← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 8156–8195 · переход к 8161.

стр. 8156

وفي حديثٍ بمعناه: فذكر أن عمر بن الخطاب أمر بأمهات الأولاد أن يقمن في أموال أبنائهن بقيمة عدل، ثم يعتقن فمكث بذلك صدراً من خلافته، ثم توفي رجلٌ من قريش، كان له ابنٌ من أم ولد، قد كان عمر يعجب بذلك الغلام، فمر ذلك الغلام على عمر في المسجد بعد وفاة أبيه بليالٍ، فقال له عمر: ما فعلت يا بن أخي في أمك؟ قال: فعلت خيراً، خيروني بين أن يسترقوا أمي أو يخرجوني من ميراثي من أبي، فكان ميراثي من أبي أهون علي من أن تسترق أمي؛ فقال عمر: أولست إنما أمرت في ذلك بقيمة عدلٍ؟ ما أرى رأياً ولا آمر بأمرٍ إلا قلتم فيه؟ ثم قام إلى المنبر فاجتمع الناس إليه، حتى إذا رضي من جماعتهم، قال: أيها الناس، إني كنت قد أمرت في أمهات الأولاد بأمرٍ قد علمتموه، ثم حدث لي رأيٌ غير ذلك، فأيما امرئٍ كانت عنده أم ولد يملكها بيمينه ما عاش، فإذا مات فهي حرةٌ لا سبيل لأحدٍ عليها؛ الحديث. وفي آخره؛ قال: افرض لي فإني منقطعٌ من الديوان؛ قال: إن بلدك لبلدٌ ما فرضنا فيها لأحدٍ منذ كان هذا الأمر، ثم نظر إلى قبيصة فكأنه أومأ إليه: أن افرض له؛ فقال: قد فرض لك أمير المؤمنين؛ قال: فقلت: وصلةٌ يا أمير المؤمنين تصلنا بها، ولقد خرجت من أهلي وإن فيهم لحاجةً ما يعلمها إلا الله، ولقد عمت الحاجة أهل البلد؛ قال: قد وصلك أمير المؤمنين؛ قلت: يا أمير المؤمنين وخادمٌ يخدمنا، فإني تركت أهلي وما لهم خادمٌ إلا أختي، إنها الآن تخبز لهم وتعجن وتطحن لهم؛ قال: وقد أخدمك أمير المؤمنين؛ الحديث. قال الزهري: أتيت عبد الملك بن مروان فاستأذنت عليه، فلم يؤذن لي، فدخل الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين إن بالباب رجلاً شاباً أحمر زعم أنه من قريش؛ قال: صفه؛ فوصفه؛ قال: لا أعرفه إلا أن يكون من ولد مسلم بن شهاب؛ فدخل عليه فقال: هو من بني مسلم؛ فدخلت عليه فقال: من أنت؟ فانتسبت له، وقلت: إن أبي هلك وترك

стр. 8157

عيالاً صبية، وكان رجلاً مئناثاً لم يترك مالاً؛ فقال عبد الملك: أقرأت القرآن؟ قلت: نعم؛ قال: بإعرابه وما ينبغي فيه من وجوهه وعلله؟ قلت: نعم؛ قال: إنما فوق ذلك فضلٌ، إنما يعايا ويلغز به؛ قال: أفعلمت الفرائض؟ قلت: نعم؛ قال: الصلب والجد واختلافهما؟ قلت: أرجو أن أكون قد فعلت؛ قال: وكم دين أبيك؟ قلت: كذا وكذا؛ قال: قد قضى الله دين أبيك؛ وأمر لي بجائزةٍ ورزقٍ يجري وشراء دارٍ قطيعةً بالمدينة؛ وقال: اذهب فاطلب العلم، ولا تشاغل عنه بشيءٍ، فإني أرى لك عيناً حافظةً وقلباً ذكياً، وأت الأنصار من منازلهم؛ قال الزهري: وكنت أخذت العلم عنهم بالمدينة، فلما خرجت إليهم إذا علمٌ جم، فاتبعتهم حتى ذكرت لي امرأةٌ نحو قباء تروي رؤيا فأتيتها، فقلت: أخبريني برؤياك؛ فقالت: كان لي ولدان واحد حين حبا، وآخر يتبعه، وهلك أبوهما وترك لي ماهناً وداجناً ونخلاتٍ، فكان الداجن نشرب لبنها ونأكل ثمر النخلات فإني لبين النائمة واليقظانة، ولنا جديٌ، فرأيت كأن ابني الأكبر قد جاء إلى شفرةٍ لنا فأحدها، وقال: يا أمه قد أضرت بنا وحبست اللبن عنا، فأخذ الشفرة وقام إلى ولد الداجن فذبحه بتلك الشفرة، ثم نصب قدراً لنا، ثم قطعه ووضعه فيها، ثم قام إلى أخيه فذبحه بتلك الشفرة، وانتبهت مذعورةً، فإذا ابني الأكبر قد جاء فقال: يا أمه أين اللبن؟ فقلت: شربه ولد هذه الداجن؛ فقال: ما لنا في هذا من شيءٍ؛ وقام إلى الشفرة فأحدها ثم أمرها على حلق ولد الداجن، ثم نصب القدر؛ قالت: فلم أكلمه حتى قمت إلى ابني الصغير فاحتضنته وأتيت به بعض بيوت الجيران، فخبأته عندهم ثم أقبلت مغتمةً لما رأيت، ثم صعد على بعض تلك النخلات، فأنزل رطباً، وقال: يا أمه كلي؛ قلت: لا أريد، ثم مضى، وأتى القدر؛ فإني لمنكبةٌ على بلسنٍ عندي إذ ذهب بي النوم، فإذا أنا بآتٍ قد أتاني، فقال: مالك مغتمةً؟ فقلت: لكذا ولكذا؛ فنادى: يا رؤيا؛ فجاءت امرأةٌ شابةٌ، حسنة الوجه، طيبة الريح؛ فقال: ما أردت من هذه المرأة الصالحة؟ قالت: ما أردت منها شيئاً؛ فنادى: يا أحلام، فأقبلت امرأةٌ دونها في السن

стр. 8158

واللباس والطيب؛ فقال: ما أردت من هذه المرأة الصالحة؟ قالت: ما أردت منها شيئاً؛ فنادى: يا أصغاث؛ فأقبلت امرأةٌ سوداء الخلقة، وسخة الثياب، دونها، فقال: ما أردت من هذه المرأة؟ قالت: رأيتها صالحةً فأردت أن أغمها ثم انتبهت فإذا ابني قد أقبل فقال: يا أمه أين أخي؟ قلت: لا أدري حبا إلى بعض الجيران، فذهب يمشي لهو أهدى إلى موضعه حتى أخذه، وجاء به يقبله، ثم قعد فأكل وأكلت معه. الماهن: الخادم؛ والداجن: الشاة من شياه البيوت تعلف؛ وقوله: بلسن، البلسن: بعض ما يكون في رحل القوم من المتاع الذي يتكأ عليه، وهو اسمٌ أعجميٌ؛ وقد استعمل بمعنى ما يعلى عليه من كرسي أو ما أشبهه. قال ابن شهاب: قدمت دمشق وأنا أريد الغزو، فأتيت عبد الملك لأسلم عليه، فوجدته في قبةٍ على فرشٍ تفوت القائم، والناس تحته سماطان، فسلمت وجلست، فقال: يا بن شهاب، أتعلم ما كان في بيت المقدس صباح قتل ابن أبي طالب؟ قلت: نعم؛ قال: هلم؛ فقمت من وراء الناس حتى أتيت خلف القبة، وحول وجهه، فأحنى علي، فقال: ما كان؟ قال: فقلت: لم يرفع حجرٌ في بيت المقدس إلا وجد تحته دمٌ فقال: لم يبق أحدٌ يعلم هذا غيري وغيرك؛ قال: فلا يسمعن منك؛ قال: فما تحدثت به حتى توفي. ولد الزهري سنة ثمانٍ وخمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة خمسين. قال سفيان: رأيت الزهري أحمر الرأس واللحية، وفي حمرتها انكفاءٌ، كأنه يجعل فيه كتماً، وكان رجلاً أعيمش، وعليه جميمةٌ. وقال غيره: كان قصيراً قليل اللحية، له شعيراتٌ طوال، خفيف العارضين.

