← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 8121–8160 · переход к 8126.

стр. 8121

ولم يرني الله الجليل محله ... أساعد إنساناً على قتل مسلم ومن شاهد الأبطال في حومة الوغى ... وكان ضعيف القلب لم يتقدم ومن يلتمس روح الحياة وطيبها ... وأحضر للهيجاء لم يتهجم ولم يك موسى سيئ الرأي ساقطاً ... وقد فر خوفاً من توعد مجرم ورامت يهودٌ قتل عيسى بن مريمٍ ... ففر حذار القتل عيسى بن مريم وخاف رسول الله يوماً بمكةٍ ... فسافر يبغي مغنماً تبع مغنم فمن أنا حتى لا أفر وإنما ... أفر كما فروا حذاراً على دمي تغلغل في الأكراد للحين بجكمٌ ... فما أخطأت أرماحهم بطن بجكم ألام على أني فررت ولا أرى ... قتيلاً وإن لم أخل من مترحم وللحرب أقوامٌ يلذونها كما ... يلذ بحسن الوعد قلب المتيم فدعهم بضرب الهام بالسيف ينعموا ... ودعني لنشر العلم في الناس أنعم وما كل ذي ملكٍ يقاتل وحده ... فما لك للأعداء وحدك فاعلم خصصت بإقدامٍ وبأسٍ وسطوةٍ ... تبين بها للناظر المتوسم وفتيان صدقٍ لا يبالون من لقوا ... فقاتل بهم من شئت تغلب وتسلم وما لي منكم غير أني أودكم ... وأدنو إليكم بالدعاء وأنتمي وأشكو من الأيام صولة حادثٍ ... لجوجٍ ملحٍ دائم اللزمبرم وأغلظ في الشكوى لكيما ترق لي ... وأحلف إن كذبتني في تظلمي وحق رسول الله والعترة التي ... تحب فتنجي من عذاب جهنم لقد صمت أياماً وما صمت طائعاً ... ولكنني صومت تصويم معدم ولم يجر لي بالصوم في الدهر عادةٌ ... سوى ذلك الشهر الشريف المعظم فصلني بألفٍ رابحٍ غير واثبٍ ... أصلك بشكرٍ واضحٍ غير مبهم وها ذاك كيسي فارغاً قد حملته ... لتملأه فاملأه يا خير منعم

стр. 8122

محمد بن محمد بن عمير بن محمد ابن مسلم بن عبد الله أبو بكر الجهني مولاهم ولاؤهم لبني طلحة، وبنو طلحة من ولد عمرو بن مرة الجهني الصحابي. حدث عن محمد بن أحمد بن سيد حمدونة؛ بسنده إلى أنس بن مالك، قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم خيبر والنضير على حمارٍ بإكافٍ مخطومٍ بحبل ليفٍ، قال أنس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يا أيها الناس دعوا الدنيا، ثلاث مرات ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه فإنما يأخذ حتفه وهو لا يشعر ". محمد بن محمد بن عيسى بن محمد أبو الفضل الإسفراييني قدم دمشق. وحدث عن أحمد بن محمد بن الحسين الشيرازي، بسنده إلى علي بن أبي طالب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " كلمة الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أحق بها ". محمد بن محمد بن القاسم الدمشقي أبي حذيفة بن عبد الغني أبو علي الدمشقي حدث عن أبي علي أحمد بن محمد بن أبي الحناجر، بسنده إلى عبد الله، أن النبي ﷺ صلى فزاد أو نقص فقيل له: أحدث في الصلاة شيءٌ؟ قال: " لو حدث لأنبأتكم، هل أنا إلا بشرٌ مثلكم أنسى كما تنسون، فأيكم زاد في صلاته أو نقص فليتحر الصواب، وليتم وليسجد سجدتي السهو ".

стр. 8123

وحدث عنه بسنده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " طلب العلم فريضةٌ على كل مسلمٍ ". توفي محمد بن محمد بن أبي حذيفة سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مئة. محمد بن محمد بن أسد أبو الحسن الخشاب حدث عن عبد الرحمن بن إسماعيل الكوفي، بسنده إلى أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : " أصل كل داءٍ البردة " وقع في هذا المكان: البرد؛ قال: والصواب: البردة، يعني التخمة، بزيادة هاء. محمد بن محمد بن محمد بن الحسين ابن علي أبو الموفق النيسابوري حدث في مسجد النيرب. عن أبي الحسن أحمد بن محمد بن عمران، بسنده إلى أنس بن مالك، قال: سئل رسول الله ﷺ : من الراسخون في العلم؟ قال: " من صدق حديثه، وبر في يمينه، وعف بطنه وظهره، فذلك الراسخون في العلم ". أخبر بوفاة أبي الموفق في سنة تسعٍ وعشرين وأربع مئة، وكان ببغداد قد ادعى أنه هاشمي، وطلبه النقيب فهرب منه. محمد بن محمد بن محمد بن أحمد ابن منصور أبو الغنائم البصري المقرئ، المعروف بابن الغراء حدث عن محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله الكلبي الزاهد، بسنده إلى أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " قد فرغ الله إلى كل عبدٍ من خمسٍ: من أثره وعمله ورزقه وأجله ومضجعه ".

стр. 8124

توفي أبو الغنائم بن الغراء سنة اثنتين وستين وأربع مئة. محمد بن محمد بن محمد الصوفي ابن عبد الرحمن أبو عبد الله بن أبي نصر الطالقاني الصوفي حدث بدمشق سنة تسعٍ وخمسين وأربع مئة عن أبي عبد الرحمن السلمي، بسنده إلى أبي الحسين النوري، قال: رأيت غلاماً جميلاً ببغداد فنظرت إليه، ثم أردت أن أردد النظر فقلت له: تلبسون النعال الصرارة وتمشون في الطرقات؟ قال: أحسنت أتجمش بالعلم؛ ثم أنشأ يقول: من الطويل تأمل بعين الحق إن كنت ناظراً ... إلى صفةٍ فيها بدائع فاطر ولا تعط حظ النفس منها لما بها ... وكن ناظراً بالحق قدرة قادر توفي أبو عبد الله سنة ستٍ وستين وأربع مئة، وقيل: سنة ثلاثٍ وستين. محمد بن محمد بن محمد أبو حامد الطوسي المعروف بالغزالي، الفقيه الشافعي كان إماماً في الفقه مذهباً وخلافاً، وفي أصول الديانات والفقه، وولي التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد، وخرج إلى الشام زائراً للبيت المقدس، وقدم دمشق سنة تسعٍ

стр. 8125

وثمانين وأربع مئة، ودرس فتطوش، ثم ترك التدريس والمناظرة واشتغل بالعبادة، وكان حجة الإسلام والمسلمين، وإمام أئمة الدين، لم تر العيون مثله لساناً وبياناً ونطقاً وخاطراً وذكاءً؛ وقد نيسابور واختلف إلى درس إمام الحرمين، وجد واجتهد حتى بذ الأقران وصار واحد أقرانه في أيام إمام الحرمين، وبلغ الأمر به إلى أن أخذ في التصنيف؛ وكان الإمام مع علو درجته لا يصفي نظره إلى الغزالي ستراً لإنافته عليه في سرعة العبارة، وقوة الطبع، ولا يطيب له تصديه للتصانيف، وإن كان منتسباً إليه كما لا يخفى من طباع البشر، لكنه يظهر التبجح به والاعتداد بمكانه ظاهراً خلاف ما يضمر، وبقي كذلك إلى انقضاء أيام الإمام فخرج من نيسابور وصار إلى المعسكر وحل من مجلس نظام الملك محل القبول، وأقبل عليه، وكانت تلك الحضرة محل رحال العلماء، ووقعت للغزالي اتفاقاتٌ حسنةٌ من الاحتكاك بالأئمة، وملاقاة الخصوم اللد، ومناظرة الفحول؛ فظهر اسمه في الآفاق ورسم له بالمصير إلى النظامية للتدريس بها، وصار بعد إمامة خراسان إمام العراق، ثم نظر في علم الأصول وصنف فيها تصانيف، وحرر المذهب والخلاف، وصنف فيهما تصانيف وعلت درجته وحشمته في بغداد حتى كان يغلب حشمه الأكابر والأمراء ودار الخلافة، فانقلب الأمر من وجهٍ آخر وظهر عليه بعده ذلك طريق التزهد والتأله، فترك الحشمة، وطرح ما نال من الدرجة، فخرج عما كان فيه، وحج ودخل الشام، وأقام في تلك الديار قريب عشر سنين يزور المشاهد المعظمة؛ وأخذ في التصانيف التي لم يسبق إليها، مثل إحياء علوم الدين، والأربعين وغيرها من التصانيف التي من تأملها علم محل الرجل من فنون العلم؛ وأخذ في مجاهدة النفس وتغيير الأخلاق، فانقلب شيطان الرعونة وطلب الرئاسة إلى سكون النفس وكرم الأخلاق ووقف الأوقات على هداية الخلق ودعائهم إلى ما يعنيهم من أمر الآخرة وتبغيض الدنيا، ثم عاد إلى وطنه لازماً بيته، مشتغلاً بالتفكر، ملازماً للوقت حتى انتهت نوبة الوزارة إلى فخر الدولة جمال الشهداء وقد تحقق مكان الغزالي وفضله، فحضره وسمع كلامه وتبرك به واستدعى منه أن يبقي أنفاسه وفوائده عقيمةً لا استفادة منها ولا اقتباس من

стр. 8126

أنوارها، وألح عليه إلى أن أجاب إلى الخروج، وحمل إلى نيسابور، وسئل عن كيفية الرجوع إلى نيسابور فقال: ما كنت أجوز أن أقف عن منفعة الطالبين بالإفادة؛ ثم ترك ذلك وعاد إلى بيته واتخذ في جواره مدرسةً لطلبة العلم وخانقاه للصوفية، وكان قد وزع أوقاته على وظائف الحاضرين من ختم القرآن، ومجالسة أهل القلوب، والقعود للتدريس بحيث لا يخلو لحظةً من لحظاته ولحظات من معه عن فائدةٍ إلى أن نقله الله إلى كريم جواره بعد مقاساة أنواع من القصد والمناوأة من الخصوم، والسعي به إلى الملوك، وكفى به الله وحفظه، وكانت خاتمة أمره إقباله على حديث المصطفى ومجالسة أهله؛ وتوفي سنة خمسٍ وخمس مئة، ودفن بظاهر قصبة طابران بمدينة طوس. محمد بن محمد بن مرزوق البعلبكي حدث عن الوليد بن مسلم، بسنده إلى أبي بكرة أنه دخل المسجد والناس ركوعٌ، فركع دب راكعاً حتى دخل الصف؛ فقال له رسول الله ﷺ : " زادك الله حرصاً ولا تعد ". وحدث عنه بسنده إلى أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " تفضل صلاة الرجل في جماعةٍ على صلاته خمساً وعشرين درجة ". محمد بن محمد بن مكي بن يوسف أبو أحمد الجرجاني القاضي حدث عن علي بن محمد الصائغ، بسنده إلى أنس قال: جاء علي إلى النبي ﷺ ومعه ناقةٌ، فقال رسول الله ﷺ : " ما هذه الناقة؟ " قال: حملني عليها عثمان؛ فقال النبي ﷺ : " يا علي اتق الدنيا فإن من كثر

