← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 8226–8265 · переход к 8231.

стр. 8226

محمد بن الوليد بن عامر أبو الهذيل الزبيدي الحمصي كان مع الزهري برصافة هشام بن عبد الملك حدث عن الزهري، بسنده إلى أم كلثوم بنت عقبة، أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس فيقول خيراً أو ينمي خيراً " قال: ولم يرخص في شيءٍ مما يقول الناس أنه كذب إلا في ثلاثةٍ؛ في الحرب؛ والإصلاح بين الناس؛ وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها. وأم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط من المهاجرات الأول اللائي بايعن رسول الله ﷺ . وكان الزبيدي على بيت المال، وكان الزهري معجباً به. قال بقية: قال لنا الأوزاعي: ما فعل محمد بن الوليد؟ قلت: ولي بيت المال؛ قال: " إنا لله وإنا إليه راجعون ". توفي محمد بن الوليد سنة ست وأربعين، أو سنة سبعٍ وأربعين ومئة؛ وهو شاب؛ وقيل: سنة ثمانٍ وأربعين؛ وقيل: سنة تسعٍ وأربعين. محمد بن الوليد بن عبد الملك ابن مروان بن الحكم الأموي كان عمر بن عبد العزيز يراه أهلاً للخلافة؛ أمه أم البنين بنت عبد العزيز بن

стр. 8227

مروان، وإليه تنسب المحمديات التي فوق الأرزة، ودير محمد الذي عند المنيحة من إقليم بيت الآبار. قال رجل لعمر بن عبد العزيز: أنشدك الله يا أمير المؤمنين، أولم يعهد من قبلك إلى من بعدك؟ إلى من كنت تعهد؟ فغضب من قوله وقال: ما سؤالك عما تعلم أني لا أخبرك به؟ ثم سكت، فلما سكت عنه الغضب تأثم من قوله، ثم قال: أتعرف محمد بن الوليد؟ قلت: نعم؛ قال: إن لي بمحمدٍ خبرتين خبرةٌ باطنةٌ وخبرةٌ ظاهرة، وهو ممن حمد ظاهره ولم يذمم باطنه، ولم يزد على هذا. عزى محمد بن الوليد عمر بن عبد العزيز في ابنه عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، ليشغلك ما أقبل من الموت عليك عمن هو في شغل مما يدخل عليك، وأعد لنزوله عدةً تلين لك حجاباً وستراً من النار؛ فقال عمر: إني لأرجو أن لا تكون رأيت جزعاً تشمئز منه، ولا غفلةً تنبه عليها؛ قال: يا أمير المؤمنين لو ترك رجلٌ تعزية أخيه لعلمه وانتباهه لكنته، ولكن الله قضى أن الذكرى تنفع المؤمنين. محمد بن الوليد بن عتبة ابن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي العتبي من فصحاء أهل بيته. حدث عن عبد الله بن سعيد عن الصنابحي، قال: حضرنا معاوية بن أبي سفيان، فتذاكروا القوم إسماعيل وإسحاق، فقال بعض

стр. 8228

القوم: إسماعيل الذبيح؛ وقال بعضهم: بل إسحاق الذبيح؛ فقال معاوية: سقطتم على الخبير؛ كنا عند رسول الله ﷺ فأتاه أعرابي فقال: يا بن الذبيحين؛ قال: فتبسم النبي ﷺ ولم ينكره عليه؛ فقلنا: يا أمير المؤمنين، وما الذبيحان؟ قال: إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم، نذر لله إن سهل له أمرها أن ينحر بعض ولده، فأخرجهم فأسهم بينهم، فخرج السهم على عبد الله، فأراد ذبحه، فمنعه أخواله من بني مخزوم، فقالوا: أرض ربك وافد ابنك؛ قال: ففداه بمئة ناقةٍ، فهو الذبيح وإسماعيل الذبيح. قال أبو المقدام: كانت قريش تستحسن من الخاطب الإطالة، ومن المخطوب إليه التقصير، فشهدت محمد بن الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، خطب إلى عمر بن عبد العزيز أخته أم عمر بنت عبد العزيز، فتكلم محمد بن الوليد بكلامٍ حار الحفظ، فقال عمر: الحمد لله ذي الكرماء، وصلى الله على محمد خاتم الأنبياء؛ أما بعد: فإن الرغبة منك دعا إلينا، والرغبة فيك أجابت منا، وقد أحسن بك ظناً من أودعك كريمته، وأجارك ولم يجر عليك؛ ولما زوجها من محمد قال لامرأته فاطمة: علمي هذه الصبية ما كنت تعلمين أني أعجب به منك؛ قالت: أو ما تغار؟ قال: إنما الغيرة في الحرام، ليس في الحلال غيرةٌ بعد قول رسول الله ﷺ لعلي وفاطمة عليهما رضوان الله وسلامه: " لا تعجلا حتى أدخل عليكما ". محمد بن الوليد بن هبيرة أبو هبيرة الهاشمي القلانسي حدث بدمشق عن أبي كلثم سلامة بن بشر بن بديل العذري، بسنده إلى أنس قال: كان النبي ﷺ يشير في الصلاة. توفي أبو هبيرة سنة ست وثمانين ومئتين.

стр. 8229

محمد بن الوليد أبو بكر الرملي المعروف بالأمي حدث بالرملة سنة سبعين ومئتين، عن سليمان بن عبد الرحمن، بسنده إلى عمر بن الخطاب، قال: نهى رسول الله ﷺ عن حلق القفا للحجامة قال: فذكرته لابن أبي السري، فروى بإسناده إلى عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ : " حلق القفا من غير حجامةٍ مجوسية " قال ابن أبي السري: فذكرته للوليد، فروى بإسناده إلى عمر بن الخطاب قال: نهى رسول الله ﷺ عن حلق القفا من غير حجامةٍ. محمد بن وهب بن سعد بن عطية أبو عبد الله السلمي الدمشقي حدث عن محمد بن حرب، بسنده إلى أم سلمة: أن النبي ﷺ رأى في بيتها جاريةً في وجهها سفعةً، فقال: " استرقوا لها، فإن بها النظرة ". كان محمد بن وهب ثقةً. محمد بن وهب بن مسلم أبو عمرو القرشي الدمشقي حدث عن سويد، بسنده إلى أبي أيوب، أن رسول الله ﷺ قال: " من صام رمضان وزاد ستة أيامٍ من شوال، فكأنما صام السنة كلها ".

стр. 8230

وحدث محمد بن وهب، عن الوليد بن مسلم، بسنده إلى أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " أول ما خلق الله القلم، ثم خلق النون وهي الدواة، قال: وذلك في قول الله : " ن والقلم وما يسطرون " ثم قال له: اكتب؛ قال: وما أكتب؟ قال: ما كان وما هو كائنٌ من عملٍ أو أجلٍ أو أثرٍ؛ فجرى القلم بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة؛ ثم ختم على في القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة، ثم خلق العقل فقال الجبار: ما خلقت خلقاً أعجب إلي منك، وعزتي لأكملنك فيمن أحببت، ولأنقصنك فيمن أبغضت، ثم قال رسول الله ﷺ : أكمل الناس عقلاً أطوعهم لله، وأعملهم بطاعته؛ وأنقص الناس عقلاً أطوعهم للشيطان، وأعملهم بطاعته ". قالوا: وهذا بهذا الإسناد منكر؛ وكان أبو عمرو منكر الحديث. محمد بن هارون بن إبراهيم أبو جعفر الربعي البغدادي الحربي، المعروف بأبي نشيط الفلاس حدث عن أبي المغيرة الحمصي، بسنده إلى أبي طويل الممدود أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها فلم يترك منها شيئاً، وهو في ذلك لم يترك حاجةً ولا داجةً إلا اقتطعها بيمينه، فهل لذلك من توبةٍ؟ قال: " هل أسلمت؟ " قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وإنك رسوله؛ قال: " نعم، تفعل الخيرات، وتترك الشهوات، يجعلهن الله لك كلهن خيراتٍ " قال: وغدراتي وفجراتي قال: " نعم " قال: الله أكبر، فما زال يكبر حتى توارى. الحاجة: الذي يقطع على الحاج إذا توجهوا؛ والداجة: الذي يقطع عليهم إذا رجعوا.

стр. 8231

توفي أبو نشيط سنة ثمان وخمسين ومئتين، وكان ثقةً. محمد بن هارون بن عبد الرحمن ابن عبيد بن زكريا أبو عبد الله العنسي الداراني حدث عن موسى بن محمد بن أبي عوف، بسنده إلى مسلم بن عبد الله الأزدي، قال: جاء عبد الله بن قرط إلى النبي صلى الله علي وسلم فقال: " ما اسمك؟ " قال: شيطان بن قرط فقال رسول الله ﷺ : " بل أنت عبد الله بن قرط ". توفي محمد بن هارون سنة أربعٍ وعشرين وثلاث مئة. محمد بن هارون بن كثير الشيباني حدث عن هشام بن عمار، بسنده إلى ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : " إن أهل البيت إذا تواصلوا أجرى الله عليهم الرزق، وكانوا في كنف الرحمن ". محمد الأمين بن هارون بن محمد ابن عبد الله بن عباس أبو عبد الله؛ ويقال: أبو موسى الأمين؛ ابن الرشيد بن المهدي بن المنصور بويع له بالخلافة بعد أبيه الرشيد بعهدٍ منه، وقام ببيعته الفضل بن الربيع، وقد ببيعته رجاء الخادم، وكان قدم دمشق في خلافة أبيه سنة تسعٍ وثمانين ومئة، وجهه أبوه هارون إلى دمشق لإشخاص سليمان بن المنصور.

