← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.

стр. 7036

قال ابن بشير المدني: وفدت إلى بعض ملوك بني أمية، فمررت بقريةٍ فإذا رجلٌ مرنح بالشراب، قائم يبول فسألته عن الطريق فقال: أمامك. ثم لحقني فقال: انزل، فنزلت فقال: ادن وعليك الحانة، فدخلت فأحضر سفرة واستل سلة فأخرج منها رغفاً ووذراً من لحم، فقال: أصب فأصبت، ثم صقاني خمراً، فإذا أبو مالك! ثم قال لي: كيف علمك بالشعر؟ قلت: قد زويت، فأنشدني قصيدته: من الكامل صرمت حبالك زينب ورعوم فلما انتهى إلى قوله: حتى إذا أخذ الزجاج أكفنا ... نفحت فأدرك ريحها المزكوم قال: ألست تزعم أنك تبصر الشعر؟ قلت: بلى، قال: فكيف لم تشقق بطنك فضلاً عن ثوبك عند هذا البيت! قال: قلت قد فعلت عند البيت الذي سرقت هذا منه، قال: وما هو؟ قلت: بيت الأعشى: من الكامل من خمر عانة قد أتى لختامها ... حولٌ تفض غمامة المزكوم قال: أنت تبصر الشعر، فلما صرت إلى سليمان سمرت معه بهذا أول بدأتي.

стр. 7037

قال المصنف: وللأعشى في هذا المعنى بيتٌ أبلغ من هذا في كلمةٍ أخرى وهو: من الوافر من اللاتي حملن على الروايا ... كريح المسك تستل الزكاما واستلال الزكام أبلغ من فضه، لأن استلاله نزعه وإخراجه، وفضه نشره وتفريقه وكسره، كفض الخاتم، وفي فضه مع هذا إزالته وتنحيته كما يزول الختام عند فضة، فيفارق ما كان حالاً فيه ولازماً له؛ وفي قول الأخطل: "..فأدرك ريحها المزكوم " من البلاغة أنه إنما يقويه إدراك المشموم بحلول الزكام به وغلبته إياه، فإذا أدرك ريح الخمر التي كان الزكام حائلاً بينه وبينها عند نفحتها، فإنما ذلك لزوال الزكام المانع الحائل بينه وبين إدراكها، وقد تدرك الرائحة بعد خفة الزكام وزوال بعضه وإن لم يزل بكليته، فمن هاهنا كان الفض والاستلال أبلغ وأبين في المعنى. غيث بن علي بن عبد السلام ابن محمد بن جعفر أبو الفرج بن أبي الحسن الصوري المعروف بابن الأرمنازي الكاتب خطيب صور، قدم دمشق وكان ثقة ثبتاً. حدث بدمشق سنة سبعٍ وخمس مئة عن أبي القاسم رمضان بن علي بن عبد الساتر بن أحمد بن رمضان بسنده إلى أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : من توضأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء، وأتى المسجد ولم يلغ ولم يجهل كانت هذه كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى. والصلاة تكفر ما بينها وبين صاحبتها. ولد أبو الفرج غيث سنة ثلاثٍ وأربعين مئة، وتوفي سنة تسعٍ وخمس مئة.

стр. 7038

غيلان بن أنس أبو زيد الكلبي، مولاهم من أهل دمشق. حدث عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ أنه قال: إن اسم الله الأعظم لفي سورٍ من القرآن، البقرة وآل عمران وطه. قال أبو حفص عمرو: فنظرت أنا في السور الثلاثة فرأيت فيها شيئاً ليس في القرآن مثله، آية الكرسي: " الله لا إله هو الحي القيوم " وفي آل عمران " الله لا إله هو الحي القيوم " وفي طه: " وعنت الوجوه للحي القيوم ". وفي رواية عن أبي أمامة يرفعه قال: اسم الله الأعظم إذا دعي به أجاب، في ثلاث سور: في البقرة وآل عمران وطه. وحدث الأوزاعي عن غيلان أنه رأى عمر بن عبد العزيز يرفع يديه مع كل تكبيرةٍ مع الجنازة. وعن غيلان بن أنس قال: ما ازداد عبدٌ فهماً إلا ازداد قصداً، وما قلد الله عبداً قلادةً خيراً من سكينة. غيلان بن سلمة بن معتب ابن مالك بن كعب بن عمو بن سعد بن عوف الثقفي له صحبة، وكان بدمشق حين توفي عبد الملك بن مروان. حدث غيلان بن سلمة أن نافعاً كان عبداً لغيلان بن سلمة ففر إلى رسول الله ﷺ فأسلم، وغيلان مشرك، ثم أسلم غيلان، فرد رسول الله ﷺ ولاءه.

стр. 7039

وعن غيلان بن سلمة قال: قال رسول الله ﷺ : من آمن بي وصدقني، وعلم أن ما جئت به الحق من عندك فأقلل ماله وولده، وحبب إليه لقاءك، ومن لم يؤمن بي ولم يدصقني، ولم يعلم أن ما جئت به الحق من عندك فأكثر ماله وولده، وأطل عمره. وعن غيلان بن سلمة الثقفي قال: خرجنا مع نبي الله ﷺ ، فرأينا منه عجباً، مررنا بأرض فيها أشاء متفرق، فقال نبي الله ﷺ : يا غيلان، ائت هاتين الاشاءتين فمر إحداهما تنضم إلى صاحبتها حتى أستتر بهما فأتوضأ. قال: فانطلقت فقمت بينهما فقلت: إن نبي الله ﷺ يأمر إحداكما أن تنضم إلى صاحبتها. قال: فمادت إحداهما ثم انقلعت تخد في الأرض حتى انضمت إلى صاحبتها فنزل نبي الله ﷺ فتوضأ خلفهما ثم ركب؛ وعادت تخد في الأرض إلى موضعهما. قال: ثم نزلنا معه منزلاً، فأقبل امرأة بابن لها كأنه الدينار، فقالت: يا نبي الله؟ ما كان في الحي غلامٌ أحب إلي بابني هذا، فأصابته الموتة، فأنا أتمنى موته، فادع الله له يا نبي الله؟ قال: فأدناه نبي الله ﷺ ثم قال: باسم الله، أنا رسول الله اخرج عدو الله - ثلاثاً - قال: اذهبي بابنك، لن تري بأساً إن شاء الله. قال: ثم مضينا فنزلنا منزلاً، فجاء رجلٌ فقال: يا نبي الله؟ إنه كان لي حائطٌ منه عيشي وعيش عيالي، ولي فيه ناضحان فاغتلما ومنعاني أنفسهما وحائطي وما فيه، ولا يقدر أحدٌ على الدنو منهما. قال: فنهض نبي الله ﷺ بأصحابه حتى أتى الحائط فقال لصاحبه: افتح، فقال: با نبي الله أمرهما أعظم من ذلك؟ قال: فافتح. فلما حرك الباب بالمفتاح، أقبلا لهما جلبةٌ كحفيف الريح، فلما أفرج الباب فنظر إلى نبي الله ﷺ بركا ثم سجدا؟؟! فأخذ نبي الله ﷺ رؤوسهما ثم دفعهما إلى صاحبهما فقال: استعملهما وأحسن علفهما. فقال القوم: يا نبي الله! تسجد لك البهائم! فما لله عندنا بك أحسن من هذا، أجرتنا من الضلالة، واستنقذتنا من الهلكة، أفلا تأذن لنا بالسجود لك؟ قال: كيف كنتم صانعين بأخيكم إذا مات؟ أتسجدون لقبره؟ قالوا: يا نبي الله نتبع أمرك. فقال نبي الله ﷺ : إن السجود ليس إلا للحي الذي

стр. 7040

لا يموت، لو كنت آمر أحداً بالسجود من هذه الأمة لأمرت المرأة بالسجود لبعلها. قال: ثم رجعنا؛ فجاءت المرأة أم الغلام فقالت: يا نبي الله! والذي بعثك بالحق، ما زال من غلمان الحي؛ وجاءت بسمنٍ ولبنٍ وجزر، فرد عليها السمن والجزر وأمرهم بشرب اللبن. ولما مات عبد الملك قال الوليد ابنه: انهضوا على اسم الله فبايعوا. فبايع له أعلام الناس، ثم جهز أباه، فبينما هو في دفنه إذ أقبل غيلان بن سلمة؛ والناس لا يدرون يعزونه قبل أو يهنئونه! فقال: أصبحت يا أمير المؤمنين رزئت خير الآباء وسميت خير الأسماء، وأعطيت أفضل الأشياء، فعزم اله لك في الرزية على الصبر، وأثابك في ذلك نوافل الأجر، وأعانك في حسن ثوابه إياك على الشكر، وقضى لعبد الملك خير القضية، وأنزله المنزلة الرضية، وأعانك على أمر الرعية. فقال له الوليد: من أنت؟ قال: من ثقيف. قال: في كم أنت؟ قال: في مئة دينار. فأمر به أن يلحق بالشرف، فكان أول من قضى له حاجةٌ حين استخلف. قال المصنف: ولا أراه بقي إلى أيام الوليد، فإنه مات في خلافة عمر بن الخطاب، ولعله ابن غيلان بن سلمة، وغيلان أسلم وتحته عشرة نسوة، فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعاً. وعن ابن عمر قال: طلق غيلان بن سلمة نساءه، وقسم ماله بين بنيه في خلافة عمر، فبلغ ذلك عمر فقال له: أطلقت نساءك وقسمت مالك بين بنيك؟ قال: نعم، قال: والله إني لأرى الشيطان فيما يسترق السمع بموتك فألقاه في نفسك، فلعلك لا تمكث إلا قليلاً، وأيم الله لئن لم تراجع نساءك وترجع في مالك لأورثتم منك إذا مت، ثم لآمرن بقبرك فليرجمن كما رجم قبر أبي رغال. أبو رغال: أبو ثقيف. قال: فراجع نساءه، ورجع في ماله. قال نافع: فلم يمكث إلا سبعاً حتى مات. وكان غيلان شاعراً، وفد على كسرى، وسأله أن يبني له حصناً بالطائف، فبنى له حصناً بالطائف، ثم جاء الإسلام، فأسلم غيلان وعنده عشر نسوة - زاد في رواية: وأسلمن معه - فقال رسول الله ﷺ : اختر منهن أربعاً وفارق بقيتهن. فقال: قد كن ولا يعلمن