стр. 8159

قال ابن شهاب: كنت أخدم عبيد الله بن عبد الله، حتى كنت أستقي له الماء المالح، وإن كان ليسأل الجارية: من بالباب؟ فتقول: غلامك الأعمش، تظنني غلاماً له. ولما أخذ ابن شهاب ما عند عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود من العلم، ورأى أنه قد نفضه، فلم يبق عنده من العلم شيئاً إلا حواه واستغنى عنه، انقطع عنه، فقال عبيد الله فيه: من الطويل إذا شئت أن تلقى خليلاً مصافحاً ... لقيت وإخوان الثقات قليل قال صالح بن كيسان: كنت أطلب العلم أنا والزهري، قال: تعال نكتب السنن، فكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ ، ثم قال: تعال نكتب ما جاء عن أصحابه، فكتب، ولم أكتب، فأنجح وضيعت. كان الزهري ينصرف من عند عروة أو الأعرج، أو بعض العلماء وقد سمع منهم، فيقول لجاريةٍ له، فيها لكنةٌ: حدثنا عروة، حدثنا الأعرج، حدثنا فلان، فإذا أكثر عليها قالت: والله ما أدري ما تقول؛ فيقول: اسكتي لكاع، فإني لست أريدك، إنما أريد نفسي. كان ابن شهاب يقول: ما استودعت قلبي شيئاً قط فنسيته؛ وكان يكره أكل التفاح وسؤر الفأر؛ ويقول: إنه ينسي؛ قال: وكان يشرب العسل؛ ويقول: إنه يذكر. وكان يقول: ما أكلت تفاحاً ولا أصبت شيئاً فيه خل مذ عالجت الحفظ. كتب عبد الملك بن مروان إلى أهل المدينة يعاتبهم، فوصل في كتابه ذلك

стр. 8160

طومارين، فقرئ الكتاب على الناس عند المنبر، فلما فرغوا وافترق الناس اجتمع إلى سعيد بن المسيب جلساؤه، فقال لهم سعيد: ما كان في كتابهم؟ ليت أنا وجدنا من يعرف لنا ما فيه؛ فجعل الرجل من جلسائه يقول: فيه كذا، ويقول الآخر: فيه كذا؛ فكأن سعيداً لم يشتف فيما سأل عنه، فبان ذلك لابن شهاب، فقال: أتحب أن تسمع كل ما فيه؟ قال: نعم؛ قال: فأمسك، فهذه عليه هذا كأنما كان في يده يقرؤه حتى أتى عليه كله. قال مالك بن أنس: حدثني الزهري بحديثٍ طويلٍ فلم أحفظه، فتلقاني على حمارٍ، فأخذت بلجامه فسألته عن الحديث؛ فقال: أليس قد حدثتكم به؟ قلنا: بلى؛ قال مالك: فأردت أن أستخرجه، قلت: أما كنت تكتب؟ قال: لا؛ قلت: أما كنت تستعيد؟ قال: لا؛ وفي حديث، قال: ما استعدت حديثاً قط؛ وفي حديث آخر؛ قال: فجعل عبد الرحمن بن مهدي يعجب، يقول: فذيك الطوال وتلك المغازي. قال مالك بن أنس: حدث الزهري بمئة حديثٍ ثم التفت إلي فقال: كم حفظت يا مالك؟ قلت: أربعين حديثاً؛ قال: فوضع يده على جبهته ثم قال: إنا لله كيف نقص الحفظ. قال ابن شهاب: لقيني سالم كاتب هشام بن عبد الملك فقال: إن أمير المؤمنين يأمرك أن تكتب لولده حديثك؛ قال: فقلت له: لو سألتني عن حديثين أتبع أحدهما الآخر ما قدرت على ذلك، ولكن ابعث إلي كاتباً أو كاتبين فإنه قل يومٌ لا يأتيني قومٌ يسألوني عما لم أسأل عنه بالأمس؛ فبعث إلي كاتبين فاختلفا إلي سنةً على دينها؛ قال: ثم لقيني فقال: يا أبا بكر

стр. 8161

ما أرانا إلا قد أنفضناك قال: قلت: كلا، إنما كنت في عزازٍ من الأرض، الآن هبطت بطون الأودية. سأل هشام بن عبد الملك الزهري أن يملي على بعض ولده، فدعا بكاتبٍ، فأملى عليه أربع مئة حديث، ثم خرج الزهري من عند هشام، قال: أين أنتم يا أصحاب الحديث؟ فحدثهم بتلك الأربع مئة الحديث، ثم أقام شهراً أو نحوه، ثم قال للزهري: إن ذلك الكتاب الذي أمليت علينا قد ضاع؛ قال: فلا عليك ادع بكاتبٍ، فحدثه بالأربع مئة الحديث، ثم قابل هشامٌ بالكتاب الأول فإذا هو لا يغادر حرفاً واحداً. كان الزهري لا يترك أحداً يكتب بين يديه، فأكرهه هشام بن عبد الملك، فأملى على بنيه؛ فلما خرج من عنده دخل المسجد، فاستند إلى عمودٍ من عمده، ثم نادى: يا طلبة الحديث، قال: فلما اجتمعوا إليه، قال: إني كنت منعتكم أمراً بذلته لأمير المؤمنين آنفاً، هلم فاكتبوا، قال: فكتب عنه الناس من يومئذ، وزاد في آخر بمعناه: قال: فسمعهم يقولون: قال رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ ، فقال: يا أهل الشام، ما لي أرى أحاديثكم ليست لها أزمةٌ ولا خطم؟ قال الوليد بن مسلم وقبض يده وقال: تمسك أصحابنا بالأسانيد من يومئذٍ. وفي آخر مختصراً: قال الزهري: كنا نكره الكتاب حتى أكرهنا عليه الأمراء، فرأيت أن لا أمنعه مسلماً. وقال مالك: أول من دون العلم وكتبه ابن شهاب، قال سفيان: كان الزهري أعلم أهل المدينة؛ قال عمر بن عبد العزيز: ما رأيت أحداً آمن في الحديث من ابن شهاب، وما رأيت

стр. 8162

أحداً الدينار والدرهم أهون عليه من ابن شهاب؛ وما كانت الدنانير والدراهم عنده إلا بمنزلة البعر. قال الليث بن سعد: ما رأيت عالماً قط أجمع من ابن شهاب، ولا أكثر علماً منه؛ ولو سمعت من ابن شهاب بحيثٍ في الترغيب قلت: لا يحسن إلا هذا، فإن حدث عن الأنبياء وأهل الكتاب قلت: لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن العرب والأنساب قلت: لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن القرآن والسنة كان حديثه ثم يتلوه بدعاءٍ جامعٍ، يقول: اللهم إني أسألك من كل خيرٍ أحاط به علمك في الدنيا والآخرة، وأعوذ بك من كل شر أحاط به علمك في الدنيا والآخرة؛ قال الليث: وكان ابن شهاب من أسخى من رأيت؛ كان يعطي كل من جاء وسأله، حتى إذا لم يبق معه شيءٌ يستسلف من عبيده، فيقول لأحدهم: يا فلان أسلفني كما تعرف، وأضعف إلي كما تعلم؛ فيسلفونه، ولا يرى بذلك بأساً؛ وربما جاءه السائل ولا يجد ما يعطيه فيتغير عند ذلك وجهه، ويقول للسائل: أبشر فسوف يأتي الله بخيرٍ؛ فقيض الله لابن شهابٍ على قدر صبره واحتماله إما رجلاً يهدي له ما يسعهم، وإما رجلاً يبيعه بنظرةٍ، وكان يطعم الناس بالثريد في الخصب وغيره، ويسقيهم العسل؛ وكان ابن شهاب يسمر على العسل كما يسمر أصحاب الشراب على شرابهم؛ وفي حديثٍ آخر: كما يسمر أهل الخمر، ويقول: اسقونا وحدثونا؛ فإذا رأى بعض أصحابه قد نعس قال له: ما أنت من سمار قريش الذين قال الله ﵎ " سامراً تهجرون " وكانت له قبةٌ معصفرة، وعليه ملحفةٌ معصفرة، وتحته محبسٌ معصفرٌ؛ قال: وسمعته يبكي على العلم بلسانه، فيقول: يذهب العلم وكثيرٌ ممن كان يعمل به.

стр. 8163

وعن سعد قال: ما أرى أحداً جمع بعد رسول الله ﷺ ما جمع ابن شهاب. قال أبو بكر بن أبي مريم: قلت لمكحول: من أعلم الناس؟ قال: ابن شهاب؛ قلت: ثم من؟ قال: ابن شهاب؛ قلت: ثم من؟ قال: ابن شهاب. قال مالك بن أنس: كان الزهري إذا دخل المدينة لم يحدث بها أحدٌ من العلماء حتى يخرج الزهري. قال مالك: أدركت مشايخ بالمدينة أبناء سبعين وثمانين لا يؤخذ عنهم، ويقدم ابن شهاب وهو دونهم في السن فيزدحم الناس عليه. وعن الزهري قال: ثلاثٌ إذا كن في القاضي فليس بقاضٍ؛ إذا كره اللوائم، وأحب المحامد، وكره العزل. كان يزيد بن عبد الملك جعل الزهري قاضياً مع سليمان بن حبيب. أجاب الزهري بعض خلفاء بني مروان في الخنثى؛ فقال الشاعر عند قضائه بذلك: من الكامل ومهمةٍ أعيا القضاة عياؤها ... تذر الحليم يشك شك الجاهل عجلت قبل حنيذها بشوائها ... وأبنت مفظعها بحكمٍ فاصل فتركتها بعد العماية سنةً ... للمقتدين وللإمام العادل

стр. 8164

وقيل: إن بني غفار بن حرام بن عوف بن معمر البلويين اقتتلوا هم وبنو عائذ الله الجذاميون، فقتل رجلٌ من بني عائذ الله بين الصفين يقال له: جرهاس، لم يدر من أصابه، فتدافعه الفريقان؛ كل يقول للآخر: أنتم قتلتموه؛ فاختصموا فيه إلى سلطانٍ بعد سلطانٍ، فلم تمض لأحدٍ من السلاطين فيه قضيةٌ؛ ثم خرجوا إلى أمير المؤمنين في الموسم فألفوا عنده ابن شهاب؛ فقال لابن شهاب: يا أبا بكر، انظر في أمرهم فقد رددت أمرهم إليك؛ فلما رجع ابن شهاب إلى منزله أتوه؛ فقال: يا أبا العائذ هلم البينة على قتيلكم؛ فلم يجدوا بينةً؛ فقال: يا بني غفار أنفلوا أنفسكم؛ فلم يجدوا من ينفلهم؛ فقال: هلم يا أبا العائذ قسامةً تقسم على دم صاحبكم؛ فأبوا؛ قال: هلم يا بني غفار قسامة تقسم على براءتكم؛ فأبوا؛ قال: أين ولي هذا القتيل؟ قيل: هو ذا؛ قال ابن شهاب: اذهب فقد قضينا لك بديةٍ مسلمةٍ، وجعلنا نصفها في بلعائذ، ونصفها على بني غفار؛ فانصرف الفريقان ورضيا؛ وقيل فيه هذا الشعر، وزاده فيه أبياتاً. وعن ابن شهاب قال: إن هذا العلم أدب الله الذي أدب به نبيه ﵊، وأدب النبي ﷺ أمته، أمانة الله إلى رسوله ليؤديه على ما أدي إليه، فمن سمع علماً فليجعله أمامه حجةً فيما بينه وبين الله. قال الليث: جئت ابن شهاب يوماً بشيء من الرأي، فقبض وجهه؛ وقال: الرأي كالكاره له ثم جئته بعد ذلك يوماً آخر بأحاديث من السنن فتهلل وجهه وقال: إذا جئتني فاتني بمثل هذا.

