Полный текст (10 576 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.
стр. 6756
فأجابوني إلاّ رجلاً منهم قال: يا عمرو بن مرّة أمرّ الله عيشك أتأمرني برفض آلهتنا، وأن نفرّق جمعنا، وأن نخالف دين آبائنا الشّيم العلى إلى ما يدعونا إليه هذا القرشيّ من أهل تهامة؟ لاحباء ولا كرامة. ثم أنشأ الخبيث يقول: من الكامل
إنّ ابن مرّة قد أتى بمقالة ... ليست مقالة من يريد صلاحا
إني لأحسب قوله ممّن وفعاله ... يوماً وإن طال الزّمان ذباحا
ليسفّه الأشياخ ممّن قد مضى ... من رام لا أصاب فلاحا
قال: فقال عمرو: الكاذب منّي ومنك أمرّ الله عيشه، وأبكم لسانه، وأكمه أسنانه.
قال: فوالله مامات حتى سقط فوه، وعمي، وخرف، وكان لا يجد طعم الطّعام؛ فخرج عمرو بمن أسلم من قومه حتى أتوا النّبيّ ﷺ فحيّاهم ورحبّ بهم، وكتب لهم كتاباً هذه نسخته: " بسم الله الرحمن الرّحيم " هذا كتاب من الله العزيز على لسان رسوله بحقّ صادق وكتاب ناطق، مع عمرو بن مرّة لجهينه بم زيد، أن لكم بطون الأرض وسهولها، وتلاع الأودية وظهورها؛ على أن ترعوا نباتها وتشربوا ماءها، على أن تؤدّوا الخمس وتصلّوا الخمس، وفي الغنيمة والصّريمة شاتان إذا اجتمعا، فإن فرّقتا فشاة شاة، ليس على أهل المثيرة صدقة، ولا على الواردة لبقة، والله شهيد على ما بيننا ومن حضر من المسلمين كتاب قيس بن شماس وفي ذلك يقول عمرو بن مرّة: من الطويل
ألم تر أن الله أظهر دينه ... وبيّن برهان الران لعامر
إلى خير من يمشي على الأرض كلّها ... وأفضلها عند اعتكار الضّرائر
أطعنا رسول الله لّما تقطّعت ... بطون الأعادي بالظّبى والخناجر
فنحن قبيل قد بني المجد حولنا ... إذا احتملت في الحرب هام الأكابر
بنو الحرب نقريها بأيد طويلة ... وبيض تلالا في أكفّ الأعاور
стр. 6757
ترى حوله الأنصار يحيون سربهم ... بسمر العوالي والصّفيح البواتر
إذا الحرب دارت عند كلّ عظيمة ... ودارت رحاها باللّيوث الهوامر
تبلّج منه اللّون وازداد وجهه ... كمثل ضياء البدر بين البواهر
قال معاوية يوماً لعمرو بن مرّة الجهنيّ: هل لك أن تقوم مقامً تقول: إن قضاعة من معدّ، وأطعمك مصر والعراق سنةً؟ قال: إذا شئت. فتقدّم معاوية إلى أصحابه أن يكونوا حول المنبر، وجاء عمرو بن مرّة يرفل في حلله حتى صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: من الرجز
يا أيّها السّائل يوم المعجر ... حيث التقينا في العجاج الأكبر
قضاعة بن مالك بن حمير ... النّسب المعروف غير المنكر
فقال معاوية: مالك قطع الله لسانك؟ فقام إليه ابنه زهير فقال: يا أبه، ما كان عليك أن تشفع أمير المؤمنين ويطعمك مصر والعراق سنة! فأنشأ عمرو يقول: من الكامل
يوماً أطعتك يا زهير كسوتني ... في النّاس ضاحيةً ثياب صغار
أنبيع والدنا الذي ندعى له ... بأبي معاشر غائب متوار
قحطان والدنا الذي نسمو به ... وأبو خزيمة خندف بن نزار
قال خليفة: وفيها يعني سنة تسع وخمسين شتا عمرو بن مرّة بأرض الرّوم في البرّ، ولم يكن عامئذ بحر.
عمرو بن مرّة الحنفيّ
شاعر من أهل الحجاز، وفد على عبد الملك بن مروان، ويقال: على يزيد بن عبد الملك.
стр. 6758
عن الهيثم عن عديّ، قال: كان بالمدينة أربعة فتيان، فاصطحبوا على المنادمة وصحيح الإخاء، يتقارضون الشّعر، ويتباينون العشق، منهم عمرو بن مرّة الحنفيّ، وصعب بن سفيان الحارثيّ، وزيد بن سعد التّميميّ، وسفيان بن الحارث النّوفليّ؛ وكانوا يغدون كلّ يوم إلى جوار لعمرو بن أبي ربيعة المخزوميّ للمذاكرة، فعلق كلّ واحد منهم واحدةً منهنّ وعلقته، حتى فشا أمرهم وبلغ ذلك عمر بن أبي ربيعة، فجمعهنّ عنهم؛ فاشتدّ لذلك وجدهم، ونحلت أجسامهم، وتغيّرت ألوانهم؛ فاجتمعوا يجيلون الرّأي بينهم، فقال بعضهم: ما الرّأي إلاّ الخروج إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان نستعديه على الهوى، يصف كلّ واحد منّا ما يلقى في أبيات من الشّعر. فتجهزّوا وخرجوا حتى قدموا على عبد الملك بن مروان، فوافوه يوم قعد للمظالم، فدخلوا في جملة النّاس، فتقدّم عمرو بن مرّة الحنفيّ وكان أكبر القوم سنّاً فرفع إلى عبد الملك قصّته، وفيها هذه الأبيات: من الطويل
تغيّر وجه الأرض إذ غيّب البدر ... وحالفني الهجران لاسلم الهجر
على غير ذنب كان منّي عملته ... سوى أنّني نوّهت: أن غلب الصّبر
وأن امرءاً يبدي تباريح قلبه ... إلى إلفه إذ شفّه الشّوق والذّكر
حقيق بأن يصفو له الودّ والهوى ... ويصرف عنه العيب إذ صرح القدر
فقل يا أمير المؤمنين فإنّما ... أتيناك كي تقضي إذا وضح الأمر
فأجابه عبد الملك في ظهر قصّته: من الطويل
لقد وضحت فيك القضيّة يا عمرو ... وأنت حقيق أن يحلّ بك الهجر
لأنك أظهرت الذي كان كاتماً ... ونوّهت بالحبّ الذي ضمن الصّدر
فبحت به في النّاس حتى إذا بدا ... دقيق الهوى ناديت: أن غلب الصّبر
فألاّ بكتمان الهوى متّ صابراً ... فتهلك محموداً وفي كفّك العذر
فلست أرى إذ بحت بالحبّ والهوى ... جزاءك إلاّ أن يعاقبك البدر
وتقدّم زيد بن سعد، فرفع قصّته، وفيها: من الطويل
ومالكة للرّوح منّي تطلّعت ... بناب فؤادي نحوها بالتّبسّم
стр. 6759
فلمّا رأت في القلب تصوير حبّها ... أشارت بأنفاس ولم تتكلّم
فباح الهوى منها ومنّي صبابة ... بمكنون أسرار الضّمير المكتّم
فأيقنت أن القلب قد قال: مرحبا ... وأهلاً وسهلاً بالحبيب المتيّم
فأمسكت منها بالرّجاء وأمسكت ... بأردان قلب مستهام متيّم
فقل يا أمير المؤمنين فإنّما ... إليك رحلنا في الحكومة فاحكم
فأجابه عبد الملك في ظهر قصّته: من الطويل
سأحكم يا زيد بن سعد عليكما ... وأقضي بحقّ واجب غير مبهم
ذكرت بأن القلب منك بكفّها ... وحبّك منها في الضّمير المكتّم
فقد قاسمتك الحبّ منها فما أرى ... سبيلاً عليها في الحكومة فاعلم
تمسّكت منها بالرّجاء وأمسكت ... بأردان روح القلب منك المتيّم
فأخف هواها في فؤادك لا تبح ... به يا بن سعد في الأنام فتصرم
فإنّ بكتمان الهوى يظفر الفتى ... بكلّ كعاب كالرّبيب المنعّم
ورفع صعب بن سفيان قصّته، وفيها: من الطويل
تذكّرت أيّام الرّضى منك في الهوى ... على المطل منكم بالعصارة والتعب
وفعل كريم قد يجازى بمثله ... إذا نحن أجرينا الهوى غاية الحبّ
وإحداثك الهجران من بعد صبوة ... على غير ما جرم جنيت ولا ذنب
كأني على جمر الغضا من صدودكم ... يقلّبني جنباً لظهر على جنب
فقل يا أمير المؤمنين فإنّما ... أتيناك كي تقضي لقلب على قلب
فأجابه عبد الملك في ظهر قصّته: من الطويل
يحكّمني صعب وقد شفّه الهوى ... ولست أرى في الحكم جوراً على صعب
لقد جارت الحوراء يا صعب في الهوى ... عليك وما أحدثت ذنباً سوى الحبّ
علام وفيم الصّدّ منها وما أرى ... لها سبباً يدني إلى سبب العتب
فإن هي لم تقبل عليك بودّها ... وتلقاك منها بالبشاشة والرّحب
فحكمي عليها أن تجازى بفعلها ... كذلكم أقضي لقلب على قلب
стр. 6760
ورفع سفيان بن الحارث قصّته، وفيها أبيات حفظ منها: من الطويل
تبّدت بأسباب المودّة والهوى ... فلمّا حوت قلبي نبت بصدود
فلو شئت ياذا العرش حين خلقتني ... شقيّاً بمن أهواه غير سعيد
عطفت عليّ القلب منها برأفة ... وإن كان أقسى من صفاً وحديد
تعلّقت من رأس الرّجاء بشعرة ... وأمسكت من رأس الحبيب بجيد
فإن يغلب النّاس الرّجاء ويعتلى ... عليه فما منّي الرّدى ببعيد
فقل يا أمير المؤمنين فإنّما ... تحكم والأحكام ذات حدود
فأجابه عبد الملك في ظهر قصّته: من الطويل
أرى الجور منها ظاهر يا بن حارث ... وما رأيها فيما أتت بسديد
أمن بعدما صادت فؤادك واحتوت ... عليه نبت وجه الهوى بصدود
فلست أرى إلاّ تألّف قلبها ... بطول بكاء عندها وسهود
فإن هي لم ترحم بكاءك والتوت ... عليك فما منك الرّدى ببعيد
سأقضي عليها إذ تبيّن جورها ... بتركان حقّ أو بعطف ودود
بأن تعقب الهجران بالوصل والرّضا ... على رغم واش في الهوى وحسود
فحكمي عليها أن تقاد بقلبها ... لذي صبوة جارت عليه ودود
وكتب عبد الملك بن مروان إلى عمر بن أبي ربيعة أن يخرجهنّ إليهم، وكتب إلى عامله أن يبتاعهنّ منه لهم، وأحسن جوائزهم، وصرفهم.
