← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

قال أبو بكر بن أبي الدنيا: استخلف أبو العباس المعتضد بالله أحمد بن محمد في اليوم الذي مات فيه المعتمد على الله. وله إذ ذاك سبع وثلاثون سنة. قال محمد بن أحمد بن البراء: ولي المتعضد بالله لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين ومئتين. وولد بسر من رأى في ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين ومئتين. قال القاضي أبو عمرو محمد بن يوسف: قدم خادم من وجوه خدم المعتضد بالله إلى أبي في حكم، فجاء فارتفع في المجلس فأمره الحاجب بموازاة خصمه، فلم يفعل إدلالاً بعظم محله من الدولة، فصاح أبي عليه وقال: قفاه أتؤمر بموازاة خصمك فتمتنع يا غلام عمرو بن أبي عمرو النخاس الساعة لأتقدم إليه ببيع هذا العبد وحمل ثمنه إلى أمير المؤمنين ثم قال لحاجبه: خذ بيده وسو بينه وبين خصمه فأخذ كرهاً وأجلس مع خصمه، فلما انقضى الحكم انصرف الخادم فحدث المعتضد بالله، وبكى بين يديه، فصاح عليه المعتضد وقال: لو باعك لاخترت بيعه وما رددتك إلى ملكي أبداً، وليس خصوصك بي يزيل مرتبة الحكم فإنه عمود السلطان وقوام الأديان. قال إسماعيل بن إسحاق القاضي: دخلت على المعتضد، وعلى رأسه أحداثٌ رومٌ صباح الوجوه، فنظرت إليهم، فرآني المتعضد وأنا أتأملهم. فلما أردت القيام أشار إلي فمكثت ساعة، فلما خلا قال لي: أيها القاضي، والله ما حللت سراويلي على حرام قط. روى التنوخي قال: لما خرج المعتضد إلى قتال وصيف الخادم إلى طرسوس وأخذه عاد إلى أنطاكية، فنزل خارجها، وطاف البلد بجيشه، وكنت صبياً إذ ذاك في المكتب. قال: فخرجت مع جملة الناس، فرأيته وعليه قباء أصفر فسمعت رجلاً يقول: يا قوم، الخليفة بقباء أصفر بلا سواد قال: فقال له أحد الجيش: هذا كان عليه وهو جالس في داره ببغداد، فجاءه الخبر بعصيان وصيف فخرج في الحال عن داره إلى باب الشماسية فعسكر به وحلف ألا

стр. 807

يغير هذا القباء أو يفرغ من أمر وصيف، وأقام بباب الشماسية أياماً حتى لحقه الجيش ثم خرج فهو عليه إلى الآن ما غيره. قال إسماعيل بن إسحاق القاضي: دخلت على المعتضد فدفع إلي كتاباً. نظرت فيه فكأنه قد جمع له الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل منهم لنفسه، فقلت له: يا أمير المؤمنين، مصنف هذا الكتاب زنديق، فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد فأحرق ذلك الكتاب. حدث صافي الحرمي قال: مشيت يوماً بين يدي المعتضد وهو يريد دور الحرم، فلما بلغ إلى باب شغب، أم المقتدر، وقف يسمع ويتطلع من خلال الستر وإذا هو بالمقتدر، وله إذ ذاك خمس سنين أو نحوها وهو جالس وحواليه مقدار عشر وصائف من أقرانه في السن، وبين يديه طبق فضة فيه عنقود عنب في وقت فيه العنب عزيز جداً، والصبي يأكل عنبة واحدة ثم يطعم الجماعة عنبة عنبة على الدور، حتى إذا بلغ الدور إليه أكل عنبة واحدة مثل ما أكلوا حتى فني العنقود، والمعتضد يتميز غيظاً. قال: فرجع ولم يدخل الدار، ورأيته مغموماً فقلت: يا مولاي، ما سبب ما فعلته وما قد بان عليك؟ فقال: يا صافي، والله لولا النار والعار لقتلت هذا الصبي اليوم، فإن في قتله صلاحاً للأمة. فقلت: يا مولاي، حاشاه، أي شيء عمل؟ أعيذك بالله يا مولاي، العن إبليس، فقال: ويحك أنا أبصر بما أقول، أنا رجل قد سست الأمور وأصلحت الدنيا بعد فساد شديد، ولابد من موتي، وأعلم أن الناس بعدي لا يختارون غير ولدي، وسيجلسون ابني علياً يعني المكتفي، وما أظن عمره يطول للعلة التي به، يعني الخنازير، فيتلف عن قرب، ولا يرى الناس إخراجها عن ولدي، ولا يجدون بعده أكبر من جعفر فيجلسونه وهو صبي وله من الطبع في السخاء هذا الذي قد رأيت من أنه أطعم الصبيان مثل ما أكل، وساوى بينه وبينهم في شيء عزيز في العالم، والشح على مثله في طباع الصبيان، فتحتوي عليه النساء لقرب عهده بهن، فيقسم ما جمعته من الأموال كما قسم العنب، ويبذر ارتفاع الدنيا؟ ويخربها، فتضيع الثغور

стр. 808

وتنتشر الأمور ويخرج الخراج، وتحدث الأسباب التي يكون فيها زوال الملك عن بني العباس أصلاً. فقلت: يا مولاي، بل يبقيك الله تعالى حتى ينشأ في حياة منك ويصير كهلاً في أيامك، ويتأدب بآدابك، ولا يكون هذا الذي ظننت. فقال: احفظ عني ما أقوله فإنه كما قلت. قال: ومكث يومه مهموماًن وضرب الدهر ضربه. ومات المعتضد، وولي المكتفي فلم يطل عمره، ومات وولي المقتدر فكانت الصورة كما قاله المعتضد بعينه. فكنت كلما وقفت على رأس المقتدر وهو يشرب ورأيته قد دعا بالأموال فأخرجت إليه، وحللت البدر وجعل يفرقها على الجواري والنساء ويلعب بها ويمحقها ويهبها ذكرت مولاي المعتضد وبكيت. قال صافي: وكنت يوماً واقفاً على رأس المعتضد فقال: هاتم فلاناً الطيبي، يعني خادماً يلي خزانة الطيب، فأحضر فقال: كم عندك من الغالية؟ فقال: نيف وثلاثون جباً صينياً مما عمله عدة من الخلفاء. قال: فأيها أطيب؟ قال: ما عمله الواثق. قال: أحضرنيه فأحضره جباً عظيماً يحمله عدة، ففتح فإذا بغالية قد ابيضت من التعشيب وجمدت من العتق في نهاية الذكاء، فأعجبت المعتضد وأهوى بيده إلى حوالي عنق الجب، فأخذ من لطاخته شيئاً يسيراً من غير أن يشعب رأس الجب، وجعله في لحيته وقال: ما تسمح نفسي بتطريق التشعيب على هذا الجب، شيلوه. فرفع، ومضت الأيام ف جلس المكتفي يوماً، وهو خليفة، وأنا قائم على رأسه فطلب غالية فاستدعى الخادم وسأله عن الغوالي فأخبره بمثل ما كان أخبر به أباه، فاستدعى غالية الواثق فجاءه بالجب بعينه ففتح فاستطابه، وقال: أخرجوا منه قليلاً، فأخرج منه مقدار ثلاثين أو أربعين مثقالاً، فاستعمل منه في الحال ما أراد، ودعا بعتيدة له فجعل الباقي فيها ليستعمله على الطعام، وأمر بالجب فختم بحضرته ورفع. ومضت الأيام وولي المقتدر الخلافة، وجلس مع الجواري يوماً وكنت على رأسه، فأراد أن يتطيب فدعا الخادم وسأله فأخبره بمثل ما أخبر به أباه وأخاه، فقال: هات الغوالي كلها، فأحضر الجباب كلها، فجعل يخرج من كل جب مئة مثقال وأقل وأكثر فيشمه

стр. 809

ويفرقه على من بحضرته حتى انتهى إلى جب الواثق فاستطابه فقال: هاتم عتيدة حتى يخرج منه إليها ما يستعمل، فجاؤوه بعتيدة فكانت عتيدة المكتفي بعينها. ورأى الجب ناقصاً والعتيدة فيها قدح الغالية ما استعمل منه كثير شيء فقال: ما السبب في هذا؟ فأخبرته بالسبب على حاله، فأخذ يعجب من بخل الرجلين، ويضع منهما بذلك، ثم قال: فرقوا الجب بأسره على الجواري، فما زال يخرج منه أرطالاً أرطالاً وأنا أتمزق غيظاً، وأذكر حديث العنب وكلام مولاي المعتضد إلى أن مضى قريب من نصف الجب، فقلت له: يا مولاي، إن هذه الغالية أطيب الغالي وأعتقها وما لا يعتاض منه فلو تركت ما بقي منها لنفسك، وفرقت من غيرها كان أولى. قال: - وخرت دموعي لما ذكرته من كلام المعتضد - فاستحيا مني، فرفعت الجب فما مضت إلا سنون من خلافته حتى فنيت تلك الغوالي واحتاج إلى أن عجن غالية بمال عظيم. قال أبو محمد عبد الله بن حمدون: قال لي المعتضد ليلة وقد قدم له عشاء: لقمني، قال: وكان الذي قدم فراريج ودراريج، فلقمته من صدر فروج فقال: لا، لقمني من فخذه، فلقمته لقماً، ثم قال: هات من الدراريج فلقمته من أفخاذها فقال: ويلك هو ذا تتنادر علي؟! هات من صدورها، فقلت: يا مولاي، ركبت القياس فضحك، فقلت: إلى كم أضحكك ولا تضحكني؟ قال: شل المطرح وخذ ما تحته. قال: فشلته فإذا دينار واحد، فقلت: آخذ هذا؟ فقال: نعم، فقلت: يالله هو ذا تتنادر أنت الساعة علي! خليفةً يجيز نديمه بدينار؟ فقال: ويلك لا أجد لك في بيت المال حقاً أكثر من هذا، ولا تسمح نفسي أن أعطيك من مالي شيئاً، ولكن هو ذا أحتال لك بحيلة تأخذ فيها خمسة آلاف دينار، فقبلت يده، فقال: إذا كان غداً وجاءني القاسم - يعني ابن عبيد الله - فهو ذا أسارك - حتى تقع عيني عليه - سراراً طويلاً التفت فيه إليه كالمغضب، وانظر أنت إليه في خلال ذلك كالمخالس لي نظر المترثي له، فإذا انقطع السرار فيخرج ولا يبرح الدهليز أو تخرج، فإذا خرجت خاطبك بجميل وأخذك إلى دعوته، وسألك عن حالك، فاشك الفقر والخلة وقلة حظك مني وثقل ظهرك بالدين والعيال، وخذ ما يعطيك، واطلب كل ما تقع عينك عليه، فإنه لا يمنعك حتى تستوفي الخمسة آلاف دينار، فإذا أخذتها فسيسألك عما جرى بيننا فاصدقه، وإياك أن تكذبه وعرفه أن ذلك حيلة مني عليه حتى وصل إليك هذا، وليكن

