← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

وقال الحسن: إن عيسى بن مريم أصابه الحر وهو صائم حتى اشتد به، فقالوا: يا روح الله وكلمته! لو بنينا لك بيتاً تسكنه ويكنك من الحر والبرد، قال: لا حاجة لي به فألحوا عليه، فأذن لهم فبنوا عريشاً، فلما دخله فنظر إليه قال: سبحان الله! أعادي أنا!؟ إنما أردت بيتاً إذا جلست أصاب رأسي سقفه، وإذا اضطجعت أصاب جنبي حائطه، ولا حاجة لي بهذا. فلم يسكن بعدها ظل بيتٍ حتى رفع. قال: وقال الحسن: فوالله لو لم يعذبنا الله إلا بحبنا الدنيا لعذبنا، لأن الله يقول: أحببت شيئاً أبغضه ولقول الله تعالى: " تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ". وحدث مكحول عن كعب أن عيسى بن مريم كان يأكل الشعير ويمشي على رجليه، ولا يركب الدواب ولا يسكن البيوت ولا يصطحب السراج، ولا يلبس الكراسف - يعني القطن - ولم يمس النساء، ولم يمس الطيب، ولم يمزج شرابه بشيءٍ قط، ولم يبرده، ولم يدهن رأسه قط، ولم يقرب رأسه ولحيته غسولٌ قط، ولم يجعل بين الأرض وبين جلده شيئاً قط إلا لباسه، ولم يهتم لغداءٍ قط ولا لعشاء قط، ولا اشتهى شيئاً من شهوات الدنيا؛ وكان يجالس الضعفاء والمنى والمساكين. وكان إذا قرب إليه طعام على شيءٍ وضعه على الأرض، ولم يأكل مع الطعام إداماً قط؛ وكان يجتزئ من الدنيا بالقوت القليل ويقول: هذا لمن يموت ويحاسب عليه كثير. قيل لعيسى بن مريم: تزوج، قال: وما أصنع بالتزويج؟ قالوا: تلد لك الأولاد، قال: الأولاد إن عاشوا أفتنوا، وإن ماتوا أحزنوا. وعن ثابت البناني قال: قيل لعيسى بن مريم: لو اتخذت حماراً تركبه لحاجتك، قال: أنا أكرم على الله من أن يجعل لي شيئاً يشغلني عنه.

стр. 6932

أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇: يا عيسى لو رأت عيناك ما أعددت لعبادي الصالحين لذاب قلبك، وزهقت نفسك اشتياقاً إليه. قال مالك بن دينار: قالوا لعيسى بن مريم: يا روح الله! ألا نبني لك بيتاً؟ قال: ابنوه على شاطئ البحر، قالوا: إذن يجيء الماء فيذهب به! قال: أين تريدون؟ تبنون لي على القنطرة؟. قيل لعيسى: لو اتخذت بيتاً، قال: يكفينا خلقان من كان قبلنا. قال ميسرة: ما بنى عيسى بيتاً، فقيل له: ألا تبني؟ فقال: لا أترك بعدي شيئاً من الدنيا أذكر به. وعن أبي سلمان قال: بينما عيسى يمشي في يومٍ صائف، وقد مشه الحر والشمس والعطش، فجلس في ظل خيمة، فخرج إليه صاحب الخيمة فقال: يا عبد الله، قم من ظلنا، فقام عيسى فجلس في الشمس وقال: ليس أنت الذي أقمتني، إنما أقامني الذي لم يرد أن أصيب من الدنيا شيئاً. دخل عيسى بن مريم ذات يوم خربةً فمطرت السماء، فنظر إلى ثعلب قد أقبل مستذفراً بذنبه حتى دخل جحره فقال: الحمد لله الذي جعل لكل شيءٍ مأوى إلا عيسى بن مريم لا مأوى له، فإذا هو بصوت: يا بن مريم، ادخل الفج، فدخل الفج فإذا هو برجلٍ قائمٍ يصلي، فأقام عنده ثمانية عشر يوماً ينتظره لينفتل من صلاته فيكلمه، فلما انفتل قال له: يا عبد الله! ما الذي أذنبت؟ فأقبل العابد على البكاء وقال: يا روح الله، أذنبت ذنباً عظيماً، قال: وما هو؟ قال: قلت يوماً لشيءٍ كان: يا ليته لم يكن. قال المعتمر بن سليمان التيمي: خرج عيسى على أصحابه وعليه جبةٌ من صوف وكساءٌ وتبان حافياً باكياً شعثاً،

стр. 6933

مصفر اللون من الجوع، يابس الشفتين من العطش فقال: السلام عليكم يا بني إسرائيل، أنا الذي أنزلت الدنيا منزلتها بإذن الله، ولا عجب ولا فخر، أتدرون أين بيتي؟ قالوا: أين بيتك يا روح الله؟ قال: بيتي المساجد، وطيبي الماء، وإدامي الجوع، وسراجي القمر بالليل، وصلاتي في الشتاء مشارق الشمس، وريحاني بقول الأرض، ولباسي الصوف وشعاري خوف رب العزة، وجلسائي الزمنى والمساكين، أصبح وليس لي شيء، وأمسي وليس لي شيء، وأنا طيب النفس، غني مكثر، فمن أغنى مني وأربح!؟. قال محمد بن سباع النميري: بينما عيسى بن مريم يسيح في بعض بلاد الشام إذ اشتد به المطر والرعد والبرق، فجعل يطلب شيئاً يلجأ إليه، فرفعت له خيمةٌ من بعيد، فأتاها، فإذا فيها امرأة! فحاد عنها، فإذا هو بكهفٍ في جبل، فأتاه فإذا في الكهف أسد، فوضع يده عليه ثم قال: إلهي! جعلت لكل شيءٍ مأوى، ولم تجعل لي مأوى، فأجابه الجليل تعالى: مأواك عندي في مشتقر من رحمتي لأزوجنك يوم القيامة مئة حوراء خلقاء بيدي، ولأطعمن في عرسك أربعة آلاف عام، يومٌ منها كعمر الدنيا، وآمرن منادياً ينادري: أين الزهاد في دار الدنيا زوروا عرس الزاهد عيسى بن مريم. وعن أبي رافع قال: رفع عيسى بن مريم وعليه مدرعة وخفا راعٍ، وخذافةٌ يخذف بها الطير. وفي رواية: ما ترك عيسى بن مريم حين رفع إلا مدرعة صوف، وخفي راعٍ، وقذافةٌ يقذف بها الطير. وعن سفيان بن عيينة قال: قال عيسى بن مريم: يا معشر الحواريين، كما ترك لكم الملوك الحكمة فكذلك اتركوا لهم الدنيا. وعن مالك بن دينار قال: قال عيسى بن مريم: معاشر الحواريين إن خشية الله وحب الفردوس تورثان الصبر على المشقة، وتباعدان من زهرة الدنيا، وفي رواية: وتبعدان العبد من راحة الدنيا.

стр. 6934

وعن ابن عمر قال: قال عيسى بن مريم: يا معشر الحواريين، كلوا الخبز الشعير، واشربوا ماء القراح، واخرجوا من الدنيا سالمين آمنين، لحق ما أقول لكم: إن حلاوة الدنيا مارة الآخرة، وإن مرارة الدنيا حلاوة الآخرة، وإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين؛ لحق ما أقول لكم: إن شركم عالمٌ يؤثر هواه على علمه يود أن الناس كلهم مثله، ما أحب إلى عبيد الدنيا أن يجدوا معذرة وأبعدهم منها لو كانوا يعلمون!. وعن أب يهريرة قال: كان عيسى بن مريم يقول لأصحابه: اتخذوا المساجد مساكن والبيوت منازل، وكلوا من بقل البرية، وانجوا من الدنيا بسلام، واشربوا من الماء القراح. كان عيسى بن مريم يقول: يا بني إسرائيل، عليكم بالماء القراح والبقل البري، والخبز الشعير، وإياكم وخبز البر، فإنكم لن تقوموا بشكره. قال أنس بن مالك: كان طعام عيسى القاقلى حتى رفع؛ ولم يأكل عيسى ﵇ شيئاً غيرته النار حتى رفع. كان عيسى بن مريم يقول: يا بني إسرائيل، اتخذوا مساجد الله بيوتاً، واتخذوا بيوتكم كمنازل الأضياف، مالكم في العالم من منزل، إن أنتم إلا عابري سبيل. وعن عتبة بن يزيد قال: قال عيسى بن مريم: ابن آدم الضعيف، اتق الله حيثما كنت، وكل كسرتك من حلال، واتخذ المسجد بيتاً، وكن في الدنيا ضيفاً، وعود نفسك البكاء، وقلبك التفكير، وجسدك الصبر، ولا تهتم برزق غدٍ، فإنها خطيئةٌ تكتب عليك. قال وهيب المكي: بلغني أن عيسى بن مريم قال: يا معشر الحواريين أنى كتبت لكم الدنيا فلا

стр. 6935

تنعشوها، فإنه لا خير في دارٍ قد عصي الله فيها، ولا خير في دارٍ لا تدرك الآخرة إلا بتركها؛ فاعبروها ولا تعمروها، واعلموا أن أصل كل خطيئةٍ حب الدنيا، ورب شهوةٍ أورثت أهلها حزناً طويلاً. وعن وهيب قال: قال عيسى بن مريم: أربع لا تجتمع في أحدٍ من الناس إلا يعجب: الصمت، وهو أول العبادة؛ والتواضع لله؛ والزهادة في الدنيا؛ وقلة الشيء. وعن سفيان الثوري قال: قال المسيح: إنما تطلب الدنيا لتبر، فتركها أبر! روي أن ملكاً من الملوك بدمشق يقال له: هداد بن هداد صنع طعاماً ودعا إليه الناس، وكان فيمن دعا عيسى وحواريه، فقال المسيح لحواريه: لا تذهبوا. وخرج بهم فأتى بهم شاطئ بردى فأخرجوا كسراً لهم، فجعلوا يبلونها في الماء ويأكلون، فقال المسيح: يا معشر الحواريين! عجباً للملوك وما أوتوا في هذه الدنيا، وما يصنع بهم يوم القيامة! يا معشر الحواريين! إن الله قد بطح لكم الدنيا على وجهها، وأجلسكم على ظهرها، فليس يشارككم فيها إلا الشياطين والملوك، فأما الشياطين فاستعينوا عليهم بالصوم والصلاة، وأما الملوك فدعوهم والدنيا يدعوكم والآخرة. كان عيسى يقول لأصحابه: بحق أقول لكم: إن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وبالنظرة تزرع الشهوة في القلب، وكفى بها خطيئة. كان عيسى يقول: حب الدنيا أصل كل خطيئة والمال فيه داء كبير، قالوا: وما داؤه؟ قال: لا يسلم من الفخر والخيلاء، قالوا: فإن سلم؟ قال: يشغله إصلاحه عن ذكر الله. وعن شعيب بن صالح قال: قال عيسى بن مريم: ما سكنت الدنيا في قلب عبد إلا التاط قلبه منها بثلاث: شغلٍ

