← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 8296–8335 · переход к 8301.

стр. 8296

محمد بن يوسف بن سليمان بن سليم أبو عبد الله البغدادي الجوهري حدث عن معلى بن أسد، بسنده إلى أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تسافر امرأةٌ بريداً إلا ومعها محرمٌ يحرم عليها ". وحدث عنه بسنده إلى أبي هريرة، قال: نهينا أن يتخصر الرجل في الصلاة. وحدث عن الفضل بن موفق، بسنده إلى عبد الله بن مسعود، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اتقوا الله وصلوا أرحامكم ". توفي محمد بن يوسف الجوهري سنة خمسٍ وستين ومئتين. محمد بن يوسف بن عبد الله الدمشقي حدث عن أبي جعفر محمد بن عبد الحميد الفرغاني، بسنده إلى عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : " من عزى مصاباً فله مثل أجره ". محمد بن يوسف بن عمر بن علي أبو عبد الله الكفرطابي نزيل شيزر ويعرف بابن المنيرة أديب فاضل فمن شعره يهنئ صاحب شيزر بولدٍ رزقه: من البسيط يا من هو الليث لولا حسن صورته ... ومن هو الغيث إلا أنه بشر

стр. 8297

ومن هو السيف إلا أن مضربه ... لا ينثني ويكل الصارم الذكر ومن هو البحر إلا أن نائله ... سهل المرام وهذا نيله عسر هنيت بالولد الميمون طائره ... وعاش في ظل عز ما له قصر فقد تباشرت الخيل العتاق به ... والمشرفية والعسالة السمر علماً بأن سوف نوليها بخدمته ... فخراً يقصر عنه البدو والحضر أليس مولده منكم ومنشؤه ... فيكم وذلك فخرٌ دونه مضر لا زال عزكم ينمى ومجدكم ... يسمو وفضلكم في الناس يشتهر توفي ابن منيرة سنة ثلاثٍ وخمسين وخمس مئة، بعد الزلزلة. محمد بن يوسف بن محمد بن إسحاق ابن إبراهيم بن عبد الرحمن أبو عبد الله الأفشيني قدم دمشق. روى عن أبي القاسم عبيد الله بن إسحاق بن حبابة، بسنده إلى ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: " الحرير ثياب من لا خلاق له ". محمد بن يوسف بن نهار أبو الحسن البغدادي المقرئ سمع بدمشق. روى عن أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي بسنده إلى ابن عباس أن أم الفضل أرسلت بلبنٍ إلى النبي ﷺ فشربه وهو يخطب للناس بعرفة.

стр. 8298

قال محمد بن يوسف: أنشدنا أبو بكر محمد بن القاسم بن يسار الأنباري، قال: أنشدنا أحمد بن يحيى ثعلب: من الكامل لا تحفرن بئراً تريد أخاً بها ... فإنك فيها أنت من دونه تقع كذاك الذي يبغي على الناس ظالماً ... يصبه على رغمٍ عواقب ما صنع محمد بن يوسف بن واقد أبو عبد الله الضبي الفريابي حدث عن الأوزاعي، عن إسحاق بن عبد الله، عن أنس بن مالك، قال: بينا رسول الله ﷺ على المنبر يخطب، فقام إليه رجلٌ فقال: يا رسول الله هلك المال وجاع العيال، فادع الله؛ فرفع يديه وما في السماء قزعةٌ، فما وضعهما حتى ثار السحاب أمثال الجبال، فلم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر ينحدر على لحيته، فمطرنا يومنا والذي بعده والذي يليه إلى الجمعة، فبينا رسول الله ﷺ على المنبر إذ قام ذلك الرجل أو غيره، فقال: يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال فادع الله؛ فرفع رسول الله ﷺ يديه فجعل لا يشير بيده إلى ناحيةٍ إلا أفرجت حتى صارت المدينة مثل الحوبة. وحدث عن الأوزاعي، بسنده إلى فيروز الديلمي، قال: قلت: يا رسول الله نحن ممن قد علمت، وجئنا من حيث تعلم، ونزلنا بين ظهراني من تعلم، فمن ولينا؟ قال: " الله ورسوله ". وحدث عن الأوزاعي، قال: كان عندنا رجلٌ صياد، وكان يرى التخلف عن الجمعة، فخرج يوماً كما كان يخرج، فخسف به وببغلته فما رؤي منها إلا أذناها.

стр. 8299

ذكر الفريابي أنه ولد في سنة عشرين ومئة، وتوفي بقيسارية سنة اثنتي عشرة ومئتين. قال الفريابي: رأيت في منامي كأني دخلت كرماً فيه من أصناف العنب، فأكلت من عنبه كله غير الأبيض، فلم آكل منه شيئاً، فقصصتها على الثوري، فقال: تصيب من العلم كله غير الفرائض، فإنها جوهر العلم، كما أن العنب الأبيض جوهر العنب، فكان الفريابي كذلك لم يجد النظر في الفرائض. قال ابن زنجويه: ما رأيت أخوف لله من إسحاق بن سليمان الرازي، وما رأيت أحفظ من يزيد بن هارون، وما رأيت أخشع من أبي المغيرة عبد القدوس، وما رأيت أعقل من أبي مسهر، وما رأيت أقنع من محمد بن يوسف الفريابي، وما رأيت أشد تقشفاً من بشر بن الحارث. قال محمد بن سهل بن عسكر: خرجت مع محمد بن يوسف الفريابي في الاستسقاء، فرفع يديه فما أرسلها حتى مطرنا. قال أبو بكر محمد بن إبراهيم بن إسماعيل العنبري الشيخ الصالح: دخلت على علي بن عبد العزيز بمكة، وسمعت منه ثم أردت الخروج إلى صنعاء لسماع كتب عبد الرزاق، فقال لي علي بن عبد العزيز: حدثني شيخٌ من أفاضل المسلمين قال: دخلت إلى صنعاء إلى عبد الرزاق لسماع الكتب، فكان يمتنع علي فيه ويتعاسر علي، فرأيت النبي ﷺ في منامي، فقلت: يا رسول الله، أنا على باب عبد الرزاق منذ مدةٍ، وهو يمتنع علينا في الرواية فقال رسول الله ﷺ : " اذهب إلى مدينة الرسول واسمع من القعنبي كتاب الموطأ لمالك بن أنس، واذهب إلى الشام واسمع من محمد بن

стр. 8300

يوسف الفريابي كتب سفيان الثوري، وارجع إلى البصرة واسمع من أبي النعمان عارم كتب حماد بن زيد " قال: فبكرت إلى عبد الرزاق وقصصت عليه هذه الرؤيا؛ فقال: شكوتني إلى رسول الله ﷺ ؟ أقم عندنا واصبر علي حتى أقرأ لك الكتب؛ قال: فقلت: والله لا أقمت يوماً واحداً، فإني أمتثل أمر رسول الله ﷺ : قال العباس بن عبد الله الترقفي: خرج علينا سفيان بن عيينة ﵀ يوماً فنظر إلى أصحاب الحديث فقال: هل منكم أحدٌ من أهل مصر؟ فقالوا: نعم؛ فقال: ما فعل الليث بن سعد؟ فقالوا: توفي ﵀؛ فقال: هل فيكم أحدٌ من أهل الرملة؟ فقالوا: نعم؛ فقال: ما فعل ضمرة بن ربيعة الرملي؟ فقالوا: توفي ﵀؛ فقال: هل فيكم أحدٌ من أهل حمص؟ فقالوا: نعم؛ فقال: ما فعل بقية بن الوليد؟ فقالوا: توفي ﵀؛ فقال: هل فيكم أحدٌ من أهل دمشق؟ قالوا: نعم؛ قال: ما فعل الوليد بن مسلم؟ فقالوا: توفي ﵀؛ فقال: هل فيكم أحدٌ من أهل قيسارية؟ قالوا: نعم؛ قال: ما فعل محمد بن يوسف الفريابي؟ فقالوا: توفي ﵀؛ قال: فبكى طويلاً ثم أنشأ يقول: من الكامل خلت الديار فسدت غير مسودٍ ... ومن الشقاء تفردي بالسؤدد قال المصنف: هذه الحكاية ظاهرة الاختلال، لا يخفى خطؤها إلا على الجهال، فإن الليث قديم الوفاة، لا تخفى وفاته على سفيان، وأما ضمرة بن ربيعة فإنما توفي بعد سفيان، وبقية توفي قبل سفيان، وقيل: بعده؛ وتوفي سفيان سنة ثمانٍ وتسعين، والفريابي بقي بعد سفيان مدة طويلة. قال محمد بن إبراهيم المعروف بحباش: خرجت مع خالي القاسم بن عبد الوهاب إلى قيسارية لنسمع من محمد بن يوسف