стр. 810

إخبارك له بعد امتناع شديد وأحلاف منه لك بالطلاق والعتاق أن يصدقه، وبعد أن يخرج من داره كل ما يعطيك. فلما كان من غد حضر القاسم فحين رآه بدأ يسارني وجرت القصة على ما واضعني عليه، فخرجت فإذا القاسم في الدهليز ينتظرني فقال: يا أبا محمد، ما هذا الجفاء لا تجيئني ولا تزورني ولا تسألني حاجة؟! فاعتذرت إليه باتصال الخدمة علي، فقال: ما تقنعني إلا أن تزورني اليوم وتتفرج، فقلت: أنا خادم الوزير، فأخذني إلى طياره وجعل يسألني عن حالي وأخباري فأشكو إليه الخلة والإضاقة والدين والبنات وجفاء الخليفة وإمساكه يده، فيتوجع ويقول: يا هذا ما لي لك ولن يضيق عليك ما يتسع علي، ولو عرفتني لعاونتك على إزالة هذا كله عنك فشكرته. وبلغنا داره فصعد ولم ينظر في شيء وقال: هذا يوم أحتاج أن أختص فيه بالسرور بأبي محمد فلا يقطعني أحد عنه. وأمر كتابه بالتشاغل بالأعمال وخلا بي في دار الخلوة، وجعل يجاذبني وينشطني، وقدمت الفاكهة فجعل يلقمني بيده وجاء الطعام، فكان هذا سبيله، فلما جلس للشرب وقع لي بثلاثة آلاف دينار فأخذتها للوقت وأحضرني ثياباً وطيباً ومركوباً فأخذت ذلك، وكان بين يدي صينية فضة فيها مغسل فضة وخرداذي بلور وكوز وقدح بلور فأمر بحمله إلى طياري، وأقبلت كلما رأيت شيئاً حسناً له قيمة وافرة طلبته. وحمل إلي فرشاً نفيساً وقال: هذا للبنات. فلما تقوض المجلس خلا بي وقال: يا أبا محمد، أنت عالم بحقوق أبي عليك، ومودتي لك، فقلت: أنا خادم الوزير، فقال: أريد أن أسألك عن شيء، وتحلف لي أنك تصدقني عنه، فقلت: السمع والطاعة، فأحلفني بالله وبالطلاق والعتاق على الصدق، ثم قال: بأي شيء سارك الخليفة اليوم، في أمري؟ فصدقته عن كل ما جرى حرفاً بحرف، فقال: فرجت عني، ولكون هذا هكذا مع سلامة نيته لي انهل علي فشكرته وودعته وانصرفت. فلما كان من الغد باكرت المعتضد فقال: هات حديثك فسقته عليه فقال: احفظ الدنانير ولا يقع لك أني أعمل مثلها معك بسرعة. قال محمد بن يحيى الصولي: كان مع المعتضد أعرابي فصيح يقال له: شعلة بن شهاب اليشكري، وكان يأنس به،

стр. 811

فأرسله إلى محمد بن عيسى بن شيخ وكان عارفاً به ليرغبه في الطاعة ويحذره العصيان ويرفق به. قال شعلة: فصرت إليه فخاطبته أقرب خطاب، فلم يجيبني فوجهت إلى عمته أم الشريف، فصرت إليها فقالت: يا أبا شهاب، كيف خلفت أمير المؤمنين؟ فقلت: خلفته أماراً بالمعروف، فعالاً للخير، متعززاً على الباطل، متذللاً للحق، لا تأخذه في الله لومة لائم. فقالت لي: أهل ذلك هو ومستحقه وكيف لا يكون كذلك وهو ظل الله الممدود على بلاده، وخليفته المؤتمن على عباده، أعز به دينه، وأحيا به سنته، وثبت به شرائعه، ثم قالت: يا أبا شهاب، فكيف رأيت صاحبنا؟ قلت: رأيت حدثاً معجباً قد استحوذ عليه السفهاء، واستبد بآرائهم، وأنصت لأقوالهم، يزخرفون له الكذب، ويوردونه الندم، فقالت: هل لك أن ترجع إليه بكتابي قبل لقاء أمير المؤمنين، فلعلك تحل عقد السفهاء؟ قلت: أجل، فكتبت إليه كتاباً حسناً لطيفاً أجزلت فيه الموعظة، وأخلصت فيه النصيحة، بهذه الأبيات: من البسيط اقبل نصيحة أمٍّ قلبها وجلٌ ... عليك خوفاً وإشفاقاً وقل سددا واستعمل الفكر في قولٍ فإنك إن ... فكرت ألفيت في قولي لك الرشدا ولا تثق برجالٍ في قلوبهم ... ضغائن تبعث الشنآن والحسدا مثل النعاج خمولاً في بيوتهم ... حتى إذا أمنوا ألفيتهم أسدا وداو داءك والأدواء ممكنةٌ ... وإذ طبيبك قد ألقى عليك يدا أعط الخليفة ما يرضيه منك ولا ... تمنعه مالاً ولا أهلاً ولا ولدا واردد أخا يشكرٍ رداً يكون له ... ردءاً من السوء لا تشمت به أحدا قال: فأخذت الكتاب وصرت به إلى محمد بن أحمد بن عيسى. فلما نظر فيه رمى به إلي ثم قال: يا أخا يشكر، ما بآراء النساء تتم الأمور ولا بعقولهن يساس الملك، ارجع إلى صاحبك فرجعت إلى أمير المؤمنين فأخبرته الخبر على حقه وصدقه فقال: وأين كتاب أم الشريف فدفعته إليه فقرأه وأعجبه شعرها، ثم قال: والله إني لأرجو أن أشفعها في كثير من القوم. فلما كان من فتح آمد ما كان أرسل إلي المعتضد فقال: يا شعلة هل عندك علم من أم الشريف؟ قلت: لا، والله، قال: فامض مع هذا الخادم فإنك ستجدها في جملة نسائها. قال: فمضيت، فلما بصرت بي من بعيد سفرت عن وجهها

стр. 812

وأنشدت: من مجزوء الكامل ريب الزمان وصرفه ... وعناده كشف القناعا وأذ بعد العز منا الصعب ... والبطل الشجاعا ولكم نصحت فما أطع ... ت وكم حرصت بأن أطاعا فأبى بنا المقدار إلا ... أن نقسم أو نباعا يا ليت شعري هل نرى ... يوماً لفرقتنا اجتماعا قال: ثم بكت حتى علا صوتها، وضربت بيدها على الأخرى وقالت: يا أبا شهاب، إنا لله وإنا إليه راجعون، كأني والله كنت أرى ما أرى فقلت لها: إن أمير المؤمنين وجه بي إليك، وما ذاك إلا لجميل رأيه فيك، فقالت لي: فهل لك أن توصل لي رقعة إليه؟ قلت: هل لي فدفعت إلي رقعة فيها: من الكامل قل للخليفة والإمام المرتضى ... وابن الخلائف من قريش الأبطح علم الهدى ومناره وسراجه ... مفتاح كل عظيمةٍ لم تفتح بك أصلح الله البلاد وأهلها ... بعد الفساد وطالما لم تصلح قد زحزحت بك هضبة العرب التي ... لولاك بعد الله لم تتزحزح أعطاك ربك ما تحب فأعطه ... ما قد يحب وجد بعفوٍ واصفح يا بهجة الدنيا وبدر ملوكها ... هب ظالمي ومفسدي لمصلح فصرت بالرقعة إلى المعتضد، فلما قرأها ضحك وقال: لقد نصحت لو قبل منها وأمر أن يحمل إليها خمسون ألف درهم وخمسون تختاً من الثياب، وأمر أن يحمل مثل ذلك إلى محمد بن أحمد بن عيسى. قال وصيف خادم المعتضد: سمعت المعتضد بالله ينشد عند موته وقد أخذ بكظمه يقول: من الطويل تمتع من الدنيا فإنك لا تبقى ... وخذ صفوها ما إن صفت ودع الرنقا ولا تأمنن الدهر إني أمنته ... فلم يبق لي حالاً ولم يرع لي حقا

