Полный текст (10 576 стр.). Показаны 8086–8125 · переход к 8091.
стр. 8086
كأني برهطٍ يحملون جنازتي ... إلى حفرةٍ يحثى علي كثيبها
فكم لي من مسترجعٍ متوجعٍ ... وباكيةٍ يعلو علي نحيبها
وإني لممن يكره الموت والبلى ... ويعجبني روح الحياة وطيبها
فحتى متى حتى متى وإلى متى ... يدوم طلوع الشمس لي وغروبها
فيا هادم اللذات ما منك مهربٌ ... تحاذر نفسي منك ما سيصيبها
رأيت المنايا قسمت بين أنفسٍ ... ونفسي سيأتي بعدهن نصيبها
محمد بن غزوان الدمشقي
حدث عن علي بن محمد عن سالم، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من صلى ست ركعات بعد المغرب غفر له بها ذنوب خمسين سنة ".
جرحوه وقالوا: لا يحل الاحتجاج به.
محمد بن الغمر بن عثمان
أبو بكر الطائي من ساكني بيت أرانس من قرى الغوطة.
حدث عن محمد بن جعفر الراموزي، بسنده قال: قام النبي ﷺ بين صف الرجال والنساء فقال: " يا معشر النساء إذا سمعتن هذا الحبشي يؤذن ويقيم يعني بلالاً فقلن كما يقول، فإن الله يكتب لكن بكل كلمةٍ مئة ألف حسنة، ويرفع لكن ألف درجة، ويحط عنكن ألف سيئة " قال: فقلن: يا رسول الله هذا للنساء فما للرجال؟ قال: " للرجال ضعفان ".
وحدث عن محمد بن إسحاق بن يزيد الضبي، بسنده إلى جابر بن عبد الله قال: لما دفن سعد ونحن مع رسول الله ﷺ سبح رسول الله ﷺ ، فسبح الناس معه
стр. 8087
طويلاً، ثم كبر فكبر الناس فقالوا: يا رسول الله مم سبحت؟ فقال: " لقد تضايق على هذا الرجل قبره حتى فرج الله عنه ".
توفي أبو بكر سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة.
محمد بن الفتح أبو الحسن الصيداوي
حدث عن محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن أبي البختري، بسنده إلى ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: " صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبعٍ وعشرين درجة ".
محمد بن فتوح أبي نصر
ابن عبد الله بن فتوح بن حميد أبو عبد الله الحميدي الأندلسي الحافظ قيل: إنه داودي المذهب إلا أنه لم يكن يتظاهر بذلك.
حدث بدمشق عن كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم المروزية، بسندها إلى علي كرم الله وجهه، قال: قال رسول الله ﷺ : " ستكون علي رواة يروون الحديث فاعرضوا القرآن فإن وافقت القرآن فخذوها وإلا فدعوها ".
وحدث عن أبي محمد علي بن أحمد بن حزم، بسنده إلى الأمير أبي الجيش مجاهد بن عبد الله العامري:
أنه وجه إلى بيت أبي غالب تمام بن غالب أيام غلبته على مرسية، وأبو غالب ساكنٌ
стр. 8088
بها ألف دينارٍ أندلسية على أن يزيد في ترجمة كتابٍ جمعه في اللغة مما ألفه تمام بن غالب لأبي الجيش مجاهد فرد الدنانير، وأبى ذلك وقال: لو بذل لي الدنيا على ذلك ما فعلت، ولا استجزت الكذب فإني لم أجمعه له خاصة، ولكن لكل طالبٍ عامة؛ فاعجب لهمة هذا الرئيس وعلوها واعجب لنفس هذا العالم ونزاهتها.
وحدث الحميدي عن أبي الوليد الحسين بن محمد الكاتب قال: حضرت عند عمي وعنده أبو عمر القصطلي وأبو عبد الله المعيطي فغنى المعيطي: من مخلع البسيط
مروع فيك كل يومٍ ... محتملٌ فيك كل لوم
يا غايتي في المنى وسولي ... ملكت رقي بغير سوم
فأعجبنا بهذين البيتين: فقال أبو عمر: أنا أضيف إليهما ثالثاً، وقال:
تركت قلبي بغير صبرٍ ... فيك وعيني بغير نوم
قال: فسررنا بقوله، وقلنا: لا تتم القطعة إلا به.
ولد الحميدي قبل العشرين وأربع مئة، وتوفي سنة ثمانٍ وثمانين وأربع مئة.
وكان محققاً متبحراً في علم الأدب والعربية والشعر والرسائل، وله التصانيف الكثيرة منها: تجريد الصحيحين والجمع بينهما، وتاريخ الأندلس، وله شعرٌ حسنٌ.
وأوصى إلى مظفر ابن رئيس الرؤساء أن يدفنه عند بشر الحافي فخالف وصيته، فرآه مظفر بعد مدة في النوم يعاتبه على مخالفة وصيته فنقل سنة إحدى وتسعين وأربع مئة ودفن عند قبر بشر الحافي، وكان كفنه جديداً وبدنه طرياً تفوح منه رائحة الطيب، ووقف كتبه على أهل العلم.
стр. 8089
ومن شعر الحميدي: من الوافر
طريق الزهد أفضل ما طريق ... وتقوى الله بادية الحقوق
فشق بالله يكفك واستعنه ... يعنك وذر بنيات الطريق
ولا يغررك من يدعى صديقاً ... فما في الأرض أعوز من صديق
سألنا عن حقيقته قديماً ... فقيل: سألت عن بيض الأنوق
وأنشد محمد بن أبي نصر لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد الحافظ بالأندلس: من الوافر
أقمنا ساعةً ثم افترقنا ... وما يغني المشوق وقوف ساعه
كأن الشمل لم يك ذا اجتماعٍ ... إذا ما شتت الدهر اجتماعه
محمد بن فراس أبو عبد الله العطار
قال: كان الوليد بن عتبة يقرأ علينا في مسجد باب الجابية مصنفات الوليد بن مسلم، وكان رجلٌ يجيء وقد فاته ثلث المجلس، ربع المجلس، أو أقل أو أكثر، فكان الشيخ يعيده عليه؛ فلما كثر ذلك على الوليد بن عتبة منه قال له: يا هذا أي شيء بليت بك، الله محمودٌ لئن لم تجئ مع الناس من أول المجلس لا أعدت عليك شيئاً؛ قال: يا أبا العباس، أنا رجلٌ معيل، ولي دكان في بيت لهيا، فإن لم أشتر لها حويجاتها من
стр. 8090
غدوة، ثم أغلق وأجيء أعدو، وإلا خشيت أن يفوتني معاشي؛ فقال له الوليد بن عتبة: لا أراك ها هنا مرةً أخرى؛ فكان الوليد بن عتبة يقرأ علينا المجلس ويأخذ الكتاب ويمر إلى بيت لهيا حتى يقرأ عليه المجلس في دكانه.
محمد بن الفرج بن الضحاك
أبو عبد الله الفردي إمام الجامع بدمشق المحدثة.
حدث سنة إحدى وخمسين ومئتين عن خالد بن عمرو بن محمد بن عبد الله بن سعيد بن العاص، بسنده إلى المغيرة بن شعبة، عن النبي ﷺ قال: " من حدث بحديثٍ وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين ".
محمد بن الفرج بن يعقوب
أبو بكر الرشيدي المعروف بابن الأطروش من أهل رشيد من مصر.
سمع بدمشق.
وحدث بمعرة النعمان سنة سبع عشرة وأربع مئة، عن أبي حفص عمر بن أحمد بن عثمان البزاز العكبري، بسنده إلى عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبدٌ فقولوا: عبد الله ورسوله ".
стр. 8091
محمد بن فضالة بن الصقر
ابن فضالة بن سالم ابن حميد اللخمي أبو الحسن ويقال: إنه من موالي يزيد بن معاوية من حفرة النهر فتبنى جدهم العباس بن سالم فادعوا أنه ابن أخيه.
حدث في سنة اثنتي عشرة وثلاث مئة عن محمود بن خالد، بسنده إلى أبي الهديل الربعي قال:
لقيت أبا داود الربعي فسلمت عليه وأخذ بيدي وقال: تدري لم أخذت بيدك؟ قلت: أرجو أن لا تكون أخذت بها إلا لمودةٍ في الله ؛ قال: أجل، إن ذلك كذلك، ولكن أخذت بيدك كما أخذ بيدي البراء بن عازب وقال لي كما قلت لك فقلت له كما قلت لي، فقال: أجل ولكن أخذ بيدي رسول الله ﷺ وقال: " ما من مؤمنين يلتقيان فيأخذ كل واحدٍ منهما بيد أخيه لا يأخذها إلا لمودةٍ في الله فتفترق أيديهما حتى يغفر لهما ".
وحدث بدمشق عن هشام بن عمار، بسنده إلى جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال: " من باع ثمرة أرضه فأصابه جائحةٌ فلا يأخذ من أخيه شيئاً، علام يأكل أحدكم مال أخيه المسلم؟ ".
وحدث بها عنه، بسنده إلى رافع بن خديج، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أنا أكثر الأنصار أرضاً، قال: " ازرع " قلت: هي أكبر من ذلك، قال: " فبور ".
توفي أبو الحسن بن فضالة سنة خمس عشرة وثلاث مئة.