стр. 8301

الفريابي، فلما حضرنا ذكر عنده القول، فقال محمد بن يوسف: ما أدري ما هو، ولا له موقعٌ من قلبي؛ فقال له خالي: إن معي من يقول؛ قال: قل؛ فقال: من المتقارب تخلى الحبيب بأحبابه ... فطوبى لمن كان معنىً به قال: فبكى محمد بن يوسف، وقال: ما أرى بهذا بأساً؛ قال سفيان الثوري: لو وجدت قلبي على مزبلةٍ لجلست عليها. قال يحيى: حدث الفريابي عن أبي عيينة عن ابن نجيح، عن مجاهد: " الشعر في الأنف أمانٌ من الجذام ". وهذا حديثٌ باطلٌ، ليس له أصل. قال يحيى بن معين: الفريابي عندنا ثقةٌ، ولكنه طن على أذن الشيخ. ويقال: إن محمد بن يوسف أخطأ في خمسين ومئة حديثٍ من حديث سفيان. محمد بن يوسف بن يعقوب بن محمد ابن يحيى أبو بكر الصواف البغدادي سمع بدمشق. حدث عن أبي بكر بن ريان، بسنده إلى ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: " إن المؤمن يأكل في معىً واحدٍ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء ". توفي أبو بكر محمد بن يوسف سنة سبعٍ وستين وثلاث مئة.

стр. 8302

محمد بن يوسف بن يعقوب بن إبراهيم أبو عبد الله، ويقال: أبو بكر الرقي حدث عن أبي محمد عبد الله بن شوذب الواسطي، بسنده إلى أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً ". وحدث عن سليمان بن أحمد بن أيوب، بسنده إلى أنس بن مالك، أن النبي ﷺ قال: " إذا كان يوم القيامة يجيئون أصحاب الحديث ومعهم المحابر فيقول الله لهم: أنتم أصحاب الحديث طال ما كنتم تصلون على نبيي ﷺ ، انطلقوا إلى الجنة ". وفي رواية: فيقول الله: " ادخلوا الجنة على ما كان منكم طال ما كنتم تصلون على نبي في دار الدنيا ". قال الخطيب: هذا حديثٌ موضوع، والحمل فيه على الرقي. قال محمد بن يوسف: سمعت أحمد بن محمد بن الأعرابي يقول: سمعت مسلم يقول: سمعت الفضيل بن عياض، يقول: إنما أمس مثلٌ، واليوم عملٌ، وغداً أملٌ. محمد بن يوسف الدمشقي حدث عن قبيصة بن ذؤيب أنه سأل عبد الرحمن بن عوف، عن السبحة عند أذان المغرب، فقال: كنا إذا صمنا صليناهما.

стр. 8303

وحدث عن قبيصة بن ذؤيب، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: كنا نركعهما إذا قمنا بين الأذان والإقامة من المغرب. محمد بن يونس بن هاشم أبو بكر المقرئ العين زربي، المعروف بالإسكاف حدث عن أبي بكر محمد بن يوسف الربعي، بسنده إلى معاوية بن أبي سفيان، عن رسول الله ﷺ قال: " الخير عادة والشر لجاجةٌ، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ". توفي محمد بن يونس سنة إحدى عشرة وأربع مئة. محمد والد هارون وفد على عمر بن عبد العزيز، قال: رأيت عمر بن عبد العزيز بخناصرة يأمر بزقاق الخمر أن تشقق وبالقوارير أن تكسر. محمد الكوفي وفد على عمر بن عبد العزيز، وقال: شهدت عمر بن عبد العزيز حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إن الله خلق خلقه ثم أرقدهم، ثم يبعثهم من رقدتهم، فإما إلى جنةٍ وإما إلى نارٍ، والله إن كنا مصدقين بذا إنا لحمقى وإن كنا مكذبين بهذا إنا لهلكى؛ ثم نزل.

стр. 8304

محمد أبو عبد الله ويعرف باليسع أحد الصالحين. حكى عن نفسه أنه أقام بدمشق مدةً، وقوته في الشهر أربعة دوانيق. مالك بن أدهم السلاماني شهد صفين مع معاوية وقتل يومئذٍ، وكان فارساً شاعراً، وقتل الأشتر بيده سبعةً مبترزةً؛ صالح بن فيروز العكي، ومالك بن أدهم السلاماني، ورياح بن عتيك الغساني، والأجلح بن منصور الكندي، وإبراهيم بن الوضاح الجمحي، وزامل بن عتيك الحزامي، ومحمد بن روضة الجمحي؛ وكان مالك بن أدهم خرج وهو يقول: من الرجز إني منحت مالكاً سنانيا ... أجيبه بالرمح إذا دعانيا لفارسٍ أمنحه طعانيا فشد عليه الأشتر فطعنه، فثنى السنان والتوى عليه، ثم شد على الأشتر فطعنه فمار السنان والتوى عليه، ثم شد عليه الأشتر فقتله، وأنشأ يقول: من الرجز خانك رمحٌ لم يكن خوانا ... وكان قدماً يقتل الفرسانا بوأته لخير ذي قحطانا ... لفارسٍ يخترم الأقرانا أشتر لا وغلاً ولا جبانا مالك بن أدهم بن محرز بن أسيد ابن أخشن بن رياح بن أبي خالد الباهلي وبنو باهلة أولاد معن وأولاد مالك أبيه، لأن معناً خلف على امرأة أبيه باهلة بنت صعب بن سعد العشيرة.

стр. 8305

كان المنصور يسأل مالك بن أدهم كثيراً عن حديث عجلان بن سهيل أخي حوثرة بن سهيل، قال: كنا جلوساً مع عجلان إذ مر بنا هشام بن عبد الملك، فقال رجلٌ من القوم: قد مر الأحوال؛ قال: من تعني؟ قال: هشاماً؛ قال: تسمي أمير المؤمنين بالنبز، والله ولولا رحمك لضربت عنقك؛ فقال المنصور: هذا والله الذي ينفع مع مثله المحيا والممات. قال مالك بن أدهم: غزونا الصائفة مع معاوية بن هشام، فلما قفلنا وقدمنا وفداً إلى هشام، قدم وفد البحر، فأذن لنا هشام جميعاً فدخلنا عليه، وقام خطيبنا، فتكلم فأحسن، ثم قام خطيب البحر من الموالي فبذ خطيبنا كلاماً. قال: وقد كان بعث البحر نكبوا قبل ذلك ثلاث غزوات؛ فقال خطيب البحر في كلامه: يا أمير المؤمنين إن لكل شيء إسطاماً وإن إسطام الموالي العرب، فإن كان لك بثغرك في البحر حاجةٌ فاسطم الموالي بالعرب، فإنه أحسن لذات بيننا وأسخى لأنفسنا وأهيب لنا في صدور عدونا؛ قال هشام: صدقت ونصحت؛ فقطع البعث على الموالي والعرب. قيل: إن مالكاً بلغ مئة سنةً، وصحب المنصور، والله أعلم. نجز الجزء الثالث والعشرون من تاريخ دمشق ويتلوه في الرابع والعشرين إن شاء الله مالك بن أسماء بن خارجة علقه عبد الله محمد بن المكرم بن أبي الحسن الأنصاري الكاتب عفا الله عنه وفرغ في العشرين من شهر رجب الفرد سنة أربع وتسعين وست مئة أحسن الله تقضيها الحمد لله رب العالمين كما هو أهله وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلامه حسبنا الله ونعم الوكيل /

стр. 8306

مالك بن أسماء بن خارجة وفد على عبد الملك بن مروان. حدث، قال: كنت مع أبي أسماء إذ دخل رجل إلى أمير من الأمراء، فأثنى عليه وأطراه، ثم جاء إلى أبي أسماء، فجلس إليه وهو جالس في جانب الدار، فجرى حديثهما، فما برح حتى وقع فيه، فقال أسماء: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: إن ذا اللسانين في الدنيا له يوم القيامة لسانان من نار. عن أبي الحسن المدائني، قال: أوفد الحجاج مالك بن أسماء بن خارجة إلى عبد الملك، فدخل عليه، فسمع صراخاً في داره، فقال: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: مات أبان بن عبد الملك في هذه الليلة. فقال مالك: أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين، فو الله ما على ظهر الأرض أهل بيت أعظم مرزئة، ولا الله أكفى لهم بالواحد الباقي من أنفسهم منكم أهل البيت. فأعجب عبد الملك كلامه، فاستعاده، وفضله. وكان الحجاج لا يستعمل مالكاً لإدمانه الشراب، واستهتاره به، فكتب عبد الملك إلى الحجاج: إنك أوفدت إلي رجل أهل العراق، فوله وأكرمه.

