← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.

стр. 8716

وأخرجه مسلم في صحيحه؛ وبعده حديث العرباض: اللهم علمه الكتاب؛ وبعده حديث ابن أبي عميرة: اللهم أجعله هادياً مهدياً. وعن عوف بن مالك الأشجعي قال: بينا أنا راقد في كنيسة يوحنا - وهي يؤمئذ مسجد يصلى فيها - إذ أنتبهت في نومي، فإذا أنا بأسد يمشي بين يدي، فوثبت إلى سلاحي، فقال الأسد: مه إنما أرسلت إليك برسالة لتبلغها. قلت: ومن أرسلك؟ قال: الله أرسلني إليك لتبلغ معاوية السلام وتعلمه أنه من أهل الجنة. فقال له: ومن معاوية؟ قال: معاوية بن أبي سفيان. وفي رواية: أرسلني إليك الله لأن تعلم معاوية الرحال أنه من أهل الجنة. قلت: من معاوية؟ قال: ابن أبي سفيان. لما قدم وفد بني حنيفة على عبد الملك بن مروان قال عبد الملك: هل فيكم من حضر قتل مسيلمة؟ فقال رجل منهم: نعم. فأنشأ يحدثه بالوقعة التي كانت بينهم. قال عبد الملك: فمن ولي قتل مسيلمة؟ قال: رجل أصبح الوجه، كذا وكذا. فقال عبد الملك: قضيت والله لمعاوية. قال خالد: وكان معاوية يدعي ذلك. كان أبو هريرة يحمل الإداوة فمرض، فأخذها معاوية فحملها مع رسول الله ﷺ ، فلما فرغ رسول الله ﷺ رفع رأسه مرة أو مرتين فقال: يا معاوية! إن وليت أمراً فاتق الله وأعدل. قال: فما زلت أظن أني مبتلي بالعمل لقول رسول الله ﷺ حتى أبتليت. وعن الحسن قال: سمعت معاوية يخطب وهو يقول: صببت يوماً على رسول الله ﷺ وضوءه، فرفع

стр. 8717

رأسه إلي فقال: أما إنك ستلي أمر أمتي بعدي، فإذا كان ذلك فأقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم. فما زلت أرجوها حتى قمت مقامي. وعن عبد الملك بن عمير قال: قال معاوية: والله ما حملني على الخلافة إلا قول النبي ﷺ لي: يا معاوية! إن ملكت فأحسن. ولما قدم عمر الجابية نزع شرحبيل، وأمر عمرو بن العاص بالمسير إلى مصر، وبقي الشام على أميرين: أبو عبيدة بن الجراج ويزيد بن أبي سفيان؛ ثم توفي أبو عبيدة في طاعون عمواس وأستخلف عياض بن غنم، ثم توفي يزيد بن أبي سفيان، فأمر معاوية بن أبي سفيان مكانه، ثم نعاه عمر لأبي سفيان فقال: يا أبا سفيان! أحتسب يزيد. قال: من أمرت مكانه؟ قال: معاوية. قال: وصلتك يا أمير المؤمنين رحم. فكان على الشام معاوية وعمير بن سعد حتى قتل عمر. فأقر عمر معاوية وولي عمرو بن العاص فلسطين والأردن، ومعاوية دمشق وبعلبك والبلقاء، وولي سعيد بن عامر بن حذيم حمص، ثم جمع الشام كلها لمعاوية، وأقر عثمان معاوية على الشام. ولما عزيت هند على يزيد بن أبي سفيان قيل: إن الله تعالى قد جعل معاوية خلفاً من يزيد وغيره. فقالت: أو مثل معاوية يجعل خلفاً من أحد؟! فو الله لو أن العرب

стр. 8718

أجتمعت متوافرة ثم رمي به فيها لخرج من أي أعراضها شاء. وعزى عمر أبا سفيان بابنه يزيد، فقال له أبو سفيان: من جعلت على عمله؟ قال: جعلت أخاه معاوية؛ وأبناك مصلحان، ولا يحل لنا أن ننزع مصلحاً. وعن إسماعيل بن أمية: أن عمر بن الخطاب أفرد معاوية بالشام ورزقه ثمانين ديناراً في كل شهر. وقيل: إن الذي أفرد معاوية بالشام عثمان بن عفان. ذكر معاوية عند عمر بن الخطاب فقال: دعونا من ذم فتى قريش وابن سيدها، من يضحك في الغضب، ولا ينال على الرضا، ومن لا يأخذ ما فوق رأسه إلا من تحت قدميه. ولما خرج عمر إلى الشام وقرب من دمشق تلقاه معاوية في موكب له رز، وعمر على حمار إلى جانبه عبد الرحمن بن عوف على حمار آخر، فلم يرهما معاوية فطواهما، فقيل له: خلفت أمير المؤمنين وراءك، فرجع، فلما رآه نزل عن دابته، فأعرض عنه عمر، ومشى حتى تعلق نفسه بأرنبته، فقال له عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين! أجهدت الرجل، فقال: عمر: يا معاوية: نعم. فرفع عمر صوته فقال: ولم ويلك؟! فقال: إني في بلاد لا يمتنع فيها من جواسيس العدو، ولا بد لهم مما يرهبهم من آلة السلطان، فإن أمرتني أقمت عليه، وإن نهيتني عنه أنتهيت. فقال عمر: يا معاوية! والله ما بلغني عنك أمر أكرهه فأعاتبك عليه إلا تركتني منه في أضيق من رواجب الضرس، فإن كان ما قلت حقاً إنه لرأي أديب، وإن كان باطلاً إنها لخدعة أريب، لا آمرك به ولا أنهاك عنه. فقال عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين! لأحسن الفتى المصدر فيما أوردته فيه! فقال عمر: لحسن مصادره وموارده جشمناه ما جشمناه.