عمرو بن مرّة الكلبيّ
أحد بني مارية قدم على الوليد بن يزيد يخبره بتوجّه جيش يزيد بن الوليد إليه.
стр. 6761
عمرو بن مسعدة بن سعيد
ابن صول بن صول أبو الفضل الصّولي، وزير المأمون قدم معه دمشق، عن المأمون، وكان أبوه مسعدة مولى خالد بن عبد الله القسريّ أمير العراق، وكان كاتبه.
حدّث عن المأمون، بسنده إلى ابن عبّاس، قال: قال رسول الله ﷺ : " علّقوا السّوط حيث أهل البيت، فإنه آدب لهم ".
قال أبو الخطيب: هو أبو عمّ إبراهيم بن العبّاس بن محمد بن صول بن صول.
بلغني أن عمرو بن مسعدة كان عنده فرس أدهم أغرّ، لم يملك أحد مثله، فبلغ المأمون خبره، وبلغ ذلك عمراً، فقاده إليه وكتب معه: من مجزوء الرمل
يا إماماً لايداني ... هـ إذا عدّ إمام
فضل النّاس كما يف ... ضل نقصناناً تمام
قد بعثنا بجواد ... مثله ليس يرام
فرس يزهى به لل ... حسن سرج ولجام
دونه الخيل كما دو ... نك في الفضل الأنام
والذي يصلح للمو ... لى على العبد حرام
وذكر ابنه أبو محمد ابن عمرو بن مسعدة عنه: أنه لم يقل من الشعر إلاّ بيتاً واحداً، فإنه وقّع في ظهر رقعة لرجل: من البسيط
أعزز عليّ بأمر أنت طالبه ... لم يمكن النّجح فيه وانقضى أمده
стр. 6762
قال إبراهيم بن محمد بن عرفة: ومات عمرو بن مسعدة في هذه السّنة بأذنه يعني سنة سبع عشرة ومئتين. قال: وكان لعمرو منزلان بمدينة السّلام، إحداهما بحضرة طاق الحرّاني: هو إبراهيم بن ذكوان ومنزل آخر فوق الجسر، وهو المعروف بساباط عمرو بن مسعدة.
عمرو بن مسعود السّلميّ
من أهل الطّائف. شاعر وفد على معاوية بن أبي سفيان.
عن رجل من بني سليم، قال: كان عمرو بن مسعود رجل بني سليم، ثم أحدبني ذكوان، ينزل الطّائف، وكان صديقاً لأبي سفيان بن حرب وأخاً، وكان له مال وولد، فذهب ماله، وزوّج ولده؛ وإن الشّيخ عمّر حتى إذا استخلف معاوية أتاه بالخلّة التي كانت بينه وبين أبي سفيان، فأقام ببابه سنة وبعض أخرى لا يصل إليه، ثم إن معاوية ظهر للنّاس يوماً، فكتب إليه في رقعة: من البسيط
يا أيّها الملك لنا ضجراً ... لو كان صخر بعرض الأرض ما ضجرا
ما بال شيخك مخنوقاً بجرّته ... طال المطال به وهراً وقد كبرا
ومرّ حول ونصف ما يرى طمعاً ... يدينه منك وهذا الموت قد حضرا
قد جاء ترعد كفّاه بمحجنه ... لم يترك الدّهر من أولاده ذكرا
قد بشّرته أموراً فاقتأرّلها ... وقد حنا ظهره دهر وقد غبرا
نادى وكلكل هذا الدّهر يعركه ... قد كنت يا بن أبي سفيان معتصرا
فاذكر أباك أبا سفيان إن لنا ... حقّاً عليه وقد ضيّعته عصرا
стр. 6763
فلّما قرأ الكتاب دعا به، فقال: كيف أنت؟ وكيف عيالك؟ وحالك؟ فقال: ما تسأل يا أمير المؤمنين عمّن ذبلت بشرته، وقطعت ثمرته، فابيضّ الشّعر، وانحنى الظّهر، فقد كثر منّي ما منت أحبّ أن يقلّ، وصعب منّي ما كنت أحبّ أن يذلّ، فأجمت النّساء وكنّ الشقاء، وكرهت المطعم وكان المنعم، وقصر خطوي، وكثر سهوي، فسحلت مريرتي بالنّقض، وشقلت على وجه الأرض، وقرب بعضي من بعض، ودّل وكلّ، فقلّ انحياشه، وكثر ارتعاشه، وقلّ معاشه؛ فنومه سبات، وفهمه تارات، وليله هبات، كمثل قول عمّك: من البسيط
أصبحت شيخا كبيرا هامةً لغد ... يرنو لدى جدثي أو لا فبعد غد
أردى الزّمان حلوباتي وما جمعت ... يادهر قدني ممّا تبتغيه قد
والله لو كان يا خير الخلائف ما ... لاقيت في أحد ذلّت ذرا أحد
أو كان بالغرد الجوّال لانصدعت ... من دونه كبد المستعصم الغرد
لّما رأى يا أمير المؤمنين به ... تقلّب الدّهر من جمع إلى بدد
وأبصر الشّيخ في حلقومه نقعت ... منه الحشاشة بين الصّدر وفي قعد
رام الرّحيل وفي كفّيه محجنه ... يوامر النّفس في ظعن وفي قعد
إمّا جوار إذا ما غاب ضيّعها ... أو المقام بدار الهون والفند
فأستمحت نفسه بالسّير مغترباً ... وإن تحرّم في تامورة الأسد
فقلبه فرق وماؤه سرق ... ودمعه عسق من شدّة الكمد
لنسوة رغب أولادها سغب ... كأفرخ زغب حلّوا على ضمد
رام الرّحيل فداروا حول شيخهم ... يسترجعون له أن خاض في البلد
ينعي أصيبية فقدان والدهم ... ووالد واضع كفّاً على كبد
قالوا: أبانا إذا ما غبت كيف لنا ... بمثل والدنا في القرب والبعد
قد كنت ترضعنا إن درّة نكأت ... عنّا وتكلؤنا بالّروح والجسد
فغرغر الشيخ في عينيه عبرته ... أنفاسه من سخين الوجد في صعد
وقال يودع صبياناً ونسوته ... أوصيكم باتقّاه الله يا ولدي
فإن أعش فإياب من حلوبتكم ... أو مت فاعتصموا بالواحد الصّمد
стр. 6764
قال: فبكى معاوية بكاءً شديداً، وأمر له بثلاثمئة ألف، وكسى، وعروض، وحمله فوافى الطّائف لعشرة أيام من دمشق. تفسير غريبه.
قوله: ذبلت بشرته: أيّ قلّ وذهبت نضارتها، والبشرة ما يباشره البصر من ظاهر بدن الإنسان، والأدمة: باطن البدن؛ وفي ذبول البشرة وجه آخر وهو أن يكون كنايةً عن الفرج، يرد أنه قد ضعف واسترخى. قال سفيان بن عيينة في قوله : " وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ":أراد بالجلود الفرج.
وقوله: قطعت ثمرته؛ يريد ذهاب الزّرع وانقطاع النّسل، وهو ثمرة الإنسان؛ وهو يؤيد التّأويل الآخر في ذبول البشرة. وقوله: كثر منه ما يحبّ أن يقلّ؛ يريد آفات الكبر كالسّهو والغلط ونحوها، وكالبوال والدّنين وما أشبههما من العلل، وأمّا صعوبة ما كان يجب أن يذلّ؛ فإنه يريد بذلك ما يعرض للمشايخ من خشونة المفاصل، فيقلّ معه اللّين واللّدونة التي بها تكون مطاوعة للقبض والبسط والاعتماد. وقوله: سحلت مريرته بالنقض؛ فإن المريرة: الحبل المفتول. والسحيل، أن يفتل الغزل طاقةً واحدةً، يقال: خيط سحيل، فإذا فتل طاقين فهو مبرم. قال: زهير: من الطويل
يميناً لنعم السّيّدان وجدتما ... على كلّ حال من سحيل ومبرم
وقال ابن هرمة: من الطويل
أرى النّاس في سحيل فلاتكنله صاحباً حتى ترى الأمر مبرماً
стр. 6765
وأما جعل الحبل وانتقاصه مثالاً لانحلال بدنه وانتقاص قواه. وقوله: أجم النّساء؛ أي ملّهنّ وعافهنّ كما يعاف الطّعام؛ ويقال: أجمت اللّحم، إذا أكثرت منه تعافه.