стр. 8307

عن محمد بن عبيد الله العيني، قال: كان مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري عاملاً للحجاج عل الحيرة، وكان صهراً له، فبلغه عنه شيء، فعزله، فلما ورد عليه قال: أنت القائل: " من الخفيف " حبذا ليلتي بحيث نسقى ... قهوة من شرابنا ونغنى حيث دارت بنا الزجاجة حتى ... يحسب الجاهلون أنا جننا فمررنا بنسوة عطرات ... وسماع وقرقف فنزلنا وقد مات للحجاج ابن، وأخ لمالك؛ فقال مالك: بل أنا القائل: " من الخفيف " ربما قد لقيت أمس كئيباً ... أقطع الليل عبرة ونحيبا أيها المشفق الملح حذاراً ... إن للموت طالباً ورقيبا فضل ما بين ذي الغنى وأخيه ... أن يعار الغني ثوباً قشيبا قال: فرقّ الحجاج لهذا الشعر حتى دمعت عيناه، ثم أمر بحبسه وأداء ما عليه، وبعث إلى أهل عمله: أن ارفعوا عليه كل شيء. فقال بعضهم لبعض: هذا صهر الأمير، ويغضب عليه اليوم ويرضى عنه غداً، لا تتعرضوا له. فلما دخلوا على الحجاج، دخل عليه شيخ منهم، فسأله، فقال: ما ولينا عامل أعف عن أشعارنا وأبشارنا وأموالنا منه. فضرب ثلاثمئة سوط: ثم دعا بقية أصحابه، فسألهم عنه، فلما رأوا ما أصاب الشيخ رفعوا عليه كل شيء؛ فقال الحجاج: ما تقول يا مالك فيما يقول هؤلاء؟ قال أصلح الله الأمير، مثلي ومثلك ومثل هؤلاء ومثل المضروب مثل أسد كان يخرج إلى الصيد، فصحبه ذئب وثعلب، فخرجوا يتصيدون،

стр. 8308

فأصادوا حمار وحش، وتيساً، وأرنباً؛ فقال الأسد للذئب: من يكون القاضي ويقسم هذا بيننا؟ قال: أما الحمار فلك يا أبا الحارث، والتيس لي، والأرنب للثعلب؛ فضربه الأسد ضربة وضع رأسه بين يديه، ثم قال للثعلب: من يقسم هذا بيننا؟ قال: أنت، أصلحك الله. قال الأسد: لا، بل أنت، أنا الأمير وأنت القاضي. قال الثعلب: الحمار لك تتغذى به، والأرنب لك تتفكه به ما بينك وبين الليل، والتيس لك تتعشى به. قال الأسد: ويحك - يا أبا الحصين - ما أعدلك، من علمك هذا القضاء؟ قال: علمنيه الرأس الذي بين يديك؛ ولكن الشيخ المضروب هو الذي علم هؤلاء حتى قالوا ما سمعت؛ فضحك الحجاج، ووصل المضروب، وخلى سبيل العامل. عن أبي الحسن المدائني، قال: دخل مالك بن أسماء سجن الكوفة، قال: فجلس إلي رجل من بني مرة، ثم اتكأ علي في يوم حار. قال مالك: وأقبل علي المري يحدثني حتى أكثر وغمني، ثم قال: أتدري كم قتلنا منكم في الجاهلية؟ قال: قلت: أما في الجاهلية فلا، ولكن أعرف من قتلتم منا في الإسلام. قال: من؟ قلت: أنا، قد قتلتني غماً. حدث سعيد بن سلم، قال: كان الحجاج بن يوسف ينشد ول مالك بن أسماء بن خارجة: " من المنسرح " يا منزل الغيث بعدما قنطوا ... ويا ولي النعماء والمنن يكون ما شئت أن يكون وما ... قدرت ألا يكون لم يكن لو شئت إذ كان حبها عرضاً ... لم ترني وجهها ولم ترني يا جارة الحي كنت لي سكناً ... إذ ليس بعض الجيران بالسكن أذكر من جارتي ومجلسها ... طرائفاً من حديثها الحسن ومن حديث يزيدني مقةً ... ما لحديث المحبوب من ثمن ثم يقول الحجاج: ما له، فضّ الله فاه، ما أشعره، وما أخبره!

стр. 8309

عن مصعب بن عبد الله، ويعقوب الزهري، قالا: رأى عمر بن أبي ربيعة رجلاً يطوف بالبيت، فبهره جماله وتمامه، فسأل عنه، فقيل: مالك بن أسماء بن خارجة بن حصن الفزاري، فجاءه يعانقه وسلم عليه، وقال: أنت أخي. قال مالك: ومن أنا؟ ومن أنت قال: أما إنك ستعرفني، وأما أنت، فالذي تقول: " من الخفيف " إن لي عند كل نفحة بستا ... ن من الورد أو من الياسمينا نظرة والتفاتة لك أرجو ... أن تكوني حللت فيما يلينا قال: أنت عمر. قال: أنا عمر. قال: وأنت الذي تقول: " من الكامل " طرقتك بين مسبح ومكبر ... بحطيم مكة حيث سال الأبطح فحسبت مكة والمشاعر كلها ... ورحالنا باتت بمسك تنفح قال جهم بن مسعدة: كان بين مالك بن أسماء وبين عيينة بن أسماء بن خارجة شيء، فلما عذب الحجاج بن يوسف عيينة بن أسماء قال مالك بن أسماء: " من الكامل " لما أتاني عن عيينة أنه ... عان عليه تظاهر الأقياد نحلت له نفسي النصيحة إنه ... عند الشدائد تذهب الأحقاد أنشد محمد بن إبراهيم الزبيري، لمالك بن أسماء بن خارجة: " من الخفيف " أمغطي مني على بصري في ال ... حب أم أنت أكمل الناس حسنا وحديث ألذه هو مما ... تشتهيه النفوس يوزن وزنا منطق صائب وتلحن أحيا ... ناً وخير الحديث ما كان لحنا

стр. 8310

عن أبي العباس محمد بن يزيد، قال: أول ما سمعت الرياشي ينشد شعراً لمالك بن أسماء بن خارجة: " من الكامل " يا ليت لي خصاً بداركم ... بدلاً بداري في بني أسد الخص فيه تقر أعيننا ... خير من الآجر والكمد وعن الشافعي، قال: كانت لهند بنت أسماء جارية حسناء ظريفة، وكان أخواها عيينة ومالك يتعشقانها، ويكتمان ذلك، ثم إن عيينة كتب إلى أخيه مالك يستشفع به على أخته هند، فكتب مالك إلى عيينة جوابه: " من الكامل " أعيين هلا إذ كلفت بها ... كنت استغثت بفارغ العقل أقبلت ترجو الغوث من قبلي ... والمستغاث إليه في شغل فلما قرأ جواب أخيه علم أن به مثل ما به، فأمسك عن ذلك. مالك بن أوس الحدثان بن الحارث بن عوف ابن ربيعة بن يربوع بن وائلة بن دهمان بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن ويقال: ابن أوس بن الحدثان، وسعد بن يربوع بن وائلة بن دهمان بن نصر أبو سعيد، ويقال: أبو سعد النصري أدرك النبي ﷺ ، وحدث، وشهد مع عمر بن الخطاب فتح بيت المقدس، والجابية من أعمال دمشق.

стр. 8311

قال أنس بن مالك، ومالك بن أوس بن الحدثان: إن رسول الله ﷺ خرج يتبرز، فلم يجد أحداً يتبعه، فمر عمر فتبعه بفخارة أو مطهرة، فوجده ساجداً في سربه، فتنحى وجلس وراءه حتى رجع رسول الله ﷺ ، فقال: " قد أحسنت يا عمر حين وجدتني ساجداً فتنحيت عني، إن جبريل جاءني، فقال: من صلى عليك واحدة صلى الله عليه عشراً، ورفعه عشر درجات ". عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس الحدثان، أنه أخبره: أنه التمس صرفاً بمئة دينار، قال: فدعاني طلحة بن عبيد الله، فتراوضنا حتى اصطرف مني، وأخذ الذهب يقلبها في يده، فقال: حتى يجيء خازني من الغابة، وعمر بن الخطاب يسمع، فقال عمر: لا والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : " الذهب بالذهب رباً إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر رباً إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير رباً إلا هاء وهاء ". عن الزهري، قال: أخبرني مالك بن الحدثان النصري، أن عمر بن الخطاب دعاه بعد أن ارتفع النهر؛ قال: فدخلت عليه، فإذا هو جالس على رمال سرير له، ليس بينه وبين الرمال فراش، متكئاً على وسادة من أدم، فقال: يا مالك، إنه قد قدم من قومك أهل أبيات قد حضروا المدينة، وقد أمرت لهم برضخ، فاقبضه فاقسمه بينهم. فقلت: يا أمير المؤمنين، لو أمرت بذلك غيري. قال: اقسمه أيها المرء. فبينا أنا عنده إذا حاجبه

