← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.

стр. 6966

قال: وبلغنا - والله أعلم - أنه إذا كان رأس الشهر قال ربكم: اليوم أسل سيفي فأنتقم من أعدائي وأنصر أوليائي. قال: فيقتتلون مقتلة ما أرى مثلها قط، حتى ما تسير الخيل إلا على الخيل وما يسير الرجل إلا على الرجل وما يجدون خلقاً لله يحول بينهم وبين القسطنطينية ولا رومية، فيقول أميرهم يومئذ: لا غلول اليوم، من أخذ شيئاً فهو له. فيأخذون ما خف عليهم ويذبحون ما ثقل عليهم؛ فبينما هم كذلك إذ جاءهم أن الدجال قد خلفكم في ذراريكم، قال: فيرفضون ما في أيديهم ويقبلون؛ قال: وتصيب الناس مجاعةٌ شديدة حتى إن الرجل ليحرق وتر قوسه فيأكله، وحتى إن الرجل ليحرق حجفته فيأكلها، حتى إن الرجل ليكلم أخاه فما يسمعه الصوت من الجهد؛ قال: فبينما هم كذلك إذ سمعوا صوتاً من السماء: أبشروا فقد أتاكم الغوث. فيقولون: نزل عيسى بن مريم. قال: فيستبشرون ويستبشر بهم ويقولون: صل يا روح الله! فيقول: إن الله أكرم هذه الأمة ولا ينبغي لأحدٍ أن يؤمهم إلا منهم. قال: فيصلي أمير المؤمنين بالناس، قال: فأمير الناس يومئذٍ معاوية بن أبي سفيان؟ قال: لا، فيصلي عيسى خلفه، قال: فإذا انصرف عيسى دعا بحربته، فأتى الدجال فقال: رويدك يا دجال يا كذاب! قال: فإذا رأى عيسى عرف صوته ذاب كما يذوب الرصاص إذا أصابته النار، وكما تذوب الألية إذا أصابتها الشمس. قال: ولولا أنه يقول رويداً لذاب حتى لا يبقى منه شيء، قال: فيحمل عليه عيسى فيطعن بحربته بين ثدييه فيقتله. قال: وتفرق جنده تحت الحجارة والشجر، قال: وعامة جنده اليهود والمنافقون، فينادي الحجر يا روح الله هذا تحتي كافر فاقتله؛ قال: فيأمر عيسى بالصليب فيكسر وبالخنزير فيقتل، وتضع الحرب أوزارها حتى إن الذئب ليربض إلى جنبه.... ما يغمز بها، وحتى إن الصبيان ليلعبون بالحيات ما تنهشهم، ويملأ الأرض عدلاً؛ فبينما هم كذلك إذ سمعوا صوتاً، قال: فتحت يأجوج ومأجوج، وهو كما قال الله " وهم من كل حدبٍ ينسلون " فيفسدون الأرض كلها، حتى إن أوائلهم لتأتي النهر العجاج

стр. 6967

فيشربونه كله، وإن آخرهم ليقول: قد كان ها هنا نهر، ويحاصون عيسى ومن معه ببيت المقدس ويقول: ما نعلم في الأرض - يعني أحداً - إلا قد أنخناه، هلموا نرمي من في السماء، فيرمون حتى ترجع إليهم سهامهم في نصولها الدم للبلاء، فيقولون: ما بقي في الأرض ولا في السماء، فيقول المؤمنون: يا روح الله! نموت من النتن! فيدعو الله، فيبعث وابلاً من المطر فجعله سيلاً، فيقذفهم كلهم في البحر؛ قال: ثم يسمعون صوتاً فيقال: مه! قيل: غزا البيت الحصين، قال: فيبعثون جيشاً فيجدون أوائل ذلك الجيش. ويقبض عيسى بن مريم، ووليه المسلمون وغسلوه وحنطوه وكفنوه وصلوا عليه وحفروا له ودفنوه؛ فيرجع أوائل الجيش والمسلمون ينفضون أيديهم من تراب قبره، فلا يلبثون بعد ذلك إلا يسيراً حتى يبعث الله الريح اليمانية، قال: قلنا: وما الريح اليمانية؟ قال: ريح من قبل اليمن، ليس على الأرض مؤمن يجد نسيمها إلا قبضت روحه، قال: ويسري على القرآن في ليلةٍ واحدة، ولا يترك في صدور بني آدم ولا في بيوتهم منه شيء إلا رفعه الله، قال: فيبقى الناس ليس فيهم نبي، وليس فيهم قرآن وليس فيهم مؤمن. قال عبد الله بن عمرو: فعندهم أخفي علينا قيام الساعة، فلا يدري كم يتركون، كذلك تكون الصيحة. قال: ولم تكن صيحةٌ قط إلا بغضبٍ من الله على أهل الأرض، قال: فقال الله تعالى: " ما ينظرون إلا صيحة واحدة ما لها من فواق " قال: فلا أدري كم يتركون كذلك. وعن مجمع بن جارية قال: ذكر عند النبي ﷺ الدجال فقال: يقتله عيسى بن مريم بباب لد. زاد في رواية: أو إلى جانب لد.

стр. 6968

وعن عبد الله بن عباس أنه قال: لا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى بن مريم على ذروة أفيق، بيده حربة يقتل الدجال. وعن جابر بن عبد الله في قوله: " ليظهره على الدين كله " قال: خروج عيسى بن مريم. وعن ابن أبي نجيج عن مجاهد في قوله " ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " قال: إذا نزل عيسى بن مريم لم يكن في الأرض دينٌ إلا الإسلام، فذلك قوله: " ليظهره على الدين كله ". وعن مجاهد في قوله: " حتى تضع الحرب أوزارها " يعني حتى ينزل عيسى بن مريم، فيسلم كل يهودي وكل نصراني، وكل صاحب ملة، وتأمن الشاة الذئب ولا تقرض فأرة جراباً، وتذهب العداوة من الأشياء كلها وذلك ظهور الإسلام على الدين كله. وفي رواية: فيطمئن كل شيء ولا يكون عداوة بين اثنين. وعن ابن عباس في قوله " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته " قال خروج عيسى بن مريم. وفي رواية: قال: قبل موت عيسى. وعن مجاهد قال: ليس من أهل الكتاب أحدٌ يموت حتى يشهد أن عيسى رسول الله. قال: وإن وقع من فوق البيت؟ قال: وإن وقع من فوق البيت.

стр. 6969

وعن الحسن البصري في قوله: " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته " قال: لا يموت أحدٌ منهم حتى يؤمن بعيسى بن مريم. قال شهر بن حوشب: كنت مستخفياً من الحجاج بن يوسف، فجعل لي الأمان، فخرجت فمررت به ذات يوم وهو يقسم جروزاً له في أصحابه، فقال لي: يا شهر! فلعلك تكره لباس هذه الجروز؟ قلت: ما أهكرهها أصلح الله الأمير، فكساني منها شقة فارتديت بها، فلما قفيت أتاني نداء: يا شهر! فقلت في نفسي: ها ها، فانصرفت إليه فقال: يا شهر، إني أقرأ القرآن فآتي منه على آي، فلا تزال حرارةٌ في قلبي ألا أكون علمتها، قلت: وما هي؟ قال: " وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته " قال: قلت: ذاك في اليهود، لا يقبض ملك الموت روح أحدهم حتى يجيئه ملك ومعه شعلةٌ من نار جهنم فيضرب وجهه ودبره فيقول له: أتقر أن عيسى عبد الله ورسوله؟ فلا يزال به حتى يقر به؛ فإذا أقر به قبض ملك الموت روحه، ففيهم نزلت هذه الآية. وروى الشافعي، عن محمد بن خالد الجندي، عن أبان بن صالح، عن الحسن عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : لا يزداد الأمر إلا شدة، ولا الدنيا إلا إدباراً، ولا الناس إلا شحا؛ ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس، ولا مهدي إلا عيسى بن مريم. قالوا: تفرد بهذا الحديث الشافعي، ولا نعلم حدث به غيره، ولا عنه إلا يونس بن عبد الأعلى، وهو حديثٌ غريب الإسناد، مشهور المتن إلا قوله: ولا مهدي إلا عيسى بن مريم. فما قاله أحدٌ غيره، والأحاديث في التنصيص على خروج المهدي أصح إسناداً، وفيها بيان كونه من عترة سيدنا رسول الله ﷺ .

стр. 6970

قال أبو الحسن علي بن عبد الله الواسطي: رأيت محمد بن إدريس الشافعي في المنام، فسمعته يقول: كذب علي يونس في ديث الجندي، حديث الحسن عن أنس عن النبي ﷺ في المهدي. قال الشافعي: ما هذا من حديثي ولا حدثت به، كذب علي يونس. وعن مجاهد قال: المهدي عيسى بن مريم. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمراً أو ليثنينهما. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : كيف تهلك أمة أنا أولها وعيسى بن مريم آخرها والمهدي من أهل بيتي في وسطها. وعن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، إني أرى أن أعيش من بعدك، أفتأذن لي أن أدفن إلى جنبك؟ فقال: وأنى لك بذلك الموضع! ما فيه إلا موضع قبري وقبر أبي بكر وقبر عمر، وقبر عيسى بن مريم ﷺ . وعن عبد الله بن سلام قال: وجدت في الكتب أن عيسى بن مريم يدفن مع النبي ﷺ في القبر وقد بقي في البيت موضع قبر. وعنه قال: نظرت في التوراة صفه محمدٍ ﷺ ، وعيسى بن مريم ﵇ يدفن معه. قال أبو مودود: وقد بقي من البيت موضع قبر. وعنه قال: ليدفنن عيسى بن مريم مع النبي ﷺ في بيته. قال البخاري: هذا لا يصح عندي ولا يتابع عليه.