стр. 8719

وعن أسلم مولى عمر قال: قدم علينا معاوية بن أبي سفيان وهو أبيض - أو أبض - الناس وأجملهم، فخرج إلى الحج مع عمر وكان عمر ينظر إليه، فيعجب له، ثم يضع أصبعه على متنه ثم يرفعها عن مثل الشراك فيقول: بخ بخ! نحن إذاً خير الناس أن جمع لنا خير الدنيا والآخرة! فقال معاوية: يا أمير المؤمنين! سأحدثك: إنا بأرض الحمامات والريف. فقال عمر: سأحدثك: ما بك إلطافك نفسك بأطيب الطعام ونضيجه حتى نضرت الشمس متنيك، وذو الحاجات وراء الباب!. قال: فلما جئنا ذا طوى أخرج معاوية حلة فلبسها، فوجد عمر منها ريحاً كأنه ريح طيب فقال: يعمد أحدكم يخرج حاجاً تفلاً، حتى إذا جاء أعظم بلدان الله حرمة، أخرج ثوبيه كأنهما كانا في الطيب فلبسهما! فقال معاوية: إنما لبستهما لأن أدخل فيهما على عشيرتي - أو قومي - والله لقد بلغني أذاك هنا وبالشام، والله يعلم أني لقد عرفت الحياء فيه. ونزع معاوية الثوبين ولبس ثوبيه اللذين أحرم فيهما. كان عمر بن الخطاب إذا رأى معاوية قال: هذا كسرى العرب. وعن عمر أنه قال: تعجبون من دهاء هرقل وكسرى وتدعون معاوية!. دخل معاوية على عمر بن الخطاب وعليه حلة خضراء، فنظر إليها أصحاب رسول الله ﷺ فلما رأى ذلك عمر وثب إليه ومعه الدرة، فجعل ضرباً لمعاوية ومعاوية يقول: الله الله يا أمير المؤمنين! فيم فيم؟ قال: فلم يكلمه حتى رجع فجلس في مجلسه فقال له القوم: لم ضربت الفتى يا أمير المؤمنين؟! ما في قومك مثله. فقال: والله ما رأيت إلا خيراً وما بلغني إلا خير، ولكني رأيته.. وأشار بيده، فأحببت أن أضع منه.

стр. 8720

وفي سنة تسع عشرة فتحت قيسارية؛ أميرها معاوية بن أبي سفيان وسعيد بن عامر بن حذيم، كل أمير على جنده، فهزم الله المشركين، وقتل منهم مقتلة عظيمة. وغزا معاوية قبرس سنة خمس وعشرين ومعه أمرأته فاختة ابنة قرظة. وقيل: إن قبرس وإصطخر كانا في عام واحد، سنة ثمان وعشرين وأمير قبرس معاوية بن أبي سفيان. وكان عام المضيق من قسطنطينية سنة ثنتين وثلاثين، وأميرها معاوية. وفي سنة ثلاث وثلاثين غزا معاوية ملطية وإفريطية، وحصن المرأة من أرض الروم. ولما أستخلف عثمان أفراد معاوية بالشام جميعاً. فأستقضى فضالة بن عبيد بن نافذ الأنصاري. وشخص أبو سفيان ابن حرب إلى معاوية بالشام ومعه ابناه عتبة وعنبسة؛ فكتبت هند إلى معاوية: قد قدم عليك أبوك وأخواك فاحمل أباك على فرس، وأعطه أربعة آلاف درهم. ففعل معاوية ذلك؛ فقال أبو سفيان: أشهد بالله أن هذا لعن