стр. 8092
محمد بن فضالة بن عبيد الأنصاري
حدث عن أبيه فضالة بن عبيد، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يزال العبد آمناً من عذاب الله ما استغفر الله ".
محمد بن فضاء أبو أحمد الدمشقي
حدث عن موسى بن سعيد الراسبي، عن الشعبي، قال:
بينا شريحٌ سفي مجلس قضائه إذ أقبل فتىً وشيخ يختصمان إليه، قال: فكلما تكلم الشيخ بكلمةٍ أفلج عليه الفتى في حجته فأغاظ ذلك شريحاً فقال للفتى: اسكت فقال: لا والله يا قاضي مالك أن تسكتني؛ قال: لأنك فتى وهذا شيخ؛ قال: يا قاضي وما تنقم على قوم أثنى الله عليهم في القرآن، فقال: " إنهم فتيةٌ آمنوا بربهم " وقال : " سمعنا فتىً يذكرهم يقال له إبراهيم " " وإذ قال موسى لفتاه " لولا أنه فتى صدقٍ ما صحبه موسى، قال: يا فتى أنت قاضٍ؟ تعال اقعد اقض قال: لا والله، ما لي ذلك دون أن أطعم قصتك وأستوفي منتك؛ قال: ثم استنطقه فإذا بفتىً كامل العقل وضيء الوجه، قال: يقول شريح في نفسه: لوددت لو أن لهذا الفتى أختاً فأتزوجها؛ قال: لو تمنيت الجنة كان أفضل؛ قال: لقد أقبلت يوماً من جنازةٍ مظهراً فأصابني الحر ورأيت سقيفةً فقلت: لو عدلت إلى هذه السقيفة فاستظللت واستسقيت ماءً، فلما صرت إلى السقيفة إذا باب دارٍ وإذا امرأةٌ نصفٌ قاعدةٌ خلفها جاريةٌ شابةٌ رودٌ، عليها ذؤابةٌ قد تسترت بها، قال: قلت: اسقوني ماءً، قالت: يا عبد الله أي الشراب أعجب
стр. 8093
إليك، النبيذ أم اللبن أم الماء؟ قلت: أي ذلك تيسر عليكم، قالت: اسقوا الرجل لبناً فإني إخاله أعرابياً، قال: فلما أن شربت وحمدت الله قلت لها: من الجارية خلفك؟ قالت: ابنتي، قال: قلت: ومن هي؟ قالت: زينب بنت حدير؛ قلت: ممن؟ قالت: من نساء تميم؛ قلت: من أيها؟ قالت: من بني حنظلة، ثم من بني طهية؛ قلت: لها: أفارغةٌ أم مشغولةٌ؟ قالت: لا بل فارغة؛ قلت: تزوجينها؟ قالت: نعم إن كنت كفؤاً لها؛ قلت: فمن يلي أمرها؟ قالت: عمها؛ قال: فانصرفت إلى منزلي فامتنعت من القائلة فأرسلت إلى إخواني من القراء الأشراف مسروق بن الأجدع أمية ألك حاجة؟ قلت: إليك عمدت؛ قال: فيم ذلك؟ قال: جئت خاطباً؛ قال: من؟ قلت: زينب بنت حدير؛ قال: ما بها عنك رغبةٌ ولا تقصير؛ فحمدت الله وصليت على النبي ﷺ وذكرت حاجتي؛ فحمد الله وصلى على النبي ﷺ وزوجني؛ فوالله ما بلغت منزلي حتى ندمت، قلت: ما صنعت تزوجت امرأةً من بني طهية من حي جفاةٍ فأردت أن أفارقها، ثم قلت: سقطتين في يوم واحد لا، ولكني أجمعها إلي فإن رأيت الذي أحب وإلا كنت قادراً؛ فأرسلت إليها بصداقها وكرامتها فزفت إلي مع نساءٍ أترابٍ لها، فلما أن صارت بالباب قالت: السلام عليكم ورحمة الله؛ وأقبلن النساء ينخسنها ويقلن لها: هذا منك جفاء؛ قالت: سبحان الله، السلام والبركة فيه، فلما أن توسطت البيت قالت: يا قاضي، موضع مسجد البيت؟ فإن من السنة إذا دخلت المرأة على الرجل أن يقوم فيصلي ركعتين وتصلي خلفه ركعتين ويسألان الله خير ليلتهما تلك، ويتعوذان بالله من شرها؛ قال: قلت: خيرٌ ورب الكعبة؛ فقمت أصلي فإذا هي خلفي تصلي، فلما أن سلمت وثبت وثبةً فإذا هي في قبتها وسط فراشها قاعدةٌ؛ قال: ودخلت إليها فوضعت يدي على ناصيتها ودعوت لها بالبركة، قالت: نعم فبارك الله لك ولنا معك؛ قال: فأردت ما يريد الرجل؛ فقالت لي: هيه هيه على رسلك على حاجتك ما قدرت، الحمد لله أحمده وأستعينه
стр. 8094
وصلى الله على محمدٍ، أما بعد؛ فإني امرأةٌ غريبةٌ لم أنشأ معك، وما سرت مسيراً أشد علي من هذا المسير وذلك أني لا أعرف أخلاقك، فأخبرني بأخلاقك التي تحب أكن معها، وأخلاقك التي تكره أزدجر عنها، أقول قولي هذا ويغفر الله لي ولك؛ قال: فاستطرت فرحاً، ثم قلت: أما بعد؛ قدمت خير مقدمٍ على أهل دارٍ زوجك سيد رجالهم، وأنت إن شاء الله سيدة نسائهم، أنا أحب من الأخلاق كذا وكذا وأكره من الأخلاق كذا؛ قالت: حدثني عن أختانك أتحب أن يزوروك؟ قلت لها: إني رجلٌ قاضٍ ما أحب أن يكثروا فيملوني، ولا يطيلوا فيهجروني؛ قالت: وفقك الله؛ قال: فبت بأنعم ليلةٍ باتها عروسٌ، ثم الليلة الأخرى أنعم منها، فليس من ليلةٍ إلا وأنا أنعم من صاحبتها، حتى إذا كان بعد سبعٍ قالت لأنها: يا أمتاه انصرفي إلى منزلك ولا تأتيني إلى حولٍ قابلٍ في هذا الأوان، ولا تتركيني من الهدايا؛ قال: فكان الرسول يجيء بالأطباق الملاء ويأخذ الفارغ شبه الطير الخاطف، حتى إذا كان رأس الحول أتتها أمها وقد ولدت غلاماً وكان شريح رجلاً غيوراً فإذا بامرأة تأمر وتنهى في بيته فقال: يا زينب من هذه المرأة؟ قالت له: هذه ختنتك
فلانة أمي؛ قال شريح: سبحان الله قد آن لك؛ قالت العجوز: يا أبا أمية كيف ترى زوجتك؟ قلت: بالخير؛ قالت: يا أبا أمية إن الرجال لم يبتوا بشيءٍ مثل الخرقة الورهاء، ولا تكون المرأة عند زوجها بأسوأ حالٍ منها في حاليه: إذا حظيت عند زوجها أو ولدت له غلاماً، فإن رابك من أهلك ريبٌ فالسوط؛ قال لها: قد كفيت الرياضة وأحسنت الأدب، أنا أشهد أنها ابنتك؛ قالت العجوز: يا أبا أمية، أخوها بالباب يطلب الإذن عليها، تأذن له؟ قال: إي والله، فليدخل؛ فلما دخل إذا بالفتى الذي كان يخاصم الشيخ قال: وإنك لهو؟ قال: نعم؛ قال: أما إني لو تمنيت الجنة كان أفضل، تذكر يوم كنت تخاصم الشيخ؟ قال: أذكره؛ قال: فإني تمنيت أن تكون أختٌ لك عندي؛ قال: يا قاضي فإن الذي أعطاك مناك قادرٌ أن يعطيكها في الآخرة؛ ثم إنه ضم الصبي ونحله ذهباً؛ ثم قال: أرشد الله أمركم ووفقكم لحظكم، ومضى. أمي؛ قال شريح: سبحان الله قد آن لك؛ قالت العجوز: يا أبا أمية كيف ترى زوجتك؟ قلت: بالخير؛ قالت: يا أبا أمية إن الرجال لم يبتوا بشيءٍ مثل الخرقة الورهاء، ولا تكون المرأة عند زوجها بأسوأ حالٍ منها في حاليه: إذا حظيت عند زوجها أو ولدت له غلاماً، فإن رابك من أهلك ريبٌ فالسوط؛ قال لها: قد كفيت الرياضة وأحسنت الأدب، أنا أشهد أنها ابنتك؛ قالت العجوز: يا أبا أمية، أخوها بالباب يطلب الإذن عليها، تأذن له؟ قال: إي والله، فليدخل؛ فلما دخل إذا بالفتى الذي كان يخاصم الشيخ قال: وإنك لهو؟ قال: نعم؛ قال: أما إني لو تمنيت الجنة كان أفضل، تذكر يوم كنت تخاصم الشيخ؟ قال: أذكره؛ قال: فإني تمنيت أن تكون أختٌ لك عندي؛ قال: يا قاضي فإن الذي أعطاك مناك قادرٌ أن يعطيكها في الآخرة؛ ثم إنه ضم الصبي ونحله ذهباً؛ ثم قال: أرشد الله أمركم ووفقكم لحظكم، ومضى.