стр. 8232

قال المغيرة بن محمد المهلبي: رأيت عند الحسين بن الضحاك جماعةً من بني هاشم، فيهم بعض أولاد المتوكل، فسألوه عن الأمين وأدبه، فوصف الحسين أدباً كثيراً؛ فقيل له: فالفقه؟ فإن المأمون كان فقيهاً؛ فقال: ما سمعت فقهاً ولا حديثاً إلا مرةً واحدةً فإنه نعي غلام له بمكة، فقال: حدثني أبي، عن أبيه، عن المنصور، عن أبيه، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " من مات محرماً حشر ملبياً ". ولد الأمين سنة سبعين ومئة برصافة بغداد، وقيل: سنة إحدى وسبعين ومئة؛ وكان الرشيد بايع لولديه محمد وأمه زبيدة أم جعفر بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور؛ وعبد الله وهو المأمون، ثم القاسم؛ فملك محمد أربع سنين وسبعة أشهر وعشرين ليلةً، وولي سنة ثلاثٍ وتسعين، وقيل: سنة ثمانٍ وتسعين ومئة؛ قتله قريش الدنداني، وحمل رأسه إلى طاهر بن الحسين، فنصبه على رمح وتلا " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء " وكان طويلاً سميناً أبيض، وكان محمد الأمين خلع نفسه في سنة ست وتسعين ومئة حين وثب به الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان، وبويع للمأمون يومئذٍ، وقام ببيعته إسحاق بن عيسى، ومكث مخلوعاً محبوساً إلى أن قتله طاهر بن الحسين بن مصعب ببغداد، وكان عمره ثلاثاً وثلاثين سنة؛ وقيل: ثمان وعشرين سنة. لما أتت الخلافة محمد بن هارون خطب ببغداد، فقال: أيها الناس إن المنون تراصد ذوي الأنفاس حتماً من الله، لا يدفع حلولها، ولا ينكر نزولها، فاسترجعوا قلوبكم عن الجزع على الماضي إلى البهج الباقي تعطوا أجور الصابرين وجزاء الشاكرين.

стр. 8233

قال أحمد بن حنبل: لما دخل إسماعيل بن علية على محمد بن زبيدة أمير المؤمنين، قال له: يا بن الفاعلة أنت الذي تقول: كلام الله مخلوق؟ قال: فوقف إسماعيل ينادي: يا أمير المؤمنين زلةٌ من عالمٍ؛ قال أبو عبد الله: إني لأرجو أن يرحم الله محمداً بإنكاره على إسماعيل هذا الشأن. ركب الرشيد يوماً بكراً فنظر إلى محمد الأمين يميل في سرجه؛ فقال: ما أصارك إلى هذا يا محمد؟ قال: أصارني إليه البارحة: من الخفيف عللاني بعاتقات الكروم ... واسقياني بكأس أم حكيم قال: فانصرف يا محمد؛ فلما رجع الرشيد وجه إليه بخادمٍ معه كأس أم حكيم، وكان كأساً كبيراً فرعونياً، قد جعل فيه طوق ذهبٍ، ومقبضٌ من ذهبٍ، فإذا هو مملوءٌ دنانير؛ وقال له: يقول لك أمير المؤمنين: بعثت إليك بالذي أسهرك لتشرب فيه وتنتفع بما يصل معه؛ قال: فأعطى الخادم قبضةً من الدنانير، وفرق نصف ما فيه على جلسائه، وأعطى النصف جاريةً، وشرب في القدح ثلاثة أرطالٍ، رطلاً بعد رطل؛ ورده؛ فكان مبلغ الدنانير عشرة آلاف دينار. ومن شعر محمد الأمين: من المتقارب رأيت الهلال على وجهكا ... فما زلت أدعو إلهي لكا ولا زلت تحيا وأحيا معاً ... وأمنني الله من فقدكا ومن شعره قوله في خادمه كوثر، وقد أخبر بأن الناس يلومونه فيه، وفي تركه النظر في أمور الناس: من مجزوء الرمل ما يريد الناس من صب ... بٍ بمن يهوى كئيب ليس إن قيس خلياً ... قلبه مثل القلوب كوثرٌ ديني ودنيا ... ي وسقمي وطبيبي أعجز الناس الذي يل ... حى محباً في حبيب

стр. 8234

خرج كوثر خادم الأمين ليرى الحرب فأصابته رجمةٌ في وجهه، فجلس يبكي فوجه محمد من جاء به، وجعل يمسح الدم عن وجهه، ثم قال: من مجزوء الرمل ضربوا قرة عيني ... ومن اجلي ضربوه أخذ الله لقلبي ... من أناسٍ أحرقوه وأراد زيادةً في الأبيات فلم يواته طبعه، فقال للفضل بن الربيع: من ها هنا من الشعراء؟ قال: الساعة رأيت عبد الله بن أيوب التيمي، فطلبه، وأنشد البيتين وقال: قل عليهما؛ فقال: ما لمن أهوى شبيةٌ ... فبه الدنيا تتيه وصله حلوٌ ولكن ... هجره مر كريهٌ من رأى الناس له ال ... فضل عليهم حسدوه مثلما قد حسد القا ... ئم بالملك أخوه فقال محمد: أحسنت، هذا خيرٌ مما أردت، بحياتي يا عباسي انظر فإن كان جاء على الظهر ملأت أحمال ظهره دراهم، وإن كان جاء في زورقٍ ملأته له؛ فأوقر له ثلاثة أبغلٍ دراهم. لما قتل الأمين، خرج أبو محمد التيمي إلى المأمون، وامتدحه، فلم يأذن له، فلجأ إلى الفضل بن سهل، وامتدحه فأوصله إلى المأمون، فلما سلم عليه قال له: يا تيمي: مثلما قد حسد القا ... ئم بالملك أخوه؟ فقال أبو محمد التيمي: نصر المأمون عبد الل ... هـ لما ظلموه نقض العهد الذي كا ... نوا قديماً أكدوه لم يعامله أخوه ... بالذي أوصى أبوه

стр. 8235

ثم أنشده قصيدةً امتدحه بها أولها: من الطويل جزعت ابن تيمٍ أن علاك مشيب ... زربان الشباب والشباب حبيب؟ فلما فرغ منها، قال له المأمون: قد وهبتك لله ولأخي أبي العباس، يعني: الفضل بن سهل، وأمرت لك بعشرة آلاف درهم. قال أبو محمد عبد الله بن أيوب الشاعر: أنشدت الأمين أول ما ولي الخلافة: من المنسرح لا بد من سكرةٍ على طربٍ ... لعل روحاً تذال من كرب فعاطنيها صفراء صافيةً ... تضحك من لؤلؤٍ على ذهب خليفة الله أنت منتخبٌ ... لخير أم من هاشمٍ وأب فأمر لي بمئتي ألف درهم، صالحوني منها على مئة ألف درهم. دخل الحسن بن هانئ على الأمين، وبين يديه رمانة؛ فقال: صفها، ولك بكل حبةٍ دينارٌ؛ فأنشأ يقول: من الطويل ورمانةٍ شبهتها إذ رأيتها ... بثدي كعابٍ أو بحقة مرمر ململمةٍ حمراء نضد جوفها ... يواقيت حمر في ملاء معصفر لها قشر عقبانٍ ورأس مشرق ... وأوراق خيري وأغصان عنبر وفيها شفاءٌ للمريض وصحةٌ ... وفيها حديثٌ للنبي المطهر وفيها يقول الله جل ثناؤه ... فواكه رمانٍ ونخلٍ مسطر فقال الأمين: شق الرمانة واحص حبها، فإذا فيها سبع مئة حبة؛ فأعطاه بكل حبةٍ ديناراً. دخل سليمان بن المنصور على محمد الأمين، فرفع إليه أن أبا نواس هجاه، وأنه

стр. 8236

زنديقٌ كافرٌ، حلال الدم، وأنشده من أشعاره المنكرة أبياتاً؛ فقال: يا عم أأقتله بعد قوله: من الكامل أهدي الثناء إلى الأمين محمدٍ ... ما بعده بتجارةٍ تتربص صدق الثناء على الأمين محمدٍ ... ومن الثناء تكذب وتخرص قد ينقص القمر المنير إذا استوى ... وبهاء نور محمدٍ ما ينقص وإذا بنو المنصور عد حصاهم ... فمحمدٌ ياقوتها المتخلص فغضب سليمان وقال: لو شكوت من عبد الله يعني ابن الأمين ما شكوت من هذا الكافر لوجب أن تعاقبه، فكيف منه؛ فقال: يا عم كيف أعمل بقوله: من المنسرح قد أصبح الملك بالمنى ظفرا ... كأنما كان عاشقاً قدرا قيد أشطانه إلى ملكٍ ... ما عشق الملك قبله بشرا حسبك وجه الأمين من قمر ... إذا طوى الليل دونك القمرا خليفةٌ يعتني بأمته ... وإن أتته ذنوبها اغتفرا حتى لو اسطاع من تحننه ... دافع عنها القضاء والقدرا فازداد سليمان غضباً؛ فقال: يا عم فكيف أعمل بقوله: من مجزوء المديد يا كثير النوح في الدمن ... لا عليها بل على السكن منها: تضحك الدنيا إلى ملكٍ ... قام بالآثار والسنن يا أمين الله عش أبداً ... دم على الأيام والزمن أنت تبقى والفناء لنا ... فإذا أفنيتنا فكن سن للناس الندى فندوا ... فكأن البخل لم يكن

