← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.

стр. 6896

قال أبو عمير ثقة، رضى، من عباد المسلمين. كان يطلب العلم وعلى ظهره خريقة قدر ذارع؛ ومات أبو عمير سنة ست وخمسين ومئتين. عيسى بن محمد بن حبيب أبو عبد الله الأندلسي قدم دمشق وحدث بها وغيرها. حدث عن أبي عبد الله بن أحمد بن حماد زغبة قال: سمعت عبد الغني بن أبي عقيل يقول: سمعت المفضل بن فضالة القتباني - وكان قاضياً لأهل مصر - يقول: من أراد أن يأكل من بوش مصر فليأكل من بوشها بالغداة ومن ناطفها القند بالعشي. قال أبو عامر العبدري الحافظ: أراه أراد ببوش مصر أخلاطها من تلك الموالح والكوافخ؛ والبوش الجماعة من الناس، وبوش القوم كثروا وخلطوا. وحدث عن أبي بكر أحمد بن هارون بن هانئ بن المتوكل بسنده إلى محمد بن إدريس الشافعي ﵁ قال: وصف لي رجلٌ من العباد باليمن، وذكر من فضله، فارتحلت حتى قدمت عليه بالجند، فإذا رجلٌ كما وصف لي أو فوق ذلك، وإذا به راكعاً وساجداً! فقلت: رحمك الله من أجلك ارتحلت، فانفتل عن صلاته وكتب بإصبعه على الأرض: من الكامل

стр. 6897

منع السلام من الكلام لأنه ... خبث الردى ومواضع الآفات ثم قام إلى الصلاة فلم يزد عليه شيئاً. عيسى بن محمد بن السمط أبو محمد الشاهد حدث عن أبي زيد محمد بن أحمد بن عبد الله المروزي الفقيه بسنده إلى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: لاتدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، فيصيبكم مثل ما أصابهم. وروي من طريقٍ آخر عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الحجر: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين الحديث. عيسى بن محمد بن الطيب بن علي أبو طالب البغدادي الباقلاني سمع بدمشق. حدث عن محمد بن عبد الرحمن المعروف بالمخلص بسنده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : لكل شيء زكاة، وزكاة الدار بيت الضيافة.

стр. 6898

عيسى بن محمد بن عبد الله بن الشهريج أبو موسى مولى بني هاشم، البغدادي حدث بدمشق، وروى عن الحسين بن إبراهيم البابي بسنده عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ : لما عرج بي رأيت على ساق العرش مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أيدته بعلي ونصرته بعلي. وحدث عنه أيضاً بالسند أن رسول الله ﷺ قال: تختموا بالعقيق فإنه ينفي الفقر، واليمين أحق بالزينة. عيسى بن مريم روح الله وكلمته، وعبده ورسوله صلى الله على نبينا محمدٍ وعليه وسلم كان يأوي إلى الربوة خوفاً من الكفار وقد تقدم ذلك في فضل الربوة. عن ابن عباس: في قوله : " وبراً بوالديه " قال: كان لايعصيهما. " ولم يكن جباراً " لم يكن قتال النفس التي حرم الله " عصيا " لم يكن عاصياً لربه " وسلام عليه " يعني حين سلم الله عليه " يوم ولد ويم يموت ويم يبعث حياً " قال: لما وهب الله لزكريا يحيى بلغ ثلاث سنين بشر الله مريم بعيسى، فبينا هي في المحراب إذ قالت الملائكة - وهو

стр. 6899

جبريل وحده -: " يامريم إن الله اصطفاك وطهرك " من الفاحشة " واصطفاك " يعني اختارك " على نساء العالمين " عالم أمتها " يا مريم اقنتي لربك " يعني صلي لربك، يقول: اذكري لربك في الصلاة بطول القيام، فكانت تقوم حتى ورمت قدماها " واسجدي واركعي مع الراكعين " يعني مع المصلين مع قراء بيت المقدس، يقول الله لنبيه ﷺ : " ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك " يعني بالخبر الغيب في قصة زكريا ويحيى ومريم " وما كنت لديهم " يعني عندهم " إذ يلقون أقلامهم " في كفالة مريم ثم قال: يا محمد - يخبر بقسة عيسى - " إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيه عيسى بن مريم وجيهاً في الدنيا " يعني مكيناً عند الله في الدنيا من المقربين في الآخرة " ويكلم الناس في المهد " يعني في الخرق في محرابه " وكهلاً " ويكلمهم كهلاً إذا اجتمع قبل أن يرفع إلى السماء " ومن الصالحين " يعني من المرسلين. وعن ابن عباس في قوله: " واذكر في الكتاب مريم " يقول: قص ذكريا على اليهود والنصارى ومشركي العرب " إذ انتبذتم " خرجت " من أهلها مكاناً شرقياً قال: كانت خرجت من بيت المقدس مما يلي الشرق، " فاتخذت من دونهم حجاباً " وذلك أن الله لما أراد أن يبتدئها بالكرامة ويبشرها بعيسى، وكانت قد اغتسلت من المحيض فتشرقت وجعلت بينها وبين قومها حجاباً، يعني جبلاً، فكان الجبل بين مجلسها وبين بيت المقدس " فأرسلنا إليها روحنا " يعني جبريل ﵇ " فتمثل لها بشراً سوياً " في صورة الآدامين، سوياً: يعني معتدلاً شاباً، أبيض الوجه جعداً قططاً، حين اخضر شاربه، فلما نظرت إليه بين يديها " قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً " وذلك أنها شبهته بشاب كان يراها ونشأ معها يقال له يوسف من بني إسرائيل، وكان من خدم بيت المقدس، فخافت أن يكون الشيطان استزله، فمن ثم قالت: " أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً "

стр. 6900

يعني إن كنت تخاف الله " قال " جبريل وتبسم: " إنما أنا رسول الله لأهب لك غلاماً زكياً " يعني لله مطيعاً من غير بشر " قالت أنى يكون لي غلام " أو ولد " ولم يمسني بشر " يعني زوجاً، لأن الأنثى تحمل من الذكر " ولم أك بغياً " أي مومسة " قال " جبريل " كذلك " يعني هكذا " قال ربك هو علي هين " يعني خلقه من غير بشر وهو من غيرزوج، وهو يخلق مايشاء " ولنجعله آية للناس " قال: يعني عبرة للناس. قال ابن عباس: والناس هاهنا للمؤمنين خاصة " ورحمة منا " لمن صدق بأنه رسول الله " وكان أمراً مقضيا " يعني كائناً أن يكون من غير بشر " ويعلمه الكتاب " يعني يخط الكتاب بيده " والحكمة " يعني الحلال والحرام " ويعلمه الكتاب والحكمة " والسنة " والتوراة والانجيل، ورسولاً إلى بني إسرائيل " وأجعل على يديه الآيات والعجائب " فحملته " قال ابن عباس: فدنا جبريل ﵇ فنفخ في جيبها، فدخلت النفخة جوفها، فاحتملت كما تحمل النساء في الرحم والمشيمة ووضعته كما تضع النساء. قال أبي بن كعب: كان روح عيسى بن مريم ﵇ من تلك الأرواح التي أخذ عليها الميثاق في زمن آدم ﵇، فأرسله الله إلىمريم في صورة بشر " فتمثل لها بشراً سوياً " إلى قوله: " فحملته " قال: حملت الذي خاطبها، وهو روح عيسى، قال: ودخل من فيها. قال أبي بن كعب في قوله : " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم " إلى قوله: " أفتهلكنا بما فعل المبطلون " قال: جمعهم فجعلهم أرواحاً ثم صورهم واستنطقهم

стр. 6901

فتكلموا وأخذ عليهم العهد والميثاق " وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا " إلى قوله: " المبطلون " قال: فإني أشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع، ويشهد عليكم أبوكم آدم أن تقولوا يوم القيامة: لم نعلم بهذا، اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري، فلا تشركوا بي شيئاً، فإني سأرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليهم كتابي؛ قالوا: نشهد أنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك. فأقروا يومئذٍ بالطاعة، ورفع عليهم أباهم آدم فنظر إليهم، فرأى فيهم الغني والفقير والحسن الصورة ودون ذلك فقال: رب! لو سويت بين عبادك، قال: إني أحب أن أشكر؛ ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج، عليهم النور وخصوا بميثاق آخر في الرسالة والنبوة، وهو قوله: " وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً " وهو الذي يقول: " فأقم وجهك للدين حنيفاً، فطره الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله " وكان روح عيسى في تلك الأرواح التي أخذ عليها العهد والميثاق، فأرسل ذلك الروح إلى مريم، قال: " فأرسلنا إليها روحنا " إلى قوله: " وكان أمراً مقضياً " قال: " فحملته " حملت الذي خاطبها وهو روح عيسى. قال: فسأله مقاتل بن حيان: من أين دخل الروح؟ فذكر عن أبي العالية عن أبي بن كعب أنه دخل من فيها. وعن مجاهد قال: كانت مريم ﵍ تقول: كان عيسى إذا كان عندي أحد يتحدث معي سبح في بطني، وإذا خلوت فلم يكن عندي أحد حدثته وحدثني وهو في بطني. وعن الحسن قال: بلغني أنها حملته لسبعٍ أو لتسعٍ ساعات ووضعته من يومها. وقيل حملته تسعة أشهر كما تحمل النساء، فالله أعلم أنى ذلك كان.

стр. 6902

قال الشعبي: كتب قيصر إلى عمر أن رسلي أتتني من قبلك فزعمت أن قبلكم شجرةً ليست بخليقة لشيء من الخير، تخرج مثل آذان الحمير، ثم تقق عن مثل اللؤلؤ ثم تخضر فتكون مثل الزمرد الأخضر، ثم تحمر فتكون كالياقوت الأحمر، ثم تينع وتنضج فتكون كأطيب فالوذخٍ أكل، ثم تتشقق فتنتثر فتكون عصمةً للمقيم وزاداً للمسافر، فإن تكن رسلي صدقتني فلا أرى هذه الشجرة إلا من شجر الجنة. فكتب إليه عمر: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى قيصر ملك الروم، إن رسلك قد صدقتك، هذه الشجرة عندنا هي الشجرة التي أبتها الله تعالى على مريم ﵍ حين نفست بعيسى ابنها، فاتق الله ولا تتخذ عيسى إلهاً من دون الله فإن " مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من ترابٍ ثم قال له كن فيكون، الحق من ربك فلا تكن من الممترين ". قال: وبلغني أن من آدم إلى مولد المسيح ﵇ خمسة آلاف وخمس مئة سنة ومن الطوفان إلى مولده ثلاثة آلاف ومئتان وأربع وأربعون سنة، ومن إبراهيم إلى مولده ألفان وسبع مئة وثلاث عشرة، ومنملك داود إلى مولده ألف وتسع وخمسون سنة، وولد في خمسةٍ وعشرين يوماً من كانون الأول، ومن رفع المسيح إلى هجرة النبي ﷺ تسع مئة وثلاث وثلاثون سنة. وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من بني آدم من مولودٍ إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان غير مريم وابنها. ثم قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم " إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ".