стр. 6936

لا ينفك عناه؛ وفقرٍ لا يدرك منتهاه. الدنيا طالبةٌ ومطلوبةٌ؛ فطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى يستكمل فيها رزقه، وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يجيء الموت فيأخذ بعنق. وعن زرعة بن إبراهيم قال: قال المسيح: بحق أقول: كما لا يستطيع أحدكم أن يبني على موج البحر داراً، كذاكم الدنيا، فلا تتخذوها قراراً. وعن سفيان الثوري قال: قال عيسى بن مريم: لا يستقيم حب الدنيا وحب الآخرة في قلب مؤمن، كما لايستقيم الماء والنار في إناء. قال ابن شوذب: مر عيسى صلوات الله عليه على نبينا وعليه وسلم بقومٍ يبكون على ذنوبهم فقال لهم: ارتكوها يغفر لكم. وعن أبي عبد الله الصوفي قال: قال عيسى بن مريم: طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً حتى تقتله. قال عيسى: إن الشيطان مع الدنيا، ومكره مع المال، وتزيينه عند الهوى، واتمكانه عند الشهوات. وعن سفيان الثوري قال: قال المسيح: كن وسطاً وامش جانباً. وعن يزيد بن ميسرة قال: قال عيسى بن مريم: بحق أقول لكم: كما تواضعون، كذلك ترفعون، وكما ترحمون كذلك ترحمون، وكما تقضون من حوائج الناس، كذلك يقضي الله من حوائجكم.

стр. 6937

وعن خيثمة قال: كان عيسى بن مريم إذا صنع الطعام فدعا القراء قام عليهم ثم قال: هكذا فافعلوا بالقراء. وعن ابن شابور قال: قال عيسى ﵇: طوبى لمن ترك شهوةٌ حاضرة لموعودٍ لم يره. وعن سالم بن أبي الجعد قال: قال عيسى بن مريم: طوبى لمن خزن لسانه ووسعه بيته، وبكى على خطيئته. وعن خيثمة قال: مرت بعيسى امرأة فقالت: طوبى لحجرٍ حملك، ولثديٍ رضعت منه! فقال: بل طوبى لمن قرأ القرآن ثم عمل به. وعن بشر بن صالح قال: قال عيسى بن مريم: طوبى لعينٍ نامت ولم تحدث نفسها بالمعصية وانتبهت إلى غير إثم. وعن مالك بن دينار قال: كان عيسى يقول: إن هذا الليل والنهار خزانتان فانظروا ما تصنعون فيهما. وكان يقول: اعملوا، الليل لما خلق له، واعملوا، النهار لما خلق له. وعن خالد الربعي قال: نبئت أن عيسى ﵇ قال لأصحابه: أرأيتم لو مررتم على رجلٍ وهو نائم، وقد كشفت الريح عنه ثوبه؟ قالوا: كنا نرده عليه، قال: بل تكشفون ما بقي، قالوا: سبحان الله! نرده عليه، قال: بل تكشفون ما بقي، قال: مثل ضربه للقوم، يسمعون عن الرجل بالسيئة، فيزيدون عليه ويذكرون أكثر منها.

стр. 6938

وعن الشعبي قال: قال عيسى بن مريم ﵇: ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك إنما ذاك مكافأةٌ بالمعروف، ولكن الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك. قال يزيد بن المهلب: من البسيط خير الخليلين من أغضى لصاحبه ... ولو أراد انتصاراً منه لانتصرا فإن قدرت فكن للعفو مغتنماً ... فإنما يحمد العافي إذا قدرا واللؤم أن تبخس الأكفاء حقهم ... بالجاه إن زاد أو بالمال إن كثرا ولا تقولن لي دنيا أصول بها ... فإنما لك منها حسن ما ذكرا وعن المبارك قال: بلغني أن عيسى بن مريم ﵇ مر بقومٍ فشتموه، فقال خيراً، ومر بآخرين فشتموه وزادوا، فزادهم خيراً، فقال رجلٌ من الحواريين: كلما زادوا شراً زدتهم خيراً! كأنك تغريهم بنفسك، قال عيسى: كل إنسان يعطي ما عنده. قال مالك بن أنس: مر بعيسى بن مريم خنزير فقال: مر بسلام، فقالوا له: يا روح الله! لهذا الخنزير تقول؟ قال: أكره أن أعود لساني الشر. قال مالك بن دينار: مر عيسى بن مريم والحواريين على جيفة كلب، فقال الحواريون: ما أنتن ريح هذا! فقال عيسى: ما أشد بياض أسنانه! يعظهم ينهاهم عن الغيبة. قال عيسى بن مريم: دع الناس فليكونوا منك في راحة، ولتكن نفسك منهم في شغل، دعهم فلا تلتمس محامدهم ولا تكتسب مذامهم، وعليك بما وكلت به. وعن مالك بن دينار قال: قال عيسى بن مريم من حديث: الأيام ثلاثة: فيوم مضى وعظمت به؛ ويومك الذي أنت فيه لك منه زادك؛ وغداً لا تدري ما لك فيه.

стр. 6939

وعن سفيان قال: قالوا لعيسى بن مريم: دلنا على عملٍ ندخل به الجنة؟ قال: لا تنطقوا أبداً، قالوا: لا نستطيع ذلك! قال: فلا تنطقوا إلا بخير. وعن عيسى بن مريم أنه قال: لقد دخلت أعمال العباد عند الله في ثلاثة أحرف الذين يرجون بها الخير: في المنطق؛ والصمت؛ والنظر؛ فما كان من منطقٍ ليس فيه ذكر فهو لغو؛ وما كان من صمتٍ ليس فيه تفكير فهو سهو، وما كان من نظرٍ ليس فيه عبرةٌ فهو غفاة. فطوبى لمن كان منطقه ذكراً، وصمته تفكيراً، ونظره عبراً؛ وملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته، وأمن الناس من شره. يا بن آدم، كن وديعاً يحبك الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمناً، ولا تؤذي جارك تكن مسلماً، ولا تكثر الضحك فإنه يميت القلب. وعن عبد العزيز بن حصين قال: بلغني أن عيسى بن مريم ﵇ قال: من ساء خلقه عذب نفسه، ومن كثر كذبه ذهب جماله، ومن لاحى الرجال سقطت كرامته - وفي رواية: سقطت مروءته - ومن كثر همه سقم بدنه. قال عيسى بن مريم ﵇: خذوا الحق من أهل الباطل، ولا تأخذوا الباطل من أهل الحق؛ كونوا منتقدي الكلام، لكيما لا يجوز عليكم الزيوف. وعن زكريا بن عدي قال: قال عيسى ﵇: يا معشر الحواريين، ارضوا بدني الدنيا مع سلامة الدين، كما رضي أهل الدنيا بدني الدين مع سلامة الدنيا.

стр. 6940

وفي ذلك يقول الشاعر: من البسيط أرى رجالاً بأدنى الدين قد قنعوا ... ولا أراهم رضوا في العيش بالدون فاستغن باللله عن دنيا الملوك كما اس ... تغنى الملوك بدنياهم عن الدين وعن عمرو بن قيس قال: قال عيسى بن مريم: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم وإن كانت لينة، فإن القلب القاسي بعيدٌ من الله، ولكن لا تعلمون. ولا تنظروا في ذنوب الناس كهيئة الأرباب، وانظروا في ذنوب أنفسكم كهيئة العبيد؛ فإنما الناس اثنان: مبتلى ومعافى، فاحمدوه على العافية، وارحموا المبتلى. وعن إبراهيم التيمي قال: قال عيسى لأصحابه: بحق أقول لكم: إنه من طلب الفردوس فخبز الشعير له والنوم في المزابل مع الكلاب كثير. وعن سالم بن أبي الجعد قال: قال عيسى بن مريم: اعملوا لله ولا تعملوا لبطونكم، انظروا إلى هذه الطير تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها، فإن قلتم نحن أعظم بطوناً من الطير فانظروا إلى هذه الأنافر من الوحش والحمير، فإنها تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد، والله يرزقها. اتقوا فضول الدنيا، فإن فضول الدنيا عند الله رجز. وعن أنس بن مالك: أن عيسى بن مريم كان يقول: لا يطيق عبدٌ أن يكون له ربان إن أرضى أحدهما أسخط الآخر، وإن أسخط أحدهما أرضى الآخر، وكذلك لا يطيق عبد أن يكون خادماً للدنيا، يعمل عمل الآخرة؛ بحق أقول لكم، لا تهتموا بما لا تأكلون ولا

стр. 6941

ما تشربون فإن الله لم يخلق نفساً أعظم من رزقها، ولا جسداً أعظم من كسوته، فاعتبروا. وعن مالك بن دينار قال: قال عيسى بن مريم: لو أن ابن آدم عمل بأعمال البر كلها وحب في الله ليس، وبغض في الله ليس، ما أغنى ذلك عنه شيئاً. قال المقبري: كان عيسى ﵇ يقول: يا بن آدم، إذا عملت الحسنة فاله عنها، فإنها عند من لا يضيعها. ثم تلا هذه الآية: " إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً " وإذا عملت سيئة فاجعلها نصب عينيك. وعن سعيد بن أبي سعيد المقبري قال: جاء رجلٌ إلى عيسى بن مريم فقال: يا معلم الخير! علمني شيئاً تعلمه وأجهله، ينفعني ولا يضرك. قال: وما هو؟ قال: كيف يكون العبد لله تقياً؟ قال: بيسيرٍ من الأمر؛ تحب الله حقاً من قلبك، وتعمل لله بكدحك وقوتك ما استطعت، وترحم بني جنسك رحمتك نفسك. فقال: يا معلم الخير! من بنو جنسي؟ فقال: ولد آدم كلهم، وما تحب أن لا تؤتاه فلا تأته إلى غيرك وأنت تقي لله حقاً. كان عيسى بن مريم يقول: من كان يظن أن حرصاً يزيد في رزقه فليزد في طوله أو في عرضه أو في عدد بنانه أو ليغير لونه! ألا فإن الله خلق الخلق، فمضى الخلق لما خلق، ثم قسم الرزق فمضى الرزق لما قسم، فليست الدنيا بمعطيةٍ أحداً شيئاً ليس له، ولا بمانعةٍ أحداً شيئاً هو له، فعلسكم بعبادة ربكم فإنكم خلقتم لها. وعن فضيل قال: قال عيسى بن مريم: يا معشر الحواريين، إن ابن آدم خلق في الدنيا في أربع منازل، هو في ثلاث منهن بالله واثق، حسن ظنه فيهن بربه، وهو في الرابع سيئ ظنه