стр. 8237

فانقطع سليمان عن الركوب، فأمر الأمين بحبس أبي نواس؛ فلما طال حبسه، كتب إليه هذه الأبيات، واجتهد حتى وصلت إلى الأمين: من الطويل تذكر أمين الله والعهد يذكر ... مقامي وإنشاديك والناس حضر ونثري عليك بالدر يا در هاشمٍ ... فيا من رأى دراً على الدر ينثر أبوك الذي لم يملك الأرض مثله ... وعمك موسى عدله المتخير وجدك مهدي الهدى وشقيقه ... أبو أمك الأدنى أبو الفضل جعفر وما مثل منصوريك منصور هاشمٍ ... ومنصور قحطانٍ إذا عد مفخر فمن الذي يرمي بسهميك في العلا ... وعبد منافٍ والداك وحمير تحسنت الدنيا بحسن خليفةٍ ... هو الصبح إلا أنه الدهر مسفر أمينٌ يسوس الناس تسعين حجةً ... عليه له منه رداءٌ ومئزر يشير إليه الجود من وجناته ... وينظر من أعطافه حيث ينظر مضت لي شهورٌ مذ حبست ثلاثةٌ ... كأني قد أذنبت ما ليس يغفر فإن أك لم أذنب ففيم عقوبتي؟ ... وإن أك ذا ذنبٍ فعفوك أكبر قال إبراهيم بن المهدي: وجه إلي محمد الأمين بعد محاصرة طاهر بن الحسين بغداد، فصرت إليه، وهو بقصرٍ مشرفٍ منه على دجلة ليلة أربع عشرة، فقال لي: يا عم، أما ترى طيب هذه الليلة، وصفاء الجو فيها وحسن القمر في دجلة؟ فقلت: يا أمير المؤمنين طيب الله عيشك وأعز دولتك وكبت عدوك؛ واندفعت أغنيه لما أعرف من سوء خلقه؛ فقال لي: يا عم هل لك فيمن يضرب عليك؟ فقلت: ما أكره ذلك؛ فأحضر جاريةً تسمى صعب، فتطيرت من اسمها للحال التي كان عليها؛ فقال لها: غني؛ فكان أول ما غنت: من الطويل

стр. 8238

كليبٌ لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر جرماً منك ضرج بالدم فاقشعر منه، واقشعررت؛ فقال لها: غني غيره؛ فاندفعت تغني: من الطويل هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يوماً بكسرى مرازبه بني هاشمٍ ردوا سلاح ابن أختكم ... فلا تنهبوه لا تحل مناهبه بني هاشمٍ إلا تردوا فإننا ... سواءٌ علينا قاتلاه وسالبه بني هاشمٍ كيف الهوادة بيننا ... وعند فلانٍ سيفه ونجائبه فاندفعت تغني؛ فقال لها: ويحك، إنما أحضرتك لأسر بك مع عمي، فقد زدتني غماً وهماً؛ فاندفعت تغني: من المنسرح أما ورب السكون والحك ... إن المنايا سريعة الدرك ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في الفلك إلا بنقل النعيم من ملكٍ ... قد انقضى ملكه إلى ملك وملك ذي العرش دائمٌ أبداً ... ليس بفانٍ ولا بمشترك فقال لها: أما تحسنين غير هذا؟ فقالت: والله يا سيدي ما أطلب إلا مسرتك، ولكن لساني ما يجري عليه غير هذا فقال لها: ويحك أبيني؛ فغنت: من البسيط أبكى فراقهم عيني وأرقها ... إن التفرق للأحباب بكاء ما زال يعدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدهر عداء فقال لها: ويلك أبيني؛ فغنت: هذا مقام مطردٍ ... هدمت منازله ودوره فرماها بعودٍ كان بين يديه، فوقع على قدح بلور كان محمد معجباً به، وكان يسميه

стр. 8239

باسمه محمداً لاستحسانه إياه، فانكسر؛ ونهضت الجارية فانصرفت، فقال لي: يا عم فنيت الأيام وانقضت المدة؛ فإذا هاتفٌ يهتف من وراء دجلة " قضي الأمر الذي فيه تستفتيان " فقال: سمعت يا عم؟ فقلت: يا سيدي ما سمعت شيئاً؛ ثم قمت فجلست في بعض الحجر؛ فعاد صوت الهاتف " قضي الأمر الذي فيه تستفتيان " فما خرجت الجمعة حتى قتل محمد الأمين. وأدركت أمه خلافته، وكانت لها آثارٌ جميلةٌ في طريق مكة، وفي مكة، وبقيت بعده؛ وكان الرشيد عقد له العهد في أول خلافته في سنة خمسٍ وسبعين ومئة، بعدما عقد لمحمد سنين وصفى الأمر لمحمد الأمين سنتين وأشهراً، وكانت الفتنة والحرب بينه وبين المأمون سنتين وخمسة أشهرٍ، أول ذلك عند تسيير الجيوش مع علي بن عيسى بن ماهان من جهة محمدٍ من بغداد إلى خراسان لحرب المأمون، عند فساد الأمر بينه وبينه، وخلعه إياه من العهد الذي كان له بعد، وتوجيه المأمون بطاهر بن الحسين في الجيش ليلقى علي بن عيسى، ومحاربته، فوصل علي بن عيسى بمن معه إلى الري ووافاه طاهر بن الحسين بمن معه فالتقوا بأكناف الري، فقتل علي بن عيسى وانفض عسكره في سنة خمسٍ وتسعين ومئة، فقوي أمر المأمون عند ذلك بخراسان، وسلم عليه بالخلافة، وضعف أمر محمد؛ ولم يزل في إدبارٍ، وجيوش المأمون تدق أصحابه في البلاد وتنفيهم عنها وتغلب المأمون عليها، ويدعى له إلى أنصار طاهر بن الحسين صاحب جيش المأمون وهرثمة الأعين من الجانب الشرقي، إلى أن قتل محمد ببغداد سنة ثمانٍ وتسعين ومئة؛ وكان بين ورود طاهر إلى أكناف بغداد وإحاطته لمحمد وحصره إياه في مدينة أبي جعفر إلى يوم قتله أربعة عشر شهراً وتسعة عشر يوماً؛ ولم يبق في يد محمد من الدنيا شيءٌ في وقت قتله، غير الموضع الذي هو محصورٌ فيه، يخاطبه من معه فيه بالخلافة ويسلم عليه بإمرة المؤمنين؛ وسائر المواضع في يدي المأمون، قد غلب له عليها يدعى له بها؛ وكان محمد قد خلع بمدينة السلام قبل ورود طاهرٍ إليها على يدي الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان سنة ست وتسعين ومئة، وحبسه الحسين في قصر أبي جعفرٍ، وحبس معه أمه وولده، وأقام في محبسه يومين،

стр. 8240

وأخذ الحسين البيعة على جميع من حضره للمأمون بالخلافة، فبايعوا له، وطلبوا الحسين بوضع العطاء وإخراج الأموال، ولم يكن معه مالٌ فوعدهم ومناهم، ودافعهم فشغبوا عليه، وأخرجوا محمداً من محبسه فأعادوه إلى مجلسه وبايعوه بيعةً مجددةً سنة ست وتسعين، وقيل: سنة ثمانٍ وتسعين ومئة؛ وكان طويلاً جميلاً، حسن الوجه، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين، أشعر سبطه، صغير العينين، به أثر جدري. محمد المعتصم بن هارون الرشيد ابن محمد المهدي بن عبد الله المنصور أبو إسحاق الهاشمي بويع له بالخلافة بعد أخيه المأمون بعهدٍ منه، قدم دمشق عدة دفعات مع أخيه المأمون، ووحده قبل الخلافة، ثم قدمها في خلافته. حدث هشام بن محمد الكلبي أنه كان عند المعتصم في أول أيام المأمون حين قدم المأمون بغداد، فذكر قوماً بسوء السير، فقلت له: أيها الأمير إن الله تعالى أمهلهم فطغوا وحلم عنهم فبغوا؛ فقال: حدثني أبي الرشيد، عن جدي المهدي، عن أبيه المنصور، عن أبيه محمد بن علي، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه؛ أن النبي ﷺ نظر أن النبي ﷺ نظر إلى قومٍ من بني فلان يتبخترون في مشيهم، فعرف الغضب في وجهه، ثم قرأ: " والشجرة الملعونة في القرآن " فقيل له: أي الشجر هي يا رسول الله حتى نجتنبها؟ فقال: " ليست بشجرة نباتٍ، إنما هم بنو فلان، إذا ملكوا جاروا وإذا ائتمنوا خانوا " ثم ضرب بيده على ظهر العباس، قال: " فيخرج الله من ظهرك يا عم رجلاً يكون هلاكهم علي يديه ". قال: هذا حديثٌ منكر. وعن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ليكونن من ولده يعني العباس بن عبد المطلب ملوكٌ يلون أمر أمتي يعز الله بهم الدين ".