стр. 6903

وعن أبي هريرة قال: عن النبي ﷺ قال: كل ابن آدم يطعن الشيطان بإصبعه في جنبه حين يولد إلا عيسى بن مريم فإنه ذهب ليطعن فطعن في الحجاب. قال وهب بن منبه: لما ولد عيسى بن مريم أتت الشياطين إبليس - لعنهم الله - فقالوا: أصبحت الأصنام قد نكست رؤوسها، فقال: هذا حادثٌ حدث، مكانكم، وطار حتى جاب خافقي الأرض فلم ير شيئاً ولم يجد شيئاً، ثم جاب البحار فلم يقدر على شيء، ثم طاف أيضاً فوجد عيسى قد ولد عند مذود حمار، وإذا الملائكة قد حفت حوله، فرجع إليهم فقال: إن نبياً قد ولد البارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا وأنا بحضرتها إلا هذا. فأيسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفة والعجلة. وعن عكرمة بن خالد المخزومي قال: لما ولد عيسى بن مريم لم يبق شيء يعبد من دون الله إلا خر لوجهه ففزعت لذلك الشياطين واجتمعوا إلى إبليس فأخبروه، فركب، فإذا بعيسى في مهده، فأراده، فحال الله بينه وبينه وملائكته، فقال له إبليس: أتعرفني؟ قال: نعم أنت إبليس، قال: صدقت، قال: أما إني ما جئتك تصديقاً بك، ولكن رحمتك ورجمت أمك لما قالت بنو إسرائيل فيها، فلو أمرت أمك فجعلتك على شاهقةٍ من الجبل ثم طرحتك فإن ربك وملائكته لم يكن ليسلمك ولا ليكسرك، فقال عيسى: يا قديم الغي! إنما أفعل ما يأمرني ربي، وإني أريد أن أعرف كرامتي عند الله . قال وهب بن منبه: سألني ابن عباس عن عيسى بن مريم وميلاده، وعن لقيه إبليس بعقبة بين المقدس، وعن نعت الإسلام، وعن صفة محمد ﷺ في الإنجيل فقلت: نعم، إن إبليس عدو الله اتخذ مجلساً على اللجة الخضراء، ثم بث شياطينه في ولد آدم فقال: انطلقوا فأتوني بأحداث الدنيا، فأتوه بجماعتهم لست ساعات مضين من النهار، فقال: أخبروني عما كنت وجهتكم؟ فقالوا: سيدنا، قد كانت الأصنام بغيتنا ورجاء ضلالة ابن آدم، فلم يبق صنم إلا أصبح منكوساً قد انحدرت حدقتاه على وجنتيه، فساء ظننا وأسقط في أيدينا. فأتوه لست ساعاتٍ مضين من النهار، فقال لهم إبليس: على رسلكم، أعلم علم ما أتيتوني، وكان ذلك

стр. 6904

ليلة ولد عيسى بن مريم في ثلاث عشرة ليلة مضين من ذي القعدة، فخرت الأصنام كلها سجداً وتنكس كل صنمٍ كان يعبد من دون الله تعالى ما بين المشرق والمغرب، فانطلق إبليس وطار، فغاب عنهم مقدار ثلاث ساعات من النهار، فانصرف إليهم عوده على بدئه فقال: إني لم أدع مشارق الأرض ومغاربها ولا برها ولا بحرها، ولا سهلها ولا جبلها إلا أيتيه، فوجدت ذلك المولود ولد لغير بشر، فأتيته من بين يديه لأضع يدي عليه فإذا الملائكة دونه كأنهم بنيان مرصوص، من تخوم الثرى إلى أعنان السماء، فأتيته من فوقه فإذا الملاسكة مناكبها ثابتةٌ في السماء وأرجلها تحت الأرض الصفلى فلم أصل إلى ما أردت به ولأضلن به أكثر ممن تبعه. فلما بلغ عيسى ثلاثين سنة، وبعثه الله رسولاً إلى بني إسرائيل، مصدقاً لما بين يديه من التوراة ومبشراً برسولٍ يأتي من بعده اسمه أحمد، واتخذ الآيات والعجائب، من إحياء الموتى وخلق الطير، وإبراء الأكمه والأبرص. لقيه إبليس خالياً عند عقبة بيت المقدس، فقال الخبيث في نفسه: أنتهزن اليوم فرصتي من عيسى، فقال له إبليس: أنت عيسى بن مريم؟ قال نعم، قال: أنت الذي تكونت من غير أبٍ؟ إنك لعظيم الخطر! قال: بل العظمة للذي كونني؛ قال: أنت عيسى بن مريم الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تبرئ الأكمه والأبرص وتشفي المريض؟ قال: بل العظمة للذي بإذنه أشفيهم، وإذا شاء أمرضني؛ قال: أنت عيسى بن مريم الذي يحي الموتى؟ إنك لعظيم الخطر! قال: بل العظمة للذي بإذنه احييهم، ولا بد أن سوف يميتني؛ قال: أنت عيسى بن مريم الذي بلغ من عظمتك أنك تمشي على الماء؟ قال: بل العظمة للذي بإذنه مشيت، وإذا شاء أغرقني؛ قال: أنت عيسى بن مريم الذي يبلغ من عظمتك أنك تعلو السماوات فتدبر فيها الأمر، ما أعرف لله نداً غيرك ولا مثلاً إلا أنت! فارتعد عيسى من الفرق، فخر مغشياً عليه ودعا الله على إبليس دعوةً، فخرج يتدأدأ، ما يملك من نفسه شيئاً حتى بلغ الخافق الأقصى، فنهض بالقوة التي جعلت فيه فسد على عيسى العقبة من قبل أن يزول عيسى من مكانه، فقال له: ألم أقل لك إنك إله عظيم وليس لله شبه غيرك، ولكنك لا تعرف نفسك، فهلم

стр. 6905

فأمر الشياطين بالعبادة لك، فإنهم لم يعترفوا لبشرٍ كان قبلك، فإذا رأى بنو آدم أنهم قد عبدوك عبدوك بعبادتهم، فتكون أنت الإله في الأرض والإله الذي تصفه إلهاً في السماء. فخر عيسى مغشياً عليه، فبعث الله إليه ثلاثة أملاك: جبريل ومياكئيل وإسرافيل، فنفحه ميكائيل نفحة فخرج يتدأدأ ما يملك من نفسه شيئاً حتى بلغ الخافق الأقصى حصيداً محترقاً، ثم مثل له إسرافيل فنفحه نفحة بجناحه، فخرج يتدأدأ ما يملك من نفسه شيئاً حتى مر بعيسى على العقبة وهو يقول: يا ويله! لقد اقيت منك يابن العذراء تعباً! ثم مثل له جبريل فنفحه نفحةص فخرج يتدأدأ ما يملك من نفسه شيئاً، حتى وقع في العين الحامية فتخلص منها بعد ثلاثة أيام حتى رجع إلى مجلسه. وعن مجاهد في قوله " وجعلني مباركاً " قال: نفاعاً للناس، وقال: مباركاً، معلماً للخير. وعن جابر " وجعلني مباركاً أين ما كنت " لعيسى بن مريم قال: معلماً ومؤدباً وحناناً، قال: ورحمةً وزكاةً، وطاهراً من الذنوب. وعن يزيد بن أبي حبيب في قوله " وكهلاً " قال: الكهل منتهى الحلم. وقال مجاهد: الكهل، الحليم. وعن ابن عباس في قوله " وبرا بوالدتي " فلا أعقها. فعلموا أنه خلق في غير بشر " ولم يجعلني جباراً شقيا " يعني متعظماً سفاكاً للدم " والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً " يقول الله تعالى " ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون " يعني يشكون - يقوله لليهود - ثم أمسك عيسى عن الكلام حتى بلغ ما يبلغ الناس.

стр. 6906

قال عبد الله بن عباس: ما تكلم عيسى إلا بالآيات حتى بلغ ما يبلغ الصبيان. وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة أن الله تعالى أطلق لسان عيسى مرة أخرى في صباه، فتكلم ثلاث مرات حتى بلغ ما يبلغ الصبيان فيتكلمون فتكلم، فحمد الله أيضاً بتحميدٍ لم تسمع الآذان بمثله، حيث أنطقه طفلاً فقال: اللهم أنت القرب في علوك، المتعالي في دنوك، الرفيع على كل شيءٍ من خلقك، أنت الذي نفذ بصرك في خلقك، وحارت البصار دون النظر إليك، أنت الذي عشيت الأبصار دونك وشمخ بك العلياء في النور، وتشعشع بك البناء الرفيع في المتباعد، أنت الذي جليت الظلم بنورك، أنت الذي أشرقت بضوء نورك دلادج الظلام وتلألأت تعظيماً أركان العرش نوراً، فلم يبلغ أحدٌ بصفته صفتك، فتباركت اللهم خالق الخلق بعزتك، مقدر الأمور بحكمتك، مبتدئ الخلق بعظمتك. ثم أمسك الله لسانه حتى بلغ. وعن ابن عمر قال: ما قال رسول الله ﷺ لعيسى أخي، ولكن رسول الله. قال: بينما أنا نائم أراني أطوف بالكعبة فإذا رجلٌ آدم سبط الشعر، بين الرجلين، ينظف رأسه ماءٌ - أو يهراق رأسه - فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا ابن مريم، فذهبت التفت، فإذا رجلٌ أحمر جسيم، جعد الرأس، أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبةٌ طافية، فقلتك من هذا؟ قالوا: هذا الدجال - وفي رواية: هذا المسيح الدجال - أقرب الناس به شبهاً، رجلٌ من خزاعة يقال له ابن قطن. قالوا: وهو من بني المصطلق، هلك في الجاهلية. وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: ليلة أسري بي رأيت إبراهيم وهو يشبهني، ورأيت موسى جعداً آدم، طويلاً كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلاً أحمر ربعةً سبطاً، كأن رأسه يقطر الدهن. وفي رواية: جعداً أحمر عريض الصدر.

стр. 6907

وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ وصف لأصحابه ليلة اسري به إبراهيم وموسى وعيسى وقال: أما إبراهيم فلم أر أشبه بصاحبكم منه - أو قال: أنا أشبه ولده به - وأما موسى فرجل آدم طوال جعد أقنى، كأنه من رجال شنوة. وأما عيسى فرجل أحمر، بين القصير والطويل، سبط الشعر، كثير خيلان الوجه، كأنه خرج من ديماس - يعني الحمام - تخال رأسه يقطر ماء، وما به ماء، أشبه من رأيت به عروة بن مسعود. قال: وأتيت بإناءين في أحدهما خمر وفي الآخر لبن، فقيل لي: خذ أيهما شئت، فأخذت اللبن، فشربت منه، فقيل لي: هديت إلى الفطرة - أو اصبت الفطرة - أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك. وفي حديث بمعناه أن رسول الله ﷺ قال: إني ليلة أسري بي وضعت قدمي حيث توضع أقدام الأنبياء من بيت المقدس فعرض علي عيسى بن مريم ... الحديث. وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجلٌ مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، بين ممصرتين، فيدق الصليب، ويقتل الخمزير، ويضع الجزية، وعطل الملل، ويقاتل على الإسلام حتى يهلك الله في زمانه الملل كلها غيرالإسلام، ويهلك في زمانه مسيح الضلالة، الدجال الكذاب، وتقع الأمنة في الأرض، حتى يرتع الأسد من الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان والصبيان بالحيات، لا يضر بعضهم بعضاً؛ حتى يمكث في الأرض ما شاء الله، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون، ويدفنونه. قوله ﷺ : ويهلك في زمانه الملل كلها، صريح البيان عن أن اليهود والنصارى