стр. 8127

شيئه كثر شغله، ومن كثر شغله اشتد حرصه، ومن اشتد حرصه كثر همه ونسي ربه، فما ظنك يا علي بمن نسي ربه ". هذا حديثٌ منكرٌ. وحدث عن أبي الحسن محمد بن إسماعيل المروزي، بسنده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا دعوتم لأحدٍ من اليهود والنصارى فقولوا: أكثر الله مالك وولدك ". ومن شعره: من الطويل إذا المرء لم يحسن مع الناس عشرةً ... وكان بجهلٍ منه بالمال معجباً ولم تره يقضي الحقوق فإنه ... حقيقٌ بأن يقلى وأن يتجنبا ومن شعره أيضاً: من الوافر مضى زمنٌ وكان الناس فيه ... كراماً لا يخالطهم خسيس فقد دفع الكرام إلى زمانٍ ... أخس رجالهم فيه رئيس تعطلت المكارم يا خليلي ... وصار الناس ليس لهم نفوس محمد بن محمد بن يحيى بن محمد ابن عبد الله بن محمد بن زكريا أبو علي السلمي الحبيشي الأديب، أخو أبي القاسم السميساطي حدث عن أبي علي الحسن بن عبد الله الكندي، بسنده إلى جابر بن عبد الله قال: ما كان نبي الله ﷺ ينام حتى يقرأ " ألم " السجدة و" تبارك الذي بيده الملك ".

стр. 8128

ومن شعره: من السريع فضيلة الإنسان في نفسه ... وفعله الصادر عن حسه وإنما الغبطة أو ضدها ... بعد حلول المرء في رمسه توفي أبو علي السلمي بدمشق سنة سبع عشرة وأربع مئة. محمد بن محمد بن يعقوب بن إسماعيل ابن الحجاج بن الجراح أبو الحسين النيسابوري الحجاجي الحافظ المقرئ أحد علماء أهل نيسابور وثقاتهم. حدث عن الحسن بن حبيب بن عبد الملك، بسنده إلى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " يا معشر الفقراء ألا أبشركم أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم خمسة مئة عام ". وحدث عن محمد بن إسحاق السراج، بسنده إلى ابن عمر، قال: قال عمر: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم فقد رجم رسول الله ﷺ ورجمناه بعده، وذكر الحديث. زاد في آخر معناه: فيقول قائلٌ: حدان في كتاب الله؛ فقد رأيتم رسول الله ﷺ رجم ورجمنا بعده، الحديث. وكان أبو الحسين من الصالحين المجتهدين في العبادة. قال محمد بن عبد الله الحافظ: صحبت أبا الحسين نيفاً وعشرين سنة بالليل والنهار، فما أعلم أني علمت أن الملك كتب عليه خطيئةً. توفي أبو الحسين الحجاجي سنة ثمانٍ وستين وثلاث مئة.

стр. 8129

محمد بن مارح بن محمد بن جيش أبو عبد الله المقدسي الفقيه قدم دمشق، وأنشد لابن أبي السخباء الأديب: من الكامل ومهفهفٍ عبث السقام بطرفه ... وسرى فخيم في معاقد خصره يعطيك منطقه قلائد لفظه ... فتكون أثمن من قلائد نحره مزقت أثواب الظلام بنحره ... ثم انثنيت أحوكهن بشعره محمد بن ما شاء الله أبو الحسن المقرئ الضرير حدث بدمشق، قال: سئل أبو بكر بن الأنباري عن رجلٍ شكر رجلاً في نعمةٍ أنعم بها عليه؛ فقال: إن الله يحب من العبد إذا أوتي نعمةً أن يشكرها، لأن الله قال: " واشكوا لي ولا تكفرون " وأنشد: من الطويل فلو كان يستغني عن الشكر منعمٌ ... لعزة مجدٍ أو علو مكان لما أمر الله العباد بشكره ... فقال: اشكروا لي أيها الثقلان محمد بن مانك أبو عبد الله السجستاني أحد الصوفية الصالحين، سكن أنطاكية، وقدم دمشق قال أبو عبد الله بن مانك: ركبت في البحر من يافا ومعي رفيقٌ لي فلما سار بنا المركب هدأت الريح

стр. 8130

وطلبوا مرسىً، وكان إلى جانبي شابٌ حسن الوجه فخرج إلى الساحل فدخل بين أشجارٍ هناك ثم رجع إلى المركب، فلما غابت الشمس قال لي ولصاحبي: إني ميتٌ الساعة، ولي إليكما حاجةٌ، إذا أنا مت فكفنوني بما في الرزمة، وهذه الثياب التي علي ومخلاتي، إذا دخلتم صور فأول من يلقاكم فيقول لكم: هاتم الأمانة فادفعوها إليه؛ فلما صلينا المغرب حركنا الرجل فإذا هو قد مات، فحملناه إلى الشط وأخذنا في غسله، ففتحت الرزمة التي فيها الكفن، فإذا فيها ثوبان أخضران مكتوبان بالذهب، وثوبٌ أبيض فيه صرةٌ فيها شيءٌ كأنه الكافور ورائحته رائحة المسك، فغسلناه وكفناه في ذلك الكفن، وحنطناه بما في الصرة من الطيب، وصلينا عليه، ودفناه ﵀؛ فلما صرنا إلى صور استقبلنا غلامٌ أمردٌ حسن الوجه عليه ثوبٌ شربٌ على رأسه منديلٌ دبيقي، فسلم علينا، وقال: هاتم الأمانة؛ فقلنا: نعم، ولكن تدخل معنا إلى هذا المسجد نسألك عن مسألةٍ؛ قال: نعم؛ فدخل معنا، فقلنا له: أخبرنا من الميت، ومن أنت، ومن أين كان له ذلك الكفن؟ فقال: أما الميت فكان من البدلاء الأربعين، وأنا بديله، وأما الكفن فإنه جاءه به الخضر ﵇، وعرفه بأنه ميتٌ؛ ثم لبس الثياب التي كانت معنا، ودفع إلينا الكسوة التي كانت عليه؛ فقال: بيعوها وتصدقوا بثمنها إن لم تحتاجوا إليه؛ فأخذناها ودخلنا إلى صور، فدفعنا السراويل وفيه التكة إلى المنادي نبيعه، فلم نشعر إلا والمنادي قد جاء ومعه جماعةٌ فأخذونا إلى دارٍ كبيرةٍ، وإذا شيخٌ يبكي وصراخ النساء في الدار، فسألنا الشيخ عن السراويل والتكة، فحدثناه الحديث فخر لله ساجداً؛ وقال الحمد لله الذي أخرج من صلبي مثله، ثم صاح بأمه وحدثناها الحديث، فقال لها الشيخ: احمدي الله الذي رزقنا مثله؛ فلما كان بعد سنتين كنت واقفاً بعرفات فإذا أنا بشابٍ حسن الوجه عليه مطرف خز، فسلم علي وقال: أنا صاحب الأمانة الصوري؛ ثم ودعني وقال: لولا أن أصحابي ينتظروني لأقمت معك؛ ثم مضى فإذا أنا بشيخٍ خلفي من أهل المغرب كنت اعرفه يحج كل سنةٍ؛ فقال لي: من أين تعرف هذا الشاب؟ فقلت: هذا يقال: إنه من الأربعين؛ فقال لي: هو اليوم من العشرة وبه يغاث العباد.

стр. 8131

سئل أبو عبد الله بن مانك عن المراقبة فقال: إذا كنت فاعلاً فانظر نظر الله إليك، وإذا كنت قائلاً فانظر سمع الله إليك، وإذا كنت شاكياً فانظر علم الله فيك؛ قال الله تعالى: " إنني معكما أسمع وأرى " وقال: " يعلم ما في أنفسكم فاحذروه " وكان يقول: الرجال ثلاثةٌ: رجلٌ شغل بمعاشه عن معاده فهذا هالكٌ، ورجلٌ شغل بمعاده عن معاشه فهذا فائزٌ، ورجلٌ اشتغل بهما فهذا مخاطرٌ مرةً له ومرةً عليه. حج أبو عبد الله هذا سنة تسعٍ وأربعين وثلاث مئة. محمد بن المبارك بن يعلى أبو عبد الله القرشي الصوري سكن دمشق حدث عن يحيى بن حمزة، بسنده إلى قزعة، قال: شيعت ابن عمر فقال: تعال أودعك كما ودعني رسول الله ﷺ : " أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك ". وحدث بسنده إلى عبد الله بن بدر الجهني، أن رسول الله ﷺ قال لهم يوماً: " هذا يوم عاشوراء فصوموه " فقام رجل من بني عمرو بن عوف فقال: يا نبي الله إني تركت قومي منهم صائمٌ ومنهم مفطرٌ؛ فقال: " اذهب إليهم فمن كان مفطراً فليتم صومه ". ولد محمد بن المبارك سنة ثلاثٍ وخمسين ومئة، وتوفي سنة خمس عشرة ومئتين.