стр. 8241

حدث المعتصم، عن المأمون، عن آبائه إلى ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: " لا تحتجموا يوم الخميس فإنه من يحتجم فيه فيناله مكروهٌ فلا يلومن إلا نفسه ". وأم المعتصم أم ولدٍ اسمها ماردة، لم تدرك خلافته، والمعتصم يقال له: الثماني، لأنه ولد سنة ثمانين ومئة، في الشهر الثامن، وهو ثامن الخلفاء، والثامن من ولد العباس، وفتح ثمانية فتوحاتٍ، وولد له ثمان بنين، وثمان بنات، ومات وعمره ثمان وأربعون سنةً، وخلافته ثمان سنين وثمانية أشهرٍ ويومان، وقتل ثمانية أعداء: بابك ومازيار وياطس ورئيس الزنادقة والأفشين وعجيفاً وقارن وقائد الرافضة. وكان المعتصم أبيض، أصهب اللحية طويلها، مربوعاً مشرب اللون. وبويع للمعتصم يوم مات المأمون سنة ثمان عشر ومئتين، ودخل بغداد على بغلٍ كميتٍ بسرجٍ مكشوفٍ وعليه قلنسوةٌ لاطئةٌ وسيفٌ بمعاليق، فأخذ على باب الشام حتى عبر الجسر، ثم دخل من باب الرصافة فأخذ يمنة حتى دخل الدار التي كان ينزلها المأمون من باب العامة. كان مع المعتصم غلامٌ معه في الكتاب، فمات الغلام، فقال له الرشيد: مات غلامك؟ قال: نعم، واستراح من الكتاب قال الرشيد: وإن الكتاب ليبلغ منك هذا المبلغ؟ دعوه إلى حيث انتهى، ولا تعلموه شيئاً؛ فكان يكتب كتاباً ضعيفاً، ويقرأ قراءة ضعيفةً. قال الزبير بن بكار: لما قدمت إلى الرشيد لأحدث أولاده بالأخبار التي صنفتها، أعجل المعتصم في القصر فعثر، فكادت إبهامه تنقطع، فقام وهو يقول: من الطويل يموت الفتى من عثرةٍ بلسانه ... وليس بموت المرء من عثرة الرجل فعثرته من فيه ترمي برأسه ... وعثرته بالرجل تبرا على مهل كذا، وقد وهم فإن الزبير لم يكن في زمن الرشيد يقرأ عليه، فإنه كان ميتاً إذ ذاك، وإنما قرئ عليه في أيام المتوكل والذي عثر المعتز بن المتوكل.

стр. 8242

كتب ملك الروم كتاباً إلى المعتصم يتهدده فيه، فأمر بجوابه، فلما قرئ عليه الجواب لم يرضه، وقال للكاتب: اكتب؛ بسم الله الرحمن الرحيم؛ أما بعد؛ فقد قرأت كتابك، وسمعت خطابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع " وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار ". قال الخطيب: غزا المعتصم بلاد الروم في سنة ثلاثٍ وعشرين ومئتين، فأنكى في العدو نكايةً عظيمةً، ونصب على عمورية المجانيق، وأقام عليها حتى فتحها، ودخلها عنوةً، فقتل فيها ثلاثين ألفاً وسبى مثلهم، وكان في سبيه ستون بطريقاً، وطرح النار في عمورية من سائر نواحيها فأحرقها، وجاء ببابها إلى العراق، وهو باقٍ إلى الآن، منصوبٌ على أبواب دار الخلافة، وهو الباب الملاصق مسجد الجامع في القصر. وكان المعتصم قبل وصوله عمورية خرب ما مر به من قراهم، وهربت الروم في كل وجهٍ؛ وقيل: وخرب أنقرة، وتوجه قافلاً، فضرب رقاب أربعة آلافٍ ونيفٍ من الأسارى، ولم يزل يقتل الأسارى في مسيره ويحرق ويخرب حتى ورد بلاد الإسلام؛ وأتي فيها ببابك أسيراً، فأمر بقطع يديه ورجليه، وضرب عنقه، وصلبه في سنة ثلاثٍ وعشرين ومئتين؛ وكانت الروم أغارت على زبطرة في سنة اثنتين وعشرين ومئتين، فقتلوا وأسروا من وجدوا بها، وخربوها، فدخل قائدٌ له في جماعةٍ في درب الحديد، ودخل المعتصم من درب الصفصاف في جماعةٍ لم تدخل أرض الروم قبلهم، ولقي أفشين الطاغية، فظفره الله به، وولى الطاغية منهزماً مفلولاً، وسار المعتصم إلى عمورية، ووافاه أفشين عليها، فأسر وغنم وسبى ما لا يحصى عدده، وشعث حائطها، وحرق وخرب

стр. 8243

داخلها، وخرج سالماً هو وجيوشه، وخرج معه بياطس بطريقها وأسرى كثر، وأقام فيها بعد فتحه ثلاثة أيام، ورحل في الرابع وقد ظفر قبل ذلك ببابك الخرمي وأصحابه، فقدم أسيراً فأمر بقتله. ولما تجهز المعتصم لغزو عمورية حكم المنجمون على ذلك الوقت أنه لا يرجع من غزوه، فإن رجع كان مفلولاً خائباً، لأنه خرج في وقت نحسٍ، فكان من فتحه العظيم ما لم يخف، حتى وصف ذلك أبو تمام الطائي في قوله: من البسيط أين الرواية أم أين النجوم وما ... صاغوه من زخرفٍ فيها ومن كذب تخرصاً وأحاديثاً ملفقةً ... ليست بنبعٍ إذا عدت ولا غرب عجائباً زعموا الأيام مجفلةً ... عنهن في صفر الأصفار أو رجب وخوفوا الناس من دهياء مظلمةٍ ... إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب وصيروا الأبرج العليا مرتبةً ... ما كان منقلباً أو غير منقلب يقضون بالأمر عنها وهي غافلةٌ ... ما دار في فلكٍ منها وفي قطب لو بينت قط أمراً قبل موقعه ... ما حل ما حل بالأوثان والصلب قال يحيى بن معاذ: كنت أنا ويحيى بن أكثم نسير مع المعتصم، وهو يريد بلاد الروم؛ قال: فمررنا براهبٍ في صومعته فوقفنا عليه وقلنا: أيها الراهب، أترى هذا الملك يدخل عمورية؟ فقال: لا، إنما يدخلها ملكٌ أكثر أصحابه أولاد زنى؛ قال: فأتينا المعتصم فأخبرناه، فقال: أنا والله صاحبها، أكثر جندي أولاد زنى، إنما هم أتراك وأعاجم. وكان المعتصم يقول: إذا لم يعد الوالي للأمور أقرانها قبل نزولها أطبقت عليه ظلم الجهالة عند حلولها.

стр. 8244

قال ابن داود: كان المعتصم يخرج ساعده إلي فيقول: يا أبا عبد الله عضد ساعدي بأكثر من قوتك؛ فأقول: والله يا أمير المؤمنين ما تطيب نفسي بذلك؛ فيقول: إنه لا يضرني؛ فأروم ذلك فإذا هو لا تعمل فيه الأسنة فضلاً عن الأسنان. وانصرف يوماً من دار المأمون إلى داره، وكان شارع الميدان منتظماً بالخيم، فيها الجند، فمر المعتصم بامرأةٍ تبكي، وتقول: ابني ابني؛ وإذا بعض الجند قد أخذ ابنها؛ فدعاه المعتصم وأمره أن يرد ابنها عليها؛ فأبى، فاستدناه فدنا منه فقبض عليه بيده، فسمع صوت عظامه، ثم أطلقه من يده، فسقط، وأمر بإخراج الصبي إلى أمه. قال عمرو بن محمد الرومي: كان على بيت مال المعتصم رجلٌ من أهل خراسان يكنى أبا حاتمٍ؛ فخرجت لي جائزةٌ فمطلني بها، وكان ابنه قد اشترى جاريةً مغنيةً اسمها قاسم، بستين ألف درهم، قال: فعملت فيها شعراً، وجلست ألاعب المعتصم بالشطرنج في يوم الجمار، وكان يشرب يوماً ويستريح يوماً ليلعب فيه، ونلعب بين يديه، فجعلت أنشده: من السريع لتنصفني يا أبا حاتمٍ ... أو لنصيرن إلى حاكم فتعطي الحق على ذلةٍ ... بالرغم من أنفك ذا الراغم يا سارقاً مال إمام الهدى ... سيظهر الظلم على الظالم ستون ألفاً في شرا قاسمٍ ... من مال هذا الملك النائم فقال لي: ما هذا الشعر؟ فتفازعت كأني أنشدته ساهياً، وتلجلجت؛ فقال: أعده؛ فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني؛ وإنما أريد أن يحرص على أن يسمعه؛ فقال: أعده ويلك؛ فأعدته؛ فقال: ما هذا؟ فقلت: أظن صاحب بيت المال مطل بعض هؤلاء الشعراء بشيءٍ له، فعمل فيه هذا الشعر؛ قال: فما معنى قاسم؟ قلت: جاريةٌ اشتراها بستين ألف درهم؛ قال: وأراني أنا الملك النائم؟ صدق والله قائل هذا الشعر، والله ما عرفته لوصلته لصدقه؛ رجلٌ مملق وليته بيت المال لتعسر رزقه