стр. 6971

عيسى بن المساور البغدادي الجوهري سمع بدمشق وحدث عن نعيم بن سالم بن قنبر خادم علي بن أبي طالب قال: قال لي أنس بن مالك: قال لي رسول الله ﷺ : من قاد أعمى أربعين خطوة لم تمس وجهه النار. قال: وحدثنا نعيم بن سالم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : طوبى لمن رآني وآمن بي، ومن رأى من رآني، ومن رأى من رأى من رآني. توفي عيسى بن مساور سنة أربعٍ وأربعين ومئتين، وقيل: خمسٍ وأربعين عيسى بن معبد بن الفضل أبو منصور الموصلي التاجر قدم دمشق قدمتين للتجارة. حدث عن أبي عبد الله الحسن بن العباس الرستمي بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : أكثروا ذكر هاذم اللذات. قالوا: يا رسول الله! وما هذم اللذات؟ قال: الموت. توفي بالموصل سنة ثمانٍ وخمسين وخمس مئة. عيسى بن موسى بن محمد ابن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب أبو موسى الهاشمي جعله السفاح ولي عهده بعد المنصور، فلما ولي المنصور أخره وجعله ولي عهده بعد ابنه المهدي. وكان جليلاً في أهل بيته. ولد سنة ثلاثٍ ومئة - وقيل سنة أربع - وشهد حرب محمد وإبراهيم وهو ابن ثلاثٍ وأربعين سنة، وكان قتلهما على يديه؛ ولما قتلا شرع المنصور في تأخير عيسى وتقديم ابنه المهدي عليه في ولاية العهد في سنة سبعٍ وأربعين ومئة.

стр. 6972

وجرى بين المنصور وبين عيسى بن موسى في ذلك خطوب ومكاتبات وامتناع من عيسى، ثم أجابه إلى ذلك، فقدم المهدي في ولاية العهد عليه، وأقر عيسى بذلك وأشهد على نفسه به، فبايع الناس على ذلك، وخطب المنصور الناس وأعلمهم ما جرى في امر عيسى من تقديم المهدي عليه ورضاه بذلك، وتكلم عيسى وسلم الأمر للمهدي فبايع الناس على ذلك بيعة مجددة للمهدي، ثم لعيسى من بعده. وقال المنصور يومئذ: " ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا " فلما أفضى الأمر إلى المهدي طلب عيسى بن موسى بخلع نفسه من ولاية العهد البتة، وتسليمه لموسى بن المهدي، وألح عليه في ذلك إلحاحاً شديداً، وبذل له مالاً عظيماً وخطراً جسيماً، وجرت في ذلك خطوب إلى أن أحضره من الكوفة إلى بغداد، وتقرر الأمر أن يخلع نفسه ويسلم الأمر لموسى بن المهدي ويدفع إليه عشرة آلاف ألف درهم، ويقال عشرين ألف ألف درهم، ويقطعه مع ذلك قطائع كثيرة وقد كان عيسى ذكر أن عليه أيماناً في أهله وماله، فأحضر له المهدي من القضاة والفقهاء من أفتاه في ذلك وعوضه المهدي من ذلك وأرضاه فيما يلزمه من الحنث في ماله ورقيقه وسائر أملاكه، فقبل ذلك ورضي به وخلع نفسه في هشية الأربعاء لأربعٍ بقين من المحرم سنة ستين ومئة في قصر الرصافة، وبايع للمهدي ولموسى بن المهدي، وحضر الخواص، فبايعوا في القصر للمهدي. ثم خرج المهدي إلى جامع الرصافة، واجتمع الناس في المسجد فصعد المهدي المنبر وصعد بعده موسى ابنه، فكان دونه، ثم صعد عيسى بن موسى فكان على أول مرقاةٍ من المنبر، فقام المهدي فحمد الله وأثنى عليه وأخبر بما اجتمع عليه أهل بيته وشيعته في ذلك، وأن موسى عاملٌ فيهم بكتبا الله وأحسن السيرة وأعفاها ... في كلامٍ تكلم به، وجلس موسى دونه في جانب المنبر لكي لا يستر وجهه ولا يحول بينه وبين من يصعد إليه ليبايعه ويمسح على يده، وقام عيسى مكانه على أول مرقاة، فقرئ كتاب الخلع، وخروج عيسى مما كان إليه من ولاية العهد، وتحليل الناس جميعاً مما كان له من البيعة في رقابهم، وأن ذلك كان منه وهو طائع غير مكره، فأقر عيسى بذلك كله، وأشهد به على نفسه وصعد إلى المهدي فبايعه ومسح على يده ثم بايع موسى ومسح على يده ثم انصرف؛ ووفى المهدي

стр. 6973

لعيسى بن موسى بما ضمن له من الأموال والقطائع وأرضاه، وكتب بذلك كتاباً، وشهد فيه خلقٌ من الأشراف والوجوه والكبراء وغيرهم، عدتهم أربع مئة وخمسة وعشرون رجلاً. ورجع عيسى بعد ذلك إلى الكوفة، فلم يزل مقيماً بها في غير ولاية حتى توفي بها سنة سبعٍ وستين ومئة وهو ابن خمسٍ وستين سنة وكانت مدة عيسى في ولاية العهد من أوله إلى آخره ثلاثاً وعشرين سنة. وقيل إن عيسى كان لقب في ولاية العهد بالمرتضى. لما هم أبو جعفر المنصور بالبيعة للمهدي دخل عليه الحسن بن قحطبة فقال: يا أمير المؤمنين! ما تنتظر بالفتى المقتبل المبارك؟ جدد له البيعة فما أحدٌ يمتنع ممن وراء هذا الباب، ومن أبى لهذا سيفي. وبلغ الخبر عيسى بن موسى فقال: والله لئن ظفرت به لاشرب البارد. وبلغ الحسن بن قحطبة الخبر والمنصور، فدخل الحسن بن قحطبة على المنصور وعنده عيسى بن موسى فتمثل المنصور قول جرير: من الكامل زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً ... أبشر بطول سلامةٍ ما مربع فتمثل الحسن بن قحطبة بقول جرير: من الوافر إذا اجتمعوا علي فخل عنهم ... وعن بازٍ يصك حبا ريات ومربع: رجلٌ من بني جعفر بن كلاب، كان يروي شعر جرير فنذر الفرزدق دمه، فقال جرير هذا الشعر فيه. قدم هارون الكوفة فعزل شريكاً عن القضاء. وكان موسى بن عيسى والياً على الكوفة، فقال موسى لشريك: ما صنع أمير المؤمنين بأحدٍ ما صنع بك، عزلك عن القضاء، فقال له شريك: هم أمراء المؤمنين يعزلون القضاة، ويخلعون ولاة العهد ولا يعاب ذلك عليهم. قال موسى: ما ظننت أنه مجنون هكذا لا يبالي ما تكلم به. وكان أبوه عيسى بن موسى ولي العهد بعد أبي جعفر فخلعه بمالٍ أعطاه إياه.

стр. 6974

قال أبو بكر بن عياش: رأيت الخطابية مروا بنا بالكناسة في أزر وأردية، محرمين بالحج وهم يقولون: لبيك جعفر، فخرج إليهم عيسى فانهزموا إلى موضع دار رزق فقتلهم، فقيل: يا أبا الخطاب! ألا ترى السلاح قد عمل فينا! قال: بدا لله أن يستشهدكم، وقد كان أبو الخطاب قال لهم: إن السلاح لا يعمل فيكم. جاءت ارمأة يوماً إلى شريك من ولد جرير بن عبد الله البجلي، صاحب سيدنا رسول الله ﷺ وهو في مجلس الحكم فقالت: أنا بالله ثم بالقاضي، امرأة من ولد جرير بن عبد الله، فزادت في الكلام فقال: إيهاً عنك الآن، من ظلمك؟ قالت: الأمير عيسى بن موسى، كان لي بستان على شاطئ الفرات لي فيه نخلٌ ورثته عن آبائي، وقاسمت إخوتي وبنيت بيني وبينه حائطاً وجعلت فيه رجلاً فارسياً في بيت يحفظ لي النخل ويقوم بشأني، فاشترى الأمير عيسى بن موسى من إخوتي جميعاً وساومني وأرغبني فلم أبعه، فلما كان في هذه الليلة بعث بخمس مئة فاعل فاقتلعوا الحائط، فأصبحت لا أعرف من نخلى شيئاً، واختلط بنخل إخوتي. ثم قال: يا غلام، طينة فختم لها خاتماً ثم قال امضي به إلى بابه حتى يحضر معك. فجاءت المرأة بالطينة فأخذها الحاجب ودخل على عيسى فقال له: أعدي شريك عليك. قال: ادع لي صاحب الشرطة، فدعا به فقال: امض إلى شريك فقل له: يا سبحان الله! ما رأيت أعجب من أمرك! امرأة ادعت دعوى لم تصح أعديتها علي! فقال: إن رأى الأمير أن يعفيني فليفعل، فقال: امض ويلك! فخرج فأمر غلمانه أن يتقدموا إلى الحبس بفراش وغير ذلك من آلة الحبس، فلما جاء وقف بين يدي شريك فأدى الرسالة، فقال لحاجبه؛ خذ بيده فضعه في الحبس، قال: قد عرفت أنك تفعل بي هذا فقدمت ما يصلحني إلى الحبس. وبلغ عيسى بن موسى ذلك فوجه بحاجبه إليه فقال: هذا من ذاك رسول، أي شيءٍ عليه؟ فلما أدى الرسالة ألحقه بصاحبه فحبس؛ فلما صلى الأمير العصر بعث إلى إسحاق بن