стр. 813

قتلت صناديد الرجال ولم أدع ... عدواً ولم أمهل على ظنةٍ خلقا وأخليت دار الملك من كل نازعٍ ... فشردتهم غرباً وشردتهم شرقا فلما بلغت النجم عزاً ورفعةً ... وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقا رماني الردى سهماً فأخمد جمرتي ... فهأنذا في حفرتي عاجلاً ألقى ولم يغن عني ما جمعت ولم أجد ... لذي ملك الأحياء في حينها رفقا فأفسدت دنياي وديني سفاهةً ... فمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى فيا ليت شعري بعد موتي ما ألقى ... إلى نعمةٍ لله أم ناره ألقى ولي المعتضد الخلافة لعشر بقين من رجب سنة تسع وسبعين ومئتين. وتوفي لثمان بقين من ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومئتين. فكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر ويومين. وله من السن خمس وأربعون وعشرة أشهر وأيام. وكان أسمر نحيف الجسم معتدل الخلق، قد وخطه الشيب، في مقدم لحيته طول. قال صافي الحرمي: لما مات المعتضد بالله كفنته في ثوبين قوهي، قيمتها ستة عشر قيراطاً. وأم المعتضد أم ولد يقال لها ضرار، وقيل خفير، ماتت قبل خلافته بيسير، ومولده سنة ثلاث وأربعين ومئتين. ولما مات بويع ابنه محمد المكتفي بالله بن المعتضد بالله. أحمد بن طولون أبو العباس الأمير ولد بسامراء، وولي إمرة دمشق والثغور والعواصم ومصر مدة. حدث الحافظ ابن عساكر بسنده عن بعض مشايخ المصريين أن أحمد المعروف بابن طولون، ذكروا أن طولون تبناه، وأنه لم يكن ابنه وأنه كان ظاهر النجابة من صغره. وكان له بأهل الحاجات عناية. وكان أبداً يسأله فيهم، فيعجب

стр. 814

بذلك منه، ويزداد بصيرة فيه، وأنه دخل إليه يوماً، فقال له: ما لك؟ فقال: بالباب قوم ضعفاء، لو كتبت لهم بشيء. فقال: امض إلى موضع كذا لطاقة في بعض مقاصير القصر، فهنالك قرطاس تأتيني به حتى أكتب لهم بما رغبت فيه، فنهض إلى ذلك الموضع فوجد في طريقه في بعض تلك المقاصير حظية من حظايا الأمير، وقد خلا بها بعض الخدم، فسكت، وأخذ حاجته وانصرف إليه، فكتب له وخرج، وخشيت الحظية أن يسبقها بالقول، فأقبلت إلى الأمير من فورها، فأخبرته أن أحمد قد راودها عن نفسها، وذكرت له المكان الذي وجدها فيه، فوقع في نفسه صدقها من أجل إرساله إياه إلى ذلك الموضع، والرؤساء يفقدون عقولهم عند أقل شيء يسمعونه في الرئاسة أو في الحرم، وقلما يثبتون عندهما. فلما انصرف أحمد كتب له كتاباً إلى أحد خدمه يأمره فيه بقتل حامل الكتاب دون مشاورة، وأرسل أحمد به فخرج أحمد مسرعاً بالكتاب. ورأته الحظية في بعض مجالسها فاستدعته، فأخبرها أنه مشغول بحاجة وأنه كلفه إياها الأمير، وأراها الكتاب، وهو لا يدري ما فيه. فقالت: لا عليك، أنا أرسل به، واقعد أنت فإني أحتاج إليك، واستدعت ذلك الخادم، فأرسلته بالكتاب إلى المأمور بحمله إليه، وشغلت هي أحمد بكتاب شيء بين يديها، وإنما شغلته ليزيد حنق السيد عليه، ونهض ذلك الخادم بالكتاب فامتثل فيه الأمر وأرسل بالرأس إليه، فلما رآه سأل عن أحمد، فاستدعاه وقال: أخبرني بالصدق، ما الذي رأيت في طريقك إلى الموضع الذي أرسلتك إليه غير القرطاس. فقال: ما رأيت شيئاً. فقال: والله إن لم تخبرني لأقتلنك. فأخبره. وسمعت الحظية بقتل الخادم، فجرت إلى مولاها مرنبة ذليلة تطلب العفو، وهي تظن أن الأمر قد صح عند مولاها فقال لها: أخبريني بالحق، فبرأت أحمد، وتبين له صحة الأمر، فأمر بقتلها، وحظي أحمد عنده، حتى ولاه الأمر بعده. حدث أبو عيسى محمد بن أحمد بن القاسم اللؤلؤي أن طولون رجل من طغرغز، وأن نوح بن أسد عامل بخارى أهداه إلى المأمون في جملة رقيق حمله إليه في سنة مئتين، وولد له ابنه أحمد سنة عشرين ومئتين. ومات طولون

стр. 815

سنة أربعين ومئتين. ونشأ أحمد ابنه على مذهب جميل وطريقة مستقيمة، وطلب العلم وحفظ القرآن، وكان من أدرس الناس للقرآن، ورزق حسن الصوت، ودخل إلى مصر في الأربعاء لسبع بقين من رمضان سنة أربع وخمسين ومئتين. قال: وخلف أحمد بن طولون عشرة ألف ألف دينار. وقيل إنه خلف ثلاثة وثلاثين ولداً، فيهم ذكور سبعة عشر. وأطبقت جريدته من الموالي على سبعة آلاف رجل. ومن الغلمان على أربعة وعشرين ألف غلام، ومن الخيل المروانية على سبعة آلاف رأس، ومن الجمال ألف وسبع مئة جمل، ومن بغال القباب والثقل ست مئة بغل، ومن المراكب الحربية مئة مركب، ومن الدواب لركابه مئة وثلاثين دابة. وكان خراج مصر في تلك السنة مع ما انضاف إليه من صاع الأمراء بحضرة السلطان أربعة آلاف ألف وثلاث مئة ألف دينار. وأنفق على الجامع في بنائه ونفقته مئة وعشرين ألف دينار، وعلى البيمارستان ومشتغله ستين ألف دينار، وعلى الميدان مئة وخمسين ألف، وعلى من ناب بالثغور ثمانين ألف دينار، وكان قائم صدقته في كل شهر ألف دينار. وراتب مطبخه وعلوفته كل يوم ألف دينار، وما يجريه على جماعة من المستخدمين وأبناء السبيل سوى ما كان يجريه السلطان خمس مئة دينار، وما يحمل لصدقات الثغور في كل شهر خمس مئة دينار، وما يقيمه من الأنزال والوظائف في كل شهر ألفي دينار. وحكي أن الجيش فرق كسوة أحمد في حاشيته. قال الحاكي: فلحقني منها نصيب، فما خلا ثوب منها من الرفاء ووجدت في بعضها رقعة. وكان أحمد بن طولون يقول: ينبغي للرئيس أن يجعل اقتصاده على نفسه وسماحته على من يشمله وقاصديه، فإنه يملكهم ملكاً لا يزول عن قلوبهم ولا تشذ معه سرائرهم.

стр. 816

وحدث أبو العباس أحمد بن خاقان، وكان ترباً لأحمد بن طولون قال: كان طولون تركياً من جيش يقال لهم طغرغز، وكان نوح بن أسد صاحب خراسان وجهه إلى الرشيد هارون سنة تسعين ومئة. وولد أحمد في سنة أربع عشرة ومئتين من جارية تسمى هاشم، وتوفي طولون سنة ثلاثين ومئتين ولأحمد ست عشر سنة ونشأ نشوءاً حسناً في العفة والتصون والدماثة وسماع الحديث حتى انتشر له حسن الذكر، وتصور في قلوب الناس بأفضل صورة، حتى صار في عداد من يوثق به ويؤتمن على السر والفروج والمال. وكان شديد الإزراء على الأتراك وأولادهم فيم يرتكبونه، غير راض بما يفعلونه إلى أن قال يوماً: إلى كم نقيم يا أخي على هذا الإيم لا نطأ موطئاً إلا كتب علينا فيه خطيئة. والصواب أن نسأل الوزير عبيد الله بن يحيى أن يكتب لنا بأرزاقنا إلى الثغر، ونقيم في ثواب، ففعلنا ذلك. فلما صرنا إلى طرسوس سر بما رأى من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأقبل على الترهب وذكر بعد هذا أنه عاد إلى العراق فزاد محله عند الأتراك فاختاره بابكباد لخلافته على مصر، فخرج إليها. وذكر غير هذا. ثم إنه غلب على دمشق بعد وفاة ايماجور أميرها. قال أبو الحارث إسماعيل بن إبراهيم المري: كان أول دخول أحمد بن طولون دمشق لما سار من مصر إليها في سنة أربع وستين ومئتين، بعد موت والٍ كان به يقال له: أماجور، وأخذ له مال عظيم، وخرج عن دمشق إلى أنطاكية وحاصر بها سيما وأصحابه حتى ظفر به وقتله وأخذ له مالاً عظيماً وفتحها عنوة. وصار إلى طرسوس ثم رجع إلى دمشق في هذه السنة في آخرها، وخرج منها حتى بلغ الرقة في طلب غلام له هرب منه يقال له لؤلؤ خرج إلى أبي أحمد الموفق في الأمان. ثم رجع ابن طولون إلى دمشق فاعتل بها وخرج في علته إلى مصر فتوفي بمصر في ذي القعدة سنة سبعين ومئتين.