стр. 8165

وعن الزهري قال: الاعتصام بالسنة نجاةٌ. وعن الزهري قال: أمروا أحاديث رسول الله ﷺ كما جاءت. وعن الزهري قال: أعيى الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا حديث رسول الله ﷺ ناسخه من منسوخه. قال جعفر بن ربيعة: قلت لعراك بن مالك: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أما أعلمهم بقضايا رسول الله ﷺ وقضايا أبي بكر وعمر وعثمان وأفقههم فقهاً وأعلمهم بما مضى من أمر الناس، فسعيد بن المسيب؛ وأما أغزرهم حديثاً فعروة بن الزبير؛ ولا تشاء أن تفجر من عبيد الله بن عبد الله بحراً إلا فجرته؛ قال عراك: وأعلمهم عندي جميعاً ابن شهاب؛ فإنه جمع علمهم جميعاً على علمه. قال سفيان: قيل للزهري: لو أنك سكنت المدينة، ورحت إلى مسجد رسول الله ﷺ وقبره، تعلم الناس منك؛ فقال: إنه ليس ينبغي أن أفعل حتى أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة؛ قال سفيان: ومن كان مثل الزهري. قال سفيان: بلغني عن الزهري كلامٌ حسنٌ؛ أنه قال: ليس الزهد بتقشف الشعر وتفل الريح وخشونة الملبس والمطعم، ولكن الزهد ظلف النفس عن محبوب الشهوات.

стр. 8166

قال الزهري: إنما يذهب العلم النسيان، وترك المذاكرة. وعن عبد الله بن عمر قال: كنت أرى الزهري يعطى الكتاب فلا يقرؤه ولا يقرأ عليه، فيقال له: نروي هذا عنك؟ فيقول: نعم. وعن الزهري قال: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيبٌ. قال نافع بن مالك عم مالك بن أنس: قلت للزهري: أما بلغك أن رسول الله ﷺ قال: " من طلب شيئاً من هذا العلم الذي يراد به وجه الله يطلب به شيئاً من عرض الدنيا دخل النار "؟ فقال الزهري: لا، ما بلغني هذا عن رسول الله ﷺ ، فقلت له: كل حديث رسول الله ﷺ بلغك؟ قال: لا، قلت: فنصفه؟ قال: عسى؛ قلت: فهذا في النصف الذي لم يبلغك. قال الحسن بن عمارة: أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث، فألفيته على باب داره، فقلت: إن رأيت أن تحدثني؛ فقال: أما علمت أني تركت الحديث؟ فقلت: إما أن تحدثني، وإما أن أحدثك؛ فقال: حدثني؛ فقلت: حدثني الحكم بن عتيبة، عن يحيى بن الجزار، قال: سمعت علياً يقول: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا، قال: فحدثني بأربعين حديثاً. وفي آخر بمعناه: فقال: حدثنا الحكم بن عتيبة في قوله: " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس " فقال: ما آتى الله عالماً علماً إلا أخذ عليه ميثاق أن لا يكتمه؛ قال: فحدث الزهري.

стр. 8167

ومن حديثٍ، عن مكحول، عن الزهري: أي رجلٍ هو، لولا أنه أفسد نفسه بصحبة الملوك. قال عمر بن رديح: كنت أمشي مع ابن شهاب الزهري، فرآني عمرو بن عبيد، فلقيني بعد فقال: مالك ولمنديل الأمراء؛ يعني ابن شهاب. دخل سليمان بن يسار على هشام، فقال له: يا سليمان من الذي تولى كبره منهم؟ فقال له: عبد الله بن أبي بن سلول؛ فقال له: كذبت، هو علي بن أبي طالب فقال له: أنا أكذب، لا أبا لك فوالله لو ناداني منادٍ من السماء: إن الله أحل الكذب ما كذبت. حدثني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله، وعلقمة بن وقاص، كلهم عن عائشة رضوان الله عليها، أن الذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبي؛ فلم يزل القوم يغرون به؛ فقال له هشام: ارحل، فوالله ما كان ينبغي لنا أن نحمل عن مثلك؛ فقال له ابن شهاب: ولم ذلك؟ أنا أغتصبك على نفسي، أو أنت اغتصبتني على نفسي؟ فخل عني؛ فقال له: لا ولكنك استدنت ألفي ألف؛ فقال: قد علمت وأبوك قبلك أني ما استدنت هذا المال عليك ولا على أبيك؛ فقال هشام: إنا إن نهيج الشيخ يهتم الشيخ؛ فأمر فقضى عنه من دينه ألف ألف؛ فأخبر بذلك؛ فقال: الحمد لله الذي هذا هو من عنده. ونزل ابن شهاب بماءٍ من المياه، فالتمس سلفاً فلم يجد، فأمر براحلته فنحرت، ودعا إليها أهل الماء، فمر به عمه، فدعاه إلى الغداء، فقال له: يا بن أخي إن مروءة سنةٍ يذهبه بذل الوجه ساعةً؛ فقال له: يا عم انزل فاطعم، وإلا فامض راشداً.

стр. 8168

قال: ونزل ابن شهاب بماءٍ من المياه فشكى إليه أهل الماء: أن لنا ثمان عشرة امرأةً عمرنةً؛ يعني: لهن أعمار ليس لهن خادمٌ؛ فاستسلف ابن شهاب ثمانية عشر ألفاً، وأخدم كل واحدةٍ منهن خادماً بألفٍ. وعن سعيد بن عبد العزيز: أن هشام بن عبد الملك قضى عن الزهري سبعة آلاف دينار، ثم قال هشام للزهري: لا تعد إلى مثلها تدان؛ فقال الزهري: يا أمير المؤمنين، حدثني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: " لا يلدغ المؤمن في حجرٍ مرتين ". لقي الزهري يزيد بن محمد بن مروان، وهو يطوف بالبيت، وكان استقرض منه مالاً، فأداه إلا شيئاً؛ فقال: يا أبا عثمان قد استحيينا من حبس حقك، فإن رأيت أن تأمر قهرمانك أن يكف عنا حتى ييسر الله علينا؛ قال: يا بن شهاب، كم تبقى عليك؟ قال: خمسة عشر ألفاً؛ قال: اذهب فإنها لك، والله إنها لقليلٌ من الإخاء في الله . قيل للزهري: إن الناس لا يعيبون عليك إلا كثرة الدين؛ قال: وكم ديني؟ إنما ديني عشرون ألف دينار، وأنا ملي المحيا والممات لي خمسة أعينٍ، كل عينٍ منها ثمن أربعين ألف دينار؛ وليس يرثني إلا ابن ابني هذا، وما أبالي أن لا يرث عني شيئاً؛ قال: وكان ابن ابنه فاسقاً. قال مالك بن أنس: كان ابن شهاب من أسخى الناس، فلما أصاب تلك الأموال، قل له مولى له، وهو

стр. 8169

يعظه: قد رأيت ما مر عليك من الضيق والشدة، فانظر كيف تكون وأمسك عليك مالك؛ فقال له ابن شهاب: ويحك إني لم أر الكريم تحكمه التجارب؛ وفي رواية: إني لم أر السخي تنفعه أو تحكمه التجارب. قال محمد بن إدريس الشافعي: إن رجاء بن حيوة عاتب ابن شهاب في الإسراف وكان يدان؛ فقال: لا آمن أن يحبس هؤلاء القوم أيديهم عنك فتكون قد حملت على أمانتك؛ فوعده أن يقصر، فمر بعد ذلك وقد وضع الطعام ونصبت موائد العسل؛ فوقف به رجاء فقال: يا أبا بكر، هذا الذي افترقنا عليه فقال له ابن شهاب: انزل، فإن السخي لا تؤدبه التجارب؛ وفي روايةٍ: إن الجواد لا تبخله التجارب. وأنسد الحسين بن أبي عبد الله الكاتب في هذا المعنى: من البسيط له سحائب جودٍ في أنامله ... أمطارها الفضة البيضاء والذهب يقول في العسر إن أيسرت ثانيةً ... أقصرت عن بعض ما أعطي وما أهب حتى إذا عاد أيام اليسار له ... رأيت أمواله في الناس تنتهب قال الشافعي: مر رجلٌ من التجار بالزهري وهو في قريته، والرجل يريد الحج، فابتاع منه براً بأربع مئة دينار، إلى أن يرجع من حجه؛ قال: فلم يبرح الرجل حتى فرقه، فعرف الزهري في وجه الرجل بعض ما كره، فلما رجع من حجه مر به فقضاه ذلك، وأمر له بثلاثين دينار لينفقها في سفره؛ فقال له الزهري: كأني رأيتك يومئذٍ ساء ظنك فقال: أجل؛ فقال الزهري: والله لو لم أفعل ذلك إلا للتجارة؛ أعطي القليل فأعطى الكثير. قال عقيل بن خالد: كان الزهري يخرج إلى الأعراب يفقههم ويعظهم؛ قال عقيل: فجاءه أعرابي وقد