стр. 8721

رأي هند. فلما قتل عثمان كتبت نائلة ابنة الفرافصة إلى معاوية كتاباً تصف فيه كيف دخل على عثمان وكيف قتل، وبعثت إليه بقميصه الذي قتل وهو عليه، فيه دمه، فقرأ معاوية الكتاب على أهل الشام، وأمر بقميص عثمان فطيف به في أجناد الشام ونعى إليهم عثمان، وأخبرهم بما أتي إليه واستحل من حرمته؛ وحرضهم على الطلب بدمه فبايعوه على الطلب بدم عثمان، وبويع علي بن أبي طالب بالمدينة، فقال له عبد الله بن العباس والحسن بن علي: اكتب إلى معاوية فأقره على عمله ولا تحركه، وأطمعه فإنه سيطمع، ويكفيك عهد الله وميثاقه أن لا أعزله. فقالا: لا تعطه عهداً ولا ميثاقاً. وبلغ ذلك معاوية فقال: والله لا ألي له شيئاً أبداً ولا أبايعه ولا أقدم عليه. وأظهر بالشام أن الزبير بن العوام قادم عليهم وأنه يبايع له. فلما بلغه خروج الزبير وطلحة إلى الجمل أمسك عن ذكره؛ فلما بلغه قتل الزبير قال: يرحم الله أبا عبد الله، أما إنه لو قدم علينا لبايعنا له، وكان أهلاً أن نقدمه لها. فلما أنصرف علي من البصرة أرسل جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية، فكلمه وعظم عليه أمر علي وسابقته في الإسلام، ومكانه من رسول الله ﷺ وأجتماع الناس عليه؛ وأراده على الدخول في طاعته والبيعة له. فأبى، وجرى بينه وبين جرير كلام كثير. فأنصرف جرير إلى علي فأخبره بذلك، فذلك حين أجمع علي على الخروج إلى صفين، وبعث معاوية أبا مسلم الخولاني إلى علي بأشياء يطلبها منه، ويسأله أن يدفع إليه قتلة عثمان حتى يقتلهم به، فإنه إن لم يفعل ذلك أنهج للقوم - يعني أهل الشام - بصائرهم لقتاله. فأبى علي أن يفعل. فرجع أبو مسلم إلى معاوية، فأخبره بما رأى من علي وأصحابه. وجرت بين علي ومعاوية كتب ورسائل كثيرة، ثم أجمع علي على الخروج من الكوفة يريد معاوية بالشام. وبلغ ذلك معاوية، فخرج في أهل الشام يريد علياً، فالتقوا بصفين لسبع ليال بقين من المحرم سنة سبع وثلاثين، فلما كان هلال صفر نشبت الحرب بينهم، فاقتتلوا أيام صفين قتالاً شديداً حتى هر الناس القتال وكرهوا الحرب، فرفع أهل الشام المصاحف وقالوا: ندعوكم إلى كتاب الله والحكم بما فيه. وكان ذلك مكيدة من

стр. 8722

عمرو بن العاص، فاصطلحوا وكتبوا بينهم كتاباً على أن يوافوا رأس الحول أذرح، ويحكموا حكمين ينظران في أمور الناس فيرضون بحكمهما، فحكم علي أبا موسى الأشعري وحكم معاوية عمرو بن العاص، وتفرق الناس. فرجع علي إلى الكوفة بالاختلاف والدغل، واختلف عليه أصحابه، فخرج عليه الخوارج من أصحابه ومن كان معه وأنكروا تحكيمه وقالوا: لا حكم إلا لله. ورجع معاوية إلى الشام بالألفة واجتماع الكلمة عليه، ووافى الحكمان بعد الحول بأذرح في شعبان سنة ثمان وثلاثين. واجتمع الناس إليهما وكان بينهما كلام اجتمعا عليه في السر، ثم خالفه عمرو بن العاص في العلانية، فقدم أبا موسى فتكلم وخلع علياً ومعاوية، ثم تكلم عمرو بن العاص فخلع علياً وأقر معاوية. فتفرق الحكمان ومن كان اجتمع إليهما، وبايع أهل الشام معاوية بالخلافة في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين، وبعث معاوية على الحج سنة تسع وثلاثين يزيد بن شجرة، وبعث علي في هذه السنة على الموسم عبيد الله بن العباس فاجتمعا بمكة فسأل كل واحد منهما صاحبه أن يسلم إليه؛ فأتيا جميعاً واصطلحا على أن يصلي بالناس ويحج بهم تلك السنة شيبة بن عثمان العبدري. وكان معاوية يبعث الغارات فيقتلون من كان في طاعة علي، ومن أعان على قتل عثمان؛ فبعث بسر بن أرطاة العامري إلى المدينة واليمن ومكة يستعرض الناس، فقتل باليمن عبد الرحمن وقثماً ابني عبيد الله بن عباس. ثم قتل علي بن أبي طالب في شهر رمضان سنة أربعين، فحج بالناس تلك السنة المغيرة بن شعبة بكتاب افتعله من معاوية بن أبي سفيان. وصالح الحسن بن علي معاوية وسلم له الأمر، وبايعه الناس جميعاً، فسمي عام الجماعة. واستعمل معاوية المغيرة بن شعبة تلك السنة على الكوفة على صلاتها وحربها؛ واستعمل على الخراج عبد الله بن دراج مولاه، واستعمل على البصرة عبد الله بن عامر بن