стр. 6975

الصباح الأشعثي، وإلى حماعةٍ من وجوه الكوفة من أصدقاء شريك فقال: امضوا إليه فأبلغوه السلام وأعلموه أنه قد استخف بي وأني لست كالعامة. فمضوا وهو جالس في مسجده بعد العصر، فدخلوا إليه فأبلغوه الرسالة، فلما انقضى كلامهم قال لهم: مالي لا أراكم جئتم في غيره من الناس؛ من ها هنا من فتيان الحي!؟ فابتدروه، فقال: ليأخذ كل واحد منكم بيد رجل من هؤلاء فيذهب به إلى الحبس لا ينام والله إلا فيه. قالوا: أجاد أنت؟! قال: حقاً، حتى لا تعودوا تحملون رسالة ظالم. فحبسهم، فركب عيسى بن موسى في الليل إلى باب الحبس، ففتح الباب وأخذهم جميعاً، فلما كان الغد جلس شريك للقضاء فجاء السجان فأخبره، فدعا بالقمطر فختمها ووجه بها إلى منزله وقال لغلامه: الحقني بثقلي إلى بغداد، والله ما طلبنا هذا الأمر منهم ولكن أكرهونا عليه، ولقد ضمنوا لنا الإعزاز فيه إذا تقلدنا لهم. ومضى نحو قنطرة الكوفة يريد بغداد، وبلغ عيسى بن موسى الخبر، فركب في موكبه فلحقه وجعل يناشده الله ويقول: يا أبا عبد الله! تثبت انظر، إخوانك تحبسهم! دع أعواني، قال: نعم لأنهم مشوا لك في أمرٍ لم يجب عليهم فيه، ولست ببارحٍ أو يردوا جميعاً إلى الحبس وإلا مضيت من فوري إلى أمير المؤمنين، فاستعفيته مما قلدني. فأمر بردهم جميعاً إلى الحبس وهو واقفٌ مكانه حتى جاءه السجان فقال: قد رجعوا إلى الحبس، فقال لأعوانه: خذوا بلجامه فردوه بين يدي إلى مجلس الحكم. فمروا به بين يديه حتى أدخل المسجد، وجلس مجلس القضاء ثم قال: الجريرية المتظلمة من هذا. فجاءت فقال: هذا خصمك قد حضر، فلما جلس معها بين يديه قال: يخرج أولئك من الحبس قبل كل شيء. ثم قال: ما تقول فيما تدعيه هذه؟ قال: صدقت. قال: ترد جميع ما أخذ منها إليها وتبني حائطها في أسرع وقت كما هدم. قال: أفعل. قال: بقي لك

стр. 6976

شيء؟ قال: تقول المرأة: نعم وبيت الفارسي ومتاعه. قال: وبيت الفارسي ومتاعه. فقال شريك: أبقي لك شيء تدعينه؟ قالت: لا، وجزاك الله خيراً. قال: قومي، وزيرها، ثم وثب من مجلسه، فأخذ بيد عيسى بن موسى فأجلسه في مجلسه ثم قال: السلام عليك أيها الأمير، تأمر بشيء؟ قال: بأي شيء آمر! وضحك. قال عيسى بن موسى لابن أبي ليلى وابن شبرمة: أسألكما عن الرجل فتخبراني عنه بخير، فإذا بلوناه واستعملناه لم نجده كذلك! قالا: لو سألت عنه أيها الأمير في ذلك الوقت غيرنا لأخبرك بمثل ما أخبرناك، ولكنها الدنيا تعرض لهم فيتغيرون. قال: صدقتما. ولد لعيسى بن موسى ابنة، واغتم عليها وامتنع من الطعام، فبلغ ذلك بهلولاً، فجاء إلى الحجاب فسألهم الإذن عليه فأبوا، فقال بعضهم لبعض: دعوه لعله أن يكلم الأمير بكلامٍ يسليه، قال: فأذنوا له فدخل، فلما رآه الأمير عيسى بن موسى أطرق، قال: فقال له: بلغني أنك ولد ابنة فاغتمت، أيما خيرٌ لك ابنةٌ عاقلة أو ابنٌ مجنونٌ مثلي؟ قال: ابنةٌ عاقلة؛ قال: فسلا ودعا بالطعام ووهب له. توفي عيسى بن موسى سنة سبعٍ وستين ومئة بالكوفة وأشهد الناس على وفاته روح بن حاتم - وهو واليها - القاضي وجماعةٌ، وصلى عليه وهو ابن خمسٍ وستين سنة. وقيل: نات سنة ثمان وستين. عيسى بن موسى أبو محمد، ويقال أبو موسى أخو سليمان بن موسى القرشي من أهل دمشق. حدث عن إسماعيل بن عبيد الله أن قيس بن الحارث المذحجي دخل هو والصنابحي على عبادة بن الصامت في مرضه

стр. 6977

الذي قبض فيه فقال عبادة حين نظر إلى الصنابحي: من سره أن ينظر إلى رجل كأنما صعد إلى السماء فهو يعمل بما رأى فلينظر إلى هذا. ثم قال: مرحباً بأبي عبد الله! والله لئن شفعت لأشفعن لك، ولئن استشهدت لأشهد لك، ولئن قدرت لأنفعنك. ثم قال: أقعدوني، فأقعد، ثم قال: أما إني سأحدثكم حديثاً عن رسول الله ﷺ ، ولو علمت أن أقوم من مضجعي هذا لم أحدثكموه - مع أنه قد كان يعمل - إني أحدثكم بحديث، فليحدث الحاضر منكم الغائب: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من مات لا يشرك بي شيئاً فقد حرم الله عليه النار. عيسى بن موسى القرشي دمشقي، غير المذكور آنفاً. حدث عن عطاء الخراساني، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله جميلٌ يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده. الكبر من سفه الحق وغنص الناس. عيسى بن يزيد أبو عبد الرحمن الأنطرطوسي، الأعرج من أهل أنطرطوس، من مدينة من نواحي أطرابلس من ساحل دمشق. حدث عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن سلمان الفارسي، عن النبي ﷺ قال: الصلاة كيل ووزن، فمن أوفى وفي له، ومن نقص فقد علمتم ما أنزل في المطففين.

стр. 6978

عيسى بن يونس بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله أبو عمرون، ويقال أبو محمد السبيعي من الكوفة. سكن الشام وقدم دمشق. حدث عن الأعمش، عن يزيد بن وهب، عن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : من لا يرحم الناس لا يرحمه الله. وحدث عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها. وفي حديث آخر: ولا يأكل الصدقة. وحدث عن الأوزاعي بسنده إلى أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: لا تنكح البكر حتى تستأذن، وإذنها الصموت؛ والثيب تصيب من أمرها ما لم تدع إلى سخطه، فإن دعت إلى سخطه وكان أولياؤها يدعون إلى الرضا رفع ذلك إلى السلطان. وحدث عن أخيه عن الأعمش عن ابن وائل عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : عودوا المريض، وأجيبوا الداعي، ولا تردوا الهدية، ولا تصرموا المسلمين. وحدث عن هشام بن عروة، عن أخيه عبد الله بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت: جلس إحدى عشرة امرأة تعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً. فقالت الأولى: زوجي لحم جملٍ غث على رأس جبل، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى. قالت الثانية: زوجي لا أبث خبره، إني أخاف أن لا أذره، إن أذكره اذكر عجره وبجره.

стр. 6979

قالت الثالثة: زوجي العشنق، إن أنطق أطلق، وإن أسكت أعلق. قالت الرابعة: زوجي كليل تهامة، لا حر ولا قر، ولا مخافة ولا سامة. قالت الخامسة: زوجي إن دخل فهد، وإن خرج أسد، ولا يسأل عما عهد. قالت السادسة: زوجي إن أكل لف، وإن شرب اشتف، وإن اضطجع التف، ولا يولج الكف، ليعلم البث. قالت السابعة: زوجي عيا ياء - أو غيا ياء - طبا قاء، كل داءٍ له داء، سجك أو فلك أو جمع كلا لك. قالت الثامنة: زوجي الريح ريح زرنب، والمس مس أرنب. قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد، طويل النجاد، عظيم الرماد، قريب البيت من الناد.