стр. 6908

والمجوس وسائر المشركين ذوو مللٍ مختلفة، وليسوا أهل ملةٍ واحدة وإن جمعهم الكفر وأنه لا توارث بين أحدٍ منهم، وبين من هو على غير ملته لقول النبي ﷺ : لا يتوارث أهل ملتين شتى. وكان أبو جنيفة وأصحابه يرون الكفر كله ملة واحدة ويوقعون التوارث بينهم، وإليه يذهب أصحاب الشفعي. ومن حديث آخر: وأنا وعيسى أخوان، لأنه بشر بي وليس بيني وبينه نبي. قالوا: والديماس محبس. وعن أبي حازم قال: كنت أرى أبا هريرة يأتي الكتاب فيقول للمعلم: مر غلمانك فلينصتوا وليفقهوا ما أقول لهم، فيقول: يا معشر الغلمان، أيكم أدرك عيسى بن مريم فإنه شاب أحمر، حسن الوجه، فليقرا عليه مني السلام. قال عبد الله عن عمرو بن العاص: كان عيسى بن مريم وهو غلام يلعب مع الصبيان، فكان يقول لأهدهم: تريد أن أخبرك ما خبأت لك أملك؟ فيقول: نعم، فيقول: خبأت لك كذا وكذا. فيذهب الغلام منهم إلى أمه، فيقول لها: أطعميني ما خبأت لي، فتقول: وأي شيءٍ خبأت لك؟ فيقول كذا وكذا فتقول له: من أخبرك؟ فيقول: عيسى بن مريم، فقالوا: والله إن تركتم هؤلاء الصبيان مع ابن مريم ليفسنهم، فجمعوهم في بيت، وأغلقوا عليهم، فخرج عيسى يلتمسهم فلم يجدهم حتى سمع ضوضاءهم في بيت، فسأل عنهم فقال: ما هؤلاء؟ كأن هؤلاء الصبيان! قالوا: لا، إنما هم قردة وخنازير، قال: اللهم اجعلهم قردة وخنازير. فكانوا كذلك. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : إن عيسى ﷺ أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه، فقال له المعلم: اكتب بسم الله، فقال لع عيسى: وما باسم؟ قال المعلم: لا أدري، قال عيسى: الباء بهاء الله، والسين سناؤه،

стр. 6909

والميم ملكه، والله لا إله إلا هو، الرحمن رحمان الدنيا واخرة، والرحيم رحيم الآخرة ... الحديث. وعن ابن عباس: أن عيسى بن مريم أمسك عن الكلام بعد إذ كلمهم طفلاً، حتى إذا بلغ ما يبلغ الغلمان، ثم أنطقه الله بعد ذلك بالحكمة والبيان، قال: فأكثر اليهود فيه وفي أمه من قول الزور، فكان عيسى يشرب اللبن من أمه، فلما فطم أكل الطعام وشرب الشراب حتى بلغ سبع سنين، فكانت اليهود تسميه ابن البغية، فذلك قول الله تعالى: " وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً " فلما بلغ سبع سنين أسلمته أمه للكتاب عند رجلٍ من الكتبيين يعلمه كما يعلم الغلمان، فلا يعلمه شيئاً إلا بدره عيسى إلى علمه قبل أن يعلمه إياه، فعلمه أبا جاد، فقال عيسى: ما أبجد؟ قال المعلم: لا أدري، فقال عيسى: فكيف تعلمني مالا تدري؟ فقال المعلم: إذاً فعلمني، فقال له عيسى: فقم من مجلسكن فقام فجلس عيسى مجلسه، فقال: سلنين فقال المعلم: فماذا أبجد؟ فقال عيسى: الألف آلاء الله، باء بهاء الله، جيم بهجة الله وجماله - زاد في غيره: دال الله الدائم - فعجب المعلم من ذلك، فكان أول من فسر أبجد عيسى بن مريم. قال: وسأل عثمان بن عفان رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ماتفسير ابجد؟ فقال رسول الله ﷺ : تعلموا تفسير ابجد، فإن فيه الأعاجيب كلها، ويل لعالمس جهل تفسيره! فقيل يا رسول الله وما أبجد؟ فقال: أما الألف آلاء الله، حرفٌ من أسماءه؛ وأما الباء فبهجة الله وجلال الله؛ وأما الجيم فمجد الله، وأما الدال فدين الله؛ وأما هوز، فالهاء الهاوية، فويل لمن هوى فيها، وأما الواو فويل لأهل النار، وأما الزاي فالزاوية، فنعوذ بالله مما في الزاوية، يعني زوايا جهنم؛ وأما حطي، فالحاء حطوط خطايا المستغفرين في ليلة القدر، وما نزل به جبريل مع الملائكة إلىمطلع الفجر، وأما الطاء فطوبى لهم وحسن مآب، وهي شجرة غرسها الله بيده، وإن أغصانها لترى من وراء سور

стр. 6910

الجنة، نبتت بالحي والحلل، والثمار متدلية على أفواههم، فطوبى لهم وحسن مآب، وأما الياء فيد الله فوق خلقه سبحانه وتعالى عما يشركون؛ وأما كلمن، فالكاف كلام الله، لاتبديل لكلماته " ولن تجد من دونه ملتحدا " وأما اللام فإلمام أهل الجنة بينهم بالزيارة، والتحية والسلام، وتلاوم أهل النار بينهم، وأما الميم فملك الله الذي لا يزول، ودوام الله الذي لا يفنى، وأما نون فنون " والقلم وما يسطرون " فالقلم قلمٌ من نور وكتابٌ من نور، في لوحٍ محفوظ يشهده المقربون، وكفى بالله شهيدا؛ يعني الجزاء بالجزاء وكما تدين تدان، والله لا يريد ظلماً للعباد؛ وأما قريشات، يعني قرشهم يجمعهم يوم القيامة يقضي بينهم وهم لا يظلمون. قال ابن عباس: فكان عيسى يري العجائب في صباه إلهاماً من الله تعالى، ففشا ذلك في اليهود، وترعرع عيسى، فهمت به بنو إسرائيل، فخافت أمه عليه، فأوحى الله إليها أن تنطلق به إلى أرض مصر فذلك قوله : " وجعلنا ابن مريم وأمه آية " فسئل ابن عباس: ألا كان آيتان وهما اثنان؟ فقال: إنما قال آية لأن عيسى من أمه ولم يكن من أبٍ لم يشاركها في عيسى أحد، فصار آيةٌ واحدة " وآويناهما إلى ربوةٍ ذات قرارٍ ومعين " قال: يعني أرض مصر. قال وهب: ولما بلغ عيسى ثلاث عشرة سنة أمره الله تعالى أن يرجع من مصر إلى بيت إيلياء، فقدم عليه يوسف ابن خال أمه فحملهما على حمار، حتى جاء بهما إلى إيلياء وأقامهما حتى أحدث الله تعالى له الإنجيل، وعلمه التوراة، وأعطاه إحياء الموتى، وإبراء الأسقام، والعلم بالغيوب بما يدخرون في بيوتهم؛ وتحدث الناس بقدومه، وفزعوا لما كان يأتي من

стр. 6911

العجائب، وجعلوا منه، فدعاهم إلى الله، ففشا فيهم أمره. وعن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروحٌ منه، وأن الجنة حقٌ، وأن النار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من عمل. زاد في آخر: وأن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها. سئل الأوزاعي عن رجلٍ قال لامرأته: أنت طالقٌ ثلاثاً بتةً أن لم أكن من أهل الجنة؟ فقال الأوزاعي: لا يفرق بينه وبين امرأته؛ حدثني عمير بن هانئ، عن جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبده ورسوله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم، وروحٌ منه، أدخله الله الجنة على ما كان منه فلا يفرق بينهما بالشك لما جاء من هذا الحديث. وفي رواية: أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء. وعن يعلى بن شداد عن النبي ﷺ قال: ليخرجن الله بشفاعة عيسى بن مريم من جهنم مثل أهل الجنة. أنزلت التوراة على موسى صلى الله على نبينا محمدٍ وعليه وسلم في ست ليالي خلون من شهر رمضان؛ ونزل الزبور على داود صلى الله على نبينا محمدٍ وعليه وسلم في اثنتي عشرة خلت من شهر رمضان، وذلك بعد التوراة بأربع مئة سنة واثنتين وثمانين سنة؛ وأنزل الإنجيل على عيسى بن مريم صلى الله على نبينا محمدٍ وعليه وسلم في ثمان عشرة ليلة خلت من شهر رمضان بعد الزبور بألف عام وخمسين عاماً؛ وأنزل القرآن على النبي ﷺ في أربعٍ وعشرين من شهر رمضان. وعن أبي هريرة قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى بن مريم: يا عيسى خذ في أمري ولا تهن، واسمع وأطع، يا بن الطاهرة البكر البتول، إنك من غير فحل، وأنا خلقتك آية للعالمين، إياي فاعبد،

стр. 6912

وعلي فتوكل، خذ الكتاب بقوة، فسر لأهل السريانية السريانية، بلغ بين يديك أني أنا الحي القائم الذي لا أزول، صدقوا النبي الأمي العربي، صاحب الجمل والتاج - وهي العمامة - والمدرعة والنعلين والهراوة - وهو القضيب - الأنجل العينين، الصلت الجبين، الواضح الخدين، الجعد الرأس، الكث اللحية المقرون الحاجبين، الأقنى الأنف، المفلج الثنايا البادي العنفقة، الذي كأن عنقه إبريق فضة، كأن الذهب يجري في تراقيه، له شعيراتٌ من لبته إلى سرته يجري كالقضيب، ليس على بطنه ولا على صدره شعر غيره، شثن الكف والقدم، إذا التفت التفت جميعاً، وإذا مشى كأنما يتقلع من صخر وينحدر من صبب، عرقه في وجهه كاللؤلؤة، ريح المسك ينفح منه، لم ير قبله ولا بعده - يعني مثله - الحسن القامة، الطيب الريح، نكاح النساء، ذا النسل القليل إنما نسله من مباركة، لها بيتٌ - يعني في الجنة - من قصب، لانصب فيه ولا صخب؛ تكفله يا عيسى في آخر الزمان، كما كفل زكريا امك، له منها فرحان مستشهدان وله عندي منزلة ليس لأحد من البشر، كلامه القرآن ودينه الإسلام، وأنا السلام، طوبى لمن أدرك زمانه وشهد أيامه وسمع كلامه. قال عيسى: يا رب! وما طوبى؟ قال: غرس شجرة أنا غرستها بيدي، فهي الجنان كلها، أصلها من رضوان وماؤه من تسنيم، وبردها برد الكافور وطعمها طعم الزنجبيل، وريحها ريح المسك، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً. قال عيسى: يا رب اسقني منها، قال: حرامٌ على النبيين أن يشربوا منها حتى يشرب ذاك النبي، وحرامٌ على الأمم أن يشربوا منها حتى تشرب أمة ذاك النبي. قال: يا عيسى أرفعك إلي، قال: يا رب! ولم ترفعني؟ قال: أرفعك ثم أهبطك في آخر الزمان لترى من أمة ذلك النبي العجائب، ولتعينهم على قتال اللعين الدجال، أهبطك في وقت صلاة، ثم لا تصل بهم لأنهم أمةٌ مرحومة، ولا نبي بعد نبيهم. وروي أن عيسى بن مريم قال: رب أنبئني عن هذه الأمة المرحومة؟ قال: أمة أحمد ﷺ ، هم علماء حلماء، كأنهم انبياء، يرضون مني بالقليل من العطاء، وأرضى منهم باليسير من العمل، وأدخلهم الجنة بلا إله إلا الله، ياعيسى هم أكثر سكان أهل الجنة لأنها لم تذل ألسن قومٍ قط بلا إله إلا الله، كما ذلت ألسنتهم، ولم تذل رقاب قومٍ قط بالسجود كما ذلت رقابهم.