стр. 8312

يرفأ، فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد يستأذنون؟ قال: فأدخلهم: فلبث قليلاً ثم جاءه فقال: هل لك في علي وعباس يستأذنان؟ قال: فأذن لهما، فدخلا. فقال العباس: يا أمير المؤمنين، أقض بيننا، وهما يختصمان في الصوافي التي أفاء الله على رسوله ﷺ من أموال بني النضير، فاستبا عند عمر، فقال الرهط الذي عنده: يا أمير المؤمنين، أقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر. قال عمر: تيدكم، أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: " لا نورث، ما تركناه صدقة " يريد بذلك نفسه؟ فقالوا: قد قال ذلك. فأقبل عمر على علي وعلى العباس، فقال: أنشدكما الله، أتعلمان أن رسول الله ﷺ قال ذلك؟ قالا: نعم. قال: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله كان خص رسوله في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحداً غيره، فقال الله " " وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب، ولكن الله يسلط رسله على من يشاء، والله على كل شيء قدير " فكانت هذه خالصة لرسول الله ﷺ ، فما احتازها دونكم ولا استأثر بها عليكم، لقد أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله ﷺ ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله، فعمل بذلك رسول الله ﷺ حياته، ثم توفي رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله ﷺ فقبضه فعمل فيه بما عمل فيه رسول الله ﷺ وأنتما حينئذ - وأقبل على علي وعباس يذكر أن أبا بكر كما يقول - والله يعلم إنه فيها لصادق بر راشد تابع للحق، ثم توفى الله أبا بكر، فقلت: أنا ولي رسول الله ﷺ وأبي بكر، فقبضته سنتين من إمارتي، أعمل فيه بمثل ما عمل فيه رسول الله ﷺ وما عمل فيه أبو بكر وأنتما حينئذ - وأقبل على علي وعباس يذكران أني فيه كما يقولان - والله أعلم إني فيه لصادق بر راشد تابع للحق، ثم جئتماني كلاكما وكلمتكما واحدة وأمركما جميع، فجئتني - يعني عباساً - تسألني نصيبك من ابن أخيك، وجاءني هذا - يريد علياً - يريد نصيب امرأته من أبيها فقلت لكما: إن رسول الله ﷺ قال: " لا نورث، ما تركناه صدقة "، فلما بدا لي

стр. 8313

أن أدفعه إليكما قلت: إن شئتما دفعته إليكما، على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيه بما عمل رسول الله ﷺ وأبو بكر وبما عملت به منذ وليته، وإلا تكلماني، فقلتما: أدفعه إلينا بذلك، فدفعته إليكما، أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك؟ فوالله لا إله إلا هو الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيه بقضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما، فادفعاه إلي فأنا أكفيكماه. عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: قدمنا مع عمر بيت المقدس، فدخل المسجد، فتقدم الصخرة فجعلها خلف ظهره، وقال: هذا القبلة: ثم قال: علي بعبد الله بن سلام، فأتى به، فأقبل يمشي وعليه نعلان مخصوفتان حتى وقف، وعمر يصلي، فلما فرغ عمر أقبل علي بن سلام، فقال: يا ابن سلام، أين ترى أن نجعل قبلتنا؟ قال: حيث أنت؟ واجعل الصخرة خلف ظهرك، وخالف يهود، هذه القبلة الأولى، ولكن يهود غيرت ذلك وجعلته إلى الصخرة. فقال عمر: لم لبست نعليك؟ فقال: إنما هو شيء صنعته يهود، خلع نعلها؛ قال: أنت أصدق من كعب. عن محمد بن سعد، قال: في الطبقة الثامنة من الصحابة، ممن أدرك النبي ﷺ ، ورآه، ولم يحفظ عنه شيئاً، مالك بن أوس بن الحدثان، أحد بني نصر بن معاوية، يقولون: إنه ركب الخيل في الجاهلية، ومات بالمدينة سنة اثنتين وتسعين. قال ابن أبي حاتم: مالك بن أوس بن الحدثان النصري المدني، ولا يصح له صحبة النبي ﷺ عن عبد الله بن مقسم، قال: سألت مالك بن أوس بن الحدثان عن النفل؛ فقال: لقد ركبت الخيل في الجاهلية، وما أدركت الناس ينفلون إلا الخمس.

стр. 8314

عن مالك، قال: كنت عريفاً في زمن عمر بن الخطاب. عن عبد الرحمن بن يوسف، قال: مالك بن أوس بن الحدثان ثقة. مات سنة اثنتين وتسعين، وقيل: ثلاث وتسعين بالمدينة. مالك بن بحدل بن أنيف ابن دلجة بن قنافة بن عدي بن زهير بن جناب بن هبل ابن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات ابن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة الكلبي خال يزيد بن معاوية، وأخو حريث بن بحدل، كان من وجوه أهل الشام، وغزا مع يزيد بن معاوية القسطنطينية سنة خمسين، وسعى في البيعة ليزيد، كما ذكر الواقدي في كتاب " الصوائف ". مالك بن البرصاء وفد على معاوية بن أبي سفيان. عن رجل، قال: اجتمع عند معاوية الوليد بن عقبة، والمغيرة، وصعصعة بن صوحان، ومالك بن البرصاء، ويزيد بن معاوية، وغيرهم؛ فقال: ألا تخبرني ما المروءة يا مغيرة؟ قال: سخاوة النفس، وحسن الخلق. قال: بخ بخ، وما هي في نفسي بتلك، ألا تخبرني

стр. 8315

يا وليد ما المروءة؟ قال: العفة والحرفة. قال: وكيف؟ أن تعف عما حرم الله عليك، وتحترف فيما أحل الله لك. قال: بخ، وما هي في نفسي بتلك، ألا تخبرني يا فلان ما المروءة؟ قال: المال والولد. قال: وكيف ذاك؟ قال: لا يكون المال بوال، ولا نوال إلا بمال. قال: بخ، وما هي في نفسي بتلك: حتى انتهى إلى يزيد، فقال: يا يزيد، ألا تخبرني ما المروءة؟ قال: بلى. قال: وما هي؟ قال: إذا أعطيت شكرت، وإذا ابتليت صبرت، وإذا قدرت غفرت، وإذا وعدت أنجزت. قال: صدقت، أنت مني وأنا منك. مالك بن بسطام العبسي الحرستاني روى عن وائلة بن الأسقع، قال: خرج رسول الله ﷺ ، وعلى بابه عثمان بن مظعون، ومعه ابن له صغير، فقال: " ابنك هذا؟ ". قال: نعم. قال: " تحبه؟ ". قال: نعم. قال: " ألا أزيدك له حباً؟ ". قال: بلى بأبي وأمي. قال: " من ترضى صبياً له صغيراً من نسله ترضاه الله يوم القيامة حتى يرضى ". مالك بن الحارث بن عبد يغوث ابن مسلمة بن ربيعة بن الحارث بن جذيمة بن سعد بن مالك بن النخع، واسمه جسر بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك وهو مذحج بن أدد بن زيد بن يشجب الأشتر النخعي شهد اليرموك، ثم سيره عثمان من الكوفة إلى دمشق، وكان من أصحاب علي، وولاه مصر، فمات قبل أن يصل إليها.

стр. 8316

حدث، قال: لما قدم عمر بن الخطاب، بعث إلى الناس، فنودوا: الصلاة جامعة؛ عند باب الجابية، فلما صفوا، قام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وذكر رسول الله ﷺ بما يحق عليه ذكره، ثم قال لهم: إن النبي ﷺ قال: " إن يد الله على الجماعة، والفذ من الشيطان، وإن الحق أصل في الجنة، وإن الباطل أصل في النار، وإن أصحابي خياركم، فأكرموهم، ثم القرن الذي يلونهم، ثم القرن الذي يلونهم، ثم يظهر الكذب والهرج ". عن محمد بن سعد، قال: في الطبقة الأولى من أهل الكوفة الأشتر، واسمه مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة بن الحارث بن جذيمة بن مالك بن النخع، من مذحج. روي عن خالد بن الوليد، أنه كان يضرب الناس على الصلاة بعد العصر. وكان الأشتر من أصحاب علي بن أبي طالب، وشهد معه الجمل وصفين ومشاهده كلها، وولاه على مصر، فخرج إايها، فلما كان بالعريش شرب شربة عسل، فمات. قال الصوري: الصواب بالقلزم. عن عبد الله بن سلمة، قال: دخلنا على عمر بن الخطاب في وفد مذحج، ومعنا الأشتر، فجعل ينظر إلى الأشتر ويصرف بصره عنه، فقال: ويل لهذه الأمة منك ومن ولدك، إن للمؤمنين منك يوماً عصيباً.