стр. 8170

نفد ما في يده، فمد الزهري يده إلى عمامتي فأخذها فأعطاها الرجل؛ وقال: يا عقيل، أعطيك خيراً منها. قال زياد بن سعد للزهري: إن حديثك ليعجبني، ولكن ليست معي نفقةٌ فأتبعك؛ قال: اتبعني أحدثك وأنفق عليك. قال ابن عيينة: جلست إلى الزهري فأنشده رجلٌ مديحه فأعطاه قميصه فقيل: أتعطي على كلام الشيطان؟ فقال: من ابتغى الخير، اتقى الشر. قال حماد بن زيد: كان الزهري يحدث ثم يقول: هاتوا من أشعاركم، هاتوا من أحاديثكم، فإن الأذن مجاجةٌ، وإن للنفس حمضةً. قال الزهري: ما طلب الناس شيئاً خيراً من المروءة، ومن المروءة ترك صحبة من لا خير فيه، ولا يستفاد منه عقلٌ، فتركه خيرٌ من كلامه. توفي الزهري سنة ثلاثٍ وعشرين ومئة، وقيل: سنة أربعٍ وعشرين ومئة، وهو ابن اثنتين وسبعين سنةً؛ وقيل: سنة خمسٍ وعشرين ومئة. محمد بن مسلم بن عثمان ابن عبد الله ويعرف: بابن وارة، أبو عبد الله الرازي أحد الحفاظ الرحالين.

стр. 8171

حدث عن محمد بن موسى بن أعين، بسنده إلى أبي هريرة، قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: إن وليدتي زنت؛ فقال: " اجلدها " قال: فإن عادت؟ قال: " فعد " قال: فإن عادت؟ قال: " فعد " قال: فإن عادت؟ قال: " فبعها ولو بضفيرٍ " في الرابعة. وحدث عن أبي هاشم بن أبي خداش، بسنده إلى أنس بن مالك، عن النبي ﷺ ، أنه صلى المكتوبة في ردعةٍ على حمارٍ. وحدث عن محمد بن سعيد بن سابق، بسنده إلى بلال، قال: حثثت رسول الله ﷺ للخروج إلى صلاة الغداة، فوجدته يشرب، ثم ناولني فشربت، ثم خرجنا، فأقيمت الصلاة. قال الخطيب: هذا حديثٌ غريبٌ، وفيه إرسالٌ، لأنه من رواية معاوية بن قرة، عن بلال؛ ومعاوية لم يلق بلالاً. قال أبو جعفر الطحاوي: ثلاثةٌ من علماء الزمان بالحديث اتفقوا بالري لم يكن في الأرض في وقتهم أمثالهم، فذكر أبا زرعة، ومحمد بن مسلم بن وارة، وأبا حاتم الرازي؛ وكان محمد بن مسلم ثقةً صاحب حديثٍ. قال رجل لأبي زرعة: ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ قال: الحجة أن تسألني عن حديثٍ له علةٌ، فأذكر علته، ثم تقصد ابن وارة فتسأله عنه، ولا تخبره بأنك قد سألتني عنه، فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم فيعلله، ثم تميز كلامنا على ذلك الحديث، فإن وجدت بيننا خلافاً في علته فاعلم أن كلا منا تكلم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقةً، فاعلم حقيقة هذا العلم، قال: ففعل الرجل ذلك، فاتفقت كلمتهم عليه؛ فقال: أشهد أن هذا العلم إلهامٌ. توفي ابن وارة بالري سنة خمسٍ وستين ومئتين؛ وقيل: سنة سبعين ومئتين.

стр. 8172

محمد بن المسيب بن إسحاق ابن عبد الله ابن إسماعيل بن أبي أويس ويقال: ابن إسحاق بن إدريس أبو عبد الله النيسابوري ثم الأرغياني الزاهد حدث عن إسحاق بن شاهين، بسنده إلى أبي هارون العبدي، قال: كنا نأتي أبا سعيد الخدري، فيقول: مرحباً بوصية رسول الله ﷺ ؛ قلنا: وما وصية رسول الله ﷺ ؟ قال: قال رسول الله ﷺ : " سيأتونكم قومٌ من أطراف الأرضين، يسألونكم عن الدين، فإذا جاؤوكم فأوسعوا لهم، واستوصوا بهم خيراً وعلموهم ". وحدث عن إبراهيم بن سعيد الجوهري، بسنده إلى أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: " إذا أراد الله رحمة أمةٍ من عباده قبض نبيها، فجعله لها فرطاً وسلفاً بين يديها، وإذا أراد هلكة أمةٍ عذبها ونبيها حي، فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره ". توفي محمد بن المسيب سنة خمس عشرة وثلاث مئة، وهو ابن اثنتين وتسعين سنةً؛ وكان يقول: ولدت سنة ثلاثٍ وعشرين ومئتين. محمد بن مصعب بن صدقة أبو عبد الله وقيل: أبو الحسن القرقساني من أهل قرقيسيا. حدث عن إسرائيل، بسنده إلى أنس بن مالك، قال رسول الله ﷺ : " إن الله تعالى ليدخل العبد الجنة بالأكلة والشربة، يحمد الله عليها ".

стр. 8173

وحدث عن حماد بن سلمة، عن أبي العشراء، عن أبيه، قال: لما مرض أبي أتاه النبي ﷺ فتفل عليه من قرنه إلى قدمه ثلاث مرات يراقه إلى جسده. حدث محمد بن مصعب، عن أبي الأشهب، بسنده إلى عمران بن حصين، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع السلاح في الفتنة. توفي محمد بن مصعب القرقساني سنة ثمانٍ ومئتين. محمد بن مصعب أبو الحارث الدمشقي حدث عن هشام بن عمار، بسنده إلى جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : " من شقوة ابن آدم، سوء الخلق ". وحدث محمد بن مصعب الدمشقي، عن أبي عمير لنحاس عيسى بن محمد، بسنده إلى أنس، قال: أتى رجلٌ بقاتل وليه إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : " اعف عنه " فأبى، قال: خذ أرشاً " فأبى، قال: " فاذهب فاقتله، فأنت مثله " قال: فخلى سبيله؛ قال: فرؤي يجر نسعته ذاهباً إلى أهله؛ قال: كأنه قد كان أوثقه. قال ابن شوذب عن عبد الله بن القاسم: فليس لأحدٍ بعد النبي ﷺ يقول: اذهب فاقتله فإنك مثله.

стр. 8174

محمد بن مصفى بن بهلول أبو عبد الله القرشي الحمصي قدم دمشق. حدث عن محمد بن حرب، بسنده إلى أنس: أن النبي ﷺ دخل مكة زمن الفتح وعلى رأسه المغفر. وحدث عنه بسنده إلى ابن عمر، قال: قال النبي ﷺ : " ليس من البر الصيام في السفر ". توفي محمد بن المصفى بمكة في الموسم سنة ستٍ وأربعين ومئتين. قال محمد بن عوف: رأيت محمد بن المصفى في النوم وكان مات بمكة فقلت: أبا عبد الله أليس قد مت؟ إلى ما صرت؟ قال: إلى خيرٍ، ونحن مع ذلك نرى ربنا كل يومٍ مرتين؛ فقلت: يا أبا عبد الله، صاحب سنةٍ في الدنيا، وصاحب سنةٍ في الآخرة قال: فتبسم إلي. محمد بن مطرف ويقال: ابن طريق ومطرف أصح، ابن داود بن مطرف بن عبد الله بن سارية أبو غسان المدني، نزيل عسقلان، من موالي عمر بن الخطاب؛ ويقال: الليثي حدث عن زيد بن أسلم، بسنده إلى عائشة، أن النبي ﷺ قال: " طهور كل أديمٍ دباغه ".

стр. 8175

وحدث عن أبي حازم، بسنده عن سهل بن سعد، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن العبد ليعمل فيما بين الناس بعمل أهل الجنة، وإنه لمن النار؛ وإن العبد ليعمل فيما بين الناس بعمل أهل النار وإنه لمن أهل الجنة؛ وإنما الأعمال بالخواتيم ". وكان محمد بن مطرف ثقةً. محمد بن مظفر بن موسى ابن عيسى بن محمد بن عبد الله أبو الحسين الحافظ البغدادي البزاز سمع بدمشق وغيرها. حدث عن محمد بن محمد بن سليمان الباغندي، بسنده إلى أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : " من قل ماله، وكثر عياله، وحسنت صلاته، ولم يغتب المسلمين، جاء يوم القيامة وهو معي كهاتين ". وحدث عن أبي بكر محمد بن خريم بن محمد بن مروان بن عبد الملك الدمشقي، بسنده إلى عروة بن مضرس الطائي، قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، جئت من جبل طيئٍ، أكللت راحلتي وأتعبت نفسي، فهل لي من حجةٍ؟ والله ما تركت جبلاً إلا وقفت عليه؛ فقال رسول الله ﷺ : " من أدرك معنا هذه الصلاة، صلاة الغداة، وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد قضى تفثه وتم حجه ". ولد أبو الحسين بن مظفر سنة ستٍ وثمانين ومئتين. سئل الدارقطني عن محمد بن المظفر، فقال: ثقةٌ مأمون؛ فقيل: إنه يميل للتشيع؛ فقال: قليلاً مقدار ما لا يضر إن شاء الله؛ وكان فيه تشيعٌ ظاهرٌ.