стр. 6913

وعن عبد الله بن عوسجة قال: أوحى الله إلى عيسى بن مريم؛ أنزلني من نفسك كهمك، واجعلني ذخراً لك في معادك، وتقرب إلي بالنوافل أحبك، ولا تول غيري فأخذلك، اصبر على البلاء، وارضى بالقضاء، وكن كمسرتي فيك، فإن مسرتي أن أطاع فلا أعصى، وكن مني قريباً، وأحي ذكري بلسانك، ولتكن مودتي في صدره يقظ من ساعات الغفلة، واحكم لي لطف الفطنة، وكن لي راغباً راهباً، وأمت قلبك من الخشية لي، وراع الليل بحق مسرتي واظم نهارك ليوم الري عندي، نافس في الخيرات جهدك، واعرف بالخير حيث توجهت - تفسيره: يقول: ولتعرف بالخير - وقم في الخلائق بنصيحتي، واحكم في عبادي بعدك، فقد أنزلت عليك شفاء وساوس الصدر من مرض النسيان وجلاء الأبصار من غشا الكلال؛ ولا تكن حلساً كأنك مقبوض وأنت حيتنفس؛ ياعيسى بن مريم ما أمنتني خليقةٌ إلا خشعت، ولا خشعت لي إلا رجت ثوابي، فأشهدك أنها آمنةٌ من عقابي ما لم تغير أو تبدل سنتي؛ يا عيسى بن مريم البكر البتول، ابك على نفسك ايام الحياة بكاء من ودع الأهل وقلى الدنيا، وترك اللذات لأهلها وارتفعت رغبته فيما عند إلهه، وكن في ذلك تلين الكلام، وتفشي السلام وكن يقظانا إذا نامت عيون الأنام حذار ما هو آتٍ من أمر المعاد، وزلازل شدائد الأهوال قبل أن لا ينفع أهلٌ ولا مال، واكحل عينك بملمول الحزن إذا ضحك البطالون، وكن في ذلك صابراً محتسباً، فطوبى لك إن نالك ما وعدت الصابرين، زج من الدنيا بالله، يوم بيوم، وذق مذاقه، ما هرب منك أين طعمه؟ وما لم يأتك كيف لذته؟ فزج من الدنيا بالبلغة، وليكفك منها الخشن الخشب، قد رأيت إلى ما تصير؛ اعمل على حساب، فإنك مسؤول؛ لو رات عينك ما أعددت لأوليائي الصالحين ذاب قلبك، وزهقت نفسك.

стр. 6914

زاد في آخر: اشتياقاً إليهم. كان عيسى يصلي على رأس الجبل، فأتاه إبليس فقال: أنت الذي يزعم أن كل شيءٍ بقضاءٍ وقدر؟ قال: نعم، قال: ألق نفسك من الجبل وقد قدر علي، قال: يالعين! الله يختبر العباد، ليس العباد يختبرون الله . وفي حديثٍ بمعناه: قال: أما علمت أن الله تعالى قال: لا يجربني عبدي فإني أفعل ما شئت. صلى عيسى بن مريم ببيت المقدس فانصرف، فلما كان ببعض العقبة عرض له إبليس فاحتبسه، فجعل يعرض عليه ويكلمه ويقول له: إنه لا ينبغي لك أن تكون عبداً؛ فأكثر عليه وجعل عيسى يحرص على أن يتخلص منه، فجعل لا يتخلص منه، فقال له فيما يقول: لا ينبغي لك يا عيسى أن تكون عبداً؛ فاستغاث عيسى بربه فأقبل جبريل وميكائيل، فلما رآهما إبليس كف، فلما استقرا معه العقبة اكتنفا عيسى، وضرب جبريل إبليس بجناحه فقذفه في بطن الوادي، قال: فعاد إبليس معه وعلم أنهما لم يؤمرا بغير ذلك، فقال لعيسى: قد أخبرتك أنه لاينبغي لك أن تكون عبداً، إن غضبك ليس غضب عبد، وقد رأيت ما لقيت منك حين غضبت، ولكن أدعوك إلى أمرٍ هو لك، آمر الشياطين فليطيعوك، فإذا رأى الإنس أن الشياطين قد أطاعوك عبدوك، أما إني لا أقول أن تكون إلهاً ليس معك إله، ولكن الله يكون إلهاً في السماء وتكون أنت إلهاً في الأرض، فلما سمع عيسى ذلك منه استغاث بربه وصرخ صرخةق شديدة، فإذا إسرافيل قد هبط فنظر إليه جبريل وميكائيل فكف إبليس، فلما استقر معهم ضرب إسرافيل إبليس بجناحه فصك به عين الشمس، ثم ضربه ضربة اخرى فأقبل إبليس يهوي، ومر بعيسى وهو مكانه فقال: يا عيسى لقد لقيت منك اليوم تعباً شديداً، فرمى به في عين الشمس، وجره سبعة أملاك عند العين الحامية؛ قال: فغطوه، فجعل كلما خرج غطوه في تلك الحمأة. قال: والله ما عاد إليه بعد.

стр. 6915

قال أبو حذيفة: واجتمع إليه شياطينه فقالوا: سيدنا قد لقيت تعباً! قال: إن هذا عبد معصوم ليس لي عليه من سبيل، وسأضل به بشراً كثيراً وأبث فيهم أهواء مختلفة، وأجعلهم شيعاً، ويجعلون وأمه إلهين من دون الله. وأنزل الله فيما أيد به عبده عيسى وعصمه من إبليس قرآناً ناطقاً يذكر نعمته على عيسى فقال: " يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس " يعني إذ قويتك بروح القدس يعني جبريل " تكلم الناس في المهد وكهلاً، وإذ علمتك الكتاب " يعني الانجيل والتوراة " والحكمة " " وإذ كففت بني إسرائيل عنك " الآية كلها، وإذ جعلت المساكين لك بطانةً وصحابةً وأعواناً ترضى بهم، وصحابةً وأعواناً يرضون بك هادياً وقائداً إلى الجنة، فذلك فاعلم خلقان عظيمان، من لقيني بهما فقد لقيني بأزكى الخلائق وأرضاها عندي، وسيقول لك بنو إسرائيل: صمنا فلم يقبل صيامنا، وصلينا فلم يقبل صلاتنا، وتصدقنا فلم يقبل صدقاتنا، وبكينا بمثل حنين الجمال فلم يرحم بكاءنا؛ فقل لهم: ولم ذاك؟ وما الذي يمنعني؟ أن ذات يدي قلت؟ أوليس خزائن السموات والأرض بيدي أنفق منها كيف أشاء؟ أو أن البخل يعتريني؟ أو لست اجود من سئل وأوسع من أعطى؟ وأن رحمتي ضاقت؟ وإنما يتراحم المتراحمون بفضل رحمتي. ولولا أن هؤلاء القوم يا عيسى بن مريم غذوا أنفسهم بالحكمة التي نورت في قلوبهم، فاستأثروا به الدنيا أثرةً على الآخرة لعرفوا من أين أتوا، وإذاً لأيقنوا أن أنفسهم هي أعدى الأعداء لهم، وكيف أقبل صيامهم وهم يتقوون عليه بالأطعمة الحرام؟ وكيف أقبل صدقاتهم وهم يغصبون الناس عليها فيأخذونها من غير حلها؟! يا عيسى، إنما أجزي عليها أهلها؛ وكيف أرحم بكاءهم وأيديهم تقطر من دماء الأنبياء؟! ازددت عليهم غضباً، يا عيسى، وقضيت يوم خلقت السماوات والأرض أنه من عبدك

стр. 6916

وعبد أمك وقال فيكما بقولي أن أجعلهم جيرانك في الدار، ورفقاءك في المنازل، وشركاءك في الكرامة؛ وقضيت يوم خلقت السماوات والأرض أنه من اتخذك وأمك إلهين من دون الله أن أجعلهم في الدرك الأسفل من النار؛ وقضيت يوم خلقت السماوات والأرض أني مسبب هذا الأمر على يدي محمد، وأختم به الأنبياء والرسل، ومولده بمكة، ومهاجره بطيبة، وملكه بالشام، وليس بفظ ولا غليظ، ولا سخابٍ في الأسواق، ولا متزينٍ بالفحش، ولا قوال بالخنا، أسدده لكل أمرٍ جميل، وأهب له كل خلقٍ كريم، أجعل التقوى ضميره، والحكمة معقوله، والوفاء طبيعته، والعدل سيرته؛ والحق شريعته، والإسلام ملته، واسمه أحمد، أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأغني به بعد العايلة، وأرفع به بعد الضعة، أهدي به وأفتح به من ىذانٍ صم، وقلوبٍ وأهواء مختلفةٍ متفرقة، أجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر، إخلاصاً لا سمي وتصديقاً لما جاءت به الرسل، ألهمهم التسبيح والتهليل والتقديس في مساجدهم ومجالسهم وبيوتهم ومتقلبهم ومثواهم، يصلون لي قياماً وقعوداص وركعاص وسجداً، ويقاتلون في سبيلي صفوفاص وزحوفاً، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم في صدورهم، وقربانهم في بطونهم، رهبانٌ بالليل، ليوثٌ بالنهار، ذلك فضلي أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم. قال وهب بن منبه: كان دعاء بن مريم الذي يدعو به للمرضى والزمن والعميان والمجانين: اللهم أنت إله من في السماء وإله من في الأرض، لا إله فيهما غيرك، وأنت جبار من في السماء وجبار من في الأرض، لا جبار فيهما غيرك، وأنت ملك من السماء وملك من في الأرض، لا ملك فيهما غيرك، قدرتك في الأرض كقدرتك في السماء، وسلطانك في الأرض كسلطانك في السماء، أسألك باسمك الكريم ووجهك المنير وملكك القديم إنك على كل شيءٍ قدير. قال وهب: هذا للفزع والمجنون، يقرأ عليه ويكتب له ويسقي ماءه إن شاء الله.

