم؛ فقبضها ورحل.
عمرو بن عبد الله بن رافع
ابن عمرو الطّائيّ، الحجراويّ
عمرو بن عبد الله بن أبي شعيرة
ويقال: عمرو بن عبد الله بن عليّ بن أحمد بن ذي يحمد أبو إسحاق الهمدانيّ، السّبيعيّ، الكوفيّ رأى عليّاً وأسامة بن زيد والمغيرة بن شعبة، وغزا الرّوم في أيّام معاوية مع عبد الرّحمن بن خالد بن الوليد، وقدم على معاوية.
стр. 6722
روى عن البراء بن عازب، قال: صلّينا إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم صرفنا إلى القبلة.
قال سفيان: قيل للنّبيّ ﷺ : كيف تصنع بمن مضى من أصحابنا يعني: من قد صلّى إلى بيت المقدس فمات؟ قال: فنزلت " وما كان الله ليضيع إيمانكم " يعني: صلاتكم. وعنه، قال: سمعت النّبيّ ﷺ إذا أخذ مضجعه، قال: " اللهم إليك أسلمت نفسي، وإليك وجّهت وجهي، وإليك فوّضت أمري، وإليك ألجأت ظهري، رغبةً ورهبةً؛ لا ملجأ ولا منجى منك إلاّ إليك؛ آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبرسولك أو: بنبيّك الذي أرسلت ". فإن مات مات على الفطرة.
عن أبي بكر بن عيّاش، قال: سمعت أبا إسحاق يقول: سألني معاوية: كم كان عطاء أبيك؟ قال: قلت: ثلاثمئة. ففرض لي ثلاثمئة، وكذلك كانوا يفرضون في مثل عطاء أبيه. قال أبو بكر: فأدركت أبا إسحاق وقد بلغ عطاؤه ألف درهم من الزّيادة. وكان أبو إسحاق يقول: ولدت زمن عثمان ﵁.
عن عبد الكريم، عن أبيه، قال: أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السّبيعيّ، كوفيّ ثقة.
قال أبو نعيم: قدم أصبهان في اجتيازه إلى خراسان، من كبار تابعي أهل الكوفة، روى عن أربعة وثلاثين نفساً من الصّحابة، وكان مولده لسنتين بقيتا من خلافة عثمان بن عفّان
стр. 6723
رضي الله عنه، ومات سنة سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع وعشرين ومئة وهو ابن تسعين سنة، وصلّى عليه الصّقر بن عبد الله عامل ابن هبيرة، كان يكابد اللّيل متهجّداً أربعين سنةً، فلمّا ضعف وبدن كان يصلّي قائماً فيقرأ في الرّكعة الواحدة بسورة البقرة وآل عمران وهو قائم.
قال أبو إسحاق: قال أبي: فانظر إلى أمير المؤمنين. فإذا هو على المنبر شيخ أبيض الرّأس واللّحية، أجلح، ضخم البطن، ربعة، عليه إزار ورداء وليس عليه قميص، ولم يرفع يديه. قال: فقال رجل: يا أبا إسحاق، أقنت؟ قال: لا. وقال: غزوت في زمن زياد ستّاً أو سبع غزوات. وقال: ما أقلّت عيني غمضاً منذ أربعين سنة.
عن الحسن بن ثابت، قال: سمعت الأعمش يعجب من حفظ أبي إسحاق لرجاله الذين يروي عنهم.
قال أبو داود الطيالسي: قال رجل لشعبة: سمع أبو إسحاق من مجاهد؟ قال: ما كان يصنع هو بمجاهد؟ كان هو أحسن حديثاً من مجاهد ومن الحسن وابن سيرين. قال: وسمعت أبي يقول: أبو إسحاق السّبيعيّ ثقة، وأحفظ من أبي إسحاق الشّيبانيّ، ويشبّه بالزّهريّ في كثرة الرّواية، واتّساعه في الرّجال.
стр. 6724
وعن عبد الله، قال: كان أبو إسحاق يحرّض الشّباب، يقول: ما أستطيع أن أستوي قائما حتى أعتمد على رجلين، وإذا اعتدلت قائماً قرأت بألف آية.
وقال أبو إسحاق: قد كبرت وصغرت، ما أصوم إلاّ ثلاثة أيّام من الشّهر، والاثنين والخميس، والأشهر الحرم.
قال أبو عبد الله بن حنبل: أبو إسحاق والأعمش رجلا أهل الكوفة.
وقال يعقوب: أبو إسحاق رجل من التّابعين، وهو ممّن يعتمد النّاس عليه في الحديث، هو والأعمش، إلاّ أنهما وسفيان يدلّسون، والتّدليس أمر قديم. توفي سنة ستّ أو سبع وعشرين ومئة، وقيل: سنة ثمان وعشرين ومئة، وقيل: سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين ومئة.
عمرو بن عبد الله بن صفوان
ابن عمرو النّصريّ والد أبي زرعة الحافظ حدّث عن أيوب بن سويد، بسنده إلى واثلة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " من أعتق مسلماً كان فكاكه من النّار بكلّ عضو عضواً ".
وعن مروان بن محمد، بسنده إلى عمر بن الخطّاب، قال: قال رسول الله ﷺ : " من ساءته سيئته وسرّته حسنته فهو مؤمن ".
حكى أبو الفضل المقدسيّ، عن غيره؛ أن مولده سنة ثمان أو تسع وستين ومئة.
стр. 6725
قال أبو زرعة: وكنّا نختلف مع أبي إلى الوليد بن النّضر، ومحمد بن خالد بن حازم بالرّملة سنة إحدى عشرة ومئتين، والفريابيّ يومئذ باق.
عمرو بن عبد الله ابن الوليد
ابن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأمويّ
عمرو بن عبد الأعلى بن عمرو
ابن عبد الأعلى بن مسهر أبو عثمان الغسّانيّ
كان شيخاً أعور، مات سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمئة.
عمرو بن عبد الرحمن دحيم
ابن إبراهيم بن عمرو بن ميمون أبو الحسن القرشيّ حدّث عن محمد بن مصفّى، بسنده إلى أبي ذرّ، قال: قلت: يا رسول الله، أيّ المسلمين أسلم؟ قال: " من سلم النّاس من لسانه ويده ".
следующие страницы →