стр. 8132

قال محمد بن المبارك: اعمل لله فإنه أنفع لك من العمل لنفسك، فإذا عملت لله فاعمل للدار التي تحتاج إلى نزولها غداً عند الله . سئل محمد بن المبارك: ما علامة المحبة لله؟ فقال: المراقبة للمحبوب، والتحري لمرضاته؛ ثم قال: من أعطي من المحبة شيئاً فلم يعط من الخشية مثله فهو مخدوعً. قال محمد بن المبارك: لكل شيءٍ ثمرةٌ، وثمرة المعرفة الإقبال على الله . قال محمد بن المبارك: بينا أنا أجول في جبال بيت المقدس، إذا أنا بشخصٍ منحدرٍ من جبلٍ، فتأملته فإذا هو امرأةٌ، وعليها مدرعةٌ من صوف وخمارٌ من صوفٍ، فلما دنت مني سلمت علي فرددت ﵍؛ فقالت: يا هذا من أين أقبلت؟ قلت لها: غريبٌ قالت: يا سبحان الله، وتجد مع سيدك وحشة الغربة، وهو مؤنس الغرباء ومحث الفقراء؟ قال: فبكيت؛ فقالت: يا هذا مم بكاؤك؟ ما أسرع ما وجدت طعم الدواء؟ قلت: أولا يبكي العليل إذا وجد طعم العافية؟ قالت: لا؛ قلت: ولم ذاك؟ قالت: إنه ما وجد القلب خادماً هو أحب إليه من البكاء، ولا وجد البكاء خادماً هو أحب إليه من الشهيق والزفير في البكاء؛ فقلت لها: عظيني؛ فأنشأت تقول: من مخلع البسيط دنياك غرارةٌ فذرها ... فإنها مركبٌ جموح دون بلوغ الجهول منها ... منيته نفسه تطوح لا ترد الشر واجتنبه ... فإنه فاحشٌ قبيح والخير خيرٌ فدم عليه ... فإنه واسعٌ فسيح فقلت لها: زيدي في الموعظة؛ فقالت: سبحان الله، ما كان في موعظتنا من الفائدة ما يغنيك؟ فقلت لها: لا غناء عن طلب الزوائد؛ فقالت: يجب أن تحب ربك شوقاً إلى لقائه، فإن له يوماً يتجلى فيه لأوليائه.

стр. 8133

محمد بن المبارك أبو عبد الله الصوري حدث بدمشق عن الفضل بن سعيد الأزرق؛ قال: أتيت راهباً في جبل الأسود فناديته فأشرف علي فقلت له: يا راهب؛ بأي شيء تستخرج الأحزان؟ قال: بطول الانفراد، وتذكر الذنوب، وأخبرك أني ما رأيت شيئاً أجلب لدواعي الحزن من أوكارها من الوحدة؛ قال: فقلت له: وما ترى في المكتسب؟ قال: ذاك زاد المتقين؛ قال: قلت: إنما أعني الطلب؛ قال: وأنا أيضاً أعني الطلب؛ قال: قلت: الرجل يلزم سوقاً من الأسواق ويكتسب الشيء يعود به على نفسه؛ قال: من أمر الدنيا أم من أمر الآخرة؟ قال: قلت: من أمر الدنيا، قال: ذلك شيء قد كفيه الصديقون، وهل ينبغي للمتقي أن يتشاغل عن الله بشيءٍ؟. قال الفضل: فلقيت رشد بن سعد فحدثته حديث الراهب، فقال: صدق، قرأت في كتب الحكمة: لا ينبغي للصديق أن يكون صاحب حانوتٍ. قال محمد بن المبارك: حدثني علي بن محمد النصري قال: انتهيت إلى راهبٍ في صومعته فناديته: يا راهب متى ترحل الدنيا من القلب؟ فصاح صيحةً خر مغشياً عليه، فارتقبته حتى أحسست إفاقته فقلت: يا راهب أجبني؛ قال: وسألتني عن شيء؟ قلت: نعم؛ قال: وما هو؟ قال: قلت لك: متى ترحل الدنيا عن القلب؟ فصاح صيحة أكبر من ذلك، وغشي عليه أكثر من تلك، فلما أفاق قلت له: يا راهب أنا منذ اليوم منتظرك؛ قال: يا هذا وسألتني عن شيءٍ؟ قلت: نعم؛ قال: وما هو؟ قلت: متى ترحل الدنيا من القلب؟ قال: يا هذا والله لا ترحل الدنيا أبداً من القلب، والعين تنظر إلى أهلها، والأذن تسمع كلامهم، وهو والله ما أقول لك، حتى يأوي مريد الله إلى أكناف الجبال وبطون الغيران مع الوحش، يرد مواردها ويرعى مراعيها، لا يرى أن النعمة على أحدٍ أسبغ منها عليه، وكيف وأنى له بالنجاة والتخلص وقد بقيت بين يديه عقبةٌ صعودٌ كدودٌ؟ قال: قلت: وما هي؟ قال: إبليس متصدياً على باب الله يريد أن يقطع ظهره بالغلبة حتى يقف من الله مواقف العابدين.

стр. 8134

قال محمد بن المبارك: حدثني إسماعيل بن زياد قال: قدم علينا راهب ونحن بعبادان وكان من الشام، فنزل دير ابن أبي كبشة فذكر لي من حسن كلامه ما شوقني إلى لقائه، فأتيته وحوله أناسٌ، وهو يقول: إن لله عباداً سمت بهم هممهم نحو عظيم الذخائر، فاحتقروا ما دون ذلك من الأخطار والتمسوا من فضل سيدهم توفيقاً يبلغهم، فإن استطعتم أيها المرتحلون عن قريبٍ أن تأخذوا ببعض هيئتهم فإنهم قومٌ ملأت الآخرة قلوبهم، فلم تجد الدنيا فيها مكيداً؛ فالحزن بثهم، والدموع راحتهم، والإشفاق سبيلهم، وحسن الظن بالله قربانهم، يحزنون لطول المكث في الدنيا، إذا فرح أهلها فهم مسجونون، وإلى الآخرة متطلعون؛ قال: فما سمعت موعظةً كانت أخف لقلبي منها. حدث محمد بن المبارك، بسنده إلى عبد الواحد بن زيد، قال: نزلنا على راهبٍ بعبادان فأحسن قرانا، فلما هدأت العيون وثب فأخرج مصباحاً فعلقه تجاه القبلة، ثم قام يبكي وينادي: سيدي لك ترهب المترهبون، وإليك أخلص المبتهلون، رهبةً منك ورجاءً لعفوك فيا إله الحق ارحم دعاء المستصرخين، واعف عن جرائم الغافلين، وزد في إحسان المنيبين يوم الوفود عليك، رحمتك يا كريم؛ فلم يزل كذلك حتى أصبح. وحدث محمد بن المبارك، بسنده إلى يزيد الحميري، قال: ما لقيني حسان الزاهد قط إلا قال لي: يا يزيد احذر لا تطفئ المصباح من بيتك فيدخل عليك اللصوص فيحزنوك؛ قلت ليزيد: ما أراد بذلك حسان؟ قال: أراد أن لا تخل قلبك من ذكر الله فيدخل عليك الشيطان فيفسد عليك أمر دينك.

стр. 8135

محمد بن المتوكل أبي السري ابن عبد الرحمن بن حسان أبو عبد الله العسقلاني، مولى بني هاشم حدث عن سفيان بن عيينة بسنده إلى عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يضع رأسه في حجر إحدانا وهي حائضٌ ثم يقرأ القرآن. قال محمد بن أبي السري: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقلت يا رسول الله، استغفر لي؛ فقلت: يا رسول الله، إن ابن عيينة حدثنا عن أبي الزبير عن جابر، أنك ما سئلت شيئاً قط فقلت: لا؛ فتبسم ﷺ واستغفر لي. قال محمد بن المتوكل العسقلاني: رأيت النبي ﷺ في النوم، فقلت له: يا رسول الله: إن سفيان بن عيينة حدثني عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: أنك كنت ترفع يديك إذا افتتحت الصلاة، وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع؛ فقال ﷺ : " صدق سفيان، صدق الزهري، صدق سالم، صدق ابن عمر، هكذا كنت أصلي ". قال محمد بن أبي السري: رأيت النبي ﷺ في المنام، فدنوت منه، فقلت: يا نبي الله، كيف تقرأ هذا الحرف " والعنهم لعناً كبيراً " فسكت عني، فقلت يا رسول الله، حدثنا ابن عيينة عن ابن المنكدر، عن جابر، أنك ما سئلت شيئاً قط فقلت: لا؛ قال: " والعنهم لعناً كبيراً كبيراً " وفي حديثٍ آخر بمعناه قال: كثيراً كثيراً كثيراً. توفي محمد بن المتوكل سنة ثمانٍ وثلاثين ومئتين.

стр. 8136

محمد بن المحسن بن الحسين بن الحسن ابن عبد الرحمن بن مروان أبو عبد الله الأزدي الأذني نزيل مصر. حدث عن أبي الحارث أحمد بن محمد بن عمارة بن أحمد بن أبي الخطاب، بسنده إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : " ألم أخبر أنك تصوم النهار، وتقوم الليل؟ " قلت: بلى يا رسول الله؛ قال: " فلا تفعل، نم وقم وصم وأفطر، فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً، وبحسبك أن تصوم من كل شهرٍ ثلاثة أيامٍ، فإن بكل حسنةٍ عشر أمثالها فإذا ذلك صيام الدهر كله فشددت فشدد علي " فقلت: يا رسول الله إني أجد قوةً؛ قال: " فصم صيام نبي الله داود، ولا تزد عليه " قلت: وما كان صيام نبي الله داود؟ قال: " نصف الدهر ". محمد بن مرزوق بن عبد الرزاق ابن محمد بن عثمان بن أحمد أبو الحسن ابن الزعفراني الجلاب الفقيه الشافعي حدث عن أبي طاهر جعفر بن محمد بن الفضل القرشي، بسنده إلى عبد الله، قال: قال لي رسول الله ﷺ : " إن الله يفتح أبواب السماء الدنيا ثم يبسط يده؛ ألا عبدٌ يسألني فأعطيه، فلا يزال كذلك حتى يسطع الفجر ". ولد أبو الحسن بن مرزوق سنة اثنتين وأربعين وأربع مئة، وتوفي سنة سبع عشرة وخمس مئة.

стр. 8137

محمد بن مروان بن الحكم بن أبي العاص أخو عبد الملك. له غزواتٌ كثيرة كان محمد بن مروان قوياً في بدنه، شديد البأس؛ فكان عبد الملك يحسده على ذلك وعلى أشياء كان يراها منه، وكان يدابره ويساتره حتى قتل مصعب بن الزبير وانتظمت له الأمور فجعل يبدي الشيء بعد الشيء ما في نفسه، ويقابله بما يكره من القول ويبلغه عنه أكثر من ذلك؛ فلما رأى محمد ما أظهر له عبد الملك تهيأ للرحيل إلى أرمينية، وأصلح شأنه وجهازه ورحلت إبله حتى إذا استقلت للمسير دخل على عبد الملك مودعاً؛ فلما خاطبه قال عبد الملك: وما السبب في ذلك؟ وما الذي بعثك عليه؟ فأنشأ يقول: من الوافر وإنك لا ترى طرداً لحر ... كإلصاقٍ به بعض الهوان فلو كنا بمنزلةٍ جميعاً ... حرنت وأنت مضطرب العنان فقال له عبد الملك: أقسمت عليك إلا ما أقمت، فوالله لا رأيت مكروهاً بعدها، فأقام. توفي محمد بن مروان سنة إحدى ومئة. محمد بن مروان بن عثمان أبو عبد الله القرشي البيروتي حدث عن أبي مسهر، بسنده إلى أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : " ابغوا لي الضعفاء فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم ". وحدث عنه، بسنده إلى عبد الله بن حوالة الأزدي، عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: " ستجندون أجناداً، فجندٌ بالشام، وجندٌ باليمن، وجندٌ بالعراق " فقال: خر لي يا رسول الله؛ قال: " عليكم بالشام، فمن أبى فليلحق بيمنه وليسق من غدره، فإن الله قد تكفل لي بالشام وأهله ".