قال شريح: فلبثت معي عشرين سنةً وما بكتت عليها في تلك السنين إلا يوماً واحداً كنت لها
стр. 8095
ظالماً أيضاً؛ قالوا: وكيف؟ قال: كنت إمام قومي وصليت ركعتي الفجر وسمعت الإقامة فبادرت فأبصرت عقرباً فكرهت أن أضربها فتنضح علي منها فاكفيت عليها الإناء ثم قلت لها: يا زينب لا تعجلي بتحريك الإناء حتى أقبل؛ فأقبلت فإذا هي تلوى؛ قلت: مالك؟ قالت: ضربتني العقرب؛ قال: أولم أنهك؟ هكذا من خالف؟ لي في هذا عظةً وعبرةً؛ قال: فلو رأيتني يا شعبي وأنا أمغث إصبعها بالماء والملح وأقرأ عليها بفاتحة الكتاب والمعوذتين، وكان لي جارٌ من كندة يقال له: ميسرة بن عدي لا يزال يقرع مريةً له، وذلك حيث يقول: من الطويل
رأيت رجالاً يضربون نساءهم ... فشلت يميني يوم أضرب زينبا
محمد بن الفضل بن محمد بن المنصور
كان مع عبد الله بن طاهر حين توجه من دمشق وافتتح مصر وسوغه المأمون خراجها سنةً، فصعد المنبر فلم ينزل حتى أجاز بها كلها ثلاثة آلاف ألف دينار أو نحوها، فقبل أن ينزل أتاه معلى الطائي، وقد أعلموه بما صنع عبد الله بن طاهر بالناس في الجوائز وكان عليه واجداً فوقف بين يديه وقال: أصلح الله الأمير، أنا معلى الطائي، ما كان منك من جفاءٍ وغلظةٍ فلا يغلظ على قلبك ولا يستخفنك ما قد بلغك، أنا الذي أقول: من البسيط
يا أعظم الناس عفواً عند مقدرةٍ ... وأظلم الناس عند الجود للمال
لو يصبح النيل يجري ماؤه ذهباً ... لما أشرت إلى خزنٍ بمثقال
تعنى بما فيه رق الحمد تملكه ... وليس شيءٌ أعاض الحمد بالمال
تفك باليسر كف العسر من زمنٍ ... إذا استطال على قومٍ بإقلال
لم تخل كفك من جودٍ لمختبطٍ ... أو مرهفٍ فاتكٍ في رأس قتال
стр. 8096
وما بثثت رعيل الخيل في بلدٍ ... إلا عصفن بأرزاقٍ وآجال
هل من سبيلٍ إلى إذنٍ فقد ظمئت ... نفسي إليك فما تروى على حال
إن كنت منك على بالٍ منيت به ... فإن شكرك من حمدي على بال
ما زلت مقتضياً لولا مجاهرةٌ ... من ألسنٍ خضن في صبري بأقوال
فضحك عبد الله بن طاهر وسر بما كان منه، وقال: يا أبا القاسم إنا لله أقرضني عشرة آلاف دينار؛ فما أمسيت أملكها، فدفعها إليه.
محمد بن الفضل الصوفي الدمشقي
قال سليمان بن داود اليحصبي:
رأيت محمد بن الفضل الدمشقي، وكان من نبلاء الصوفية ورؤسائهم، فضرب ابنه صغيراً، فقمت لأتخلصه منه فقال: إليك عني، فإني أحب أن أبلغ من عقوبته اليوم أمراً أرضي الله به؛ فقلت: وما قصته؟ قال: رأيته يضحك إلى غلامٍ من أقرانه؛ قلت: وما أنكرت من ذلك؟ صبي ضحك إلى تربه؛ فقال: إني أكره أن أجريه على معاصي الله، فيأتي اليوم صغيرةً ويركب غداً كبيرةً، وإنما الحدث على ما ينشؤ عليه من الخير والشر، فإن زجر عن الشر في صغره تحاماه في كبره، وإن هو ترك عليه تمادى في غيه، ولم يشك إلا أنه الأمر الذي ندب إليه.
محمد بن الفضل الجرجرائي الوزير
استوزره المتوكل، وغضب عليه، فقبضه وصير مكانه عبد الله بن يحيى بن خاقان، وتوفي سنة خمسين ومئتين، ومن شعره: من الطويل
стр. 8097
تعجل إذا ما كان أمنٌ وغبطةٌ ... وأبط إذا ما استعرض الخوف والهرج
ولا تيأسن من فرصةٍ أن تنالها ... لعل الذي ترجوه من حيث لا ترجو
وتأخر إسحاق الموصلي عن محمد بن الفصل، وقد وعده الحضور فقال: من الكامل
خل أتى ذنباً إلي وإنني ... لشريكه في الذنب إن لم أغفر
فمحا بإحسانٍ إساءة فعله ... وأزال بالمعروف قبح المنكر
قد كان يا إسحاق صبري فيك ذا ... حسناً وأحسن منه إذ لم أصبر
مذ لم ألاقك في السرور ثلاثةٌ ... فكأنها كانت ثلاثة أشهر
وكان المتوكل يسمي ابن الفضل: المضبب، كانت أسنانه منقطعة فكان يشدها، وكان محمد بن الفضل متمكناً عند المعتصم جريئاً عليه؛ وتقلد محمد بن الفضل الوزارة بعد ابن الزيات، وفيه يقول عصابة الجرجرائي: من السريع
محمد بن الفضل لا قدست ... روحٌ له من كاتبٍ حائك
وابن خصيبٍ تربت كفه ... فليس بالبر ولا الناسك
كلاهما والله يخزيهما ... أكفر للنعمة من بابك
ولدعبل في محمد بن الفضل: من الطويل
محمد يا ابن الفضل نقصك ذاهبٌ ... بما كان من فضل أبيك من الفضل
رأيتك غفلاً من سماحٍ وسؤددٍ ... وقد لاح رسم الجهل فيك مع البخل
محمد بن الفيرزان الصوفي
نظر محمد بن الفيرزان إلى رجلٍ من أصحاب الحديث، بين يديه محبرةٌ وهو ينظر في دفترٍ يلاحظ غلاماً جميلاً ويضحك أحياناً في وجهه، فقال له: يا فتى كتبت
стр. 8098
الحديث؟ قال: نعم كتبت منه كثيراً ووعيت منه علماً جماً؛ قال: أما تحفظ في تكرار النظر شيئاً؟ قال: لا؛ قال: سبحان الله نسيت ما يجب عليك أن تذكره، وضيعت ما ينبغي لك أن تحفظه، هل تحفظ ما سأل عنه جرير البجلي النبي ﷺ عن نظرة الفجاءة؟ قال: فأمرني أن أصرف بصري عنه، وفي بعض الحديث أنه قال: " الأولى لك والأخرى عليك " قال: صدقت، قال: أفما لك في رسول الله ﷺ أسوةٌ، وفي قوله لك قدوةٌ؟ إني لك من الناصحين، وعليك من المشفقين، إن كنت تحب أن تنظر إلى الحور الحسان وتسكن القصور والخيام، وتطوف عليك الغلمان والولدان، فاحفظ طرفك عن نظرٍ لا تأمن عاقبة ضرره عليك في معادك.
محمد بن الفيض بن محمد بن الفيض
أبو الحسن ويقال: أبو الفيض الغساني حدث عن إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، بسنده إلى جابر قال: قال النبي ﷺ : " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر ".
وحدث عن هشام بن خالد الأزرق، عن الوليد بن مسلم، عن سعيد بن عبد العزيز قال: إن هشام بن عبد الملك قضى عن الزهري سبعة آلاف دينار، فقال هشام للزهري: لا تعد لمثلها تدان؛ فقال الزهري: يا أمير المؤمنين، حدثنا سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " لا يلسع المؤمن من جحرٍ مرتين ".
ولد محمد بن الفياض سنة تسع عشرة ومئتين، وتوفي سنة خمس عشرة وثلاث مئة.
стр. 8099
محمد بن القاسم بن عبد الخالق
ابن يزيد بن نبهان أبو حفص الكندي المؤذن الحصيب حدث عن أبي عبد الله محمد بن عقبة البيروتي، بسنده إلى عبد الله بن عمر أن عمر تصدق على رجلٍ بفرسٍ ثم وجده بعد ذلك يباع في السوق، فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فقال له رسول الله ﷺ : " لا ترتد في صدقتك ".
محمد بن القاسم بن فضالة
أبو بكر الصوفي الحبيشي
أنشدني صحبه قبل أن يمتحن، قال: بلغني أن رجلاً كتب إلى صديق له يذمه: من المتقارب
ولما رأيتك لا فاتكأ ... قوياً ولا أنت بالزاهد
وليس عدوك بالمتقي ... وليس صديقك بالحامد
دخلت بك السوق سوق العبي ... د وناديت: هل فيك من زائد
على رجلٍ مفسدٍ للصدي ... ق كفورٍ لنعمائه جاحد
فما جاءني رجلٌ واحدٌ ... يزيد على درهمٍ واحد
سوى رجلٍ زادني درهماً ... وآلى بأن ليس بالزائد
فبعتك منه بلا شاهدٍ ... مخافة ردك بالشاهد
وأبت إلى منزلي رابحاً ... وحل البلاء على الناقد
محمد بن القاسم بن المظفر
ابن عبد الله أبو بكر بن أبي أحمد بن الشهرزوري الإربلي ثم الموصلي حدث بدمشق سنة اثنتي عشرة وخمس مئة، بسنده إلى أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: " لا يزني الزاني وهو حين يزني مؤمن، ولا يسرق السارق وهو حين يسرق مؤمن،
стр. 8100
ولا يشرب الخمر وهو حين يشربها مؤمن، ولا ينتهب نهبةً ذات شرف يرفع المؤمنون إليه فيها أبصارهم وهو حين ينتهبها مؤمن ".