стр. 8176

محمد بن المظفر أبو غانم الأزدي الفقيه الأديب قدم دمشق سنة إحدى وستين وثلاث مئة، وحدث عن أبي بكر بن دريد؛ قال أبو بكر: أنشدنا الحسن بن الخضر عن أبيه: من البسيط لا تشرهن فإن الذل في الشره ... والعز في الحلم لا في الطيش والسفه وقل لمغتبطٍ بالتيه من حمقٍ ... لو كنت تعلم ما في التيه لم تته التيه مفسدةٌ للدين، منقصةٌ ... للعقل، مهبطةٌ للعرض فانتبه محمد بن معاذ بن عبد الحميد ابن حريث بن أبي حريث القرشي مولاهم، أخو عبد الله من أهل دمشق. حدث عن سعيد بن بشير بسنده إلى أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني أعمل عملاً أسره فيطلع عليه فيعجبني ذلك؛ فقال: " لك في ذلك أجران، أجر السر وأجر العلانية ". وحدث عن سعيد بن عبد العزيز، بسنده إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : " رأيت أن عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي، فأتبعه بصري فإذا هو نورٌ ساطعٌ عمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام ". توفي محمد بن معاذ سنة خمس عشرة ومئتين.

стр. 8177

محمد بن المعافى بن أحمد بن محمد ابن بشير بن أبي كريمة أبو عبد الله الصيداوي، ويقال: البيروتي حدث بصيدا سنة عشرٍ وثلاث مئة، عن عمرو بن عثمان، بسنده إلى ثوبان، عن رسول الله ﷺ قال: " لا يحل لمسلمٍ أن ينظر في بيت رجلٍ إلا بإذنه، فإن نظر فقد دخل؛ ولا يؤم قوماً فيخص نفسه بدعاءٍ دونهم، فإن فعل فقد خانهم؛ ولا يقوم إلى الصلاة وهو حاقنٌ ". قال محمد بن المعافى: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: اللبيب العاقل هو الفطن المتغافل. قال أبو حاتم: لم يطعم محمد بن المعافى ثمانية عشر سنةً من طيبات الدنيا شيئاً غير الحسو عند إفطاره. محمد بن معبدٍ أظنه بصرياً. قدم الشام أيام عمر بن عبد العزيز، وحدث عنه، أنه أرسل بأسارى من أسارى الروم، ففادى بهم أسارى من أسارى المسلمين، قال: فكنت إذا دخلت على ملك الروم ودخلت عليه عظماء الروم خرجت؛ قال: فدخلت يوماً فإذا هو جالسٌ في الأرض مكتئباً حزيناً؛ فقلت: ما شأن الملك؟ فقال: وما تدري ما حدث؟ قلت: وما حدث؟ قال: مات الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز؛ ثم قال ملك الروم: إني لأحسب أنه لو كان أحدٌ يحيي الموتى بعد عيسى بن مريم لأحياهم عمر بن عبد العزيز؛ ثم قال: إني لست أعجب من الراهب إن أغلق بابه ورفض الدنيا، وترهب وتعبد، ولكن أتعجب ممن كانت الدنيا تحت قدمه فرفضها ثم ترهب.

стр. 8178

محمد بن معمر أبو بكر الهلالي من أهل طبرية. قال: كنت بحوران وأنا صبي مريد الحسن ﵀ فكانت المسألة تعرض في قلبي وأحب كشفها وعلمها فيقع في نفسي جوابها فأثق به، وأسير إلى دمشق فألقى موسى الحضرمي وغيره من الشيوخ، فأسأل من اتفق منهم عن المسألة فيجيبوني بما خطر لي، فأحمد الله تعالى على حسن الهداية، وأرجع إلى موضعي؛ فوقع في نفسي مسألة عالية، وغاب عني علمها؛ فقلت: ما يعلم هذه المسألة إلا الخضر عليه وسلم، ثم فتح الله سبحانه علي بعلمها، فلم أشعر بعد ذلك إلا والباب يدق؛ فقلت: من؟ فقال: الذي أردت، وقد غفلت بما فتح الله عليك وحدث أبو بكر، قال: رجل قسا قلبه وفقد حاله، فاحترق لذلك، والتمس زوال هذا البلاء عنه، بالخلوة والاجتهاد؛ فما زاده ذلك إلا قساوةً؛ فكان يوماً خالياً في علو هذا المحرس محرس الحوارية بعكا، وهو محترق القلب، فرأى رقعةً مطروحةً، فأخذها وإذا فيها مكتوبٌ: صلاح القلوب في ستة أشياء؛ فالصلاح في الجوع الدائم، وسهر الليل، وقراءة القرآن، والزهد في الدنيا، والاستعداد للموت قبل نزوله، والسادس على الطيف وهو أن تريد ما يريد؛ وفسادها في إرادة العزة، ومخافة الذل، ومحبة الغنى، وخوف الفقر؛ فانتفع بالرقعة وتأدب بها، ورجع إليه حاله؛ وكان هذا الرجل لا يقرأ، ففتح الله تعالى عليه بقراءة ما فيها؛ فسئل أبو بكر عن صاحب هذه القصة قال: أنا هو.

стр. 8179

محمد بن معن بن نضلة بن عمرو ويقال: ابن معن بن محمد بن نضلة بن عمرو أبو عبد الله الغفاري المدني وفد على عبد الملك بن مروان. حدث عن أبيه معن بن نضلة أن نضلة لقي رسول الله ﷺ بمران ومعه شوائل له، فحلب لرسول الله ﷺ في إناءٍ، فشرب رسول الله ﷺ ثم شرب من إناءٍ واحدٍ، ثم قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق إن كنت لأشرب سبعةً فما أشبع وما أمتلئ فقال رسول الله ﷺ : " إن المؤمن يشرب في معىً واحدٍ، وإن الكافر يشرب في سبعة أمعاءٍ ". وبه، قال: إن رجلاً من بني غفار أتى النبي ﷺ فقال: " ما اسمك؟ " قال: مهان قال: " أنت مكرم ". وإن النبي ﷺ صلى على البراء بن عازب بن معرورٍ بعدما قدم المدينة، فقال: " اللهم صل على البراء بن معرور، ولا تحجبه عنك يوم القيامة، وأدخله الجنة، وقد فعلت ". وحدث عن جده، قال: لما طال مقامنا عند عبد الملك بن مروان، خرجت عشيةً، فإذا أنا براهبٍ في صومعته، فدنوت منه، فقلت: منذ كم أنت ها هنا؟ قال: ما عقلت إلا ها هنا؛ قلت: وهل نزلت منها قط؟ قال: لا، إلا مرةً؛ قلت: من أنزلك؟ قال: عبد الملك بن مروان سألني: من يكون بعدي؟ فقلت: يلي رجلان من ولدك؛ قال: ثم من؟ قلت: لا أدري؛ قال: لتقولن؛ فقلت: يلي رجلٌ وبه أثرٌ وبه أثر يحبه أهل السماء وأهل الأرض؛ فقال عبد الملك: لولا ما أعطيتك من الأمان لضربت عنقك.

стр. 8180

محمد بن المغيرة المخزومي من أهل المدينة. حدث بدمشق سنة عشرين ومئتين، عن عبد الله بن نافع، بسنده عن ابن عمر قال: إني رأيت رسول الله ﷺ حين جاءه شيءٌ لم يبدأ بأول منهم، يعني المحررين. محمد بن مكرم الدمشقي حدث عن يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: دعاني المأمون فدخلت عليه، والمجلس غاص بأهله، فمددت عيني فإذا بين الخليفة والوزير فرجةٌ، فتخطيت الناس، فجلست بين الوزير والخليفة، فلما استقر بي المجلس قلت: يا أمير المؤمنين، حدثني نافع عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : " إذا ضاق المجلس بأهله فبين كل سيدين مجلس عالمٍ ". أنكر هذا الحديث؛ قالوا: ومالك لم يبق إلى زمن المأمون محمد بن مكي بن عثمان ابن عبد الله أبو الحسين الأزدي المصري قدم دمشق وحدث بها. روى عن أبي القاسم الميمون بن حمزة بن الحسين العلوي، بسنده إلى أبي هريرة، أنه قال: سجد رسول الله ﷺ في " إذا السماء انشقت " و" اقرأ باسم ربك ".