стр. 7041

أيتهن آثر عندي وسيعلمن اليوم ذلك. فاختار منهن أربعاً، وجعل يقول لمن أراد منهن: أقبلي، ومن لم يرد يقول لها: أدبري حتى اختار منهن أربعة وفارق بقيتهن. وعن عكرمة: في قوله : " وثيابك فطهر " قال: لا تلبسها على غدرةٍ ولا فجرة ثم تمثل بشعر غيلان: من الطويل فإني بحمد الله لا ثوب فاجرٍ ... لبست ولا من غدرة أتقنع دخل رسول الله ﷺ على أم سلمة وهم محاصر والطائف وعندها مخنث يقال له هيت يقول لأن سلمة: إذا فتحتم الطائف فقولي لأخيك يأخذ بادية بنت غيلان بن سلمة - وكانت أشهر نساء ثقيف جمالاً وهيئة - فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان. فقال رسول الله ﷺ : وإنك لتفطن لهذا! لا يدخلن عليكم. وعن أبي جعدة قال: قالت خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمية - ومانت امرأة عثمان بن مظعون وهي الخولاء: يا رسول الله إذا فتح الله عليك الطائف فأعطني حلي بادية بنت غيلان، قال: وإن لم يكن أذن لي فيها يا خولة. فأتت عمر بن الخطاب مسرعةٌ فأخبرته. وكان المسلمون يظنون أنهم يفتحونها، قد فتح مكة وظفروا بحنين في وجههم ذاك. فجاء عمر بن الخطاب إلى النبي ﷺ فقال: شيء أخبرتنيه خويلة؟ قال: نعم، رأيت كأني أريد جلب مياهٍ وهي تعتاص علي، فظننت أني لا أنال منهم شيئاً في وجهي هذا. قال: أفلا تأذن في الناس بالرحيل؟ قال: بلى.

стр. 7042

توفي غيلان في آخر خلافة عمر، سنة ثلاثٍ وعشرين. غيلان بن عقبة بن مسعود ابن حارثة بن عمرو بن ربيعة أبو الحارث العدوي، المعروف بذي الرمة الشاعر المشهور. وفي نسبه اختلاف. قيل: إنه لقب بذي الرمة لأنه أتى مية صاحبته وعلى كتفه قطعة حبل، وهي الرمة فاستسقاها فقالت: اشرب يا ذا الرمة فلقب به. وقيل: لقب بذلك لقوله: من مشكور الجز أشعث باقي رمة التقليد وقيل: كان يصيبه الفزع في صغره، فكانت له تميمةٌ تعلق عليه بحبل، فلقب ذا الرمة. وأمه ظبية - بالظاء المعجمة - من بني أسد. وفد على الويد بن عبد الملك. حدث عن ابن عباسٍ عن النبي ﷺ قال: إن من الشعر حكمة. وحدث عن ابن عباس في قوله " والبحر المسجور " قال: الفارغ، خرجت أمةٌ تستقي، فرجعت فقالت: إن الحوض مسجور. يعني فارغاً. قال ابن سيار: ليس لذي الرمة غير هذين الحديثين. دخل الفرزدق على الويد بن عبد الملك أو غيره فقال له: من أشعر الناس؟ قال: أنا، قال: أفتعلم أحداً أشعر منك؟ قال: لا، إلا أن غلاماً من بني عدي بن كعب يركب أعجاز الإبل، ينعت الفلوات. ثم أتاه جرير فسأله، فقال له مثل ذلك، ثم أتاه ذو الرمة فقال له: ويحك! أنت أشعر الناس! قال: لا ولكن غلامٌ من بني عقيل يقال له مزاحم، يسكن الروضات، يقول وحشياً من الشعر، لا تقدر على أن تقول مثله.

стр. 7043

قال عيسى بن عمر: كان ذو الرمة يملي علي شعراً وأنا أكتب الشعر، إذ قال لي: يا غلام أصلح هذا الحرف، فقلت له: أصلحك الله وإنك لتكتب! فقال: نعم، قدم علينا حضري لكم فعلمنا الخط على الرمل. قال ذو الرمة لعيسى بن عمر: اكتب شعري، فالكتاب أعجب إلي من الحفظ، إن الأعرابي ينسى الكلمة قد شهرت في طلبها ليلةٌ فيضع في موضعها كلمةٌ في وزنها ثم ينشده الناس، والكتاب لا ينسى ولا يبدل كلاماً بكلام. حكى الأصمعي عن عيسى بن عمر قال: قدم ذو الرمة البصرة فأتيته أعتذر لأني لم أهد إليه شيئاً، فقال: لا تعتذر، أنا وأنت نأخذ ولا نعطي أحداً شيئاً. وكان ذو الرمة طفيلياً يأتي العرسات. كان الشافعي يقول ليس يقدم أهل البادية على ذي الرمة أحداً. قال الشافعي: لقي رجلٌ من أهل اليمن فقال اليماني: من أشعر الناس؟ فقال: ذو الرمة، قال له: فأين ارمؤ القيس؟ - يجميه بذلك لأنه يماني - فقال: لو أن امرأ القيس كلف أن ينشد شعر ذي الرمة ما أحسنه. كان ذو الرمة بسوق المربد وقد عارضه رجلٌ يهزأ به، فقال له: يا أعرابي أتشهد بما لم تر؟ قال: نعم، قال: بماذا؟ قال: أشهد بأن أباك ناك أمك. كان أبو عمرو بن العلاء يقول: شعر ذي الرمة نقط العروس، تضمحل عن قليل، وأبعار ظباء لها مشم في أول شمها ثم تعود إلى أرواح البعر.

стр. 7044

قال رؤبة بن العجاج لبلال: علام تعطي ذا الرمة؟ فوالله ما يمدحك إلا بمقطعاتنا هذه يعمد إليها فيوصلها ثم يمدحك بها. فقال بلال: والله لو لم أعطه إلا على تأليفها لأعطيته. دخل ذو الرمة على بلال بن أبي بردة - وكان بلال راويةً فصيحاً أديباً - فأنشد بلالٌ أبيات حاتم طيئ: من الطويل لحا الله صعلوكاً مناه وهمه ... من الدهر أن يلقى لبوساً ومطعما يرى الخمس تعذيباً وإن نال شبعة ... يبت قلبه من قلة الهم مبهما فقال ذو الرمة: يرى الخمص تعذيباً، وإنما الخمس للإبل، وإنما هو خمص البطون. فحسده بلال - وكان محكاً - أنشنديهما رواة طيئ، فرد عليه ذو الرمة فضحك، ودخل أبو عمرو بن العلاء فقال له بلال: كيف تنشدها - وعرف أبو عمرو الذي به - فقال: كلا الوجهين، فقال: أتأخذون عن ذي الرمة؟ قال: إنه لفصيح، وإنا لنأخذ عنه بتمريض. وخرجا من عنده، فقال ذو الرمة لأبي عمرو: والله لولا أني أعلمك حطبت في حبله وقلت في هواه، لهجوتك هجاءٌ لا يقعد إليك اثنان!. قال ذو الرمة يوماً: لقد قلت أبياتاً إن لها لعروضاً، وإن لها لمراداً ومعنى بعيداً، قال له الفرزدق: وما هيه؟ قال: قلت: من الطويل أحين أعاذت بي تميم نساءها ... وجردت تجريد اليماني من الغمد ومد بضبعي الرباب ومالكٌ ... وعمرو وشالت من ورائي بنو سعد ومن آل يربوع زهاءٌ كأنه ... زها الليل محمودٌ النكاية والرفد

стр. 7045

فقال له الفرزدق: لا تعودن فيها فأنا أحق بها منك، قال: والله لا أعود فيها أبداً ولا أنشدها إلا لك. فهي قصيدة الفرزدق التي يقول فيها: من الطويل وكنا إذا القيسي نب عتوده ... ضربناه فوق الأنثيين على الكرد الأنثيين: الأذنين، والكرد: العنق. اجتمع ذو الرمة ورؤبة عند بلال بن أبي بردة وهو أمير البصرة، وكان رؤبة يثبت القدر، وكان ذو الرمة قدرياً، فقال لهما بلال: تناظرا في القدر، فقال رؤبة: والله ما افتحص طائر أحوصاً ولا تقرمص سبعٌ قرموصاً إلا بقضاءٍ من الله وقدر. فقال ذو الرمة: والله ما قدر الله للذئب على أكل حلوبة غيائل عالةٍ ضرائك ذوي حاجة. فقال رؤبة: أفبقدرته أكلها؟ هذا كذب على الذئب! فقال ذو الرمة: الكذب على الذئب أهون من الكذب علر رب الذئب. قال العلاء بن أسلم أشند ذو الرمة شعراً: من الطويل وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولان بالألباب ماتفعل الخمر فقال له العدوي الشاعر: قل فعولين بالألباب، فقال له ذو الرمة لو سبحت كان خيراً لك.