стр. 6942

بربه، يخاف خذلان الله إياه؛ أما المنزلة الأولى فإنه خلق في بطن أمه خلقاً من بعد خلق، في ظلماتٍ ثلاث: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، ينزل الله عليه رزقه في جوف ظلمة البطن فإذا خرج من البطن وقع في اللبن، لا يخطو إليه بقدم، ولا يتناوله بيد، ولا ينهض إليه بقوة، ولا يأخذه بحرفةٍ يكره عليه إكراهاً ويؤجر ايجاراً، حتى ينبت عليه عظمه ولحمه ودمه، فإذا ارتفع عن اللبن وقع في المنزلة الثالثة في الطعام من أبويه يكسبان عليه من حلالٍ أو حرام، فإن مات أبواه عن عير شيء تركاه عطف عليه الناس، هذا يطعمه وهذا يسقيه وهذا يؤويه؛ فإذا وقع في المنزلة الرابعة، فاشتد واستوى واجتمع وكان رجلاً، خشي أن لا يرزقه الله، فوثب على الناس يخون أماناتهم ويسرق أمتعاتهم، ويذبحهم على أموالهم مخافة خذلان الله إياه. كان عيسى ﵇ يقول: إن الذي يصلي ويصوم ولا يترك الخطايا مكتوبٌ في الملكوت كذاباً. قال الحواريون لعيسى بن مريم: مال الخالص من العمل؟ قال: مالا تحب أن يحمدك الناس عليه، قال: فما النصوح لله؟ قال: أن تبدأ بحق الله قبل حقوق الناس، وإن عرض لك أمران، أحدهما لله ، وألاخر للدنيا، بدأت بحق الله ﵎. وفي غيره: من المخلص لله؟ قال: الذي يعمل ... الحديث، وفي آخره: وإذا عرض له أمران، أمر الدنيا وأمر الآخرة، بدأ بأمر الآخرة ثم تفرغ لأمر الدنيا بعد. وقال عيسى: العمل الصالح الذي لا تحب أن يحمك الناس عليه. وقال عيسى علسه السلام: لا يجد أحدٌ حقيقة الإيمان حتى لا يحب أن يحمد على طاعة الله . وعن هلال بن يساف قال: قال عيسى بن مريم ﵉: إذا كان يوم يصوم أحدكم فليدهن لحيته ويمسح شفتيه ويخرج إلى الناس حتى كأنه ليس بصائم، وإذا أعطى بيمينه فليخفه من شماله، وإذا صلى أحدكم فليدل ستر بابه - يعني يرخيه - فإن الله يقسم الثناء كما يقسم الرزق.

стр. 6943

وعن ابن حلبس قال: قال عيسى بن مريم: من أحسن فليرج الثواب، ومن أساء فلا يستنكر الجزاء، ومن أخذ عزاً بغير حق أورثه الله ذلاً بحق، ومن أخذ مالاً بظلم أورثه الله فقراً بغير ظلم. قال سعيد المقبري: سأل رجلٌ عيسى بن مريم: أي الناس أفضل؟ فأخذ قبضتين من تراب فقال: أي هاتين أفضل؟ الناس خلقوا من تراب، فأكرمهم أتقاهم. وعن وهيب بن الورد قال: قال يحيى لعيسى ﵉: يا روح الله، ما أشد خلق الله؟ قال: غضب الله، قال: فأخبرني بشيءٍ أتقي به غضب الله؟ قال: لا تغضب. وعن عمار بن سعد قال: لقي يحيى بن زكريا عيسى بن مريم، فقال يحيى لعيسى: يا روح الله وكلمته حدثني، فقال عيسى: بل أنت فحدثني أنت خيرٌ مني جعلك الله سيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين، فقال له يحيى: أنت خيرٌ مني أنت روح الله وكلمته، تصعد مع الروح فحدثني بم يبعد من غضب الله؟ قال له عيسى: لا تغضب، قال: يا روح الله ما يبدي الغضب ويثنيه أو يعيده؟ قال: التعزز والفخر والحمية والعظمة، قال: يا روح الله! هؤلاء شدادٌ كلهن، فكيف لي بهن؟ قال: سكن الروح واكظم الغيظ، ثم قال له: وإياك واللهو غبسخط الله عليك، وإياك والزنى فإنه من غضب الرب، قال: يا روح الله! ما يبدي الزنى ويعيده أو يثنيه؟ قال: النظر والشهوة وأتباعهما، لا تكن حديد النظر إلى ما ليس لك، فإنه لن يزني فرجك ما حفظت عينيك، فإن استطعت أن لا تنظر إلى ثوب المرأة التي لا تحل لك، ولن تستطيع ذلك إلا بالله. وعن عمران بن سليمان قال: بلغني أن عيسى قال لأصحابه: إن كنتم إخواني وأصحابي فوطنوا أنفسكم على العداوة والبغضاء من الناس، فإنكم لا تدركون ما تطلبون إلا بترك ما تشتهون، ولا تنالون

стр. 6944

ما تحبون إلا بالصبر على نا تكرهون؛ طوبى لمن كان بصره في قلبه، ولم يكن قلبه في بصره. وعن عثمان بن الأسود قال: قال عيسى بن مريم: أي رب! أي عبادك أخشى؟ قال: أعلمهم بي. وعن مالك بن مغول قال: بلغنا أن عيسى بن مريم قال: يا معشر الحواريين، تحببوا إلى الله ببغضكم أهل المعاصي، وتقربوا إليه بما يباعدكم منهم، والتمسوا رضاه بسخطهم. قال: لا أدري بأيتهن بدأ، قالوا: يا روح الله فمن نجالس؟ قال: جالسوا من تذكركم بالله رؤيته، ومن يزيد في عملكم منطقه، ومن يرغبكم في الآخرة عمله. وعن معتمر بن سلمان قال: قال عيسى بن مريم: كانت الدنيا قبل أن أكون فيها، وهي كائنةٌ بعدي، وإنما لي فيها أيامٌ معدودة، فإذا لم أسعد في أيامي فمتى أسعد؟! وعن يزيد بن ميسرة قال: قال الحواريون للمسيح: يا مسيح الله! انظر إلى مسجد الله ما أحسنه! قال: آمين آمين، بحق أقول لكم: لا يترك الله من هذا المسجد حجراً قائماً على حجر إلا أهلكه بذنوب أهله، إن الله لا يصنع بالذهب ولا بالفضة ولا بهذه الأحجار التي تعجبكم شيئاً، إن أحب إلى الله منها القلوب الصالحة، وبها يعمر الله الأرض وبها يخرب الله الأرض إذا كانت على غير ذلك. قال مالك بن مغول: بلغنا أن عيسى مر بخربة فقال: يا خربة الخربين - أو قال: يا خربة خربت - أين أهلك؟ فأجابه منها شيء فقال: يا روح الله! بادوا فاجتهد. أو قال: فإن أمر الله جد، فجد. وعن ابن عباد عن النبي ﷺ قال: مر عيسى على مدينة خربة فأعجبه البنيان فقال: أي رب! مر هذه المدينة أن تجيبني، فأوحى الله إلى المدينة: أيتها المدينة الخربة جاوبي عيسى. قال: فنادت

стр. 6945

الملائكة: عيسى حبيبي وما تريد مني؟ قال: ما فعل أشجارك؟ وما فعل أنهارك؟ وما فعل قصورك؟ وأين سكانك؟ قالت: حبيبي جاء وعد ربك الحق فيبست أشجاري ويبست أنهاري، وخربت قصوري، ومات سكاني؛ قال: فأين أموالهم؟ قالت: جمعوها من الحلال والحرام، موضوعة في بطني، لله ميراث السموات والأرض. قال: فنادى عيسى: تعجبت من ثلاثة أناس: طالب الدنيا والموت يطلبه؛ وباني القصور والقبر منزله؛ ومن يضحك ملء فيه والنار أمامه. ابن آدم لا بالكثير تسبع ولا بالقليل تقنع! تجمع مالك لمن لا يحمدك! وتقدم على رب لا يعذرك، إنما أنت عبد بطنك وشهوتك، وإنما يملأ بطنك إذا دخلت قبرك؛ وأنت يا بن آدم ترى حسد مالك في ميزان غيرك. وعن إبراهيم التيمي قال: قال عيسى: يا معشر الحواريين اجعلوا كنوزكم في السماء فإن قلب الرجل حيث كنزه. وعن عطارد - وكان بكى حتى ترح - قال: قال عيسى بن مريم: إلى متى تصفون الطريق إلى الدالجين وأنتم مقيمون مع المتحرين؟ إنما يبتغى من العلم القليل ومن العمل الكثير. وعن عبد العزيز بن ظبيان وغيره قال: قال المسيح: من تعلم وعمل وعلم فذاك يدعى عظيماً في ملكوت السماء. كان عيسى بن مريم يقول: لا خير في علم لا يعبر معك الوادي ولا يعمر بك النادي. ولمحمد بن يسير في هذا المعنى: من الرجز ليس بعلمٍ ما يعي القمطر ... لا خير فيما لا يعيه الصدر وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : إن عيسى بن مريم قام في بني إسرائيل فقال: يا معشر الحواريين لا تحدثوا بالحكمة غير

стр. 6946

أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم؛ والأمور ثلاثةٌ: بينٌ رشده فاتبعوه، وأمرٌ تبين لكم غيه فاجتنبوه، وأمر اختلف عليكم غيه فردوا علمه إلى . وعن أبي فروة أن عيسى بن مريم كان يقول: لا تمنع العلم من أهله فتأثم، ولا تنشره عن غير أهله فتجهل، وكن طبيباً رفيقاً يضع دواءه حيث يعلم أنه ينفع. وفي رواية: إن منعت الحكمة أهلها جهلت، وإن أتحتها غير أهلها جهلت؛ كن كالطبيب المداوي إن رأى موضعاً للدواء وإلا أمسك. وعن عكرمة قال: قال عيسى: لا تطرحوا اللؤلؤ إلى الخنزير، فإن الخنزير لا يصنع باللؤلؤ شيئاً، ولا تعطوا الحكمة من لا يريدها، فإن الحكمة خيرٌ من اللؤلؤ ومن لا يريدها شر من الخنزير. وعن عمران الكوفي قال: قال عيسى بن مريم للحواريين: لا تأخذوا ممن تعلمون من الأجر إلا مثل الذي أعطيتموني، ويا ملح الأرض لا تفسدوا، فإن كل شيءٍ إذا فسد فإنما يداوى بالملح، وإن الملح إذا فسد فليس له دواء، واعلموا أن فيكم خصلتين من الجهل: الضحك من غير عجب، والصبحة من غير سهر. قيل لعيسى بن مريم: يا روح الله! من أشد الناس فتنةٌ؟ قال: زلة العالم، إذا زل العالم زل بزلته عالمٌ كثير. وعن سفيان بن عيينة قال: قال المسيح: ويلكم يا علماء السوء، لا تكونوا كالمنخل، يخرج منه الدقيق الطيب فيمر ويمسك النخالة، وكذلك أنتم تخرجون الحكمة من أفواهكم ويبقى الغل في صدوركم؛ ويحكم! إن الذي يخوض النهر لا بد أن يصيب ثوبه الماء، وإن جهد أن لا يصيبه؛ كذلك من يحب الدنيا لا ينجو من الخطايا.