стр. 6980

قالت العاشرة: زوجي مالك، فما مالك، مالكٌ خير من ذلك، له إبلٌ كثيرات المبارك، قليلات المسارح إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك. قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع، فما أبو زرع، أناس من حلي أذني، وملأ من شحمٍ عضدي، وبجحني فبجحت إلى نفسي، وجدني في أهل غنيمة بشق، فجعلني في أهل صهيل وأطيط، ودائسٍ ومنق، فعنده أقول فلا أقبح، وأرقد فأتصبح، وأشرب فأتقمح. أم أبي زرع، فما أم أبي زرع؟ عكومها رداح، وبيتها فياح؛ ابن أبي زرع، فما ابن أبي زرع؟ مضجعة كمسل شطبةٍ، يشبعه ذراع الجفرة؛ بنت أبي زرع، فما بنت أبي زرع؟ طوع أبيها وطوع أمها، وملء كسائها وغيظ جارتها؛ جارية أبي زرع، فما جارية أبي زرع؟ لا تبث حديثنا تبثيثا، ولا تنقث ميرتنا

стр. 6981

تنقيثا، ولا تملأ بيتنا تعشيشا. قالت: خرج أبو زرعٍ والأوطاب تمخض، فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فطلقني ونكحها، فنكحت بعده رجلاً سرياً، ركب شرياً، وأخذ خطيا، وأراح علي نعماً ثريا، وأعطاني من كل رائحةٍ زوجاً وقال: كلي أم زرع وميري أهلك فلو جمعت كل شيءٍ أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع. قالت عائشة: قال لي رسول الله ﷺ : كنت لك كأبي زرعٍ لأم زرع. توفي عيسى بن يونس بالحدث سنة إحدى وتسعين ومئة. وقيل سنة إحدى وثمانين. وقيل توفي سنة ثمانٍ وثمانين ومئة وكان ثقة. كان عيسى بن يونس سنة في الغزو وسنة في الحج، وكان قدم إلى بغداد في شيءٍ من أمر الحصون، فأمر له بمال، فأبى أن يقبل. حدث محمد بن المنذر الكندي - وكان جاراً لعبد الله بن إدريس - قال: حج الرشيد ومعه الأمين والمأمون، فدخل الكوفة، فقال لأبي يوسف: قل للمحدثين يأتونا يحدثونا. فلم يتخلف عنه من شيوخ الكوفة إلا اثنان: عبد الله بن

стр. 6982

إدريس وعيسى بن يونس، فركب الأمين والمأمون إلى عبد الله بن إدريس فحدثهما بمئة حديث، فقال المأمون لعبد الله: يا عم! أتأذن لي أن أعيدها عليك من حفظي؟ قال: افعل، فأعادها كما سمعها، وكان أبو إدريس من أهل الحفظ يقول: لولا أني أخشى أن ينفلت مني القرآن ما دونت العلم، فعجب عبد الله بن إدريس من حفظ المأمون! وقال المأمون: يا عم، إلى جانب مسجدك دار، إن أذنت لنا اشترناها ووسعنا بها المسجد؟ فقال: ما بي إلى هذا حاجة، قد أجزأ من كان قبلي، وهو يجزيني. فنظر إلى قرحٍ في ذراع الشيخ فقال: إن معنا متطببين وأدوية، أفتأذن أن يجيئك من يعالجك؟ قال: لا، قد ظهر بي مثل هذا وبرأ. فأمر له بمالٍ جائزة، فأبى أن يقبله. وصار إلى عيسى بن يونس، فحدثهما، فأمر له المأمون بعشرة آلاف درهم، فأبى أن يقبلها، فظن أنه استقلها، فأمر له بعشرين ألفاً فقال عيسى: لا ولا إهليلجة، ولا شربة ماءٍ على حديث سيدنا رسول الله ﷺ ، ولو ملأت لي هذا المسجد ذهباً إلى السقف! فانصرفنا من عنده. قال جعفر بن يحيى بن خالد: ما رأينا في القراء مثل عيسى بن يونس! أرسلنا إليه فأتانا بالرقة، فاعتل قبل أن يرجع، فقلت له: يا أبا عمرو! قد أمر لك بعشرة آلاف، فقال: هيه فقلت: هي خمسون ألفاً، قال: لا حاجة لي فيها. فقلت: ولم؟ أما والله لأهنئنكها، هي والله مئة ألف. قال: لا والله، لا يتحدث أهل العلم أني أكلت للسنة ثمناً، ألا كان هذا قبل أن ترسلوا إلي! فأما على الحديث فلا ولا شربة ماء ولا إهليلجة. قيل: إن عيسى بن يونس غزا خمساً وأربعين غزوة، وحج خمساً وأربعين حجة، وتوفي سنة سبعٍ وثمانين. وكان ثقةً، ثبتاً.

стр. 6983

عيلان بن زفر بن جبر ابن مروان بن سيف بن يزيد بن شريح بن شقيق أبو الهذام المازني الفقيه، الشافعي، أخو محمد بن زفر عيلان: بالعين المهملة. حدث عن أبي الحسن أحمد بن محمود بن مقاتل الهروي قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: رأيت في يومٍ واحد بأرض اليمن ثلاث أعجوبات، رأيت حجاماً أعمى مقعداً يعبر الرؤيا؛ ورأيت رجلاً مذبوحاً من قفاه من أذنه إلى أذنه وقد دووي وبرأ، وهو يجيء ويذهب ويذهب، ورأيت حبة تحمل على بعير. شريح بن شقيق ممن على سيدنا رسول الله ﷺ . وتوفي أبو الهيدام سنة ثمانٍ وعشرين وثلاث مئة. عيينة بن عائشة بن عمرو ابن الشري بن علاثة بن الحارث امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم ابن مر بن أد بن إلياس بن مضر بن نزار صحابي شهد غزوة مؤتة. حدث عن خالد بن الوليد قال: قال رسول الله ﷺ : الحرب خدعة.

стр. 6984

أسماء النساء على حرف العين المهملة عاتكة بنت عبد الله بن يزيد ابن معاوية بن أبي سفيان وهي مولاة زجلة من فوق. قال سعيد بن عبد العزيز: كانت عاتكة بنت عبد الله بن يزيد، فرآها لبست لبسة رجل، فطلقها. قال الزبير بن بكار: رأت عاتكة في المنام قائلاً يقول: من الكامل إن الشباب وعيشنا اللذ الذي ... كنا به زمناً نسر ونجذل ذهبت بشاشته وأصبح ذكره ... حزناً يغل به القؤاد وينهل قال: فأول الناس ذلك من رؤيا عاتكة زوال ملك بني أمية، فكان كما أؤلوا.

стр. 6985

عاتكة بنت يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان بن حرب بن أمية، أم البنين الأموية زوج عبد الملك بن مروان، وأم يزيد بن عبد الملك. وأمها أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر بن كريز. وإلى عاتكة تنسب أرض عاتكة، خارج باب الجابية، وكان لها بها قصر، وبها مات عبد الملك بن مروان. لما أراد عبد الملك الخروج إلى مصعب بن الزبير ناشت به ارمأته عاتكة بنت يزيد وبكت، فبكى جواريها معها؛ فجلس ثم قال: قاتل الله ابن أبي جمعة حين يقول. إذا ما أراد الغزو لم تثن همه ... حصان عليها نظك در يزينها نهته فلما لم تر النهي عاقه ... بكت فبكى مما عراها قطينها ثم مضى. قال محمد بن حبيب: كانت عاتكة بنت يزيد تضع خمارها بين يدي اثني عشر خليفةً كلهم لها محرم: أبوها يزيد بن معاوية، وأخوها معاوية بن يويد، وجدها معاوية بن أبي سفيان، وزوجها عبد الملك بن مروان، وأبو زوجها مروان بن الحكم، وابنها يزيد بن عبد الملك، وبنو زوجها الوليد وسليمان وهشام، وابن ابنها الويد بن يزيد، وابنا ابن زوجها يزيد بن الوليد، وابراهيم بن الوليد المخلوع. قال عبد الملك بن مروان لعاتكة بنت يزيد: لو أشهدت بمالك لولدك، قالت: أدخل علي ثقةٌ من ثقات موالي حتى أشهدهم، فوجه إليها بعددٍ منهم، ووجه معهم روح بن زنباع، فأبلغها روح الرسالى فقالت: يا روح، بني في غنى عن مالي بأبيهم وموضعهم من الخلافة، ولكني أشهدكم أني قد أوقفت جميع مالي على آل أبي سفيان، فهم إلى ذلك أحوج لتغير حالهم. فخرج روح وقد تغير