стр. 7046

قال الصولي: كان العدوي مثبتاً للقدر، فأراد أن الله جعل العينين كذا، وفر ذو الرمة من هذا لينصر مذهبه. قال الأصمعي: قلت ليونس: ما أراد ذو الرمة بقوله: من الطويل وليلٍ كجلباب العروس ادرعته ... بأربعةٍ والشخص في العين واحد فقال يونس: ما أحسب الجن تقع على ماوقع عليه ذو الرمة وفطن له؛ قوله: كجلباب العروس، يقول: ليل طويل كقميص العروس في الطول، لأن العروس تجر أذيالها: اردعته: أي لبسته: بأربعة: يعني نفسه وناقته وسيفه وظله؛ والشخص في العين واحد: يقول والأنسان واحد. قال أبو بكر بن عياش: كنت إذ أنا شاب إذا أصابتني مصيبة تصبرت، وكان ذلك يبرئ بدني جميعاً، حتى رأيت بالناسة أعرابياً ينشد وقد اجتمع الناس عليه وهو يقول: من الطويل خليلي عوجا من صدور الرواحل ... بجمهور حزوى فابكيا في المنازل لعل انحدار الدمع يعقب راحةٌ ... من الوجد أو يشفي نجي البلابل فسألت عنه؟ فقيل: هذا ذو الرمة، فأصابني بعد ذلك مصيبات، فكنت أبكي فأجد له راحة. ذكر ذو الرمة في مجلسٍ فيه عدةٌ من الأعراب، فقال عصمة بن مالك - شيخٌ من بني جاسئ بن فزارة، كان قد بلغ عشرين ومئة -: إياي فاسألوا عنه، كان من أظرف الناس، كان آدم، خفيف العارضين، حسن المضحك، حلو المنطق؛ وكان إذا أنشد بربر وجش صوته، فإذا راجعك لم تسأم حديثه وكلامه، وكان له إخوة يقولون الشعر منهم

стр. 7047

مسعود وجرفاس - وهو أوفى - وهشام، كانوا يقولون القصيدة فيرد ففيها الأبيات فيغلب عليها فتذهب له، فجمعني وإياهم مربع، فأتاني يوماً فقال لي: ياعصمة! إن ميا منقرية، وبنو منقر أخبث الحي، أقوفه لأثر، وأبصره في نظر، وأعلمه بشر؛ فهل عندك من ناقةٍ نزداد عليها ميا؟ قلت: عندي الجؤذر، بنت يمانية، قال: علي بها، فركبناها وخرجنا حتى نشرف على بيوت الحي، فإذا هم خلوف، وإذا بيت مي خلو، فعرف النساء ذا الرمة حين طلعنا عليهن، فتقوض النساء إلى بيت مي، وجئنا حتى أنخنا، ثم دنونا فسلمنا وقعدنا نتحدث، وإذا مي جايةٌ أملود، واردة الشعر، صفراء فيها عسن، وعليها سب أصفر وطاقٌ أخضر، فتحدثن مليا ثم قلن له: أنشدنا ياذا الرمة، قال: أنشدهن ياعصمة، فأنشدهن قوله: من الطويل نظرت إلى أظعان مي كأنها ... ذرا النخل أو أثل تميل ذوائبه فأوشلت العينان والصدر كاتم ... بمغرورق نمت عليه سواكبه بكا وامقٍ خاف الفراق ولم تجل ... جوائلها أسراره ومعاتبه

стр. 7048

فقالت ظريفة ممن حضر: لكن الآن فلتجل، فنظر إليها مي، ثم مضيت فيها إلى قوله: إذا سرحت من حب مي س ... وارحٌ عن القلب ابته جميعاً عوازبه فقالت الظريفة: قتلتهقتلك الله، فقالت مي: ما أصحه وهنيئاً له! فتنفس ذو الرمة تنفساً كاد حره يطير شعر وجهه. ومضيت حتى انتهت إلى قوله: وقد خلفت بالله مية ما الذي ... أقول لها إلا الذي أنا كاذبه إذاً فرماني الله من حيث لا أرى ... ولا زال في أرضي عدو أحاربه فقالت الظريفة قتلته قتلك الله، فالتفتت إليه مي فقالت: خف عواقب الله. ثم مضت فيها حتى انتهت إلى قوله: إذا راجعتك القول مية أو بدا ... لك الوجه منها أو نضا الدرع سالبه فيا لك من خد آسيل ومنطق ... رخيم ومن خلق تعلل جادبه فقالت الظريفة: ها هي ذه قد راجعتك القول، وبدا لك وجهها، فمن لنا بأن ينضو الدرع سالبه؟ فالتفتت إليها مي فقالت: قاتلك الله! ما أنكر ما تجيئين به! قال عصمة: فتحدثنا ساعة ثم قالت الظريفة للنساء: إن لهذين شأناً، فقمن بنا. فقمن وقمت معهن؛ فجلست في بيتٍ أراهما منه فسمعتهما قالت له: كذبت والله. ووالله ما أدري ما قال لها وما أكذبته فيه، فلبث قليلاً ثم جاءني ومعه قارورةٌ فيها دهن وقلائد، فقال: هذا دهن طيب أتحفتنا به مي، وهذه قلائد الجؤذر، ولا والله لا أقلدهن بعيراً أبداً، وشدهن بذؤابة سيفه، وانصرفنا؛ فكان يختلف إليها حتى تقضي الربيع، ودعا الناس المصيف، فأتاني فقال: يا عصمة قد رحلت مي، ولم يبق إلا الآثار والنظر في الديار، فاذهب بنا ننظر في ديارهم، ونقفو آثارها. فخرجنا حتى أتينا منزلها فوقف ينظر ثم قال: من الطويل

стр. 7049

ألا فاسلمي يا دار مي على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر قال عصمة: فما ملك عينيه، فقلت: مه، فانتبه وقال: إني لجلد، وإن: ان مني ما ترى. قال: رأيت أحداً كان أشد منه صبابة يومئذ، ولا أحسن عزاء وصبراً! ثم انصرفنا، وكان آخر العهد به. قال غيلان بن الحكم: وفد علينا ذو الرمة ونحن بكناسة الكوفة، فأنشدنا حائيته إلى أن بلغ قوله: من الطويل إذا غير اليأس المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح فقال له ابن شبرمة: أراه قد برح، فقلت: بم؟ قال: لم أجد رسيس الهوى. فرجعت بحديثهم إلى أبي الحكم البختري بن المختار فقال: أخطأ ابن شبرمة حين رد عليه، وأخطأ ذو الرمة حيث قبل منه، إنما هذا كقول الله : " إذا أخرج يده لم يكد يراها " أي لم يرها ولم يكد. كان ذو الرمة يشبب بمي بنت طلبة بن قيس بن عاصم المنقري، وكانت كنزة أمة مولدة لآل قيس بن عاصم، وهي أم سهم بن بردة الذي قتله سنان بن مخيس القشيري أيام محمد بن سليمان، فقالت كنزة: من الطويل: على وجه مي مسحةٌ من ملاحةٍ ... وتحت الثياب الخزي لو كان باديا ألم تر أن الماء يخبث طعمه ... ولو كان لون الماء في العين صافيا

стр. 7050

ونحلتها ذا الرمة، فامتعض من ذلك وحلف بجهد أيمانه، ما قالهما وقال: بالله كيف أقوله وقد قطعت دهري وأفنيت شبابي أشبب بها وأمدحها، ثم أقول هذا! ثم اطلع على أن كنزة قالتهما ونحلتهما إياه. قال أبو المهلهل الحدثي: ارتحلت إلى الرمال في طلب مي، صاحبة غيلان ذي الرمة، فما زلت أطلب موضع بيتها حتى أرشدت إلى البيت، فإذا خيمةٌ كبيرة، على بابها عجوز هتماء فسلمت عليها وقلت: أين منزل مي؟ قالت: مي ذي الرمة؟ قلت: نعم، قالت: أنا مي، فعجبت منها ثم قلت لها: العجب من ذي الرمة وكثرة ما قاله فيك! ولست أرى من المشاهد التي وصفك بها شيئاً! فقالت: لا تعجب يا هذا منه، فإني سأقوم بعذره عندك، ثم قالت: يا فلانة! فخرجت جاريةٌ ناهد، عليها برقع، فقالت أسفري، فسفرت، فتحيرت لجمالها وبراعتها وفصاحتها! فقالت لي: غلق ذو الرمة بي وأنا في سنها، فقلت: عذره الله ورحمه، أنشدني مما قال فيك؛ فجعلت تنشدني وأنا أكتب أياماً، ثم ارتحلت عنها. وكان ذو الرمة أيضاً يشبب بخرقاء من بني عامر، تحل فلجة، ويمر بها الحاج، فتقعد لهم وتحادثهم وتهاديهم، وتقول: أنا منسك من مناسك الحج. ثم كانت تجلس معها فاطمة ابنتها، فحدثني من رآها قال: لم تكن فاطمة مثلها. وإنما قالت: أنا منسك من مناسك الحج، لقول ذي الرمة: من الوافر تمام الحج أن تقف المطايا ... على خرقاء واضعة اللثام