стр. 6947

وعنه قال: قال عيسى ﵇: يا علماء السوء، جعلتم الدنيا على رؤسكم والآخرة تحت أقدامكم ... الحديث. وعن وهب بن منبه أن عيسى بن مريم ﵇ قال: ويلكم يا عبيد الدنيا! ماذا يغني عن الأعمى سعة نور الشمس وهو لا يبصرها! كذلك لا يغني عن العالم كثرة علمه إذا لم يعمل به. ما أكثر ثمار الشجر وليس كلها ينفع ولا يؤكل؟ وما أكثر العلماء وليس كلهم ينتفع بما علم؟ فاحتفظوا من العلماء الكذبة الذين عليهم لباس الصوف منكسين رؤوسهم إلى الأرض يطرفون من تحت حواجبهم كما ترمق الذئاب، قولهم مخالفٌ فعلهم، من يجتني من الشوك العنب؟ ومن الحنظل التين؟ كذلك لا يثمر قول العالم الكذاب إلا زوراً، وإن البعير إذا لم يوثقه صاحبه في البرية نزع إلى وطنه وأصله، وإن العلم إذا لم يعمل به صاحبه خرج من صدره وخلا منه وعطله، وإن الزرع لا يصلح إلا بالماء والتراب، كذلك لا يصلح الإيمان إلا بالعلم والعمل، ويلكم يا عبيد الدنيا؟ إن لكل شيءٍ علامةٌ يعرف بها وتشهد له أو عليه، وإن للدين ثلاث علاماتٍ يعرف بهن: الإيمان، والعلم، والعمل. وعنه قال: قال عيسى ﵇: يا علماء السوء، جلستم على أبواب الجنة، فلا أنتم تدخلون الجنة، ولا تدعون المساكين يدخلونها؟ إن شر الناس عند الله عالم يطلب الدنيا بعلمه. وعن عيسى المرادي قال: قال عيسى ﵇: إن كنتم أصحابي وإخواني فوطنوا أنفسكم على العداوة والبغضاء من الناس، فإنكم لم تفعلوا فلستم لي بإخوان، إني إنما أعلمكم لتعلموا لا لتعجبوا، إنكم لا تبلغون ما تأملون إلا بصبركم على ما تكرهون، ولا تنالون ما تريدون إلا بترككم ما تشتهون؛ إياكم والنظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة، طوبى لمن كان بصره في قلبه ولم يكن قلبه في بصر عينه، ما أبعد ما فات، وما أدنى ما هو آت؟ ويل لصاحب الدنيا؟ كيف يموت وتتركه؟ ويثق بها وتغره؟ ويأمنها وتمكر به؟ ويل للمغترين؟ قد أزفهم ما يكرهون، وجاءهم ما يوعدون وفارقوا ما يجنون في طول

стр. 6948

الليل والنهار؛ فويلٌ لمن كانت الدنيا همه، والخطايا عمله، كيف يقتضي غداٌ بربه؟ ولا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم وإن كانت لينة، فإن القلب القاسي بعيدٌ من الله ولكن لا تعلمون؛ لا تنظروا في ذنوب الناس كهيئة الأرباب، وانظروا في ذنوبكم كهيئة العبيد، إنما الناس رجلان: معافى ومبتلى، فاحمدوا الله على العافية وارحموا أهل البلاء؛ متى نزل الماء على جبل، ألا يلين له؟ ومذ متى درسون الحكمة ولا تلين لها قلوبكم؟ بقدر ما تواشعون كذلك ترحمون، وبقدر ما تحرثون كذلك تحصدون، علماء السوء مثلهم كمثل شجرة الدفلى تعجب من نظر إليها وتقتل من يأكلها، كلامكم شفاء يبرئ الداء وأعمالكم داءٌ لا يبرئه شفاء! جعلتم العلم تحت أدامكم مثل عبيد السوء؛ بحق أقول لكم: وكيف أرجو أن تنتفعوا بما أقول وأنتم الحكمة تخرج من أفواهكم ولا تدخل آذانكم، وإنما بينهما أربع أصابع، ولا تعيها قلوبكم، فلا أحرار كرام، ولا عبيد أتقياء. ومن كلام عيسى بن مريم: تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل، ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل، ويلكم علماء السوء! الأجر تأخذون، والعمل تضيعون! يوشك رب العمل أن يطلب عمله، ويوشك أن تخرجوا من الدنيا العريضة إلى ظلمة القبر وضيقه؛ الله نهاكم عن الخطايا كما أمركم بالصيام والصلاة؛ كيف يكون من أهل العلم من سخط رزقه واحتقر منزلته، وقد علم أن ذلك من علم الله وقدرته؟ كيف يكون من أهل العلم من اتهم الله فيما قضى له، فليس يرضى شيئاً أصابه؟ كيف يكون من أهل العلم من دنياه عنده آثر من آخرته، وهو في الدنيا أفضل رغبةٌ؟ كيف يكون من أهل العلم من مصيره إلى الآخرة وهو مقبلٌ على دنياه، وما يضره أشهى إليه مما ينفعه؟ كيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخزنه ولا يطلبه ليعمل به؟! قال عبد الله بن المبارك: قال عيسى بن مريم: يوشك أن يفضي بالصابر البلاء إلى الرضا، وبالفاجر الرخاء إلى البلاء.

стр. 6949

وعنه قال: سيأتي على الناس زمان يفضي بالصابر فيه الصبر إلى البلاء ويفضي بالفاجر الفجور إلى الرخاء. وعن سالم بن أبي الجعد قال: قال عيسى بن مريم لبني إسرائيل: يا بني إسرائيل، زعمتم أن موسى نهاكم عن الزنى وصدقتم، وأنا أنهاكم عنه وأحدثكم أن مثل حديث النفس بالخطيئة كمثل الدخان في البيت، لا يحرقه، فإنه ينتن ريحه ويغير لونه، ومثل القادح بالخشبة، إلا يكسرها فإنه يعجزها ويضعفها. قال عيسى ﵇ لرجل: كن لربك كالحمام الألوف لأهله تذبح فراخه ولا يطير عنهم. وعن وهب بن منبه قال: قال الحواريون لعيسى: من أولياء الله الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون؟ قال عيسى: الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، والذين نظروا إلى أجل الآخرة حين نظر الناس إلى عاجلها، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم، وتركوا ما علموا أن سيتركهم، فصار استكثارهم منها استقلالاً، وذكرهم إياها فواتاً، وفرحهم بما أصابوا منها حزناً، فما عارضهم من نائلها رفضوه وما عارضهم من رفعتها أمر الحق وضعوه؛ خلقت الدنيا عندهم فليسوا يجددونها، وخربت بينهم فليسوا يعمرونها، وماتت في صدورهم فليسوا يحيونها، يهدمونها فيبنون بها آخرتهم ويبيعونها فيشترون بها ما يبقى لهم، رفضوها فكانوا برفضها فرحين، وباعوها فكانوا ببيعها رابحين، ونظروا إلى أهلها ضرعى قد خلت فيهم المثلات، فأحبوا ذكر الموت، وأماتوا ذكر الحياة؛ يحبون الله، ويحبون ذكره، ويستضيئون بنوره؛ لهم خيرٌ عجيب، وعندهم الخبر العجيب؛ بهم قام الكتاب، وبه - يعني - قاموا، وبهم نطق الكتاب، وبه نطقوا، وبهم علم الكتاب، وبه علموا؛ ليسوا يرون نائلاً مع ما نالوا، ولا أمماناً دون ما يرجون، ولا خوفاً دون ما يجدون.

стр. 6950

وعن مكحول قال: التقى يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم، فضحك عيسى في وجه يحيى وصافحه، فقال له يحيى: يا بن خالتي! مالي أراك ضاحكاً كأنك قد أمنت؟ فقال له عيسى: يا بن خالتي! مالي أراك عابساً كأنك قد يئست؟ قال: فأوحى الله إليهما أن أحبكما إلي أبشكما بصاحبه. وعن شهر بن حوشب قال: بينما عيسى جالس مع بني إسرائيل إذ أقبل طير منظوم الجناحين بالدر والياقوت كأحسن ما يكون من الطير، فجعل يدرج بين أيديهم، فقال عيسى: دعوه لا تنفروه، فإنما بعث إليكم، فحول مسلاخه، فخرج أحمر أقرع كأقبح ما يكون، ثم أتى بركةٌ فتلوث في حمأتها فخرج أسود، ثم استقبل جرية الماء فاغتسل، ثم عاد إلى مسلاخه ولبسه، فعاد إليه حسنه وجماله، فقال عيسى: إنما بعث هذا إليكم، مثل هذا المؤمن إذا وقع في الذنوب والخطايا، ذهب عنه حسنه وجماله، فإذا تاب وراجع عاد عليه حسنه وجماله. بينما عيسى جالس وشيخ يعمل بمسحاته يثير بها الأرض فقال عيسى: اللهم انزع منه الأمل، فوضع الشيخ المسحاة واضطجع فلبث ساعةٌ، فقال عيسى: اللهم اردد إليه الأمل، فقام فجعل يعمل، فقال له عيسى: مالك بينما أنت تعمل ألقيت مسحاتك واضطجعن ساعةٌ، ثم إنك قمت بعد تعمل؟ فقال الشيخ: بينا أنا أعمل إذ قالت لي نفسي: إلى متى تعمل وأنت شيخٌ كبير؟ فألقيت المسحاة واضطجعت، قم قالت لي نفسي: والله ما بذلك من عيش ما بقيت، فقمت إلى مسحاتي. قال إبراهيم التيمي: لقي عيسى بن مريم رجلاً فقال: ما تصنع؟ قال: أتعبد، قال: من يعولك؟ قال أخي، فقال: أخوك أعبد منك. وعن وهب بن منبه قال: كان عيسى واقفاً على قبر ومعه الحواريون وصاحبه يدلي فيه، وذكروا القبر ووحشته وظلمته وضيقه، فقال عيسى: كنتم في أضيق منه في أرحام أمهاتكم فإذا أحب الله أن يوسع وسع.