وقوله: قلّ انحياشه؛ أي حركته ونصرته في الأمور، إلاّ أن الحركة الضروريّة بالارتعاش قد كثرت منه وغلبت عليه. والسّبات: نوم المريض والشّيخ المسنّ، وهو الغشية الخفيقة؛ يقال: سبت الرّجل فهو مسبوت؛ ويقال: إنه مأخوذ من السّبت وهو القطع، وذلك لأنه سريع الانقطاع؛ ويقال: إنّما سمّي آخر أيّام الجمعة سبتاً لانقطاع الأيّام عنه، وذلك أن أوّلها يوم الأحد؛ والسّبت أيضاً: السّير السّريع. قال الشاعر: من الطويل
ومطويّة الأقراب أمّا نهارها ... فسبت وأمّا ليلها فذميل
والخفات: ضعف الحسّ؛ يريد أنه لا يدرك الصّوت إلاّ كهيئته السّرار، والخفوت: خفض الصوت، ومنه المخافتة في الكلام. قال الله تعالى: " ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ". وإنّما قيل للميّت: خافت، لانقطاع صوته؛ والخفات من خفت بمنزلة الصّمات من صمت، والسّكات من سكت.
وقوله: وليله هبات؛ فإن الهبات من الهبت، وهو اللّين والاسترخاء، ويقال: في فلان هبتة أي ضعف عقل؛ وقد هبت السّحاب إذا أرخت عزاليها، وقال الشاعر: من البسيط
سقيا مجلجلة ينهل وابلها ... من باكر مستهل الودق مهبوت
كأنه يريد أن نومه باللّيل إنّما هو بقدر أن تسترخي أعضاؤه من غير أن يستغرق نوماً؛ ولو قيل: وليلة هبّات، من هبّ النّائم من نومه، كان جيداً؛ إلاّ أن الرّواية متّبعة.
стр. 6766
عمرو بن معاذ العنسيّ الدّارانيّ
عمرو بن معاوية بن المنتفق العقيليّ
ذكر الواقديّ أنه من جند دمشق، سمع معاوية بن أبي سفيان، وأمّره على الصّائفة. ويقال: إن عثمان بن عفّان ولاّه ارمينية.
عن سعيد بن حنظلة: أن معاوية بن أبي سفيان أمّر عمرو بن معاوية العقيليّ على الصّائفة، فلّما قدم سأله عمّا بلغ الخمس، فأخبره، فقال: أين هو؟ فقال عمرو: تسألني عن الخمس وأرى رجلاً من المهاجرين يمشي على قدميه لا أحمله؟ فقال معاوية: لاجرم، لا تنالها منّي ما بقيت. فأنشأ يقول: من الطويل
تهادى قريش في دمشق غنيمتي ... وأترك أصحابي فما بالعدل
ولست أميراً أجمع المال تاجراً ... ولا أبتغي طول الإمارة بالبخل
فإن يمسك الشّيخ الدّمشقيّ ماله ... فلست على مالي بمستغلق فقلي
وعن أبي حسبة: أن معاوية بن عمرو العقيليّ كان وهو وال على الجيش ينزل فيواسي أصحابه في سوق السّبي والجزور والرّمك مشمّراً عن ساقيه.
стр. 6767
عمرو بن معدي كرب بن عبد الله
ابن عمرو بن عصم بن عمرو بن زبيد بن ربيعة بن سلمة ابن مازن بن ربيعة بن منبّه، وهو زبيد الأكبر بن صعب بن سعد العشيرة ابن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد ابن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان أبو ثور الزّبيديّ له وفادة على رسول الله ﷺ ، وكان شجاعاً من فرسان العرب المذكورين، روى عن رسول الله ﷺ حديثاً، روى عنه شراحيل بن القعقاع، وشهد اليرموك.
عن شراحيل بن القعقاع، قال: قال عمرو بن معدي كرب: الحمد لله، لقد كنّا من قريب إذا حججنا قلنا: لبّيك اللهم، لبّيك تعظيماً إليك عذراً، هذي زبيد قد أتتك قسراً، يقطعن خبّاً وجبالاً وعراً، قد تركوا الأنداد خلواً صفراً، يقطعن من بين غضىً وسمراً، ونحن اليوم نقول كما علّمنا رسول الله ﷺ : " لبّيك لبّيك، لا شريك لك لبّيك، إن الحمد والنّعمة لك والملك، لا شريك لك ". وإن كنّا لنمنع النّاس أن يقفوا بعرفة وذاك في الجاهليّة وإن كان موقفهم ببطن محسّر عشيّة عرفة فرقاً من أن يخطفنا الجنّ؛ فقال لنا رسول الله ﷺ : " أجيزوا بطن عرنة فإنّما هم إذا أسلموا إخوانكم ".
عن أبي حذيفة إسحاق بن بشر القرشيّ، قال: وأمدّهم يعني أبا عبيدة بن الجرّاح بتسعة عشر رجلاً ممن شهد اليرموك، منهم عمرو بن معدي كرب، وذكر غيره، يعني يوم القادسيّة.
стр. 6768
عن الهيثم بن عديّ، قال: قال ابن عبّاس: عمرو بن معدي كرب ذهبت عينه يوم اليرموك.
قال ابن سعد: وكان عمرو فارس العرب.
وقال محمد بن إسماعيل: كان بالمدينة، ثم كان بالعراق.
قال أبو نعيم: له الوقائع المذكورة في الجاهليّة، وأدرك الإسلام، فقدم على النّبيّ ﷺ وعلّمه التّلبية، وله في الإسلام بالقادسيّة بلاء حسن حين بعثه عمر إلى سعد بن أبي وقاص، وكتب إليه أن يصدر عن مشورته في الحرب.
وكان لعمرو سيف يسمّيه الصّمصامة.
عن ابن إسحاق، قال: وقدم على رسول الله ﷺ عمرو بن معدي كرب في ناس من بني زبيد، فأسلم، وقد كان عمرو قال لقيس بن مكشوح المراديّ حين انتهى إليه أمر رسول الله ﷺ : يا قيس، إنك سيّد قومك، وقد ذكر لنا أن رجلاً من قريش يقال له محمد، قد خرج بالحجاز، يقول إنه نبيّ، فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه، فإن كان نبيّاً كما يقول فلن يخفى علينا، وإذا لقيناه اتبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمه؛ فأبى عليه قيس ذلك وسفّه رأيه. فركب عمرو حتى قدم على رسول الله ﷺ فأسلم وصدّق وآمن به؛ فلمّا بلغ ذلك قيساً أوعد عمراً، وتحطّم عليه، وقال: خالفني وترك رأيي. فقال عمرو في ذلك: من مجزوء الوافر
أمرتك يوم ذي صنعا ... ء أمراً بادياً رشده
أمرتك باتّقاء اللّ ... هـ والمعروف تتّعده
стр. 6769
خرجت من المنى مثل ال ... حميّر غرّه وتده
تمنّاني على فرس ... عليه جالساً أسده
عليّ مفاضة كالنّه ... ي أخلص ماءه جدده
تردّ الرّمح منثني الس ... سنان عوائراً قصده
فلو لاقيتني للقي ... ت ليثاً فوقه لبده
تلاقي شنبثاً ششن ال ... براثن ناشراً كتده
يسامي القرن إن قرن ... تيّممه فيضطهده
رفيقاً بافتراس القر ... ن يرميه فيفتضده
فيدمغه فيحطمه ... فيأكله فيزدرده
ظلوم الشّرك فيما أح ... رزت أنيابه ويده
براثنه له وظب ... كثير حوله عدده
فأقام عمرو في قومه من بني زبيد وعليهم فروة بن مسيك، فلمّا توفي رسول الله ﷺ ارتدّ عمرو بن معدي كرب، فقال حين ارتدّ: من الوافر
وجدنا ملك فروة شرّ ملك ... حمار ساف منخره بثفر
وكنت إذا رأيت أبا عمير ... ترى الحولاء من خبث وغدر
وقد قيل: إن عمراً لم يأت النّبيّ ﷺ ، وقد قال عمرو بن معدي كرب: من الخفيف
إنني بالنّبيّ موقنة نف ... سي وإن لم أر النّبيّ عيانا
سيّد العالمين طرّاً وأدنا ... هم إلى الله حيث كان مكانا
جاء بالناموس من لدن الل ... هـ وكان الأمين فيه المعانا
حكمة بعد حكمة وضياء ... فاهتدينا بنورها من عمانا
ورأينا السّبيل حين رأينا ... هـ جديداً بكرهنا ورضانا
стр. 6770
وعبدنا الإله حقّاً وكنّا ... للجهلات نعبد الأوثانا
وائتلفنا به وكنّا عدوّاً ... ورجعنا به معاً إخوانا
فعليه السّلام والسّلم منّا ... حيث كنّا في البلاد وكانا
إن نكن لم نر النّبيّ فإنّا ... قد تبعنا سبيله إيمانا
وأسينا أن لا نكون رأينا ... هـ فقد أقرح الصّدور أسانا
لو رأيت النّبيّ ما لمت نفسي ... فيه بالعون حين كان استعانا
يوم أحد ولا غزاة حنين ... يوم ساقت هوازن غطفانا
ويرى أن في زبيد صلاحاً ... وضراباً من دونه وطعاناً
وتراني من دونه لا أبالي ... فيه وقع السّيوف والمرّانا
لوقيت النّبيّ بالنّفس منّي ... ولعانقت دونه الأقرانا
ويصلّي عليّ حيّاً شهيداً ... أو أروّي من النّجيع السّنانا
عن نيار بن مكرم الأسلميّ، قال: شهدت القادسيّة، فنزلنا يوماً اشتدّ فيه القتال بيننا وبين الفرس، فرأيت رجلاً يفعل بالعدوّ يومئذ الأفاعيل. قلت: من هذا جزاه الله خيراً؟ قيل: عمرو بن معدي كرب.