стр. 6986

لونه، فقال له عبد الملك: ما لك؟ قال: وجهتني إلة معاوية جالس في أثوابه! وأخبره الخبر. قال ابن جندب: استأذنت ابنة يزيد بن معاوية عبد الملك بن مروان في الحج، فأذن لها وقال: ارفعي حوائجك واستظهري، فإن عائشة بنت طلحة تحج، وإن أقمت كان أحب إلي، فأبت، فرفعت حوائجها وتهيأت، فجهزها، فلما كانت بين مكة والمدينة أقبل ركبٌ في جماعة فضعضعها وفرق جماعتها، فقالوا: عائشة بنت طلحة، فإذا ذلك مع جاريةٍ من جواريها، ثم جاء ركبٌ في موكبٍ مثله، فقال: ما شطتها، ثم جاء موكبٌ أظم من ذلك في ثلاث مئة راحلة، فقالت عاتكة: ما عند الله خيرٌ وأبقى. قالوا: إن عاتكة بقيت حتى أدركت قتل ابن ابنها الوليد بن يزيد بن عبد الملك. عائشة بنت طلحة بن عبيد الله ابن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعيد بن تيم بن مرة أم عمران التيميية، وأمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق امرأة جليلة تحدث الناس عنها بقدرها وأدبها، ووفدت على عبد الملك بن مروان وعلى هشام بن عبد الملك. حدثت عن عائشة زوج النبي صلى الله عليى وسلم قالت: جاءت الأنصار بصبي لهم إلى النبي صلى الله عليى وسلم فقلت - أو قيل -: هنيئاً له يا رسول الله! لم يعمل شراٌ قط ولم يدركم، عصفورٌ من عصافير الجنة. قال: أو غير ذلك إن الله

стр. 6987

خلق الجنة وخلق لها أهلاً، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم. لما وفدت عائشة بنت طلحة على عبد الملك وأرادت الحج حملها احشامها على ستين بغلاً من بغال الملوك، فقال عروة بن الزبير: يا عيش يا ذات البغال الستين ... أكل عامٍ هكذا تحجين تزوجها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ثم خلف عليها مصعب بن الزبير بن العوام فقتل عنها، فخلف عليها عمر بن عبيد الله بن معمر بن عثمان التيمي. قال أنس بن مالك لعائشة بنت طلحة: والله ما رأيت أحسن منك إلا معاوية على منبر رسول الله صلى الله عليى وسلم. فقالت: والله لأنا أحسن من النار في عين المقرور في الليلة القارة. قال أنس بن مالك: دخلت على عائشة بنت طلحة في حاجة، فقلت: إن القوم يريدون أن يدخلوا إليك فينظروا إلى حسنك، قالت: أفلا قلت لي فألبس ثيابي! من أحسن الناس في زمانها. قال إسحاق بن طلحة دخلت على أم المؤمنين وعندها عائشة بنت طلحة وهي تقول لأمها أم كلثوم بنت أبي بكر: أنا خير منك، وأبي خير من أبيك. قال: فجعلت أمها تسبها وتقول: أنت خير مني! قال: فقالت عائشة زوج النبي صلى الله عليى وسلم: ألا أقضي بينكما؟ قالتا: بلى، قالت: فإن أبا بكر دخل على رسول الله صلى الله عليى وسلم فقال له: يا أبا بكر! أنت عتيق الله من النار. فمن يومئذٍ سمي عتيقاً. قالت: ودخل طلحة بن عبيد الله عليه فقال: أنت يا طلحة ممن قضى نحبه. حدثت عائشة بنت طلحة أنها كانت عند عائشة أم المؤمنين ﵂، فدخل

стр. 6988

عليها زوجها هنالك وهو صائم، فقالت له عائشة: ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتقبلها وتلاعبها؟ فقال: أقبلها وأنا صائم؟ فقالت: نعم. قالت عائشة بنت طلحة: سافرت إلى مكة في العمرة، فلقيت عائشة أم المؤمنين فقالت لي: مالي أراك شعثة سيئة الهيئة! قالت: أسقطت سقطاً - أو ولدت ولداً - ولم أغتسل بعد. قالت: اغتسلي وادهني وتطيبي، فإنه قد حل لك كل شيء إلا زوجك. حدث ابن عياش أن عائشة بنت طلحة كانت عند عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر وكان أبا عذرتها، ثم هلك، فتزوجها مصعب بن الزبير فقتل عنها، فتزوجها عمر بن عبيد الله بن معمر حيث وجهه عبد الملك من الشام إلى أبي فديك، وأمره أن ينتخب من أهل الكوفة ستة آلاف ومن أهل البصرة ستة آلاف فبنى بها في الحيرة. قال ابن عياش: فحدثني من شهد عرسه تلك الليلة أنه مهدت له فرش لم أر مثلها، سبعة أذرع في عرض أربعة أذرع. قال: فانصرف تلك الليلة عن سبع مراتٍ. قال: فلقيته مولاةٌ لها حيث أصبح فقالت له: أبا حفص فديتك كملت في كل شيءٍ حتى في هذا! فلما مات ناحت عليه قائمة ولم تنح على أحدٍ منهم قائمة غيره. وكانت العرب إذا ناحت المرأة على زوجها قائمة علموا أنها لا تتزوج بعده. فقيل لها: يا عائشة! والله ما صنعت هذا بأحدٍ من أزواجك! فقالت: إنه كان فيه خلالً ثلاث، لم تكن في واحدٍ منهم: كان سيد بني تيم، وكان أقرب القوم، وأردت أن لا أتزوج بعده أبداً. قال: فعلم أنها كانت تؤثره على غيره. قال إسحاق: دخلت على عائشة بنت طلحة، وكانت لا تحتجب من الرجال، تجلس وتأذن كما يأذن الرجل، فلقد رأيتني دخلت عليها وهي متكئة، ولو أن بعيراً أنيخ وراءها مارئي.

стр. 6989

قال أبن إسحاق: فتزوجها مصعب بن الزبير على مئة ألف دينار. ثم تزوجها ابن عمها عمر بن عبيد الله، فأصدقها مئة ألف دينار. حد الشعبي: دخلت المسجد باكراً فإذا أنا بمصعب بن الزبير على سرير جالساً والناس عنده، فجلست، وذهبت لأنصرف فقال: ادن، فدنوت فقال: إذا قمت فاتبعني، فجلست مليا، ثم نهض فتوجه نحو دار موسى بن طلحة، وتبعته، فلما طعن في الدار التفت إلي فقال: ادخل، ومضى نحو حجره، وتبعته، فالفت إلي فقال: ادخل، فدخلت فدخل صفته، فدخلت معه فإذا حجلة، وإنها لأول حجلةٍ رأيتها لأمير، فقمت ودخل الحجلة، فسمعت حركة، فكرهت الجلوس ولم يأمرني بالانصراف ولا الجلوس، فإذا جاريةً قد جاءت فقالت: يا شعبي؛ يأمرك الأمير أن تجلس، فجلست على وسادة، ورفع سجف الحجلة، فإذا أجمل الناس! فلم أر زوجاً قط أجمل منهما! مصعب وعائشة بنت طلحة، فقال: يا شعبي أتعرف هذه؟ قلت: نعم، هذه سيدة نساء العالمين عائشة بنت طلحة. قال: لا، ولكن هذه ليلى، ثم أنشأ يقول: من الطويل وما زلت في ليلى لدن طرشاربي ... إلى اليوم أخفي حبها وأداجن وأحمل في ليلى لقومٍ ضغينة ... وتحمل في ليلى علي الضغائن إذا شئت يا شعبي، قال: فقمت، ثم رحنا إلى المسجد، فإذا مصعب جالس على سرير، فسلمت فقال: ادن، فدنوت، ثم قال: ادن، فدنوت حتى وضعت يدي على مرافقه فأصغى إلى فقال: هل رأيت مثل ذلك الإنسان قط؟ قلت: لا والله، قال: أتدري لم أخلناك؟ قلت: لا، قال لتحدث بما رأيت. ثم التفت إلى عبد الله بن أبي

стр. 6990

فروة فقال: أعطه عشرة آلاف درهم وثلاثين ثوباً. قال: فما انصرف أحد يومئذٍ بما انصرفت به، عشرة آلاف درهم ومثل كارة القصار ثياباً، ونظر إلى عائشة!. وفي رواية: فقالت عائشة: ينصرف هكذا وقد رآني! فأمر لي بحق مليء وثياب. وفي رواية: ثو قال: يا شعبي إنها اشتهت علي حديثك فحادثها، فخرج وتركها، فجعلت أنشدها وتنشدني، وأحدثها وتحدثني حتى أنشدتها قول قيس بن ذريح: من الطويل ألا يا غراب البين قد طرت بالذي ... أحاذر من لبنى فهل أنت واقع أتبكي على لبنى وأنت تركتها ... فقد هلكت لبنى فما أنت صانع قال: فلقد رأيتها وفي يدها غراب تنتف ريشه، وتضربه بقضيبٍ وتقول له: يا مشؤوم!. وجه مصعب بن الزبير إلى عزة المدينية - وكانت من أعقل النساء - فأتته فقال لها: يا عزة! قد عزمت على تزويج عائشة بنت طلحة، وأنا أحب أن تصيري إليها متأملة لخلقةٍ مؤدية لخبرها إلى. فقالت: يا جارية، علي بمنقلي، فلبسته ثم صارت إلى منزل عائشة، فلما دخلت عليها قالت عائشة: مرحباً بالحبيبة، كيف نشطت لنا؟ قالت: جئت في حاجة، قالت: إذاً تقضى، قالت: ارمي عنك جلبابك، قالت: إذاً أفعل، ففعلت، ثم قالت لها: أعوذك بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، الله جارك، ثم رجعت إلى مصعب فقال: ما الخبر يا عزة؟ قالت: رأيت وجهاً أحسن من العافية، ولها عينان نجلاوان، وإن هما مسكن هاروت وماروت، من تحت ذلك أنف أقنى، وخدان أسيلان وفم كفم الرمانة، وعنق كإبريق فضة، تحت ذلك صدر فيه حقا عاجٍ، تحت ذلك