стр. 8245

منذ سنين، من أين لابنه هذا المال؟ ثم قال لإيتاخ: قيد صاحب بيت المال وابنه حتى نأخذ منهما مئتي ألف درهم وول بيت المال غيره. قال محمد بن عمرو الدومي: لله در المعتصم ما كان أعقله كان له غلامٌ يقال له عجيب لم ير الناس مثله، وكان مشغوفاً به، فحارب بين يديه يوماً فحسن بلاؤه، فقال لي المعتصم: يا محمد جليس الرجل صديقه وذو نصحه، ولي عليك حق الرئاسة والإحسان، فاصدقني عما أسألك عنه؛ فقلت: لعن الله من يقم نفسه إلا مقام العبد الناصح الذي يرى فرضاً عليه أن يضيف كل حسنٍ إليك، وينفي كل عيبٍ عنك؛ قال: قد علمت أني دون إخوتي في الأدب، لحب أمير المؤمنين الرشيد وميلي إلى اللعب وأنا حدثٌ، فما أبالي ما قالوا، وقد قاتل عجيبٌ بين يدي، وأنت تعلم وجدي به وقد جاش طبعي بشيء قلته فإن كان مثله يجوز فاصدقني حتى أذيعه، وإلا طويته فقلت: والله لأخبرت ما أمرت؛ فأنشدني: من المجتث لقد رأيت عجيباً ... يحكي الغزال الربيبا الوجه منه كبدرٍ ... والقد يحكي القضيبا وإن تناول سيفاً ... رأيت ليثاً حريبا وإن رمى بسهامٍ ... كان المجد المصيبا طبيب ما بي من الحب ... ب لا عدمت الطبيبا إني هويت عجيباً ... هوىً أراه عجيبا فحلفت له أنه شعرٌ مليحٌ من أشعار الخلفاء الذين ليسوا بشعراء، وطابت نفسه؛ فقلت له: تحتاج إلى لحنٍ فيه؛ فقال: ما أحب ذلك لئلا يمر ذكر عجيبٍ؛ قلت: فلا تذكر البيتين اللذين فيهما ذكر عجيبٍ؛ قال: أما ذا فنعم، فغنى به مخارق ووصلني بخمسين ألفاً.

стр. 8246

ومما أنشد للمعتصم بالله: من الطويل أيا منشئ الموتى أعذني من التي ... بها نهلت نفسي سقاماً وعلت لقد بخلت حتى لو أني سألتها ... قذى العين من ساقي التراب لضنت فإن بخلت فالبخل منها سجيةٌ ... وإن بذلت أعطت قليلاً وضنت قال علي بن يحيى المنجم: لما أن استتم المعتصم عدة غلمانه الأتراك بضعة عشر ألفاً، وعلق له خمسون ألف مخلاةً على فرسٍ وبرذونٍ وبغلٍ، وذلل العدو بكل النواحي أتته المنية على غفلةٍ؛ فقيل: إنه قال في حماة التي مات فيها: " حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتةً فإذا هم مبلسون ". قال الخطيب: ولكثرة عسكر المعتصم وضيق بغداد عنه، وتأذي الناس به بنى المعتصم سر من رأى، وانتقل إليها فسكنها بعسكره فسميت العسكر، في سنة إحدى وعشرين ومئتين. قال حمدون بن إسماعيل: دخلت على المعتصم في يوم خميسٍ، وهو يحتجم؛ فلما رأيته وقفت واجماً وتبين له ذلك في؛ فقال: يا حمدون لعلك ذكرت الحديث الذي حدثتك به في حجامة الخميس وكراهتها، والله ما ذكرت ذلك حتى شرط الحجام، قال: فحم من عشيته، وكانت المرضة التي مات فيها. ولما احتضر المعتصم جعل يقول: ذهبت الحيلة ليست حيلة؛ حتى أصمت. وسمع يقول: اللهم إنك تعلم أني أخافك من قبلي ولا أخافك من قبلك، وأرجوك من قبلك ولا أرجوك من قبلي.

стр. 8247

وجعل يقول: أؤخذ من بين هذا الخلق؟ وقال: لو علمت أن عمري هكذا قصير ما فعلت ما فعلت. وتوفي سنة ثمانٍ وعشرين ومئتين؛ وقيل: سنة سبعٍ وعشرين؛ ودفن بسر من رأى، وهو ابن ست وأربعين سنة، أو سبعٍ وأربعين سنة، أو تسعٍ وأربعين سنة. محمد بن هارون بن شعيب ابن عبد الله بن عبد الواحد ويقال: محمد بن هارون بن شعيب بن علقمة بن سعد بن مالك ويقال: محمد بن هارون بن شعيب بن حيان بن حكيم بن علقمة ابن سعد بن معاذ؛ صاحب سيدنا رسول الله ﷺ حدث أبو علي محمد بن هارون بن شعيب الأنصاري، بسنده إلى علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ قال: " مروا أبا بكرٍ فليصل بالناس ". وحدث عن أبي نصر منصور بن إبراهيم بن عبد الله بن مالك القزويني، عن أبي سليمان داود بن سليمان، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، بسنده إلى أبي الدرداء، قال: سألت رسول الله ﷺ عن القرآن؛ فقال: " هو كلام الله غير مخلوق ". قال أبو نصر: كان أحمد بن حنبل يقول لأصحاب الحديث: اذهبوا إلى أبي سليمان فاسمعوا منه حديث الوليد بن مسلم، فإنه لم يروه غيره؛ وأبو سليمان عندنا ثقةٌ مأمونٌ. وحدث محمد بن هارون، قال: أنشدني محمد بن عبد الله العقيلي: من الكامل إني جعلتك ناظراً في حاجتي ... وجعلت ودك لي إليك شفيعا فاطلب إليك فدتك نفسي حاجتي ... تجد النجاح إلي منك سريعا ولد محمد بن هارون بدمشق، سنة ست وستين ومئتين؛ وتوفي سنة ثلاثٍ وخمسين

стр. 8248

وثلاث مئة؛ قال: وهو الثمامي بثاء مضمومة معجمةٍ بثلاثٍ؛ من ولد ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك. محمد بن هارون بن محمد بن بكار ابن بلال أبو بكر؛ ويقال: أبو عمرو العاملي حدث عن سليمان بن عبد الرحمن، بسنده إلى أبي أمامة، قال: مر رجلٌ برسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : " ما له؟ " قالوا: كان مريضاً؛ قال: " أفلا قلت: ليهنك الطهور ". وحدث عن العباس بن الوليد الخلال، بسنده إلى أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يحل بيع المغنيات، ولا شراؤهن، ولا تجارة فيهن، وثمنهن حرامٌ " وقال: " إنما نزلت هذه الآية في ذلك " ومن الناس من يشتري لهو الحديث " حتى فرغ من الآية، ثم أتبعها: " والذي بعثني بالحق ما رفع رجلٌ عقيرته بالغناء إلا بعث الله عند ذلك شيطانين يرتدفان على عاتقيه، ثم لا يزالان يضربان بأرجلهما على صدره وأشار إلى صدر نفسه حتى يكون هو الذي يسكت ". توفي سنة تسعٍ ومئتين. محمد بن هارون بن مجمع أبو الحسن المصيصي حدث عن الربيع بن سليمان، بسنده إلى أبي هريرة أن رسول الله ﷺ توضأ غرفةً غرفةً؛ وقال: " لا يقبل الله صلاةً إلا به ". وعن محمد بن هارون أنه سمع هشام بن عمار، يقول أيام المتوكل، وهو بدمشق، وقد سأله أبو هاشم عن

стр. 8249

القرآن فقال: سألني ابن أبي داود عن القرآن فقلت: القرآن كلام الله غير مخلوقٍ، وقراءة العباد للقرآن قرآنٌ، وتلاوتهم للقرآن قرآنٌ؛ فاحمرت عيناه؛ وقال: ويلك من أنت؟ فقلت: القرآن لا ينطبق إلا ما نطق به، ولا يتكلم إلا ما تكلم به، وهو غير موجودٍ إلا في قراءة القارئين، وتلاوة التالين، وألفاظ اللافظين، ونطق الناطقين. محمد بن هارون بن نصر بن السندي ابن إبراهيم أبو الفتح، ابن أخت طيب الوراق، يعرف: بشيخ الجن حدث عن حاجب بن مالك بن أركن، بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " الندم توبةٌ ". محمد بن هارون المقرئ حدث عن سليمان بن بنت شرحبيل، بسنده إلى ابن عمر أن النبي ﷺ قرأ " فشاربون شرب الهيم ". محمد بن هارون الدمشقي قال الحسين بن أبي طالب المصيصي: سمعت محمد بن هارون الدمشقي ينشد: من الوافر لمحبرةٌ تجالسني نهاري ... أحب إلي من أنس الصديق ورزمة كاغدٍ في البيت عندي ... أحب إلي من عدل الدقيق

стр. 8250

ولطمة عالمٍ في الخد مني ... ألذ لدي من شرب الرحيق محمد بن هاشم بن سعيد أبو عبد الله القرشي البعلبكي حدث بدمشق سنة ست وأربعين ومئتين حدث عن الوليد بن مسلم. بسنده إلى عائشة قالت: لما دخلت ابنة الجون على رسول الله ﷺ فدنا منها قالت: أعوذ بالله منك؛ فقال رسول الله ﷺ : " عدت بعظيمٍ، الحقي بأهلك ". وحدث عن بقية بن الوليد، بسنده إلى أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله يحب الرجل له الجار السوء يؤذيه فيصبر على أذاه، ويحتسبه حتى يكفيه الله بحياةٍ أو بموتٍ ". توفي محمد بن هاشم ببعلبك سنة أربع وخمسين ومئتين، وولد سنة سبعٍ وستين ومئة. محمد بن هاشم أبو عبد الله المعروف بالأذفر حدث عن سعيد بن عبد العزيز، بسنده إلى نعيم بن همار الغطفاني، قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله يقول: ابن آدم لا تعجزني من أربع ركعاتٍ أول النهار أكفيك آخره ".