стр. 8181

ولد سنة أربعٍ وثمانين وثلاث مئة، وتوفي محمد بن مكي سنة إحدى وستين وأربع مئة. محمد بن المنذر بن الزبير بن العوام أبو زيد القرشي الأسدي قدم على عبد الملك بن مروان بعد مقتل عبد الله بن الزبير يطلب في ماله، وكان قبض مع ما قبض من أموال ابن الزبير، فأمر له بالكتاب في رده، وذكر ابن الزبير في الكتاب فقال: ما أصل، عن الكذاب فقال محمد: ليس مثلي يحمل شتم عمه؛ فأمر عبد الملك بمحو ذلك عنه. ولما دخل محمد بن المنذر على عبد الملك قال له يحيى بن الحكم: من صاحب يوم كذا؟ قال: أنا؛ فقال: من صاحب وقعة كذا؟ قال: أنا؛ قال: من صاحب وقعة كذا؟ قال: أنا؛ حتى عدد وقعاتٍ كل ذلك يقول محمد بن المنذر: أنا؛ قال يحيى: يا أمير المؤمنين، هذا الذي فعل بنا الأفاعيل؛ فقال محمد لعبد الملك: ردوا علي سيفي، وخذوا أمانكم، فلا حاجة لي به؛ قال عبد الملك: لا نفعل. وكان محمد بن المنذر يعدل بكثيرٍ من أعمامه أعيان بني الزبير مروءةً وشجاعةً ولساناً وجلداً. وكان محمد بن المنذر مع عبد الله بن الزبير بعد مقتل أبيه المنذر،

стр. 8182

وكان من فرسانه المعدودين. وكان ابن الزبير بعد قتل مصعب يقول: إن يك مصعب قتل فهذا محمد بن المنذر. وكان عبد الله بن الزبير قد جعل محمد بن المنذر على قتال من جاء من المأزمين، وجعل حمزة بن عبد الله على قتال من جاء من المسعى، وجعل هاشم بن عبد الله على قتال من جاء من الردم، فقال في ذلك بعض أصحاب عبد الله بن الزبير: من الطويل جعلنا سداد المأزمين محمداً ... وحمزة للمسعى، وللردم هاشم حدث مصعب بن عثمان قال: كان زبيب الضبابي في نفرٍ من الضباب قد دفعوا إلى المدينة، فحبسوا في السجن حتى رثت حالهم، ثم أرسلوا، فخرجوا يسألون في الناس، حتى مروا بمحمد بن المنذر جالساً ببقيع الزبير، فقال: لا تسألوا أحداً؛ وأمر لهم بظهرٍ وكسوةٍ ورحالٍ ونفقةٍ، وكفاهم كل مؤونة حتى إنهم ليعطون السياط لرواحلهم؛ فقال زبيب الضبابي: من الطويل ألا أيها الناعي الندى ووراثة الن ... نبي وفتواه، عليك ابن الزبير عليك فتىً إن يصبح المجد غالياً ... يقم بالذي يغلوبه ثم يشتري قرى في حياض المجد حتى إذا ارتوى ... أمال الندى كالجدول المتفجر طوى البعد عنا حين حلت رحالنا ... بعوج الهوادي كالأهلة ضمر فذاك فتىً إن تأته تنل الغنى ... وإن تك أعمى يجل عنك فتبصر حراجيج يدنين الفتى من صديقه ... فأبنا كأنا عصبةٌ لم تؤسر

стр. 8183

ويروى هذا: فراح الندى يهتز بين ثيابه ... ورحنا كأنا عصبةٌ لم تؤسر ركب سليمان بن عبد الملك وهو خليفةٌ، ومعه محمد بن المنذر وعمر بن عبد العزيز، وسليمان بينهما، فجاء المطلب بن عبد الله على بغلةٍ ليدخل بين سليمان ومحمد بن المنذر، فيتوسط هو وسليمان، فضرب محمد بن المنذر وجه بغلة المطلب، فانقدعت؛ فقال المطلب: ألا ترى يا أمير المؤمنين ما يفعل بقية الفتنة ووضر السيف؟ فقال محمد: فتنةٌ كنت فيها تابعاً غير متبوعٍ، ذنباً غير رأسٍ؛ فقال المطلب: أنا ابن بنت الحكم؛ قال محمد: أدنأهن منكحاً، وأكثرهن مهراً، وأهونهن على أهلها؛ فالتفت سليمان إلى عمر فقال: ألا ترى محمداً يمدحنا بذمنا ويذمنا بمدحنا، فكل ذلك يجوز له عندنا. وكان محمد بن المنذر من سورات الناس، وأحكمهم، وأشرفهم، وكان إذا مر في الطريق أطفئت النيران تعظيماً له؛ يقولون: هذا محمد بن المنذر لا تدخنوا عليه؛ قال: وانقطع يوماً قبال نعله، فقال لرجله هكذا، فنزع الآخر ومضى، فتركهما ولم يعرج عليهما. وغاظه رجلٌ من آل خالد بن الزبير، فالتفت إليه فقال: ما قل سفهاء قومٍ قط إلا ذلوا. محمد بن المنذر بن سعيد بن عثمان ابن رجاء بن عبد الله بن العباس بن مرداس أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو جعفر السلمي الهروي، المعروف بشكر محدثٌ مشهورٌ، صاحب رحلةٍ وتصانيف.

стр. 8184

حدث عن محمد بن سفيان المصيصي، بسنده إلى جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يتعاطى السيف مسلولاً. حدث محمد بن المنذر الهروي، بسنده إلى سليمان بن موسى، قال: لقيت بشر الحافي ومعه شبابٌ، فقلت: من هؤلاء الشباب؟ فأشار إلي بيده، يريد أنهم أصحاب دعة؛ قال: فقلت له: سمعت قول الشاعر في مثلهم؟ فقال: وما قال؟ قلت: قال الشاعر: من الخفيف حال عما عهدت ريب الزمان ... واستحالت مودة الخلان واستوى الناس في الخديعة والمك ... ر فكل لشانه أثنان قل لمن يبتغي السلامة والصح ... حة: عش واحداً بلا إخوان ولعمري لئن بلوت أصح الن ... ناس وداً وجدت ذا ألوان وجه بر إذا لقيت وإن غب ... ت فوجهٌ يعض بالإنسان غير أني إذا ذكرت رجالاً ... غالهم بالمنون ريب الزمان كدت أقضي الحياة وجداً عليهم ... واشتياقاً وفاضت العينان قال بشر: من هؤلاء الذين مدحهم في آخر شعره؟ قلت: أصحاب البقيع، أصحاب النبي ﷺ ؛ قال: صدقت؛ ثم شال يده من يدي، ثم مضى؛ فقال لي الشباب: ما حملك على هذا؟ قال: قلت لهم: الشيخ في ذات نفسه أحب إلي من سروركم. قال: وشكر، بفتح الشين المعجمة، وتشديد الكاف، والراء غير معجمةٍ، وتفسيره بالعربية: سكر. محمد بن منصور بن محمد أبو النجيب المراغي سمع بدمشق سنة ثمانٍ وثلاثين وأربع مئة.

стр. 8185

حدث عن أبي جعفر مسلم بن علي بن الحسن العلوي، بسنده إلى أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " غلب درهمٌ مئة ألف درهمٍ؛ رجلٌ كان له مالٌ كثير فتصدق منه بمئة ألف درهمٍ، ورجلٌ كان له درهمان فتصدق بأحدهما ". محمد بن منصور بن نصر بن إبراهيم ويقال: ابن نصر بن منصور أبو بكر الأسواري، يعرف بابن أبي عيسى حدث عن أبي عقيل الخولاني، بسنده إلى أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الملائكة صلت علي وعلى علي سبع سنين قبل أن يسلم بشرٌ ". وحدث عن محمد بن الفرج الهمداني، بسنده إلى عمر بن الخطاب، قال: سمعت رسول الله ﷺ على هذا المنبر، يقول: " إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأةٍ يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه ". محمد بن منصور الهاشمي الدمشقي حدث عن ابن بنت منيع البغوي؛ قال: أنشدني علي بن الجعد: من الطويل إذا ما ذكرنا من علي فضيلةً ... رمونا بها جهلاً بسب أبي بكر وهل يشتم الصديق من كان مؤمناً ... ضجيع رسول الله في الغار والقبر

стр. 8186

محمد بن المنكدر بن عبد الله ابن الهدير ابن محرز بن عبد العزى بن عامر بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بنمرة أبو عبد الله، ويقال: أبو بكر التيمي المدني حدث عن جابر، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن، قال: " إذا هم أحدكم بالأمر، وأراد الأمر فليصل ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت نتعلم هذا الأمر تسمية بغيته خيراً لي في ديني ومعاشي ومعادي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله فاقدره لي، وبارك لي فيه، وإن كنت تعلمه شراً لي مثل ذلك فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ". وحدث هو وجماعةٌ من أمثاله: خرجوا إلى الوليد، وكان أرسل إليهم يستفتيهم في شيءٍ، فكانوا يجمعون بين الظهر والعصر إذا زالت الشمس. وكان الوليد بن يزيد استقدم محمد بن المنكدر الشام مع جماعةٍ من فقهاء المدينة يستفتيه في طلاق زوجته أم سلمة. قال صدقة بن عبد الله: جئت إلى محمد بن المنكدر وأنا مغضب، فقلت له: أنت أحللت للوليد بن يزيد أم سلمة؟ قال: أنا ولكن رسول الله ﷺ ؛ حدثني جابر بن عبد الله، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " لا طلاق لما لا تملك، ولا عتق لما لا تملك ".