стр. 6951

وعن عيسى ﵇ أنه قال: يا معشر الحواريين، ادعوا الله أن يهون علي هذه السكرة - يعني الموت - ثم قال: لقد خفت الموت خوفاً وقفني، مخافتي من الموت على الموت. وعن عبد الجبار بن عبيد الله بن سليمان قال: أقبل عيسى بن مريم على أصحابه ليلة رفع فقال لهم: لا تأكلوا بكتاب الله ، فإنكم لم تفعلوا أقعدكم الله على منابر، الحجر منها خيرٌ من الدنيا وما فيها. قال عبد الجبار: وهي المقاعد التي ذكر الله في القرآن " في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر " ورفع ﵇. وعن الحسن قال: لم يكن نبي كانت العجائب في زمانه أكثر من عيسى بن مريم إلى أن رفعه الله، ومن بعده في أصحابه، وكان من سبب رفعه أن ملكاً جباراً - وكان ملك بني إسرائيل - وهو الذي يقال له داود بن بوذا هو الذي بعث في طلبه ليقتله، وكان الله أنزل عليه الإنجيل وهو ابن ثلاث عشرة سنة ورفع وهو ابن أربعٍ وثلاثين سنة من ميلاده، وكان في نبوته عشرين سنة، فأحدث الله له الإنجيل وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فأوحى الله إليه " إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا " يعني ومخلصك من اليهود فلا يصلون إلى قتلك. قال وهب: قال كعب: متوفيك، أي مذيقك الموت ثم أرفعك. قال وهب: فأماته الله ثلاثة أيام ثم بعثه الله ورفعه. وقال ابن عباس: " إني متوفيك ورافعك " يعني رافعك ثم متوفيك في آخر الزمان. وعن الحسن: " إني متوفيك " قال: متوفيك من الأرض.

стр. 6952

وعن وهب بن منبه أن عيسى بن مريم لما أعلمه الله أنه خارجٌ من الدنيا جزع من الموت وشق عليه، فدعا الحواريين فصنع لهم طعاماً وقال: احضروني الليلة فإن لي إليكم حاجة، فلما اجتمعوا إليه من الليل عشاهم وقام يخدمهم، فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم بيده ويوضئهم ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه وقال: ألا من رد علي الليلة شيئاً مما أصنع فليس مني ولا أنا منه؛ فأقروه، حتى إذا فرغ من ذلك قال: أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام، وغسلت أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوة، فإنكم ترون أني خيركم فلا يتعاظم بعضكم على بعض، وليبذل بعضكم نفسه لبعض كما بذلت نفسي لكم، وأما حاجتي التي استعنت بكم عليها فتدعون الله وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي. فلما نصبوا أنفسهم للدعاء وأرادوا أن يجتهدوا أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاءٌ، ثم يوقظهم ويقول: سبحان الله! أما تصبرون لي ليلةً واحدةً تعينوني فيها! قالوا: والله ما ندري ما لنا، لقد كنا نسمر فنكثر السمر، وما نطيق الليلة سمراً ولا نريد دعاءً إلا حيل بيننا وبينه، فقال: يذهب بالراعي ويتفرق الغنم، وجعل يأتي بكلامٍ نحو هذا يبغي به نفسه، فقال: الحق أقول لكم: ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك - ثلاث مرات - وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلن ثمني. فخرجوا فتفرقوا. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : لما اجتمعت اليهود على أخي عيسى بن مريم ليقتلوه بزعمهم أوحى الله إلى جبريل ﵇ أن أدرك عبدي، فهبط جبريل فإذا هو بسطرٍ في جناح جبريل فيه مكتوب لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، قال: يا عيسى قل، قال: وما أقول يا جبريل؟ قال قل: اللهم إني أسألك باسمك الواحد الأحد، أدعوك اللهم باسمك الصمد، أدعوك اللهم باسمك العظيم الوتر، الذي ملأ الأركان كلها إلا فرجت عني ما أمسيت فيه وأصبحت فيه؛ فدعا بها عيسى، فأوحى الله إلى جبريل أن ارفع إلي عبدي. ثم التفت رسول الله ﷺ إلى أصحابه فقال: يا بني هاشم، يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف، ادعوا بهؤلاء الكلمات، والذي بعثني بالحق نبياً، ما دعا قومٌ قط إلا اهتز له العرش والسماوات السبع، والأرضون السبع.

стр. 6953

وعن عاشئة ﵂ قالت: دخل علي أبو بكر فقال: هل سمعت دعاءً علمنيه رسول الله ﷺ ؟ قالت: وما هو؟ قال: كان عيسى بن مريم يعلم أصحابه: يا فارج الهم وكاشف الغم! مجيب دعوة المضطرين! رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما! ارحمنا رحمةً تغنينا بها عن رحمة من سواك. أو كما قال. وعن وهب أنه كان إذا قدم مكة تعلق بأستار الكعبة، فدعا بهذه الدعوات؛ وذكر وهب أنه دعاء عيسى ﵇ وقت رفعه الله إليه، وهو دعاءٌ مستجاب: اللهم أنت القريب في علوك، المتعالي في دنوك، الرفيع على كل شيءٍ من خلقك، أنت الذي نفذ بصرك في خلقك وحسرت الأبصار دون النظر إليك وغشيت دونك، وسبح بها الفلق في النور، أنت الذي جليت الظلم بنورك، فتباركت اللهم خالق الخلق بقدرتك، ومقدر الأمور بحكمتك، مبتدع الخلق بعظمتك، القاضي في كل شيء بعلمك، أنت الذي خلقت سبعاً في الهواء بكلماتك مستويات الطباق مذعنات لطاعتك، سما بهن العلو بسلطانك فأجبن وهن دخانٌ من خوفك، فأتين طائعاتٍ بأمرك، فيهن الملائكة يسبحونك ويقدسونك، وجعلت فيهن نوراً يجلو الظلام، وضياءً أضوأ الشمس، وجعلت فيهن مصابيح يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ورجوماً للشياطين؛ فتباركت اللهم في مفطور سماواتك، وفيما دحوت من أرضك، دحوتها على الماء فأذللت لها الماء المتظاهر، فذل لطاعتك وأذعن لأمرك، وخضع لقوتك أمواج البحار ففجرت فيها بعد البحار الأنهار، وبعد الأنهار العيون الغزار والينابيع، ثم أخرجت منها الأشجار والثمار، ثم جعلت على ظهرها الجبال أوتادا، فأطاعتك أطوادها، فتباركت اللهم صفتك، فمن يبلغ صفة قدرتك! ومن ينعت نعتك! تنزل الغيث وتثني السحاب، وتفك الرقاب وتقضي الحق وأنت خير الفاصلين، ل إلع إلا أنت، إنما يخشاك من عبادك العلماء الأكياس، أشهد أنك لست بإله استحدثناك، ولا رب يبيد ذكره، ولا كان لك شركاء يقضون معك فتدعوهم ويدعونك، ولا أعانك أحدٌ على خلقك فنشك فيك، أشهد أنك أحدٌ صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، ولم يتخذ صاحبةً ولا ولدا، اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً. قال وهب: فلما تم الدعاء رفعه الله إليه. قال وهب: وهو للشقيقة من هذا الموضع: أشهد أنك لست بإلهٍ استحدثناك ... إلى آخرها.

стр. 6954

وعن الفراء في قوله : " ومكروا ومكر الله " معنى هذه الآية: أن عيسى غاب عن خالته زماناً فأتاها، فقام رأس الجالوت اليهودي، فضرب على عيسى حتى اجتمعوا على باب داره فكسروا الباب ودخل رأس الجالوت ليأخذ عيسى فطمس الله عينيه عن عيسى، ثم خرج إلى أصحابه فقال: لم أره، ومعه سيفٌ مسلول، فقالوا: إنه أنت عيسى. ألقى الله شبه عيسى عليه، فأخذوه فقتلوه وصلبوه، فقال ﷻ : " وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم " ألقى شبهه عليه، ثم قال : " ومكروا ومكر الله ". وعن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وهم في بيت اثنا عشر رجلاً من عينٍ في البيت، ورأسه يقطر ماء؛ قال: فقال: إن منكم من سيكفر اثنتي عشرة مرة من بعد أن آمن بي، ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سناً فقال: أنا، فقال عيسى: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب فقال: أنا، فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام الشاب فقال: أنا، فقال: نعم أنت ذاك. فألقى عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنةٍ في البيت إلى السماء، وجاء الطلب من اليهود فأخذوا شبهه فقتلوه وصلبوه، وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به، فتقرقوا ثلاث فرق؛ قالت فرقة: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء اليعقوبية؛ وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه إليه وهم النسطورية؛ وقالت فرقة: كان عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه اله إليه، وهؤلاء المسلمون. فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامساً حتى بعث الله محمداً ﷺ " فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة " يعني الطائفة التي كفرت من بني إسرائيل في