стр. 8138

وحدث عنه، بسنده إلى عمر بن الخطاب، قال: ويل ديان من في الأرض من ديان من في السماء يوم يلقونه، إلا من أم العدل وقضى بالحق ولم يقض على هوىً، ولا على قرابةٍ، ولا على رغبٍ، ولا على رهبٍ، وجعل كتاب الله مرآةً بين عينيه. توفي سنة ثلاثٍ وسبعين ومئتين. محمد بن مروان الدمشقي كان محمد بن مروان الدمشقي ينشد: من الوافر لمحبرةٌ تجالسني نهاري ... أحب إلي من أنس الصديق ورزمة كاغدٍ في البيت عندي ... أحب إلي من عدل الدقيق ولطمة عالمٍ في الخد مني ... ألذ إلي من شرب الرحيق محمد بن مسروق بن معدان ابن المرزبان بن النعمان ابن زيد بن شرحبيل بن يزيد بن امرئ القيس بن عمرو بن حجر آكل المرار أبو عبد الرحمن الكندي الكوفي قاضي مصر، كان على مذهب أبي حنيفة. حدث محمد بن مسروق عن إسحاق بن الفرات الكندي، بسنده إلى ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يرد اليمين على طالب الحق. خوصم هاشم بن خديج إلى محمد بن مسروق، فقال له ابن مسروق: إنما أنت من

стр. 8139

السكون ولست من الملوك؛ فقال هاشم: ليس لهذا حضرنا، والله لا حضرت لك مجلساً أبداً، ومن تظلم إليك مني فأعده علي واقض له في مالي بما يدعيه. وكان محمد بن مسروق متكبراً شدد في الحكم وأعدى على العمال، وأنصف منهم؛ ولما قدم مصر اتخذ قوماً من أهلها للشهادة، وسمهم بها، وأوقف سائر الناس، فوثبوا به ووثب بهم، وشتموه وشتمهم، وكانت منه هناتٌ إلى أشرافهم، إلى هاشم بن خديج وحوي بن حوي وغيرهما، وأرسل إليه الأمير عبد الله بن المسيب فأمره بحضور مجلسه، فقال لرسوله: لو كنت تقدمت إليه في هذا لفعلت به وفعلت كذا وكذا، فانقطع ذلك عن القضاة بعده ولحق جماعة البلد منه استخفافٌ، وعزل عن القضاء سنة خمسٍ وثمانين ومئة. قال الحارث بن مسكر: كان ها هنا قاضٍ يذل الجبارين فما فضحه إلا ابنه، يعني محمد بن مسروق، وذلك أن محمداً كان لا يتعلق بشيءٍ حتى قدم ابنه فكان يأتي إلى من عنده مالٌ من الودائع فيقول: أعطنيه؛ حتى أتجر فيه وآخذ الفضل؛ قال: فتلف على يديه شيءٌ كثيرٌ. قالوا: وكانت أموال اليتامى والأوقاف ترد إلى بيت المال منذ زمن المنصور إلى أيام الرشيد؛ فلما ولي محمد بن مسروق تحامل على أهل مصر فأساؤوا عليه النبأ والذكر، وأشاعوا عنه أنه عزم على حمل ما في بيت المال من هذه الأموال إلى هارون، وقام أبو إسحاق الحوفي فنادى في المسجد الجامع ودعا على محمد بن مسروق، فأحضره ابن مسروق وناله بمكروهٍ فزاد مقت أهل مصر لابن مسروق. ولما أكثر أهل المسجد في ذم محمد بن مسروق وقف على باب المنصورة ونادى بأعلى صوته: أين أصحاب الأكسية العسلية؟ أين بنو البغايا؟ لم لا يتكلم متكلمهم بما شاء حتى نرى ونسمع؟ فما تكلم أحدٌ بكلمةٍ. وكان محمد بن مسروق يروح إلى الجمعة من دار أبي عون بالموقف ماشياً إلى المسجد. خوصم وكيل السيدة إلى محمد بن مسروق فأمر بإحضاره فجلس مع خصمه متربعاً، فأمر به محمد بن مسروق فبطح وضرب عشراً.

стр. 8140

محمد بن مسعدة البزاز الدمشقي حدث عن محمد بن شعيب بن سابور، بسنده إلى عبد الله بن عمر، قال: صلينا مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، طائفةٌ منا خلفه وطائفةٌ مواجهة العدو، فصلى بإحدى الطائفتين ركعةً ثم انصرفوا، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم ركعةً، ثم صلى كل واحدٍ من الطائفتين ركعةً. وحدث عنه أيضاً، بسنده إلى عائشة ﵂ قالت: أهللت مع رسول الله ﷺ بعمرةٍ في حجة الوداع. محمد بن مسلمة بن خالد بن عدي ابن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن مالك بن الأوس، ويقال: ابن مسلمة بن سلمة بن خالد أبو عبد الرحمن؛ ويقال: أبو سعيد؛ ويقال: أبو عبد الله الأنصاري صاحب سيدنا رسول الله ﷺ ، شهد بدراً وأحداً وغيرهما، واستخلفه النبي ﷺ على المدينة في بعض غزواته، وشهد الجابية مع عمر بن الخطاب ﵁، وكان على مقدمته يومئذٍ، وكان مقامه بالمدينة فاعتزل الفتنة، فلم يدخل فيها، وقدم دمشق وشهد وفاة أبي الدرداء. حدث المسور بن مخرمة، قال: استشار عمر بن الخطاب في إملاص المرأة يعني الحامل تضرب بطنها فتسقط، فقام المغيرة بن شعبة فقال: سمعت رسول الله ﷺ قضى فيه بغرة عبدٍ أو أمةٍ، فقال عمر: ائتني بمن يعهد معك؛ قال عبد الرحمن: فشهد معه محمد بن مسلمة.

стр. 8141

وفي روايةٍ: استفتى عمر بن الخطاب أناساً من أصحاب النبي ﷺ في امرأةٍ ضربت فألقت جنينها؛ الحديث. وفي روايةٍ: قضى فيه بالغرة عبدٍ أو وليدةٍ؛ وفي روايةٍ: فأنفذه عمر؛ وفي روايةٍ: أن عمر سأل الناس: أيكم سأل رسول الله ﷺ قضى في السقط؟ فقلا المغيرة؛ الحديث. حدث محمد بن مسلمة قال: مررت فإذا رسول الله ﷺ واضعٌ يده على يد رجلٍ؛ وفي روايةٍ " على الصفا واضعاً خده على خد رجلٍ، فذهبت إليه، فقال: " يا محمد ما منعك أن تسلم؟ " فقلت: يا رسول الله، رأيتك فعلت بهذا الرجل شيئاً لم تفعله مع أحدٍ من الناس، فكرهت أن أقطع عليك حديثك، فمن كان يا رسول الله؟ قال: " كان جبريل، وقد قال لي: هذا محمد بن مسلمة لم يسلم، أما إنه لو سلم رددنا ﵇ " قال: فما قال لك يا رسول الله: قال: " لم يزل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه يأمرني فأورثه ". حدث رجاء بن حيوة، عن أبي الدرداء أنه مرض فكان يمرضه محمد بن مسلمة، فكثر عواد أبي الدرداء فحول إلى كنيسةٍ فأغمي على أبي الدرداء، فقام الناس عنه وقام محمد بن مسلمة حتى بقي في أهله، فجعلوا يبكون عليه، فأفاق أبو الدرداء، فقال: لا يكون من أمري شيءٌ إلا أشهدتموه محمد بن مسلمة، ثم بعث إليه فأتاه فقال: أسندني صدرك؛ قال: فأسنده، ثم قال: افتحوا الأبواب، قال: وعليها كثرة الناس، فدخلوا على أبي الدرداء فأقبل محمد بن مسلمة يجلسهم، فقال أبو الدرداء: إنه لم يكن يمنعني أن أحدثكم إلا أن تسترسلوا أني أبشركم أنه من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة. وأم محمد بن مسلمة أم سهيم خليدة بنت أبي عبيد بن وهب بن لوذان بن ساعدة وكان آدم طوالاً معتدلاً أصلع، توفي سنة اثنتين وأربعين، أو ثلاثٍ وأربعين، أو

стр. 8142

ست وأربعين، وهو يومئذٍ ابن تسعٍ وسبعين سنة وقيل: قتل. وأسلم محمد بن مسلمة بالمدينة على يدي مصعب بن عمير قبل إسلام أسيد بن الحضير وسعد بن معاذ، وآخى سيدنا رسول الله ﷺ بين محمد بن مسلمة وأبي عبيدة بن الجراح، وقيل: آخى بينه وبين سعد بن أبي وقاص، وشهد المشاهد كلها ما خلا تبوكاً، فإن رسول الله ﷺ استخلفه على المدينة حين خرج إلى تبوك، وكان محمد فيمن قتل كعب بن الأشرف، وبعثه رسول الله ﷺ إلى القرظاء وهي من بني أبي بكر بن كلاب، سريةً في ثلاثين راكباً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه، فسلم وغنم، وبعثه أيضاً إلى ذي القصة سريةً في عشرة نفرٍ. حدث جابر بن عبد الله أن محمداً وأبا عبس بن جبير وعباد بن بشر قتلوا كعب بن الأشرف؛ فقال النبي ﷺ حين نظر إليهم: " أفلحت الوجوه ". وعن أبي بردة، قال: مررنا بالربذة فإذا فسطاط محمد بن مسلمة، فقلت: لو خرجت إلى الناس فأمرت ونهيت، فقال: قال النبي ﷺ : " يا محمد بن مسلمة ستكون فرقةٌ وفتنةٌ واختلافٌ فاكسر سيفك، واقطع وترك، واجلس في بيتك " ففعلت الذي أمرني به النبي ﷺ . وعن حذيفة، قال: إني لأعرف رجلاً لا تضره الفتنة، فأتينا المدينة فإذا فسطاط مضروبٌ وإذا هو محمد بن مسلمة فسألناه فقال: لا يشتمل علي شيءٌ من أمصارهم حتى ينجلي الأمر عما انجلى؛ قالوا: ومات حذيفة بعد عثمان بأربعين يوماً.