стр. 8723

كريز، واستعمل على المدينة أخاه عتبة بن أبي سفيان، ثم عزله واستعمل مروان بن الحكم سنة اثنتين وأربعين، واستعمل عمرو بن العاص على مصر، وأقر فضالة بن عبيد على قضائه بالشام، وكان يولي الحج كل سنة رجلاً من أهل بيته، ويولي الصوائف والمشاتي بأرض الروم كل سنة رجلاً. وحج بالناس معاوية سنة خمسين ومر بالمدينة وولى يزيد بن معاوية الموسم، فحج بالناس سنة إحدى وخمسين، ثم أعتمر معاوية في رجب سنة ست وخمسين، وقدم المدينة، فكان بينه وبين الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير ما كان من الكلام في البيعة ليزيد بن معاوية وقال: إني أتكلم بكلام فلا تردوا علي شيئاً فأقتلكم؛ فخطب الناس وأظهر أنهم قد بايعوا، وسكت القوم، فلم يقروا ولم ينكروا خوفاً منه. ورحل معاوية من المدينة على هذا، وأدعى معاوية زياد بن أبي سفيان فولاه الكوفة بعد المغيرة بن شعبة فكتب إليه في حجر بن عدي وأصحابه، وحملهم إليه، فقتله معاوية بالشام بمرج عذراء، وضم معاوية البصرة إلى زياد، ومات زياد فولى معاوية الكوفة والبصرة ابنه عبيد الله بن زياد. كان كعب يحدث فجاء معاوية فقال: ما هذه الأحاديث يا كعب ابن أم كعب؟ قال: نعم والله يا معاوية، إن لله داراً فيها سبعون ألف دار، على عمود من ياقوت ليس فيها صدع ولا وصل، ولا يسكنها إلا نبي أو صديق أو شهيد أو محكم في نفسه، أو إمام مقسط. فانظر من أيهم أنت يا معاوية. قال: فأدبر معاوية يبكي ويقول: وأني لمعاوية بالقسط!. قال مقسم بن بجرة: حججت فقدمت المدينة حين قتل عثمان، وقد بويع لعلي بن أبي طالب، فسمعت علياً يقول: أما الهجين ابن النابغة - يعني عمرو بن العاص - فهو

стр. 8724

أهون علي من عصاي هذه - وفي يده مخصرة - فقال عبد الله بن عباس: لا تقل في أبي عبد الله إلا خيراً. قال: وأما ابن عمي معاوية فأقره على الشام، وأزيده إن شاء. هذا غريب، والمحفوظ: ما روي عن ابن عباس قال: دعاني عثمان فاستعملني على الحج، قال: فخرجت إلى مكة فأقمت للناس الحج، وقرأت عليهم كتاب عثمان إليهم، ثم قدمت المدينة وقد بويع لعلي، فقال: سر إلى الشام فقد وليتكها. فقال ابن عباس: ما هذا برأي، معاوية رجل من بني أمية، وهو ابن عم عثمان وعامله على الشام، ولست آمن أن يضرب عنقي بعثمان، أو أدنى ما هو صانع أن يحبسني فيتحكم علي. فقال له علي: ولم؟ قال: لقرابة ما بيني وبينك، وإن كل من حمل عليك حمل علي، ولكن اكتب إلى معاوية فمنه وعده. فأبى علي وقال: والله لا كان هذا أبدا. قال الشعبي: لما قتل عثمان ﵁ أرسلت أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي ﷺ ورضي عنها إلى أهل عثمان: أرسلوا إلي بثياب عثمان التي قتل فيها. فبعثوا إليها بقميصه مضرج بالدم، وبالخصلة الشعر التي نتفت من لحيته فعقدت الشعر في زر القميص، ثم دعت النعمان بن بشير فبعثت به إلى معاوية، فمضى بالقميص وبكتابها إلى معاوية. فصعد معاوية المنبر، وجمع الناس، ونشر القميص، وذكر ما صنع بعثمان، ودعا إلى الطلب بدمه. فقام أهل الشام فقالوا: هو ابن عمك وأنت وليه، ونحن الطالبون معك بدمه. فبايعوا له. وعن الحسن قال: لقد تصنع معاوية للخلافة في ولاية عمر بن الخطاب. قال أبو صالح: كان الحادي يحدو بعثمان ويقول:

стр. 8725

إن الأمير بعده علي ... وفي الزبير خلف مرضي فقال كعب: بل هو صاحب البغلة الشهباء - يعني معاوية. فبلغ ذلك معاوية فأتاه فقال: يا أبا إسحاق! تقول هذا وها هنا علي والزبير وأصحاب محمد؟! قال: أنت صاحبها. زاد في رواية: ولكن والله لا تصل إليك حتى تكذب بحديثي هذا. فوقعت في نفس معاوية. وروي عن ذي قربات قال: لما توفي رسول الله ﷺ قيل: يا ذا قربات، من بعده؟ قال: الأمين - يعني أبا بكر - قيل: فمن بعده؟ قال: قرن من حديد - يعني عمر - قيل: فمن بعده؟ قال: يعني عثمان - قيل: فمن بعده؟ قال: الوضاح الأزهر المنصور - يعني معاوية. قال البغوي: رواه عثمان بن عبد الرحمن - وهو ضعيف - عن سعيد بن عبد العزيز، قال: ولا أحسب سعيد بن عبد العزيز أدرك ذا قربات. ولا أحسب ذا قربات سمع من النبي ﷺ شيئاً. وعن عمر قال: إياكم والفرقة بعدي، فإن فعلتم فأعلموا أن معاوية بالشام، وستعلمون إذا وكلتم إلى رأيكم كيف يستبرها دونكم. وعن عمر: أنه قال لأهل الشورى: إن اختلفتم دخل عليكم معاوية بن أبي سفيان من الشام، وبعده عبد الله بن أبي ربيعة من اليمين، فلا يريان لكم فضلاً إلا سابقتكم.