стр. 817

قال أحمد بن محمد بن أبي العجائز وغيره من مشايخ دمشق: لما دخل أحمد بن طولون دمشق وقع فيها حريق عند كنيسة مريم فركب إليه أحمد بن طولون ومعه أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو وأبو عبد الله أحمد بن محمد الواسطي كاتبه ينظرون إلى الحريق، فالتفت أحمد بن طولون إلى أبي زرعة، فقال: ما يسمى هذا الموضع؟ فقال له أبو زرعة: يقال له كنيسة مريم. فقال أبو عبد الله: وكان لمريم كنيسة؟ فقال أبو زرعة: إنها ليست مريم بنت عمران أم عيسى وإنما بنى النصارى هذه الكنيسة فسموها باسمها. فقال أحمد بن طولون لأبي عبد الله الواسطي: ما أنت والاعتراض على الشيخ. ثم أمر بسبعين ألف دينار تخرج من ماله وتعطى كل من احترق له شيء ويقبل قوله ولا يستحلف عليه. فأعطوا وفضل من المال أربعة عشر ألف دينار، وكان يجري ذلك على يد أبي عبد الله الواسطي فراجع أبو عبد الله بن طولون فيما بقي من المال، فأمر أن يفرق على أصحاب الحريق على قدر شهامتهم ولا يرد إلى بيت المال منه شيء. وذكر ابن أبي مطر القاضي في كتابه قال: توفي بكار بن قتيبة يوم الأربعاء بعد صلاة العصر لست خلون من ذي الحجة سنة سبعين ومئتين. ومات ابن طولون قبله بشهر وأربعة أيام. قال محم بن علي المادرائي: كنت أجتاز تربة أحمد بن طولون فأرى شيخاً عند قبره يقرأن ملازماً القبر، ثم إني لم أره مدة ثم رأيته بعد ذلك، فقلت له: ألست الذي كنت أراك عند قبر أحمد بن طولون وأنت تقرأ عليه فقال: بلى، كان ولينا رئاسة في هذا البلد وكان له علينا بعض العدل إن لم يكن الكل، فأحببت أن أقرأ عنده وأصله بالقرآن. قال: قلت له: لم انقطعت عنه؟ فقال لي: رأيته في النوم وهو يقول لي: أحب ألا تقرأ عندي، فكأني أقول له: لأي سبب؟ فقال: ما تمر بي آية إلا قرعت بها، وقيل لي: ما سمعت هذه؟!

стр. 818

من اسم أبيه على حرف العين المهملة أحمد بن عاصم أبو عبد الله الأنطاكي الزاهد صاحب المواعظ سكن دمشق، وروى عن جماعة. حدث أحمد بن عاصم عن مخلد بن حسين عن هشام بن حسان قال: مررت بالحسن في السحر، وهو جالس، قال: قلت: يا أبا سعيد، مثلك يجلس في هذا الوقت؟ قال: إني توضأت فأردتها أن تقوم فتصلي فأبت علي وأرادتني على أن تنام فأبيت عليها. قال أحمد بن عاصم: كتب أخ ليونس بن عبيد الله: أما بعد، يا أخي فاكتب إلي كيف أنت، وكيف حالك؟ فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، يا أخي فإنك كتبت إلي تسألني أكتب إليك كيف أنا، وكيف حالي، وأعلمك يا أخي أن نفسي قد ذلت بصيام اليوم البعيد الطرفين، الشديد الحر ولم تذل لي بترك الكلام فيما لا يعنيني. قال أحمد بن عاصم: التقى فضيل بن عياض وسفيان الثوري فتذاكرا، فقال سفيان لفضيل: يا أبا علي، إني لأرجو ألا نكون جلسنا مجلساً قط أعظم علينا بركة من هذا المجلس! فقال الفضيل: لكني أخاف ألا نكون جلسنا مجلساً قط أضر علينا منه. قال: ولمه يا أبا علي؟! قال: ألست تخلصت إلى أحسن حديثك فحدثتني به وتخلصت أنا إلى أحسن حديثي فحدثتك به؟ فترتبت لي وترتبت لك؟ قال: فبكى سفيان بكاء أشد من البكاء الأول ثم قال: أحييتني أحياك الله.

стр. 819

وكنية أحمد بن عاصم، أبو علي، ويقال: أبو عبد الله، من متقدمي مشايخ الثغور، وكان أبو سليمان الداراني يسميه جاسوب القلوب لحدة فراسته. وكان من أقران بشر بن الحارث، والسري، والحارث المحاسبي. قال أحمد بن عاصم: إذا طلبت صلاح قلبك فاستعن له بحفظ لسانك. وقال: إذا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق، فإنهم جواسيس القلوب، يدخلون في قلوبكم ويخرجون منها من حيث لا تحتسبون. روي عن أحمد بن عاصم أنه كان يقول: هذه غنيمة باردة، أصلح ما بقي من عمرك يغفر لك ما مضى. وكان يقول: يسير اليقين يخرج كل الشك من القلب، ويسير الشك يخرج اليقين كله من القلب. قال أحمد بن أبي الحواري: قال لي أحمد بن عاصم: يا أبا الحسن، أحب ألا أموت حتى أعرف مولاي لا معرفة الإقرار به ولكن المعرفة التي إذا عرفته استحييت. قال أحمد بن عاصم: هممت بترك المخالطة والعزم على السكوت. وكتبت إلى الهيثم بن جميل أشاوره في ذلك، فكتب إلي: إن أبا سلمة حماد بن سلمة هم بذلك ولزم بيته، فترك إتيان السوق، فقال الناس: أبو سلمة لزم بيته، فنزل السوق فخرج حماد وجعل يقف على الشيء يساوم به لا يريد شراءه، ويقف على القوم يسلم عليهم ليدرأ تلك المقالة عن نفسه، فكسرني عن ذلك. قال أحمد بن عاصم: قلة الخوف من قلة الحزن في القلب، وإذا قل الحزن في القلب خرب القلب كما أن البيت إذا لم يسكن خرب.

стр. 820

قال أبو عبد الله الأنطاكي: إن أقل اليقين إذا وصل إلى القلب يملأ القلب نوراً، وينفي عنه كل ريب ويمتلىء القلب به شكراً ومن الله خوفاً. وكان يقول: من كان بالله أعرف كان له أخوف. وقال: كل نفس مسؤولة فمرتهنة أو مخلصة، وفكاك الرهون بعد قضاء الديون، فإذا علقت الرهون أكدت الديون، وإذا أكدت الديون استحقوا السجون. وقال: الخير كله في حرفين قلت: وما هما؟ قال: تزوى عنك الدنيا ويمن عليك بالقنوع، ويصرف عنك وجوه الناس ويمن عليك بالرضا. قال أحمد بن عاصم: فرائضت القلب: اطراح الدنيا، وطرح ما يكره الله، وطهارة الضمير، وتصحيح العزم، وصيانة العقول، ورعاية النعم في المعاملة، والفهم عن الله فيما يقع التدبير. وقال: أنفع العقل ما عرفك نعم الله عليك، وأعانك على شكرها، وقام بخلاف الهوى. سئل أحمد بن عاصم. ما علامة الرجاء في العبد؟ قال: أن يكون إذا أحاط به الإحسان ألهم الشكر راجياً لتمام النعمة من الله تعالى عليه في الدنيا وتمام عفوه في الآخرة. وقال: خير صاحب لك في دنياك الهم، يقطعك عن الدنيا ويوصلك إلى الآخرة. قال أحمد بن عاصم الحكيم: الناس ثلاث طبقات: فمطبوع غالب. هؤلاء أهل الإيمان والإتقان فإذا غفلوا ذكروا فرجعوا من غير أن يذكروا، وذلك قوله تعالى: " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائفٌ من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون " فهؤلاء الطبقة العليا من أصحاب رسول الله ﷺ ، والطبقة الثانية مطبوع مغلوب، فإذا بصروا، أبصروا، فرجعوا بقوة الطباع إلى محجة العقلاء، والطبقة الثالثة مطبوغ مغلوب غير ذي طباع ولا سبيل لك أن ترده بمواعظك وأدبك إلى محجة الفضلاء.

стр. 821

قال أحمد بن عاصم: من الطويل هممت ولم أعزم ولو كنت صادقاً ... عزمت ولكن الفطام شديد ولو كان لي عقلٌ وإيقان موقنٍ ... لما كنت عن قصد الطريق أحيد ولا كان في شك اليقين مطامعي ... ولكن عن الأقدار كيف أحيد؟ أحمد بن عامر بن عبد الواحد ابن العباس الربعي البرقعيدي سمع بدمشق وبغيرها. حدث عن أحمد بن عبد الواحد بن عبود بسنده عن ابن عباس في قوله " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " قال: العلماء. وحدث أيضاً عن محمد بن عبد الرحمن الجعفي بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالمٌ لم ينفعه علمه. توفي بعد سنة ثلاث مئة. أحمد بن عامر بن محمد بن يعقوب ابن عبد الملك أبو الحسن الطائي حفيد محمود بن خالد روى عن جماعة. حدث عن محمد بن إسحاق ويعرف بابن الحريص بسنده عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : من قضى لأخيه حاجة كان كمن خدم الله عمره. روى أحمد عن عامر بسنده عن الشافعي قال: كنت أناظر محمد بن الحسن فكان له في قلبي وزن لأدبه وفصاحته، حتى ناظرته في

стр. 822

صلاة الكسوف، فقام إلى غرفة له توهمت أنه يريد تهيئة الصلاة فسمعته وهو يقول بينه وبين نفسه: يحتج علي بصبي وامرأة، يعني ابن عباس وعائشة. قال الشافعي: فذهب ما كان له في قلبي من وزن. كان من أهل بيت علم، كان فيه جماعة محدثون من قبل أبيه وأمه. مات في المحرم سنة ست وعشرين وثلاث مئة. أحمد بن عامر بن معمر بن حماد أبو العباس الأزدي حدث رجل بدمشق بسنده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: أيما رجل باع سلعة فوجدها بعينها عند رجل قد أفلس ولم يكن قبض من ثمنها شيئاً فهي له، وإن كان قد قبض من ثمنها شيئاً فهو أسوة الغرماء. أحمد بن العباس بن الربيع أبو بكر البغدادي الحافظ يعرف بابن الفقاعي حدث بدمشق. روى عن هبيرة بن محمد الطيب بسنده عن ابن عمر أن النبي ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب. أحمد بن العباس بن محمد ابن الحسين بن عمرو بن نوح بن عمرو بن حوي بن نافع بن زرعة بن محصن ابن حبيب بن ثور بن خداش بن سكسك بن أشرس بن كندة أبو العباس الكندي المياهي وقيل في نسبه: أحمد بن الفضل بن حوي. قال: وأظن أن كنية أبيه: أبو الفضل فأسقط منه أبا.