стр. 6991

بطن أقب، ولها عجز كدعص الرمل، وفخذان كدعص الرمل، وفخذان لفاوان، وساقان رياوان، غير أني رأيت في رجليها كبراً، وهي تغيب عنك في وقت الحاجة. فلما تزوجها مصعب ودخل بها دعت عائشة عزة ونسواناً من قريش، فلما أصبن من طعامها غنتهن ومصعب قائم في دهليز الدار: من المتقارب وثغر أغر شتيت النبات ... لذيذ المقبل والمبتسم وما ذقته غير ظني به ... وبالظن يحكم فينا الحكم فقال مصعب وهو في الدهليز: بارك الله عليك يا عزة، لكنا والله ذقناه فوجدناه كما ذكرت. كان مصعب بن الزبير - وهو على العراق - كذيراً ما يولع بقصيدة جميل بن معمر العذري، وبهذا البيت خاصة: من البسيط ما أنس لا أنس منها نظرة سلفت ... بالحجر يوم جلتها أم منظور فقال مصعب: أفلا تجلين عائشة بنت طلحة علي كما جليتها؟ قالت: هيهات! هي بين يديك في كل ساعة وفي كل وقت، قال: فإنها من أشكس خلق الله خلقاً، فتصلحين بيني وبينها، لقد بلغ من شكاستها أني بعثت إليها أترضاها وبعثت إليها بأربع مئة ألف درهم فردتها علي وشتمت الرسول. فدخلت عليها أم منظور ثم قالت: مثلك في شرفك وقدرك في نفسك، ينسب إليك هذا الخلق وهذا الفعال الذي لا يشبهك! تحوجين زوجك إلى هذا! فسكتت عائشة فلم ترد عليها؛ وقالت أم منظور لمصعب: قد كلمتها لك فسكتت، ورضاها صمتها. ودخل مصعب، فلما رأته أمرت بالباب فأغلق في وجهه، فكسر الباب ودخل، فتنازعا، فضربها وضربته، فأصلحت بينهما أم منظور، فقال مصعب لعائشة: هذه أربع مئة ألف قد حضرت، وإلى أيام يأتينا مثلها ندفعها إليك، فأمرت عائشة بدفع

стр. 6992

الأربع مئة ألف المعجلة إلى أم منظور. قال ابن وداع الوراق: مر بلبل المجنون يوماً فجلس إلي ونظر في بعض الكتب التي كانت بين يديه فمر به أبيات فيها: من الطويل ونهتجر الأيام ثم يردنا ... إلى الوصل أنا لم يكن بيننا ذحل فقال لي: أتعرف من تمثل بهذا البيت في بعض الأمر؟ قلت: لا، قال: كانت عائشة بنت طلحة تحت مصعب بن الزبير، فعتبت عليه بسبب بعض جواريه فهجرته، فبلغ ذلك منه وانفتق عليه فتق بالبصرة فثار إليه، فرتقه ورجع، فقالت لها أم حبيبة امرأة أبي فروة: لو صرت إلى الأمير فأهديت إليه التهنئة بظفره لسره ذلك. فقامت نحوه، فلما رآها مصعب قال لها: مرحباً بالغضبان العاتب وأنشد: ونهتجر الأيام ثم يردنا ... إلى الوصل أنا لم يكن بيننا ذحل فقالت: والله لولا التهنئة لطال الإعراض. ثم أهوت إليه فعانقته فقال: معذرة من سهك الحديد، فقالت: أوذنب ذاك؟ لهو أطيب من ريح المسك. ثم قالت: أفلح الوجه وعلا العقب وليهنك الظفر! يا جواري أرخين الستور وانصرفن. فخلوا لشأنهما. قال ابن وداع: فكتبت هذا ولم ألبث أن مر بنا علام الطاهري، فأقبل علي فقال: من الطويل بحق الهوى إن كنت ممن يحيه ... تحب غلام الطاهري المقرطقا

стр. 6993

فإن قلت لي لا كنت كالشاه خيبة ... وإن قلت إيهاً كنت عندي الموفقا وقام يسرع السعي خلفه ثم نادى: الشاه بن ميكال الشاه بن ميكال! فأثبت البيتين، ولم أعرف آخر خبره. كتب أبان بن سعيد إلى أخيه يحيى بن سعيد، يخطب عليه عائشة بنت طلحة، ففعل، فقالت ليحيى: ما أنزل أبان أيلة؟ قال: أراد رخص سعرها وأراد العزلة، فقالت: اكتب إليه عني: من الطويل حللت محل الضب لا أنت ضائر ... عدواً ولا مستنفع بك نافع عبدة بنت أحمد بن عطية العنسية أخت أبي سليمان الداراني من المتعبدات. قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: إني لأمرض، فأعرف الذنب الذي أمرض به، أصابني مرض لم أعرف له سبباً! قال: فدخلت علي أختي فقلت لها: دعوت الله أن يسلط علي المرض؟ قالت: نعم. قال: لو لم أجد إلا أن أعترض على الحمار لم أدع الحج. قال أحمد: فخرج إلى الحج. زاد في آخر: فخرجت فما زلت عليلاً.

стр. 6994

قال أبو سليمان: وصفت لأختي عبدة قنطرةٌ من قناطر جهنم، فأقامت يوماً وليلةً في صحبة واحدة ما سكتت، ثم انقطع عنها بعد، فكلما ذكرت لها صاحت صيحةً واحدة ثم سكتت. قلت: من أي شيءٍ كان صياحها؟ قال مثلت نفسها على القنطرة وهي تكفأ بها. عبدة بنت عبد الله بن يزيد ابن معاوية بن أبي سفيان بن حرب، زوج هشام بن عبد الملك وعبدة هي المذبوحة، ذبحت أيام عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس. ولها يقول عمرو بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص حين أخذت أمها أم موسى بنت عمرو بن سعيد درع عبدة بنت عبد الله: من السريع يا عبد لا تأسي على بعدها ... فالبعد خير لك من قربها لا بارك الرحمن في عمتي ... ما أبعد الإيمان من قلبها كانت عبدة بنت عبد الله عند هشام بن عبد الملك، وكانت من أجمل النساء، فدخل عليها يوماً وعليها ثيابٌ سودٌ رقاق، من هذه التي يلبسها النصارى يو عيدهم، فملأته سروراً حين نظر إليها، ثم تأملها فقطب، فقطبت فقالت: مالك يا أمير المؤمنين! أكرهت هذه؟ ألبس غيرها؟ قال: لا، ولكن رأيت هذه الشامة التي على كشحك من فوق الثياب، وبك تذبح النساء - وكانت بها شامةٌ في ذلك الموضع - أما إنهم سينزلونك عن بغلةٍ شهباء وردة - يعني بني العباس - ثم يذبحونك ذبحاً. قوله: تذبح بك النساء. يعني إذا كانت دولةٌ لأهلك ذبحوا بك من نساء القوم الذين ذبحوك. فأخذها عبد الله بن علي بن عيد الله بن العباس، فكان معها من الجوهر مالا يدرى ما هو، ومعها درع يواقيت وجوهر منسوحٌ بالذهب، فأخذ ما كان معها وخلى سبيلها. فقالت في الظلمة: أي دابةٍ تحتي؟ قيل لها: لظلمة الليل - فقالت:

стр. 6995

نجوت. قال: فأقبلوا على عبد الله بن علي فقالوا: ما صنعت أدنى ما يكون، يبعث أبو جعفر إليها فتخبره بما أخذت منها فيأخذه منك، اقتلها. فبعث في إثرها وأضاء الصبح، فإذا إليها فتخبره بما أخذت منها فيأخذه منك، اقتلها. فبعث في إثرها وأضاء الصبح، فإذا تحتها بغلةً شهباء وردة؛ فلحقها الرسول فقالت: مه؟ قال: أمرنا بقتلك، قالت: هذا أهون علي. فنزلت فشدت درعها من تحت قدميها وكميها على أطراف أصابعها وخمارها، فما رئي من جسدها شيء. والذي لحقها مولى لآل العباس. قال ابن عائشة: فرأيت من يدخل دورنا يطلب اليواقيت للمهدي ليتم به تلك الدرع التي أخذت منها. وإنما كانت بدناً تغطي المرأة إذا قعدت. ولما دخلت البصرة الزنج دخلوا دار جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس فجاؤوا إلى بنته آمنة وهي عجوز كبيرة قد بلغت تسعين سنة، فلما رأتهم قالت: اذهبوا بي إليه، فإنه ابن خال جدتي أم الحسن بنت جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي. قالوا: بك أمرنا. فقتلوها. قال أحمد بن إبراهيم: كانت عبدة ابنة عبد الله الأسوار بن يزيد بن معاوية عند يزيد بن عبد الملك، ثم خلف عليها هشام، وكانت من أحب الناس إليه، وكانت حولاء جميلةٌ، فقبض عليها عبد الله بن علي بحمص ودفعها إلى الكابلي وقال له: اذهب بها فاذبحها. فلما ضرب بيده إليها أنشأت تقول متمثلةً بشعر خال الفرزدق: من الوافر إذا جر الزمان على أناسٍ ... كلاكله أناخ بآخرينا