стр. 8726

وعن عبد الملك الحمطي قال: اجتمع أهل الشام بعد قتل عثمان، فأرسلوا وفوداً إلى عبد الله بن عمر، وعلى الشام يومئذ معاوية بن أبي سفيان وما يرجوها - يعني الخلافة - قال: فلما قدموا على عبد الله بن عمر وقد اجتمع أهل الشام على - إن رضي - أن يبايعوه، فقال عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أجلب فليس منا. فمعاذ الله أن أختار الدنيا على الآخرة. فلما كرهها عبد الله بن عمر ويئسوا منه بايعوا معاوية. وعن زهدم الجرمي قال: كنا في سمر ابن عباس فقال: إني لمحدثكم بحديث ليس سر ولا علانية؛ إنه لما كان من أمر هذا الرجل ما كان - يعني عثمان - قلت لعلي: اعتزل، فلو كنت في جحر طلبت حتى تستخرج؛ فعصاني، وايم الله، ليتأمرن عليكم معاوية، وذلك أن الله يقول: " ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل، إنه كان منصوراً " لتحملنكم قريش على سنة فارس والروم، وليتمنن عليكم النصارى واليهود والمجوس، فمن أخذ منكم يومئذ بما يعرف نجا، ومن ترك وأنتم تاركون كنتم كقرن من القرون هلك فيمن هلك. وعن الحكم بن عمير الثمالي - وكانت أمه مريم بنت أبي سفيان بن حرب: أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه ذات يوم: يا أبا بكر! كيف بك إذا وليت؟، قال: لا يكون ذاك أبداً. قال: فأنت يا عمر؟، قال: حجراً إذا لقيت شراً. قال: فأنت يا عثمان؟، قال: آكل وأطعم وأقسم ولا أظلم. قال: فأنت يا علي؟، قال: أقسم التمرة وأحمي الجمرة، وآكل القوت. قال: أما إنكم كلكم سيلي، وسيرى الله عملكم. قال: فأنت يا معاوية؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أنت رأس الخطم، ومفتاح

стр. 8727

العظم، خفتاً خفتاً، يهرم فيها الكبير، ويربو فيها الصغير، وتتخذ السيئة حسنة، والحسنة قبيحة؛ أجلك يسير وجرمك عظيم إلا أن يرحمك ربك . قال ابن شهاب الزهري: لما بلغ معاوية وأهل الشام قتل طلحة والزبير، وهزيمة أهل البصرة، وظهور علي ﵇ دعا أهل الشام معاوية للقتال معه على الشورى والطلب بدم عثمان. فبايع معاوية أهل الشام على ذلك أميراً غير خليفة. فخرج علي على رأس أربعة عشر شهراً من مقتل عثمان بأهل العراق يأم معاوية وأهل الشام. وخرج معاوية بأهل الشام، فالتقوا بصفين، فاقتتلوا بها قتالاً شديداً لم تقتتل هذه الأمة مثله قط، وغلب أهل العراق على قتلى أهل حمص، وفيهم عبد الله ابن عمر بن الخطاب وذو الكلاع وحوشب وجابس بن سعد الطائي؛ وغلب أهل الشام على قتلي أهل العالية وفيهم عمار بن ياسر وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص وابنا بديل الخزاعي. وكان علي أراد أن يبعث إلى معاوية بالشام رسولاً وكتاباً، فقال له جرير بن عبد الله البجلي: ابعثني إليه فإنه لم يزل لي مستنصحاً وواداً، فآتيه فأدعوه على أن يسلم هذا الأمر لك ويجامعك على الحق، وأن يكون أميراً من أمرائك، وعاملاً من عمالك ما عمل بطاعة الله، واتبع ما في كتاب الله؛ وأدعوا أهل الشام إلى طاعتك وولايتك، وإن جلهم قومي، وقد رجوت أن لا يعصوني. فقال له الأشتر: لا تبعثه ولا تصدقه فإني لأظن هواه هواهم ونيته نيتهم. فقال له: دعه حتى ننظر ما يرجع به إلينا. فبعثه علي إلى معاوية، فقال له حين أراد أن يوجهه: إن حولي من قد علمت من أصحاب رسول الله ﷺ من أهل الدين والرأي، وقد اخترتك عليهم لقول رسول الله ﷺ فيك:

стр. 8728

من خير ذي يمن. فأت معاوية بكتابي، فإن دخل فيما دخل فيه المسلمون، وإلا فانبذ إليه على سواء، وأعلمه أني لا أرضى به أميراً، وأن العامة لا ترضى به خليفة. فانطلق جرير حتى نزل بمعاوية فدخل عليه، فقام جرير فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا معاوية، فإنه قد اجتمع لابن عمك أهل الحرمين وأهل المصرين، وأهل الحجاز واليمن، ومصر وعمان والبحرين واليمامة، فلم يبق إلا هذه الحصون التي أنت فيها: لو سال عليها سيل من أوديته غرقها، وقد أتيتك أدعوك إلى ما يرشدك ويهديك إلى مبايعة أمير المؤمنين علي. ودفع إليه كتابه، وكانت نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد فإن بيعتي لزمتك وأنت بالشام، لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوا عليه، فلم يكن لشاهد أن يختار ولا لغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك رضي فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على أتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولي، ويصله جهنم وساءت مصيراً، وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي، وكان نقضهما كردهما، فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون. فادخل فيما دخل فيه المسلمون، فإن أحب الأمور إلي فيك العافية، إلا أن تعرض للبلاء، فإن تعرضت له قاتلتك، واستعنت الله عليك، وقد أكثرت في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل فيه الناس، ثم حاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله. فأما تلك التي تريدها يا معاوية فهي خدعة الصبي عن اللبن، ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان؛ واعلم يا معاوية أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ولا تعرض فيهم الشورى، وقد أرسلت إليك وإلى من

стр. 8729

قبلك جرير بن عبد الله، وهو من أهل الإيمان والهجرة. فبايع ولا قوة إلا بالله. فلما قرأ معاوية الكتاب وعنده جماعة قام جرير خطيباً فحمد الله وأثنى على رسوله ثم قال: أيها الناس! إن أمر عثمان قد أعيا من شهده فما ظنكم بمن غاب عنه؟ وإن الناس بايعوا علياً غير واتر ولا موتور، وكان طلحة والزبير ممن بايعه ثم نقضا بيعته على غير حدث، ألا وإن الدين لا يحتمل الفتن، وإن العرب لا تحتمل السيف وقد كانت بالبصرة أمس ملحمة إن يشفع البلاء بمثلها فلا بقاء للناس بعدها، وقد بايعت العامة علياً، ولو أنا ملكنا أمورنا لم نختر لها غيره، فمن خالف هذا استعتب. فادخل يا معاوية فيما دخل الناس فيه، فإن قلت: استعملني عثمان ثم لم يعزلني، فإن هذا أمر لو جاز لم يقم لله دين، وكان لكل امرئ ما في يديه، ولكن الله جعل للآخر من الولاة حق الأول، وجعل تلك الأمور موطأة، وحقوقاً ينسخ بعضها بعضا. فقال معاوية: أنظر وأنتظر وأستطلع رأي أهل الشام. وأمر معاوية منادياً فنادى: الصلاة جامعة. فلما اجتمع الناس صعد المنبر فخطب، فحمد الله وقال: الحمد لله الذي جعل الدعائم للإسلام أركاناً، والشرائع للإيمان برهاناً يتوقد قابسه في الأرض المقدسة التي جعلها الله محل الأنبياء والصالحين من عباده فأحلها الشام، ورضيهم لها ورضيها لهم بما سبق من مكنون علمه من طاعتهم ومناصحتهم أولياءه فيها، والقوام بأمره، الذابين عن دينه وحرماته، ثم جعلهم لهذه الأمة نظاماً، وفي أعلام الخير عظاماً، يردع الله به الناكثين، ويجمع ألفة المؤمنين، والله نستعين على ما تشعث من أمور المسلمين وتباعد بينهم بعد القرب والألفة؛ اللهم انصرنا على قوم يوقظون نائمناً

стр. 8730

ويخيفون آمننا، ويريدون هراقة دمائنا وإخافة سبيلنا، وقد يعلم الله أنا لا نريد لهم عقاباً، ولا نهتك لهم حجاباً: غير أن الله الحميد كسانا من الكرامة ثوباً لن ننزعه طوعاً، ما جاوب الصدى، وسقط الندى، وعرف الهدى؛ حملهم على خلافنا البغي والحسد، فالله نستعين عليهم. أيها الناس! قد علمتم أني خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأني خليفة أمير المؤمنين عثمان عليكم، وأني لم أقم رجلاً منكم على خزاية قط، وإني ولي عثمان وابن عمه، وقد قال الله في كتابه: " ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً " وقد علمتم أنه قتل مظلوماً، وأنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان. فقال أهل الشام بأجمعهم: بل نطلب بدمه. فأجابوه إلى ذلك وبايعوه ووثقوا له أن يبذلوا في ذلك أنفسهم وأموالهم أو يدركوا بثأره أو يفني الله أرواحهم قبل ذلك. وكان علي استشار الناس فأشاروا عليه بالمقام بالكوفة، غير الأشتر، وعدي بن حاتم، وشريح بن هانئ الحارثي، وهانئ بن عروة المرادي، فإنهم قالوا لعلي: إن الذين أشاروا عليك بالمقام بالكوفة إنما خوفوك حرب الشام، وليس في حربهم شيء أخوف من الموت وإياه نريد. فدعا علي الأشتر وعدياً وشريحاً وهانئاً فقال: إن استعدادي لحرب الشام، وجرير بن عبد الله عند القوم صرف لهم عن غي إن أرادوه، ولكني قد أرسلت رسولاً، فوقت لرسولي وقتاً لا يقيم بعده، والرأي مع الأناة فاتئدوا، ولا أكره لكم الأعذار. فأبطأ جرير على علي حتى أيس منه. وإن جريراً لما أبطأ عليه معاوية بالبيعة لعلي كلمه في ذلك وقال له: إن هذا الأمر له ما بعده. فدعا معاوية ثقاته واستشارهم فقال له عقبة - وكان نظير معاوية -: استعن في هذا الأمر بعمرو بن العاص فإنه من عرفت، وقد اعتزل عثمان في حياته، وهو لأمرك أشد اتباعاً. فكتب إليه معاوية وعمرو بفلسطين: أما بعد فإنه قد كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك، وقد سقط الشام مروان بن الحكم في رافضة أهل البصرة، وقد قدم علي جرير بن عبد الله ببيعة علي،