стр. 6917

كان عيسى بن مريم إذا أراد أن يحيي الموتى صلى ركعتن يقرأ في الأولى " تبارك الذي بيده الملك " وفق الثانية " تنزيل " السجدة، فإذا فرغ مدح الله وأثنى عليه ثم دعا بسبعة أسماء: يا قديم! يا حي! يا دائم! يا فرد! يا وتر! يا أحد! يا صمد! قال البيهقي: ليس هذا بالقوي. وعن هلال بن خباب قال: سألت بنو إسرائيل عيسى بن مريم ﵇ فقالوا: يا روح الله وكلمته، إن سام بن نوح دفن هاهنا قريباً، فادع الله أن يبعثه، قال: فهتف نبي الله فلم ير شيئاً فقال: أتتعنتوني!؟ فقالوا: ما نتعنتك، لقد دفن ها هنا قريباً، فهتف نبي الله فخرج أشمط، قالوا: يا نبي الله! إنه مات وهو شاب، فما هذا البياض؟ فسأله فقال: ظننت أنها الصيحة ففزعت، قالوا: دعه يكن فينا، قال: كيف يكون فيكم وقد نفد رزقه!. وحدث جماعة عن عبر عيسى وقصته، وما كان من الآيات والعجائب، وزاد بعضهم عن بعض قالوا: إن أول من أحيا عيسى بن مريم من الموتى حين قال لهم " إني أخلق من الطين " بإذن الله " وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم " فتعاظم ذلك عند الكفار والمنافقين فأنكروه، وازداد المؤمنون بذلك إيماناً؛ فكانت اليهود تجتمع إليه في ذلك ويستهزئون به ويقولون له: يا عيسى، ما أكل فلان البارحة وما ادخر في بيته لغدٍ؟ فيخبرهم، فيسخرون منه حتى طال ذلك به وبهم، وكان عيسى ليس له قرار ولا موضع يعرف، إنما هو سائح في الأرض فمر ذات يوم بامرأةٍ قاعدةٍ عند قبرٍ وهي تبكي فقال لها: ما لك أيتها المرأة؟ فقالت: ماتت ابنة لي لم يكن لي ولد غيرها، وإني عاهدت ربي أن لا أبرح من موضعي هذا حتى أذوق ما ذافت من الموت، ولا أبرح من موضعي أو يبعثها الله لي فأنظر إليها أو أحشر معها من موضعي، لو يحييها الله لي فأنظر إليها، فقال عيسى: إن نظرت إليها أراجعةٌ أنت؟ قالت: نعم،

стр. 6918

قال: فصلى عيسى ركعتين ثم جاء فجلس عند القبر، فنادى يا فلانة، قومي بإذن الرحمن فاخرجي، قال: فتحرك القبر، ثم نادى الثانية، فانصدع القبر بإذن الله، ثم نادى الثالثة فخرجت وهي تنفض رأسها من التراب، فقال لها عيسى: ما بطأ بك عني؟ قالت: لما جاءتني الصيحة الأولى بعث الله لي ملكاً فركب خلقي، ثم جاءتني الصيحة الثانية فرجع إلي روحي، ثم جاءتني الصيحة الثالثة فخفت أنها صيحة القيامة! فشاب رأسي وحاجباي وأشفار عيني من مخافة القيامة، ثم أقبلت على أمها فقالت يا أمتاه! ما حملك على أن أذوق كرب الموت مرتين؟ يا أمتاه، اصبري واحتسبي فلا حاجة لي في الدنيا، يا روح الله وكلمته يسأل ربي أن يردني إلى الآخرة وأن يهون علي كرب الموت، قال: فدعا ربه، فقبضها إليه، فاستوت عليها الأرض. فبلغ ذلك اليهود، فازدادوا عليه غضباً، وكان ملك منهم في ناحيةٍ منهم في مدينةٍ يقال لها نصيبين جباراً عاتياً، وأمر عيسى بالمسير إليه ليدعوه وأهل تلك المدينة إلى المراجعة. قال: فمضى حتى شارف المدينة ومعه الحواريون، فقال لأصحابه: ألا رجلٌ منكم ينطلق إلى المدينة فينادي فيها فيقول: إن عيسى عبد الله ورسوله. قال: فقام رجلٌ من الحواريين يقال له يعقوب فقال: أنا يا روح الله وكلمته؛ قال: فاذهب فأنت أول من يبر أمتي. فقام آخر يقال له توصار قال له: أنا معه، قال: وأنت معه؛ ومشيا، فقام شمعون فقال: يا روح الله وكلمته! أكون ثالثهم؟ فأذن لي بأن أنال منك إن اضطررت إلى ذلك، قال: نعم. قال: فانطلقوا، حتى إذا كانوا قريباً من المدينة فقال لهما شمعون: ادخلا المدينة فبلغا ما أمرتما وأنا مقيم مكاني، فإن ابتليتما احتلت لكما. فانطلقا حتى دخلا المدينة، وقد تحدث الناس بأمر عيسى وهم يقولون فيه أقبح القول وفي أمه، فنادى أحدهما - وهو الأول - ألا إن عيسى عبد الله ورسوله؛ فوثبوا إليهما: من القائل إن عيسى عبد الله ورسوله؟ فتبرأ الذي نادى فقال: ما قلت شيئاً؛ فقال الآخر: قد قلت وأنا أقوله: إن

стр. 6919

عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، فآمنوا به يا معشر بني إسرائيل خيرٌ لكم. فانطلقوا به إلى ملكهم - وكان جباراً طاغياً - فقال له: ويلك! ما تقول؟ قال: أقول إن عيسى عبد اللهورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه؛ قال: كذبت؛ فقذفوا عيسى وأمه بالبهتان، ثم قال له: تبرأ ويلك من عيسى وقل فيه مقالتنا! فقال: لا أفعل، فقال الملك: إن لم تفعل قطعت يديك ورجليك وسمرت عينيك، فقال: افعل ما أنت فاعل. قال: ففعل به ذلك، فألقاه على مزبلةٍ في وسط مدينتهم. قالوا: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: كونوا كحواريي عيسى بن مريم، رفعوا على الخشب وسمروا بالمسامير وطبخوا في القدور، وقطعت أيديهم وأرجلهم وسمرت أعينهم فكان ذلك البلاء والقتل في طاعة الله أحب إليهم من الحياة في معصية الله. قال الرواة: إن الملك هم أن يقطع لسانه إذ دخل شمعون وقد اجتمع الناس، فسلم، فلما نظروا إليه أنكروه، فقال لهم: ماقال هذا المسكين؟ قالوا: يزعم أن عيسى عبد الله ورسوله، فقال شمعون: أيها الملك أتأذن لي فأدنوا منه فأسأله؟ قال: نعم، فقال له شمعون: أيها المبتلى! ما تقول؟ قال: أقول: إن عيسى عبد الله ورسوله، قال: فما آيته نعرفه؟ قال: يبرء الأكمة والأبرص والسقيم، قال: هذا يفعله الأطباء فهل غيره؟ قال: نعم، يخبركم بما تأكلون وما تدخرون، قال: هذا يعرفه المهنة فهل غير هذا؟ قال: نعم، يخلق من الطين كهيئة الطير، قال: هذا قد تفعله السحرة، يكون أخذه منهم. قال: فجعل يتعجب الملك منه وسؤاله، فقال: هل غير هذا؟ قال: نعم، يحيي الموتى، قال: أيها الملك! إنه ذكر أمراً عظيماً! وما أظن خلقاً يقدر على ذلك إلا بإذن الله، ولا يقضي الله ذلك على يدي ساحرٍ كذاب، فإن لم يكن عيسى رسولاً فلا يقدر على ذلك، وما فعل الله ذلك بأحد إلا بإبراهيم حين سأله " رب أرني كيف تحيي الموتى " ومن مثل إبراهيم خليل الرحمن! فقال الله: " أو لم تؤمن قال بلى ". ذكر الحسن أن عيسى بن مريم ومعه ناسٌ من الحواريين، فأتوا على ذهبٍ كثير موضوع، فقال عيسى النجاء النجاء! إنما هي النار. ثم مضى ومضى أصحابه، وتخلف منهم ثلاثة،

стр. 6920

فقال رجلان منهم لصاحبهما: إنا لا نستطيع هذا الذهب إلا أن نحمله على شيء فخذ من هذا الذهب فاشتر لنا به طعاماً واشتر لنا ظهراً نحمل عليه من هذا الذهب. فانطلق لما أمراه به، فأتى الشيطان للرجلين فقال لهما: إذا أتاكما فاقتلاه واقسما المال نصفين، فلما أحكم أمرهما انطلق إلى الآخر فقال: إنك لن تطيق هذين، فاجعل في الطعام سما فأطعمهما واذهب بالمال وحدك. فابتاع من المدينة سما، فجعله في طعامهما؛ فلما أناهما وثبا عليه فقتلاه، ثم قربا الطعام فأكلا منه فماتا. فانطلق عيسى إلى حاجته ثم رجع، فإذا هو بهم قد موتوا عند الذهب فقال: انظروا إلى هؤلاء! ثم حدثهم حديثهم، ثم قال لأصحابه: النجاء النجاء! فإنما هي النار. وعن بن عباس قال: لما بعث الله عيسى وأمره بالدعوة لقيه بنو إسرائيل فأخرجوه، فخرج هو امه يسيحون في الأرض، فنزلوا في قرية على رجلٍ فأضافهم فأحسن إليهم، وكان للمدينة ملكٌ جبارٌ معتدٍ، فجاء ذلك الرجل يوماً وقد وقع عليه هم وحزن، فدخل منزله ومريم عند امرأته فقال لها: ما شأن زوجك أراه حزيناً؟ فقالت: ل تلسيني، قالت: أخبرني لعل الله يفرج كربه، قالت: فإن لنا ملكاً يجعل على كل رجلس منا يوماً يطعمه هو وجنوده ويسقيهم الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وإنه قد بلغت نوبته اليومن يريد أن يصنع له فيه، وليس الآن عندنا سهة، قالت: فقولي له فلا يهتم، فإني آمر ابني فيدعو له، فيلقى ذلك، فقالت مريم لعيسى في ذلك، فقال عيسى: يا أمه! إني إن فعلت كان في ذلك شر! قالت: لا تبالي فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا، فقال عيسى: فقولي له إذا اقترب ذلك فاملاٌ قدورك وخوابيك ما ثم أعلمني، فلما ملأهن أعلمه، فدعا الله، فتحول ما في القدور لحماً ومرقاً وخبزاً، وما في الخوابي خمراً لم ير الناس مثله قط، فلما جاءه الملك أكل منه، فلما شرب الخمر سأل: من أين لك هذا الخمر؟ قال: هو من أرض كذا وكذا، قال الملك: فإن خمري أوتى به من تلك الأرض، ليس هو مثل هذا! قال: هو من أرضٍ أخرى: فلما خلط على الملك اشتد عليه فقال: أنا أخبرك، عندي غلامٌ لا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه، وإنه دعا الله فجعل الماء خمراً، فقال له الملك - وكان له ابن يريد أن يستخلفه فمات قبل ذلك بأيام - وكان أحب الخلق إليه - فقال: إن رجلاً دعا الله فجعل الماء خمراً ليستجابن له حتى يحيي ابني؛ فدعا عيسى فكلمه وسأله أن يدعو الله أن يحيي ابنه، فقال