ولد أبو بكر سنة أربعٍ وخمسين وأربع مئة، وقيل: سنة ثلاث وخمسين، وتوفي سنة ثمان وثلاثين وخمس مئة.
محمد بن القاسم بن معروف
ابن حبيب بن أبان بن إسماعيل أبو علي عم أبي محمد بن أبي نصر حدث عن أحمد بن علي، بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " أمرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار ".
وحدث عن علي بن بكر، بسنده إلى عبد الله بن السائب، أنه قال وهو عند حمزة بن عبد المطلب: من الوافر
ألا يا حمز للشرف النواء ... وهن معقلات بالفناء
ضع السكين في اللبات منها ... يضرجهن حمزة بالدماء
وعجل من أطايبها لشربٍ ... قديراً من طبيخٍ أو شواء
ذكر أنه ولد سنة ثلاثٍ وثمانين ومئتين، وتوفي سنة سبعٍ أو تسعٍ وأربعين وثلاث مئة.
محمد بن القاسم الصوفي
أنشد محمد بن القاسم الصوفي: من الكامل
منها تعلم طيفها العتبا ... فأتى الكرى غضبان عن غضبى
ألقت عداوة وصل يقظته ... بين الكرى وجفونه حربا
فإذا تنبه كان في ألمٍ ... وإذا غفا لم يعدم الكربا
وكأن ذا قلبين ما سلمت ... قمنٌ يصح وقد حوى قلبا
стр. 8101
محمد بن قبيصة بن عبد الله
ابن موسى أبو بكر النيسابوري ثم الإسفراييني حدث عن بشر العبدي، قال: ذهبت مع أبي إلى وليمةٍ فيها غالب القطان، فوضع الخوان فأمسكوا أيديهم فقال: ما لكم؟ فقالوا: حتى يجيء، فقال غالب: حدثتني كريمة بنت هشام الطائية، عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: " أكرموا الخبز " قال: " ومن كرامته أن لا ينتظر الأدم ".
وحدث عن الحسن بن عبد الرحمن، بسنده إلى ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : " أقل ما يوجد في أمتي آخر الزمان درهمٌ حلالٌ أو أخٌ يوثق به ".
محمد بن قطن الأذني الصوفي
حدث عن معلى الرفاء، بسنده إلى واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله ﷺ : " بكاء الصبي إلى سنتين: لا إله إلا الله، ثم بعد ذلك استغفارٌ لأبويه، فما عمل من حسنة فلأبويه، وما عمل من سيئةٍ فلا عليه ولا أبويه ".
وحكى عن الشافعي، عن فضل، عن سفيان، قال: قال داود ﵇: إلهي كن لابني سليمان من بعدي كما كنت لي؛ فأوحى الله إليه: يا داود قل لابنك سليمان: يكون لي حتى أكون له كما كنت لك.
وحكى عنه قال: دخل سفيان على فضيل بن عياض ﵏ يعوده فقال: يا أبا محمد، أي نعمةٍ في المرض لولا العواد؟ فقال سفيان: وأي شيءٍ تكره من العواد؟ قال: الشكية.
وحدث محمد بن قطن، وابن أبي الحواري حاضرٌ، عن الشافعي، قال: قال الفضيل: كم ممن يطوف بهذا البيت وبعيدٌ منه أعظم أجراً منه.
стр. 8102
محمد بن قيس أبو عثمان
ويقال: أبو أيوب، ويقال: أبو إبراهيم المدني كان مع عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة بالشام، وهو قاص عمر بن عبد العزيز.
حدث عن أبي صرمة، عن أبي أيوب، أنه قال حين حضرته الوفاة: قد كتمت عنكم شيئاً سمعته من رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لولا أنكم تذنبون، لخلق الله خلقاً يذنبون يغفر لهم ".
قال محمد بن قيس: خرج علينا يوماً مزاحمٌ فقال: لقد احتاج أهل أمير المؤمنين إلى نفقةٍ ولا أدري من أين آخذها، ولا أدري ممن أستلفها؛ قال: قلت: لولا قلة ما عندي لعرضته عليك؛ قال: وكم عندك؟ قلت: خمسة دنانير؛ قال: إن فيها لبلاغاً، فأعطني، فدفعها إليه، ثم أتاه مال من أرض عمر باليمن، فمر علي مزاحم مسروراً، قال: جاءنا مالٌ من أرضٍ لنا نقضك منه الآن تلك الخمسة دنانير، فدخل ثم خرج وإحدى يديه على رأسه يقول: أعظم الله أجر أمير المؤمنين قلنا: أجل، أعظم الله أجر أمير المؤمنين وما ذاك؟ قال: أمر بالمال الذي جاء من أرضه أن يدخل بيت المال؛ فلا أدري كيف تمحل لي في الخمسة حتى قضاني.
محمد بن كامل العماني
حدث عن أبان العطار، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: صافحت رسول الله ﷺ فلم أر خزاً ولا قزاً كان ألين من كف رسول الله ﷺ ، قال
стр. 8103
ثابت: أنا صافحت أنس بن مالك، وقال كل شيخٍ: أنا صافحت فلاناً إلى آخر إسناده.
والعماني بفتح العين وتشديد الميم؛ عاش
محمد بن كامل مئةً وعشرين سنةً، ومات سنة إحدى وتسعين ومئتين.
محمد بن كامل
قال محمد بن كامل: جئت إلى عراك بن خالد وهو جالسٌ في مسجدٍ أيام ابن محرز فقلت: يا أبا الضحاك، طاب الموت فقال: يا بن أخي لا تفعل، الساعة تعيشها تستغفر الله خيرٌ لك من موت الدهر.
محمد بن كامل بن ديسم بن مجاهد
أبو الحسين النضري المقدسي حدث ببيت المقدس سنة سبعٍ وستين وأربع مئة عن أبي الحسين محمد بن الحسين بن محمد بن علي بن الترجمان، بسنده إلى أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " إذا صلى أحدكم على جنازةٍ ولم يمش معها فليقم لها حتى تغيب عنه، وإن مشى معها فلا يقعد حتى توضع ".
توفي أبو الحسين بن كامل سنة ستٍ وثلاثين وخمس مئة.
محمد بن كثير أبو إسماعيل الخولاني الكوفي
وفد على عمر بن عبد العزيز، وقال: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب بخناصرة فذكر الدنيا فذمها فقال: والله لقد حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن
стр. 8104
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله تعالى لما خلق الدنيا نظر إليها ثم أعرض عنها ثم قال: وعزتي إلا أنزلتك إلا في شرار خلقي ".
محمد بن كثير بن أبي عطاء
أبو يوسف المصيصي صنعاني الأصل، سكن المصيصة.
حدث عن الأوزاعي، بسنده إلى أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: " لا تسموا العنب الكرم، فإن الكرم المؤمن ".
وحدث عنه، بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " تجافوا عن زلة السخي فإنه إذا عثر أخذ الرحمن بيده ".
ثم أنشد محمد بن كثير لنفسه، من الخفيف
كن سخياً ولا تبال ابن من كن ... ت فما الناس غير أهل السخاء
لن ينال البخيل مجداً ولو نا ... ل بيافوخه نجوم السماء
وحدث عن الأوزاعي، قال: كان عندنا ببيروت صيادٌ يخرج يوم الجمعة يصطاد النينان ولا ينتظر الجمعة؛ قال: فخرج يوماً فخسف به وببغلته فلم يبق منها إلا أذناها وذنبها.
قال ابن كثير: رأيت ذلك المكان كأنه شيءٌ حول.
стр. 8105
ضعفه قومٌ وقالوا: ليس بالقوي، كثير الخطأ، وقيل: إنه اختلط في آخر عمره؛ وقيل: إنه كان ثقةً.
قال محمد بن كثير: دخل علي الأوزاعي وأنا عليلٌ فقال لي: رفع الله جنبك، وغفر ذنبك، وفرغك لعبادة ربك.
توفي محمد بن كثير سنة ست عشرة ومئتين، وقيل: سنة سبع عشرة ومئتين.
محمد بن كرام بن عراق بن حزابة
ابن البراء أبو عبد الله السجستاني، شيخ الطائفة المعروفة بالكرامية حدث عن مالك بن سليمان الهروي، بسنده إلى أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " كل مسكرٍ خمرٌ، وكل مسكرٍ حرامٌ ".
قال الخطيب: لا يثبت عن مالك هذا الحديث.
وكرام بفتح الكاف وتشديد الراء.
وتوفي محمد بن كرام سنة خمس وخمسين ومئتين.