стр. 6996

فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا فقال لها: يا خبيثة! أتدرين لم أقتلك؟ قالت: لا، قال: إنما أقتلك بامرأة زيد بن علي. فذهب بها الكابلي فذبحها بخربةٍ بحمص. فيقال إن السفياني يخرج ثائراً بها. قال أبو القاسم: هكذا أنشدنا هذين البيتين في هذا الخبر، والذي أنشده أبو بكر بن السراج عن المرد: من الوافر فإن نغلب فغلابون قدماً ... وإن نغلب فغير مغلبينا وما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا عتبة المدنية كان لها في الغناء ذكر. لما ولي الوليد بن يزيد الخلافة أمر بأن تخرج إليه فأخرجت، فلما قدمت دعا بها وجمع ندماءه والمغنيين، فلما رأت كثرة من حضر ممن يغني قالت: يا أمير المؤمنين! قد دعوت بي فاسمع ما عندي، فإن أعجبك فاصرف هؤلاء واستمتع بما سمعته مني، وإن لم يعجبك فاصرفني وأقبل عليهم. فقال لها: هاتي فقد أنصفت في القول فقالت: من الطويل يقولون من طول اعتلالك بالقذى ... أجدك ما تلقى لعينيك شافيا بلى إن بالجزع الذي ينبت الغضى ... لعيني لو لاقيته لمداويا وأقبلن من أقصى الخيام يعدنني ... بقية ما أبقين نصلاً يمانيا يعدن مريضاً هن هيجن داءه ... ألا إنما بعض العوائد دائيا

стр. 6997

تجمعن شتى من ثلاث وأربعٍ ... وواحدةٍ حتى كملن ثمانيا فقال لها: أحسنت، ما نريد مزيداً عليك! وصرف المغنين واقتصر عليها يومئذ. عريب المأمونية قيل: إنها ابنة جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي. لما انتهت دولة البرامكة سرقت صغيرة وبيعت، واشتراها الأمين، ثم اشتراها المأمون. وكانت شاعرةٌ مجيدة، ومغنية محسنة. وقدمت دمشق مع المأمون. قال حماد بن إسحاق: قال أبي: ما رأيت امرأة قط أحسن وجهاً وأدباً وغناء وصوتاً وشعراً ولعباً بالشطرنج والنرد من عريب! وما تشاء أن تجد خصلةٌ حسنة ظريفة بارعة في امرأة إلا وجدتها فيها. قال علي بن يحيى المنجم: خرجت من حضرة المعتمد فصرت إلى عريب، فلما قربت من دارها أصابني مطر بل ثيابي فأمرت بأخذ ثيابي عني وأتتني بخلعةٍ فلبستها وأحضرنا الطعام فأكلنا، ودعت بالنبيذ، وأخرجت جواريها ثم سألتني عن خبر الخليفة في أمس ذلك اليوم وشربه، وأي شيءٍ كان صوته، وعلى من كان، فأخبرتها أن بناناً غناه: من مجزوء الوافر وذي كلفٍ بكى جزعاً ... وسفر القوم منطلق به قلقٌ يململه ... وكان وما به قلق

стр. 6998

جوارحه على خطرٍ ... بنار الشوق تحترق جفون حشوها الأرق ... تجافى ثم تنطبق فأمرت بإحضار بنانٍ فحضر، وقدم إليه طعام، فأكل وشرب، وأتي بعود، فلما شرب اقترحت عليه الصوت فغناه، فأخذت دواةٌ ودرجاً وكتبت من مجزوء الوافر أجاب الوابل الغدق ... وصاح النرجس الغرق فهات الكأس مترعةٌ ... كأن حبابها حدق تكاد لنور بهجته ... حواشي الكأس تحترق فقد غنى بنان لنا ... " جفون حشوها الأرق " فعدل بنان بلحن الصوت إلى شعرها، وغنانا فيه بقية يومنا. كتبت عريب إلى محمد بن حامد الذي كانت تحبه تستزيره، فكتب إليها: إني أخاف على نفسي من المأمون فكتبت إليه: من المتقارب إذا كنت تحذر ما تحذر ... وتزعم أنك لاتجسر فمالي أقيم على صبوتي ... ويوم لقائك لا يقدر فكتب إليها محمد بن حامد يعاتبها على شيء بلغه عنها، فاعتذرت إليه فلم يقبل عذرها فكتبت إليه: من المتقارب تبينت عذري فما تعذر ... وأبليت جسمي وما تشعر ألفت السرور وخليتني ... ودمعي من العين ما يفتر فقبل عذرها وصار إليها. دخلت بعض جواري المتوكل على عريب فقالت لها: تعالي ويحك قبلي هذا الموضع مني، فإنك ستجدين ريح الجنة منه، وأومأت إلى سالفتها، ففعلت وقالت: ما السبب في هذا؟ فقالت: قبلني الساعة صالح المنذري في هذا الموضع.

стр. 6999

كان المعتصم يطرق عريباً كثيراً، فشغل أياماً عنها، وكانت تتعشق فتى، فأحضرته ذات يوم، وقعدت تسقيه وتشرب معه وتغنيه، إذ أقبل المعتصم، فأدخلته بعض المجالس، ووافى المعتصم فرأى من الآلة والزي ما أنكره! وقال لها: عريب! ما هذا؟ قالت: جفاني أمير المؤمنين هذه الأيام واشتد شوقي إليه، وعيل صبري فمثلت مجلس أمير المؤمنين إذا طرقني وأحضرت من الآلة ما كنت أحضره إذا زارني وأكرمني، ونصبت له شرابه بين يديه كما كنت أفعل، وجعلت شرابي بين يدي كأسي؛ فهذه حالي إلى أن دخل أمير المؤمنين، فصح فألي. فقعد المعتصم وشرب وفرح وسكر، فلما انصرف أخرجت الفتى، فما زالا في أمرهما إلى الصبح. قال عبد الله بن المعتز: وقعت إلي رقاعٌ لعريب، مكاتبات منثورة ومنظومة، فقرأت رقعةٌ منها إلى المأمون وقد خرج إلى فم الصلح، لزفاف بوران: من السريع انعم تخطتك صروف الردى ... بقرب بوران مدى الدهر درة خدرٍ لم يزل نجمها ... بنجم مأمون العلا يجري حتى استقر الملك في حجرها ... بورك في ذلك من حجر يا سيدي لا تنس عهدي فما ... أطلب شيئاً غير ما تدري قال عبد الله: فذكرت ذلك لعجوزٍ من جواري بوران، فعرفت القصة وقالت: إن المأمون قرأ الرقعة على بوران فقال: أفهمت معنى الزانية؟ قالت: نعم، فبالله يا سيدي إلا سررتني بالكتاب بحملها إليك. فحملت إليه. لما توفى محمد بن حامد الذي كانت عريب تحبه صار جعفر بن حامد إلى منزله لينظر

стр. 7000

إلى تركته، فأخرج إليه سفط مختوم، وإذا فيه رقاع عريب، فجعل بتصفحها ويضحك فأخذت رقعةٌ فإذا فيها شعر لها: من المجتث ويلي عليك ومنكا ... أوقعت في القلب شكا زعمت أني خؤون ... جوراً علي وإفكا ولم يكن ذاك مني ... إلا مجوناً وفتكا إن كان ما قلت حقاً ... أو كنت حاولت تركا فأبدل الله قلبي ... بفتكه الحب نسكا دخلت عريب إلى المتوكل وقد نهض من علةٍ أصابته، وعاد إلى عاداته واصطحب، فغنت: من البسيط شكراً لأنعم من عافاك من سقم ... كنت المعافى من الآلام والسقم عادت بنورك للأيام بهجتها ... واهتز نبت رياض الجود والكرم ما قام للدين بعد المصطفى ملكٌ ... أغف منك ولا أرعى على الذمم فعمر الله فينا جعفراً ونفى ... بنور سنته عنا دحى الظلم فطرب وشرب وأجلسها إلى جنبه، ولم تزل تغنيه إياه ويشرب عليه حتى سكر. ودخلت عليه قبل نهوضه من العلة والحمى تعتاده، فقال لها: أنت مشغولةٌ عني بالقصف وأنا عليل! فقالت هذا الشعر: من الطويل أتوني فقالوا بالخليفة علةٌ ... فقلت ونار الشوق توقد في صدري ألا ليت بي حمى الخليفة جعفرٍ ... فكانت بي الحمى وكان له أجري كفى حزناً أن قيل حم فلم أمت ... من الحزن إني بعد هذا لذو صبر جعلت فداءٌ للخليفة جعفرٍ ... وذاك قليلٌ للخليفة من شكر