стр. 7051

قال الأصمعي: كان تشبيب ذي الرمة بخرقاء أنه مر في بعض أسفاره ببعض البوادي، فإذا خرقاء خارجةٌ من خباء، فنظر إليها فوقعت في قلبه، فخرق إداوته، ودنا منها يستطعم بذلك كلامها، فقال لها: إني رجلٌ على سفر، وقد تخرقت إداوتي فأصلحيها لي، فقالت: إني لا أحسن العمل وإني لخرقاء. وفيها يقول: من البسيط أأن توسمت من خرقاء منزلة ... ماء الصبابة من عينيك مجوم تعتادني زفراتٌ حين أذكرها ... تكاد تنفض منهن الحيازيم أنشد ذو الرمة خرقاء قصيدته التي يقول فيها: أحبك حبا خالطته نصاحةٌ ... وما كل ذي ود من الناس ناصح فقال خرقاء: ومتى يكون محب غير ناصح؟ قال: إذا آثرت ما أهوى من قربك على ما تهوين من بعدك، واتخذتك برداً، علي منه جماله وستره وحصانته ونعمته، وعليك منه ابتداء إلى أعطافه وسجى أطرافه، فهناك نظرت لنفسي عليك، فأديت حق النصيحة إليها لا إليك. وأنشد: من الطويل وأهوى لك الحسنى وأنت مسيئةٌ ... ونيلك ممنوعٌ ومثواك نازح قالت خرقاء: والله ما ادري أي تفسير أحسن، السالف من نثرك، أم الرادف من نظمك؟ فقال ذو الرمة: لأحسن من هذا وهذاك نظرةٌ ... لعينيك فيها منك آسٍ وجارح فقالت له: ومن ذا يغالبك في محاورة؟ فقال:

стр. 7052

يغالبني من مهجتي في إساره ... يشاكها طوراً وطوراً يسامح ومن لم أزل أبغي السلو ولم يزل ... يتيمني منه مراضٌ صحائح وأصدف عن سقيا ثناياه آيساً ... فيعطفني منه بروقٌ لوامح مضاحك غر لو تبسمن في الدجى ... تجلى جبين من سنا الفجر واضح يقر بعيني قربها وكذابها ... ألا كل ما قرت به العين صالح ثم قطع المحاورة والاقتضاب وأنشد حتى استكمل قصيدته. مر رجلٌ في بادية بني عذرة فإذا فتاةٌ كأحسن ما يكون، فنظر إليها، فقالت له عجوز: ما تنظر إلى هذا الغزال النجدي ولا حظٌ لك فيه! فقالت الجارية: دعيه يا أمتاه، يكون كما قال ذو الرمة: من الطويل وإن لم يكن إلا تعلل ساعةٍ ... قليلاً فإني نافعً لي قليلها قال أبو سلمة الكلابي: سمعت أبي يقول: لما فرغ ذو الرمة من قصيدته التي هي: من البسيط ما بال عينك منها الماء ينسكب ... كأنه من كلى مفريةٍ سرب تبدى له إبليس فأخذ حجزته ثم قال له: لا تظن أنك منها في ئيء، ما شركتني فيها بحرف، وأنا قلتها كلها. دخل ذو الرمة الكوفة، فبينا هو يسير في شوارعها على نجيب له إذ رأى جارية سوداء واقفة على باب الدار، فاستحسنها ووقعت بقلبه، فدنا منها وقال: يا جارية اسقيني ماء، فسقته، فأراد أن يمازحها ويستدعي كلامها، فقال: يا جارية ما أحر ماءك! فقالت: لو شئت لأقبلت على عيوب شعرك وتركت حر مائي فبرده، فقال لها: وأي شعري له عيب؟ فقالت: ألست ذا الرمة؟ قال: بلى، قالت: من الطويل

стр. 7053

فأنت الذي شبهت عنزاً بقفرة ... لها ذنب فوق استها أم سالم جعلت لها قرنين فوق جبينها ... ووطبين مسودين مثل المحاجم وساقين إن يستمسكا منك يتركا ... بحاذك يا غيلان مثل المياسم " أيا ظبية الوعساء بين جلاجلٍ ... وبين النقا أانت أم أم سالم " فقال: نشدتك بالله إلا أخذت راحلتي هذه وما عليها ولم تظهري هذا لأحد. ونزل عن راحلته، فدفعها إليها وذهب ليمضي، فدفعتها إليه وضمنت له ألا تذكر لأحد ما جرى. كانت وليمة عدي على مائدةٍ عليها إسحاق بن سويد وذو الرمة، فاستسقى ذو الرمة، فسقى نبيذاً، واستسقى إسحاق بن سويد فسقى ماء، فقال ذو الرمة: من البسيط أما النبيذ فلا يذعرك شاربه ... واحفظ ثيابك ممن يشرب الماء مشمرين على أنصاف سوقهم ... هم اللصوص وقد يدعون قراء فقال إسحاق بن سويد: من البسيط أما النبيذ فقد يزري بشاربه ... ولا ترى أحداً يزري به الماء الماء فيه حياة الناس كلهم ... وفي النبيذ إذا عاقرته الداء ثم قال لي الرمة: زد حتى نزيد قال ذو الرمة: بلغت نصف عمر الهرم، أنا ابن أربعين سنة. ولم يبق ذو الرمة بعد ذلك إلا قليلاً. ومات وهو شاب.

стр. 7054

قال مسعود أخو ذي الرمة: كنا بالبدو، فحضرت ذا الرمة الوفاة فقال: احملوني إلى الماء يصل علي أهل الإسلام، فحملناه على باب، فأغفى إغفاءةٌ ثم انتبه فنقر الباب فقال: مسعود! قلت لبيك، قال: هذا والله الحق المبين لا حين أقول: من الطويل عشية مالي حيلةٌ غير أنني ... بلقط الحصى والخط في الدار مولع كأن سناناً فارسيا أصابني ... على كبدي بل لوعة الحب أوجع دخل رجلٌ على ذي الرمة وهو يجود بنفسه فقال كيف تجدك يا غيلان؟ قال: أجدني أجد مالا أجد أيام أزعم أني أجد فأقول: من الطويل كأني غداة البين يا مي مدنف ... يجود بنفسٍ قد أتاها حمامها زاد في آخر، بمعناه ثم قال: اللهم إني لا قوي فأنتصر، ولا برئ فأعتذر، ولكن لا إله إلا أنت. ثم مات. قال الأصمعي: مات ذو الرمة عطشاناً، وأتى بالماء وبه رمق فلم ينتفع به، فكان آخر ما تكلم به قوله: من البسيط يا مخرج الروم من نفسي إذا احتضرت ... وفارج الكرب رحزحني عن النار بلغ ذو الرمة أربعين سنة، وتوفي وهو خارجٌ إلى هشام بن عبد الملك، فدهن بحزوى، وهي الرملة التي كان يذكرها في شعره.

стр. 7055

غيلان بن أبي غيلان وهو غيلان بن يونس، ويقال ابن مسلم أبو مروان القدري مولى عثمان بن عفان. قال الشعبي: دخل غيلان على عمر بن عبد العزيز، فرآه أصفر الوجه، فقال له عمر: يا أبا مروان! مالي أراك أصفر الوجه؟ قال: يا أمير المؤمنين أمراض وأحزان، قال: لتصدقني، قال غيلان: ذقت - يا أمير المؤمنين - حلو الدنيا فوجدته مرا فأسهرت لذلك ليلى وأظمأت له نهاري، وكل ذلك حقير في جنب ثواب الله وعقابه؛ فقال رجلٌ ممن كان في المجلس: ما سمعت بأبلغ من هذا الكلام ولا أنفع منه لسامعه، فأنى أوتيت هذا العلم؟ قال غيلان: إنما قصر بنا عن علم ما جهلنا تركنا العمل بما علمنا، ولو أنا عملنا بما تكلمنا أورثنا سقماً لا تقوم له أبداننا. صلب غيلان بالشام، ويعرف بغيلان القدري، ويروى عن النبي ﷺ في ذمة. روى عن عبادة بن الصمت قال: قال رسول الله ﷺ : يكون في امتي رجلان: أحدهما باليمن يقال له وهب، يهب الله له الحكمة، والآخر بالشام يقال له غيلان، وهو أشد على أمتي فتنة من الشيطان. قال الشعبي: كنت جالساً عند مكحول ومعه غيلان إذ أقبل شيخٌ من أهل البصرة، فجلس إلى مكحول فسلم عليه، ثم قال له مكحول: كيف سمعت الحسن يقول في أنه كذا وكذا، فأخبره بشيء لم أحفظه، ثم أقبل عليه يسأله عن شيء من كلام الحسن، فقال له غيلان: يا أبا عبد الله أقبل علي ودع هذا عنك. قال: فغضب مكحول - وكان شديد الغضب - ثم قال له: ويلك يا غيلان! إنه قد بلغني أن رسول الله ﷺ قال: سيكون في امتي رجلٌ يقال له غيلان، هو أضر عليها من إبليس. فإياك أن تكون أنت هو. ثم قام وتركه. قال يحيى بن مسلم: أتيت بيت المقدس للصلاة فيه فلقيت رجلاً فقال: هل لك في إخوان لك؟ قلت:

стр. 7056

نعم، قال فبت الليلة فإذا أصبحت لقيتك، فلما أصبح لقيني قال: هل رأيت الليلة في منامك شيئاً؟ قلت: لا، إلا خيراً، قال: فصنع بي ذلك ثلاث ليال، ثم قال: انطلق، فانطلقت معه حتى أدخلني سرباً فيه غيلان والحارث الكذاب في أصحاب له، ورجل يقول لغيلان: يا أبا مروان ما فعلت الصحيفة التي كنا نقرؤها بالأمس؟ قال: عرج بها إلى السماء، فأحكمت ثم أهبطت. فقلت: إنا لله! ما كنت أني أبقى حتى أسمع بهذا في أمة محمد ﷺ . قال خالد بن اللجلاج لغيلان: ويحك يا غيلان! ألم تكن زفاناً؟ ويلك يا غيلان! ألم تكن قبطيا وأسلمت! ألم أجدك في شيبتك وأنت ترامي النساء بالتفاح في شهر رمضان ثم صرت حارساً تخدم امرأة حارث الكذاب وتزعم أنها أم المؤمنين ثم تحولت من ذلك فصرت قدريا أو زنديقاً؟ زاد في رواية: ما أراك تخرج من هوى إلا دخلت في شر منه. قال الأوزاعي: أول من نطق بالقدر رجلٌ من أهل العراق يقال له: سوسن، وكان نصرانيا فأسلم، ثم تنصر فأخذ عنه معبد الجهني، وأخذ غيلان عن معبد. قال إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة: لقيت غيلان القدري فقلت له: من كان أشد الناس عليك كلاماً؟ فقال: كان أشد الناس علي كلاماً عمر ين العزيز كأنه يلقن من السماء، ولقد كنت أطلب له مسائل أعنته فيها، فبينما أنا ذات يوم أظفر به فاليوم، قال: فدخلت عليه فقلت: يا أمير المؤمنين! هذه الدراهم البيض، فيها كتاب الله، يقلبها اليهودي والنصراني والحائض والجنب، فإن رأيت أن تأمر بمحوها، فقال لي: أردت أن تحتج علينا الأمم إن غيرنا توحيد ربنا واسم نبينا، قال: فبهت فلم أدر ما أرد عليه.

стр. 7057

قال علي: صليت المغرب، ثم ركعت بعد المغرب، فمر بي عمرو بن مهاجر صاحب حرس عمر بن العزيز فقال: أئت المنزل حتى أخبرك بما كان من أمر صديقك - يعني غيلان - فأتيته في منله فقال: بعث أمير المؤمنين اليوم إلى غيلان، فدخل عليه فقال: يا غيلان أكان فيما قضى الله وقدر أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: نعم، قال: أكان فيما قضى الله وقدر أن يخلق آدم؟ قال: في أشياء سأل عنها، كل ذلك يقول: نعم. وأنا خلف عمر أشير لغيلان إلى خلقى أنه الذبح: فلما أراد أن يوقم قال: يا غيلان والله ما أظن ذباب بيني وبينك إلا بقدر. قيل لعمر بن عبد العزيز: إن غيلان يقول في القدر، فمر به غيلان، فقال: ما تقول في القدر؟ فتعوذ فتلا هذه الآية " هل أتى على الإنسان حين من الدهر " إلى قوله: " إما شاكراً وإما كفوراً " فقال عمر: إن الكلام فيه عريضٌ طويل، ما تقول في العلم أنافذٌ هو؟ قال: نعم، قال: أما والله لو لم تقلها لضربت عنقك. زاد في آخر: قال عمر: تم السورة ويحك! أما تسمع الله يقول: " وما تشاؤون إلا أن يشاء الله " ويحك يا غيلان! أما تعلم أن الله " جاعلٌ في الأرض خليفة " إلى " العليم الحكيم " فقال غيلان: يا أمير المؤمنين لقد جئتك جاهلاً فعلمتني وصالاً فهديتني، قال: اخرج ولا يبلغني أنك تكلم بشيءٍ من هذا. وفي حديثٍ آخر: أن عمر بلغه أن غيلان وفلاناً تكلما في القدر فأرسل إليهما فقال: ما الأمر الذي تنطقان فيه؟ قالا: تقول يا أمير المؤمنين ما قال الله، قال: وما قال الله؟ قالا: يوقل: " هل أتى الإنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً، إنا هديناه

стр. 7058

السبيل إما شاكراً وإما كفوراً " فقال: اقرأا، اقرأا حتى بلغا " إن هذه تذكرة، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله " إلى آخر السورة، قال: كيف ترى يابن الأتانة تأخذ بالفروع وتدع الأصول!؟ قال: ثم بلغه أنهما قد أسرفا، فأرسل إليهما وهو مغضب شديد الغضب؛ قال عمرو بن مهاجر: فقام عمر وكنت خلفه واقفاً حتى دخلا عليه وأنا مستقبلهما فقال لهما: ألم يكن في سابق علم الله حين أمر إبليس بالسجود أنه لا يسجد؟ قال: فأومأت إليهما إيماء برأسي أن قولا نعم - قال: لولا مكاني يومئذ لسطا بها - قال: فقالا: نعم يا أمير المؤمنين، قال: أو لم يكن في سابق علم الله حين نهى لآدم عن أكل الشجرة أن لا يأكلا منها أنهما يأكلان منها؟ قال: فأومأت إليهما أيضاً برأسي أن قولا نعم، فقالا: نعم، قال: فأمر بإخراجهما، وأمر بالكتاب إلى الأجناد بخلاف ما يقولون، فلم يلبث إلا قليلاً حتى مرض عمر فلم ينفذ ذلك الكتاب. زاد في رواية: أن غيلان قال: كنت أعمى فبصرتني وأصم فأسمعتني وضالاً فهديتني، فقال: اللهم إن كان عبدك غيلان صادقاً وإلا فاصلبه. وفي رواية: إن كان صادقاً فارفعه وفقه، وإن كان كاذباً فلا تمته إلا مقطوع اليدين والرجلين مصلوباً. قال: فأمسك عن الكلام في القدر، فولاه عمر بن عبد العزيز دار الضرب بدمشق، فلما مات عمر بن العزيز وأفضت الخلافة إلى هشام، تكلم في القدر فبعث إليه هشام فقطع يده، فمر به رجلٌ والذباب على يده فقال له: يا غيلان! هذا قضاء وقدر، قال: كذبت لعمر الله، ما هذا قضاءٌ ولا قدر، فبعث إليه هشام فصلبه. زاد في أخرى: فقلت له: يا غيلان! هذه دعوة عمر بن العزيز قد أدركنك. قال عمر بن العزيز لغيلان: بلغني أنك تكلم في القدر، فقال: يكذبون علي يا أمير المؤمنين، قال: اقرأ علي سورة يس، فقرأ " يس والقرآن الحكيم " إلى قوله " فهم لا يبصرون " فقال غيلان: لكأني لم أقرأها قبل اليوم، أشهدك يا أمير المؤمنين أني

стр. 7059

تائب مما كنت أقول في القدر، فقال عمر: اللهم إن كان صادقاً فثبته، وإن كان كاذباً فاجعله آية للعالمين. وفي رواية: وإن كان كاذباً فلا تمته حتى تذيقه حر السيف، أو حد السيف، فلما مات عمر واستخلف يزيد بن عبد الملك قال الزهري: فدخلت عليه وغيلان قاعدٌ بين يديه فقال: مد يدك، فمدها فضربها بالسيف فقطعها ثم قال: مد رجلك، فضربها بالسيف فقطعها، ثم صلبه. فذكرت دعوة عمر بن العزيز. قال: المحفوظ أن الذي صلبه هشام بن عبد الملك. قال غيلان لربيعة بن عبد الرحمن: أنشدك الله، أترى الله يحب أن يعصى؟ فقال ربيعة: أنشدك الله أترى الله يعصى قسراً؟ فكأن ربيعة ألقم غيلان حجراً. قال حسان بن عطية لغيلان القدري: والله لئن كنت أعطيت لساناً لم نعطه إنا لنعرف باطل ما تأتي به. قال الأوزاعي: قدم علينا غيلان القدري في خلافة هشام بن عبد الملك، فتكلم غيلان - وكان رجلاً مفوهاً - فلما فرغ من كلامه قال لحسان: ما تقول فيما سمعت من كلامي؟ فقال له حسان: يا غيلان إن يكن لساني كل عن جوابك فإن قلبي ينكر ما تقول. جاء رجلٌ إلى مكحول من أصحابه فقال: يا أبا عبد الله، ألا أعجبك، إني عدت اليوم رجلاً من إخوانك، فقال: من هو؟ فقال: لا عليك، قال: أسألك، قال: هو غيلان، فقال مكحول: إن دعاك غيلان فلا تجبه وإن مرض فلا تعده، وإن مات فلا تمش في جنازته. زاد في رواية: لهو أضر على هذه الأمة من المرفقين، قال مروان: فقلت للوليد:

стр. 7060

وما المرفقين؟ قال: هم ولاة السوء يؤتى أحدهم في الشيء الذي لا يجب عليه فيه حد، والرجل يجب عليه الحد، فيجوزوا بهذا الحدود وأكثر منها. وفي حديثٍ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: هم نصارى هذه الأمة ومجوسها. كان مكحول يقول: بئس الخليفة كان غيلان لمحمدٍ ﷺ على أمته من بعده. وقال مكحول: حسيب غيلان الله، لقد ترك هذه الأمة في لججٍ مثل لجج البحار. وكان مكحول يقول: ويحك يا غيلان! لا تموت إلا مقتولاً. وعن عبد الله بن أبي زكريا لقي غيلان في بعض سقائف دمشق فعدل عنه، فقالوا: يا أبا يحيى! ما حملك على هذا؟ فقال: لا يظلني وإياه سقفٌ إلا سقف المسجد، لقد ترك هذا الجند في أمواجٍ كأمواج البحر؛ وكان مالكٌ يقول: كان عدةٌ من أهل الفضل والصلاح أضلهم غيلان. وسئل مالك عن تزويج القدري فقال: " ولعبدٌ مؤمنٌ خير من مشرك ". قال محمد بن كثير: كان على عهد هشام رجلٌ يقال له غيلان القدري، فشكاه الناس إلى هشام، فبعث إليه هشام وأحضره، فقال له: قد كثر كلام الناس فيك، قال: نعم يا أمير المؤمنين، ادع من شئت فيجادلني، فإن أدركت علي سبباً فقد أمكنتك من علاوتي - يعني رأسه - قال هشام: قد أنصفت. فبعث هشام إلى الأوزاعي، فلما حضر قال له هشام: يا أبا عمرو!

стр. 7061

ناظر لنا هذا القدري. فقال له الأوزاعي: اختر إن شئت ثلاث كلمات، وإن شئت أربع كلمات، وإن شئت واحدة، فقال القدري: بل ثلاث كلمات، فقال الأوزاعي للقدري: أخبرني عن الله ، هل يعلم أنه قضى على ما نهى؟ فقال القدري: ليس عندي في هذا شيء، فقال الأوزاعي: هذه أشد علي من الأولى. ما عندي في هذا شيء؛ فقال له الأوزاعي: هذه اثنتان يا أمير المؤمنين؛ فقال الأوزاعي للقدري: أخبرني عن الله أنه أعان على ما حرم؟ فقال القدري؟ فقال القدري: هذه أشد علي من الأولى والثانية، ما عندي في هذا شيء، فقال الأوزاعي: يا أمير المؤمنين، هذه ثلاث كلمات. فأمر به هشام فضربت عنقه. قال هشام للأوزاعي: فسر لنا هذه الثلاث كلمات، قال: نعم يا أمير المؤمنين، أما تعلم أن الله قضى على ما نهى؟ نهى آدم عن أكل الشجرة ثم قضى عليه بأكلها فأكلها. ثم قال الأوزاعي: أما تعلم أن الله حال دون ما أمر؟ أمر إبليس بالسجود لآدم، ثم حال بينه وبين السجود. ثم قال الأوزاعي: أما تعلم يا أمير المؤمنين أن الله تعالى أعان على ما حرم؟ حرم الميتة والدم ولحم الخنزير، ثم أعان عليه بالاضطرار إليه. فقال هشام: أخبرني عن الواحدة، ما كنت تقول له؟ قال كنت أقول له: مشيئتك مع مشيئة الله، أو مشيئتك دون مشيئة الله؟ ما كنت تقول له؟ قال كنت أقول له: مشيئتك مع مشيئة الله، أو مشيئتك دون مشيئة الله؟ فأيهما أجابني فيه حل فيه ضرب عنقه - زاد في آخر: إن قال مع مشيئة الله صير نفسه شريكاً لله، وإن قال دون مشيئة الله فقد انفرد بالربوبية. فقال هشام: لا أحياني الله بعد العلماء ساعة واحدة - قال: فأخبرني عن الأربع ما هي؟ قال: كنت أقول له: أخبرني عن الله ، خلقك حيث خلقك كما شاء أو كما شئت؟ فإنه كان يقول: كما شاء؛ ثم أقول له: أخبرني عن الله ، يتوفاك إذا شاء أو إذا شئت؟ فإنه كان يقول: إذا شاء، ثم كنت أقول له: أخبرني عن الله ، يرزقك إذا شاء أو إذا شئت؟ فإنه كان يقول: إذا شاء؛ ثم كنت أقول به: أخبرني عن الله إذا توفاك إلى أين تصير حيث شئت أو حيث شاء؟ فإنه كان

стр. 7062

يقول: ثم قال الأوزاعي: يا أمير المؤمنين من لم يمكنه أن يحسن خلقه، ولا يزيد في رزقه ولا يؤخر أجله ولا يصير نفسه حيث شاء، فأي شيء في يديه من المشيءة يا أمير المؤمنين؟! قال: صدقت يا أبا عمرو. ثم قال له الأوزاعي: يا أمير المؤمنين! إن القدرية ما رضوا بقول الله ، ولا بقول الأنبياء، ولا بقول أهل الجنة، ولا بقول أهل النار، ولا بقول الملائكة، ولا بقول أخيهم إبليس. فأما قول الله : " فاجتباه ربه فجعله من الصالحين " وأما قول الملائكة: " لا علم لنا إلا ما علمتنا " وأما قول الأنبياء فما قال شعيب: " وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت " وقال إبراهيم: " لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين " وقول نوح: " ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم " وأما قول أهل الجنة فإنهم قالوا: " الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن أهدانا الله " وأما قول أهل النار: " لو هدانا الله لهديناكم " وأما قول أخيهم إبليس: " رب بما أغويتني ". قال أبو جعفر الخطمي: بلغ عمر بن عبد العزيز كلام غيلان القدري، فأرسل إليه فدعاه فقال له: ما الذي بلغني عنك تكلم في القدر؟ قال: يكذب علي يا أمير المؤمنين، ويقال علي ما لم أقل. قال: فما تقول في العلم ويلك! أنت مخصومٌ، إن أقررت بالعلم خصمت، وإن جحدت العلم كفرت؛ ويلك! أقر بالعلم تخصم خيرٌ من أن تجحد فتلعن، ووالله لو علمت أنك تقول الذي بلغني عنك لربت عنقك، أتقرأ " يس والقرآن الحكيم " قال: نعم،

стр. 7063

قال: اقرأ، فقرأ: " بسم الله الرحمن الرحيم، يس والقرآن الحكيم، إلى أن بلغ " لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون " قال له: قف، كيف ترى؟ قال: كأني لم أقرأ هذه الآية قط، قال: زد، قال: " إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي إلى الأذقان فهم مقمحون " قال: قف، من جعل الأغلال في أعناقهم؟ قال: لا أدري، قال: ويلك! الله والله، قال: زد، قال: " وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً " قال: قف، ويلك! من جعل السد من بين أيديهم؟ قال: لا أدري، قال: ويلك! الله والله، زد ويلك " وسواءٌ عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون، إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرةٍ وأجرٍ كريم " قف، كيف ترى؟ قال: كأني والله لم أقرأ هذه السورة قط، فإني أعاهد الله أني لا أعود في شيءٍ من كلامي أبداً. فانطلق، فلما ولى، قال عمر بن عبد العزيز: اللهم إن كان أعطاني بلسانه ومحنته في قلبه فأذقه حر السيف. فلم يتكلم في خلافة عمر وتكلم في خلافة يزيد بن عبد الملك، فلما مات يزيد أرسل إليه هشام: ألست كنت عاهدت الله لعمر أنك لا تكلم في شيءٍ من كلامك قال: أقلني يا أمير المؤمنين، قال: لا أقالني الله إن أنا أقلتك يا عدو الله! أتقرأ فاتحة الكتاب؟ قال: نعم، فقرأ: " بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين "، قال: قف يا عدو الله، على ما تستعين الله، على أمرٍ بيدك أم على أمرٍ بيده؟ من هاهنا انطلقوا به فاضربوا عنقه واصلبوه، قال: يا أمير المؤمنين على ما تضرب عنقي على غير حجة؟ قال: ويلك! وتكون الحجة المرجح من كتاب الله تنطق عليك بالحق، قال: يا أمير المؤمنين أبرز إلي رجلاً من خاصتك أناظره، فإن أدرك علي أمكنته من علاوتي فليضربها، وإن أنا أدركت عليه فاتبعني به. قال هشام: من لهذا القدري؟ قالوا: الأوزاعي. فأرسل إليه وكان بالساحل فلما قدم عليه قال له: يا قدري! إن شئت ألقيت عليك ثلاثاً، وإن شئت أربعاً وإن شئت واحدة ... الحديث.