стр. 8317

عن أبي الحذيفة إسحاق بن بشر، قال: ومضى خالد يطلب عظم الناس حتى أدركهم بثنية العقاب، وهي مهبط الهابط المغرب منها إلى غوطة دمشق ليدرك عظم الناس، حتى أدركهم بغوطة دمشق، فلما انتهوا إلى تلك الجماعة من الروم، وأقبلوا يرمونهم بالحجارة من فوقهم، فتقدم إليهم الأشتر وهو في رجلين من المسلمين، فإذا أمامهم رجل من الروم جسيم عظيم، فمضى إليه حتى وقف عليه، فاستوى هو والرومي على صخرة مستوية، فاضطربا بسيفهما، فأطر الأشتر كف الرومي، وضرب الرومي الأشتر بسيفه فلم يضره، واعتنق كل واحد منهما صاحبه، فوقعا على الصخرة، ثم انحدرا، وأخذ الأشتر يقول - وهو في ذلك ملازم العلج لا يتركه -: " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين ". قال: فلم يزل يقول ذلك حتى انتهى إلى مستوى الجبل وقرار، فلما استقر وثب على الرومي فقتله، وصاح في الناس: أن جوزوا. قال: فلما رأت الروم أن صاحبهم قد قتل، خلوا الثنية وانهزموا. قالوا: وكان الأشتر الأحسن في اليرموك. قالوا: لقد قتل ثلاثة عشر. عن الهيثم بن عدي، قال في تسمية العور: عن مكحول: أن شرحبيل بن حسنة أغار على ساسمة مصبحاً، فقال لمن معه من المسلمين:

стр. 8318

صلوا على الظهر. فمر بالأشتر يصلي على الأرض. فقال: مخالف، خالف الله به. ومضى شرحبيل ومن معه فاستحوذ على ساسمة فخربها، فهي خراب إلى اليوم. وكان الأشتر ممن سعى في الفتنة، وألب على عثمان، وشهد حصره. عن طلق بن خشاف البكري، قال: لما قتل أمير المؤمنين عثمان، قدمنا المدينة، فتفرقنا، فمنا من أتى علياً، ومنا من أتى الحسن بن علي، ومنا من أتى أزواج النبي ﷺ ؛ فأتيت عائشة، فقلت: يا أم المؤمنين، فيم قتل عثمان؟ قالت: قتل - والله - مظلوماً، قاد الله به ابن أبي بكر، وأهراق الله دم بديل على ضلالة، وساق الله إلى الأشتر هواناً في بيته، وفعل الله بفلان، وفعل بفلان. قال: فوالله ما منهم إلا أصابته دعوتها. قال المصنف: المحفوظ أن عائشة لم تكن وقت قتل عثمان بالمدينة، وإنما كانت حاجة. عن الشعبي، قال: لزم الخطام يوم الجمل سبعون رجلاً من قريش، كلهم يقتل وهو آخذ بالخطام، وحمل الأشتر فاعترضه عبد الله بن الزبير، فاختلفا ضربتين، ضربه الأشتر فأمه، وواثبه عبد الله فاعتنقه فصرعه، وجعل يقول: اقتلوني ومالكاً: وما كان الناس يعرفونه بمالك، ولو قال: الأشتر، ثم كانت له ألف نفس ما نجا منها بشيء، وما زال يضطرب في يدي عبد الله حتى أفلت؛ وكان الرجل إذا حمل على الجمل ثم نجا لم يعد؛ وجرح يومئذ مروان وعبد الله بن الزبير. عن زهير بن قيس، قال: دخلت مع ابن الزبير الحمام، فإذا في رأسه ضربة لو صب فيها قارورة من دهن لاستقرت. قال: تدري من ضربني هذه؟ قلت: لا. قال: ضربنيها ابن عمك الأشتر.

стр. 8319

عن ابن إسحاق الهمذاني: أن عمار بن ياسر والأشتر دخلا على عائشة، فقال عمار: السلام عليك يا أمتاه. قالت: أمك أنا؟ قال: نعم، وإن كرهت. قالت: فمن هذا معك؟ قال: هذا الأشتر. قالت: هذا الذي أراد أن يقتل ابن أختي الزبير؟ قال الأشتر: نعم، والله لقد ضربته على رأسه بالسيف ضربة ما ظننت إلا رأسه قد سقط، فإذا هي العمامة. فقالت: أما والله لو قتلته لدخلت النار، وأذكرك الله يا عمار، هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يحل دم امرء مسلم إلا بإحدى ثلاث؛ رجل كفر بعد إسلامه، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفساً بغير نفس، فيقتل "؟ قال " اللهم نعم. عن نجاد الضبي، قال: دخل الأشتر مع ابن عباس على عائشة، وهي في قصر بني خلف، فقالت: أنت أردت قتل ابن أختي؟ فقال: معذرة إلى الله ثم إليك: " من الطويل " فوالله لولا أنني كنت طاوياً ... ثلاثاً لألفيت ابن أختك هالكا غداة ينادي والرجال تحوزه ... بأبعد صوتيه اقتلوني ومالكا ونجاه مني أكله وشبابه ... وخلوة بطن لم يكن متماسكا فقالت على أي الأمور قتلته ... أقتلاً أتى أم ردةً لا أبا لكا أم المحصن الزاني الذي حل قتله ... فقيل لها لا بد من بعض ذالكا عن عمير بن سعيد النخعي، قال: لما أراد علي أن يسير إلى الشام، إلى صفين، اجتمعت النخع، فأتوا الأشتر في منزله حتى ملؤوا عليه داره؛ فقال الأشتر: هل في البيت أو الدار إلا نخعي؟ قالوا: لا. فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن هذه الأمة عمدت إلى خيرها - أو لخيرها - فقتلته -

стр. 8320

يعني عثمان - ثم سرنا إلى أهل البصرة، قوم لنا عليهم بيعة فنكثوها، فنصرنا عليهم بنكثهم، وأنتم تسيرون إلى أهل الشام، قوم ليس لكم عليهم بيعة، فلينظر امرؤ أين يضع سيفه. قال يعقوب في تسمية أمراء علي بن أبي طالب يوم صفين: مالك بن الحارث الأشتر. عن الفضيل بن خديج، عن رجل من النخع، قال: رأيت إبراهيم بن الأشتر دخل على مصعب بن الزبير فسأله عن الحال كيف كانت، قال: كنت مع علي حين بعث الأشتر يأتيه، وقد أشرف على عسكر معاوية ليدخله، فأرسل إليه علي يزيد بن هانئ: أن ائتني. فبلغه عن علي، فقال له: ليس هذه الساعة التي ينبغي لك أن تزيلني عن موقعي، وأنا أرجو أن يفتح الله لي. فرجع يزيد إلى علي فأخبره؛ فما هو إلا أن انتهى إلينا يزيد إذ ارتفع الرهج من قبل الأشتر، وعلت الأصوات، وظهرت دلائل الفتح والنصر لأهل العراق، ودلائل الخذلان والإدبار على أهل الشام فقال له القوم: والله ما نراك أمرته إلا أن يقاتل القوم. فقال علي: ومن أين ترون ذلك؟ أرأيتموني ساررته؟ أليس إنما كلمته على رؤوسكم علانية؟ قالوا: فابعث إليه فليأتك، وإلا والله اعتزلناك. فقال: ويحك يا يزيد، لأئته فقل له: أقبل إلي، فإن الفتنة قد وقعت. فأتاه يزيد فأخبره. فقال الأشتر: ألرفع هذه المصاحف؟ قال: نعم. ققال الأشتر: أما والله لقد ظننت أنها حين رفعت أنها ستوقع اختلافاً وفرقة، إنها مشورة عمرو بن العاص. ثم قال ليزيد: ألا ترى إلى الفتح؟ ألا ترى ما يلقون؟ ما ينبغي لنا أن ندع هذا وننصرف عنه. فقال يزيد: أتحب أنك ظفرت ها هنا وهو بمكانه الذي هو به - يعني علياً - يفرج عنه أو يسلم إلى عدوه؟ فقال الأشتر: سبحان الله، لا والله ما أحب ذلك. قال: فإنهم قد قالوا له: لترسلن إلى الأشتر فليأتينك أو لنقتلك كما قتلنا ابن عفان. فأقبل الأشتر حتى انتهى إليهم، وصاح بهم: يا أهل الذل والوهن، أحين علوتم القوم ظهراً وظنوا أنكم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم إلى