стр. 7001

فلما عوفي قالت: من الطويل حمدنا الذي عافى الخليفة جعفراً ... على رغم أشايخ الصلالة والمفر وما كان إلا مثل بدرٍ أصابه ... كوفٌ قليلٌ ثم أجلى عن البدر سلامته للدين عز وقوةٌ ... وعلته للدين قاصمة الظهر مرضت فأمرضت البرية كلها ... وأظلمت الأبصار من شدة الذعر فلما استبان الناس منك إفاقةٌ ... أفاقوا وكانوا كالقيام على الجمر سلامة جنيانا سلامة جعفرٍ ... فدام معافى سالماُ آخر الدهر إمام يعم الناس بالعدل والتقى ... قريباً من التقوى بعيداً من الوزر كانت عريب تعشق صالحاً المنذري، وتزوجته سراً، فوجه به المتوكل في حاجةٍ له إلى مكانٍ بعيد، فعملت فيه شعراً وصاغته لحناً وهو: من مجزوء الكامل أما الحبيب فقد مضى ... بالرغم مني لا الرضا أخطأت في تركي لمن ... لم ألق منه عوضا لبعده عن ناظري ... صرت بعيشي غرضا وغنته بين يدي المتوكل، فاستعاده مراراً وجواريه يتغامزون ويضحكن، ففطنت، فأصغت إليهن سراً من المتوكل وقالت: يا سحاقات! هذا خيرٌ من عملكن. مرضت قبيحة فقال المتوكل لعريب: قولي في علة قبيحة شيئاً، وغني فيه، وليكن قولك الشعر على لساني يذكر ولعي بها. فقالت: من البسيط بثت قبيحة في قلبي لها حرقا ... وبدلت مقلتي من نومها أرقا ما ذاك إلا لشكواها فقد عطفت ... قلبي على كل شاكٍ بعدها شفقا كأنها زهرةٌ بيضاءٌ قد ذبلت ... أو نرجسٌ مس مسكاً طيباً عبقا إني لأرحم من حبي لها سلمت ... من كل حادثةٍ يا قوم من عشقا

стр. 7002

وغنت فيه، فاستحسنه المتوكل وأمر أن تدخل إلى قبيحة فتنشدها الشعر وتغنيها به، فقالت لها قبيحة: فأجيبيه عني، فقالت: من البسيط يا سيدي أنت حقاً سمتني الأرقا ... وأنت علمت قلبي الوجد والحرقا لولاك لم أتالم علة أبداً ... لكن على كبدي أسرفت فاحترقا إذا شكوت إليه الوجد كذبني ... وإن شكا قال قلبي خيفةً صدقا وخرجت إليه فأنشدته الشعر وغنت فيه. ولها في المستعين أشعار كثيرة. ولدت عريب سنة إحدى وثمانين ومئة، وتوفيت سنة سبعٍ وسبعين ومئتين بسر من رأى ولها ست وتسعون سنة. عزة بنت حميل بن حفص ويقال بنت حميد بن وقاص بن إياس بن عبد العزى بن حاجب بن غفار وفي نسبها اختلاف أم عمرو الضمرية، صاحبة كثير وفدت على عبد الملك. وحميل: بضم الحاء المحملة وفتح الميم. دخلت عزة على عبد الملك بن مروان - وهو لا يعرفها - ترفع مظلمة لها، فلما سمع كلامها تعجب منه! فقال له بعض جلسائه: هذه عزة كثير، فقال عبد الملك: إن أردت أن أرد عليك مظلمتك فأنشديني ما قال فيك كثير، فاستحيت وقالت: والله ما أعرف كثيراً، لكني سمعتهم يحكون عنه أنه قال في: من الطويل

стр. 7003

قضى كل ذي دينٍ علمت غريمه ... وعزة ممطولٌ معنى غريمها فقال عبد الملك: ليس عن هذا أسألك، ولكن أنشديني من قوله: من الطويل وقد زعمت أني تغيرت بعدها ... ومن ذا الذي ياعز لا يتغير تغير جسمي والخليفة كالذي ... عهدت ولم يخبر بسرك مخبر قالت: قد سمعت هذا ولكني سمعت الناس يحكون عنه أنه قال في: من الطويل كأني أنادي صخرة حين أعرضت ... من الصم لو تمشي بها العصم زلت صفوحٌ فما تلقاك إلا ملولة ... فمن مل منها ذلك الوصل ملت فقضى حاجتها ورد مظمتها وقال: ادخلوها على الجواري يأخذن من أدبها. وعن أن البنين ابنة عياض بن الحسن الأسلمية قالت: سارت علينا عزة في جماعةٍ من قومها فنزلت على بئر ابن يربوع الجهنية، فسمعنا بها فاجتمع جماعةٌ من نساء الحاضر أنا فيهن، فجئناها فرأينا امرأة حميراء حلوة لطيفة، فتضاءلنها، ومعنا نسوةٌ كلهن لهن الفضل عليها في الجمال والخلق إلى أن تحدثت عزة، فإذا هي أبرع الخلق وأحلاه حديثاً! فما فارقناها إلا ولها الفضل في أعيننا، وما نرى أن امرأة تفوقها حسناً وجمالاً وحلاوة. قال أبو عبيدة: دخل كثير على عبد الملك بن مروان، وكان كثير دميماً، فلما نظر إليه عبد الملك قال: تسمع بالمعيدي لا أن تراه. فقال كثير: من الوافر

стр. 7004

ترى الرجل النحيف فتزدريه ... وتحت ثيابه أسدٌ يزيز ويعجبك الطرير فتختبره ... فيخلف ظنك الرجل الطرير وما عظم الرجال لها بزين ... ولكن زينها كرم وخير فقد عظم البعير بغير لب ... فلم يستغن بالعظم البعير يصرفه الصبي بكل وجه ... ويحمله على الخسف الجرير شرار الأسد أكثرها زئيراً ... وخبرتها اللواتي لا تزيز بغاث الطير أكثرها فراخاً ... ولأم الصقر مقلاةٌ نزور فقال له عبد الملك: إن كنا أسأنا لك اللقاء فلسنا نسيء لك الثواب، فاذكر حاجتك، فقال: تزوجني عزة. فأحضر أهلها وأمرهم بتزويجه إياها، فقالوا: هذه امرأة بالغ، فعرض عليها التزويج به، فقالت: بعد ما شهرني في العرب وشبب بي فأكثر ذكري، ما إلى هذا سبيل. فقال فإذ أبيت هذا وكرهته فاكشفي وجهك. فثقل ذلك عليها، ثم فعلت ومضت مكشوفة الوجه إلى بعض حجر عبد الملك، فدخلت الحجرة ونظرت إلى كثير مغضبة، فقال بعض من حضرها جنت جنت. فأنشأ كثير يقول: من الطويل أصاب الردى من كان لك الردى ... وجن اللواتي قلن عزة جنت فهن لأولى بالجنون وبالخنا ... وبالسيئات ماحيين وحيت ولما رأت من حولها نقص الحيا ... رمتني بباقي وصلها ثم ولت فصدت كذات البو تتبع سقرها ... فلما قضت يأساً من البر حنت

стр. 7005

أسيئي بنا أو أحسني لا ملولةٌ ... لدينا ولا مقلية إن تقلت فحلفت أن لا تكلم كثيراً سنةٌ، فلما انصرفت من الحج بصرت بكثير وهو على جمله يخفق نعاساً، فضربت رجله بيدها وقالت: كيف أنت ياجمل؟ فأنشأ كثير يقول: من البسيط حيتك عزة يوم البين وانصرفت ... فحي ويحك من حياك ياجمل لو كنت حييتها مازلت ذا مقةٍ ... عندي وما مسك الإدلاج والعمل ليت التحية كانت لي فأبدلها ... مكان ياجملٌ حييت يا رجل فحن من جزعٍ إذ قلت ذاك له ... ورام تكليمها لو تنطق الإبل دخلت عزة أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز فقالت لها: يا عزة ما قول كثير: من الطويل قضى كل ذي دينٍ علمت غريمه ... وعزة ممطول معنى غريمها ما كان هذا الدين؟ قالت: كنت وعدته ثم إني خرجت منها، فقالت: أنجزيها له وعلي إثمها. أرادت عزة أن تعرف ما لها عند كثير، فتنكرت له ومرت به متعرضة، فاتبعها وكلمها فقالت له: فأين حبك عزة؟ فقال: أنا الفداء لك لو أن عزة أمةً لي لوهبتها لك، قالت: ويحك! لاتفعل، فقد بلغني أنها لك في صدق المودة ومحض المحبة على حسب الذي كنت تبدي لها من ذلك. وبعد فأين قولك: من الطويل إذا وصلتنا خلة كي تزيلنا ... أبينا وقلنا الحاجبية أول
следующие страницы →