стр. 8251

محمد بن هاشم أبو بكر الموصلي الشاعر المعروف بالخالدي من أهل قريةٍ بالموصل تسمى الخالدية، وهو أخو أبي عثمان سعيد بن هاشم الشاعر؛ ومحمد الأكبر منهما، وهما شاعران محسنان متوافقان في الصحبة، متشاركان في النظم، وكانا من خواص شعراء سيف الدولة بن حمدان. فمن شعر محمد في دير مران، وزعم السري بن أحمد الرفاء الموصلي أن الشعر لكشاجم، وأن الخالدي سرقه منه: من البسيط محاسن الدير تسبيحي ومسباحي ... وخمره في الدجى صبحي ومصباحي أقمت فيه إلى أن صار هيكله ... بيتي ومفتاحه للحسن مفتاحي منادماً في قلاليه رهابنه ... راحت خلائقهم أصفى من الراح قد عدلوا ثقل أديانٍ ومعرفةٍ ... فيهم بخفة أبدانٍ وأرواح ووشحوا غرر الآداب فلسفةً ... وحكمةً بعلومٍ ذات إيضاح في طب بقراط لحن الموصلي وفي ... نحو المبرد أشعار الطرماح ومنشدٌ حين يبديه المزاح لنا ... ألمع برقٍ ترى أم ضوء مصباح وكم حثثت إلى حاناته وغدا ... شوقي يكاثر أصواتاً بأقداح حتى تخمر خماري بمعرفتي ... وصيرت ملحي في السكر ملاحي يا دير مران لا تعدم ضحىً ودجىً ... سجال غيثٍ ملث الودق سحاح إن تفن كأسك أكياسي فإن بها ... يفل جيش همومي جيش أفراحي وإن أقم سوق إطرابي فلا عجبٌ ... هذا بذاك إذا ما قام نواحي وكان السري يتعصب على الخالديين، ويهجوهما وبنسب إليهما سرقات شعره وشعر غيره.

стр. 8252

محمد بن هاشم ويقال ابن هشام ابن شهاب أبو صالح العذري الجسريني من قرية جسرين بالغوطة حدث عن المسيب بن واضح، بسنده إلى مسروق قال: سألت ابن مسعود عن هذه الآية " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون " قال: إنا قد سألنا ذلك النبي ﷺ ، قال: " أرواح الشهداء كطائرٍ خضرٍ تسرح في الجنة حيث تشاء، ولها قناديلٌ معلقةٌ بالعرش تأوي إليها ". حدث أبو صالح محمد بن هاشم الدمشقي، عن محمد بن أحمد بن مالك المكتب، بسنده إلى عبد الله بن عباس، قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ فقال: " أيكم يعرف قس بن ساعدة الإيادي؟ " قالوا: كلنا يعرفه يا رسول الله؛ قال: " لست أنساه بعكاظ على جملٍ له أحمر، يخطب الناس، ويقول: ألا أيها الناس، اجتمعوا، فإذا اجتمعتم فاسمعوا، فإذا سمعتم فعوا، فإذا وعيتم فقولوا، فإذا قلتم فاصدقوا؛ من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت، إن في السماء لخبراً وإن في الأرض لعبرا، مهادٌ موضوعٌ، وسقفٌ مرفوعٌ، ونجومٌ تمور، وبحارٌ لا تغور، أقسم قس قسماً بالله لا كاذباً فيه، ولا آثماً، لئن كان هذا الأمر رضىً ليكونن سخطاً، إن لله ديناً هو أحب إليه من دينكم هذا الذي أنتم عليه " ثم قال: " أيكم ينشد شعره " فأنشدوه: من مجزوء الكامل في الذاهبين الأولي ... ن من القرون لنا بصائر لما رأيت موارداً ... للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها ... تمضي الأصاغر والأكابر لا يرجع الماضي ولا يب ... قى من الباقين غابر

стр. 8253

أيقنت أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر فقام إليه رجلٌ طويل القامة، عظيم الهامة جهوري الصوت، كأني أنظر إلى حاجبيه وقد سقطا على عينيه فقال: وأنا قد رأيت منه عجبا؛ قال: وما الذي رأيت؟ قال: خرجت في جاهليتي أبغي بغيراً شرد مني، أقفو أثره في تنائف حقاف، ذات ضغابيس، وعرصات جثجاثٍ بين صدور جرعان وغمير حوذان، ومهمه ظلمان، ورضيع أيهقان، وبينا أنا في غوائل الفلوات أجول سبسبها وأرمق فدفدها، إذ جنني

стр. 8254

الليل فلجأت إلى هضبةٍ في ستارتها أراك كباثٍ مخضوضلةٌ بأغصانها، كأن بريرها حب فلفلٍ في بواسق أقحوانٍ، وقد مضى من الليل ثلثه الأول، فغلبتني عيني، فرقدت، فإذا أنا بهاتفٍ يقول: من الرجز وسنان أم تسمع ما أنبيكا ... فارحل هديت وابتغي دميكا يفري قيام الآل والدلوكا ... حتى تحل منهلاً مسلوكا بيثربٍ يحظى به سنوكا ... ائت رسولاً عبد المليكا يدني إليه الحر والمملوكا ... ويقبل السوقة والملوكا رسول صدقٍ يفرج الشكوكا فاستيقظت لذلك، وأنشأت أقول: من الرجز يا أيها الطائف والليل سحم ... ماذا الذي تدعو إليه وتلم بين لنا عن صدق ما أنت زعم ... هل بعث الله رسولاً معتلم يجلو عمى الضلال عنا والتهم ... من بعد عيسى في محنات الظلم ينجي من الزيغ ويهدي من رغم فقال: ألا إنه قد بطل زور وبعث نبي بالسرور؛ ثم انقطع عني الصوت، فلا حس ولا خبر؛ فبينا أنا أفكر في أمري، وما الذي سمعت من قول الهاتف إذ طلع عمود الصبح فأرغت بعيري، فإذا هو في شجرةٍ يميس ورقها ويهشم من أغصانها، فوثبت إليها فرمتها، ثم استويت على كورها، ثم أقبلت حتى اقتحمت وادياً، فإذا أنا بشجرةٍ عادية، وعينٍ خرارةٍ، وروضةٍ مدهامة، وإذا بقس بن ساعدة جالسٌ في أصل شجرةٍ، وقد ورد على الحوض سباعٌ كثير، فكلما ورد سبعٌ قبل صاحبه ضربه قس بن ساعدة بالقضيب، ثم قال: تنح، حتى يشرب الذي ورد قبلك؛ فلما رأيت ذلك ذعرت ذعراً شديداً؛ فقال لي: لا تخف؛ فإذا بقبرين وبينهما مسجدٌ؛ فقلت: ما هذان القبران؟ فقال: هذان قبرا أخوين كانا يعبدان الله في هذا المكان، فأنا مقيمٌ بينهما أعبد الله حتى ألحق بهما؛ فقلت:

стр. 8255

ألا تلحق بقومك، فتكون معهم على خيرهم وتبكتهم على شرهم؟ فقال: ثكلتك أمك، أما علمت أن ولد إسماعيل تركت دين أبيها، واتبعت الأنداد وعظمت السدان، ثم تركني وأقبل على القبرين يبكي، ويقول: من الطويل خليلي هبا طال ما قد رقدتما ... أجدكما ما تقضيان كراكما ألم تعلما أني بسمعان مفرداً ... وما لي أنيسٌ من حبيبٍ سواكما مقيمٌ على قبريكما لست بارحاً ... أؤوب الليالي أو يجيب صداكما فلو جعلت نفسٌ لنفسٍ فداؤها ... لجدت بنفسي أن يكون فداكما فقال رسول الله ﷺ : " رحم الله قساً، رحم الله قساً، أما إنه سيبعث أمةً وحده ". محمد بن هبة الله بن عبد السميع ابن علي ابن عبد الصمد بن علي بن العباس بن علي بن أحمد أبو تمام الهاشمي العباسي البغدادي النسابة الخطيب النقيب قدم دمشق سنة سبع وأربعين وخمس مئة، وخطب بها جمعةً واحدةً، وأقام بها مديدةً ورجع إلى بغداد، ثم قدم قدمةً ثانيةً ولم يطل لبثه؛ ومما أنشده، قال: أنشدنا أبو منصور الحسن بن سلامة البغدادي المعروف بابن المخلطي لنفسه: من الكامل أطع الغرام ولو دعاك إلى الردى ... واعص الملام ولو هداك إلى الهدى غش الحبيب ولا نصيحة عاذلٍ ... فالماء مهما كان فيه مسقىً للصدى أحلى الهوى ما لم تنل فيه المنى ... والحب أعدل ما يكون إذا اعتدى