стр. 8321

ما فيها؟ وقد - والله - تركوا ما أمر الله فيها، وسنة من أنزلت عليه، فلا تجيبوهم وأمهلوني فواقاً، فإني قد أحسنت بالفتح. فقالوا: لا والله. فقال: أمهلوني عدوة الفرس فإني قد طمعت في النصر. قالوا: إذا ندخل معك في خطيئتك. قال: فحدثوني عنكم - وقد قتل أماثلكم - متى كنتم محقين؟ أحين كنتم تقاتلون وخياركم يقتلون، أم أنتم الآن إذ أمسكتم عن القتال مبطلون؟ أم أنتم الآن محقون؟ فقتلاكم إذن الذين لا تنكرون فضلهم، وكانوا خيراً منكم، في النار؟ فقالوا: دعنا منك يا أشتر، قاتلناهم في الله، وندع قتالهم لله. فقال: خدعتم - والله - فانخدعتم، ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم؛ يا أصحاب الجباه السود، كنا نظن أن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوقاً إلى الله! أفراراً من الموت إلى الدنيا؟ يا أشباه النيب الجلالة، ما أنتم برائين بعدها عزاً أبداً، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون. فسبوه وسبهم، فصاح بهم علي، فكفوا، وقالوا له: إن علياً قد قبل الحكومة، ورضي بحكم القرآن. فقال الأشتر: قد رضينا بما رضي به أمير المؤمنين. عن خليفة، قال في تسمية عمال علي: ولي الجزيرة الأشتر مالك بن الحارث النخعي، ومصر ولي محمد بن أبي حذيفة ثم عزله، وولاها قيس بن سعد ثم عزله، وولى الأشتر مالك بن الحارث النخعي فمات قبل أن يصل إليها، فولى محمد بن أبي بكر. عن يزيد بن أبي حبيب، أنه قال: بعث علي بن أبي طالب مالكاً بعد قيس بن سعد أميراً على مصر، فسار يريد مصر، وتنكب طريق الشام، حتى نزل جسر القلزم، فصلى حين نزل من راحلته، ودعا الله وسأله إن كان في دخوله مصر خيراً أن يدخله إياها، وإلا صرفه عنها، فشرب شربة من عسل، فمات؛ فبلغ عمرو بن العاص موته فقال: إن لله جنوداً من العسل.

стр. 8322

عن عبد الله بن جعفر، قال: كان علي قد شنف الأشتر، وكان إذا سألته شيئاً يمسني سألته بحق جعفر فأعطاني، فقلت له: إن الأشتر من علية أصحابك ودواهيهم، فلو أرسلته إلى مصر، فإن افتتحها كان ذلك، وإن قتل كنت قد استرحت منه؛ فأبى. فلم نزل به حتى فعل. قال: وكان عندي طيران من العرب فأرسلتهما معه، فلم يلبثا أن رجعا، فقلت: ما الخبر؟ فقالا: ما هو إلا أن وردنا القلزم تلقاه أهل مصر بما تتلقى به الأمراء من الأطعمة والأشربة، فطعم، وشرب شربة عسل، فمات. فدخلت إلى علي فأخبرته، فقال: لليدين والفم. عن عامر الشعبي: إن علياً كان استعمل الأشتر على مصر؛ قال: واسمه مالك بن الحارث، فخرج فأخذ طريق الحجاز، حتى مر بالمدينة، فاتبعه مولى لعثمان يقال له: نافع، فخدمه وألطفه وحف له؛ فقال له الأشتر: من أنت؟ فقال: أنا نافع مولى عمر بن الخطاب. قال: وكان الأشتر محباً لعمر بن الخطاب؛ فأدناه الأشتر وقربه، وولاه أمره كله؛ فلم يزل معه كذلك حتى نزل الأشتر عين شمس، وتلقاه أشراف أهل مصر، فتغدى الأشتر بها، فأتى بسمك فأكل منه، فأنبتت عنقه، فمات. ففتشوا متاعه فوجدوا عهده من علي في ثقله، فقرؤوه، فوجدوا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى الملأ الذين عصوا الله من بعد ما عصي الله في الأرض، وضرب الجود بأرواقه على البر والفاجر، فلا حق يتربع إليه، ولا منكر يتناهى عنه.

стр. 8323

سلام عليكم، فإني قد بعثت إليكم عبداً من عباد الله، لا نائي الضريبة، ولا كليل الحد، ولا ينام على الخوف، ولا ينكل عن الأعداء حذار الدوائر، أشد على الفجار من حريق النار؛ وهو مالك بن الحارث، أخو مذحج، وإنه سيف من سيوف الله، فإن استنفركم فانفروا، وإن أمركم بالإقامة فأقيموا، فإنه لا يقدم ولا يحجم إلا بأمري، وقد آثرتكم به على نفسي لنصيحته لكم وشدة شكيمته على عدوه؛ وعصمكم ربكم بالهدى وثبتكم باليقين، والسلام عليكم. قال عوانة بن الحكم: لما جاء نعي الأشتر ووفاته على علي بن أبي طالب، قال: " إنا لله وإنا إليه راجعون " لله مالك وما مالك! وهل موجود مثل مالك؟ لو كان من جبل كان فنداً، ولو كان من حجر لكان صلداً، على مثل مالك فلتبك البواكي. قال: ولما جاء معاوية نعيه ووفاته، قال: الحمد لله، إن لله جنوداً من العسل. قال ابن يونس: وكانت وفاته بالقلزم في سنة سبع وثلاثين. وقال خليفة: سنة ثمان وثلاثين، فيها ولى علي الأشتر مصر، فمات قبل أن يصل إليها، فولى محمد بن أبي بكر الصديق ﵁. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: وفيها - يعني سنة ثمان وثلاثين - مات الأشتر بن الحارث النخعي.

стр. 8324

مالك بن خالد الدمشقي روي عن مالك بن أنس، ذكره الحاكم أبو عبد الله في كتاب " مزكى الأخبار " في أسماء الرواة عن مالك بن أنس. مالك بن دينار أبو يحيى البصري الزاهد. كان أبوه من سبي سجستان. وقيل كان كابلياً، مولى امرأة من بني ناجية من بني سامة بن لؤي. ويقال: مولى خلاس بن عمرو بن المنذر بن عصر بن أصبح بن عبد الله. اجتاز بدمشق أو بأعمالها متوجهاً إلى بيت المقدس. روي عن أنس بن مالك، قال: صليت خلف النبي ﷺ ، وأبي بكر وعثمان وعلي، فكانوا يفتتحون القراءة ب " الحمد لله رب العالمين " ويقرؤون " ملك يوم الدين ". وعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا حدث الرجل ثم التفت فهي أمانة ". عن عبد الواحد بن زيد، قال: خرجت أنا ومحمد بن واسع ومالك بن دينار، نؤم بيت المقدس، فلما كنا بين

стр. 8325

الرصافة وحمص سمعنا منادياً ينادي من تلك الرمال: يا محفوظ، يا مستور، اعقل في ستر من أنت؛ فإن كنت لا تعقل فاحذر الدنيا؛ فإن كنت لا تحس أن تحذرها فاجعلها شوكاً، وانظر أين تضع رجلك. قال محمد بن سعد: في الطبقة الثالثة من أهل البصرة: مالك بن دينار، ويكنى أبا يحيى، مولى لامرأة من بني سامة بن لؤي، وكان ثقة قليل الحديث، وكان يكتب المصاحف، مات قبل الطاعون سنة إحدى وثلاثين ومئة. قال مالك: أتينا أنس بن مالك، صفو كل قبيلة، أنا وثابت البناني ويزيد الرقاشي وزياد النميري وأشباهنا، فنظر إلينا فقال: ما أشبهكم بأصحاب النبي ﷺ ، ثم قال: رؤوسكم ولحاكم، ثم قال: والله لأنتم أحب إلي من عدة ولدي إلا أن يكونوا في الفضل مثلكم، وإني لأدعو لكم بالأسحار. وقال: دخل علي جابر بن يزيد وأنا أكتب المصحف، فقال لي: مالك صنعة إلا أن تنقل كتاب الله من ورقة إلى ورقة؟ هذا والله كسب الحلال، هذا والله كسب الحلال. قال جعفر: كان مالك بن دينار يلبس إزار صوف وعباءة خفيفة، فإذا كان الشتاء ففرو وكبل وعباءة، وكان يكتب المصاحف ولا يأخذ عليها من الأجر أكثر من عمل يده، فيدفعه عند البقال فيأكله، وكان يكتب المصحف في أربعة أشهر.