قال ابن إسحاق: فلمّا فتح الله للمسلمين يوم القادسيّة على عدوّهم، وأصابوا عسكرهم وما فيه، أقبل سعد على النّاس يقسم بينهم الأموال ويعطيهم على قدر ما قرؤوا من القرآن، فأراد التّقصير ببشر بن ربيعة الخثعميّ ويزيد بن جحفة التّميميّ، وكانوا أشدّ أهل العسكر، ولم يكونوا بلغوا في القرآن، فأبوا أن يأخذوا قسمته، إلاّ أن يفضّلهم على النّاس، فقال عمرو بن معدي كرب: من الوافر
أمن ليلى تسرّى بعد هدء ... خيال هاج للقلب ادّكارا
يذكّرني الشّباب وأمّ عمرو ... وشامات المرابع والدّيارا
стр. 6771
وحيّا من بني صعب بن سعد ... سقوا الأرصاد والدّيم الغزارا
ألا أبلغ أمير القوم سعداً ... فقد كذبت أليّته وجارا
وحرّق نابه ظلماً وجهلاً ... عليّ فقد أتى ذمّاً وعارا
هبلت لقد نسيت جلاد عمرو ... وأنت كخامع تلج الوجارا
أطاعن دونك الأعداء شزراً ... وأغشى البيض والأسل الحرارا
بباب القادسيّة مستميتاً ... كليث أريكة يأبى الفرارا
أكرّ عليهم مهري وأحمي ... إذا كرهوا الحقائق والذّمارا
جزاك الله في جنبي عقوقاً ... وبعد الموت زقّوماً ونارا
فلمّا بلغه قوله أرسل إليه فأعطاه، وفضّله فأرضاه.
قال أبو عبيدة: إن عمرو بن معدي كرب حمل يوم القادسيّة على مرزبان وهو يرى أنه رستم، فقتله، فقال في ذلك: من السريع
ألم بسلمى قبل أن تظعنا ... إنّ لسلمى عندنا ديدنا
قد علمت سلمى وأشياعها ... ما قطّر الفارس إلاّ أنا
شككت بالرّمح حيازيمه ... فالخيل تعدو رهباً بيننا
قال الشعبيّ: إن الأعاجم كانوا يومئذ يعني يوم القادسيّة مئة ألف وعشرين ألفاً، معهم ثلاثون فيلاً، مع كلّ فيل أربعة آلاف؛ فقال سعد بن أبي وقّاص لعمرو بن معدي كرب الزّبيدي ولقيس بن مكشوح المرادي ولطلحة بن خويلد الأسديّ: إنكم شواحطنا، فسيروا في النّاس فحرّضوهم. فقام عمرو بن معدي كرب فقال: أيّها النّاس، كونوا أشدّ حذراً إذا برز إلى أحدكم قرنه، فلا يكله إلى غيره، إن هؤلاء معشر الأعاجم إذا لقي أحدهم قرنه فهو تيس؛
стр. 6772
فبينما هو يحرّضهم ويرتجز ويقول: من الرجز
أنا أبو ثور وسيفي ذو النّون ... أضربهم ضرب غلام مجنون
يال زبيد إنّهم يموتون
إذ جاءته نشّابة أصابت قربوسه، فحمل على صاحبها، فأخذه أخذ الجارية، فوضعه بين الصّفّين، ثم احتزّ رأسه، وقال: اصنعوا هكذا! قال عمرو بن معدي كرب: كانت خيل المسلمين تنفر من الفيلة يوم القادسيّة، وخيل الفرس لا تنفر؛ فأمرت رجلاً فتّرس عنّي، ثم دنوت من الفيل فضربت خطمه، فقطعته، فنفر ونفرت الفيلة، فحطمت العسكر، وألحّ المسلمون عليهم حتى انهزموا.
قال عنه العجليّ: كوفيّ، تابعيّ، ثقة.
عن الشّعبيّ، عن رجل، قال: كنت في مجلس عمر بن الخطّاب، وعنده جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ يتذاكرون فضائل القرآن؛ فقال بعضهم: خواتيم سورة النّحل، وقال بعضهم: سورة " يس "، وقال عليّ بن أبي طالب: فأين أنتم عن فضيلة آية الكرسيّ، أما إنّها خمسون كلمة، في كلّ سبعون بركةً. وفي القوم عمرو بن معدي كرب لا يحير جواباً، فقال: فأين أنتم عن " بسم الله الرّحمن الرّحيم "؟.
فقال له عمر: حدّثنا يا أبا ثور. فقال: بينما أنا في الجاهليّة إذ أجهدني الجوع، فأقحمت فرسي البرّيّة فما أصبت إلاّ بيض النّعام، فبينما أنا أسير إذا أنا بشيخ عربيّ في خيمة وإلى جانبه جارية كأنها شمس طالعة، ومعه غنيمات له؛ فقلت له: استأسر،
стр. 6773
ثكلتك أمّك. فرفع رأسه إليّ، وقال: يا فتى، إن أردت قرىً فانزل، وإن أردت معونة أعنّاك. فقلت له: استأسر. فقال: من الطويل
عرضنا عليك النّزل منّا تكرمّاً ... فلم ترعوني جهلاً كفعل الأشائم
وجئت ببهتان وزور ودون ما ... تمنّيته بالبيض حزّ الحلاقم
ووثب إليّ وثبةً وهو يقول: " بسم الله الرحمن الرحيم "، فكأني مثلت تحته. قال: أأقتلك أم أخلّي عنك؟ قلت: بل خلّ عنّي. ثم إن نفسي حدّثتني بالمعاودة، فقلت: استأسر، ثكلتك أمّك. فقال: من الوافر
ببسم الله والرّحمن فزنا ... هنالك والرّحيم به قهرنا
وما يغني جلادة ذي حفاظ ... إذا يوماً لمعركة برزنا
ثم وثب إليّ وثبة فكأني مثلت تحته؛ فقال: أأقتلك أم أخلّي عنك؟ قلت: بل خلّ عنّي. فخلّى عنّي. فانطلقت غير بعيد ثم قلت في نفسي: يا عمرو، يقهرك مثل هذا الشّيخ! والله للموت خير لك من الحياة. فرجعت إليه، فقلت: استأسر، ثكلتك أمّك. فوثب إليّ وثبة وهو يقول: " بسم الله الرّحمن الرّحيم " فكأني مثلت تحته، فقال: أأقتلك أم أخلّي عنك؟ فقلت: بل خلّ عنّي. قال: هيهات! يا جارية ائتني بالمدية. فأتته بالمدية، فجزّ ناصيتي وكانت العرب إذا ظفرت برجل فجزّت ناصيته استعبدته فكنت معه أخدمه مدةً. ثم إنه قال لي: يا عمرو، أريد أن تركب معي إلى البرّيّة، فليس بي منك وجل، وإني ب " بسم الله الرّحمن الرّحيم " لواثق. قال: فسرنا، حتى أتينا وادياً أشبا نشبا، مهولاً مغولاً؛ فنادى بأعلى صوته: " بسم الله الرّحمن الرّحيم " فلم يبق طير في وكره إلاّ طار؛ ثم أعاد الصّوت، فلم يبق
стр. 6774
سبع في مربضه إلاّ هرب؛ ثم أعاد الصّوت، فإذا نحن بحبشيّ قد خرج علينا من الوادي كالنّخلة السّحوق. فقال لي: يا عمرو، إذا رأيتنا قد اتّحدنا فقل: غلبه صاحبي ب " بسم الله الرّحمن الرّحيم ". قال: فلّما رأيتهما قد اتّحدا، قلت: غلبه صاحبي باللاّت والعزّى؛ فلم يصنع الشّيخ شيئاً. فرجع إليّ، وقال: قد علمت أنك خالفت قولي. قلت: أجل، ولست بعائد. فقال: إذا رأيتنا قد اتّحدنا فقل: غلبه صاحبي ب " بسم الله الرّحمن الرّحيم ". قلت: أفعل. فلّما رأيتهما قد اتّحدا، قلت: غلبه صاحبي ب " بسم الله الرّحمن الرّحيم ".قال: فاتّكأ عليه الشّيخ، فبعجه بسيفه، فانشقّ جوفه، فاستخرج منه شيئاً كهيئة القنديل الأسود، ثم قال: يا عمرو، هذا غشّه وغلّه؛ ثم قال: أتدري من تلك الجارية؟ قلت: لا. قال: تلك الفارغة بنت السّليل الجرهميّ، وكان أبو من خيار الجنّ، وهؤلاء أهلها وبنو عمّها، يغروني منهم كلّ عام رجل ينصرني الله عليه ب " بسم الله الرّحمن الرّحيم "؛ ثم قال: لقد رأيت ما كان منّي إلى الحبشيّ، وقد غلب عليّ الجوع، فائتني بشيء آكله. فأقحمت فرسي البريّة، فما أصبت إلاّ بيض النّعام؛ فأتيته فوجدته نائماً، وإذا تحت رأسه شيء كهيئة الخشبة؛ فاستللته فإذا هو سيف عرضه شبر في سبعة أشبار؛ فضربت ساقيه ضربة أبنت السّاقين مع القدمين؛ فاستوى على فقار ظهره، وهو يقول: قاتلك الله ما أغدرك يا غدّار. قال عمر: ثم ماذا صنعت؟ قلت: فلم أزل أضربه بسيفه حتى قطّعته إرباً إرباً. قال: فوجم لذلك عمر ثم أنشأ يقول: من البسيط
بالغدر نلت أخا الإسلام عن كثب ... ما إن سمعت كذا في سالف العرب
والعجم تأنف ممّا جئته كرماً ... تبّاً لما جئته في السّيّد الأرب
إنّي لأعجب أنّى نلت قتلته؟ ... أم كيف جازاك عند الذّنب؟ لم تتب؟
قرم عفا عنك مرّات وقد علقت ... بالجسم منك يداه موضع العطب
стр. 6775
لو كنت آخذ في الإسلام ما فعلوا ... في الجاهليّة أهل الشّرك والصّلب
إذا لنالتك من عدلي مشطّبة ... يدعى لذائقها بالويل والحرب
قال: ثم ماذا كان من حال الجارية؟ قلت: ثم إني أتيت الجارية، فلمّا رأتني قالت: ما فعل الشّيخ؟ قلت: قتله الحبشيّ، قالت: كذبت، بل قتلته أنت بغدرك. ثم أنشأت تقول: من الخفيف
عيني جودي للفارس المغوار ... ثم جودي بواكفات غزار
لا تملّي البكاء إذ خانك الدّه ... ر بوافي حقيقة صبّار
وتقيّ، وذي وقار، وحلم ... وعديل الفخار يوم الفخار
لهف نفسي على بقائك عمرو ... أسلمتك الأعمار للأقدار
ولعمري لو لم ترمه بغدر ... رمت ليثاً بصارم بتّار
فأحفظني قولها، فاستللت سيفي، ودخلت الخيمة لأقتلها، فلم أر في الخيمة أحداً. فاستقت الماشية، وجئت إلى أهلي.