стр. 823

حدث عن يوسف بن القاسم الميانجي بسنده عن أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : الحياء من الإيمان. أحمد بن العباس بن الوليد بن مزيد أبو العباس العذري البيروتي حدث عن محمد بن سليمان الأسدي، لوين، بسنده عن حذيفة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة. فلما بلغ القبر قعد رسول الله ﷺ على حافة القبر أو على شفته، فجعل ينظر فيه فقال: يضغط المؤمن في هذا ضغطة تزول منها حمائله ويملأ على الكافر ناراً. قال أبو جعفر - يعني لويناً -: الحمائل: ما تقع عليه حمائل السيف. أحمد بن عبد الله بن أحمد ابن ذكوان أبو عبيدة المقرىء قرأ القرآن وقرىء عليه. حدث عن أبيه بسنده عن ابن عباس قال: لما عزي رسول الله ﷺ بابنته رقية امرأة عثمان بن عفان قال: الحمد لله، دفن البنات من المكرمات. مات أبو عبيدة بدمشق في سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة. أحمد بن عبد الله بن أحمد أبو منصور الفرغاني نزيل مصر، سمع بدمشق. حدث عن أبي علي الحسن بن حبيب بن عبد الملك الدمشقي إمام مسجد باب الجابية بدمشق بسنده عن ابن عباس قال: توفي النبي ﷺ وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت محكم القرآن يعني المفصل.

стр. 824

أحمد بن عبد الله بن بندار أبو الحسن الشيرازي حدث ببعلبك في ذي القعدة سنة تسع عشرة وأربع مئة في المسجد المعروف بالقصر، قراءة عليه، وهو ينظر في أصله عن أبي القاسم محمود بن محمد بن عيسى الأصفهاني بشبام اليمن بسنده عن محمد بن علي الحنفي قال: قال المعلى مولى الصادق: سألت سيد جعفر بن محمد الصادق: فقلت: بأبي وأمي، إن العامة يزعمون أن الاختلاج غير صحيح قال: يا معلى هو صحيح. وذكر كتاب الاختلاج في مقدار ورقتين. أحمد بن عبد الله بن حمدون ابن نصير بن إبراهيم أبو الحسن، الرملي، المعروف بالجبريني قدم دمشق، وحدث بها عن جماعة. حدث عن أبي محمد عبد الله بن أبان بن شدد بعسقلان بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لله تسعةٌ وتسعون اسماً، مئة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة، إنه وتر يحب الوتر. وحدث عن أبي محمد بن الحسن بن فيل بسنده عن أبي علي الحسن بن علي عن الوزير بن القاسم قال: دخلت الحمام فرأيت عمرو بن هاشم البيروتي في الوزن فقلت له تدخل الحمام؟ قال: دخلت الحمام فرأيت الأوزاعي في الوزن فقلت له: تدخل الحمام؟ فقال: رأيت الزهري جالساً في الوزن فقلت: تدخل الحمام؟ فقال: رأيت أنس بن مالك في الوزن فقلت له: تدخل الحمام؟ فقال: دخلت الحمام فرأيت رسول الله ﷺ جالساً في

стр. 825

الوزن وعليه مئزر، فهبت أن أكلمه، فقال: يا أنس، إنما حرم الدخول إلى الحمام إلا بمئزر. أحمد بن عبد الله بن حميد ابن رزيق ويقال: أحمد بن عبد الله بن رزين بن حميد - أبو الحسن المخزومي البغدادي نزيل مصر، من ولد عمرو بن حريث سمع بدمشق وبغيرها جماعة. روى بإسناده عن أبي العباس محمد بن جعفر بن هشام بن ملاس النميري بدمشق بسنده عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : الشهر تسع وعشرون ليلة. وحدث عن أبي بكر أحمد بن سليمان بن زبان الكندي بدمشق بسنده عن جويرية بنت الحارث أن النبي ﷺ دخل عليها فقال لها: هل من طعام؟ قالت: لا إلا عظماً أعطيته مولاة لنا من الصدقة. قال: قربيه، فقد بلغت محلها. انتقل عن بغداد إلى مصر، وأقام بها إلى أن مات في سنة نيف وتسعين وثلاث مئة، وقيل: في سنة إحدى وتسعين وثلاث مئة، يوم الثلاثاء لثمان بقين من ربيع الأول وقيل يوم الاثنين لسبع خلون منه. وكان ثقة مأموناً. أحمد بن عبد الله بن سليمان أبو علي العبدي حدث عن جماعة. روى عن عمر بن محمد بن الحسن النجاري بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لكل نبي حرم، وحرمي المدينة، اللهم إني أحرمها كما حرم إبراهيم مكة لا يؤوى فيها

стр. 826

محدث ولا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها، ولا تؤخذ لقطتها إلا لمنشد. أحمد بن عبد الله بن عبد الله ابن عمرو بن عبد الله بن صفوان، أبو بكر ابن أبي دجانة النصري الشاهد حدث عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بسنده عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم. ولد في رجب سنة ثمانين ومئتين، وتوفي يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة مضت من رمضان سنة ست وخمسين وثلاث مئة. وكان ثقة مأموناً. أحمد بن عبد الله بن عبد الرزاق ابن عمر بن مسلم أبو الحسن الدمشقي المقرىء روى عن جماعة. الشيخ الصالح الثقة. حدث عن أبي الجماهير بسنده عن سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ كان يدعو: اللهم ضع في أرضنا بركتها وزينتها وسكنها.

стр. 827

أحمد بن عبد الله بن عراك ابن الركين بن العلاء بن فطانة، أبو بكر الدهستاني حدث بدمشق وغيرها روى عن أبي نصر أحمد بن عبد الباقي بن الحسن بن طوق بن سلام بن المختار بن سليم الربعي الخيراني بالموصل بسنده عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: من جاء إلى الجمعة فليغتسل. وروى عن أحمد بن عبد الباقي بن الحسن الربعي بسنده عن عبد الله بن قيس قال: قال رسول الله ﷺ : جنتان من ذهب وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما. وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنات عدن. أحمد بن عبد الله بن علي ابن طاوس بن موسى بن العباس بن طاوس، أبو الركاب المقرىء البغدادي سمع ببغداد، وقرأ القرآن بروايات كثيرة، وانتقل إلى دمشق في شعبان سنة إحدى وخمسين وأربع مئة، فاستوطنها إلى أن مات بها. وصنف في القراءات. وأقرأ القرآن بروايات. وكان ثقة خيراً مداوماً لتلاوة القرآن ماهراً فيها. حدث بدمشق عن أبي طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان بسنده عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر. ختم القرآن في سنة ثلاث وعشرين وأربع مئة وعمره عشر سنين أو أقل. وتوفي في يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة بدمشق

стр. 828

أحمد بن عبد الله بن عمر ابن حفص ويقال جعفر أبو علي المالكي البغدادي سكن حلب، وقدم دمشق، وحدث بها. حدث عن أبي شعيب عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: المعدة حوض البدن، والعروق إليها واردة، فإذا صحت المعدة صدرت العروق بالصحة، وإذا سقمت المعدة صدرت العروق بالسقم. أحمد بن عبد الله بن عمر الدمشقي حدث عن عبد الله بن ثابت البغدادي بسنده عن محمد بن أبي كبشة قال: سمعت هاتفاً في البحر ليلاً يقول: لا إله إلا الله، كذب المريسي على الله. قال: ثم هتف ثانية فقال: لا إله إلا الله، على ثمامة والمريسي لعنة الله. قال: وكان معنا في المركب رجل من أصحاب المريسي فخر ميتاً. أحمد بن عبد الله بن عمرو الدمشقي حدث عن أبي الحسن محمد بن محمد بن النفاخ بن بدر الباهلي بمصر بسنده عن عبد الله بن أبي أوفى أن النبي ﷺ بشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا سخب فيه ولا نصب.

стр. 829

أحمد بن عبد الله بن الفرج ابن عبد الله أبو بكر القرشي، المعروف بابن البرامي، مولى بني أمية روى عن جماعة. روى سنة أربعين وثلاث مئة عن أبي بكر محمد بن أحمد بن إبراهيم المعافري الرملي بسنده عن أنس أن رسول الله ﷺ مشى في الرمل في شدة الحر فأحرق قدميه، فقال: لولا رمل بين غزة وعسقلان لعنت الرمل. كان أبو بكر أحمد بن عبد الله مولى الوليد بن عبد الملك بن مروان، وكان كهلاً يكتب الحديث، يعرف بابن البرامي. مات سنة ست وأربعين وثلاث مئة. أحمد بن عبد الله بن محمد ابن عبد الله بن محمد بن بشر بن مغفل بن حسان بن عبد الله بن مغفل، أبو محمد المزني المغفلي الهروي من أعيان أهل خراسان. رحل وسمع بدمشق وبهراة وبالعراق وبمصر جماعة. وروى عنه جماعة. حدث عن محمد بن سهل العطار بسنده عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال النبي ﷺ : يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيته عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك. وحدث ببخارى إملاء عن عبد الله بن محمد بن ناجية بسنده عن أبي موسى الأشعري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ينزل الله إلى السماء الدنيا في النصف من شعبان فيغفر لكل مسلم إلا مشرك أو مشاحن. قال الحاكم: سمعت أبا محمد المزني يقول: حديث النزول وقد ثبت عن رسول الله ﷺ من وجوه صحيحة. وورد في التنزيل