стр. 8143

وشهد محمد بن مسلمة فتح مصر، وكان فيمن طلع للحصن مع الزبير بن العوام، وأحيط بمصر، ورجع إلى المدينة وقدم مصر مرةً أخرى رسولاً من عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص في المقاسمة لما قاسم عمر العمال ما في أيدي العمال، وكان محمد بن مسلمة أوسياً، وقال عروة: كان أشهلياً. حدث المقداد قال: لما تصافينا للقتال جلس رسول الله ﷺ تحت راية مصعب بن عمير، فلما قتل أصحاب اللواء هزم المشركون الهزيمة الأولى وأغار المسلمون على عسكرهم، فانتهبوا، ثم كروا على المسلمين فأتوا من خلفهم فتفرق الناس، ونادى رسول الله ﷺ في أصحاب الألوية فأخذ اللواء مصعب بن عمير، ثم قتل وأخذ راية الخزرج سعد بن عبادة، ورسول الله ﷺ قائمٌ تحتها وأصحابه محدقون به، ودفع لواء المهاجرين إلى أبي الدوم العبدري آخر النهار؛ ونظرت إلى لواء الأوس مع أسيد بن حضير فناوشهم ساعةً واقتتلوا على الاختلاط من الصفوف، ونادى المشركون بشعارهم: يا للعزى يا لهبل، فأوجعوا فينا قتلاً ذريعاً، ونالوا من رسول الله ﷺ ما نالوا، لا والذي بعثه بالحق إن رأيت رسول الله ﷺ زال شبراً واحداً، إنه لقي وجه العدو يثوب إليه طائفةٌ من أصحابه مرةً ويتفرق عنه مرةً، فربما رأيته قائماً يرمي عن قوسه أو يرمي بالحجر حتى تحاجزوا، وثبت رسول الله ﷺ كما هو في عصابةٍ صبروا معه، أربعة عشر رجلاً، سبعةٌ من المهاجرين وسبعةٌ من الأنصار؛ أبو بكر، وعبد الرحمن بن عوف، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وأبو عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوام؛ ومن الأنصار الحباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحارث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وأسيد بن الحضير، وسعد بن معاذ، ويقال: ثبت سعد بن عبادة، ومحمد بن مسلمة فيجعلونهما مكان أسيد بن حضير وسعد بن معاذ. قال جابر بن عبد الله: خرج مرحب بن الحارث اليهودي من حصنهم، وهو يقول: من الرجز قد علمت خيبر أني مرحب ... شاك السلاح بطلٌ مجرب

стр. 8144

أطعن أحياناً وحيناً أضرب ... إذا الليوث أقبلت تلهب وأحجمت عن صولة المجرب ... كان حماي الحمى لا تقرب هل من مبارز؟ فقال رسول الله ﷺ : " من لهذا؟ " قال محمد بن مسلمة: أنا يا رسول الله، أنا الموتور الثائر، قتلوا أخي بالأمس، فقال: " قم إليه، اللهم أعنه " فلما دنا أحدهما من صاحبه عرضت بينهما شجرةٌ عظيمةٌ عمريةٌ من شجر العشر، فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه، كلما لاذ بها منه اقتطع بسيفه ما دونه، حتى برز كل واحدٍ منهما لصاحبه، وصارت بينهما كالرجل القائم ما فيها فننٌ، ثم حمل مرحبٌ على محمد فضربه فاتقاه بالدرقة، فوقع سيفه فيها فعضت به فأمسكته، فضربه محمد حتى قتله. ولما رأت اليهود ما لقي أصحاب رسول الله ﷺ من القتل يوم أحدٍ والبلاء شمتوا بهم، فأما بنو النضير فأظهروا العداوة لله ولرسوله، وأما قريظة فتمسكوا بالحلف على غش أنفسهم وعداوةٍ لله ولرسوله، فركب كعب بن الأشرف في ستين راكباً من بني النضير إلى قريشٍ من مكة، فقال لهم أبو سفيان: ما جاء بكم؟ قال كعب: أتيناك لنحالفك على قتلا هذا الرجل، وعلى عداوته؛ قال أبو سفيان: مرحباً بكم وأهلاً، أحب الناس إلينا من أعاننا على عداوة هذا الرجل وقتاله؛ قال له كعب: فأخرج ستين رجلاً من بطون قريش كلها وأنتم فيهم يا أبا سفيان فلندخل نحن وأنتم بين أستار الكعبة فلنلصق أكبادنا بها ثم لنحلف بالله جميعاً أن لا يخذل بعضنا بعضاً، ولتكون كلمتنا واحدةً على هذا الرجل وأصحابه ما بقي منا ومنهم رجلٌ؛ ففعلوا ذلك وتحالفوا؛ فرجع كعبٌ على قتال محمد ﷺ إلى المدينة فواعده أبو سفيان أن يأتيه العام المقبل، فلما قدم كعبٌ وأصحابه إلى المدينة نزل جبريل ﵇ على نبي الله ﷺ فأخبره بخبر كعبٍ وأبي سفيان والذي صنعوا، وأمر جبريل رسول الله ﷺ بقتل كعبٍ، فأرسل رسول الله ﷺ إلى بني عبد الأشهل وهم حي من الأنصار من الأوس حلفاء النضير، فقال: " يا معشر بني

стр. 8145

عبد الأشهل ألا ترون إلى حليفكم ما صنع " قالوا: وما صنع يا رسول الله؟ فأخبرهم رسول الله ﷺ الخبر فقال: " اكفونيه يا بني عبد الأشهل، فإن الله قد أمرني بقتله فاقتلوه " قالوا: يا رسول الله نفعل ونطيع أمرك، فإن فيهم أخاه من الرضاعة ومولاه في الحلف دوننا محمد بن مسلمة وهو لهم غير متهم؛ ففعل رسول الله ﷺ ذلك، فانطلق خمسة رهطٍ: ثلاثةٌ من بني عبد الأشهل أحدهم عمرو بن معاذ أخو سعد بن معاذ، ومن بني حارثة بن الحارث رجلان محمد بن مسلمة وأبو عبس بن جبر، قالوا: يا رسول الله ائذن لنا فلننل منك عند الرجل؛ فأذن لهم، فانطلقوا ليلاً وقام رسول الله ﷺ إلى الصلاة فأتوا كعباً وقد أخذ مضجعه فنادوه: يا أبا الأشرف، فسمع كعبٌ الصوت فوثب وأخذت امرأته بجانب ثوبه فقالت: إني لأرى حمرة الدم من هذا الصوت قبل أن يكون، إنه لصوتٌ مريبٌ؛ وأمر محمد بن مسلمة أصحابه فاختبأوا، فضرب كعبٌ يد امرأته فأرسلته، وقال لها: لو دعي ابن حرةٍ لطعنةٍ بليلٍ أجاب؛ فأشرف فنظر فقال: من هذا؟ فقال: أخوك محمد بن مسلمة؛ قال لامرأته: لا تخافي هو أخي محمد بن مسلمة فقال كعب ورحب به: ما حاجتك يا أخي؟ قال: أخذنا هذا الرجل بالصدقة ولا نجد ما نأكل فجئت لتقرضني وسقاً من تمرٍ وأرهنك به رهناً إلى أن يدرك ثمرنا؛ فضحك كعبٌ وقال: أم والله إن كنت لأعلم أن أمرك وأمر أصحابه سيصير إلى ما أرى، وما كنت أحب أن أراه، ولقد كنت تعلم يا محمد أنك كنت من أكرم أهل البلد علي وأحبهم إلي، ولقد كان الذي كان من أمرك وما على الأرض شيءٌ كنت أمنعكه، فأما إذ فعلت الذي فعلت فلست مصيباً عندي خيراً أبداً، ما دمت على الذي أنت عليه، ولقد علمت أنك لن تصيب من هذا الرجل أبداً إلا شراً فأتني برهنٍ وثيقٍ؛ قال: فخذ من أي تمرٍ شئت؛ قال: عندي عجوةٌ يغيب فيها الضرس؛ قال: أي الرهن تريد يا أبا الأشرف؟ قال: تأتيني بامرأتك قال: لم أكن لأرهنك امرأتي وأنت أشب أهل المدينة وأحسنهم وجهاً وأطيبهم ريحاً وأكرمهم حسباً، فتدركني الغيرة، ولكن غير هذا؛ قال: فارهني ابنك قال محمد: إني لأستحيي أن أعير بذلك، أني رهنت ابني بوسقٍ من تمر، ولكن أرهنك درعي الفلانية؛ قال: أين هي؟ قال: هي هذه انزل فخذها؛ فنزل؛ وكان محمد قال لأصحابه: لا يأتي منكم أحدٌ حتى أؤذنه؛ فنزل كعب

стр. 8146

فاعتنقه محمد وقال: لا إله إلا الله؛ فأقبلوا يسعون بأسيافهم، ومحمدٌ آخذٌ شعره فضربوه بأسيافهم فقتلوه، فصاح عدو الله عند أول ضربةٍ صيحةً فسمعتها امرأته فصاحت فأسمعت اليهود فتصايح اليهود وأخطأ أصحاب رسول الله ﷺ برجل عمرو بن معاذ فقطعوها؛ فألقى إليهم السيف وقال: لا أحبسكم أقرؤوا نبي الله ﷺ مني السلام؛ قالوا: لا والله لننطلقن جميعاً أو لنموتن جميعاً؛ فاحتملوا صاحبهم فأسرعوا به فاجتمع اليهود إلى امرأة كعبٍ فأخبرتهم حيث توجهوا، وطلبهم أعداء الله وأخطأوا الطريق، وانطلق أصحاب رسول الله ﷺ الصوت وهو يصلي فكبر، وعلم أن أصحابه قد أفلحوا وأنجحوا، فأتوا نبي الله ﷺ فأخبروه الخبر. الطريق، وانطلق أصحاب رسول الله ﷺ الصوت وهو يصلي فكبر، وعلم أن أصحابه قد أفلحوا وأنجحوا، فأتوا نبي الله ﷺ فأخبروه الخبر. وفي آخر بمعناه: أنه نزل وتحث معهم ساعةً ثم قالوا: هل لك يا بن الأشرف إلى أن تماشينا إلى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا هذه؟ فقال: إن شئتم؛ فخرجوا يتماشون ثم إن أبا نائلة شام يده في فود رأس كعبٍ ثم شم يده فقال: ما رأيت كالليلة طيب عطرٍ قط، ثم مشى ساعةً وعاد لمثلها حتى اطمأن كعبٌ، ثم مشى ساعةً فعاد لمثلها أبو نائلة فأخذ بفودي رأسه ثم قال: اضربوا عدو الله؛ فضربوه فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئاً؛ قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولاً في سيفي حين رأيت أسيافنا لا تغني شيئاً فأخذته وقد صاح عدو الله كعبٌ صيحةً لم يبق حولنا حصنٌ إلا أوقدت عليه نارٌ، فوضعته في ثنته ثم تحاملت عليه حتى بلغت غايته، ووقع عدو الله؛ الحديث. قال مروان بن الحكم وهو على المدينة وعنده ابن يامين البصري: كيف كان قتل ابن الأشرف؟ قال ابن يامين: كان غدراً ومحمد بن مسلمة جالسٌ شيخٌ كبيرٌ فقال: يا مروان أيغدر رسول الله ﷺ عندك، والله ما قتلناه إلا بأمر رسول الله ﷺ ، والله لا يؤويني وإياك سقف بيتٍ إلا المسجد، وأما أنت يا بن يامين فلله علي إن أفلت،