عن صالح بن الوجيه، قال: في سنة إحدى وعشرين كانت وقيعة نهاوند، ولقي النّعمان بن عمرو مقرّن المشركين بنهاوند وهم يومئذ في جمع لا يوصف كثرةً وعدّةً وكراعاً، فاشتدّت الحرب بينهم حتى قتل النّعمان، ثم انهزم المشركون في آخر النّهار، وشهد عمرو بن معدي كرب نهاوند، فقاتل حتى كان الفتح، وأثبتته الجراح، فحمل، فمات بقرية من قرى نهاوند يقال لها روذة، فقالت امرأته الجعفيّة ترثيه: من الطويل
لقد غادر الرّكبان حين تحمّلوا ... بروذة شخصاً لا جباناً ولا غمرا
فقل لزبيد بل لمذحج كلّها ... رزئتم أبا ثور قريعكم عمرا
وزاد في أخرى:
فإن تجزعوا لا يغن ذلك بعده ... ولكن سلوا الرّحمن يعقبكم أجرا
стр. 6776
وحدّث من شهد موت عمرو بن معدي كرب، قال: وكانت مغازي العرب إذ ذاك إلى الرّيّ، فخرج حتى نزل روذة، ورقد، فلما أرادوا الرّحيل أيقظوه، فقام وقد مال شقّه، وذهب لسانه، فلم يلبث أن مات، فدفن بروذة.
عمرو بن المؤمّل أبو الحارث العدويّ
من أهل دمشق.
روى عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سمعت أبي يقول: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو كافر.
قال أبو الحارث: أهل الثغر، أهل طرسوس على هذا القول اليوم.
عمرو بن مهاجر بن دينار أبي مسلم
أبو عبيد صاحب حرس عمر بن عبد العزيز، مولى الأنصار.
روى عن أبيه، عن أسماء بنت يزيد الأنصاريّة، أنها حدّثته: أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تقتلوا أولادكم سرّاً، فإن الغيال يدرك الرّجل على ظهر فرسه ".
يعني بالسّرّ: الجماع.
وقال عمرو بن مهاجر: صلّيت خلف واثلة بن الأسقع على ستّين جنازة ماتوا من الطّاعون، فجعل الرّجال مّما يليه، والنّساء مّما يلي القبلة، وصفّهم صفّين، صفّاً للرّجال مّما يليه للنّساء بين يدي صف الرّجال، وقام وسطا، فكبّر أربع تكبيرات، ثم سلّم عن يمينه.
стр. 6777
قال ابن سعد: وكان عمرو بن المهاجر ثقة، له حديث كثير، ومات سنة تسع وثلاثين ومئة في خلافة أبي جعفر، وهو ابن أربع وسبعين سنة.
وقال أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين: ثقة.
وقال العجليّ: شاميّ، ثقة.
عن محمد بن مهاجر: أن عمر بن عبد العزيز قال لأخيه عمرو بن مهاجر: لقد ولّيتك يا عمرو حين ولّيتك على غير قرابة بيني وبينك، ولا ولاء لي عليك؛ ولكنك رجل من الأنصار، وأنت امرؤ تحسن الصّلاة.
قال عمر بن عبد العزيز: إنّما مثلي ومثل عمرو بن مهاجر كمثل رجل اتّخذ سهماً لا ريش له؛ والله لأريشنّه. مات سنة تسع وثلاثين ومئة.
عمرو بن ميمون
أبو عبد الله ويقال: أبو يحيى، الأوديّ، المذحجيّ من أهل اليمن. أدرك الجاهليّة والإسلام، ولم يلق النّبيّ ﷺ ، وقدم الشّام مع معاذ بن جبل، ثم سكن الكوفة.
حدّث عن معاذ بن جبل، قال: كنت ردف رسول الله ﷺ على حمار يقال له يعفور، فقال: " يا معاذ، هل
стр. 6778
تدري ما حقّ الله على العباد؟ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً؛ وحقّهم على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً ". قال: فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشّر النّاس؟ قال: " لا تبشّرهم فيتّكلوا ".
وعن ابن مسعود: عن النّبيّ ﷺ في قوله " يوم تبدّل الأرض غير الأرض " قال: " أرض بيضاء كأنها فضّة، لم يعمل فيها خطيئة، ولم يسفك فيها دم ".
قال عمرو بن ميمون: قدم معاذ بن جبل ونحن باليمن، فقال: يا أهل اليمن، أسلموا تسلموا، إني رسول رسول الله ﷺ إليكم. قال عمرو: فوقع له في قلبي حبّ، فلم أفارقه حتى مات، فلّما حضره الموت بكيت؛ فقال معاذ: ما يبكيك؟ قلت: أما إنه ليس عليك أبكي، إنّما أبكي على العلم الذي يذهب معك. فقال: إن العلم والإيمان ثابتين إلى يوم القيامة، العلم عند ابن مسعود وعبد الله بن سلام، فإنه عاشر عشرة في الجنّة، وسلمان الخير، وعويمر أبي الدّرداء. فلحقت بعبد الله بن مسعود، فذكر وقت الصّلاة، فذكرت ذلك لعبد الله بن مسعود، فأمرني بما أمره به رسول الله ﷺ أن أصلّي لوقتها، وأجعل صلاتهم تسبيحاً؛ فذكرت له فضيلة الجماعة، فضرب على فخدي، وقال: ويحك، إن جمهور النّاس فارقوا الجماعة، إن الجماعة ما وافق طاعة الله عزّوجلّ.
قال أبو نعيم: أدرك الجاهليّة، وأسلم في حيلة النّبيّ ﷺ ، وكان قد حجّ مئة حجّة وعمرة.
عن عيسى بن حطان، قال: دخلت مسجد الكوفة، فإذا عمرو بن ميمون الأودّي جالس وعنده ناس، فقال له رجل: حدّثنا بأعجب شيء رأيته في الجاهليّة. قال: كنت في حرث لأهلي في باليمن، فرأيت قروداً كثيرة قد اجتمعت. قال: فرأيت قرداً وقردةً اضطجعا، ثم أدخلت القردة
стр. 6779
يدها تحت عنق القرد، واعتنقا، ثم ناما؛ فجاء قرد فغمزها من تحت رأسها، فنظرت إليه، فأسلّت يدها من تحت رأس القرد، ثم انطلقت معه غير بعيد، فنكحا، وأنا أنظر، ثم رجعت إلى مضجعها، فذهبت تدخل يدها تحت عنق القرد كما كانت، فانتبه القرد، فقام إليها فشمّ دبرها، فاجتمعت القردة، فجعل يشير إليه وإليها، فتفرقت القردة، فلم ألبث أن جيء بذلك القرد بعينه أعرفه، فانطلقوا بها وبالقرد إلى موضع كثير الرّمل، فحفروا لها حفيرةً، فجعلوهما فيهما، ثم رجموهما حتى قتلوهما. والله لقد رأيت الرّجم قبل أن يبعث الله محمداً ﷺ .
قال ابن مندة: هذا حديث غريب.
قال عنه العجليّ: كوفيّ، تابعيّ، ثقة، جاهليّ.
عن عمرو بن ميمون: أنه كان لا يتمنى الموت، حتى أرسل إليه يزيد بن أبي مسلم ولقي منه شدّةً، ولم يكد أن يدعه، ثم تركه بعد ذلك، قال: وكان يقول: اليوم أتمنّى الموت، اللهم ألحقني بالأبرار، ولا تلحقني مع الأشرار، واسقيني من خير الأنهار. مات سنة أربع وسبعين، وقيل: خمس وسبعين، وقيل: ست أو سبع، وقيل: أربع وثمانين، وهو وهم، والصواب أربع وسبعين.