قال أبو العباس محمد بن إسحاق السراج:
شهدت محمد بن إسماعيل البخاري ودفع إليه كتابٌ من محمد بن كرام يسأله عن أحاديث منها: سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: " الإيمان لا يزيد ولا ينقص " ومعمر عن الزهري عن سالم عن أبيه مثله؛ فكتب محمد بن إسماعيل على ظهر كتابه: من حدث بهذا استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل.
دخل أبو عبد الله بن كرام المقدس وتكلم فجاءه رجلٌ غريبٌ بعدما سمع أهل
стр. 8106
المقدس منه حديثاً كثيراً، فسأله عن الإيمان فأمسك عن الجواب، ثلاث مرات، فقال: هذا أمرٌ عظيمٌ يسألك إنسانٌ عن مسألة ثلاث مرات، فتشاغل عنه ما تقول في الإيمان؟ فأجابه وقال: الإيمان قولٌ؛ فلما سمعوا ذلك منه حرقوا الكتب التي كتبوا عنه، ونفاه والي الرملة إلى زغر، ومات بها.
وقيل: إنه توفي ببيت المقدس، ودفن في مقابر الأنبياء صلوات الله عليهم، وتوفي وأصحابه ببيت المقدس نحو عشرين ألفاً؛ وكان لأصحاب ابن كرام رباطٌ ببيت المقدس، وكان بذلك الرباط جماعةٌ من أصحابه مظهرين النسك، وكان ببيت المقدس رجلٌ يقال له: هجام، يحبهم ويحسن ظنه بهم، فنهاه الفقيه أبو الفتح نصر بن أبي وهم عن إحسانه الظن بهم؛ فقال: إنما لي منهم ما ظهر لي؛ فلما كان بعد ذلك رأى هجام في المنام كأنه اجتاز برباطهم ورأى كأن حائطه كله نبات النرجس فاستحسنه فمد يده ليتناول منه شيئاً فوجد أصوله في العذرة، فقص رؤياه على الفقيه نصر؛ فقال: هذا تصديق ما قلت لك: إن ظاهرهم حسنٌ وباطنهم خبيثٌ.
محمد بن كعب بن حيان بن سليم
ابن أسد أبو حمزة؛ وقيل: أبو عبد الله القرظي ولد على عهد سيدنا رسول الله ﷺ من أهل المدينة؛ قدم على عمر بن عبد العزيز في خلافته.
قال محمد بن كعب: سمعت زيد بن أرقم قال: لما قال عبد الله بن أبي ما قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله؛ وقال: لئن رجعنا إلى المدينة؛ قال: فسمعته فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك
стр. 8107
له، قال: فلامني ناسٌ من الأنصار، وجاء هو فحلف ما قال ذلك، فرجعت إلى المنزل فنمت؛ قال: فأتاني رسول الله ﷺ ، أو بلغني فأتيت النبي ﷺ فقال: " إن الله قد صدقك وعذرك " فنزلت هذه الآية: " هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله ".
قال محمد بن كعب:
عهدت عمر بن عبد العزيز وهو أميرٌ علينا بالمدينة، وهو شاب ممتلئ الجسم حسن البضعة، فلما استخلف أرسل إلي وأنا بخراسان، فأتيته بخناصرة، فدخلت عليه فرأيته قد تغير حاله ونحل جسمه، فجعلت لا أكاد أصرف بصري عنه، فقال: إنك لتنظر إلي نظراً ما كنت تنظره إلي من قبل يا بن كعب قال: قلت: لعجبي؛ قال: وما أعجبك؟ قلت: لما حال من لونك، ونحل من جسمك، وبقي من شعرك؛ فقال: كيف لو رأيتني يا بن كعب بعد ثالثةٍ في قبري حيث تقع حدقتاي على وجهي، ويسيل منخراي وفمي صديداً ودوداً؟ كنت لي أشد نكرةً، أعد علي الحديث الذي كنت حدثتنيه عن ابن عباس؛ قال: قلت: حدثنا ابن عباس رفعه إلى النبي ﷺ : " إن لكل شيءٍ شرفاً، وإن أشرف المجالس ما استقبل به القبلة، وإنما تجالسون بالأمانة فلا تصلوا خلف النائم والمتحدث، واقتلوا الخبيث العقرب، وإن كنتم في صلاتكم؛ ولا تستروا الجدر بالثياب، ومن نظر في كتاب أخيه بغير إذن أخيه فكأنما نظر في النار، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه؛ ألا أنبئكم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله؛ قال: من نزل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده؛ أفلا أنبئكم بشر من هذا؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: من يبغض الناس ويبغضونه؛ أفلا أنبئكم بشر من هذا؟ قالوا: بلى يا رسول الله؛ قال: من لا يقيل عثرةً، ولا يقبل معذرةً، ولا يغفر ذنباً؛ أفلا أنبئكم بشر من هذا؟ قالوا: بلى يا رسول الله؛ قال: من لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره؛ إن عيسى بن مريم قام في قومه فقال: يا بني إسرائيل لا تكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، ولا تظالموا،
стр. 8108
ولا تكافئوا ظالماً فيبطل فضلكم عند ربكم، يا بني إسرائيل إنما الأمر ثلاثة: أمرٌ بينٌ رشده فاتبعوه، وأمرٌ بينٌ غيه فاجتنبوه، وأمرٌ اختلف فيه فردوه إلى الله ".
كان كعب أبوه من سبي قريظة الذي حكم فيهم سعد بن معاذ.
وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: قال رسول الله ﷺ : " يكون في أحد الكاهنين رجلٌ يدرس القرآن دراسةً لا يدرسها أحدٌ غيره " قال: فكانوا يرون أنه محمد بن كعب القرظي؛ والكاهنان: قريظة والنضير؛ وفي رواية: " رجلٌ أعلم الناس بكتاب الله " وفي أخرى: " أعلم بتأويل القرآن من القرظي ".
وكان محمد بن كعب ثقةً صالحاً، عالماً بالقرآن.
قالت أم محمد بن كعب القرظي لمحمد: يا بني لولا أني أعرفك صغيراً طيباً وكبيراً طيباً لظننت أنك أذنبت ذنباً موبقاً لما أراك تصنع بنفسك بالليل والنهار، قال: يا أمتها، وما يؤمنني أن يكون الله قد اطلع علي وأنا في بعض ذنوبي فمقتني، فقال: اذهب لا أغفر لك، مع أن عجائب القرآن ترد بي على أمورٍ حتى إنه لينقضي الليل ولم أفرغ من حاجتي.
وقال محمد بن كعب: لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح ب " إذا زلزلت " و" القارعة " لا أزيد عليهما وأتردد فيهما وأتفكر أحب إلي من أن أهذ القرآن ليلتي هذاً؛ أو قال: أنثره نثراً.
رجع محمد بن كعب إلى منزله من الجمعة، فلما كان ببعض الطريق جلس هو وأصحابه فقال لهم: ما تمنون أن تفطروا عليه؟ قالوا كلهم: طبيخ؛ قال: تعالوا ندعو الله أن يرزقنا طبيخاً؛ قال: فدعوا الله ، فإذا خلفهم مثل رأس الجزور يفور، فأكلوا.
стр. 8109
قال محمد بن كعب: إذا أراد الله بعبدٍ خيراً زهده في الدنيا، وفقهه في الدين، وبصره عيوبه؛ ومن أوتيهن أوتي خير الدنيا والآخرة؛ زاد في آخر: ثم التفت الفضيل إلينا فقال: ربما قال الرجل: لا إله إلا الله، فأخشى عليه النار، قيل: وكيف ذلك؟ قال: يغتاب بين يديه رجلٌ فيعجبه فيقول: لا إله إلا الله، وليس هذا موضعها، إنما هذا موضع أن ينصح له في نفسه ويقول له: اتق الله.
أصاب محمد بن كعب مالاً فقيل له: ادخر لولدك من بعدك؛ قال: لا ولكن أدخره لنفسي عند ربي، وأدخر ربي لولدي.
كان محمد بن كعب يقول: الدنيا دار فناء ومنزل قلعةٍ، رغبت عنها السعداء وانتزعت من أيدي الأشقياء، فأشقى الناس بها أرغب الناس فيها، وأزهد الناس فيها أسعد الناس بها، هي المقوية لمن أطاعها، المهلكة لمن اتبعها، الخائنة لمن انقاد لها، علمها جهلٌ، وغناها فقرٌ، وزيادتها نقصانٌ، وأيامها دولٌ.
كان محمد بن كعب يقول: اللهم إنك سألتنا من أنفسنا ما لا نملك، فأعطنا من أنفسنا ما يرضيك عنا، حتى نأخذ رضى نفسك من أنفسنا، إنك على كل شيءٍ قدير.
جاء رجل ٌ إلى محمد بن كعب فقال له: ما تقول في التوبة؟ قال: ما أحسنها؛ قال: أفرأيت إن أعطيت الله عهداً أن لا أعصيه أبداً؛ فقال له محمد: فمن حينئذٍ أعظم جرماً منك تألى على الله أن لا ينفذ فيك أمره قعد الفضل الرقاشي إلى محمد بن كعب فذاكره شيئاً من القدر فقال له محمد: تشهد، فلما بلغ: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، رفع محمد عصاً معه فضرب بها رأسه وقال: قم؛ فلما قام فذهب قال: لا يرجع هذا عن رأيه أبداً.