стр. 8147

فلا قدرت عليك وفي يدي سيفٌ إلا ضربت به رأسك؛ فكان ابن يامين لا ينزل من بني قريظة حتى يبعث رسولاً ينظر محمد بن مسلمة، فإن كان في بعض ضياعه نزل فقضى حاجته ثم صدر، وإلا لم ينزل؛ فبينا محمد بن مسلمة في جنازةٍ وابن يامين في البقيع فرأى محمد نعشاً عليه جرائد رطبةٌ لامرأةٍ، جاء فحله فقام إليه الناس فقالوا: يا أبا عبد الرحمن ما تصنع؟ نحن نكفيك؛ فقام إليه فلم يزل يضربه بها جريدةً جريدةً حتى كسر ذلك الجريد على وجهه ورأسه حتى لم يترك فيه مصحاً، ثم أرسله ولا طباخ به، ثم قال: والله لو قدرت على السيف لضربتك به. وعن محمد بن مسلمة: أن النبي ﷺ بعثه إلى بني النضير وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاثاً. وعن أبي حدر الأسلمي، قال: قدمت المدينة في خلافة عمر بن الخطاب فأردت الحج، فلما أتيت ملل قلت: اللهم قيض لي رجلاً من أصحاب نبيك ﷺ صالحاً، كان نبيك يحبه وكان يحب نبيك ﷺ فإذا أنا بغلامٍ أسود على حمارٍ يقود ناقةً خلفها شيخٌ على حمارة، فقلت للأسود: يا غلام، من هذا الشيخ؟ قال: محمد بن مسلمة الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ ؛ فرافقت خير رفيقٍ ونازلت خير نزيلٍ. وعن موسى بن أبي عيسى، قال: أتى عمر بن الخطاب مشربة بني حارثة فوجد محمد بن مسلمة فقال عمر: كيف تراني يا محمد؟ فقال: أراك والله كما أحب وكما يحب من يحب لك الخير، أراك قوياً على جمع المال، عفيفاً عنه، عدلاً في قسمه، ولو ملت عدلناك كما يعدل السهم في الثقاف؛ فقال عمر: هاه؛ فقال: لو ملت عدلناك كما يعدل السهم في الثقاف؛ فقال عمر: الحمد لله الذي جعلني في قومٍ إذا ملت عدلوني.

стр. 8148

وعن محمد بن مسلمة، قال: توجهت إلى المسجد فرأيت رجلاً من قريش عليه حلةٌ، قلت: من كساك هذه؟ قال: أمير المؤمنين؛ قال: فجاوزت فرأيت رجلاً من قريش عليه حلة فقلت: من كساك هذه؟ قال: أمير المؤمنين، قال: فدخل المسجد فرفع صوته بالتكبير فقال: الله أكبر، صدق الله ورسوله، الله أكبر صدق الله ورسوله، قال: فسمع عمر صوته فبعث إليه أن ائتني؛ فقال: حتى أصلي ركعتين؛ قال: فرد عليه الرسول يعزم عليه لما جاء؛ فقال محمد بن مسلمة: وأنا أعزم على نفسي أن لا آتيه حتى أصلي ركعتين؛ ودخل في الصلاة، وجاء عمر فقعد إلى جنبه، فلما قضى صلاته قال: شيءٌ أردت أن تخبرني عنه؛ قال: أو غير ذلك تسألني، فإن شئت أن أخبرك أخبرتك وإلا لم أخبرك؛ قال: وذاك أخبرني عن رفعك صوتك في مصلى رسول الله ﷺ بالتكبير، وقولك: صدق الله ورسوله ما هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين أقبلت أريد المسجد فاستقبلني فلان بن فلان القرشي، عليه حلة قلت: من كساك هذه؟ قال: أمير المؤمنين، فجاوزت فاستقبلني فلان بن فلان الأنصاري عليه حلة دون الحلتين فقلت: من كساك هذه؟ قال: أمير المؤمنين؛ إن رسول الله ﷺ قال: " إنكم سترون بعدي أثرةً " وإني لم أكن أحب أن يكون على يديك يا أمير المؤمنين؛ قال: فبكى عمر، ثم قال: أستغفر الله، والله لا أعود؛ فما رؤي بعد ذلك اليوم فضل رجلاً من قريش على رجلٍ من الأنصار. بعث عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة إلى عمرو بن العاص وكتب إليه: أما بعد، فإنكم معاشر العمال قعدتم على عيون الأموال فجنيتم الحرام، وأكلتم الحرام، وأوكيتم الحرام، وقد بعثت إليك محمد بن مسلمة ليقاسمك مالك، فأحضره مالك والسلام؛ فلما قدم محمد بن مسلمة أهدى إليه عمرو بن العاص هديةً فردها، فغضب عمرٌو وقال: يا محمد رددت هديتي فقد أهديت إلى رسول الله ﷺ مقدمي من ذات السلاسل فقبل؛ فقال له

стр. 8149

محمد: إن رسول الله ﷺ كان يقبل بالوحي ما شاء ويمنع ما شاء، ولو كانت هدية الأخ لأخيه لقبلتها ولكنها هدية إمام شر من خلفها؛ فقال عمرو: قبح الله يوماً صرت فيه لعمر بن الخطاب والياً، والله لقد رأيت العاص بن وائل يلبس الديباج المزرر بالذهب وإن الخطاب ليحمل الحطب بمكة على حماره؛ فقال له محمد بن مسلمة: أبوه وأبوك في النار، وعمر خيرٌ منك ولولا اليوم الذي أصبحت تذم لألفيت معتقلاً عنزاً يسوؤك غزرها ويسوؤك بكؤها؛ فقال عمرو: هي فلتة المغضب وهي عندك أمانة؛ ثم أحضره ماله فقاسمه. بلغ عمر بن الخطاب أن سعداً اتخذ قصراً وجعل عليه باباً وقال: انقطع الصويت؛ فأرسل عمر محمد بن مسلمة، وكان عمر إذا أحب أن يؤتى بالأمر كما يريد بعثه، فقال له: إيت سعداً فأحرق عليه بابه؛ فقدم الكوفة، فلما أتى الباب أخرج زنده فاستورى ناراً ثم أحرق الباب فأتي سعدٌ فأخبره به ووصفت له صفته، فعرفه، فخرج إليه سعد فقال محمد: إنه بلغ أمير المؤمنين عنك أنك قلت: انقطع الصويت؛ فحلف سعدٌ بالله أنه ما قال ذلك، فقال محمد: نقصد الذي أمرنا ونؤدي عنك ما تقول؛ ثم ركب راحلته، فلما كان ببطن الرمة أصابه من الخمص والجوع ما الله به أعلم، فأبصر غنماً فأرسل غلامه بعمامته فقال: اذهب فابتغ بها شاةً؛ فجاء الغلام بشاةٍ وهو يصلي، فأراد ذبحها فأشار إليه أن يكف؛ فلما قضى صلاته قال: اذهب فإن كانت مملوكةً مسنمة فاردد الشاة وخذ العمامة، وإن كانت حرةً فاردد الشاة؛ فذهب فإذا هي مملوكة، فرد الشاة وأخذ العمامة، وأخذ بخطام راحلته أو زمامها لا يمر ببقلةٍ إلا حطمها حتى آواه الليل إلى قومٍ فأتوه بخبزٍ ولبنٍ وقالوا: لو كان عندنا شيءٌ أفضل من هذا أتيناك به؛ فقال: بسم الله كل حلالٍ أذهب السغب خيرٌ من مأكل السوء؛ حتى قدم المدينة، فبدأ بأهله

стр. 8150

فابترد من الماء ثم راح، فلما أبصره عمر قال: لولا حسن الظن بك ما رأينا أنك أديت؛ فذكر أنه أسرع السير، وقال: قد فعلت وهو يعتذر ويحلف بالله ما قال ذلك؛ فقال عمر: فهل أمر لك بشيءٍ؟ قال: قد رأيت مكاناً أن يأمر لي؛ قال ابن عيينة: أبى أن يأخذ منه؛ قال عمر: إن أرض الله العراق أرض رفيقةٌ وإن أهل المدينة يموتون حولي من الجوع، فخشيت إن أمر لك فتكون لك النار دون الجار؛ أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يشبع المؤمن دون جاره " أو قال: " الرجل دون جاره ". وفي آخر بمعناه: فقال: هلا قبلت من سعد؟ فقال: لو أردت ذلك كتبت لي به وأذنت لي فيه؛ فقال عمر: إن أكمل الرجال رأياً من إذا لم يكن عنده عهدٌ من صاحبه أن يعمل بالحزم أو يقول به ولا يتكل عليه؛ وأخبره بيمين سعد وقوله فصدق سعداً وقال: هو أصدق ممن روى عنه وممن أبلغني. قال جابر بن عبد الله: بعثنا عثمان بن عفان في خمسين راكباً أميرنا محمد بن مسلمة الأنصاري فتكلم الذين جاؤوا من مصر، فاستقبلنا رجلٌ منهم في يده مصحف متقدٌ سيفاً تذرف عيناه فقال: ها إن هذا يأمرنا أن نضرب بهذا على ما في هذا فقال محمد بن مسلمة: اسكت فنحن ضربنا بهذا على ما في هذا قبلك، أو قبل أن تولد. قال محمد بن مسلمة: أعطاني رسول الله ﷺ سيفاً فقال: " يا محمد بن مسلمة جاهد بهذا السيف في سبيل الله حتى إذا رأيت من المسلمين فئتين يقتتلان فاضرب به الحجر حتى تكسره، ثم كف لسانك ويدك حتى تأتيك منيةٌ قاضية أو يدٌ خاطئة " فلما قتل عثمان وكان من أمر الناس ما كان خرج إلى صخرةٍ في فنائه فضرب الصخرة بسيفه حتى كسره.