عمرو بن ميمون بن مهران
أبو عبد الله بن أبي أيوب، الجزريّ، الفقيه وفد على عمر بن عبد العزيز يستعفي لأبيه عن العمل، فلم يعفه، وولاّه عمر البريد.
روى عن سليمان بن يسار، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ كان إذا أصاب ثوبه منيّ غسله، ثم يخرج إلى الصّلاة، وأنا أنظر إلى بقعه من أثر الغسل في ثوبه.
стр. 6780
وعن أبيه، عن جدّه، عن رسول الله ﷺ قال: " من لم يقرأ مع الإمام فصلاته خداج ".
قال عمرو بن ميمون: أرسلني أبي إلى عمر بن عبد العزيز أستعيفه من الولاية. قال: فدخلت على عمر، وعنده شيخ؛ فقال عمر: هذا ابن الشّيخ الذي كنّا في حدّيثه آنفاً. قال: فسلم عليّ الشّيخ وأدناني إلى جنبه، فقال لي: كيف أنت يا بنيّ؟ وكيف أبوك؟ قلت: صالح، وهو يقرأ عليك السّلام. قال: كيف يقرأ عليّ السّلام ولم يعرفني ولم يرني؟ قال: قلت: إنه سألني وأوصاني أن أبلغ عنه السّلام. قال: فقال الشّيخ لعمر: شدّ بهذا، ولا تعف أباه.
قال خليفة: نزل الرّقّة، مات سنة خمس وأربعين ومئة.
وقال يحيى بن معين: كان جزريّاً، نزل بغداد.
عن ميمون، قال: ما أحد من النّاس أحبّ إليّ من عمرو، ولأن يموت أحبّ إليّ من أن أراه على عمل. قال عنه يحيى بن معين: ثقة. مات سنة سبع وأربعين، والمحفوظ أنه مات سنة حمس وأربعين ومئة، وقيل: سنة ثماني وأربعين ومئة.
عمرو بن نصر بن الحجّاج
المعروف بابن عمرون روى عن أبيه، بسنده إلى أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: " بينما راع في غنمه، عدا عليه الذّئب وأخذ شاة، فطلبه، فالتفت إليه الذّئب فقال: من لها يوم السّبع؟ يوم ليس لها راع غيري؟ " فقال
стр. 6781
النّاس: سبحان الله! قال رسول الله ﷺ : " فإني أومن بذلك، أنا وأبو بكر وعمر ".
وعنه، بسنده إلى أنس بن مالك الأنصاريّ، قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ هبطنا ثنيّةً، ورأوا رسول الله ﷺ يسير وحده؛ فلمّا أسهلت به الطّريق ضحك وكبّر، فكبّرنا بتكبيره؟؟ ؛ ثم سار ربوةً، ثم ضحك وكبّر، فكبّرنا بتكبيره؛ ثم سار ربوةً، ثم ضحك وكبّر، فكبّرنا بتكبيره؛ ثم أدركته. فقال القوم: كبّرنا بتكبيرك يا رسول الله، لا ندري ممّ ضحكت؟ فقال رسول الله ﷺ : " قاد جبريل النّاقة، فلمّا أسهلت التفت إليّ فقال: أبشر وبشّر أمّتك، إنه من قال: لا إله إلا الله، دخل الجنّة، وحرّم عليه النّار؛ فضحكت وكبّرت ".
عمرو بن واقد أبو حفص القرشيّ
مولى آل أبي سفيان محدّث، وشاعر.
روى عن عمرو بن يزيد النّصري، عن الزّهري، عن عروة، عن عائشة، عن النّبيّ ﷺ ، قال: " نضّر الله عبداً استمع كلامي ثم لم يزد فيه، ربّ حامل كلمة لمن هو أوعى لها منه، ثلاث لا يغل عليهنّ قلب مؤمن: الإخلاص لله، والمناصحة لولاة الأمر، والاعتصام بجماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من وراءهم ".
وبه، عن النّبيّ ﷺ ، " أن ثلاثة نفر دخلوا في غار، فانطبق عليهم الجبل، فقال بعضهم لبعض: هذا بأعمالكم، فليقم كلّ امرئ منكم، فليدع الله بخير عمل عمله قطّ ".
فقام أحدهم فقال: اللهم، إنك تعلم أنه كان لي أبوان كبيران، وكنت لا أغتبق حتى أغبقهما، وإني أتيت ليلةً بغبوقهما، فقمت على رؤوسهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أنبّههما من نومهما، وكرهت أن أنصرف حتى يفيقا، فلم أزل قائماً على رؤوسهما حتى نظرا إلى الفجر،
стр. 6782
اللهم إن كنت تعلم أن ذلك كذلك فافرج عنّا؛ فانصدع الجبل حتى نظروا إلى الضّوء. ثم قام الآخر فقال: اللهم، إن كنت تعلم أنه كانت لي ابنة عمّ. فكنت أحبّها حبّاً شديداً، وإني سمتها نفسها، فقالت: لا، إلاّ بمئة دينار، فجمعتها لها، فلمّا أمكنتني من نفسها قالت: لا يحلّ أن تفضّ الخاتم إلاّ بحقّه. فقمت وتركتها؛ اللهم إن كنت تعلم أن ذلك كذلك فافرج عنّا. فانفرج الجبل حتى كادوا يخرجون. ثم قام الآخر، فقال: اللهم، إن كنت تعلم أنه كان لي أجراء كثير، وكان لا يبيت لأحد منهم عندي أجر، وأن أجيراً منهم ترك عندي أجرةً، وإني زرعته فأخصب، فاتّخذت منه عبيداً ومالاً كثيراً؛ فأتى بعد حين، فقال لي: يا عبد الله، أعطني أجري. قلت: هذا كلّه أجرك. قال: يا عبد الله، لا تتلاعب بي. قلت: ما أتلاعب بك. قال: فأخذه كلّه، ولم يترك لي منه قليلاً ولا كثيراً؛ اللهم إن كنت تعلم أن ذلك كذلك فافرج عنّا. فانفرج الجبل عنهم فخرجوا.
قال البخاريّ: عمرو بن واقد مولى قريش الدّمشقيّ منكر الحديث.
قال أبو مسهر: عمرو بن واقد يكذب من غير أن يتعمّد.
وقال عنه النّسائي: دمشقيّ متروك الحديث.
عمرو بن الوضّاح صاحب الوضّاحة
وهو قائد من قوّاد بني أميّة، كان مروان بن محمد بعثه لقتال الذين خلعوه بدمشق في أيّام زامل بن عمرو السّكسكيّ الحرّانيّ.
стр. 6783
عن شيخ من أهل قنّسرين: انه غزا في صائفة كان يقدمها عمرو بن الوضّاح في نحو من عشرين ألفاً، فوغل في داخل أرض الرّوم، فغنم وسبى سبياً كثيراً، وكنت فيمن غزا معه؛ فأقبل بتلك الغنائم يريد عقبة الرّكاب يتلقّى جماعة الصّائفة، فلمّا كان عقبة الرّكاب على مرحلة أو مرحلتين سمع منشداً ينشد: ألا من دلّ على بغلة كذا يتبعها إلفها برذون كذا، فدعا به عمرو، فقال: ما تقول: فأخبره بما ينشد. فقال: إنّما البغال تتبع إلفها من البراذين، ولا نعرف برذوناً يتبع البغال، فما أنت؟ ومن أين أنت؟ ومن بعث بك؟ قال: فذهب ينسب فلجلج، وعرف أنه لجلج فقال: ليخلني الأمير، فأخلاه، فأخبره أنه عين للرّوم، وأنه خلّف أهل الرّساتيق والكور قد حشروا إلى عقبة الرّكاب ليأخذوا عليك بها، ويستنقذوا ما غنمت، ماذا لي إن نصحتك نصيحةً تغنم بها جماعتهم، وتجيزها بإذن الله لمن معك وما معك؟. قال: لك الأمان، وغير ذلك؟ قال: إن الذين حشروا إليها كرهاً، وقد أقاموا وأبطأت عليهم، فالرّأي لك أن يؤذّن مؤذّنك في هذه السّاعة أن يصبح النّاس على ظهر نفير ليقيما ثم تصبح غاديتهم يوماً أو يومين وتبلغهم ليوافوك عند إقبالك من العقبة؛ فإذا ذهب الخير إليهم بذلك وسرت يومك رحلوا عنها أو أكثرهم، عطفت عليهم فأخذتها بإذن الله، وقويت على من بقي منهم.
قال الشيخ: نفعل ذلك. ثم عطفت راجعاً، فوافى الأمر على نحو مّما ذكر من رفض عامّتهم، وقلّة من ثبت عليها، فقاتلوه قتالاً شديداً، فنصره الله، وكان بيننا وبينهم شبه الملحمة، وأجاز بما كان سبا وغنم حتى لحقنا أرض الرّوم.
قال الوليد: كان ذلك سنة أربع عشرة ومئة، وأمير الصّائفة معاوية بن هشام.