قال محمد بن كعب: إذا رأيتموني أنطق في القدر فغلوني فإني مجنون، فوالذي نفسي بيده ما أنزلت هؤلاء
стр. 8110
الآيات إلا فيهم، ثم قرأ: " إن المجرمين في ضلالٍ وسعر " إلى آخر الآية.
قال أبو صخر حميد بن زياد: قلت لمحمد بن كعب القرظي يوماً: ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله ﷺ فيما كان من رأيهم وإنما أريد الفتن؟ فقال: إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي ﷺ ، وأوجب لهم الجنة في كتابه، محسنهم ومسيئهم؛ قلت: في أي موضعٍ أوجب الله لهم الجنة في كتابه؟ فقال: سبحان الله ألا تقرأ قوله: " والسابقون الأولون " إلى آخر الآية، فأوجب الله لجميع أصحاب النبي ﷺ الجنة والرضوان، وشرط على التابعين شرطاً لم يشرطه عليهم؟ قلت: وما اشترط عليهم؟ قال: اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان، يقول: يقتدون بأعمالهم الحسنة، ولا يقتدون بهم في غير ذلك؛ قال أبو صخر: فوالله لكأني لم أقرأها قط، وما عرفت تفسيرها حتى قرأها علي محمد بن كعب.
سئل محمد بن كعب: ما علامة الخذلان؟ قال: إن يستقبح الرجل ما كان يستحسن، ويستحسن ما كان قبيحاً.
دخل محمد بن كعب على عمر بن عبد العزيز حين استخلف فقال له عمر يا عم عظني؛ قال: يا بن أخي فيك كيس وفيك حمقٌ، وفيك جرأةٌ وفيك جبنٌ، وفيك حلمٌ وفيك جهلٌ، فداو بعض ما فيك ببعضٍ فإذا صحبت فاصحب من الإخوان زاد في رواية: من كان ذا نيةٍ في الخير يكفيك مؤونة نفسك ويعينك عل نفسك، ولا تصحبن من الإخوان من قدر منزلتك عنده على قدر حاجته إليك، فإذا انقطعت أسباب حوائجه فيك انقطعت أسباب مودته عنك، وإذا غرست غرساً فلا تبغين غرسك أن تحسن تربيته.
стр. 8111
قال محمد بن كعب: قال لي عمر بن عبد العزيز: صف لي العدل: قلت: بخٍ بخٍ سألت عن أمرٍ جسيمٍ؛ كن لصغير الناس أباً، ولكبيرهم ابناً، ولمثل منهم أخاً، وللنساء كذلك، وعاقب الناس بقدر ذنوبهم على قدر أجسامهم، ولا تضربن بغضبك أحداً سوطاً واحداً فيعدي فتكون من العادين.
قال سفيان بن عيينة: دخل محمد بن كعب القرظي على عمر بن عبد العزيز يوم ولي فقال: يا أمير المؤمنين إنما الدنيا سوقٌ من الأسواق فمنها خرج الناس بما ربحوا منها لآخرتهم، وخرجوا منها بما يضرهم، فكم من قومٍ غرهم مثل الذي أصبحنا فيه حتى أتاهم الموت فاستوعبهم، وخرجوا من الدنيا مرملين لم يأخذوا من أمر الدنيا والآخرة، فاقتسم ما لهم من لم يحمدهم، وصاروا إلى من لم يعذرهم، فانظر للذي يجب أن يكون معك إذا قدمت، فابتغ به البدل حيث يجوز البدل، ولا تذهبن إلى سلعةٍ قد بارت على غيرك ترجو جوازها عنك؛ يا أمير المؤمنين افتح الأبواب وسهل الحجاب وانصر المظلوم.
كان لمحمد بن كعب جلساء كانوا من أعلم الناس بتفسير القرآن، وكانوا مجتمعين في مسجد الربذة فأصابتهم زلزلةٌ فسقط عليهم المسجد فماتوا جميعاً تحته.
قيل لمحمد بن كعب: ألا نعد لك حروفاً من حروف الرفع والإضجاع تتكلم بها؟ قال: أرأيتم ما أعلمتكم به أتفهمونه؟ قالوا: بلى؛ قال: فما أصنه بها؟ وقيل لمحمد بن كعب: إنك لتلحن في كلامك ولست تعرب في قراءتك؟ قال: إنما سأل موسى ﵇ أن يحلل عقدةً من لسانه حتى يفهموا قوله.
توفي محمد بن كعب سنة ثمانٍ ومئة؛ وقيل: سنة سبع عشرة، وقيل: ثمان عشرة ومئة، وهو ابن ثمانٍ وسبعين سنةً، وقيل: توفي سنة عشرين ومئة، وقيل: سنة تسع وعشرين ومئة.
стр. 8112
محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق
أبو أحمد النيسابوري الحاكم الكرابيسي الحافظ قدم دمشق وولي القضاء في مدنٍ كثيرة.
حدث عن أبي الحسن أحمد بن عمير بن يوسف الدمشقي، بسنده إلى أبي هريرة قال: أوصاني خليلي أبو القاسم صلى الله ﷺ بثلاث: لا أترك صلاة الضحى في حضرٍ ولا سفرٍ، وصيام ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، ولا أنام إلا على وترٍ.
وحدث عن أبي العباس عبد الله بن عتاب الخزاعي، بسنده إلى عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: " لا تمنعوا النساء خطاهن من المساجد ".
توفي أبو أحمد سنة ثمانٍ وسبعين وثلاث مئة، وهو ابن ثلاثٍ وتسعين سنة.
محمد بن محمد بن الحسين
ابن أبي الحسن أبو عبد الله الطوسي المقرئ حدث عن أبي علي الحسن بن علي بن إبراهيم المقرئ، بسنده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله تعالى يطلع في العيدين إلى الأرض فابرزوا من المنازل تلحقكم الرحمة ".
محمد بن محمد بن رجاء بن السندي
أبو بكر الحنظلي الإسفراييني حدث عن صفوان بن صالح الدمشقي، بسنده إلى زيد بن أسلم، قال: رأيت ابن عمر يصلي محلولٌ أزراره، فسألته عن ذلك فقال: رأيت رسول الله ﷺ يفعله.
стр. 8113
توفي أبو بكر بن رجاء سنة ست وثمانين ومئتين، وكان ثبتاً ديناً.
محمد بن محمد بن زكريا البلخي
أبو نصر البلخي قدم دمشق غازياً.
وحدث عن محمد بن جعفر أبي جعفر الكرابيسي البلخي، بسنده إلى أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: " اتقوا اللاعنين " قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: " الذي يتخلى في طريق الناس، وفي ظلهم ".
وحدث عنه بسنده إلى سعيد بن جبير، قال: إن لأعجب ممن يصلي معي ولا يسألني عن شيءٍ، لأن أحدثكم أحب إلي من أن أدخله معي القبر.
محمد بن محمد بن زكريا أبو غانم
النجدي ويقال اليمامي الأضاخي حدث عن المقدام بن داود، بسنده إلى ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: " ويخلق ما لا تعلمون قال: " البراذين ".
стр. 8114
محمد بن محمد بن سليمان بن الحارث
ابن عبد الرحمن أبو بكر الأزدي الباغندي الحافظ الواسطي البغدادي حدث عن شيبان بن فروخ، بسنده إلى عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ كان إذا عاد مريضاً يقول: " أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً ".
كان الباغندي يخلط ويدلس.
توفي محمد بن محمد الباغندي سنة ثلاث عشرة وثلاث مئة، وقيل: سنة اثنتي عشرة وثلاث مئة.
محمد بن محمد بن طاهر
أبو بكر البغدادي التاجر حدث عن أبي الحسن محمد بن عبد الواحد، بسنده إلى رجل من هذيل، قال: قال رسول الله ﷺ : " إن هذا الشعر جزلٌ من كلام العرب به يعطى السائل، وبه يكظم الغيظ، وبه يؤتي القوم في ناديهم ".
ولد أبو بكر سنة خمس عشرة وأربع مئة، وتوفي سنة اثنتين وستين وأربع مئة، وكان حسن الطريقة حافظاً لكتاب الله .
стр. 8115
محمد بن محمد بن عبد الله الباهلي
ابن النفاخ بن بدر ويقال: محمد بن محمد بن بدر بن سليمان بن النفاخ أبو الحسن؛ ويقال: أبو العباس الباهلي من أهل سامراء، ويعرف بالبغدادي.
حدث عن أحمد بن إبراهيم الدورقي؛ بسنده إلى أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " من صلى عليه مئةٌ من المسلمين غفر له ".
توفي ابن نفاخ سنة أربع عشرة وثلاث مئة.
محمد بن محمد بن عبد الله البغدادي
ابن حمزة بن جميل أبو جعفر البغدادي نزيل سمرقند سمع بدمشق.
حدث عن أبي زرعة، وروى أبو زرعة بإسناده إلى أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " اقتلوا الحيات وذا الطفيتين فإنهما يلتمسان البصر ويسقطان الحبل ".
توفي أبو جعفر سنة ست وأربعين وثلاث مئة؛ وكان ثبتاً صحيح السماع.
стр. 8116
محمد بن محمد بن عبد الله الأصبهاني
أبي عمر ابن أبي بكر محمد بن أحمد بن عبد الوهاب أبو عمر السلمي الأصبهاني قدم دمشق.