стр. 8256

وإذا نظرت وجدت أصدق عاشقٍ ... من لا يمد إلى مواصله يدا تجد الوصال إلى الملال ذريعةً ... فيعاف أن يرد التسلي موردا محمد بن هبة الله بن علي أبو رضوان البغدادي الموصلي قال أبو رضوان: أنشدني قاضي القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي لعلي بن عبد العزيز الجرجاني قاضي قضاة الري: من الطويل وما زلت منحازاً بعرضي جانباً ... عن الذل أعتد الصيانة مغنما يقولون هذا منهلٌ قلت: قد أرى ... ولكن نفس الحر تحتمل الظما أنهنهها عن بعض ما لا يشينها ... مخافة أقوال العدى فيم أو لما وأقسم ما غراء من حسنت له ... مسافرة الأطماع إن بات معدما يقولون: فيك انقباضٌ وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما أرى الناس من داناهم هان عندهم ... ومن أكرمته عزة النفس أكرما ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لكن لأخدما أأشقى به غرساً وأجنيه ذلةً ... إذا فاتباع الجهل قد كان أسلما ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظما ولكن أذلوه فهان ودنسوا ... محياه بالأطماع حتى تهجما ولم أقض حق العلم إن كان كلما ... بدا طمعٌ صيرته لي سلما وأقبض خطوي عن فصولٍ كثيرةٍ ... إذا لم أنلها وافر العرض مكرما

стр. 8257

وما كل برقٍ لاح لي يستفزني ... وما كل من في الناس أرضاه منعما ولكن إذا ما اضطرني الأمر لم أزل ... أقلب فكري منجداً ثم متهما إلى أن أرى من لا أغص بذكره ... إذا قلت: قد أسدى إلي وأنعما وكم طالبٍ ديني بنعماه لم يصل ... إليه ولو كان الرئيس المعظما وأكرم نفسي أن أضاحك عابساً ... وأن أتلقى بالمديح مذمما ولكن إذا ما فاتني الأمر لم أبت ... أقلب كفي إثره متندما ولكنه إن جاء عفواً قبلته ... وإن مال لم أتبعه هلا وليتما فكم نعمةٍ كانت على الحر نقمةً ... وكم مغنمٍ يعتده الحر مغرما وماذا عسى الدنيا وإن جل خطبها ... ينال بها من صير الصبر مطعما محمد بن هشام بن إسماعيل ابن هشام ابن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي ولاه ابن أخيه هشام بن عبد الملك مكة والمدينة، وأقدمه الوليد بن يزيد الشام معزولاً. أتي محمد بن هشام بامرأةٍ حملت من الزنى، وقد كانت تحت عبدٍ، فأرسل محمد إلى مكحول الدمشقي وعطاء بن أبي رباح، فسألهما عن ذلك فقال مكحول: قد سمعت أنه يحصنها ولست آمرك فيها بشيء؛ وقال عطاء: لا يحصنها. لما كان محمد بن هشام بن إسماعيل على مكة، جلس في الحجر فاختصم إليه عيسى بن عبيد الله وعثمان بن أبي بكر بن عبيد الله وعثمان بن أبي بكر بن عبيد الله الحميديان، فتوجه القضاء على أحدهما، فقال محمد بن هشام: أيا ابن الوحيد، والله لأقضين بينكما بقضاءٍ يتحدث به أهل القريتين، لأقضين بينكما قضاءً مغيرياً؛ فقال عثمان: صه ادن حبواً، أتدري من الرجل معك؟ أزهر أزهر، المتسربل المجد، معه إزاره ورداؤه؛ وقال عيسى بن عبيد الله: نوهت بماجدٍ لماجدٍ، بكر بكر، والله ما أنا بنافخ كيرٍ، ولا ضارب زيرٍ، ولو بقيت قدماي لانتثرت

стр. 8258

منها بطحاء مكة، أنا ابن زهير دفين الحجر؛ فقال محمد بن هشام: قوموا فإنكم كنتم وحشاً في الجاهلية وما استأنستم في الإسلام؛ فقال أحد الرجلين: حقي لصاحبي، لا أريد الخصومة. يعني: زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي، قبره بالحجر. كان الوليد بن يزيد مضطغناً على محمد بن هشام أشياء كانت تبلغه عنه في حياة هشام، فلما ولي الخلافة قبض عليه وعلى أخيه إبراهيم بن هشام، وأشخصا إليه إلى الشام، ثم دعا لهما بالسياط؛ فقال له: أسألك بالقرابة؛ قال: وأي قرابةٍ بيني وبينك؟ وهل أنت إلا من أشجع؟ قال: فأسألك بصهر عبد الملك؛ قال: لم تحفظه؛ فقال: يا أمير المؤمنين قد نهى رسول الله ﷺ أن يضرب قرشي بالسياط إلا في حد؛ قال: ففي حد أضربك وقودٍ، أنت أول من سن ذلك على العرجي، وهو ابن عمي، وابن أمير المؤمنين عثمان، فما رعيت حق جده، ولا نسبه بهشام، ولا ذكرت حينئذٍ هذا الخبر، وأنا ولي ثأره؛ اضرب يا غلام؛ فضربهما وأوثقهما بالحديد ووجه بهما إلى يوسف بن عمر بالكوفة، وأمره باستصفائهما وتعذيبهما إلى أن يتلفا؛ وكتب إليه: احبسهما مع ابن النصرانية يعني خالداً القسري، ونفسك نفسك إن عاش أحدٌ منهم؛ فعذبهم عذاباً شديداً وأخذ منهم مالاً عظيماً حتى لم يبق منهم موضعٌ للضرب؛ فكان محمد بن هشام مطروحاً، فإذا أرادوا أن يقيموه أخذوا بلحيته فجذبوه منها؛ ولما اشتدت عليهما الحال تحامل إبراهيم لينظر في وجه محمدٍ فوقع عليه فماتا جميعاً، ومات خالدٌ القسري معهما في يومٍ واحدٍ. قال يعقوب: ودفع الوليد إبراهيم ومحمداً ابني هشام إلى خاله يوسف بن محمد بن يوسف الثقفي، موثقين، فدخل بهما المدينة يوم السبت لاثنتي عشرة بقيت من شعبان سنة خمسٍ وعشرين ومئة، فأقامهما بالمدينة، ثم كتب الوليد بن يزيد إلى يوسف بن محمد، أن يبعث بهما إلى يوسف بن عمر الثثفي، وهو عامله يومئذ على العراق، فلما قدم بهما عذبهما حتى قتلهما، وقد كان رفع عليهما عند الوليد أنهما أخذا مالاً.

стр. 8259

محمد بن هشام بن ملاس أبو جعفر النميري الدمشقي حدث عن مروان بن معاوية الفزازي، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: أتى النبي ﷺ وأنا مع غلمانٍ، فسلم علينا، وأخذ بيدي فأرسلني برسالةٍ، فقالت لي أمي: لا تخبر بسر رسول الله ﷺ أحداً. وبه، قال: أهل رسول الله ﷺ فقال: " لبيك بعمرةٍ وحج " توفي محمد بن هشام سنة سبعين ومئتين. محمد بن هميان بن محمد ابن عبد الحميد بن زيد أبو الحسين القيسي البغدادي الوكيل، المعروف بزنبيلويه قدم دمشق سنة أربعين وثلاث مئة. حدث عن الحسن بن عرفة، بسنده إلى أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا أحد أصبر على أذىً يسمعه الله ﵎، إنه يشرك به، ويجعل ولدٌ، ثم هو يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم ". توفي محمد بن هميان سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة. محمد بن الهيثم بن حماد ابن واقد أبو عبد الله الثقفي، مولاهم، يعرف بأبي الأحوص قاضي عكبراء. سمع بدمشق وغيرها.

стр. 8260

حدث عن ابن أبي السري بسنده إلى يوسف بن عبد الله بن سلام، قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المربد، فإذا عثمان بن عفان يقود ناقةً تحمل دقيقاً وسمناً وعسلاً؛ فقال رسول الله ﷺ : " أنخ " فأناخ، ثم دعا ببرمةٍ فجعل فيها من السمن والعسل والدقيق، ثم أمر فوقد تحتها حتى أدرك، أو قال: نضج، ثم قال رسول الله ﷺ : " كلوا " وأكل منه، ثم قال: " هذا شيءٌ ندعوه فارس الخبيص ". محمد بن ياسر بن عبد الله ابن عبد الخالق أبو بكر الحداد حدث بمدينة جبيل عن هشام بن عمار، بسنده إلى علي، قال: لولا أن تنظروا لحدثتكم بموعود الله على لسان نبيه ﷺ لمن قتل هؤلاء، يعني الخوارج. وحدث عنه أيضاً، بسنده إلى أبي هارون العبدي، قال: كنا نأتي أبا سعيد الخدري، فيقول: مرحباً بوصية رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ : " إنه سيأتيكم ناسٌ من إخوانكم يتفقهون ويتعلمون، فعلموهم ثم قولوا: مرحباً مرحباً، ادنوا ". محمد بن يحيى بن الحسين بن علي ابن حمزة ابن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو الغنائم الحسيني الزيدي الكوفي حدث بدمشق سنة سبعٍ وعشرين وأربع مئة، عن أبي الطيب محمد بن يحيى بن علي بن الحسين، بسنده إلى أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : " لو أن الله أذن للسموات والأرض أن تتكلما لبشرتا من صام رمضان بالجنة ".