стр. 6784
عمرو بن الوليد بن عقبة
ابن أبي معيط واسمه أبان بن أبي عمرو بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف أبو الوليد القرشيّ، الأمويّ، المدنيّ، المعروف بأبي قطيفة
وإنّما قيل له أبو قطيفة لكثرة شعر رأسه ولحيته، شبّه بالقطيفة. شاعر محسن، سيّره ابن الزّبير في جملة من سيّر من بني أميّة إلى دمشق. وأبو قطيفة هو الذي يقول: من الخفيف
ليت شعري وأين منّي ليت ... أعلى العهد يلبنّ فبرام
أم كعهدي البقيع أم غيرّته ... بعدي المعصرات والأيّام
أقطع اللّيل كلّه باكتئاب ... وزفير فما أكاد أنام
نحو قومي إذ فرّقت بيننا الدّا ... ر وجارت عن قصدها الأحلام
خشية أن يصيبهم عنت الدّه ... ر وحرب يشيب فيها الغلام
ولقد حان أن يكون لهذا الد ... دهر عنّا تباعد وانصرام
وبقومي بدّلت لخماً وكلباً ... وجذاماً وأين منّي جذام
إقر عنّي السّلام جئت قومي ... وقليل لهم لديّ السّلام
وقال أيضاً أبو قطيفة: من الطويل
أيا ليت شعري هل تغيّر بعدنا ... بقيع المصلّى أم كعهدي القرائن
أم الدّور أكناف البلاط عوامر ... كما كنّ أم هل بالمدينة ساكن
أحنّ إلى تلك البلاد صبابةً ... كأني أسير في السّلاسل راهن
стр. 6785
فما أخرجتنا رغبة عن بلادنا ... ولكنّه ما قدّر الله كائن
لعل قريشاً أن تريع حلومها ... ويزجر بعد الشّؤم طير أيامن
إذا برقت نحو الحجاز سحابة ... دعا الشّوق منّي برقها التيامن
وقال أيضاً: من الطويل
بكى أحد أن فارق النّوم أهله ... فكيف بذي وجد من القوم آلف
من اجل أبي بكر جلت عن بلادها ... أميّة والأيّام عوج عواطف
في شعر له كثير. وذكر في غير هذه الرّواية، أن ابن الزّبير لمّا بلغه شعر أبي قطيفة، قال: حنّ والله أبو قطيفة، وعليه السّلام ورحمة الله، من لقيه فليخبره أنه آمن فليرجع؛ فأخبر بذلك، فانكفأ إلى المدينة راجعاً، فلم يصل إليها حتى مات.
عمرو بن الوليد
من أهل دمشق. حدّث، أنه سأل سالم بن عبد الله عن الحجر حجر الكعبة، ما يقال فيه: حدّثني القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن عبد الله بن الزّبير، عن عائشة أم المؤمنين، أن رسول الله ﷺ أخذ بيدها يوماً، فقال: " لولا حداثة قومك بالكفر لهدمت الكعبة، فأدخلت الحجر فيها، فإنه منها، ولكن قومك استحلّوا من بنيانه، ولجعلت لها بابين، وألصقتها بالأرض، فإن قومك إنّما رفعوا بابها لئلاّ يدخلها إلاّ من شاؤوا، ولأنفقت كنزها ".
قال الأوزاعيّ: عمرو بن الوليد ثقة.
стр. 6786
عمرو بن هاشم البيروتي
حدّث، قال: سمعت الأوزاعي يحدّث عن حسان بن عطيّة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : " من حلف على يمين فاستثنى ثم أتى بما حلف فلا كفّارة عليه ".
وعن الهقل بن زياد، عن الأوزاعيّ، عن الزّهريّ، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: " إنّما الحمّى من فيح جهنّم، فأطفؤوها بالماء ".
وعن إدريس بن زياد الألهانيّ، عن محمد بن زياد الألهانيّ، عن أبي أمامة: أنه كان يسلّم على كلّ من لقيه. قال: فما علمت أحداً يسبقه بالسّلام، إلاّ يهوديّاً مرّة اختبأ له خلف اسطوانة، فخرج، فسلّم عليه؛ فقال له أبو أمامة: ويحك يا يهوديّ، ما حملك على ما صنعت؟ قال: رأيتك رجلاً تكثر السّلام فعلمت أنه فضل، فأحببت أن آخذ به. فقال أبو أمامة: ويحك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله جعل السّلام تحيّةً لأمّتنا وأماناً لأهل ذمّتنا ".
قال ابن أبي حاتم: سألت عنه محمد بن مسلم فقال: كتبت عنه، كان قليل الحديث. قلت: ما حاله؟ قال: ليس بذاك، كان صغيراً حين كتب عن الأوزاعيّ.
عمرو بن محمد والد الأوزاعيّ
عن محمد بن كثير، قال: سمعت الأوزاعيّ يوماً، وذكر أباه، فبكى بكاءً خفيفاً لم ينتبه له إلاّ من قرب منه
стр. 6787
وتأمّله، ثم دعا له، وجعل يترحّم عليه، ثم قال: حدّثني أبي، قال: كنّا أغيلمة أتراباً نلعب في ميدان الأوزاع بربض مدينة دمشق، فمّر بنا راكب مسرع، فاعترضه رجل، فسأله وأنا أسمع، فقال: من أين جئت؟ قال: من المدينة. قال: هل وراءك من خبر؟ قال: نعم، قتل أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب.
عمرو بن يحيى بن سعيد
ابن عمرو بن سعيد بن العاص بن أميّة ابن عبد شمس بن عبد مناف أبو أميّة المكّيّ قدم دمشق على بعض بني أميّة.
روى عن جدّه، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " هلكت أمّتي على يدي غلمة من قريش " قال مروان وهو معنا في الحلقة قبل أن يلي شيئاً: فلعنة الله عليهم غلمةً. قال: أما والله لو أشاء أن أقول: بنو فلان وبنو فلان لفعلت. قال: فكنت أخرج أنا مع أبي وجدّي إلى مروان بعدما ملكوا، فإذا هم يبايعون الصّبيان ومنهم من بويع له وهو في خرقة. قال لنا: هل عسى أصحابكم هؤلاء أن يكونوا أكبر؟ سمعت أبا هريرة يذكر أن هذه الملوك يشبه بعضها بعضاً قال عنه يحيى بن معين: صالح.
стр. 6788
عمرو بن يحيى بن وهب بن أكيدر
من أهل دومة الجندل.
روى عن أبيه، عن جدّه، قال: كتب رسول الله ﷺ إلى أبي أكيدر، ولم يكن معه خاتمه، فختمه بظفره.
عمرو بن يزيد بن معاوية
ابن أبي سفيان بن حرب أمّه أم ولد.
عمرو أبو عثمان البكاليّ
لم ينسب، وقيل: ابن سيف له صحبة، ويقال: لا صحبة له. شهد اليرموك. وكان يؤمّ النّاس بدمشق.
عن أبي تميمية الهجيمي، قال: أتيت الشّام فإذا أنا برجل مجتمع عليه، وإذا هو مجذوذ الأصابع. قال: قلت: من هذا؟ قالوا: هذا أفقه من بقي على ظهر الأرض من أصحاب رسول الله ﷺ ، هذا عمرو البكاليّ. قال: قلت: فما شأن أصابعه؟ قالوا: أصيب يوم اليرموك. قال: وإذا هو يحدّث ويقول: يا أيّها النّاس، اعملوا وأبشروا، فإن فيكم ثلاثة أعمال ليس منهنّ عمل، إلاّ وهو يوجب لأهله الجنّة، قالوا: وما هنّ؟ قال: رجل يلقى في الفئة، فينصب نحره حتى يهراق دمه، فيقول الله لملائكته: ما حمل عبدي على ما صنع؟ قال: فيقولون: ربّنا، أنت أعلم. قال: يقول: أنا أعلم، ولكن أخبروني ما حمله على الذي صنع؟ قال: يقولون: ربّنا، رجّيته شيئاً فرجاه، وخوّفته شيئاً فخافه.
стр. 6789
قال: فيقول: فإني أشهدكم أني قد أوجبت له مارجا، وأمّنته ممّا يخاف. قال: ورجل يقوم في اللّيلة الباردة من دفوة فراشه إلى الوضوء والصّلاة فيقول الله لملائكته: ما حمل عبدي على ما صنع؟ قال: يقولون: ربّنا، أنت أعلم. قال: يقول: أنا أعلم، ولكن أخبروني ما حمله على ما صنع؟ قال: يقولون: ربّنا، رجّيته شيئاً فرجاه، خوّفته شيئاً فخافه. قال: قال: أشهدكم أني قد أوجبت له ما رجا، وأمّنته ممّا يخاف. قال: والقوم يكونون جميعاً، فيقرأ الرّجل عليهم القرآن؛ فيقول الله لملائكته: ما حمل عبادي هؤلاء على ما صنعوا؟ قال: يقولون: ربّنا، أنت رجّيتهم شيئاً فرجوه، وخوّفتهم شيئاً فخافوه. قال: فيقول: إني أشهدكم أني قد أوجبت لهم ما رجوا، وأمّنتهم ممّا خافوا.
قال موسى الكوفيّ: وقفت على منزل عمرو البكاليّ وهو أخو نوف بحمص، وهما من حمير.
قال ابن يونس: قدم مصر مع مروان بن الحكم سنة خمس وستّين.
قال عنه العجليّ: شاميّ، تابعيّ، ثقة، من كبار التابعين. بلغني أن عمراً البكاليّ عاش إلى بعد وقعة راهط.
عمرو الطّائيّ
ذكر أن له وفاة على رسول الله ﷺ . نزل دمشق.
стр. 6790
عمرو الحضرميّ مولاهم
والد حريث بن عمرو، قدم مع أبي عبيدة بن الجرّاح، وشهد صفّين مع معاوية. قال خليفة في تسمية من قتل مع معاوية بصفّين: عمرو بن الحضرميّ.
عمرو السّرّاج الإسكاف
وأظنّه عمر بن السّرّاج، الذي تقدم.