стр. 8731

فاقدم علي على بركة الله، فإني قد حبست نفسي، ولا غناء بنا عن رأيك. وإن معاوية قال لجرير: قد رأيت أن أكتب إلى صاحبك أن يجعل لي مصر والشام حياته، فإن حضرته الوفاة لم يجعل لأحد من بعده في عنقي بيعة وأسلم له هذا الأمر، وأكتب إليه بالخلافة. فقال جرير: اكتب ما شئت وأكتب معه إليه. فكتب معاوية بذلك، فلما أتى علياً كتابه عرف أنما هي خديعة منه. وكتب علي إلى جرير: أما بعد فإن معاوية إنما أراد بما طلب أن لا تكون في عنقه بيعة، وأن يختار من أمره ما أحب، وأراد أن يريثك حتى يذوق أهل الشام. وقد كان المغيرة بن شعبة أشار علي وأنا بالمدينة أن أستعمل معاوية على الشام فأبيت ذلك، ولم يكن الله ليراني أن أتخذ المضلين عضداً؛ فإن بايعك وإلا فأقبل. وفشا كتاب معاوية في الناس. فكتب إليه الوليد بن عقبة: من الطويل معاوي إن الشام شامك فاعتصم ... بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا وحام عليها بالقنابل والقنا ... ولاتك محشوش الذراعين وانيا فإن علياً ناظر ما تجيبه ... فأهد له حرباً تشيب النواصيا وإلا فسلم إن في الأمر راحة ... لمن لا يريد الحرب فاختر معاويا وإن كتاباً يا بن حرب كتبته ... على طمع جان عليك الدواهيا سألت علياً فيه مالا تناله ... ولو نلته لم يبق إلا لياليا

стр. 8732

إلى أن ترى منه التي ليس بعدها ... بقاء فلا تكثر عليك الأمانيا ومثل علي تعتريه بخدعة ... وقد كان ما جربت من قبل كافيا ولو نشبت أظفاره فيك مرة ... حذاك ابن هند بعض ما كنت حاذيا جاء أبو مسلم الخولاني وأناس معه إلى معاوية فقالوا له: أنت تنازع علياً أم أنت مثله؟ فقال معاوية: لا والله إني لأعلم أن علياً أفضل مني، وإنه لأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوماً وأنا ابن عمه؟ وإنما أطلب بدم عثمان، فأتوه فقولوا له فليدفع إلي قتلة عثمان، وأسلم له. فأتوا علياً فكلموه بذلك، فلم يدفعهم إليهم. ثم إن علياً كتب إلى معاوية: أما بعد: فقد رأيت الدنيا وتصرفها بأهلها؛ ومن يقس شأن الدنيا بالآخرة يجد بينهما بالآخرة يجد بينهما بوناً بعيداً؛ ثم إنك يا معاوية قد ادعيت أمراً لست من أهله، لا في قديم ولا في حديث، ولست تدعي أمراً بيناً، ولا لك عليه شاهد من كتاب الله ، ولا عهد من رسول الله ﷺ ، فكيف أنت صانع إذا انقشعت عنك جلابيب ما أنت فيه؟ من أمر دنيا دعتك فأجبتها، وقادتك فاتبعتها وأمرتك فأطعتها! فأي شيء من هذا الأمر وجدته ينجيك؟! ومتى كنتم يا معاوية ساسة الرعية؟ وولاة هذا الأمر؟ بغير قديم حسن، ولا شرف باسق؟ فلا تمكنن الشيطان من بغيته، مع أني أعلم أن الله ورسوله صادقين فيما قالا، فأعوذ بالله من لزوم الشقاء، فإنك يا معاوية مترف قد أخذ الشيطان منك مأخذاً، وجرى منك مجرى. اللهم أحكم بيننا وبين من خالفنا بالحق فأنت خير الحاكمين. فكتب إليه معاوية: أما بعد يا علي فدعني من أحاديثك واكفف عني من