стр. 7064

حدث عبد الله بن مسلم عن أبيه قال: كنت في السوق بالبصرة فرأيت شيخاً لا أعرفه يذكر القدر ويظهره ويدعو إليه، فقلت له: يا شيخ، لا تظهر هذا فإني كنت بالشام فرأيت رجلاً أظهر هذا، فأخذه أمير المؤمنين هشام فقطع يديه ورجليه وقتله وصلبه. قال: فسكت، فسألت عنه؟ فقيل لي هذا عمرو بن عبيد. كتب رجاء بن حيوة إلى هشام بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين بلغني أنك دخل عليك شيءٌ من قتل غيلان وصالح، وأقسم بالله لك يا أمير المؤمنين أن قتلهما أفضل من قتل ألفين من الروم والترك. بلغ نمير بن أوس قاضي دمشق أنه وقر في صدر هشامٍ من قتله غيلان شيء، فكتب إليه نمير: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإن قتل غيلان من فتوح الله العظام على هذه الأمة. قال إبراهيم بن أبي عبلة: كنت عند عبادة بن نسي، فأتاه آتٍ فقال: إن أمير المؤمنين - يعني هشاماً - قد قطع يدي غيلان ورجليه ولسانه وصلبه، فقال: حقاً ما تقول؟ قال: نعم. فقال: أصاب - والله - فيه السنة والقضية، ولأكتبن إلى أمير المؤمنين فلا حسنن له ما صنع.

стр. 7065

أسماء النساء على حرف الغين المعجمة غريبة ابنة عبد الله الحلبية حدثت عن علي بن بشرى الشرابي بسندها إلى علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : ما من كتابٍ يلقى بمضيعةٍ من الأرض فيه اسم من أسماء الله إلا بعث الله إليه سبعين ألف ملك يحفونه بأجنحتهم ويقدسونه حتى يبعث الله إليه ولياً من أوليائه، فيرفعه من الأرض. ومن رفع كتاباً من الأرض فيه اسمٌ من أسماء الله رفع الله اسمه في عليين، وخفف عن والديه العذاب وإن كانا مشركين. أسماء الرجال على

стр. 7066

حرف الفاء فارس بن الحسن بن منصور أبو الهيجاء بن البلخي النبهاني حدث عن القاضي أبي الحسن عبد العزيز بن محمد بسنده إلى بريدة الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: إن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك، وأن أعلمك، وأن تعي، وإن حقا على الله أن تعي. ونزلت: " وتعيها أذن واعية " قال: أذن عقلت عن الله . توفي فارس بن البلخي سنة خمسٍ وخمسين وأربع مئة. فارس بن منصور بن عبد الله أبو شجاع البزار حدث عن الحسين بن إسماعيل بسنده إلى أبي هارون العبدي قال: كنا إذا جئنا إلى أبي سعيد الخدري قال: مرحباً بوصية رسول الله ﷺ ، قلنا: وما وصية رسول الله ﷺ ؟ قال: قال لأصحابه: الناس لكم تبع، وسيأتيكم ناسٌ من أقطار الأرض يتفقهون، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً وعلموهم مما علمكم الله. وحدث عنه أيضاً بسنده إلى أبي سعيد قال: سألنا رسول الله ﷺ عن الجنين فقال: كلوه إن شئتم، ذكاته ذكاة أمه.

стр. 7067

الفتح بن الحسين بن أحمد بن سعدان أبو نصر الفارقي حدث عن أبي الحسن علي بن يحيى بن زكار الفارقي اللغوي قال: كان عرض لشيخنا أبي الحسن حاجةٌ في بعض قرى ميا فارقين، فأرسل إلى بعض أصدقائه يستعير منه دابة يركبها، فأنفذ له دابة بلا سرج، فاستعار سرجاً من صديقٍ آخر ومضى لحاجته، فلما عاد أرسل بالدابة إلى صاحبها ومعها رقعةٌ فيها هذه الأبيات: من الوافر بعثت إليك في أمرٍ مهم ... أردت فما أردت به رواجه فجدت ببعضه ومنعت بعضاً ... ومن حقٌ المقصر أن يواجه جزاك الله عني نصف خير ... فإنك قد مننت بنصف حاجه الفتح بن خاقان بن عرطوج أبو محمد التركي قدم دمشق معادل المتوكل على جمازة، ونزل بالمزة، فلما رحل المتوكل عن دمشق ولاها الفتح بن خاقان، فاستخلف بعده كلباتكين التركي. وكان أديباً ظريفاً، له شعر حسن، وكان من السماحة في الغاية، وكان على خاتم المتوكل، وقتل معه. دخل المعتصم يوماً إلى خاقان يعوده، فرأى الفتح ابنه وهو صبي لم يثغر، فمازحه ثم

стр. 7068

قال: أيما أحسن، داري أم داركم؟ فقال الفتح: يا سيدي دارنها إذا كنت فيها أحسن. فقال المعتصم لا أبرح حتى أنثر عليه مئة ألف درهم. ففعل ذلك. قال الفتح بن خاقان: غضب علي المعتصم ثم رضي عني وقال: ارفع حوائجك لتقضي، فقلت: يا أمير المؤمنين ليس شيء من عرض الدنيا وإن جل يفي برضى أمير المؤمنين وإن قل. فأمر فحشي فمي جوهراً. ومن شعر الفتح بن خاقان: من الرمل بني الحب على الجور فلو ... أنصف المعشوق فيه لسمج ليس يستملح في وصف الهوى ... عاشقٌ يحسن تأليف الحجج قال أبو العباس المبرد: ما رأيت أحرص على العلم من ثلاثة: الجاحظ، والفتح بن خاقان، وإسماعيل إسحاق القاضي؛ فأما الجاحظ فإنه كان إذا وقع في يده كتاب قرأه من أوله إلى آخره، أي كتاب كان. وأما الفتح فكان يحمل الكتاب في حقه، فإذا قام بين يدي المتوكل ليبول أو ليصلي أخرج الكتاب فنظر فيه وهو يمشي حتى يبلغ الموضع الذي يريد، ثم يصنع مثل ذلك في رجوعه إلى أن يأخذ مجلسه. وأما إسماعيل بن إسحاق فإني ما دخلت عليه قط إلا وفي يده كتابٌ ينظر فيه، أو يقلب الكتب لطلب كتابٍ ينظر فيه. قال البحتري: كان أول ما مدحت به الفتح بن خاقان: من الطويل هب الدار ردت رجع ما أنت قائله فأنشدته إياها في سنة ثلاثٍ وثلاثين بعد أن أقمت شهراً لا أصل إلى إنشاده، وهو مع ذلك يجري علي ويصلني، ثم جلس جلوساً عاماً وحضرت وحدي، فأنشدته فرأيته يتبسم عند

стр. 7069

كل بيتٍ جيد فعلمت أنه يعلم الشعر، وكان ذلك أعجب إلى من جميع ما وصلني به، وكان أول ما اهتز له حين بلغت قولي: وقد قلت للمعلمي إلى المجد طرفه ... دع المجد فالفتح بن خاقان شاغله أطل بنعماه فمن ذا يطاوله ... وعم بجدواه فمن ذا يساجله أمنت به الدهر الذي كنت أتقي ... ونلت به القدر الذي كنت آمله ولما حضرنا سدة الإذن أخرت ... رجالٌ عن الباب الذي أنا داخله فأفضيت من قربٍ إلى ذي مهابةٍ ... أقابل بدر الأفق حين أقابله فسلمت واعتاقت جناني هيبةً ... تنازعني القول الذي أنا قائله فلما تأملت الطلاقة وانثنى ... إلى ببشرٍ أنستني مخايله ذنوت فقبلت الثرى من يد امرئٍ ... جميلٍ محياه سباط أنامله صفت مثلما تصفو المدام خلاله ... ورقت كما رق النسيم شمائله فلما فرغت سره ما سمع، وأمر لي بخمسة آلاف درهم وقال: أمير المؤمنين يخرج إلى المصلى الفطر ويخطب، فاعمل شعراً تنشده إياه إذا رجع. فلما جاء الفطر وركب ورجع أوصلني إليه، فدخلت فأنشدته: من الطويل فلما بلغت قولي: وحال عليك الحول بالفطر مقبلاً ... فباليمن والإقبال قابلك الفطر لعمري لئن زرت المصلى بجحفلٍ ... يرفرف في أثناء راياته النصر عليك ثياب المصطفى ووقاره ... وأنت به أولى إذا حصحص الأمر

стр. 7070

ولما صعدت المنبر اهتز واكتسى ... ضياء وإشراقاً كما سطع الفجر بهرت قلوب السامعين بخطبةٍ ... هي الزهر المبثوث واللؤلؤ النثر فما ترك المنصور نصرك عندها ... ولا خانك السجاد فيها ولا الحبر جزيت جزاء المحسنين عن الهدى ... وتمت لك النعمى وطال لك العمر فقال المتوكل للفتح: هذا شاعرك! فجعل يصفني له، فعلمت أنه في صلتي إلى أن أمر لي بعشرة آلاف درهم، فأخذتها من وقتي وخصصت بالفتح حتى كنت أشفع الناس إليه، ثم صيرني بعد في جلساء المتوكل. قال البحتري: كنت أمدح المتوكل بمثل مدائحي في الفتح بن خاقان مقوماً لفظي عبر مرسلٍ نفسي، فقال لي الفتح - وكان قوي الأدب حسن المعرفة بالشعر - ليس بك حاجةٌ في مدد أمير المؤمنين إلى مثل هذا، لين كلامك حتى يفهم عنك، فإنه يلذ ما يفهم. فعلمت أنه نصحني، فمدحته بأشعاري الني منها: من الخفيف لي حبيبٌ قد لج في الهجر جداً ... وأعاذ الصدود منه وأبدا ومنها قولي: من مجزوء الكامل لم لا ترق لذل عبدك ... وخضوعه فتفي بوعدك ومنها قولي: من مجزوء الكامل عن أي ثغرٍ تبتسم ... وبأي طرفٍ تحتكم فحظيت عنده وقربت من قلبه، وتوفرت علي صلاته.