стр. 6955

زمان عيسى، والطائفة التي آمنت في زمان عيسى " فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين " في إظهار محمد ﷺ دينهم على دين الكفار فأصبحوا ظاهرين. وعن ابن عباس قال: لما فرغ عيسى من وصيته واستخلف ضمعون وقتلت اليهود بوذا وقالوا هو عيسى يقول الله تعالى: " وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ... وما قتلوه يقيناً، بل رفعه الله إليه، وكان الله عزيزاً حكيماً ". فأما اليهود والنصارى فيقولون قد قتلوه؛ وأما الحواريون فعلموا أنه لم يقتل، وأنكروا قول النصارى واليهود، وخلص الله عيسى انزل اله سحابة من السماء، سحابةٌ لاستقلال عيسى، فوضع عيسى على السحابة، فلزمته أمه وبكت، فقالت السحابة: دعيه فإن الله يرفعه إلى السماء، ثم يشرف على أهل الأرض عند أوان الساعة، ثم يهبط إلى الأرض فيكون فيهم ما شاء الله، ويبدل الله به الأرض أمناً وعدلاً. فكفت عنه مريم تنظر إليه وتشير بإصبعها إليه، ثم ألقى إليها بردائه فقال: هذا علامةٌ ما بيني وبينك يوم القيامة. وقال ابن عباس: إن عيسى لما حمل على السحابة وودع أمه والحواريين ثم أصعدت به السحابة، فذهبت أمه لتتناول رجله فقال: لا تفعلي يا أمه؟ وألقى عمامته إلى شمعون، وأمه تمس السحاب حتى فاتها السحاب، وأخذ شمعون العمامة فجعلها في عنقه وهم ينظرون إلى عيسى ويشيرون بأيديهم حتى توارى عنهم. وعن مجاهد: أن اليهود لما أرادوا عيسى وطلبوه ليقتلوه، فألجؤوه إلى غارٍ في الجبل، ومعه أمه والحواريون، فعهد إليهم عهده وقال: إني مرفوع. وأنزلت الغمامة حتى حملت عيسى، واليهود يحرسونه، فانصدع الجبل وارتفعت السحابة بعيسى، ثم دخلوا الغار فأخذوا الذي دل على عيسى فعدوا عليه فصلبوه، وأخذوا أصحاب عيسى فحبسوهم وعذبوهم؛ فبلغ ذلك

стр. 6956

صاحب الروم، وكان اليهود تحت يديه، فقيل له: إنه كان في مملكتك رجلٌ عدا عليه بنو إسرائيل فصلبوه، وهم يعذبون أصحابه، وكان يخبرهم أنه رسول الله قد أراهم العجائب، وأحيا لهم الموتى وأبرأ لهم الأسقام، وخلق لهم من الطين كهيئة الطير. فبعث ملك الروم إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن دين عيسى فأخبروه، فبايعهم على دينه، واستنزل الذي صلب فغيبه، وأخذ خشبه الذي كان صلب عليها فأكرمها وطيبها، وعدا على اليهود فقتل منهم مقتلةٌ عظيمة، فمن هنالك يعظم النصارى الصلبان، ومن هنالك صار جل أهل النصرانية بالروم، وملك الحواريون بعد ذلك وذلت اليهود وظهرت النصرانية، وملك يحيى بن زكريا وشمعون والحواريون ومن بايعهم. وكان يقال لشمعون: صخرة الإيمان، وكان رجلاً بكاءً إذا جلس مجلساً فإنما هو باك وجلساؤه يبكون، وكان يحيى بن زكريا رجلاً صحاكاً بساماً، إذا جلس لم يزل ضاحكاً وأصحابه يضحكون فقال لهم يوماً شمعون: سبحان الله يا بن زكريا؟ ما أكثر ضحكك في الحق والباطل! فقال يحيى: سبحان الله يا شمعون! ما أكثر بكاءك في الحق والباطل! لقد عنيت نفسك وعنيت جلساءك! قال: فجاء من الله أن أحب سيرة الرجلين إلى سيرة يحيى بن زكريا. وعن وهب بن منبه أن عيسى لما رفع اجتمعت بنو إسرائيل من آمن منهم بعيسى فقالوا: ننظر في أمرنا؛ فانطلق إبليس فدعا عفاريته، فاجتمعوا إليه فأخبرهم بالذي يريد بنو إسرائيل فقال: إنا وجدنا منهم فرصة، قال: فاختار عفريتين فأمرهما بما يريد، ثم انطلقوا حتى دخلوا على بني إسرائيل في مجمعهم الذي اجتمعوا فيه، فأمر صاحبيه فجلس كل واحدٍ منهما ناحية، وجلس إبليس ناحية، فلما فرغ بنو إسرائيل من بعض ما هم فيه قام أحد صاحبيه بهيئة حسنة في هيئة عبادهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله قد أكرمكم واختاركم على خلقه بأن نزل من السماء، فكان بين أظهركم ما شاء أن يكون، ثم عاد إلى سماواته، فاشكروه بما صنع إليكم. ثم جلس، فقام الآخر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها المتكلم! لا أعلم متكلماً يتكلم بكلامٍ أحسن من كلامك! ولا أرفق ولا أوفق ولا أقرب من كل خير! غير أنك زعمت أن عيسى هو الله وأنه نزل من السماء بين أظهرنا، وإن الله لا يزول من مكانه ولكن

стр. 6957

عيسى هو ابنه، فأهبطه إلينا وأكرمنا به، ثم جلس، فقام إبليس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها المتكلمان! لا عهد لنا بمتكلمين أقرب من كل خير وأبعد من كل شر منكما إلا ما زعم الأول أن الله هبط إلينا، وإن الله لا يهبط من سماواته؛ وما ذكر الآخر أن عيسى هو ابن الله، وإن الله ليس له ولد، ولكن الله إله السماوات ومن فيهن، وعيسى إله الأرض ومن فيهن. قال: فتفرقت من ذلك العباد والصالحون، فاختلفوا. قال ابن عابس: اختلفوا على هذا القول بعد إحدى وثمانين سنة. وفي حديثٍ آخر بمعناه: أن عيسى صعد وهم ينظرون إليه، حتى إذا بلغ من الكو خرج من الكو لا يستوسع الكو ولا يستصغر على عيسى في بدنه؛ قال: وهم ينظرون إليه حتى توارى عنهم ... الحدي. وعن الأصبغ بن نباتة قال: قال علي: غ، خليلي حدثني أن أضرب لسبع عشرة مضى من رمضان، وهي الليلة التي مات فيها موسى وأموت لاثنتين وعشرين تمضي من رمضان، وهي الليلة التي رفع فيها عيسى ﵇. وعن أبي زرعة أن عيسى بن مرسم ﵇ رفع من طور زيتا، بعث الله ريحاً فخفقت به حتى هرول، ثم رفع الله إلى السماء. وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ في مرضه الذي قبض فيه قال: يا فاطمة يابنتي أحني علي. فأحنت عليه فناجاها ساعةٌ ثم انكشفت عنه وهي تبكي، وعائشة حاضرة، ثم قال رسول الله ﷺ بعد ذلك بساعة: أحني علي. فأحنت عليه، فناجاها ساعة ثم انكشفت عنه تضحك، فقالت عائشة: يا بنت رسول الله! أخبريني ماذا ناجك أبوك؟ قالت:

стр. 6958

أوشكت، رأيته ناجاني على حال سر، ثم ظننت أني أخبر بسره وهو حي! فشق ذلك على عائشة أن يكون سر دونها؛ فلما قبضه الله إليه قالت عائشة لفاطمة: ألا تخبريني ذلك الخبر؟ قالت: أما الآن فنعم، ناجاني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل عامٍ مرة، وأنه عارضه القرآن العام مرتين، وأنه أخبره أنه لم يكن نبي بعد نبي إلا عاش نصف عمر الذي كان قبله، وأنه أخبرني أن عيسى عاش عشرين ومئة سنة ولا أراني إلا ذاهب. وهو على رأس الستين، فأبكاني ذلك، وقال: يا بنية، إنه ليس من نساء المؤمنين أعظم رزية منك، فلا تكوني أدنى من امرأةٍ صبراً. ثم ناجاني في المرة الأخرى فأخبرني أني أول أهله لحوقاً به، وقال: إنك سيدة نساء أهل الجنة. وفي روايةٍ أخرى بمثله أنه ﷺ قال لعائشة رضوان الله عليها من حديثٍ بمعناه، وأنه لم يكن نبي إلا عاش نصف عمر أخيه الذي كان قبله، عاش عيسى مئة وخمساً وعشرين سنة، وهذه اثنتان وستون سنة. ومات في نصف السنة. قال: هكذا وقع، والصحيح أن عيسى لم يبلغ هذا العمر وإنما أراد به مدة مقامه في أمته. وعن فاطمة بنت النبي ﷺ أنها قالت: قال لي رسول الله ﷺ : إن عيسى بن مريم مكث في بني إسرائيل أربعين سنة. وفي حديثٍ عن فاطمة ﵍ بمعناه قالت: دعاني رسول الله ﷺ فقال: إن الله لم يبعث نبياً إلا وقد عمر الذي بعده نصف عمره وإن عيسى لبث في بني إسرائيل أربعين سنة وهذه توفي لي عشرين سنة، ولا أراني إلا ميت في مرضي هذا ... الحديث. وعن سعيد بن المسيب قال: رفع عيسى وهو ابن ثلاثٍ وثلاثين سنة، ومات معاذ بن جبل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.

стр. 6959

وعن سلمان قال: الفترة ما بين عيسى ومحمد ﷺ ست مئة سنة. وعن أنس بن مالك قال: بينا نحن مع رسول الله ﷺ إذ رأينا برداً ويداً، فقلنا: يا رسول الله! ما هذا البرد الذي رأينا واليد؟ قال: قد رأيتموه؟ قلنا: نعم، قال: ذاك عيسى بن مريم سلم علي. وعن أنس بن مالك قال: كنت أطوف مع رسول الله ﷺ حول الكعبة إذ رأيته صافح شيئاً ولا نراه! قلنا: يا رسول الله! رأيناك صافحت شيئاً ولا يراه أحد! قال: ذاك أخي عيسى بن مريم انتظرته حتى قضى طوافه فسلمت عليه. وعن ابن أبي يحيى مولى ابن عقيل الأنصاري عن ابن عباس قال: لقد علمت آية من القرآن ما سألني عنها رجلٌ قط، فما أدري أعلمها الناس فلم يسألوا عنها أم لم يفطنوا لها فيسألوا عنها؟ ثم طفق يحدثنا، فلما قام تلاومنا ألا نكون سألناه عنها فقلت أنا لها إذا راح غداً، فلما راح الغد قلت: يا بن عباس ذكرت أمس أن آية من القرآن لم يسألك عنها رجلٌ قط، ولا تدري أعلمها الناس فلم يسألوا عنها أم لم يفطنوا لها، فقلت: أخبرني عنها وعن اللائي قرأت قبلها؟ قال: نعم، إن رسول الله ﷺ قال لقريش، يا معشر قريش! إنه ليس أحدٌ يصد دون الله فيه خير، وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى بن مريم وما تقول في محمد. فقالوا: يا محمد! ألست تزعم أن عيسى كان نبياً وعبداً من عباد الله صالحاً، فلئن كنت صادقاً فإن آلهتهم لكما يقولون. قال فأنزل الله : " ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون " قال: قلت: وما يصدون؟ قال: يضجون " وإنه لعلم للساعة " قال: وهو خروج عيسى بن مريم قبل القيامة.