стр. 8187

كان المنكدر خال عائشة، فشكى إليها الحاجة، فقالت له: أول شيءٍ يأتيني أبعث به إليك؛ فجاءتها عشرة آلاف درهمٍ فبعثت بها إليه، فاشترى المنكدر جاريةً من العشرة آلاف، فولدت له محمداً وأخويه. وكان ابن المنكدر من معادن الصدق، ويجتمع إليه الصالحون، وكان سفيان يقول: لم ندرك أحداً أجدر أن يقبل الناس منه إذا قال: قال رسول الله ﷺ ، من محمد بن المنكدر؛ وكان ابن المنكدر هو الغاية في الإتقان والحفظ والزهد، وهو حجةٌ. قال سفيان: تعبد ابن المنكدر وهو غلام، وكانوا أهل بيت عبادةٍ. قال ابن بكير: محمد، وأبو بكر، وعمر، بنو المنكدر لا يدري أيهم أفضل قالت أم محمد بن المنكدر: يا بني، لو نمت، فقد طال سهرك فقال لها: يا أمه إني لأرى الليل قد أقبل فيهولني سواده، فأصبح ولم تنقض منه نهمتي بعد قال إبراهيم: رأيت محمد بن المنكدر يصلي في مقدم المسجد، فإذا انصرف مشى قليلاً ثم استقبل القبلة فمد يديه ودعا، ثم يمشي ثم ينحرف عن القبلة ويشهر يديه ويدعو؛ قال: كان يفعل ذلك حتى يخرج من المسجد فعل المودع. وكان ابن المنكدر ربما قام الليل يصلي، ويقول: كم من عين الآن ساهرةٍ في رزقي؛ وكان له جارٌ مبتلى، قال: فكان يرفع صوته من الليل يصيح، فكان محمد يرفع صوته بالحمد؛ فقيل له في ذلك، فقال: يرفع صوته بالبلاء، وأرفع صوتي بالنعمة. كان محمد بن المنكدر إذا بكى مسح وجهه ولحيته من دموعه، ويقول: بلغني أن النار لا تأكل موضعاً مسته الدموع. وقال محمد: قال الله : " نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة " قال: تأكله النار

стр. 8188

حتى تبلغ فؤاده وهو حي؛ قال: وما لأهل النار راحةٌ غير العويل والبكاء. قال عباد المنقري: قرأت على محمد بن المنكدر آخر الزمر، فبكى الشيخ بكاءً غير متباكٍ؛ ثم قال: حدثني عبد الله بن عمر قال: قرأ رسول الله ﷺ آخر الزمر وهو على المنبر، فتحول المنبر من تحته مرتين. كان محمد بن المنكدر يجلس مع أصحابه، وكان يصيبه صماتٌ، فكان يقوم ويضع خده على قبر النبي ﷺ ، ثم يرجع، فعوتب في ذلك فقال: إنه يصيبني خطرةٌ، فإذا وجدت ذلك استغثت بقبر النبي ﷺ . وكان يأتي موضعاً من المسجد في السحر، يتمرغ فيه، ويضطجع، فقيل له في ذلك، فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ في هذا الموضع؛ أراه قال: في النوم. قال محمد بن المنكدر: كابدت نفسي أربعين سنةً حتى استقامت. وكان محمد بن المنكدر يستقرض ويحج؛ فقيل: أتستقرض وتحج؟ قال: نعم، أرجو قضاءها. وكان يحج كل سنةٍ، ويحج معه عددٌ من أصحابه؛ فبينا هو يوماً في منزلٍ من منازل مكة إذ قال لغلامٍ له: اذهب فاشتر لنا كذا؛ فقال الغلام: ما أصبح عندنا درهمٌ فما فوقه؛ قال: اذهب فإن الله يأتي به؛ قال: من أين؟ قال: سبحان الله؛ ثم رفع صوته بالتلبية، وكذا أصحابه الذين معه؛ وكان إبراهيم بن هشام قد حج تلك السنة، فسمع أصواتهم، فقال: ما هؤلاء؟ فقيل له: محمد بن المنكدر وأصحابه حجوا، ومحمد يحتمل مؤونتهم ويحملهم فقال: ما بد من أن يعان محمدٌ على هذا الذي يصنع؛ فبعث إليه بأربعة آلاف درهم من ساعته، فدفعها محمد إلى غلامه، وقال له: ألم أقل لك: اشتر لنا ما أمرتك فإن الله يأتي بهذا؟ وقد أتانا الله بما ترى.

стр. 8189

قيل لمحمد بن المنكدر: أي الأعمال أفضل؟ قال: إدخال السرور على المؤمن. وقيل له: أي الدنيا أحب إليك؟ قال: الإفضال على الإخوان. وكان إذا حج أخرج نساءه وصبيانه في الحج؛ فقيل: لم ذلك؟ فقال: أعرضهم لله . وكان يحج وعليه دين، فقيل له في ذلك، فقال: هو أقضى للدين؛ يعني إذا حججت قضى الله عني ديني. وقال محمد بن المنكدر: لم يبق من لذة الدنيا إلا قضاء حوائج الإخوان. قال محمد بن المنكدر: لذة الدنيا قضاء حوائج الإخوان، وإدخال السرور على الناس، والتنفيس عن المكروب. بعث محمد بن المنكدر إلى صفوان بن سليم أربعين ديناراً ثم قال لبنيه: يا بني ما ظنكم برجلٍ فرغ صفوان لعبادة ربه كان محمد بن المنكدر قد ضاق، فبينا صفوان بن سليم يصلي في المسجد ينتظر الليل، أتاه آتٍ، فوضع على نعله خمسين ديناراً، فأخذها وحمد الله، وانصرف صفوان إلى بيته؛ فقال لمولاته سلامة: إن أخي محمداً أمسى مضيقاً، اذهبي إليه بهذه الدنانير، فإنه يكفينا أن نأخذ منها خمسةً أو أربعةً فقالت: الساعة؟ قال: نعم، إنك تجدينه الساعة في محرابه يسأل الله، يقول: ائتني بها من حيث شئت، وكيف شئت، وأنى شئت، فخرجت بستةٍ وأربعين ديناراً، أو بخمسةٍ وأربعين، فأتته بها، فوقفت تسمع، فإذا هو يقول: اللهم ائتني بها من حيث شئت وأنى شئت وكيف شئت من ساعتي هذه، يا إلهي؛ قالت: فدققت الباب عليه، فدفعتها إليه، فحمد الله على ذلك. قدم رجلٌ بمالٍ المدينة، فقال: دلوني على رجلٍ من قريش أعطيه هذا المال؛ فدلوه

стр. 8190

على عمر بن المنكدر، فأعطاه، فأبى أن يقبله؛ فقال: هذا أبى، فمن بعده؟ فدلوه على أبي بكر بن المنكدر، فأعطاه فأبى أن يقبل؛ قال: فمن بعدهما؟ قالوا: محمد بن المنكدر؛ قال: فأتاه فأبى أن يقبل؛ فقال الرجل: يا أهل المدينة إن استطعتم أن يلدكم كلكم المنكدر فافعلوا. قال محمد بن المنكدر: بات أخي عمر يصلي الليل، وبت أغمز قدمي أمي، فما يسرني أن ليلتي ليلته. قال: ودخل أعرابي المدينة فرأى حال بني المنكدر، وموقفهم من الناس، وفضلهم، ثم خرج فسأله رجلٌ: كيف تركت أهل المدينة؟ قال: بخيرٍ، وإن استطعت أن تكون من آل المنكدر فكن. وكان محمد بن المنكدر يضع خده على الأرض، ثم يقول لأمه: يا أمه قومي ضعي قدمك على خدي. قال ابن المنكدر: لا تمازح الصبيان فتهون عليهم، ويستخفون بك. قال عمر بن عبد العزيز لمحمد بن المنكدر: أي الخصال أوضع للمرء؟ قال: كثرة كلامه، وإذاعته أسراره، وثقته بكل أحدٍ. تبع محمد بن المنكدر جنازة رجلٍ كان يسفه بالمدينة، فعوتب في ذلك، وقيل له: أمثلك يحضر جنازة مثل هذا؟ فقال: إني لأستحيي من الله أن يراني أرى رحمته عجزت عن أحدٍ من خلقه. قيل لمحمد بن المنكدر: أتصلي على فلان وكان لا يدع لله محرماً إلا انتهكه؟ فقال: إني لأستحيي من الله أني أرى أن رحمته لا تسع فلاناً. خرج قومٌ غزاةً، وخرج معهم محمد بن المنكدر، وكانت صائفةً؛ فبينا هم يسيرون في الساقة قال رجل منهم: أشتهي جنباً طرياً فقال محمد بن المنكدر: استطعموا الله يطعمكم، فإنه القادر؛ فدعا القوم فلم يسيروا إلا قليلاً حتى وجدوا مكتلاً مخيطاً، كأنما أتي

стр. 8191

به من السيالة أو الروحاء، فإذا هو جبنٌ رطبٌ فقال بعض القوم: لو كان عسلاً؛ فقال محمد: إن الذي أطعمكم جبناً ها هنا قادرٌ على أن يطعمكم عسلاً، فاستطعموا؛ فدعا القوم، فساروا قليلاً فوجدوا فاقرة عسلٍ على الطرق؛ فنزلوا فأكلوا. استودع محمد بن المنكدر وديعةً، فاحتاج إليها، فأنفقها، فجاء صاحبها يطلبها، فقام فتوضأ وصلى، ثم دعا فقال: يا ساد الهواء بالسماء، ويا كابس الأرض على الماء، ويا واحد قبل كل أحدٍ كان، ويا واحد بعد كل أحدٍ يكون، أد عني أمانتي؛ فسمع قائلاً يقول: خذ هذه فأد بها عن أمانتك، واقصر في الخطبة فإنك لن تراني. أودع رجلٌ محمد بن المنكدر خمس مئة دينارٍ، فاستفقها محمد بن المنكدر، فقدم الرجل فجعل ابن المنكدر يدعو ويقول: اللهم إنك تعلم أن فلاناً أودعني خمس مئة دينارٍ، فاستنفقتها، وقد قدم وليست عندي، اللهم فاقضها عني ولا تفضحني؛ فسمع عامر بن عبد الله بن الزبير دعاءه، فصر خمس مئة دينارٍ، ووضعها بين يدي محمد بن المنكدر وهو مشغولٌ بالصلاة والدعاء لا يشعر، فانصرف محمد من صلاته، فرآها فأخذها؛ قال عامر: فخشيت أن يفتتن، فأخبرته بها وأخبرته بما خفت عليه من الفتنة. قال ابن المنكدر لأبي حازم: ما أكثر من يلقاني فيدعو لي بخيرٍ وما أعرفهم، وما صنعت إليهم خيراً قط؛ فقال أبو حازم: لا تظن أن ذلك من قبلك، ولكن انظر إلى الذي من قبله فاشكره. قال ابن زيد: كان المرهب الخبيث يتبدا لابن المنكدر فيما بينه وبين المنبر في المسجد، ويرعبه، فأصبح ذات يوم فأتى إلى أبي فقال: يا أبا أسامة، ألا أخبرك خبراً؛ إني رأيت الخبيث أتاني في النوم، فقاتلني فقاتلته، ثم إني أخذت بشعفةٍ في رأسه، فشقها الله بشقتين،