стр. 7071

قال البحتري: قال لي المتوكل: قل في شعراً وفي الفتح، فإني أحب أن يحيا معي ولا أفقده فيذهب عيشي، ولا يفقدني فيذل، فقل في هذا المعنى، فقلت: من الخفيف سيدي أنت كيف أخلفت وعدي ... وتثاقلت عن وفاء بعهدي لا أرتني الأيام فقدك يا فت ... ح ولا عرفتك ما عشت فقدي أعظم الرزء أن تقدم قبلي ... ومن الرزء أن تؤخر بعدي حسداً أن تكون إلفاً لغيري ... إذ تفردت بالهوى فيك وحدي فقتلا معاً وكنت حاضراً فربحت هذه الضربة - وأومأ إلى ضربةٍ في ظهره - فقال: أحسنت با بحتري! وجئت بما في نفسي لما أنشدته من أمر الفتح. وأمر لي بألف دينار. قال البحتري: كنت عملت هذه الأبيات في غلامٍ لي، كنت أكلف به، فلما أمرني المتوكل بما أمر تنحيت فقلت الأبيات وأريته عملتها في وقتي وما غيرت فيها إلا لفظة واحدة، فإني كنت قلت: لا أرتني الأيام فقدك ما عشت فجعلته يافتح. قال علي بن الجهم: إني عند المتوكل يوماً، والفتح جالس إذ قيل له: فلان النخاس بالباب، فأذن له، فدخل ومعه وصيفة، فقال له المتوكل: ما صناعة هذه؟ قال ترقأ بألحان، فقال الفتح: اقرئي لنا خمس آيات، فاندفعت تقول: من السريع قد جاء نصر الله والفتح ... وشق عنا الظلمة الصبح خدين ملكٍ ورجا دولةٍ ... وهمه الإشفاق والنصح الليث إلا أنه ماجدٌ ... والغيث إلا أنه سمح

стр. 7072

وكل بابٍ للندى مغلقٌ ... فإنما مفتاحه الفتح قال: فوالله لقد دخل أمير المؤمنين من السرور ما قام إلى الفتح فوقع عليه يقبله، ووثب الفتح يقبل رجله! وأمر أمير المؤمنين بشرائها، وأمر لها بجائزةٍ وكسوة، وبعث بها إلى الفتح، فكانت أحظى جواريه عنده، فلما قتل الفتح رثته بهذه الأبيات: من المنسرح قد قلت للموت حين نازله ... والموت مقدامةٌ على البهم لو قد تبينت ما فعلت إذاً ... قرعت سنا عليه من ندم فاذهب بمن شئت إذ ذهبت به ... ما بعد الفتح للموت من ألم ولم تزل تبكي وتنوح عليه حتى ماتت. قال المبرد: سمع الفتح ينشد قبل أن يقتل بساعات: من الطويل وقد يقتل الغتمي مولاه غيلةٌ ... وقد ينبح الكلب الفتى وهو غافل

стр. 7073

الفتح بن شخرف بن داود بن مزاحم أبو نصر الكشي الصوفي قدم دمشق. حدث عن محمد بن يزيد بن سنان بسنده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : قل ما يوجد في آخر أمتي درهم من حلال، أو أخ يوثق به. وحدث عن محمد بن خلف العسقلاني قال: سمعت محمد بن يوسف الفريابي يقول: لقد بلغني أن الذين كسروا رباعية رسول الله ﷺ لم يولد لهم صبية فنبتت لهم رباعية. وحدث عن نصر بن الصباح بسنده إلى أبي جعفر قال: أكل علي بن أبي طالب يوماً تمر دقل، ثم شرب عليه ماء، ثم ضرب بيده بطنه وقال: من أدخله بطنه النار فأبعده الله. ثم تمثل: من الطويل إنك مهما تعطل نفسك سؤلها ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا قال الفتح بن شخرف: كنت في جامع دمشق والقاسم الجوعي، وأبو تراب النخشبي وأحمد ابن أبي الحواري جلوساً، فحدث أبو تراب، أنه رأى شابا في البادية فقال له: من أين زاد؟ قال: فأخرج مصحفاً فإذا فيه مكتوب " كهيعص " فقلت له: ما هذا؟ فقال: كاف من كافٍ وهاء من هادٍ فيحتاج مع هذا إلى زاد. وكان الفتح بن شخرف أحد العباد السياحين.

стр. 7074

حدث الفتح بن شخرف قال: حدثني أبو بكر بن زنجويه بسنده إلى سفيان الثوري أنه قال لوهيب بن الورد وهو ينظر إلى الكعبة: ورب هذه البنية إني لأحب الموت، فقال له وهيب: ولم يا أبا عبد اللله؟ قال: فقال سفيان: يا أبا أمية! تستقبلك أمورٌ عظام، تستقبلك أمورٌ عظام. قال أحمد بن حنبل: ما أخرجت خراسان مثل فتح بن شخرف. قال فتح بن شخرف: رأيت رب العزة تعالى في النوم فقال لي: يا فتح، احذر لا آخذك على غرة. قال: فتهت في الجبال سبع سنين. قال فتح بن شخرف: كنت بأنطاكية، وبها جبل يقال له المطل، فنويت أن أصعد عليه، ولا أزال حتى أختم القرآن - أو أتعلم القرآن - فحملتني عيني فنمت، فبينا أنا نائم إذا أنا بشخصين، فقلت للذي يقرب مني من أنت يا هذا؟ فقال لي: من ولد آم، قلت: كلنا من ولد آدم، قلت: فمن الذي وراءك؟ قال: علي بن أبي طالب، قال: قلت له: أنت قريب منه ولا تسأله! قال: أخشى أن يقول الناس أني رافضي، قال: قلت دعني أقرب منه، فيقولوا أني رافضي. فتنحى من مكانه وقعدت فيه فقلت: يا أمير المؤمنين، كلمة خير شيء؟ فقال لي: نعم صدقة المؤمن بلا تكلفٍ ولا ملل. قلت: زدني يا أمير المؤمنين، قال: تواضع الغني للفقير رجاء ثواب الله. قلت: زدني يا أمير المؤمنين، قال: وأحسن من ذلك ترفع الفقير على الغني ثقة بالله. قلت: زدني يا أمير المؤمنين، فبسط كفه، فإذا فيها مكتوب: من مخلع البسيط. وكنت ميتاً فصرت حيا ... وعن قليلٍ تعود ميتا أعيا بدار الفناء بيتٌ ... فابن بدار البقاء بيتا ثم انتهت.

стр. 7075

قال فتح بن شخرف: من إعجابي بكل شيء جيد: عندي قلمٌ كتبت به أربعين سنة، كنت أكتب به بالنهار وأكتب به بالليل، وكانت دارنا واسعة، فكنت أكتب في القمر حتى يرتفع، وأقعد على سلم في دارنا أرتقي عليه مرقاة مرقاة، حتى ينتهي السلم، فإذا تشعث رأس القلم قططته، وهو عندي. فأخرج إلي أنبوبة صفراء، وأخرج القلم منها فأرانيه. قال أبو محمد الجريري: غسلنا الفتح بن شخرف، فرأينا على فخذه مكتوباً: لا إله إلا الله، فتوهمناه مكتوباً، فإذا عرقٌ داخل الجلد. وفي رواية: غسلت الفتح بن شخرف فقلبته عن يمينه، فإذا على فخذه الأيمن مكتوبٌ خلقة: لله. كتابة بينة. وكان فتح بن شخرف رجلاً زاهداً لم يأكل الخبز ثلاثين سنة. توفي الفتح بن شخرف سنة ثلاث وسبعين ومئتين ببغداد، وصلي عليه ثلاث وثلاثون مرة، أقل قوم كانوا يصلون عليه كانوا يعدون خمسة وعشرين ألفاً، إلى ثلاثين ألفاً.
следующие страницы →