стр. 6960

وعن الحسن بن صالح قال: لما قيل لعيسى " أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله " تزايلت مفاصله. ولما قال لقمان لابنه: " يا بني إنها إن تك مثقال حبةٍ من خردلٍ فتكن في صخرةٍ أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله " تفطر فمات. وعن أبي هريرة قال: تلقى عيسى حجته ولقاه الله في قوله: " وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين ". قال أبو هريرة عن النبي ﷺ : فلقاه الله " سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ". وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ألا إن عيسى بن مريم ليس بيني وبينه نبي ولا رسول، ألا إنه خليفتي في أمتي من بعدي، ألا إنه يقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويضع الجزية وتضع الحرب أوزارها، ألا فمن أدركه منكم فليقرأ ﵇. زاد في رواية: ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد. وفي آخر: ولتصلحن ذات البين. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ليهبطن الله عيسى بن مريم حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً، فليسلكن فج الروحاء حاجاً أو معتمراً وليقفن على فبري، فليسلمن علي، ولأردن عليه.

стр. 6961

وفي رواية: ثم لئن قام على قبري فقال يا محمد لأحبيبنه. وفي رواية: فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب وتكون الدعوة واحدة فأقرئوه السلام من رسول الله ﷺ : فلما حضرته الوفاة قال أقرئوه مني السلام. زاد في آخر: وتجمع له الصلاة. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ينزل ابن مريم إماماً عادلاً وحكماً مقسطاً فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويرجع السلم، وتتخذ السيوف مناجل، وتذهب حمة كل ذات حمة، وتنزل السماء رزقها، وتخرج الأرض بركتها، حتى يلعب الصبي بالثعبان فلا يضره، فتراعي الغنم الذئب فلا يضرها، ويراعي الأسد البقر فلا يضرها. وفي رواية حتى يقتل الخنزير والقردة، ويكسر الصليب، وتكون السجدة لله رب العالمين. وعن سمرة عن رسول الله ﷺ قال: الدجال خارج، وإنه أعور عين الشمال عليها ظفرة غليظة وإنه يبرئ الأكمة والأبرص ويحي الموتى، ويقول للناس: إني ربكم. فمن قال أنت ربي فقد افتتن، ومن قال ربي الله، حتى يموت على ذلك فقد عصم من فتنة الدجال، ولا فتنة عليه ولا عذاب، فيمكث في الأرض ما شاء الله، ثم ينزل عيسى بن مريم من قبل المغرب مصدقاً لمحمدٍ ﷺ وعل ملته فيقتل الدجال، ثم إنما هو قيام الساعة. وعن عائشة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا أبكي فقال: ما يبكيك؟ قلت: يا رسول الله ذكرت الدجال فبكيت فقال رسول الله ﷺ : إن يخرج الدجال وأنا حي كفيتكموه، وإن يخرج بعدي فإن ربكم ليس بأعور، إنه يخرج في يهودية أصبهان حتى يأتي المدينة فينزل ناحيتها،

стр. 6962

ولها يومئذ سبعة أبواب، على كل نقب منها ملكان، فيخرج إليه شرار أهلها، حتى يأتي الشام مدينة بفلسطين بباب لد - وف يرواية: يأتي فلسطين باب لد - فينزل عيسى فيقتله، ثم يمكث عيسى في الأرض أربعين سنة إماماً عدلاً وحكماً مقسطاً. وعن زيد بن أسلم قال: يهبط المسيح عيسى بن مريم إماماً مقسطاً وحكماً عدلاً، يكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويضع الجزية وتضع الحرب أوزارها وتنبر قريشٌ الإمارة، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء، حتى يتدفق من جوانبه كلها، وتعود الأرض كفاثور الورق، وترفع العداوة والبغضاء والشحناء، وتنزع من كل ذي حمةٍ حمتها، فيومئذ يطأ الصبي على رأس الحية فلا تضره وتفر الجارية الأسد كما تفر جري الكلب الصغير، ويقوم الفرس بعشرين درهماً، وتقوم البقرة بكذا وكذا، كأنه يرفع ثمنها. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : كيف بكم إذا نزل بكم ابن مريم فأمكم - أو قال: إمامكم منكم. وعن جابر قال: قال النبي ﷺ : لا تزال طائفةٌ من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم: تعال صل بنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعضٍ أمراء. فتكرمة الله لهذه الأمة. وفي رواية: أنتم أحق، بعضكم أمراء بعض، أمر أكرم الله به هذه الأمة. وعن عبد الله أن المسيح بن مريم خارجٌ قبل يوم القيامة وليستغن به الناس عمن سواه.

стр. 6963

وعن أبي هريرة قال: والذي نفسي بيده لينزلن عيسى بن مريم عدلاً في الأرض مقسطاً؛ وإني لأرجو أن لا أموت حتى ألقاه، ويمسح عن وجهي، وأحدثه عن رسول الله ﷺ فيصدقني. وعن أبي هريرة قال: ينزل عيسى بن مريم إماماً مقسطاً وحكماً عدلاً، يكسر الصليب ويقتل الخنزير، وتضع الحرب أوزارها وتنبر قريشٌ في الإمارة، وتضع كل ذات حملٍ حملها حتى إن الرجل ليضع قدمه على رأس الحية فما تضره، وحتى إن الذئب ليكون في الغنم ككلبها، وحتى إن السبع ليكون في الخيل كراعيها وحتى إن الصبي ليدخل يده في الذئب فما يضره، وحتى إن الملأ ليأكلون التفاحة، وحتى إن العصابة ليأكلون من العنبة، ثم يقولون: يا ليت إخواننا أدركوا هذا العيش. وعن أبي الأشعث الصنعاني قال: سمعت أبا هريرة يقول: يهبط المسيح عيسى بن مريم، فيصلي الصوات، ويجمع الجمع، ويزيد في الحلال قلت: يا أبا هريرة! ما أراه يزيد إلا في النساء. فضحك وقال: كأني به تجد به رواحله ببطن الروحاء حاجاً أو معتمراً، فمن لقيه منكم فليقل إن أخاك أبا هريرة يقرئك السلام. قال أبو الأشعث: ثم نظر إلي فقال: قد أشفقت أني لا أموت حتى أدركه. وعن عبد الله بن مسعود قال: لما كان ليلة أسري برسول الله ﷺ لقي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈، فتذاكروا الساعة متى هي؟ فبدؤوا بإبراهيم فسألوه عنها فلم يكن عنده منها علم، وسألوا موسى فلم يكن عنده منها علم، فردوا الحديث إلى عيسى فقال: عهد الله إلي فيما دون وجبتها، فأما وجبتها فلا يعلمها إلا الله فذكر من خروج الدجال - ما ما يعيط ما قبله، فيرجع الناس إلى بلادهم فيستقبلهم يأجوج ومأجوج وهم من كل حدبٍ

стр. 6964

ينسلون، لا يمرون بماءٍ إلا شربوه، ولا شيءٍ إلا أفسدوه فيجأرون إلي، وأدعو الله فيميتهم، فتجيف الأرض من ريحهم، فيجأرون إلي، فأدعو الله، فيرسل السماء بالماء فتحملهم فتقذف أجسادهم في البحر ثم تنسف الجبال، وتمد الأرض مد الأديم؛ فعهد الله إلي أنه إذا كان ذلك أن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادها ليلاً أم نهاراً! قال العوام: فوجدت تصديق ذلك في كتاب الله تعالى ثم قرأ: " حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدبٍ ينسلون، ةاقترب الوعد الحق ". وعن ابن عباس أنه قال: أول من يتبعه سبعون ألفاً من اليهود عليهم السيجان - وهي الألبسة من صوف أخضر، يعني به الطيالبسة - ومعه سحرة اليهود يعملون العجائب ويرونها للناس فيضلونهم بها وهو أعور ممسوح العين اليمنى، يسلطه الله على رجلٍ من هذه الأمة فيقتله، ثم يضربه فيحييه، ثم لا يصل إلى قتله ولا يسلط على غيره، ويكون آية خروجه تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتهاوناً بالدماء، وضيعوا الحكم، وأكلوا الربا، وشيدوا البناء، وشربوا الخمر، واتخذوا القيان، ولبسوا الحرير وأظهروا بزة آلا فرعون، ونقضوا العهد وتفقهوا لغير الدين، وزينوا المساجد، وخربوا القلوب، وقطعوا الأرحام، وكثرت القراء، وقلت الفهاء وعطلت الحدو، وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، فتكافأ الرجال بالرجال والنساء بالنساء، بعث الله عليهم الدجال فتسلط عليهم، حتى ينتقم منهم، وينحاز المؤمنون إلى بيت المقدس. قال ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : فعند

стр. 6965

ذلك ينزل أخي عيسى بن مريم من المساء على جبل أفيق إماماً هادياً وحكماً عدلاً، عليه برنس له، مربوع الخلق أصلب، سبط الشعر، بيده حربة، يقتل الدجال، فإذا اقتل الدجال تضع الحرب أوزارها وكان السلم، فبلقى الرجل الأسد فلا يهيجه، ويأخذ الحية فلا تضره وتنبت الأرض كنباتها على عهد آدم، ويؤمن به أهل الأرض، ويكون الناس أهل ملةٍ واحدة. وعن عبد الله بن همرو أنه سأل أحد الرجلين فقال: أنت عبد الله بن عمرو؟ قال: نعم، قال: أنت الذي تزعم أن الساعة تقوم إلى مئة سنة؟ قال سبحان الله! وأنا أقول ذلك! قال: ومن يعلم قيام الساعة إلا الله! إنكم يا أهل العراق لتروون أشياء ليست كذلك، وإنما قلت: ما كانت رأس مئةٍ للخلق - يعني منذ خلقت الدنيا - إلا كان عند رأس المئة، قال: ثم يوشك أن يخرج ابن حمل الضان، قال: قلت: وما ابن حمل الضان؟ قال: رومي، أحد أبويه شيطان، يسير إلى المسلمين في خمس مئة ألف براً، وخمسة مئة ألف بحراً حتى ينزل بين عكا وصور ثم يقول: يا أهل السفن! اخرجوا منها. ثم أمر بها فأحرقت. قال: ثم يقول لهم: لا قسطنطينية لكم ولا لا رومية حتى يفصل بيننا وبين المغرب. قال: فيستمد أهل الإسلام بعضهم بعضاً حتى تمدهم عدن أبين على قلصانهم، قال فيجتمعون فيقتتلون؛ قال: فيكاتبهم النصارى الذين بالشام ويخبرونهم بعورات المسلمين، فيقول المسلمون: الحقوا، فكلكم لنا عدو حتى يقضي الله بيننا وبينكم. فيقتتلون شهراً لا يكل لهم سلاح ولا لكم، ويقذف الصبر عليكم وعليهم.