стр. 830

ما يصدقه وهو قوله : " وجاء ربك والملك صفاً صفا " والنزول والمجيء صفتان منفيتان من صفات الله من طريق الحركة والانتقال من حال إلى حال، بل هما صفتان من صفات الله بلا تشبيه، جل الله عما تقول المعطلة بصفاته والمشبهة بها علواً كبيراً. وكان أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني إمام أهل العلم والوجوه وأولياء السلطان بخراسان في عصره بلا مدافعة. وكان مجاوراً بمكة، فورد الكتاب من مصر بأن يحج أبو محمد بالناس، ويخطب بعرفات ومنى وتلك المشاعر. قال: فصلى بنا بعرفات، وأتم الصلاة، فصاح الناس وعجوا، فصعد المنبر: فقال: أيها الناس، أنا مقيم وأنتم على سفر، ولذلك أتممت. توفي أبو محمد غدوة يوم الثلاثاء السابع عشر من رمضان سنة ست وخمسين وثلاث مئة. وحمل بعد الظهر تابوته إلى السهلة، فوضع على باب السلطان - يعني ببخارى - وحمل الوزير أبو علي البلعمي تابوته أحد شقيه على عاتقه بعد الصلاة، وقدم ابنه للصلاة عليه، وقدمت البغال وحملوا جثته الطيبة إلى وطنه الذي قتله حبه، بهراة ودفن بها. قال أبو نصر بشر بن أبي محمد المزني في مأتم أبيه: إن آخر كلمة تكلم بها أبوه أن قبض على لحيته بيده اليسرى ورفع يده اليمنى إلى السماء فقال: ارحم شيبة شيخ جاءك بتوفيقك على الفطرة. أحمد بن عبد الله ويقال عبد الله بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب. كما زعم وهو صاحب الحال، أخو علي بن عبد الله القرمطي، بايعته القرامطة بعد قتل

стр. 831

أخيه بنواحي دمشق، وتسمى بالمهدي واقتيد بالشام فبعث إليه المكتفي عسكراً في المحرم سنة إحدى وتسعين ومئتين، فقتل من أصحابه خلق كثير، ومضى هو في نفر من أصحابه يريد الكوفة فأخذ بقرب قرية تعرف بالدالية من سقي الفرات، وحمل إلى بغداد وأشهر، وطيف به على بعير، ثم بنيت له دكة فقتل عليها هو وأصحابه الذين أخذوا معه يوم الاثنين لسبع بقين من ربيع الأول سنة إحدى وتسعين ومئتين. قال أبو محمد إسماعيل بن علي بن إسماعيل الخطبي قال: قام مقامه - يعني مقام صاحب الجبل - أخ له في وجهه خال يعرف به يقال له صاحب الخال. فأسرف في سوء الفعل وقبح السيرة وكثرة القتل حتى تجاوز ما فعله أخوه وتضاعف قبح فعله على فعله وقتل الأطفال ونابذ الإسلام وأهله، ولم يتعلق منه بشيء. فخرج المكتفي بالله إلى الرقة وسير إليه الجيوش فكانت له وقائع، وزادت أيامه على أيام أخيه في المدة والبلاء حتى هزم وهرب وظفر به في موضع يقال له الدالية بناحية الرحبة، فأخذ أسيراً وأخذ معه ابن عم له يقال له: المدثر، وكان قد رشحه للأمر بعده، وذلك في المحرم سنة إحدى وتسعين. وانصرف المكتفي بالله إلى بغداد وهو معه فركب المكتفي ركوباً ظاهراً في الجيش والتعبئة وهو بين يديه على الفيل وجماعة من أصحابه على الجمال مشهرين بالبرانس، وذلك يوم الاثنين غرة ربيع الأول سنة إحدى وتسعين. ثم بنيت له دكة في المصلى، وحمل إليها هو وجماعة أصحابه فقتلوا عليها جميعاً في ربيع الآخر بعد أن ضرب بالسياط، وكوي جبينه بالنار وقطعت منه الأربعة ثم قتل ونودي في الناس فخرجوا مخرجاً عظيماً للنظر إليه. وصلب بعد ذلك في رحبة الجسر. وقيل إنه وأخاه من قرية من قرى الكوفة يقال لها الصوان، وهما، فيما ذكر، ابنا زكرويه بن مهرويه القرمطي الذي خرج في طريق مكة في آخر سنة ثلاث وتسعين ومئتين، وتلقى الحاج في المحرم من سنة أربع وتسعين فقتلهم قتلاً ذريعاً لم يسمع قبل بمثله واستباح القوافل وأخذ شمسة البيت الحرام، وقبل ذلك دخل الكوفة يوم الأضحى بغتة

стр. 832

وأخرج منها ثم لقيه جيش السلطان بظاهر الكوفة بعد دخوله إليها وخروجه عنها فهزمهم، وأخذ ما كان معهم من السلاح والعدة فقوي بها، وعظم أمره في النفوس وأجلبت معه كلب وأسد وكان يدعى السيد. ثم سير إليه السلطان جيشاً عظيماً فلقوه بذي قار بين البصرة والكوفة في العراض، فهزم وأسر جريحاً ثم مات. وكان أخذه أسيراً يوم الأحد لثمان بقين من ربيع الأول سنة أربع وتسعين بعد أن أسر فقدم به إلى بغداد مشهوراً في ربيع الأول وشهرت الشمسة بين يديه ليعلم الناس أنها قد استرجعت وطيف به ببغداد، وقيل إنه خرج يطلب بثأر ابنه المقتول على الدكة. ومن شعره في الفخر: من مجزوء الكامل سبقت يدي يده بضر ... بة هاشمي المحتد وأنا ابن أحمد لم أقل ... كذباً ولم أتزيد من خوف بأسي قال بد ... رٌ ليتني لم أولد يعني بدر الحمامي الطولوني أمير دمشق. أحمد بن عبد الله بن مرزوق أبو العباس الأصبهاني الدستجردي قدم دمشق، وحدث بها سنة سبع وأربعين وخمس مئة. قال الحافظ: كان يروي كتاب الترغيب والترهيب، فجلست معه لما شرع في التحديث به حرصاً مني على معارضة نسختي مرة ثانية، فكان إذا أخطأ في قراءته رددت عليه، فيشق عليه. ولقد جاء في نسخته حديث من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة،

стр. 833

فسقط منه ذكر سهيل عن أبيه، فرددت عليه، فأراد أن يماري فيه، فقلت: هذا لا يخفى على الصبيان، ولم أعد للحضور معه. حدث أبو العباس الأصبهاني عن أبي بكر محمد بن أبي القاسم الفضل بن محمد الفراتي وغيره بسنده عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : إن الرجل ليكون من أهل الصلاة والزكاة والحج والعمرة والجهاد حتى ذكر سهام الخير وما يجزى يوم القيامة إلا بقدر عقله. أحمد بن عبد الله أبي الحواري ابن ميمون بن عياش بن الحارث، أبو الحسن التغلبي الغطفاني الزاهد أحد الثقات. أصله من الكوفة وسكن دمشق. روى عن جماعة وأعيان، وروى عنه جماعة وأعيان. روى عن حفص بن غياث بسنده عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : إذا مرض العبد أو سافر أمر أن يكتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم، وفي رواية أخرى: كتب له مثل أجره وهو صحيح. أبو الحسن أحمد بن أبي الحواري من قدماء مشايخ الشام، من أهل دمشق تكلم في علوم المحبة والمعاملات، وصحب أبا سليمان الداراني، وأخذ طريقة الزهد من أبيه أبي الحواري. واسم أبي الحواري ميمون، ويقال عبد الله بن ميمون. ولأحمد ابن يقال له عبد الله، وكان من الزهاد أيضاً. وكان الجنيد يقول: أحمد بن أبي الحواري ريحانة الشام. قال يحيى بن معين - وذكر أحمد بن أبي الحواري - فقال: أهل الشام به يمطرون.

стр. 834

قال يوسف بن الحسين: طلب أحمد بن أبي الحواري العلم ثلاثين سنة، فلما بلغ منه الغاية حمل كتبه كلها إلى البحر فغرقها، وقال: يا علم، لم أفعل بك هذا تهاوناً بك ولا استخفافاً بحقك، ولكني كنت أطلبك لأهتدي بك إلى ربي، فلما اهتديت بك إلى ربي استغنيت عنك. قال يوسف بن الحسين: كان بين أبي سليمان وأحمد بن الحواري عقد لا يخالفه في شيء يأمره به، فجاءه يوماً وهو يتكلم في مجلسه فقال: إن التنور قد سجر فما تأمر؟ فلم يجبه، فقال مرتين ثلاثة، فقال أبو سليمان اذهب فاقعد فيه، كان ضاق به قلبه. وتغافل أبو سليمان ساعة، ثم ذكر فقال: اطلبوا أحمد فإنه في التنور لأنه على عقد ألا يخالفني، فنظروا فإذا هو في التنور لم تحترق منه شعرة. قال محمد بن الفيض: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول لرجلين وأنا ثالثهما، وسألاه عن شيء فقال: والله لولا ما قد جرى أو مضى من السنة وسار في الناس من تقدمة أبي بكر وعمر وعثمان ما قدمنا على عليٍّ أحداً. يعني لسابقته وفضله وقدمته. قال ابن الفيض: أدركت من شيوخنا من شيوخ دمشق ممن يربع بعلي بن أبي طالب، وذكر قوماً فيهم أحمد بن أبي الحواري. قال عيسى بن عبد الله: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: لو خيرني مخير بين أن يسجر لي تنور فأرمي بنفسي فيه، فأحترق به ولا أبعث، وبين أن أبعث ولا أحاسب ويؤمر بي إلى الجنة، لظننت أني سأموت من الفرح بالتنور من قبل أن أصير إليه، قال: قلت: أنى ومع البعث إلى الجنة فقال لنا: فأين الوقوف بين يدي الله والتوبيخ. وكان أحمد بن أبي الحواري كريم الأخلاق، وكان من كرم أخلاقه أنه كان لا يزن كسراً ولا يأخذ كسراً، وإذا كان له درهم وكسر أخذ الدرهم ولم يأخذ الكسر، وإذا كان عليه وزن درهم ونصف وزن درهمين.