стр. 8326

عن جعفر بن سليمان، قال: كنا عند مالك بن دينار، فحضرت العصر، فقام يتوضأ، فقال ابن واسع: نعم الرجل مالك، خذوا عن مالك وثابت، وإن أبا عمران الجوني لحسن الحديث. عن أبي بكر البرقاني، قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، فقلت: أين بدلاء أمتك؟ قال: فأومى بيده نحو الشام. قال: فقلت: هل بالعراق منهم أحد؟ قال: " بلى، محمد بن واسع، وحسان بن أبي سنان، ومالك بن دينار ". قال مالك: خرجت يوماً إلى المقابر، فإذا شابان جالسان يكتبان شيئاً؛ فقلت لهما: رحمكما الله، من أنتما؟ فقالا: ملكان، نكتب المحبين لله. فقلت لهما. نشدتكما الله لما كتبتماني في أسفل سطر: مالك بن دينار طفيلي يحب المحبين لله. فلما كان الليل أتيت في منامي فقيل لي: كتبت فيهم، " المرء مع من أحب ". وقال: خلطت دقيقي بالرماد، فضعفت عن الصلاة، ولو قويت على الصلاة ما أكلت غيره. عن حزم، قال: دخلت على مالك بن دينار، وبين يديه آجرة عليها رغيف شعير، وملح عجين، فقال: يا أبا عبد الله ادن فكل، فإن هذا مع العافية طيب. عن سلام بن سكين، قال: دخلت على مالك بن دينار في مرضه الذي مات فيه، فإذا البيت فيه سرير أثل

стр. 8327

مرمول بالشريط، وعليه قطعة بوري، وإذا تحت رأسه قطعة كساء، وإذا ركوة وصاغرة؛ فرفع رأسه فأخرج من تحت رأسه رغيفين يابسين، فقعد يكسر ذينك الرغيفين في الماء، حتى إذا ظن أن الخبز قد ابتل قال: ناولني الدوخلة؛ فإذا دوخلة معلقة يابسة، فوضعتها، فأخرج منها صرة فيها ملح، وقال لي: ادن. فقلت: يا أبا يحيى، لا أشتهي. فقال: هيهات هيهات، أنت ممن غذي في الماء العذب فلا تصبر في الماء الملح. عن سلام بن أبي مطيع، قال: دخلنا على مالك بن دينار ليلاً وهو في بيت مظلم بغير سراج، وفي يده رغيف يكدمه؛ فقلنا له: أبا يحيى، ألا سراج تبصر، ألا شيء تضع عليه خبزك؟ فقال: دعوني، فوالله إني نادم على ما مضى. عن أبي بلج، قال: كان أدم مالك بن دينار كل سنة ملحاً بفلسين. عن السري بن يحيى، قال: سمعت مالك بن دينار يقول: إنه لتأتي علي السنة لا آكل فيها لحماً، إلا في يوم الأضحى فإني آكل من أضحيتي لما يذكر فيه. قال المنذر أبو يحيى: رأيت مالكاً ومعه كراع من هذه الأكارع التي قد طبخت. قال: فهو يشمه ساعة بساعة. قال: ثم مر على شيخ مسكين على ظهر الطريق يتصدع، فقال: هاه يا شيخ؛ فناوله إياه، ثم مسح يده بالجدار، ثم وضع كساءه على رأسه، وذهب. فلقيت صديقاً له، فقلت: رأيت مالك اليوم كذا وكذا. قال: أنا أخبرك، كان يشتهيه منذ زمان، فاشتراه فلم تطب نفسه أن يأكله، فتصدق به.

стр. 8328

عن جعفر ببن سليمان، قال: قال مالك بن دينار: انظر إلي، كيف ترى عقلي؟ قال: قلت: ما أرى به بأساً. قال: ما أكلت من فاكهتكم هذه منذ ثلاثون سنة، لا رطبها ولا يابسها، وما نقص من عقلي شيء، وزاد في عقولكم شيئاً. قال أزهر السمان: كان مالك يدخل أسواق البصرة ينظر إليها وإلى أشياء كثيرة، يشمها فيرجع، فيقول لنفسه: اصبري، فوالله ما أحرمتك ما رأيت إلا من كرامتك. قال مالك: من دخل بيتي فأخذ شيئاً فهو له حلال، أما أنا فلا أحتاج إلى قفل ولا إلى مفتاح؛ وكان يأخذ الحصاة من المسجد فيقول: لوددت أن هذه أجزأتني في الدنيا ما عشت، لا أزيد على مصها من الطعام والشراب. وكان يقول: لو صلح لي أن آكل الرماد لأكلته، ولو صلح لي أن أعمد إلى بوري فأقطعه باثنتين، فأتزر بقطعة وأرتدي بقطعة لفعلت. قال بشر بن الحارث: قال مالك بن دينار: أدعو وأمنوا على دعائي: اللهم لا تدخل بيت مالك من الدنيا قليلاً ولا كثيراً، قولوا: آمين. قال جعفر: سمعت مالكاً يقول: والله لقد أصبحت ما أملك ديناراً ولا درهماً ولا دانقاً، ولئن لم يكن لي عند الله خير ما كانت لي دنيا ولا آخرة. عن جعفر بن أبي شعيب، قال: كان رجل من أهل البصرة، كانت له تجارة، وكان له عقل، فترك التجارة وأقبل على العبادة، فكان يسمع الناس يقولون: مالك بن دينار، مالك بن دينار! فقال: والله لأذهبن إلى مالك هذا الذي أشغف الناس فلأنظرن ما عمله.

стр. 8329

قال: فأتيته فإذا هو جالس في المسجد، وإذا حوله قوم يقرؤون القرآن. قال: فجلست في ناحية حتى تفرقوا، وجاء آخرون فسمعوا الحديث، فلما تفرقوا قام فصلى ركعتين أو أربعاً، ثم خرج وتبعته. فقال لي: ألك حاجة؟ قلت: نعم، أريد أن أجيء معك إلى بيتك. قال: مر. فذهب بي إلى حجرة مكنوسة نظيفة، وظل بارد طيب، وبيت مكنوس، وفيه بواري ودورق ومطهرة، وحلة فيها كسر. قلت: يا مالك، ألك امرأة؟ قال: أعوذ بالله. قلت: يا مالك، يزعم الناس أنك أزهد الناس، وأنت خريم الناعم! زاد غيره: فشهق شهقة. قال مالك: لما وقعت الفتنة أتيت الحسن ثلاثة أيام أسأله: يا أبا سعيد، ما تأمرني؟ فلا يجيبني. قال: فقلت: يا أبا سعيد، أتيتك ثلاثة أيام أسألك وأنت معلمي فلا تجيبني، والله لقد هممت أن آخذ الأرض بقدمي، وأشرب من أفواه الأنهار، وآكل من بقل البرية حتى يحكم الله بين عباده. فقال: فأرسل الحسن عينيه باكياً، ثم قال: يا مالك، ومن يطيق ما تطيق، لكنا والله ما نطيق هذا. عن حذيفة المرعشي، قال: قيل لمالك بن دينار: ألا تتزوج؟ قال: ما لي إلا نفس واحدة، لو استطعت طلقتها، فكيف أضم إليها أخرى. عن أبي جعفر البصري، قال: جاءت امرأة إلى مالك بن دينار، فقالت: يا مالك بن دينار، عندي من المال كذا وكذا، فقد أردت أن أتزوجك فتصرف مالي هذا في أي الأنواع شئت. قال: اذهبي إلى ثابت. قالت: لا حاجة لي في ثابت، لا أريد غيرك. قال: أما علمت أني طلقت نساء الدنيا ثلاثاً؟ فأنت منهن، اذهبي.

стр. 8330

قال الهيثم بن معاوية، حدثني شيخ لي، قال: كان رجل من الأغنياء بالبصرة، وكانت له ابنة نفيسة فائقة الجمال، فقال لها أبوها: قد خطبك بنو هاشم والعرب والموالي فأبيت، أراك تريدين مالك بن دينار وأصحابه؟ قالت: هو والله غايتي. فقال الأب لأخ له: أئت مالك بن دينار فأخبره بمكان ابنتي، وهواها له. قال فأتاه، فقال له: فلان يقرئك السلام، ويقول: إنك تعلم أني أكثر هذه المدينة مالاً، وأفشاها ضيعاً، ولي ابنة نفيسة، وقد هويتك، فشأنك وهي. فقال مالك للرجل: عجباً لك يا فلان، أما علمت أني طلقت الدنيا ثلاثاً؟. قال مالك: اشتريت لأهلي طيباً بدرهم، وإني لأحاسب نفسي فيه منذ عشرين سنة فما أجد لي مخرجاً. ذكر عبد الله بن المبارك، قال: وقع حريق بالبصرة، فأخذ مالك بطرف كسائه يجره، وقال: هلك أصحاب الأثفال. عن جعفر بن سليمان، قال: خرجت مع مالك بن دينار إلى مكة، فلما أحرم أراد أن يلبي فسقط؛ ثم أفاق فأراد أن يلبي فسقط، ثم أفاق فأراد أن يلبي فسقط. فقلت: مالك يا أبا يحيى؟ قال: أخشى القول: لبيك، فيقول: لا لبيك ولا سعديك.