стр. 6966

قال: وبلغنا - والله أعلم - أنه إذا كان رأس الشهر قال ربكم: اليوم أسل سيفي فأنتقم من أعدائي وأنصر أوليائي. قال: فيقتتلون مقتلة ما أرى مثلها قط، حتى ما تسير الخيل إلا على الخيل وما يسير الرجل إلا على الرجل وما يجدون خلقاً لله يحول بينهم وبين القسطنطينية ولا رومية، فيقول أميرهم يومئذ: لا غلول اليوم، من أخذ شيئاً فهو له. فيأخذون ما خف عليهم ويذبحون ما ثقل عليهم؛ فبينما هم كذلك إذ جاءهم أن الدجال قد خلفكم في ذراريكم، قال: فيرفضون ما في أيديهم ويقبلون؛ قال: وتصيب الناس مجاعةٌ شديدة حتى إن الرجل ليحرق وتر قوسه فيأكله، وحتى إن الرجل ليحرق حجفته فيأكلها، حتى إن الرجل ليكلم أخاه فما يسمعه الصوت من الجهد؛ قال: فبينما هم كذلك إذ سمعوا صوتاً من السماء: أبشروا فقد أتاكم الغوث. فيقولون: نزل عيسى بن مريم. قال: فيستبشرون ويستبشر بهم ويقولون: صل يا روح الله! فيقول: إن الله أكرم هذه الأمة ولا ينبغي لأحدٍ أن يؤمهم إلا منهم. قال: فيصلي أمير المؤمنين بالناس، قال: فأمير الناس يومئذٍ معاوية بن أبي سفيان؟ قال: لا، فيصلي عيسى خلفه، قال: فإذا انصرف عيسى دعا بحربته، فأتى الدجال فقال: رويدك يا دجال يا كذاب! قال: فإذا رأى عيسى عرف صوته ذاب كما يذوب الرصاص إذا أصابته النار، وكما تذوب الألية إذا أصابتها الشمس. قال: ولولا أنه يقول رويداً لذاب حتى لا يبقى منه شيء، قال: فيحمل عليه عيسى فيطعن بحربته بين ثدييه فيقتله. قال: وتفرق جنده تحت الحجارة والشجر، قال: وعامة جنده اليهود والمنافقون، فينادي الحجر يا روح الله هذا تحتي كافر فاقتله؛ قال: فيأمر عيسى بالصليب فيكسر وبالخنزير فيقتل، وتضع الحرب أوزارها حتى إن الذئب ليربض إلى جنبه.... ما يغمز بها، وحتى إن الصبيان ليلعبون بالحيات ما تنهشهم، ويملأ الأرض عدلاً؛ فبينما هم كذلك إذ سمعوا صوتاً، قال: فتحت يأجوج ومأجوج، وهو كما قال الله " وهم من كل حدبٍ ينسلون " فيفسدون الأرض كلها، حتى إن أوائلهم لتأتي النهر العجاج

стр. 6967

فيشربونه كله، وإن آخرهم ليقول: قد كان ها هنا نهر، ويحاصون عيسى ومن معه ببيت المقدس ويقول: ما نعلم في الأرض - يعني أحداً - إلا قد أنخناه، هلموا نرمي من في السماء، فيرمون حتى ترجع إليهم سهامهم في نصولها الدم للبلاء، فيقولون: ما بقي في الأرض ولا في السماء، فيقول المؤمنون: يا روح الله! نموت من النتن! فيدعو الله، فيبعث وابلاً من المطر فجعله سيلاً، فيقذفهم كلهم في البحر؛ قال: ثم يسمعون صوتاً فيقال: مه! قيل: غزا البيت الحصين، قال: فيبعثون جيشاً فيجدون أوائل ذلك الجيش. ويقبض عيسى بن مريم، ووليه المسلمون وغسلوه وحنطوه وكفنوه وصلوا عليه وحفروا له ودفنوه؛ فيرجع أوائل الجيش والمسلمون ينفضون أيديهم من تراب قبره، فلا يلبثون بعد ذلك إلا يسيراً حتى يبعث الله الريح اليمانية، قال: قلنا: وما الريح اليمانية؟ قال: ريح من قبل اليمن، ليس على الأرض مؤمن يجد نسيمها إلا قبضت روحه، قال: ويسري على القرآن في ليلةٍ واحدة، ولا يترك في صدور بني آدم ولا في بيوتهم منه شيء إلا رفعه الله، قال: فيبقى الناس ليس فيهم نبي، وليس فيهم قرآن وليس فيهم مؤمن. قال عبد الله بن عمرو: فعندهم أخفي علينا قيام الساعة، فلا يدري كم يتركون، كذلك تكون الصيحة. قال: ولم تكن صيحةٌ قط إلا بغضبٍ من الله على أهل الأرض، قال: فقال الله تعالى: " ما ينظرون إلا صيحة واحدة ما لها من فواق " قال: فلا أدري كم يتركون كذلك. وعن مجمع بن جارية قال: ذكر عند النبي ﷺ الدجال فقال: يقتله عيسى بن مريم بباب لد. زاد في رواية: أو إلى جانب لد.

стр. 6968

وعن عبد الله بن عباس أنه قال: لا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى بن مريم على ذروة أفيق، بيده حربة يقتل الدجال. وعن جابر بن عبد الله في قوله: " ليظهره على الدين كله " قال: خروج عيسى بن مريم. وعن ابن أبي نجيج عن مجاهد في قوله " ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " قال: إذا نزل عيسى بن مريم لم يكن في الأرض دينٌ إلا الإسلام، فذلك قوله: " ليظهره على الدين كله ". وعن مجاهد في قوله: " حتى تضع الحرب أوزارها " يعني حتى ينزل عيسى بن مريم، فيسلم كل يهودي وكل نصراني، وكل صاحب ملة، وتأمن الشاة الذئب ولا تقرض فأرة جراباً، وتذهب العداوة من الأشياء كلها وذلك ظهور الإسلام على الدين كله. وفي رواية: فيطمئن كل شيء ولا يكون عداوة بين اثنين. وعن ابن عباس في قوله " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته " قال خروج عيسى بن مريم. وفي رواية: قال: قبل موت عيسى. وعن مجاهد قال: ليس من أهل الكتاب أحدٌ يموت حتى يشهد أن عيسى رسول الله. قال: وإن وقع من فوق البيت؟ قال: وإن وقع من فوق البيت.

стр. 6969

وعن الحسن البصري في قوله: " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته " قال: لا يموت أحدٌ منهم حتى يؤمن بعيسى بن مريم. قال شهر بن حوشب: كنت مستخفياً من الحجاج بن يوسف، فجعل لي الأمان، فخرجت فمررت به ذات يوم وهو يقسم جروزاً له في أصحابه، فقال لي: يا شهر! فلعلك تكره لباس هذه الجروز؟ قلت: ما أهكرهها أصلح الله الأمير، فكساني منها شقة فارتديت بها، فلما قفيت أتاني نداء: يا شهر! فقلت في نفسي: ها ها، فانصرفت إليه فقال: يا شهر، إني أقرأ القرآن فآتي منه على آي، فلا تزال حرارةٌ في قلبي ألا أكون علمتها، قلت: وما هي؟ قال: " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته " قال: قلت: ذاك في اليهود، لا يقبض ملك الموت روح أحدهم حتى يجيئه ملك ومعه شعلةٌ من نار جهنم فيضرب وجهه ودبره فيقول له: أتقر أن عيسى عبد الله ورسوله؟ فلا يزال به حتى يقر به؛ فإذا أقر به قبض ملك الموت روحه، ففيهم نزلت هذه الآية. وروى الشافعي، عن محمد بن خالد الجندي، عن أبان بن صالح، عن الحسن عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدباراً، ولا الناس إلا شحا؛ ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، ولا مهدي إلا عيسى بن مريم. قالوا: تفرد بهذا الحديث الشافعي، ولا نعلم حدث به غيره، ولا عنه إلا يونس بن عبد الأعلى، وهو حديثٌ غريب الإسناد، مشهور المتن إلا قوله: ولا مهدي إلا عيسى بن مريم. فما قاله أحدٌ غيره، والأحاديث في التنصيص على خروج المهدي أصح إسناداً، وفيها بيان كونه من عترة سيدنا رسول الله ﷺ .

стр. 6970

قال أبو الحسن علي بن عبد الله الواسطي: رأيت محمد بن إدريس الشافعي في المنام، فسمعته يقول: كذب علي يونس في ديث الجندي، حديث الحسن عن أنس عن النبي ﷺ في المهدي. قال الشافعي: ما هذا من حديثي ولا حدثت به، كذب علي يونس. وعن مجاهد قال: المهدي عيسى بن مريم. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمراً أو ليثنينهما. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : كيف تهلك أمة أنا أولها وعيسى بن مريم آخرها والمهدي من أهل بيتي في وسطها. وعن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، إني أرى أن أعيش من بعدك، أفتأذن لي أن أدفن إلى جنبك؟ فقال: وأنى لك بذلك الموضع! ما فيه إلا موضع قبري وقبر أبي بكر وقبر عمر، وقبر عيسى بن مريم ﷺ . وعن عبد الله بن سلام قال: وجدت في الكتب أن عيسى بن مريم يدفن مع النبي ﷺ في القبر وقد بقي في البيت موضع قبر. وعنه قال: نظرت في التوراة صفه محمدٍ ﷺ ، وعيسى بن مريم ﵇ يدفن معه. قال أبو مودود: وقد بقي من البيت موضع قبر. وعنه قال: ليدفنن عيسى بن مريم مع النبي ﷺ في بيته. قال البخاري: هذا لا يصح عندي ولا يتابع عليه.
следующие страницы →