حدّث، قال: مرّ بنا النّون بدمشق إلى المتوكل، وقد حمل على بغال البريد، فما كان بأسرع أن رجع؛ فسألته: بم تخلّصت منه؟ قال: دخلت إليه، فلّما رآني، استثبت لي أن قلت: يا من ليس في السّموات نظرات، ولا في البحار قطرات، ولا في ديباج الرّياح ولجات، ولا على الألسن من نطقات، ولا في القلوب خطرات، ولا في الجوانح حركات؛ إلاّ وهي عليك يا ربّ دالاّت، وبربوبيّتك معرّفات، التي أحدثت بها من في الأرض ومن في السّموات؛ أشغل قلبه عنّي. قال: فقال: يا أبا البيض، إنا أتعبناك، سل. قال: ردّني. قال: ردّوه. فدخل عليه عبد الله بن خاقان، فقال: يا أمير المؤمنين، آليت على نفسك إن رأيت ذا النّون لتقتلنّه، فلّما أن رأيته قمت إليه! قال: كان بين يديه أسود عايه سيف، على زاوية السّيف نار. فقال: همّ به حتى أهمّ بك!.
стр. 6791
عملّس بن عقيل بن علّفة
ابن الحارث بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ بن مرّة ابن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان ابن سعد بن قيس عيلان بن مضر، المرّيّ شاعر، قدم مع أبيه على بعض خلفاء بني أميّة.
عن ابن الأعرابيّ، قال: خرج عقيل بن علّفة المرّيّ إلى الشام، فحمل معه ابنته الجرباء، لأنه كان غيوراً، وخرج معه ابنه العملّس، فبيناهم يسيرون، قال عقيل: من الطويل
قضت وطراً من دير سعد وطالما ... على عرض ناطحنه بالجماجم
أجز يا عملّس. فقال:
فأصبحن بالبيداء يحملن فتيةً ... نشاوى من الإدلاج ميل العمائم
قال: أجيزي يا جرباء. فقالت:
كأن الكرى سقّاهم صرخديّة ... عقاراً تمشّى في المطا والقوائم
المطا: الظّهر. والصّرخديّة: الخمر. فلّما ذكرت ذلك لحقته غيرة، فقام إليها فضربها، فعحجز بينهما العملّس، فقال:
стр. 6792
أتضرب صابينا وتعذل في الصّبا ... وما هنّ والفتيان إلاّ شقائق
فأحال على العملّس يضربه، فبعد منه هنيّةً ورماه بسهم، فأقعد، ومضى إلى أهل الماء وقال: إن بعيراً لنا تركناه في المنزل، فمن أدركه منكم بماء فله نصيب من لحمه، ومن لا فلا: وإنّما أراد أن يسقى أبوه ماء، فشرعوا إليه بالماء فشرب وصلح، وأنشأ يقول: من الرجز
إن بنيّ زمّلوني بالدّم ... من يلق أبطال الرّجال يكلم
ومن يلق ذروته يقوّم ... شنشنة أعرفها من أخزم
الشّنشنة: الطبيعة والخليقة. والذّروة: أعلى الشّيء. يكلم: يجرح. وبلغني من وجه آخر، أنه قال:
قضت وطراً من دير هند
ومن وجه آخر:
من دير يحيى
فمضى عملّس بأخته فأحياها، ومضى هارباً من أبيه إلى الشام، وذلك أنه آلى ليضربنّه بالسّيف. وأقام عقيل سنين، ثم اشتاق إلى ابنه، فأقبل يطلبه، فلّما وافى بعض مدن الشام فإذا هو بجنازة، فقال: ويحكم، من هذه؟ قالوا: عملّس بن عقيل بن علّفة. فأنشأ يرثيه: من الطويل
لقد خبر القوم الشآمون غدوةً ... بموت فتىً في الحيّ غير ضئيل
لتسر المنايا حيث شاءت فإنّها ... محللة بعد الفتى ابن عقيل
فتىً كان مولاه يحلّ بربوةً ... فحلّ الموالي بعده بمسيل
стр. 6793
عمير بن الحارث الدّمشقيّ
عمير بن الحباب بن جعدة
ابن إياس بن حذافة بن محارب بن هلال بن فالج ابن ذكوان بن ثعلبه بن بهثة بن سليم بن منصور أبو المغلّس السّلمي الذّكوانيّ شاعر فارس، وفد على عبد الملك بن مروان، وكانت بينه وبين قبائل اليمن مغاورات وحروب وغارات.
عن عمير بن الحباب السّلميّ، قال: أسرت أنا وثمانية معي في زمان بني أميّة، فأدخلنا على ملك الرّوم، فأمر بأصحابي فضربت رقابهم، ثم إني قرّبت لضرب عنقي فقام إليه بعض البطارقة، فلم يزل يقبّل رأسه ورجليه حتى وهبني له، فانطلق بي إلى منزله، فدعا ابنةً له جميلة وكان عمير بن الحباب رجلاً جميلاً نبيلاً فقال لي البطريق: هذه ابنتي، أزوّجك بها، وأقاسمك مالي، وقد رأيت منزلي من الملك، فادخل في ديني حتى أفعل بك هذا. فقلت: ما أترك ديني لزوجة ولا لدنيا. قال: فمكث أيّاماً يعرض عليّ ذلك، وآبى؛ فدعتني ابنته ذات ليلة إلى بستان لها، فقالت: ما يمنعك ممّا عرض عليك أبي؟ يزوجني منك، ويقاسمك ماله، وقد رأيت منزلته من الملك، وتدخل في دينه؟ فقلت: ما أترك ديني لامرأة ولا لشيء. قالت: فتحبّ المكث عندنا أو اللّحاق ببلادك؟ فقلت: الذّهاب إلى بلادي. قال: فأرتني نجماً في السّماء، قالت: سر على هذا النّجم باللّيل، واكمن بالنّهار، فإنه يلقيك إلى بلادك. ثم زوّدتني وانطلقت، فسرت ثلاث ليال، أسير في اللّيل وأكمن في النّهار.
стр. 6794
قال: فبنيا أنا اليوم الرّابع مكمن، فإذا الخيل. قال: فقلت: طلبت. قال: فأشرعوا عليّ فإذا أنا بأصحابي المقتولين على دواب، معهم آخرون على دواب شهب. قال: فقالوا: عمير؟ فقلت: أو ليس قد قتلتم؟ قالوا: بلى، ولكن الله تعالى نشر الشّهداء وأذن لهم أن يشهدوا جنازة عمر بن عبد العزيز. قال: فقال لي بعض الذين معهم: ناولني يدك يا عمير. فناولته يدي؛ فأردفني، ثم سرنا يسيراً، ثم قذف بي قذفة وقعت قرب منزلي، من غير أن يكون لحقني شيء.
قال أبو أحمد العسكري: فأما الحباب: الحاء غير معجمة، وتحت الباء نقطة واحدة، فمنهم عمير بن الحباب السّلميّ، أحد فرسان العرب المشهورين بالنّجدة، وله أخبار مع عبد الملك بن مروان، ولا رواية له، وابنه الحباب بن الحباب، كان مع مروان بن محمد يقاتل الخوارج.
ذكر زياد بن يزيد عمير بن الحباب، عن أشياخ قومه، قال: أغار عمير بن الحباب على كلب، فلقي جمعاً لهم بالإكليل في ستمئة أو سبعمئة، فقتل منهم فأكثر، فقالت هند الجلاحيّة تحرّض كلباً: من الوافر
ألاهل ثائر بدماء قوم ... أصابهم عمير بن الحباب
وهل في عامر يوماً نكير ... وحيّي عبد ودّ أو جناب
فإن لم يثأروا من قد أصابوا ... فكونوا أعبدا لبني كلاب
أبعد بني الجلاح ومن تركتم ... بجانب كوكب تحت التّراب
تطيب لغابر منكم حياة ... ألا لاعيش للحيّ المصاب
فاجتمعوا، فلقيهم عمير، فأصاب منهم، ثم أغار فلقي جمعاً منهم بالجوف فقتلهم، وأغار عليهم بالسّماوة فقتل منهم مقتلةً عظيمةً، فقال عمير: من الوافر
ألا يا هند هند بني جلاح ... سقيت الغيث من تلك السّحاب
ألمّا تخبرني عنّا بأنّا ... نردّ الكبش أعضب في تباب
стр. 6795
ألا يا هند لو عاينت يوماً ... لقومك لا متنعت من الشّراب
غداة ندوسهم بالخيل حتى ... أباد القتل حيّ بني كلاب
ولو عطفت مواساة حميداً ... لغودر شلوه تحت التّراب
يعني حميد بن بحدل الكلبيّ.
قال أبو عبيدة: عمير بن الحباب: فارس سليم في الإسلام، قتل بني تغلب بالجزيرة، فقتلوه بعدما أثخن فيهم وقتل ساداتهم ورجالهم في خلافة عبد الملك بن مروان. وقال عبد الملك بن مروان يوماً: من أشجع النّاس؟ فقالوا: عمير بن الحباب.
قال اللّيث: وفي سنة سبعين قتل عمير بن الحباب. وبلغني أن عمير بن الحباب قتله زياد بن هوبر التّغلبيّ يوم الثّرثار.
عمير بن ربيعة
مولى بني عبد شمس وقيل: إنه أوزاعيّ حدّث عن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: " لا تبادروا الإمام بالرّكوع حتى يركع، ولا بالسّجود حتى يسجد، ولا ترفعوا رؤوسكم حتى يرفع، فإنّما جعل الإمام ليؤتمّ به ".
وعنه: عن النّبيّ ﷺ قال: " لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإني أخاف أن يخبروكم بالصّدق فتكذّبوهم، أو يخبروكم الكذب فتصدّقوهم؛ عليكم بالقرآن، فإن فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وفصل ما بينكم ".
следующие страницы →