стр. 8331

وعنه، قال: سمعت مالك بن دينار يقول: وددت أن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة، فيقول لي: يا مالك، وأقول: لبيك: فيأذن لي أن أسجد بين يديه سجدة فأعرف أنه قد رضي عني، فيقول: يا مالك كن اليوم تراباً. وعنه، قال: سمعت مالك بن دينار قال: لو كان لأحد أن يتمنى لتمنيت أنا أن يكون لي في الآخرة خص من قصب، وأروى من الماء، وأنجو من النار. وقال: ليتني لم أخلق، فإذا خلقن مت صغيراً، ويا ليتني إذا مت صغيراً عمرت حتى أعمل في خلاص نفسي. وقال جعفر: سمعت المغيرة بن حبيب أبا صالح ختن مالك بن دينار يقول: يموت مالك بن دينار وأنا معه في الدار لا أدري ما عمله؟ قال: فصليت معه العشاء الآخرة ثم جئت فلبست قطيفة في أطول ما يكون الليل. قال: وجاء مالك فقرب رغيفه فأكل، ثم قام إلى الصلاة، فاستفتح، ثم أخذ بلحيته فجعل يقول: يا رب إذا جمعت الأولين والآخرين فحرم شيبة مالك بن دينار على النار. فوالله ما زال كذلك حتى غلبتني عيني، ثن انتبهت فإذا هو على تلك الحال يقدم رجلاً ويؤخر رجلاً، ويقول: يا رب إذا جمعت الأولين والآخرين فحرم شيبة مالك بن دينار على النار. فما زال كذلك حتى طلع الفجر، فقلت في نفسي: والله لئن خرج مالك بن دينار فرآني لا يبل لي عنده بالة أبداً. قال: فجئت إلى المنزل وتركته. وعنه، قال: سمعت مالك بن دينار يقول: لو استطعت أن لا أنام لم أنم مخافة أن ينزل العذاب وأنا نائم، ولو وجدت أعواناً لفرقتهم ينادون في سائر الدنيا كلها: يا أيها الناس، النار، النار.

стр. 8332

وقال: إن القلب إذا لم يحزن خرب، كما أن البيت إذا لم يسكن خرب. وفي رواية: زاد البيهقي: يريد حزن الآخرة. وقال: الحزن حزنان: فحزن حائل وحزن حامد رابغ، فالحزن الحائل حسن، وأحسن من ذلك ما حمد في البدن وربغ، فذلك لا يرى صاحبه إلا كئيباً محزوناً مغموماً حيث ما رأيته يطلب قلبه، ولو علم أن قلبه يصلح على مزبلة لأتاها، فذلك الحزن النافع. وقال: أربع من علم الشقاء؛ قسوة القلب، وجمود العين، وطول الأمل، والحرص على الدنيا. عن عبد الله بن مروان - وكان والله من الزاهدين في دار الدنيا - قال: دخل مالك بن دينار المقابر ذات يوم، فإذا برجل يدفن، فجاء حتى وقف على القبر، فجعل ينظر إلى الرجل وهو يدفن، فجعل يقول: غداً مالك هكذا يصير، غداً هكذا مالك يصير، وليس له شيء يؤنسه في قبره؛ فلم يزل يقول ذلك حتى خر مغشياً عليه في جوف القبر، فحملوه وانطلقوا به إلى منزله مغشياً عليه. عن محمد بن عبد العزيز بن سلمان العابد، قال: سمعت أبي يقول: سمعت مالك بن دينار يقول: عجباً لمن يعلم أن الموت مصيره، والقبر مورده، كيف تقر بالدنيا عينه؟ وكيف يطيب فيها عيشه. قال: ثم يبكى مالك حتى يسقط مغشياً عليه. قال ثابت البناني لمالك بن دينار: يا أبا يحيى وددت أني رأيتك عروساً. قال: فقال مالك: والله لو لم أر ميتاً غير الحسن لكفاني حزناً ما بقيت.

стр. 8333

قال مالك: " من المتقارب " أتيت القبور فناديتها ... أين المعظم والمحتقر وأين المدل بسلطانه ... وأين المزكي إذا ما افتخر قال: فنوديت من بينها ولا أرى أحداً: " من المتقارب " تفانوا جميعاً فما مخبر ... وماتوا جميعاً ومات الخبر تروح وتغدو بنات الثرى ... فتمحو محاسن تلك الصور فيا سائلي عن أناس مضوا ... أمالك فيما ترى معتبر عن مهدي بن سابق، قال: كان مالك بن دينار يتمثل بهذين البيتين: " من البسيط " زرنا القبور فسلمنا فما رجعت ... لنا الجواب ولكن زدن أحزانا ومن يزرهن يرجع من زيارتها ... وقد رأى من يقين الموت تبيانا قال جعفر: كنا نخرج مع مالك بن دينار زمن الحطمة، فنجمع الموتى ونجهزهم، ثم يخرج على حمار قصير لجامه من ليف، قال: وعليه عباءة مرتدياً بها. قال: فيعظنا في الطريق، حتى إذا أشرف على القبور وأحسن بنا ثم، أقبل بصوت له محزون يقول: " من الوافر ". ألا حي القبور ومن بهنة ... وجوه في التراب أحبهنه ولو أن القبور أجبن حياً ... إذاً لأجبنني إذ زرتهنه ولكن القبور صمتن عني ... فأبت حزينة من عندهنه قال: فإذا سمعنا بصوته جئنا إليه، فيقول: إنما الخبر في الشباب. قال: ثم يجمعهم فيصلي عليهم.

стр. 8334

عن حبان بن يسار، قال: كنا عند مالك، فجاء رجل من بني ناجية فقال: يا أبا يحيى، ذكر لي أنك ذكرتني بسوء. قال: أنت إذاً أكرم علي من نفسي. عن أبي قدامة، قال: سمعت مالك بن دينار يقول: لو أن الملكين الذين يكتبان أعمالكم عدوا عليكم يتقاضيانكم أثمان الصحف التي ينسخان فيها أعمالكم لأمسكتم من فضول كلامكم، فإذا كانت الصحف من عند ربكم أفلا تربعون على أنفسكم؟. قال مالك: منذ عرفت الناس ما أبالي من حمدني ولا من ذمني، لأني لا أرى إلا حامداً مفرطاً أو ذاماً مفرطاً. قال بشر: قال رجل لمالك بن دينار: يا مرائي! قال: متى عرفت اسمي؟ ما عرف اسمي غيرك. عن جعفر بن سليمان، قال: رأيت مع مالك بن دينار كلباً، فقلت: ما هذا؟ قال: هذا خير من جليس السوء. وعنه، قال: سمعت مالك بن دينار يقول: رحم الله عبداً قال لنفسه: ألست صاحبه كذا؟ ألست صاحبه كذا؟ ثم زمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله فكان لها قائداً. عن المغيرة أبي صالح، وكان ختن مالك بن دينار، قال: قال لي مالك بن دينار: انظر يا أخي كل أخ وصديق وصاحب لا تستفيد منه خيراً في أمر دينك ففر منه.

стр. 8335

قال مالك: لولا أن يقول الناس: جن مالك، للبست المسوح ووضعت الرماد على رأسي أنادي في الناس: من رآني فلا يعص ربه. عن الحسين بن عبد الرحمن، قال: أمر مالك امرأة بشيء، فقالت: يا شيخ النار. فبكى مالك وقال: لعلها كلمة وافقت حقاً. عن جعفر بن سليمان، قال: جاء محمد بن واسع إلى مالك بن دينار، فقال له: يا أبا يحيى، إن كنت من سكان الجنة فطوبى لك. قال: فقال مالك: ينبغي لنا إذا ذكرنا الجنة أن نخزى. قال مالك: إنما طلب العابدون بطول النصب دوام الراحة، وطلب الزاهدون بطول الزهد طول الغنى. عن الحسن الحفري، قال: خرجت أنا وزين القراء حسان بن أبي سنان نزور المقابر، فلما أشرف عليها سبقته عبرته، ثم أقبل علي فقال: يا أبا يحيى، هذه عساكر الموتى ينتظر بها من بقي من الأحياء، ثم يصاح بهم صيحة فإذا هم قيام ينظرون. قال: فوضع يده مالك على رأسه وجعل يبكي ويقول: واي أزان روز، واي أزان روز. معناه: ويلي من ذلك اليوم. قال مالك: بقدر ما تفرح للدنيا كذلك تخرج حلاوة الآخرة من قلبك. وقال: إن لكل شيء لقاحاً، وإن هذا الحزن لقاح العمل الصالح، إنه لا يصبر أحد على هذا الأمر إلا بحزن، ووالله ما اجتمعا في قلب عبد قط، حزن بالآخرة وفرح بالدنيا، إن أحدهما ليطرد صاحبه.
следующие страницы →