стр. 835

قال: وأحسن ما سمع منه: جاءه مولود، ولم يكن له شيء من الدنيا، فقال لتلميذ له قد جاءنا البارحة مولود، خذ لنا وزنة دقيق بنسيئة فقال تلميذه: والله إن هذه لمسبة على علماء الشام وعقلائها إذ لا يفتقدون هذا الشيخ، يجيئه مولود فلا يملك ثمن وزنة دقيق. قال: وكان بعض التجار قد وجه متاعاً إلى مصر، فنوى إن سلمه الله في ذهابه ومجيئه أن لأحمد مئتي درهم صحاحاً. فلما جاء المولود جاء المتاع، فدفع التاجر المئتي درهم إلى غلام له وقال: ادفعها إلى أحمد، وقل له: إن سيدي نذر إن سلم الله متاعه فلك فيه مئتا درهم، وقد سلمه الله ، فقال تلميذه: الحمد لله قد فرج عن الشيخ، فالدراهم بين يديه، حتى جاءه رجل فقال: يا أحمد البارحة جاءني مولود، عندك من الدنيا شيء؟ فرفع رأسه إلى السماء وقال: يا مولاي، هكذا بالعجلة ودفع المئتي الدرهم إليه، ثم قال لتلميذه: قم ويحك جئنا بالدقيق. قال أحمد بن أبي الحواري: قلت لأبي سليمان: صليت صلاة في خلوة فوجدت لها لذة، قال: وأي شيء ألذك فيها؟ قلت: حيث لم يرني أحد، فقال: إنك لضعيف حيث خطر بقلبك فكر الخلق. قال محمد بن عوف: رأيت أحمد بن أبي الحواري عندنا بانطرسوس، فلما أن صلى العتمة قام يصلي على الحائط، فاستفتح ب " الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين ". ثم رجعت فنمت ليلتي جمعاء، فلما كان السحر قبل انشقاق الفجر مررت بأحم بن أبي الحواري، وهو يقرأ " إياك نعبد وإياك نستعين " فلم يزل يرددها من العتمة إلى الصبح. قال عبد الله بن أحمد بن أبي الحواري: كنا نسمع بكاء أبي بالليل حتى نقول قد مات، ثم نسمع ضحكه حتى نقول قد جن.

стр. 836

قال الحسن بن حبيب: سمعت أبي يقول: خرجت مع أحمد بن أبي الحواري إلى رباط بيروت، فلم تزل الهدايا تجيئه من أول النهار إلى نصف النهار، ثم أقامني ففرقها إلى أن غابت الشمس، وقال لي: كن كذا يا حبيب لا تزد على الله ولا تدخر عنه، فلما كان في الليل خرجت معه إلى سور البلد، فسمع الحارس يقول: قل لزين الحنان: رد السلام، فصاح وسقط، وقال: قل لكل قلب يلحق حيث يشاء. قال أحمد بن أبي الحواري: دخلت على بعض المتعبدين أعوده، فقلت: كيف تجدك؟ فقال: بحال شريفة، أسير كريم في حبس جواد مع أعوان صدق، والله لو لم يكن مما ترون لي عوض إلا ما أودع في قلبه من محبته لكنت حقيقاً على أن أدوم على الرضى عنه، وما الدنيا وما غاية البلاء فيها؟ هل هو إلا ما ترون بي من هذه العلة؟ وأوشك لئن استبد بي الأمر قليلاً لترحلني إلى سيدي، ولنعمت علةٌ رحلت بمحب إلى محبوب قد أضر به طول التخلف عنه. قال أحمد بن أبي الحواري: لا دليل على الله سواه، وإنما العلم يطلب لآداب الخدمة. قال أحمد بن أبي الحواري: صحبت أبا سليمان طول ما صحبته فما انتفعت بكلمة أقوى علي وأهدى لرشدي وأدل على الطريق من هذه الكلمة: قلت له في ابتداء أمري: أوصني فقال: أمستوصٍ أنت؟ قلت: إن شاء الله، قال: خالف نفسك في كل مراد لها فإنها الأمارة بالسوء، وإياك أن تحقر أحداً من المسلمين، واجعل طاعة الله دثاراً والخوف منه شعاراً، والإخلاص زاداً، والصدق جنة، واقبل مني هذه الكلمة الواحدة ولا تفارقها ولا تغفل عنها: إن منا استحى من الله في كل أوقاته وأحواله وأفعاله بلغه إلى مقام الأولياء من عباده. قال: فجعلت هذه الكلمة أمامي، ففي كل وقت أذكرها وأطالب نفسي بها. قال أحمد بن أبي الحواري: علامة حب الله حب طاعة الله. وقيل: حب ذكر الله، فإذا أحب الله العبد أحبه،

стр. 837

فلا يستطيع العبد أن يحب الله حتى يكون الابتداء من الله بالحب له، وذلك حين عرف منه الاجتهاد في مرضاته. وقال أحمد: أفضل البكاء بكاء العبد على ما فاته من أوقاته على غير الموافقة، أو بكاء على ما سبق له من المخالفة. قال حبيب بن عبد الملك: كنت عند أحمد بن أبي الحواري جالساً، فقال له رجل: يا أبا الحسن، أثابنا الله وإياك على الإسلام والسنة، فقال له أحمد: يا ذا الرجل، إنه من لم يكن مسيئاً فما هو مسلم، فقال له: يا أبا الحسن، فما السنة عندك؟ قال: أن يسلم أصحاب رسول الله ﷺ منك وتسلم منهم. قال أحمد: ما ابتلى الله عبداً بشيء أشد من الغفلة والقسوة. وقال: من عمل بلا اتباع سنة فباطلٌ عمله. وقال: من نظر إلى الدنيا نظر إرادة وحب لها أخرج الله نور اليقين والزهد من قلبه. وقال: من عرف الدنيا زهد فيها، ومن عرف الآخرة رغب فيها، ومن عرف الله آثر رضاه. ورد كتاب المأمون على إسحاق بن يحيى بن معاذ، وهو يومئذ والي دمشق بمحنة أحمد بن أبي الحواري وعبد الله بن ذكوان بالقول بخلق القرآن، وكانا على المسجد وكان ابن أبي دواد يعرفهما، فورد الكتاب على إسحاق، ولهما منه منزلة، فخفف عنهما في المحنة فأجاب عبد الله بن ذكوان وأبى أحمد بن أبي الحواري أن يجيب فحبس، ثم وجه إلى امرأته وصبيانه ليأتوه ويبكوا عليه ليرجع عن رأيه، وقيل له: ما في القرآن من الجبل والشجر مخلوق. وكان إسحاق مائلاً إليه فأجاب على هذا وكتب إسحاق بإجابتهما.

стр. 838

ومات أحمد بن أبي الحواري سنة ست وأربعين ومئتين في جمادى الآخرة. وقيل سنة خمس وأربعين ومئتين. وقيل سنة ثلاثين ومئتين، وهو وهم. وعمره اثنتان وثمانون سنة. ومولده سنة أربع وستين ومئة. أحمد بن عبد الله بن نصر ابن بجير بن عبد الله بن صالح بن أسامة، أبو العباس، والد القاضي أبي الطاهر الذهلي سمع بدمشق وبغيرها. حدث عن ربيعة بن الحارث الجبلاني بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إني قد ثقلت، فلا تبادروني بالركوع والسجود، فإني مهما أسقكم به إذا ركعت تدركوني إذا رفعت، ومهما أسبقكم إذا سجدت تدركوني إذا رفعت. مات ابن بجير القاضي سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة يوم الثلاثاء سلخ ربيع الآخر. أحمد بن عبد الله بن نصر بن هلال أبو الفضل السلمي حدث عن أبي عبد الرحمن المؤمل بن إهاب بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من قال أخاه أقال الله عثرته يوم القيامة. وروى أيضاً عن أبي عامر موسى بن عامر بسنده عن أنس عن رسول الله ﷺ قال: ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، ليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين تحرسها فينزل بالسبخة، فترجف المدينة ثلاث رجفات، يخرج إليه منها كل كافر ومنافق.

стр. 839

وحدث عن جعفر بن محمد بن حماد بسنده عن علي بن رباح أن أعمى كان له قائد بصير فغفل البصير، فوقعا في بئر، فمات البصير وسلم الأعمى، فجعل عمر ديته على عاقلة الأعمى. قال: فسمعته يقول في الحج: من الرجز يا أيها الناس لقيت منكرا هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا خرا معاً كلاهما تكسرا مات أبو الفضل أحمد بن هلال في جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة. أحمد بن عبيد الله بن الحسن ابن شقير أبو العلاء البغدادي النحوي حدث عن أبي بكر محمد بن هارون بن المجدر ببغداد بسنده عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : أنه قضى في الجنين بغرة عبدٍ أو أمة أو بفرس أو بغل. أحمد بن عبيد الله بن فضال أبو الفتح الحلبي الموازيني الشاعر، المعروف بالماهر. قرىء عليه في صفر سنة اثنتين وخمسين وأربع مئة يمدح أبا نصر صدقة بن يوسف: من الكامل لو سرت حين ملكت سيرة منصفٍ ... لسننت وحدك سنةً لم تعرف من صح قبلك في الهوى ميثاقه ... حتى تصح؟! ومن وفى حت تفي؟!