وحدث عن القاضي أبي بكر أحمد بن الحسن بن أحمد الخريبي، بسنده إلى أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " إن الرجل يشرف على أهل الجنة كأنه كوكبٌ دري، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما ".
محمد بن محمد بن عبد الحميد
ابن خالد ابن إسحاق بن إبراهيم بن خالد بن يزيد بن عبد الله بن آدم بن هشام أبو علي الفزاري، المعروف بابن آدم القاضي المعدل مولى يزيد بن عمر بن هبيرة.
حدث بدمشق عن أبي الحسن محمد بن حامد، بسنده إلى أبي ذر، أنه سأل رسول الله ﷺ ؛ أي الأعمال أفضل؟ قال: " إيمانٌ بالله، وجهادٌ في سبيله " قال: فأي الرقاب أفضل؟ قال: " أغلاها ثمناً، وأنفسها عند أهلها " قال: أرأيت إن لم أفعل؟ قال: " تعين ضائعاً أو تصنع لأخرق " قال: أرأيت إن ضعفت؟ قال: " تدع الناس من الشر فإنها صدقةٌ تصدق بها على نفسك ".
توفي أبو علي بن آدم سنة سبعٍ وخمسين وثلاث مئة.
стр. 8117
محمد بن محمد بن عبد الرحيم
ابن محمد بن أبي ربيعة أبو أحمد القيسراني حدث عن عمر بن الفتح بن عبد الله البزار الفقيه. بسنده إلى معاذ بن رفاعة بن رافع بن خديج، أن جبريل سأل رسول الله ﷺ : كيف أهل بدرٍ عندكم؟ فقال: رسول الله ﷺ : " خيارنا " فقال جبريل: كذلك من شهد بدراً من الملائكة هم خيار الملائكة.
وحدث أبو أحمد سنة خمسٍ وسبعين وثلاث مئة عن محمد بن جعفر بن محمد الخرائطي، بسنده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " يجاء يوم القيامة بصحفٍ مختمةٍ فتنصب بين يدي الله ﵎ فيقول للملائكة: اقبلوا هذا، وألقوا هذا؛ فتقول الملائكة: وعزتك ما رأينا إلا خيراً؛ فيقول وهو أعلم: إن هذا كان لغير وجهي، ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما ابتغي به وجهي.
قال أبو أحمد القيسراني: لقيت عبد العزيز بن قنبرة بباب الرحمة، فقال لي: أنت اليوم في دعوتي؛ ففرحت بذلك فدار المسجد فلقط بقلاً بعرقه وجاء بي إلى البيت فقال: نق البقل؛ وأخذ قدراً مكسورةً وتركها على النار وصب الماء والبقل، فلما نضج قال: كل، فإني صائم؛ وقال لي: هذا بقل المسجد وملح من المعدن جئت به مباحٌ، وقدرٌ مسكورةٌ وجدتها على المزبلة قد رماها أصحابها، وهذا حلالٌ ما فيه خلطً، وهذا الزيت في الكوز من السوق ما أدري كيف هو فإن شئت كل بزيتٍ، وإن شئت. فلا؛ قلت ما آكله إلا وحده.
стр. 8118
محمد بن محمد بن عبد الله الموصلي
ابن القاسم بن المظفر بن علي أبو حامد بن أبي الفضل بن أبي محمد بن الشهرزوري الموصلي تفقه ببغداد وتولى القضاء بدمشق نيابةً عن أبيه، وولي قضاء حلب وأعمالها، والموصل وأعمالها.
ومن شعره في مدح دمشق وأهلها: من المتقارب
سقى ربعك العارض المغدق ... وصوب الحيا أيها الجوسق
ولا زال فيك عليل النسيم ... بعرف خزامى الحمى يعبق
ولا برحتك شموس الجنوب ... من كل زاويةٍ تشرق
سكناك حيناً وغض الشباب ... بماء الصبا نضرٌ مورق
ونحن جميعاً لدى بركةٍ ... يروق لنا ماؤها البريق
كأن أنابيبها باللجي ... ن من كل ناحيةٍ تدفق
وفوارة ثأرها في السما ... ء فهي على نيله تقلق
ترد على السحب ما كان جا ... د على الأرض صيبها المغدق
مدحتك لا أنني أستطي ... ع بشكرك بين الورى أنطق
وها أنا معترفٌ بالقصو ... ر مع أنني شاعرٌ مفلق
فيا أهل جلق حياكم ... وجادكم العارض المبرق
فلولا لطافتكم لم تكن تطيب وتعذب لي جلق
إذا خفق البرق من نحوكم ... يبيت فؤادي له يخفق
إذا ما الغريب ثوى بينكم ... فكلٌ له راحمٌ مشفقٌ
وإن قال أعداؤكم عيبكم ... ملال الصديق فما صدقوا
ترى أي وقتٍ دعيتم إلى ... لقاء العدو فلم تعنقوا؟
стр. 8119
وأي مكانٍ حللتم به ... فلم يمسي من نشركم يعبق
كأنكم لسوى المكرما ... ت والضرب بالسيف لم تخلقوا
إذا كنت عاشقكم لا ألا ... م فيكم فمثلكم يعشق
نعمت بقربكم برهةً ... وجفن النوى راقدٌ مطبق
وظلت فلا عضني فيكم ... نحيبٌ ولا أملي يخفق
إلى أن قضى بالفراق الزما ... ن وقد كنت من جوره أفرق
كسوتك دمعي طليق القيا ... د وقلبي بينكم موثق
فلا تحسبوا أن طول البعا ... د من رق وجدي بكم يعتق
فإني عن عهدكم لا أحو ... ل وخير المدام الذي يعتق
محمد بن محمد بن عمر بن أحمد
ابن خشيش أبو أحمد البغدادي حدث عن يزداد بن عبد الرحمن الكاتب، بسنده إلى ابن عمر، قال: ذكر أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتماً من ذهبٍ، فجعل يعني فصه مما يلي كفه، فاتخذ الناس خواتيم، فطرحه النبي ﷺ وقال: " لا ألبسه ".
كان ثقةً.
محمد بن محمد بن عمرو أبو نصر
النيسابوري القاضي، ويعرف بالبنص حدث عن محمد بن إبراهيم بن نيروز الأنماطي، بسنده إلى عبد الله عن النبي ﷺ قال: " إن الله أوحى إلي: أي هؤلاء نزلت فهي دار هجرتك؛ المدينة أو البحرين أو قنسرين ". ومن شعر أبي نصر: من الكامل
стр. 8120
سقطت نفوس بني الكرام فأصبحوا ... يتطلبون مكاسب الأنذال
وأقل ما طلب الزمان مساءتي ... إلا صبرت وإن أضر بحالي
نفسي تراودني وتأبى همتي ... أن أستفيد غنى بذل سؤالي
دخل القاضي أبو نصر البنص مجلس الأمير سيف الدولة، فطرح من كمه كيساً فارغاً ودرجاً فيه شعرٌ، واستأذن الأمير في قراءته، فأذن له، فلما فرغ من إنشاءه ضحك الأمير وأمر له بألف درهمٍ صحاحٍ، فجعلت في كيسه الذي جاء معه، وكانت الأبيات: من الطويل
حباؤك معتادٌ وأمرك نافذٌ ... وعبدك محتاجٌ إلى ألف درهم
ولم أحظ من إنشاد شعري بطائلٍ ... ولم أعط رزقاً مثل شهر المحرم
أروح وأغدو بين عسرٍ وعلةٍ ... ودينٍ وإفلاسٍ وقلبٍ مقسم
تباعد مني ما توهمت قربه ... فلم يبق مني الهم إلا توهمي
أسأل عن أمري فأبقى لحيرتي ... وطول اكتئابي باهتاً مطبقاً فمي
لئن قلت: أنشدت الأمير قصيدةً ... كوشي رياضٍ جادها صوب مرزم
فأطلق أرزاقي وأسنى عطيتي ... وجاد بأفضالٍ علي وأنعم
كذبت وإن أصدق تكذب مقالتي ... جميع البرايا من فصيحٍ وأعجم
ومن يلتمس يوماً بفضل خصامه ... مغالبة الإجماع يغلب ويخصم
لئن لم تجد لي عاجلاً غير آجلٍ ... بألفٍ صحاحٍ لم تشب بمثلم
رجعت إلى بيتي وصفرت لحيتي ... وسميت نفسي لوردكن بن رستم
وجئت بسكينٍ وخرجٍ وخنجرٍ ... وترسٍ وزوبينٍ وقوسٍ وأسهم
وأعصب رأسي بعد ذاك بخرقةٍ ... وأحضر يوم العرض في زي ديلمي
فتفرض لي في كل شهرين بدرةً ... لشدة بأسي في الوغى وتقدمي
فآخذها حتى إذا ما بعثت بي ... مقدمةً في ماقطٍ يوم صيلمي
هربت على وجهي فراراً من العدى ... ولم آمن الجهال غب تعجمي
стр. 8121
ولم يرني الله الجليل محله ... أساعد إنساناً على قتل مسلم
ومن شاهد الأبطال في حومة الوغى ... وكان ضعيف القلب لم يتقدم
ومن يلتمس روح الحياة وطيبها ... وأحضر للهيجاء لم يتهجم
ولم يك موسى سيئ الرأي ساقطاً ... وقد فر خوفاً من توعد مجرم
ورامت يهودٌ قتل عيسى بن مريمٍ ... ففر حذار القتل عيسى بن مريم
وخاف رسول الله يوماً بمكةٍ ... فسافر يبغي مغنماً تبع مغنم
فمن أنا حتى لا أفر وإنما ... أفر كما فروا حذاراً على دمي
تغلغل في الأكراد للحين بجكمٌ ... فما أخطأت أرماحهم بطن بجكم
ألام على أني فررت ولا أرى ... قتيلاً وإن لم أخل من مترحم
وللحرب أقوامٌ يلذونها كما ... يلذ بحسن الوعد قلب المتيم
فدعهم بضرب الهام بالسيف ينعموا ... ودعني لنشر العلم في الناس أنعم
وما كل ذي ملكٍ يقاتل وحده ... فما لك للأعداء وحدك فاعلم
خصصت بإقدامٍ وبأسٍ وسطوةٍ ... تبين بها للناظر المتوسم
وفتيان صدقٍ لا يبالون من لقوا ... فقاتل بهم من شئت تغلب وتسلم
وما لي منكم غير أني أودكم ... وأدنو إليكم بالدعاء وأنتمي
وأشكو من الأيام صولة حادثٍ ... لجوجٍ ملحٍ دائم اللزمبرم
وأغلظ في الشكوى لكيما ترق لي ... وأحلف إن كذبتني في تظلمي
وحق رسول الله والعترة التي ... تحب فتنجي من عذاب جهنم
لقد صمت أياماً وما صمت طائعاً ... ولكنني صومت تصويم معدم
ولم يجر لي بالصوم في الدهر عادةٌ ... سوى ذلك الشهر الشريف المعظم
فصلني بألفٍ رابحٍ غير واثبٍ ... أصلك بشكرٍ واضحٍ غير مبهم
وها ذاك كيسي فارغاً قد حملته ... لتملأه فاملأه يا خير منعم
стр. 8122
محمد بن محمد بن عمير بن محمد
ابن مسلم بن عبد الله أبو بكر الجهني مولاهم ولاؤهم لبني طلحة، وبنو طلحة من ولد عمرو بن مرة الجهني الصحابي.