стр. 6921

عيسى: لا تفعل إنه إن عاش كان شرا! قال الملك: ليس أبالي، أليس أراه؟ فلا أبالي ما كان؛ قال عيسى: فإن أحييته تتركوني أنا وأمي نذهب حيث نشاء، قال الملك: نعم. فدعا الله الغلام، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تنادوا بالسلاح وقالوا: أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه. فاقتتلوا. وذهب عيسى وأمه، وصحبهما يهودي، وكان مع اليهودي رغيفان ومع عيسى رغيف، فقال له عيسى تشاركني؟ قال اليهودي: نعم. فلما رأى أنه ليس مع عيسى إلا رغيف ندم، فلما ناما جعل اليهودي يريد ان يأكل الرغيف أكل لقمة، قال له عيسى: ما تصنع؟ فيقول له: لا شيء، فيطرحها، حتى فرغ من الرغيف كله، فلما أصبحا قال له عيسى: هلم طعامك، فجاء برغيف فقال له عيسى: أين الرغيف الآخر؟ قال: ما كان معي إلا واحد، فسكت عنه؛ وانطلقوا فمروا براعي غنم، فنادى عيسى: يا صاحب الغنم، أجزرنا شاةً من غنمك، قال: نعم، أرسل صاحبك يأخذها، فأرسل عيسى اليهودي، فجاء بالشاة فذبحوها وشووها، ثم قال اليهودي: كل ولا تكسر عظماً؛ فاكلا، فلما شبعوا قذف عيسى العظام في الجلد، ثم ضربها بعصاه وقال: قومي بإذن الله. فقامت الشاة تثغو، فقال: يا صاحب الغنم، خذ شاتك، فقال له الراعي: من أنت؟ قال: أنا عيسى بن مريم. قال: أنت الساحر! وفر منه. قال عيسى لليهودي: بالذي أحيا هذه الشاة بعدها أكلناها، كم كان معك من رغيف؟ قال: فحلف ما كان معه إلا رغيف واحد؛ فمر بصاحب بقر، فقال له: يا صاحب البقر، أجزرنا من بقرك هذه عجلاً، فقال: ابعث صاحبك يأخذخ. فقال: انطلق يا يهودي فجئ به. فانطلق فجاء به فذبحوه وشووه. وصاحب البقر ينظر، فقال له عيسى: كل ولا تكسر عظماً فلما فرغوا قذف العظام في الجلد ثم ضربه بعصاه وقال، قم بإذن الله؛ فقام، له خوار، فقال: يا صاحب البقر، خذ عجلك، قال: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى بن مريم. قال: أنت الساحر! ثم فر منه. قال اليهودي: يا عيسى أحييته بعدما أكلناه! قال: يا يهودي، فبالذي أحيا هذه الشاة بعدها أكلناها، والعجل بعدما أكلناه كم كان معك من رغيف؟ قال: فحلف ما كان معه إلا رغيف

стр. 6922

واحد؛ فانطلقا حتى نزلا قريةً، فنزل اليهودي في أعلاها وعيسى في أسفلها، وأخذ اليهودي عصاً مثل عصا عيسى وقال: أنا الآن أحيي الموتى. وكان ملك تلك القرية مريضاً شديد المرض. فانطلق اليهودي ينادي من يبغي طبيباً؟ حتى أتى ملك تلك المدين، فأخبر بوجعه فقال: أدخلوني عليه فأنا أبرئه، وإن رأيتموه قد مات فأنا أحييه. فقيل له: إن وجع الملك قد أعيا الأطباء قبلك، ليس من طبيب يداويه ولا يغني دواؤه شيئاً إلا أمر به فصلب، فقال: أدخلوني عليه فإني سأبرئه؛ فأدخل عليه، برجل الملك فضربه بعصاه حتى مات! فجعل يضربه وهو ميت ويقول: قم بإذن الله، فأذخ ليصلب فبلغ عيسى، فأقبل عليه وقد رفع علي الخشبة فقال: أرأيتم إن أحييت لكم صاحبكم أتتركون لي صاحبي؟ قالوا: نعم، فأحيا عيسى الملك، فقام وأنزل اليهودي، فقال: يا عيسى! أنت أعظم الناس علي منةً! والله لا أفارقك أبداً. فخرجوا فمروا بثلاث لبنات، فدعا الله عيسى فصيرهن من ذهب، قال: يا يهودي لبنةٌ لي ولبنةٌ لك ولبنةٌ لمن أكل الرغيف؛ قال: أنا أكلت الرغيف. وعن ابن عباس أن عيسى بن مريم قال للحواريين: صوموا ثلاثين يوماً، ثم سلوا الله ما شئتم يعطكموه. فصاموا، فلما قضوا ثلاثين يوماً قالوا لعيسى: يا معلم الخير، إنه لو عملنا لأحد وقضينا عمله أطعمنا طعاماً، وإنا قد صمنا الذي أمرتنا به، فادع الله أن ينزل علينا مائدةً من السماء، فنزلت الملائكة بمائدةٍ يحملونها، عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة، فأكل من آخر الناس كما أكل منها أولهم. وفي حديثٍ آخر: فأنزلها الله عليهم، فكان ينزل عليهم كل يوم تلك المائدة من ثمار الجنة، فيأكلون من ضروب شتى، فكان يقعد منا أناس يلطخون ثيابنا، فلو بنينا لها بناءً حتى نرفعها؛ فبنوا لها بناءً، فلما فعلوا ذلك أنزلها الله عليهم ذلك اليوم، فجاء أشرافهم وأصحاب الثياب، فارتفعوا على غيرهم، فأكلوا ذلك منها ثم رفعها الله عنهم حين بدلوا أمر الله .

стр. 6923

وعن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ : أنزلت المائدة من السماء خبز ولحم، وأمروا أن لا يخبؤوا ولا يدخروا ولا يرفعوا لغدٍ، فخانوا وادخروا وخبؤوا، فمسخوا قردةً وخنازير. وعن سلمان أنه قال في المائدة التي أنزلها الله على عيسى قال: لما سأل الحواريون عيسى - وذلك أنهم حين سألوه - قالوا: تريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا للذي رأينا من العجائب، ونكون عليها من الشاهدين. قال: فقام عيسى فألقى عنه الصوف ولبس جبة من شعر ولحافاً من شعر، ثم وضع يمينه على شماله وصف قدميه، وألصق كعب قدميه مع الآخر، وسى بين إبهاميه، وطأطأ رأسه خاشعاً لله ، فأرسل عينيه بالبكاء حتى سالت الدموع على لحيته وصدره وهو يدعو الله ويتضرع، ثم قال: " اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا " يعني تكون لنا عظة " وآية منك " يقول: علامة بيننا وبينك " وارزقنا " عليها طعاماً نأكله وارزقنا " وأنت خير الرازقين " فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة من فوقها وأخرى من تحتها، توهي منقضة في الهواء والناس ينظرون إليها! فأوحى الله تعالى: يا عيسى هذه المائدة، فمن كفر بعد ذلك " منكم فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ". فبلغ عيسى قومه فقالوا: نعم، فقال الله: يا عيسى إن كفروا أخذتهم بالشرط. ونزلت المائدة وعيسى يبكي ويقول: إلهي اجعل رحمةً ولا تجعلها عذاباً! كم أسألك من العجائب " فتعطني، إلهي، أعوذ بك أن يكون نزولها عذاباً ورجزاً، وأسألك أن تجعلها عافيةً وسلامةً، ولا تجعلها مثلة ولا فتنة. فما زال " يدعو ويتضرع حتى استقرت بين يدي عيسى، والناس حوله " يجدون ريح " طيبها، لم يجدوا ريحاً قط أطيب منها، فخر عيسى ساجداً، وسجد الحواريون معه.

стр. 6924

وبلغ ذلك اليهود. فأقبلوا مغمومين مكروبين، فنظروا إلى أمرٍ معجب، فإذا سفرة مغطاة بمنديل، فرفع عيسى راسه واستوى قاعداً، فقال: لننظر من كان خيرنا وأوثقنا بنفسه، وأحسننا عملاً عند ربه فليكشف عن هذه الآية حتى ننظر إليها ونأكل منها ونحمد الله عليها؛ فقال الحواريون: أنت أولانا وأحقنا يا روح الله! فقام عيسى فتوضأ وضوءاً حسناً وصلى صلاة حسنة، ودعا دعاءً كثيراً وبكى بكاءً طويلاً، ثم جلس عند السفرة ثم قال: بسم الله خير الرازقين وكشف المنديل، فإذا سمكة مشوية وليس عليها فلوس ولا فيها شوك، يسيل السمن منها سيلاناً وقد نذد حولها من ألوان البقول إلا الكراث، وخل عند رأسها وملح عند ذنبها، وخمسة أرغفة على كل رغيف زيتون وخمس رمانات وتميرات، فقال شمعون وهو رأس الحواريين: يا روح الله وكلمته! أمن طعام الدنيا أو من طعتم الآخرة؟ فقال عيسى: ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا! فقال: لا وإله بني إسرائيل ما أردت بما سألتك عنه سوءاً، فقال عيسى: نزلت وما عليها من السماء، وليس شيء منها من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة، وهي مما ابتدعه الله بالقدرة البالغة، فقال: كن فكان، فقال: كلوا مما سألتم واذكروا اسم الله عليه واحمدوا إلهكم واشكروه يزدكم، فإنه القادر على ما يشاء إذا يشاء، فقال الحواريون: يا روح الله! كن أنت أول من يأكل منها ثم نأكل منها، فقال عيسى: معاذ الله، بل يأكل منها الذي سألها وطلبها. وفرق الحواريون أن يكون " نزولها سخطة ومثلة، فلم يأكلو منها، فدعا عيسى لها أهل الفاقة والزمانة من العميان والمجذمين والمجانين والمخبلين، وهذا الضرب من أنواع البلاء من الناس، فقال: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم، وآية من ربكم، فليكن مهناها لكم وبلاؤها لغيركم " فأكلوا، فصدر عن تلك السمكة والطعام " ألف وثلاث مئة من بين رجل وامرأة شباعاً " يتجشؤون من بين فقيرٍ جائع، وزمنٍ ناقهٍ رغيب، ثم نظر عيسى إلى السفرة فإذا هي كهيئتها حين نزلت من السماء، ثم رفعت إلى السماء وهم ينظرون

стр. 6925

إليها صاعدة، وينظرون إلى ظلها حتى توارت، فاستغنى كل فقير أكل منها حتى مات، وبرأ كل مبتلى يومئذٍ فلم يزل صحيحاً غنياً حتى مات، وندم الحواريون وندم سائر الناس ندامةً شابت حواجبهم وأشفار أعينهم، فكانت إذا نزلت بعد ذلك أقبلوا إليها من كل مكان يسعون، يزاحم بعضهم بعضاً، الأغنياء والفقراء، والرجال والنساء، والصغار والكبار، وكل صغير ضعيف ومريض، يركب بعضهم بعضاً، حتى جعلها عيسى نوائب فيما بينهم، ثم كانت تنزل غباً، تنزل يوماً ولا تنزل يوماً، كناقة ثمود، ترعى يوماً وترد يوماً فلبثوا بذلك أربعين صباحاً، فلا تزال موضوعة يؤكل منها، فإذا فاء الفيء ارتفعت صاعدةُ في السماء؛ ثم أوحى الله إلى عيسى: أن اجعل مائدتي ورزقي لليتامى والزمنى والفقراء دون الأغنياء، فتعاظم ذلك عند الأغنياء، وأذاعوا القبيح وارتابوا وشكوا فيها، ووقعت الفتنة في قلوب المرتابين حتى قال قائلهم: يا روح الله وكلمته! إن المائدة بحق أنها تنزل من عند ربنا؟ فقال: عيسى ويلك هلطتم! العذاب نازلٌ بكم إلا أن يعفو الله ويرحمكم. فأوحى الله إلى عيسى أني آخذهم بالشرط الذي اشترطت، إني معذب منهم من كفر بعد نزولها بعذاب " لا أعذبه أحداً من العالمين " فقال عيسى: " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " وخبرهم بنزول العذاب عليهم، فمسخ الله منهم ثلاثةً وثلاثين رجلاً خنازير، وأصبحوا يأكلون العذرة في الحشوش ويتبعون الزبل في الطرق، وكانوا باتوا أول الليل على فرشهم مع نسائهم آمنين في دورهم، في أحسن صورةٍ وأوسع رزق فأصبحوا خنازير، وأصبح الناس - من بقي - خائفين من عقوبة الله، وعيسى يبكي ويتضرع وأهلوهم يبكون معه عليهم. وجاءت الخنازير تسعى إلى عيسى حين أبصرته، فطفقوا وعيسى يدعوهم: يا فلان يا فلان، فيقول برأسه: نعم، فيقول: ألم أنذركم عقوبة الله؟ فيقولون برؤوسهم: أي نعم، وأحذركم وأخوفكم عذابه! وكأني كنت انظر إليكم في غير صوركم؛ وذلك قوله تعالى: " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون " وأنزل الله على