стр. 8192

فرميت شقةً ها هنا وشقةً ها هنا، فأرجو أن يكون الله قد أعانني عليه؛ قال: فما رآه ابن المنكدر بعد ذلك. وقال محمد بن المنكدر: يا رب، أرني كيف الدنيا عندك حتى أعرفها؛ قال: فأتي في منامه، فقيل له: ابن المنكدر سألت الله أن يريك الدنيا كيف هي عنده، فإن هذا شيءٌ لا يكون أبداً. قال ابن المنكدر: أمحلنا بالمدينة إمحالاً شديداً، وتوالت سنون؛ قال محمد: فإني لفي المسجد بعد شطر الليل وليس في السماء سحابةٌ، وأنا في مقدم المسجد، فدخل أمامي متقنعٌ برداءٍ عليه، فأسمعته يلح في الدعاء، إلى أن سمعته يقول: أقسمت عليك أي رب قسماً، ويردده؛ قال: فما زال يردد هذا القسم: أقسم عليك أي رب من ساعتي هذه؛ قال: فوالله إن مشينا حتى رأيت السحاب يتألف، وما رأينا قبل ذلك في السماء قزعةً ولا شيئاً، ثم مطرت فسحت، فكانت السماء عزالي وأودع مطرٍ رأيته قط، فأسمعه يقول: أي رب لا هدم فيه ولا غرق ولا ملأ فيه ولا محق؛ قال: ثم سلم الإمام من الصبح، وتقنع الرجل منصرفاً، وتبعته حتى جاء زقاق اللبادين، فدخل في مسربةٍ له، فلما أصبحت سألت عنه، قالوا: هذا زياد النجار، هذا رجلٌ ليس له فراشٌ، إنما هو يكابد الليل صلاةً ودعاءً وهو من الدعائين، وكل عملٍ عمله أخفاه جهده؛ قال محمد بن المنكدر: فذكرت قول رسول الله ﷺ : " رب ذي طمرين خفي، لو أقسم على الله لأبره " قال محمد: فزارني بعد ذلك وخالني، فكره بعض ما ذكرت له، وقال: اطو هذا يا أبا عبد الله، فإنما جزاؤه عند الذي عملناه له؛ قال محمد بن المنكدر: فما ذكرته بعد أن نهاني باسمه؛ وقلت: رجل كذا، ليرغب راغبٌ في الدعاء ويعلم أن في الناس صالحين. وفي آخر بمعناه: وانصرف حتى أتى دار أنسٍ فدخل موضعاً، فأخرج مفتاحاً، ففتح ثم دخل؛ قال: ورجعت، فلما سبحت أتيته فإذا أنا أسمع نجراً في بيته، فسلمت، ثم قلت: أدخل؟ قال: ادخل؛ فإذا هو ينجر أقداحاً يعملها؛ فقلت: كيف أصبحت أصلحك

стр. 8193

الله؟ فاستشهرها وأعظمها مني، فلما رأيت ذلك قلت: إني قد سمعت أقسامك البارحة على الله يا أخي، هل لك في نفقةٍ تغنيك عن هذا وتفرغك لما تريد من الآخرة؟ قال: لا، ولكن غير ذلك، لا تذكرني لأحدٍ ولا تذكر هذا لأحدٍ حتى أموت، ولا تأتني يا بن المنكدر، فإنك إن تأتني شهرتني للناس؛ فقلت: إني أحب أن ألقاك؛ قال: القني في المسجد؛ وكان فارسياً، فما ذكر ذلك ابن المنكدر لأحدٍ حتى مات الرجل؛ قال: ثم انتقل من تلك الدار فلم ير ولم يدر أين ذهب، فقال أهل تلك الدار: الله بيننا وبين ابن المنكدر، أخرج عنا الرجل الصالح. قال محمد بن المنكدر: إن الله تعالى ليصلح بصلاح الرجل الصالح ولده وولد ولده وداره، حتى يصل إلى الدويرات حوله، ما يزالون في حفظٍ من الله؛ وفي روايةٍ: ما يزالون في ستر الله وحفظه. قال ابن المنكدر: لو أن رجلاً صام الدهر لا يفطر، وقام الليل لا يفتر، وتصدق بماله، وجاهد في سبيل الله، واجتنب محارم الله، غير أنه يؤتى به يوم القيامة على رؤوس الخلائق، في ذلك الجمع الأعظم بين يدي رب العالمين، فيقال: إن هذا عظم في عينيه ما صغر الله، وصغر في عينيه ما عظم الله، كيف ترى تكون حاله؟ فمن منا ليس هكذا الدنيا عظيمة عنده مع ما اقترفنا من الذنوب والخطايا. قال ابن المنكدر: العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل. اجتمعوا حول ابن المنكدر وهو يصلي، وكان رجلاً عابداً، فانصرف إليهم، فقال: قد أتعبتم الواعظين، إلى متى تساقون سوق البهائم قال ابن المنكدر: نعم العون على تقوى الله الغنى.

стр. 8194

وعن محمد بن المنكدر: أنه جزع عند الموت، فقيل له: لم تجزع؟ قال: أخشى آيةً من كتاب الله، قال الله : " وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون " وإني أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أحتسب. وذكرت هذه الحكاية عن أحد أخوي محمد، أبي بكر أو عمر، وأنه قال: ما أبكي أن أكون أتيت شيئاً ركبته من معاصي الله اجتراءً على الله سبحانه، ولكني أخاف أن أكون أتيت شيئاً أحسبه هيناً وهو عند الله عظيمٌ؛ قال: وبكى الآخر عند الموت، فقيل له مثل ذلك، فقال: إني سمعت الله يقول لقومٍ: " وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون " وأنا أنتظر ما ترون، والله ما أدري ما يبدو لي. جاء صفوان إلى محمد بن المنكدر، وهو في الموت، فقال: يا أبا عبد الله كأني أراك قد شق عليك الموت فما زال يهون عليه وينجلي عنه، حتى لكأن في وجهه المصابيح؛ ثم قال له محمد: لو ترى ما أنا فيه لقرت عينك؛ ثم قضى. توفي محمد بن المنكدر في خلافة مروان بن محمد، قالوا: سنة ثمانٍ وعشرين؛ وقيل: سنة ثلاثين ومئة؛ وقيل: سنة إحدى وثلاثين ومئة؛ وقيل: سنة ست وثلاثين ومئة. قال المنكدر بن محمد بن المنكدر: رأيت في منامي كأني دخلت مسجد رسول الله ﷺ ، فإذا الناس مجتمعون على رجلٍ في الروضة، فقلت: من هذا؟ فقيل: رجلٌ قدم من الآخرة يخبر الناس عن موتاهم؛ فإذا الرجل صفوان بن سليم، والناس يسألونه وهو يخبرهم؛ وفي آخر: فأراني أهاب أن أسأله عن أبي لأني ما أدري ما يخبرني، فقال: أما ها هنا أحدٌ يسألني عن محمد بن المنكدر؟ وطفق الناس يقولون: هذا ابنه، هذا ابنه؛ ففرجت الناس فقلت: أخبرنا رحمك الله؛ قال: أعطاه الله من الجنة كذا، وأعطاه كذا، وأعطاه، وأرضاه، وأسكنه منازل في الجنة وبوأه، ولا طعن عليه ولا موت.

стр. 8195

محمد بن منير بن محمد بن عنبسة ابن منير بن عبد الملك أبو جعفر المصري، مولى قريش حدث عن يونس بن عبد الأعلى، بسنده إلى عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ خرج عليهم يوماً، وفي وجهه البشر، فقال: " إن جبريل جاءني فقال لي: أبشرك يا محمد بما أعطاك الله من أمتك، وما أعطى أمتك منك؛ من صلى عليك منهم صلاةً صلى الله عليه، ومن سلم عليك سلم الله عليه ". توفي أبو جعفر سنة تسعٍ وعشرين وثلاث مئة. محمد بن موسى بن حبشون أبو بكر المراغي ثم الطرسوسي، أمير الساحل حدث عن أبي نصر فتح بن أفلح، بسنده إلى جابر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " رأيت على باب الجنة مكتوب: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، علي أخو رسول الله صلى الله عليهما ". وحدث عن محمد بن حصن بن خالد الألوشي، بسنده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " تصدقوا فإن في الصدقة فكاكاً من النار " وفي روايةٍ: " فكاكم من النار ". سمع سنة اثنتين وستين وثلاث مئة. محمد بن موسى بن عبد الله أبو عبد الله البلاساغوني، الترك، الحنفي، يعرف باللامشي القاضي حدث عن قاضي القضاة أبي عبد الله محمد بن علي بن محمد الدامغاني، بسنده إلى زيد بن ثابت، قال: دخلت على رسول الله ﷺ وبين يديه كاتبٌ يكتب، فسمعته يقول: "
следующие страницы →