стр. 840

عرف الهوى في الخلق مذ خلق الهوى ... بمذلة الأقوى وعز الأضعف فلألبسن حملت أو لم أحتمل ... فيك السقام عطفت أو لم تعطف حتى يعاين كل لاحٍ عاذلٍ ... مني لجاجة كل صبٍّ مدنف يا من توقد في الحشا لصدوده ... نارٌ بغير وصاله ما تنطفي وهي طويلة. مات أبو الفتح أحمد بن عبيد الله الماهر في صفر بدمشق سنة اثنتين وخمسين وأربع مئة. ودفن في داره، ثم نقل إلى باب الصغير. أحمد بن عبيد الله الدمشقي روى عن الوليد بن مسلم بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : ما أنعم الله على عبد نعمة فأسبغها عليه، ثم وجه إليه من يطلب المعروف عنده فزبرهم إلا وقد تعرض لزوال تلك النعمة. أحمد بن عبد الباقي بن الحسن أبو الحسين القيسي النجاد حدث عن أبي عبد الله محمد بن علي بن الخضر بن سعيد السلمي بسنده عن عبد الله قال: نهانا رسول الله ﷺ عن النذر، وقال: إنه لا يرد من القدر شيئاً، وإنما يستخرج به، يعني: من البخيل. خرج أبو الحسين قاصداً للحج في رجب سنة ثلاث وعشرين وخمس مئة فسقط عن البعير قبل وصوله إلى الرحبة، فتوفي ودفن في الرحبة.

стр. 841

أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد أبو بكر العلوي الزيدي المروزي الواعظ الشافعي قدم دمشق وأملى بها الحديث، وعقد بها مجالس الوعظ وروى عن جماعة. حدث عن الشيخ السديد أبي منصور محمد بن علي بن محمد التاجر بسنده عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ قال: عرض علي الأنبياء، فإذا موسى ﵇ رجل ضربٌ من الرجال كأنه من رجال شنوءة ورأيت عيسى بن مريم ﵇، فإذا أقرب من رأيت به شبهاً عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم فإذا أقرب من رأيت به شبهاً صاحبكم، يعني نفسه. ورأيت جبريل فإذا أقرب من رأيت به شبهاً دحية. أخرج أبو بكر العلوي من دمشق في ذي الحجة سنة سبع وأربعين وخمس مئة، وسار إلى ناحية ديار الملك مسعود بن سليمان، فانقطع خبره عنا بعد ذلك. وكان غير مرضي الطريقة. أحمد بن عبد الرحمن بن بكار ابن عبد الملك بن الوليد بن بسر بن أبي أرطأة أبو الوليد القرشي العامري البسري من أهل دمشق، سكن بغداد وحدث. روى عن الوليد بن مسلم القرشي بسنده عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: تسوكوا فإن السواك مطيبة للفم، مرضاة للرب ، وما جاءني جبريل ﵇ إلا وصاني بالسواك حتى لقد خشيت أن يفرضه علي وعلى أمتي. ولولا أن أشق على أمتي لفرضته عليهم، فإني لأستاك حتى خشيت أن أحفي مقاديم فمي. مات أبو الوليد القرشي يوم الثلاثاء لثلاث بقين من رمضان سنة ثمان وأربعين ومئتين. وقيل سنة ست وأربعين ومئتين.

стр. 842

قال: وهو وهم. والصواب الأول. وكان صدوقاً وذكر الباغندي عن إسماعيل بن عبد الله السكري أنه كان سيىء الحال، وأنه لم يسمع من الوليد بن مسلم شيئاً. قال: وكنت أعرفه شبه قاض، وإنما كان محللاً يحلل النساء للرجال، ويعطى الشيء فيطلق. قال الخطيب: وليس حاله على ما ذكر الباغندي عن هذا الشيخ، بل كان من أهل الصدق، وقد حدث عنه من الأئمة أبو عبد الرحمن النسائي وحسبك به، وذكره في جملة شيوخه الذين بين أحوالهم. أحمد بن عبد الرحمن بن الحسن أبو الحسين الطرائفي حدث عن تمام بن محمد بسنده عن أنس أن النبي ﷺ دخل يوم الفتح مكة وعليه مغفر. فلما وضعه قيل: يا رسول الله، هذا المنافق متعلق بأستار الكعبة، فأمر به فقتل صبراً. توفي أبو الحسين أحمد الطرائفي يوم الأربعاء السابع من رجب سنة سبع وخمسين وأربع مئة. سمع الكثير من الشيوخ، وكتب واستورق، ولم يحدث من أول عمره، ولم تطل مدته، وكان مغفلاً، وكان مقتراً على نفسه، وجمع مالاً كثيراً. وكان شحيحاً على نفسه. وذكر أنه قال لزوج بنت أخيه في علته التي مات فيها، وقد حمله إلى عنده: أطعمني شواء فلي عشرون سنة أشتهيه. وحكي عنه أنه كان له نطع يقعد عليه، فإذا جلس كشف عن مقعدته وجلس على النطع لئلا يتخرق الثوب الذي يكون عليه. سئل أبو القاسم علي بن إبراهيم النسيب عن الطرائفي فقال: ما كان إلا ثقة.

стр. 843

أحمد بن عبد الرحمن بن أبي الحصين أبو بكر الأنطرطوسي حدث بدمشق عن كثير بن عبيد الإمام بسنده عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يسجد على كور العمامة. أحمد بن عبد الرحمن بن عثمان ابن القاسم بن معروف بن حبيب بن أبان بن إسماعيل، أبو علي بن أبي نصر التميمي المعدل روى عن جماعة. وروى عنه جماعة. حدث عن القاضي أبي بكر يوسف بن القاسم الميانجي بسنده عن أبي مسعود عن النبي ﷺ قال: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله . توفي أبو علي أحمد بن عبد الرحمن في السابع والعشرين من شعبان سنة إحدى وأربعين وأربع مئة. وكان ثقة مأموناً، صاحب أصول حسنة. وكانت له جنازة عظيمة. أحمد بن عبد الرحمن بن علي ابن عبد الملك بن بدد بن الهيثم أبو عصمة اللخمي القاضي حدث بطرابلس قال: أنشدني قاضي القضاة أبو محمد عبيد الله بن أحمد بن معروف لنفسه ببغداد، والبيت الأخير مضمن: من البسيط أشتاقكم اشتياق الأرض وابلها ... والأم واحدها والغائب الوطنا أتيت أطلب أسباب السلو فما ... ظفرت إلا ببيتٍ شفني وعنى أستودع الله قوماً ما ذكرتهم ... إلا تحدر من عيني ما خزنا

стр. 844

قال الخطيب: أنشدني الصوري الأبيات التي ضمن ابن معروف منها هذا البيت وهي: يا صاحبي سلا الأطلال والدمنا ... متى يعود إلى عسفان من ظعنا إن الليالي التي كنا نسر بها ... أبدى تذكرها في مهجتي حزنا أستودع الله قوماً ما ذكرتهم ... إلا تحدر من عيني ما خزنا كان الزمان بنا غراً فما برحت ... أيدي الحوادث حتى فطنته بنا أحمد بن عبد الرحمن بن قابوس ابن محمد بن خلف بن قابوس أبو النمر الأطرابلسي الأديب حدث بصور سنة ثلاث عشرة وأربع مئة وباطرابلس عن جماعة. وروى عنه جماعة. حدث عن القاضي يوسف بن القاسم الميانجي بسنده عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ : يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته. وحدث عن أبي محمد الحسن بن أحمد بن إبراهيم النحوي بسنده عن أبي جحيفة قال: قال عبد الله: ذهب صفو الدنيا فلم يبق منها إلا الكدر، فالموت تحفة كل مسلم. حدث أبو النمر بإسناده عن مسعر قال: لم يقل لبيد في الإسلام إلا هذين البيتين: من الطويل نجدد أحزاناً لدى كل هالكٍ ... ونسرع نسياناً ولم يأتنا أمن فإنا ولا كفران لله ربنا ... لكالبدن لا تدري متى يومها البدن عاصر أبو النمر بطرابلس أبا عبد الله الحسين بن خالويه، وكان يدرس العربية واللغة، وتوفي بها، وخلف ولداً شخص إلى العراق وتقدم هناك. قال أبو النمر: أنشدني الحسين بن خالويه قال: أنشدنا محمد بن أبي هاشم لمحمد بن خازم: مجزوء الكامل الله أحمد شاكراً ... فبلاؤه حسنٌ جميل

стр. 845

أصبحت مستوراً معا ... فى بين أنعمه أجول خلواً من الأحزان خف ... الظهر يقنعني القليل حراً فلا مننٌ لمخ ... لوق علي ولا سبيل لم يشقني حرصٌ ولا ... طمعٌ ولا أملٌ طويل سيان عندي ذو الغنى ال ... متلاف والرجل البخيل ونفيت باليأس المنى ... عني فطاب لي المقيل والناس كلهم لمن ... خفت مؤونته خليل أحمد بن عبد الرحمن بن محمد ابن الجارود بن هارون أبو بكر الرقي الحافظ، نزيل عسكر مكرم ذكر أنه سمع بدمشق وبحمص جماعة. وروى عنه جماعة. حدث بعسكر مكرم عن هشام بن عمار بسنده عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب. وحدث أيضاً بعسكر مكرم في ذي القعدة سنة خمس وعشرين وثلاث مئة عن هشام بن عمار أيضاً بسنده عن جابر بن عبد الله قال: قرأ علينا رسول الله ﷺ سورة الرحمن حتى ختمها، ثم قال: ما لي أراكم سكوتاً، للجن كانوا أحسن منكم رداً، ما قرأت هذه الآية من مرة " فبأي آلاء ربكما تكذبان " إلا قالوا: ولا بشيء من نعمائك يا ربنا نكذب. فلك الحمد. وحدث أيضاً في عسكر مكرم سنة ستة وخمسين بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة.
следующие страницы →