стр. 8151

وفي حديثٍ بمعناه: وكان محمد بن مسلمة يقال له: حارس نبي الله ﷺ ؛ قال: فاتخذ سيفاً من عود قد نحته وصيره في الجفن معلقاً في البيت؛ وقال: إنما علقته أهيب به ذاعراً. وعن حذيفة، قال: ما من أحدٍ إلا أنا أخاف عليه الفتنة إلا ما كان من محمد بن مسلمة، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تضره الفتنة ". وعن محمد بن مسلمة أنه قال: يا رسول الله كيف أصنع إذا اختلف المصلون؟ قال: " تخرج بسيفك إلى الحرة فتضربها به ثم تدخل بيتك حتى تأتيك منية قاضية أو يدٌ خاطئة ". وعن الحسن أن علياً بعث إلى محمد بن مسلمة فجيء به فقال: ما خلفك عن هذا الأمر؟ قال: دفع إلي ابن عمك يعني النبي ﷺ سيفاً فقال: " قاتل به ما قوتل العدو، فإذا رأيت الناس يقتل بعضهم بعضاً فاعمد به إلى صخرةٍ فاضربه بها، ثم الزمن بيتك حتى تأتيك منية قاضيةً أو يدٌ خاطئة " قال: خلوا عنه. وعن جابر بن عبد الله، قال: قدم معاوية ومعه أهل الشام فبلغ رجلاً شقياً من أهل الأردن صنيع محمد بن مسلمة جلوسه عن علي ومعاوية، فاقتحم عليه المنزل فقتله؛ قال: وأرسل معاوية إلى كعبٍ؛ ما تقول في محمد بن مسلمة؟ يعني كعب بن مالك. محمد بن مسلمة بن عبد الملك ابن مروان ابن الحكم القرشي الأموي كان من أجمل الناس وأشجعهم، وشهد مع مروان بن محمد يوم التقى مع عبد الله بن

стр. 8152

علي بن عبد الله بن عباس، وكان صديقاً له فأمنه عبد الله، فلحق به، فلما رأى فعل أهل خراسان في أهل الشام حميت نفسه فقال: من المتقارب ذل الحياة وخزي الممات ... فكلا أراه شراباً وبيلاً فإن كان لا بد إحداهما ... فسيراً إلى الموت سيراً جميلاً ثم لحق بمروان فقاتل معه حتى قتل؛ وقيل: محمد بن مسلمة لم يقتل يومئذٍ. محمد بن مسلمة بن محمد بن هشام ابن إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة أبو هشام المخزومي المدني الفقيه حدث عن عمه، بسنده إلى جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " سمعت جبريل يقول: قال الله : هذا دينٌ ارتضيته لنفسي، ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق ". وحدث محمد بن مسلمة عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، قال: نهى النبي ﷺ عن القزع. وقيل لمحمد بن مسلمة: ما أراني فلان دخل البلاد كلها إلا المدينة؟ فقال: إنه دجال من الدجاجلة؛ قال النبي ﷺ : " لا يدخلها الطاعون ولا الدجال ". قال محمد بن مسلمة المدني: كنت في غم وضر شديدٍ فرأيت النبي ﷺ في المنام عند الباب الذي يلي القبر، رافعاً

стр. 8153

يديه يقول: " يا من فلق البحر لموسى، بما فلقت به البحر لموسى نجني بما نجيت به موسى ". قال محمد: ورأيت النبي ﷺ مرةً أخرى في المنام وهو يقول: " يا رب بمن أستغيث إذا لم أستغث بك فتغيثني، يا رب إلى من أتضرع إذا لم أتضرع إليك فترحمني، يا رب من أدعو إذا لم أدعوك فتستجيب لي ". محمد بن المسلم بن الحسن بن بلال ابن الحسن بن عبد الله بن محمد أبو طاهر الأزدي المعدل حدث سنة إحدى وتسعين وأربع مئة عن أبي القاسم علي بن محمد بن يحيى السلمي، بسنده إلى أسامة بن شريك، قال: قلنا: يا رسول الله، ما خير ما أعطي العبد؟ قال: " الخلق الحسن ". ولد أبو طاهر بن بلال سنة ثمان وأربعين وأربع مئة، وتوفي سنة ثلاثٍ وتسعين وأربع مئة. محمد بن مسلم بن السمط ابن محمد بن السمط بن عياض بن زيد بن زادان بن مجربة أبو بكر القرشي مولاهم المعروف بابن الدلاء المعدل حدث عن محمد بن جعفر بن ملاس، بسنده إلى أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أتى بعض أهله قنع رأسه وغمض عينيه وقال للتي تكون تحته: " عليك بالسكينة والوقار ". توفي أبو بكر سنة إحدى وتسعين وثلاث مئة.

стр. 8154

محمد بن مسلم بن عبيد الله ابن عبد الله ابن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة أبو بكر القرشي الزهري أحد الأعلام من أئمة الإسلام، قدم دمشق غير مرة. حدث الزهري عن أنس بن مالك، قال: سقط رسول الله ﷺ من فرسٍ فجحش شقه الأيمن فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة، فصلى قاعداً، فصلينا قعوداً، فلما قضى الصلاة قال: " إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعين ". قال ابن أبي ذئب: كان ابن شهاب قد ضاقت حاله ورهقه دينٌ، فخرج إلى الشام زمن عبد الملك بن مروان، فجالس قبيصة بن ذؤيب. قال ابن شهاب: فبينا نحن مع قبيصة ذات ليلةٍ نسمر إذ جاء رسول عبد الملك فقال: أجب أمير المؤمنين، فذهب إليه ثم رجع، فقال: من منكم يحفظ قضاء عمر في أمهات الأولاد؟ قلت: أنا؛ فأدخلني على عبد الملك بن مروان فسلمت عليه، فقال: من أنت؟ فانتسبت له؛ قال: إن كان أبوك لنعاراً في الفتن؛ قلت: يا أمير المؤمنين، عفا الله عما

стр. 8155

سلف؛ قال: اجلس؛ قال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم؛ قال: اقرأ من سورة كذا، ومن سورة كذا؛ فقرأت فقال لي: أتفرض؟ قلت: نعم، قال: ما تقول في امرأةٍ تركت زوجها وأبويها؟ قلت: لزوجها النصف، ولأمها السدس، ولأبيها ما بقي؛ قال: أصبت الفرض وأخطأت اللفظ، إنما لزوجها النصف ولأمها ثلث ما بقي وهو السدس من رأس المال، ولأبيها ما بقي؛ قال: فإن الفريضة على حالها وهو رجل ترك زوجته وأبويه؛ فقلت: لزوجته الربع ولأمه الربع ولأبيه ما بقي؛ قال: فقال لي: أصبت الفرض وأخطأت اللفظ، ليس هكذا الفرض، لزوجته الربع ولأمه ثلث ما بقي وهو الربع من رأس المال، وللأب ما بقي؛ ثم قال: هات حديثك؛ قلت: حدثني سعيد بن المسيب: أن فتىً من الأنصار كان لزم عمر بن الخطاب، وكان به معجباً وأنه فقده، فقال: ما لي لا أرى فلاناً؛ فأرسل إليه فجاءه، فإذا هو بذ الهيئة، قال: ما لي أراك هكذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن أخوي خيروني بين أمي وبين ميراثي من أبي، فاخترت أمي، ولم أكن لأخرجها على رؤوس الناس، فأخذتها بجميع ميراثي من أبي؛ قال: فخرج عمر مغضباً حتى رقي المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أما بعد، أيها الناس، فأي امرئٍ وطئ امرأةً فولدت منه، فله أن يستمتع منها ما عاش، فإذا مات فهي حرةٌ؛ فقال عبد الملك: هكذا حدثني سعيد بن المسيب؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، اقض ديني؛ قال: قد قضى الله دينك؛ قلت: ويفرض لي أمير المؤمنين؛ قال: لا والله ما نجمعهما لأحدٍ؛ قال: فخرجت فتجهزت حتى قدمت المدينة، فجئت سعيد بن المسيب في المسجد، فجئت لأسلم عليه، فدفع في صدري وقال: انصرف؛ وأبى أن يسلم علي، فخشيت أن يتكلم بشيء يعيبني به فيرويه من حضره. فتنحيت ناحيةً إلى أن قام فصلى أربع ركعاتٍ وانصرف، ومعه ناسٌ من أصحابه، فلما خلا وبقي وحده قلت: ما ذنبي؟ أنا ابن أخيك، واعتذرت إليه، وما يكلمني، حتى بلغ منزله، واستفتح ففتح له فأدخل رجله ثم التفت إلي فقال: أنت الذي ذهبت بحديثي إلى بني مروان؟.

стр. 8156

وفي حديثٍ بمعناه: فذكر أن عمر بن الخطاب أمر بأمهات الأولاد أن يقمن في أموال أبنائهن بقيمة عدل، ثم يعتقن فمكث بذلك صدراً من خلافته، ثم توفي رجلٌ من قريش، كان له ابنٌ من أم ولد، قد كان عمر يعجب بذلك الغلام، فمر ذلك الغلام على عمر في المسجد بعد وفاة أبيه بليالٍ، فقال له عمر: ما فعلت يا بن أخي في أمك؟ قال: فعلت خيراً، خيروني بين أن يسترقوا أمي أو يخرجوني من ميراثي من أبي، فكان ميراثي من أبي أهون علي من أن تسترق أمي؛ فقال عمر: أولست إنما أمرت في ذلك بقيمة عدلٍ؟ ما أرى رأياً ولا آمر بأمرٍ إلا قلتم فيه؟ ثم قام إلى المنبر فاجتمع الناس إليه، حتى إذا رضي من جماعتهم، قال: أيها الناس، إني كنت قد أمرت في أمهات الأولاد بأمرٍ قد علمتموه، ثم حدث لي رأيٌ غير ذلك، فأيما امرئٍ كانت عنده أم ولد يملكها بيمينه ما عاش، فإذا مات فهي حرةٌ لا سبيل لأحدٍ عليها؛ الحديث. وفي آخره؛ قال: افرض لي فإني منقطعٌ من الديوان؛ قال: إن بلدك لبلدٌ ما فرضنا فيها لأحدٍ منذ كان هذا الأمر، ثم نظر إلى قبيصة فكأنه أومأ إليه: أن افرض له؛ فقال: قد فرض لك أمير المؤمنين؛ قال: فقلت: وصلةٌ يا أمير المؤمنين تصلنا بها، ولقد خرجت من أهلي وإن فيهم لحاجةً ما يعلمها إلا الله، ولقد عمت الحاجة أهل البلد؛ قال: قد وصلك أمير المؤمنين؛ قلت: يا أمير المؤمنين وخادمٌ يخدمنا، فإني تركت أهلي وما لهم خادمٌ إلا أختي، إنها الآن تخبز لهم وتعجن وتطحن لهم؛ قال: وقد أخدمك أمير المؤمنين؛ الحديث. قال الزهري: أتيت عبد الملك بن مروان فاستأذنت عليه، فلم يؤذن لي، فدخل الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين إن بالباب رجلاً شاباً أحمر زعم أنه من قريش؛ قال: صفه؛ فوصفه؛ قال: لا أعرفه إلا أن يكون من ولد مسلم بن شهاب؛ فدخل عليه فقال: هو من بني مسلم؛ فدخلت عليه فقال: من أنت؟ فانتسبت له، وقلت: إن أبي هلك وترك