стр. 6926

نبيه ﷺ " ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات " ثم إن عيسى سأل ربه أن يميتهم، فأماتهم بعد ثلاثة أيام؛ فما رأى أحدٌ من الناس لهم جيفةٌ في الأرض لأن العقوبة إذا نزلت من الله استأصلت، فنعوذ بالله من غضبه. قالوا: وكان ذلك بين إيلياء وبين أرض الروم. وفي رواية: فأكلوا، فصدر عنها سبعة آلاف شباعاً - وفي رواية اثنا هشر ألفاً - فكانت المائدة تنزل عليهم أربعين صباحاً، فعمد قومٌ منهم فخبنوا منه، فقال لهم الحواريون: لا تفعلوا فإنكم إن فعلتم عذبتم. وكان قومٌ منهم مداهنين فقال: دعوهم وما الذي يتخوفون عليهم، إنكاراً لما قالوا لهم، فقال الذين جهلوا: ما سمعتهم بساحرٍ يخرج في آخر الزمان يزرع من يومه ويحصد من يومه، ويطعم الناس من يومه فغضب الحواريون وغيروا عليهم، وسكت المداهنون؛ فانطلق الحواريون إلى عيسى فأخبروه بذلك، فأوحى الله إلى عيسى أني آخذهم بشرطي. فاعتزل عيسى والحواريون عن عسكرهم، فلما كان عند وجه الصبح بعث الله جبريل ﵇ فصاح عليهم صيحةً فزعوا فحولوا عن صورهم خنازير، فلما أصبحوا نادى منادي عيسى بالرحيل، وكان يرتحل بفلس، فلم يخرج من عسكر القوم، فأقام عيسى حتى أسفر، فنظر الناس إليهم فقالوا: يا عجباً خنازير لها أذناب يسمع لها وحاوح! فلما رأى ذلك عيسى بكى بكاءً شديداً. قال: فجعلوا يومون برؤوسهم إلى عيسى أن ادع ربك، وعيسى يدعوهم بأسمائهم ويقول: ألم أنهكم؟ فيومون برؤوسهم أن نعم، فمضى عيسى ﵇، فأوحى الله إليه أن يقيم بمكانه ثلاثة أيام، فأقام عيسى، فاجتمع الناس ينظرون إليهم، ثم ارتحل عنهم، فأخذت الخنازير على إثر عيسى، فأوحى الله إلى الأرض أن خذيهم فأخذتهم إلى ركبهم على المحجة أربعة أيام، ينظر الناس إليهم ثم أماتهم بعد سبعة أيام، ثم أوحى الله إلى الأرض أن اخسفي بهم، فخسفت بهم فطهر الله الأرض من خسيفتهم، فانكسرت اليهود أعداء الله، فقطعت

стр. 6927

السنتهم عن عيسى بن مريم فذلك قول الله : " لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم " فأما الخنازير على لسان عيسى، وأما القردة فهم أهل أيلة الذين اعتدوا في السبت وهم على لسان داود. وفي حديثٍ آخر بمعناه: عندما قال لهم: ليس شيء مما ترون عليها من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة، هي وما عليها شيء ابتدعه الله تعالى بالقدرة الغالبة، إنما قال كن فكان، فكلوا مما سألتم واحمدوا عليه ربكم يمدكم ويردكم فإنه القادر البديع لما يشاء، إذا شاء يقول له كن فيكون. قالوا: يا روح الله وكلمته! إن أريتنا اليوم آية من هذه السمكة، فقال عيسى: يا سمكة أحيي بإذن الله! فاضطربت السمكة طرية تدور عيناها، لها بصيص تلمظ بفيها كما يتلمظ السبع، وعاد عليها فلوسها، ففزع القوم! فقال عيسى: ما لكم تسألون الشيء فإذا أعطيتموه كرهتموه! ما أخوفني أن يعبدوا هذه السمكة! قال: عودي كما كنت بإذن الله. قال: فعادت مشويةً في حالها. قال: كن يا روح الله أول من يأكل ثم نأكل بعد، قال عيسى: معاذ الله بل يأكل من طلبها وسألها ... الحديث. وعن عبد الرحمن بن زيد قال: كان وزير لعيسى ركب يوماً فأخذه السبع فأكله، فقال عيسى: أي رب! وزيري في ينك وعوني على بني إسرائيل وخليفتي فيهم، سلطت عليه كلبك فأكله، قال: نعم، كانت له عندي منزلةٌ رفيعة لم أجد عمله يبلغها فابتليته بذلك لأبلغه تلك المنزلة. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : مر ثلاثة نفرٍ على عيسى بن مريم فقال: يموت أحد هؤلاء اليوم إن شاء الله؛ فراحوا عليه بالعشي عليهم حزم الحطب، فقال لهم: ألقوا، فألقوا، فإذا حيةٌ سوداء في حزمة الذي قال يموت إن شاء الله، فقال: ما عملت اليوم؟ قال: ما علمت شيئاً! قال لتخبرني،

стр. 6928

قال: ما عملت شيئاً إلا أنه كانت معي فدرةً من خبز كانت بيدي، فمر علي مسكين، فأعطيته بعضها، فقال: بهذه منعت. أو قال: نجوت. وعن بكر بن عبد الله المزني قال: فقد الحواريون نبيهم، فانطلقوا يطلبونه، فإذا هو قد انطلق نحو البحر، وإذا هو يمشي على الماء، فقال له رجل منهم: يا نبي الله! أجيء إليك؟ قال: نعم، فذهب يرفع رجلاً ويضع أخرى فإذا هو في الماء، فقال له عيسى: ناولني يدك يا قصير اليقين، فلو أن لابن آدم من اليقين قدر ذرةٍ لمشى على الماء. وعن فضيل بن عياض قال: قيل لعيسى بن مريم: يا عيسى بأي شيء تمشي على الماء؟ قال: بالإيمان واليقين، قالوا: فإنا آمنا كما آمنت، وأيقنا كما أيقنت، قال: فامشوا إذاً، قال: فمشوا معه، فجاء الموج فغرقوا، فقال لهم عيسى: مالكم، قالوا: خفنا الموج، قال: ألا خفتم رب الموج! قال: فأخرجهم ثم ضرب بيده الأرض فقبض بها ثم بسطها فإذا في إحدى يديه ذهب وفي الأخرى مدر أو حصى، فقال: أيهما أحلى في قلوبكم؟ قالوا: هذا الذهب قال فإنهما عندي سواء. وعن ابن عباس قال: خرج عيسى بن مريم يستسقي بالناس، فأوحى الله إليه: لا يستسقي معك خطاء. فأخبرهم بذلك فقال: من كان من أهل الخطايا فليعتزل، فاعتزل الناس كلهم إلا رجلاً مصاباً بعينه اليمنى، فقال له عيسى: مالك لا تعتزل؟ قال: يا روح الله! ما عصيت الله طرفة عين، ولقد التفت فنظرت بعيني هذه إلى قدم امرأةٍ من غير أن كنت أردت النظر إليها فقلعتها، ولو كنت نظرت إليها باليسرى لقلعتها. قال: فبكى عيسى حتى ابتلت لحيته بدموعه، ثم قال: فادع فأنت أحق بالدعاء مني، فإني معصومٌ بالوحي، وأنت لم تعصم ولم تعص. فتقدم الرجل فرفع يديه وقال: اللهم إنك خلقتنا وقد علمت ما نعمل من قبل أن تخلقنا، فلم يمنعك ذلك ألا تخلقنا، فكما خلقتنا وتكلفت

стр. 6929

بأرزاقنا فأرسل السماء علينا مدرارا. فو الذي نفس عيسى بيده ما خرجت الكلمة تامةٌ من فيه حتى أرخت السماء عزاليها، وسقي الحاضر والباد. وفي رواية: فقال له عيسى: ادع وأنا أؤمن. فدعا وأمن عيسى، فسقاهم الله. وفي رواية: قال بل ادع أنت وأؤمن أنا. فدعا عيسى صلى الله على نبينا وعليه، وأمن الرجل، فما رجعوا حتى كادوا أن يدركهم الغرق. قال الشعبي: كان عيسى بن مريم إذا ذكر عنده الساعة صاح، ويقول: لا ينبغي لابن مريم أن تذكر عنده الساعة فيسكت. وكان عيسى إذا سمع الموعظة صرخ صراخ الثكلى. قيل لعيسى بن مريم ﵇: كيف أصبحت يا روح الله؟ قال أصبحت وربي من فوقي، والنار أمامي، والموت في طلبي، لا أملك ما أرجو، ولا أطيق دفع ما أكره، فأي فقيرٍ أفقر مني. وعن جعفر بن برقان أن عيسى بن مريم ﵇ كان يقول: اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره، ولا أملك نفع ما أرجو، وأصبح الأمر بيد غيري، وأصبحت مرتهناً بعمل، فلا فقير أفقر مني! اللهم لا تشمت بي عدوي ولا تسؤ بي صديقي، ولا تجعل مصيبتي في ديني، ولا تسلط علي من لا يرحمني. وعن يونس بن عبيد قال: كان عيسى بن مريم يقول: لا يصيب أحد حقيقة الإيمان حتى لا يبالي من أكل الدنيا.

стр. 6930

وقال الفضل: قال عيسى: فكرت في الخلق، فوجدت من لم يخلق أغبط عندي ممن خلق. وقوله : " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات " قال: ذاك عيسى بن مريم كان يأكل من غزل أمه. وكان عيسى بن مريم ﵇ يأكل الشجر ويلبس الشعر، ويبيت حيث أمسى، لم يكن له ولد فيموت، ولا بيت يخرب ولا يخبأ غداءلٌ لعشاء، ولا عشاء لغداء؛ وكان يقول: كل يومٍ يجيء معه رزقه. وعن سعيد بن عبد العزيز أن عيسى نظر إلى إبليس فقال: هذا آثر كون الدنيا، إليها خرج وإياها سأل، لا أشركه في شيءٍ منها ولا حجراً أضعه تحت رأسي فلا أكشر فيها ضاحكاً حتى أخرج منها. وعن الحسن قال: إن عيسى رأس الزاهدين يوم القيامة، قال: وإن الفرارين بذنوبهم يحشرون يوم القيامة مع عيسى بن مريم. قال: وقال الحسن: إن عيسى بن مريم مر به إبليس يوماً وهو متوسد حجراً وقد وجد لذة النوم، فقال له إبليس: يا عيسى، أليس تزعم أنك لا تريد شيئاً من عرض الدنيا؟ فهذا الحجر من عرض الدنيا، فقام عيسى غضبان، ثم أخذ الحجر فرمى به فقال: هذا لك مع الدنيا يا إبليس! فلعمري إن الدنيا مزرعةً لك، وإن أهلها لك عمال. قال الحسن: كان عيسى يمشي على الماء، فقال له الحواريون: يا روح الله إنك لتمشي على الماء! قال: نعم، ذلك باليقين بالله، قالوا: إنا بالله لموقنون، قال لهم عيسى: تقولون لو عرض لكم في الطريق در وحجر أيما كنتم تأخذون؟ قالوا: الدر، قال: لا والله حتى يكون الدر والياقوت مثل الحجارة عندكم سواء.