стр. 8261

محمد بن يحيى بن حمزة بن واقد قاضي دمشق، وليها في خلافة المأمون وبعض خلافة المعتصم. حدث عن سويد بن عبد العزيز، بسنده إلى عبد الله بن مسعود، قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق، أن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يأتيه ملكٌ بأربع كلماتٍ، فيكتب أجله ورزقه وعلمه وشقي أو سعيد، فإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ ثم يصير إلى كتابه فيختم له بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ ثم يصير إلى كتابه فيختم له بعمل أهل الجنة ". وحدث عن أبيه، بسنده إلى نعيم بن همار الغطفاني، أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله يقول ابن آدم لا تعجزني من أربع ركعاتٍ من أول النهار أكفك آخره ". كان لمحمد بن بيهس ابنةٌ، خطبها أكفائها فامتنع من تزويجها، فشكت ذلك إلى محمد بن يحيى بن حمزة وهو القاضي يومئذٍ بدمشق، فراسله فامتنع من تزويجها، فأثبتت البينة أنه كفؤٌ لها فزوجها على كرهٍ من أبيها؛ فكان ذلك سبب الحرب بين اليمانية والقيسية بدمشق، جمع ابن بيهس القيسية لهدم بيت لهيا، لأن محمد بن يحيى يماني، وكان يسكن في بيت لهيا، وجمع محمد بن يحيى اليمانية فامتنع بهم، فبقي الحرب بينهم خمسة عشر سنةً إلى قدوم عبد الله بن طاهر دمشق، وحمله ابن بيهس إلى بغداد. توفي سنة إحدى وثلاثين ومئتين.

стр. 8262

محمد بن يحيى بن داود بن يحيى أبو بكر الهاشمي مولاهم، المعروف بالسماقي حدث عن أبيه عبد الله محمد بن الوزير الدمشقي، بسنده إلى يعلى بن عقبة قال: أصابتني جنابةٌ بالمدينة في شهر رمضان، فأصبحت فلم أغتسل، فلقيت أبا هريرة، فذكرت ذلك له، فقال: أفطر أفطر؛ فقلت له: إنه شهر رمضان قال: أفطر أفطر؛ فآتى مروان بن الحكم، فأرسل أبا بكر بن عبد الرحمن بن هشام إلى عائشة، فسألها عن ذلك، فقالت: قد كان رسول الله ﷺ يصبح في شهر رمضان جنباً من غير احتلامٍ فيمضي على صيامه؛ قال: فجاء أبو بكر إلى مروان فأخبره بقول عائشة، فقال له: عزمت عليك إلا لقيت أبا هريرة فتخبره بقول عائشة؛ فقال: جاري جاري؛ فقال: عزمت عليك لتلقينه، فلقيته فأخبرته بقول عائشة؛ فقال: أما إني لم أسمعه من النبي ﷺ ولكن خبرني بن الفضل بن عباس. محمد بن يحيى بن عبد الله ابن خالد بن فارس بن ذؤيب أبو عبد الله الذهلي، مولاهم شيخ نيسابور. حدث عن مسلم بن قتيبة، بسنده إلى أنس بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ يعيد الكلام ثلاثاً لتعقل عنه. وحدث عن الوليد بن الوليد العبسي، عن الأوزاعي، قال: سئل الزهري عن رجلٍ اشترى قمحاً، أله أن يبيعه قبل أن يحوزه؟ قال: حدثني سالم، عن عبد الله بن عمر، قال: رأيت أصحاب النبي ﷺ يضربون في عهد رسول الله ﷺ حين يبيعونه قبل أن يحوزه إلى رحالهم.

стр. 8263

وحدث عن علي بن عبد الله، بسنده إلى أبي هريرة، قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في " إذا السماء انشقت ". قال محمد بن يحيى الذهلي: ارتحلت ثلاث رحلاتٍ، وأنفقت على العلم مئةً وخمسين ألفاً. قال يحيى بن محمد بن يحيى: دخلت على أبي في الصيف الصائف وقت القائلة، وهو في بيت كتبه وبين يديه السراج وهو يصنف، فقلت: يا أبه، هذا وقت الصلاة، ودخان هذا السراج بالنهار، فلو نفست عن نفسك؛ فقال لي: يا بني، تقول لي هذا، وأنا مع رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين حدث خادم محمد بن يحيى، ومحمد بن يحيى يغسل على السرير، قال: خدمت أبا عبد الله ثلاثين سنةً وكنت أضع له الماء، فما رأيت ساقه قط، وأنا ملكٌ له. توفي محمد بن يحيى سنة اثنتين وخمسين ومئتين، وقيل: سنة ست وخمسين، وقيل: سنة سبعٍ وخمسين؛ والصحيح أنه توفي سنة ثمانٍ وخمسين ومئتين؛ وقد بلغ ستاً وثمانين سنةً. قال أبو عمرو الخفاف: رأيت محمد بن يحيى الذهلي في النوم، فقلت: يا أبا عبد الله، ما فعل بك ربك؟ قال: غفر لي؛ قلت: فما فعل علمك؟ قال: كتب بماء الذهب ورفع في عليين.

стр. 8264

محمد بن يحيى بن علي القرشي ابن عبد العزيز بن علي بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن الوليد بن القاسم بن الوليد أبو المعالي بن أبي المفضل بن أبي محمد القرشي المعروف بابن الصائغ قاضي دمشق. حدث عن أبي الحسن علي بن الحسن بن الحسين الفقيه، بسنده إلى أنس بن مالك، قال: قدم النبي ﷺ المدينة وأنا ابن عشر سنين، ومات وأنا ابن عشرين سنةً، وكان أمهاتي يحثثنني على خدمته، فدخل علينا النبي ﷺ فحلبنا له من شاةٍ لما داجنٍ فشيب له من ماء بئرٍ في الدار، وأبو بكر عن شماله وأعرابي عن يمينه، فشرب النبي ﷺ وعمر ناحيةً، فقال عمر: أعط أبا بكر، فناوله الأعرابي، وقال: " الأيمن فالأيمن ". ولد أبو المعالي سنة سبعٍ وستين وأربع مئة، وتوفي سنة سبعٍ وثلاثين وخمس مئة. محمد بن يحيى بن علي بن مسلم ابن موسى بن عمران القرشي اليمني الزبيدي الواعظ قدم دمشق سنة ست وخمس مئة، وعقد مجلس التذكير، وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فلم يحتمل طغتكين أتابك ذلك له، وأخرجه عن البلد، فمضى إلى العراق، وأقام بها مدةً، ورجع إلى دمشق رسولاً من الخليفة المسترشد في أمر الباطنية، وعاد إلى بغداد، ومات بها، وكان حنيفي الفروع، حنبلي الأصول. وتوفي سنة خمسٍ وخمسين وخمس مئة، وكان من آخر كلامه أن قال له ولده إسماعيل: هذا وقت لقائك لله، فبماذا توصينا؟ فقال: اغسلوا كل ما وقع إليكم من

стр. 8265

كلامي في الأصول، ولا تعهدوا إلا على كتاب الله وما صح عن رسول الله ﷺ ثم تولين قوله: " إياك نعبد " مشاهدةٌ، ثم ما زال يكرر قوله: الله، الله، حتى لم يبق نسمع منه ثم طفئ. قال ولده إسماعيل: كان في كل يومٍ وليلةٍ من مرضه يقول: الله الله قريباً من خمسة عشر ألف مرة؛ وفي يوم وفاته أدنى السبحة وهو يقول: الله الله قريباً من خمس مئة مرةً، ﵀. محمد بن يحيى بن الفياض أبو الفضل الزماني البصري قدم حاجاً سنة ست وأربعين ومئتين. حدث عن عبد الأعلى يعني ابن عبد الملك الشامي عن حميد، عن قتادة، عن أنس، قال: سمع النبي ﷺ وهو في مسيرٍ له رجلاً يقول: الله أكبر، الله أكبر؛ فقال: نبي الله ﷺ : " على الفطرة " قال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ فقال رسول الله ﷺ : " خرج من النار " فاستبق القوم إلى الرجل فإذا راعي غنمٍ، حضرت الصلاة فقام يؤذن. وحدث عن صغدي بن سنان، بسنده إلى عمران بن حصين، قال: جمع رسول الله ﷺ بين الحج والعمرة، ولم ينزل بعد كتابٌ ينسخه. هو منسوبٌ إلى زمان بن مالك بن صعب بن بكر بن وائل.
следующие страницы →