стр. 8157

عيالاً صبية، وكان رجلاً مئناثاً لم يترك مالاً؛ فقال عبد الملك: أقرأت القرآن؟ قلت: نعم؛ قال: بإعرابه وما ينبغي فيه من وجوهه وعلله؟ قلت: نعم؛ قال: إنما فوق ذلك فضلٌ، إنما يعايا ويلغز به؛ قال: أفعلمت الفرائض؟ قلت: نعم؛ قال: الصلب والجد واختلافهما؟ قلت: أرجو أن أكون قد فعلت؛ قال: وكم دين أبيك؟ قلت: كذا وكذا؛ قال: قد قضى الله دين أبيك؛ وأمر لي بجائزةٍ ورزقٍ يجري وشراء دارٍ قطيعةً بالمدينة؛ وقال: اذهب فاطلب العلم، ولا تشاغل عنه بشيءٍ، فإني أرى لك عيناً حافظةً وقلباً ذكياً، وأت الأنصار من منازلهم؛ قال الزهري: وكنت أخذت العلم عنهم بالمدينة، فلما خرجت إليهم إذا علمٌ جم، فاتبعتهم حتى ذكرت لي امرأةٌ نحو قباء تروي رؤيا فأتيتها، فقلت: أخبريني برؤياك؛ فقالت: كان لي ولدان واحد حين حبا، وآخر يتبعه، وهلك أبوهما وترك لي ماهناً وداجناً ونخلاتٍ، فكان الداجن نشرب لبنها ونأكل ثمر النخلات فإني لبين النائمة واليقظانة، ولنا جديٌ، فرأيت كأن ابني الأكبر قد جاء إلى شفرةٍ لنا فأحدها، وقال: يا أمه قد أضرت بنا وحبست اللبن عنا، فأخذ الشفرة وقام إلى ولد الداجن فذبحه بتلك الشفرة، ثم نصب قدراً لنا، ثم قطعه ووضعه فيها، ثم قام إلى أخيه فذبحه بتلك الشفرة، وانتبهت مذعورةً، فإذا ابني الأكبر قد جاء فقال: يا أمه أين اللبن؟ فقلت: شربه ولد هذه الداجن؛ فقال: ما لنا في هذا من شيءٍ؛ وقام إلى الشفرة فأحدها ثم أمرها على حلق ولد الداجن، ثم نصب القدر؛ قالت: فلم أكلمه حتى قمت إلى ابني الصغير فاحتضنته وأتيت به بعض بيوت الجيران، فخبأته عندهم ثم أقبلت مغتمةً لما رأيت، ثم صعد على بعض تلك النخلات، فأنزل رطباً، وقال: يا أمه كلي؛ قلت: لا أريد، ثم مضى، وأتى القدر؛ فإني لمنكبةٌ على بلسنٍ عندي إذ ذهب بي النوم، فإذا أنا بآتٍ قد أتاني، فقال: مالك مغتمةً؟ فقلت: لكذا ولكذا؛ فنادى: يا رؤيا؛ فجاءت امرأةٌ شابةٌ، حسنة الوجه، طيبة الريح؛ فقال: ما أردت من هذه المرأة الصالحة؟ قالت: ما أردت منها شيئاً؛ فنادى: يا أحلام، فأقبلت امرأةٌ دونها في السن

стр. 8158

واللباس والطيب؛ فقال: ما أردت من هذه المرأة الصالحة؟ قالت: ما أردت منها شيئاً؛ فنادى: يا أصغاث؛ فأقبلت امرأةٌ سوداء الخلقة، وسخة الثياب، دونها، فقال: ما أردت من هذه المرأة؟ قالت: رأيتها صالحةً فأردت أن أغمها ثم انتبهت فإذا ابني قد أقبل فقال: يا أمه أين أخي؟ قلت: لا أدري حبا إلى بعض الجيران، فذهب يمشي لهو أهدى إلى موضعه حتى أخذه، وجاء به يقبله، ثم قعد فأكل وأكلت معه. الماهن: الخادم؛ والداجن: الشاة من شياه البيوت تعلف؛ وقوله: بلسن، البلسن: بعض ما يكون في رحل القوم من المتاع الذي يتكأ عليه، وهو اسمٌ أعجميٌ؛ وقد استعمل بمعنى ما يعلى عليه من كرسي أو ما أشبهه. قال ابن شهاب: قدمت دمشق وأنا أريد الغزو، فأتيت عبد الملك لأسلم عليه، فوجدته في قبةٍ على فرشٍ تفوت القائم، والناس تحته سماطان، فسلمت وجلست، فقال: يا بن شهاب، أتعلم ما كان في بيت المقدس صباح قتل ابن أبي طالب؟ قلت: نعم؛ قال: هلم؛ فقمت من وراء الناس حتى أتيت خلف القبة، وحول وجهه، فأحنى علي، فقال: ما كان؟ قال: فقلت: لم يرفع حجرٌ في بيت المقدس إلا وجد تحته دمٌ فقال: لم يبق أحدٌ يعلم هذا غيري وغيرك؛ قال: فلا يسمعن منك؛ قال: فما تحدثت به حتى توفي. ولد الزهري سنة ثمانٍ وخمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة خمسين. قال سفيان: رأيت الزهري أحمر الرأس واللحية، وفي حمرتها انكفاءٌ، كأنه يجعل فيه كتماً، وكان رجلاً أعيمش، وعليه جميمةٌ. وقال غيره: كان قصيراً قليل اللحية، له شعيراتٌ طوال، خفيف العارضين.

стр. 8159

قال ابن شهاب: كنت أخدم عبيد الله بن عبد الله، حتى كنت أستقي له الماء المالح، وإن كان ليسأل الجارية: من بالباب؟ فتقول: غلامك الأعمش، تظنني غلاماً له. ولما أخذ ابن شهاب ما عند عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود من العلم، ورأى أنه قد نفضه، فلم يبق عنده من العلم شيئاً إلا حواه واستغنى عنه، انقطع عنه، فقال عبيد الله فيه: من الطويل إذا شئت أن تلقى خليلاً مصافحاً ... لقيت وإخوان الثقات قليل قال صالح بن كيسان: كنت أطلب العلم أنا والزهري، قال: تعال نكتب السنن، فكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ ، ثم قال: تعال نكتب ما جاء عن أصحابه، فكتب، ولم أكتب، فأنجح وضيعت. كان الزهري ينصرف من عند عروة أو الأعرج، أو بعض العلماء وقد سمع منهم، فيقول لجاريةٍ له، فيها لكنةٌ: حدثنا عروة، حدثنا الأعرج، حدثنا فلان، فإذا أكثر عليها قالت: والله ما أدري ما تقول؛ فيقول: اسكتي لكاع، فإني لست أريدك، إنما أريد نفسي. كان ابن شهاب يقول: ما استودعت قلبي شيئاً قط فنسيته؛ وكان يكره أكل التفاح وسؤر الفأر؛ ويقول: إنه ينسي؛ قال: وكان يشرب العسل؛ ويقول: إنه يذكر. وكان يقول: ما أكلت تفاحاً ولا أصبت شيئاً فيه خل مذ عالجت الحفظ. كتب عبد الملك بن مروان إلى أهل المدينة يعاتبهم، فوصل في كتابه ذلك

стр. 8160

طومارين، فقرئ الكتاب على الناس عند المنبر، فلما فرغوا وافترق الناس اجتمع إلى سعيد بن المسيب جلساؤه، فقال لهم سعيد: ما كان في كتابهم؟ ليت أنا وجدنا من يعرف لنا ما فيه؛ فجعل الرجل من جلسائه يقول: فيه كذا، ويقول الآخر: فيه كذا؛ فكأن سعيداً لم يشتف فيما سأل عنه، فبان ذلك لابن شهاب، فقال: أتحب أن تسمع كل ما فيه؟ قال: نعم؛ قال: فأمسك، فهذه عليه هذا كأنما كان في يده يقرؤه حتى أتى عليه كله. قال مالك بن أنس: حدثني الزهري بحديثٍ طويلٍ فلم أحفظه، فتلقاني على حمارٍ، فأخذت بلجامه فسألته عن الحديث؛ فقال: أليس قد حدثتكم به؟ قلنا: بلى؛ قال مالك: فأردت أن أستخرجه، قلت: أما كنت تكتب؟ قال: لا؛ قلت: أما كنت تستعيد؟ قال: لا؛ وفي حديث، قال: ما استعدت حديثاً قط؛ وفي حديث آخر؛ قال: فجعل عبد الرحمن بن مهدي يعجب، يقول: فذيك الطوال وتلك المغازي. قال مالك بن أنس: حدث الزهري بمئة حديثٍ ثم التفت إلي فقال: كم حفظت يا مالك؟ قلت: أربعين حديثاً؛ قال: فوضع يده على جبهته ثم قال: إنا لله كيف نقص الحفظ. قال ابن شهاب: لقيني سالم كاتب هشام بن عبد الملك فقال: إن أمير المؤمنين يأمرك أن تكتب لولده حديثك؛ قال: فقلت له: لو سألتني عن حديثين أتبع أحدهما الآخر ما قدرت على ذلك، ولكن ابعث إلي كاتباً أو كاتبين فإنه قل يومٌ لا يأتيني قومٌ يسألوني عما لم أسأل عنه بالأمس؛ فبعث إلي كاتبين فاختلفا إلي سنةً على دينها؛ قال: ثم لقيني فقال: يا أبا بكر
следующие страницы →