стр. 6931

وقال الحسن: إن عيسى بن مريم أصابه الحر وهو صائم حتى اشتد به، فقالوا: يا روح الله وكلمته! لو بنينا لك بيتاً تسكنه ويكنك من الحر والبرد، قال: لا حاجة لي به فألحوا عليه، فأذن لهم فبنوا عريشاً، فلما دخله فنظر إليه قال: سبحان الله! أعادي أنا!؟ إنما أردت بيتاً إذا جلست أصاب رأسي سقفه، وإذا اضطجعت أصاب جنبي حائطه، ولا حاجة لي بهذا. فلم يسكن بعدها ظل بيتٍ حتى رفع. قال: وقال الحسن: فوالله لو لم يعذبنا الله إلا بحبنا الدنيا لعذبنا، لأن الله يقول: أحببت شيئاً أبغضه ولقول الله تعالى: " تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ". وحدث مكحول عن كعب أن عيسى بن مريم كان يأكل الشعير ويمشي على رجليه، ولا يركب الدواب ولا يسكن البيوت ولا يصطحب السراج، ولا يلبس الكراسف - يعني القطن - ولم يمس النساء، ولم يمس الطيب، ولم يمزج شرابه بشيءٍ قط، ولم يبرده، ولم يدهن رأسه قط، ولم يقرب رأسه ولحيته غسولٌ قط، ولم يجعل بين الأرض وبين جلده شيئاً قط إلا لباسه، ولم يهتم لغداءٍ قط ولا لعشاء قط، ولا اشتهى شيئاً من شهوات الدنيا؛ وكان يجالس الضعفاء والمنى والمساكين. وكان إذا قرب إليه طعام على شيءٍ وضعه على الأرض، ولم يأكل مع الطعام إداماً قط؛ وكان يجتزئ من الدنيا بالقوت القليل ويقول: هذا لمن يموت ويحاسب عليه كثير. قيل لعيسى بن مريم: تزوج، قال: وما أصنع بالتزويج؟ قالوا: تلد لك الأولاد، قال: الأولاد إن عاشوا أفتنوا، وإن ماتوا أحزنوا. وعن ثابت البناني قال: قيل لعيسى بن مريم: لو اتخذت حماراً تركبه لحاجتك، قال: أنا أكرم على الله من أن يجعل لي شيئاً يشغلني عنه.

стр. 6932

أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇: يا عيسى لو رأت عيناك ما أعددت لعبادي الصالحين لذاب قلبك، وزهقت نفسك اشتياقاً إليه. قال مالك بن دينار: قالوا لعيسى بن مريم: يا روح الله! ألا نبني لك بيتاً؟ قال: ابنوه على شاطئ البحر، قالوا: إذن يجيء الماء فيذهب به! قال: أين تريدون؟ تبنون لي على القنطرة؟. قيل لعيسى: لو اتخذت بيتاً، قال: يكفينا خلقان من كان قبلنا. قال ميسرة: ما بنى عيسى بيتاً، فقيل له: ألا تبني؟ فقال: لا أترك بعدي شيئاً من الدنيا أذكر به. وعن أبي سلمان قال: بينما عيسى يمشي في يومٍ صائف، وقد مشه الحر والشمس والعطش، فجلس في ظل خيمة، فخرج إليه صاحب الخيمة فقال: يا عبد الله، قم من ظلنا، فقام عيسى فجلس في الشمس وقال: ليس أنت الذي أقمتني، إنما أقامني الذي لم يرد أن أصيب من الدنيا شيئاً. دخل عيسى بن مريم ذات يوم خربةً فمطرت السماء، فنظر إلى ثعلب قد أقبل مستذفراً بذنبه حتى دخل جحره فقال: الحمد لله الذي جعل لكل شيءٍ مأوى إلا عيسى بن مريم لا مأوى له، فإذا هو بصوت: يا بن مريم، ادخل الفج، فدخل الفج فإذا هو برجلٍ قائمٍ يصلي، فأقام عنده ثمانية عشر يوماً ينتظره لينفتل من صلاته فيكلمه، فلما انفتل قال له: يا عبد الله! ما الذي أذنبت؟ فأقبل العابد على البكاء وقال: يا روح الله، أذنبت ذنباً عظيماً، قال: وما هو؟ قال: قلت يوماً لشيءٍ كان: يا ليته لم يكن. قال المعتمر بن سليمان التيمي: خرج عيسى على أصحابه وعليه جبةٌ من صوف وكساءٌ وتبان حافياً باكياً شعثاً،

стр. 6933

مصفر اللون من الجوع، يابس الشفتين من العطش فقال: السلام عليكم يا بني إسرائيل، أنا الذي أنزلت الدنيا منزلتها بإذن الله، ولا عجب ولا فخر، أتدرون أين بيتي؟ قالوا: أين بيتك يا روح الله؟ قال: بيتي المساجد، وطيبي الماء، وإدامي الجوع، وسراجي القمر بالليل، وصلاتي في الشتاء مشارق الشمس، وريحاني بقول الأرض، ولباسي الصوف وشعاري خوف رب العزة، وجلسائي الزمنى والمساكين، أصبح وليس لي شيء، وأمسي وليس لي شيء، وأنا طيب النفس، غني مكثر، فمن أغنى مني وأربح!؟. قال محمد بن سباع النميري: بينما عيسى بن مريم يسيح في بعض بلاد الشام إذ اشتد به المطر والرعد والبرق، فجعل يطلب شيئاً يلجأ إليه، فرفعت له خيمةٌ من بعيد، فأتاها، فإذا فيها امرأة! فحاد عنها، فإذا هو بكهفٍ في جبل، فأتاه فإذا في الكهف أسد، فوضع يده عليه ثم قال: إلهي! جعلت لكل شيءٍ مأوى، ولم تجعل لي مأوى، فأجابه الجليل تعالى: مأواك عندي في مشتقر من رحمتي لأزوجنك يوم القيامة مئة حوراء خلقاء بيدي، ولأطعمن في عرسك أربعة آلاف عام، يومٌ منها كعمر الدنيا، وآمرن منادياً ينادري: أين الزهاد في دار الدنيا زوروا عرس الزاهد عيسى بن مريم. وعن أبي رافع قال: رفع عيسى بن مريم وعليه مدرعة وخفا راعٍ، وخذافةٌ يخذف بها الطير. وفي رواية: ما ترك عيسى بن مريم حين رفع إلا مدرعة صوف، وخفي راعٍ، وقذافةٌ يقذف بها الطير. وعن سفيان بن عيينة قال: قال عيسى بن مريم: يا معشر الحواريين، كما ترك لكم الملوك الحكمة فكذلك اتركوا لهم الدنيا. وعن مالك بن دينار قال: قال عيسى بن مريم: معاشر الحواريين إن خشية الله وحب الفردوس تورثان الصبر على المشقة، وتباعدان من زهرة الدنيا، وفي رواية: وتبعدان العبد من راحة الدنيا.

стр. 6934

وعن ابن عمر قال: قال عيسى بن مريم: يا معشر الحواريين، كلوا الخبز الشعير، واشربوا ماء القراح، واخرجوا من الدنيا سالمين آمنين، لحق ما أقول لكم: إن حلاوة الدنيا مارة الآخرة، وإن مرارة الدنيا حلاوة الآخرة، وإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين؛ لحق ما أقول لكم: إن شركم عالمٌ يؤثر هواه على علمه يود أن الناس كلهم مثله، ما أحب إلى عبيد الدنيا أن يجدوا معذرة وأبعدهم منها لو كانوا يعلمون!. وعن أب يهريرة قال: كان عيسى بن مريم يقول لأصحابه: اتخذوا المساجد مساكن والبيوت منازل، وكلوا من بقل البرية، وانجوا من الدنيا بسلام، واشربوا من الماء القراح. كان عيسى بن مريم يقول: يا بني إسرائيل، عليكم بالماء القراح والبقل البري، والخبز الشعير، وإياكم وخبز البر، فإنكم لن تقوموا بشكره. قال أنس بن مالك: كان طعام عيسى القاقلى حتى رفع؛ ولم يأكل عيسى ﵇ شيئاً غيرته النار حتى رفع. كان عيسى بن مريم يقول: يا بني إسرائيل، اتخذوا مساجد الله بيوتاً، واتخذوا بيوتكم كمنازل الأضياف، مالكم في العالم من منزل، إن أنتم إلا عابري سبيل. وعن عتبة بن يزيد قال: قال عيسى بن مريم: ابن آدم الضعيف، اتق الله حيثما كنت، وكل كسرتك من حلال، واتخذ المسجد بيتاً، وكن في الدنيا ضيفاً، وعود نفسك البكاء، وقلبك التفكير، وجسدك الصبر، ولا تهتم برزق غدٍ، فإنها خطيئةٌ تكتب عليك. قال وهيب المكي: بلغني أن عيسى بن مريم قال: يا معشر الحواريين أنى كتبت لكم الدنيا فلا

стр. 6935

تنعشوها، فإنه لا خير في دارٍ قد عصي الله فيها، ولا خير في دارٍ لا تدرك الآخرة إلا بتركها؛ فاعبروها ولا تعمروها، واعلموا أن أصل كل خطيئةٍ حب الدنيا، ورب شهوةٍ أورثت أهلها حزناً طويلاً. وعن وهيب قال: قال عيسى بن مريم: أربع لا تجتمع في أحدٍ من الناس إلا يعجب: الصمت، وهو أول العبادة؛ والتواضع لله؛ والزهادة في الدنيا؛ وقلة الشيء. وعن سفيان الثوري قال: قال المسيح: إنما تطلب الدنيا لتبر، فتركها أبر! روي أن ملكاً من الملوك بدمشق يقال له: هداد بن هداد صنع طعاماً ودعا إليه الناس، وكان فيمن دعا عيسى وحواريه، فقال المسيح لحواريه: لا تذهبوا. وخرج بهم فأتى بهم شاطئ بردى فأخرجوا كسراً لهم، فجعلوا يبلونها في الماء ويأكلون، فقال المسيح: يا معشر الحواريين! عجباً للملوك وما أوتوا في هذه الدنيا، وما يصنع بهم يوم القيامة! يا معشر الحواريين! إن الله قد بطح لكم الدنيا على وجهها، وأجلسكم على ظهرها، فليس يشارككم فيها إلا الشياطين والملوك، فأما الشياطين فاستعينوا عليهم بالصوم والصلاة، وأما الملوك فدعوهم والدنيا يدعوكم والآخرة. كان عيسى يقول لأصحابه: بحق أقول لكم: إن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وبالنظرة تزرع الشهوة في القلب، وكفى بها خطيئة. كان عيسى يقول: حب الدنيا أصل كل خطيئة والمال فيه داء كبير، قالوا: وما داؤه؟ قال: لا يسلم من الفخر والخيلاء، قالوا: فإن سلم؟ قال: يشغله إصلاحه عن ذكر الله. وعن شعيب بن صالح قال: قال عيسى بن مريم: ما سكنت الدنيا في قلب عبد إلا التاط قلبه منها بثلاث: شغلٍ
следующие страницы →