حدث عن محمد بن أحمد بن سيد حمدونة؛ بسنده إلى أنس بن مالك، قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم خيبر والنضير على حمارٍ بإكافٍ مخطومٍ بحبل ليفٍ، قال أنس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يا أيها الناس دعوا الدنيا، ثلاث مرات ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه فإنما يأخذ حتفه وهو لا يشعر ".
محمد بن محمد بن عيسى بن محمد
أبو الفضل الإسفراييني قدم دمشق.
وحدث عن أحمد بن محمد بن الحسين الشيرازي، بسنده إلى علي بن أبي طالب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " كلمة الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أحق بها ".
محمد بن محمد بن القاسم الدمشقي
أبي حذيفة بن عبد الغني أبو علي الدمشقي حدث عن أبي علي أحمد بن محمد بن أبي الحناجر، بسنده إلى عبد الله، أن النبي ﷺ صلى فزاد أو نقص فقيل له: أحدث في الصلاة شيءٌ؟ قال: " لو حدث لأنبأتكم، هل أنا إلا بشرٌ مثلكم أنسى كما تنسون، فأيكم زاد في صلاته أو نقص فليتحر الصواب، وليتم وليسجد سجدتي السهو ".
стр. 8123
وحدث عنه بسنده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " طلب العلم فريضةٌ على كل مسلمٍ ".
توفي محمد بن محمد بن أبي حذيفة سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مئة.
محمد بن محمد بن أسد
أبو الحسن الخشاب حدث عن عبد الرحمن بن إسماعيل الكوفي، بسنده إلى أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : " أصل كل داءٍ البردة " وقع في هذا المكان: البرد؛ قال: والصواب: البردة، يعني التخمة، بزيادة هاء.
محمد بن محمد بن محمد بن الحسين
ابن علي أبو الموفق النيسابوري حدث في مسجد النيرب. عن أبي الحسن أحمد بن محمد بن عمران، بسنده إلى أنس بن مالك، قال: سئل رسول الله ﷺ : من الراسخون في العلم؟ قال: " من صدق حديثه، وبر في يمينه، وعف بطنه وظهره، فذلك الراسخون في العلم ".
أخبر بوفاة أبي الموفق في سنة تسعٍ وعشرين وأربع مئة، وكان ببغداد قد ادعى أنه هاشمي، وطلبه النقيب فهرب منه.
محمد بن محمد بن محمد بن أحمد
ابن منصور أبو الغنائم البصري المقرئ، المعروف بابن الغراء حدث عن محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله الكلبي الزاهد، بسنده إلى أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " قد فرغ الله إلى كل عبدٍ من خمسٍ: من أثره وعمله ورزقه وأجله ومضجعه ".
стр. 8124
توفي أبو الغنائم بن الغراء سنة اثنتين وستين وأربع مئة.
محمد بن محمد بن محمد الصوفي
ابن عبد الرحمن أبو عبد الله بن أبي نصر الطالقاني الصوفي
حدث بدمشق سنة تسعٍ وخمسين وأربع مئة عن أبي عبد الرحمن السلمي، بسنده إلى أبي الحسين النوري، قال:
رأيت غلاماً جميلاً ببغداد فنظرت إليه، ثم أردت أن أردد النظر فقلت له: تلبسون النعال الصرارة وتمشون في الطرقات؟ قال: أحسنت أتجمش بالعلم؛ ثم أنشأ يقول: من الطويل
تأمل بعين الحق إن كنت ناظراً ... إلى صفةٍ فيها بدائع فاطر
ولا تعط حظ النفس منها لما بها ... وكن ناظراً بالحق قدرة قادر
توفي أبو عبد الله سنة ستٍ وستين وأربع مئة، وقيل: سنة ثلاثٍ وستين.
محمد بن محمد بن محمد أبو حامد
الطوسي المعروف بالغزالي، الفقيه الشافعي كان إماماً في الفقه مذهباً وخلافاً، وفي أصول الديانات والفقه، وولي التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد، وخرج إلى الشام زائراً للبيت المقدس، وقدم دمشق سنة تسعٍ
стр. 8125
وثمانين وأربع مئة، ودرس فتطوش، ثم ترك التدريس والمناظرة واشتغل بالعبادة، وكان حجة الإسلام والمسلمين، وإمام أئمة الدين، لم تر العيون مثله لساناً وبياناً ونطقاً وخاطراً وذكاءً؛ وقد نيسابور واختلف إلى درس إمام الحرمين، وجد واجتهد حتى بذ الأقران وصار واحد أقرانه في أيام إمام الحرمين، وبلغ الأمر به إلى أن أخذ في التصنيف؛ وكان الإمام مع علو درجته لا يصفي نظره إلى الغزالي ستراً لإنافته عليه في سرعة العبارة، وقوة الطبع، ولا يطيب له تصديه للتصانيف، وإن كان منتسباً إليه كما لا يخفى من طباع البشر، لكنه يظهر التبجح به والاعتداد بمكانه ظاهراً خلاف ما يضمر، وبقي كذلك إلى انقضاء أيام الإمام فخرج من نيسابور وصار إلى المعسكر وحل من مجلس نظام الملك محل القبول، وأقبل عليه، وكانت تلك الحضرة محل رحال العلماء، ووقعت للغزالي اتفاقاتٌ حسنةٌ من الاحتكاك بالأئمة، وملاقاة الخصوم اللد، ومناظرة الفحول؛ فظهر اسمه في الآفاق ورسم له بالمصير إلى النظامية للتدريس بها، وصار بعد إمامة خراسان إمام العراق، ثم نظر في علم الأصول وصنف فيها تصانيف، وحرر المذهب والخلاف، وصنف فيهما تصانيف وعلت درجته وحشمته في بغداد حتى كان يغلب حشمه الأكابر والأمراء ودار الخلافة، فانقلب الأمر من وجهٍ آخر وظهر عليه بعده ذلك طريق التزهد والتأله، فترك الحشمة، وطرح ما نال من الدرجة، فخرج عما كان فيه، وحج ودخل الشام، وأقام في تلك الديار قريب عشر سنين يزور المشاهد المعظمة؛ وأخذ في التصانيف التي لم يسبق إليها، مثل إحياء علوم الدين، والأربعين وغيرها من التصانيف التي من تأملها علم محل الرجل من فنون العلم؛ وأخذ في مجاهدة النفس وتغيير الأخلاق، فانقلب شيطان الرعونة وطلب الرئاسة إلى سكون النفس وكرم الأخلاق ووقف الأوقات على هداية الخلق ودعائهم إلى ما يعنيهم من أمر الآخرة وتبغيض الدنيا، ثم عاد إلى وطنه لازماً بيته، مشتغلاً بالتفكر، ملازماً للوقت حتى انتهت نوبة الوزارة إلى فخر الدولة جمال الشهداء وقد تحقق مكان الغزالي وفضله، فحضره وسمع كلامه وتبرك به واستدعى منه أن يبقي أنفاسه وفوائده عقيمةً لا استفادة منها ولا اقتباس من
следующие страницы →