стр. 8733

أساطيرك، فبالكذب غررت من قبلك، وبالخداع استدرجت من عندك، وتوشك أمورك أن تكشف فيعرفوها ويعلموا باطلها، وإن الباطل كان مضمحلاً. فكتب إليه علي: أما بعد، فطالما دعوت أنت وكثير من أوليائك أولياء الشيطان الحق أساطير، وحاولتم إطفاءه بأفواهكم، ونبذتموه وراء ظهوركم، فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ولعمري ليتمن الله نوره بكرهك؛ فعقب من دنياك المنقطعة ما طاب لك، فكأن أجلك قد انقضى، وعملك قد هوى، والسلام على من اتبع الهدى. ثم إن معاوية بعث إلى عتبة بن أبي سفيان - وكان من أسد قريش رأياً - فقال: إنا قد حبسنا جريراً حتى طمع فينا علي، وإنما حبسته لننظر ما يصنع أهل الشام، فإن تابعوني نبذت إليهم بالحرب، وإن حالفوني بعثت إليهم بالسلم؛ واعلم أن اختلاف القلوب على قدر اختلاف الصور، فلو أصبت رجلاً مصقعاً - يعني خطيباً بليغاً - جمعت أهل الشام على قلب واحد. فقال عتبة: لا يكون إلا يمانياً، وهما رجلان: أحدهما لك والآخر عليك؛ فأما الذي لك فشرحبيل بن السمط، له صحبة وهو عدو لجرير؛ وأما الذي عليك فالأشعث بن قيس، وشرحبيل خير لك من الأشعث لعلي. فعرف معاوية أن قد أتاه بالرأي. وكتب معاوية إلى شرحبيل يسأله القدوم عليه، وهيأ له رجالاً يخبرونه أن علياً قتل عثمان، منهم يزيد بن أسد البجلي، وبسر بن أرطاة، وأبو الأعور السلمي. فلما جاء كتاب معاوية إلى شرحبيل استشار أهل اليمن - وكان شرحبيل من أهل حمص - فاختلفوا عليه، فقال له عبد الرحمن بن غنم: يا شرحبيل! إن الله أراد بك خيراً، قد هاجرت إلى يومك هذا، ولن ينقطع عنك المزيد من الله حتى ينقطع من الناس، ولن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. إنه قد فشت القالة عن معاوية بقوله إن علياً قتل عثمان، فإن يك فعل فقد بايعه المهاجرون والأنصار، وهم الحكام على الناس، وإن لم يكن فعل فعلى ما يصدق معاوية على علي وهو من قد علمت

стр. 8734

فلا تهلكن نفسك وقومك. فأبى شرحبيل إلا أن يسير إلى معاوية. فقدم عليه فقال: إن جريراً قدم علينا يدعونا إلى بيعة علي، وعلي خير الناس لولا أنه قتل عثمان، وقد حبست عليك نفسي، وإنما أنا رجل من أهل الشام، أرضى بما رضوا وأكره ما كرهوا. فقال شرحبيل: أخرج فأنظر في ذلك. فخرج شرحبيل، فلقيه النفر الذين وطأهم له معاوية، فأخبروه أن علياً قتل عثمان فقبل ذلك، فعاد إلى معاوية فقال له: يا معاوية! أبى الناس إلا أن علياً قتل عثمان، فلئن بايعت علياً ليخرجنك من الشام. فقال معاوية: ما أنا إلا رجل منكم، وما كنت لأخالف عليكم. قال: فاردد الرجل إلى صاحبه. فعرف معاوية أن شرحبيل قد ناصح، وأن أهل الشام معه. ثم إن شرحبيل أتى حصين بن نمير في منزله، فبعث حصين إلى جرير: إن رأيت أن تأتينا فإن شرحبيل عندنا. فأتاهم جرير فقال له شرحبيل: إنك أتيتنا بأمر ملفف لتلقينا في لهوات الأسد، فأردت أن تخلط الشام بالعراق، وقد أطريت علياً وهو القاتل عثمان، والله سائلك عما قلت يوم القيامة. فقال جرير: أما قولك أني جئت بأمر ملفف، فكيف يكون ملففاً وقد اجتمع عليه المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وقاتلوا معه طلحة والزبير؟ وأما قولك أني ألقيك في لهوات الأسد ففي لهواته ألقيت نفسك؛ وأما خلط الشام بالعراق فخلطهما على حق خير من فرقتهما على باطل؛ وأما قولك أن علياً قتل عثمان فو الله ما في يديك من ذلك إلا قذف بالغيب من مكان بعيد، وإن ذلك لباطل، ولكنك ملت إلى الدنيا وأهلها، وأمر كان في نفسك. فبلغ معاوية قولهما، فبعث إلى شرحبيل فقال له: إنه قد كان من إجابتك إلى الحق ما قد وقع فيه أجرك على الله، وقبله عنك صالح الناس، وإن هذا الأمر لا يتم إلا برضى العامة، فسر في مدائن الشام، فادعهم إلى ذلك وأخبرهم بما أنت عليه. فسار شرحبيل فبدأ بأهل حمص فدعاهم إلى القيام في ذلك، وقال لهم: إن علياً قتل عثمان وحرضهم عليه وخوفهم منه، وإن معاوية ولي عثمان، فقوموا معه، فأجابه أهل

стр. 8735

حمص إلا نفر من نسائكم وقرائهم فإنهم أبوا ولزموا بيوتهم، ثم إن شرحبيل استقوى مدائن الشام بذلك، فجعل لا يأتي قوماً إلا قبلوا ما أتاهم به. ثم إن علياً كتب إلى جرير: أما بعد، فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل معاوية على الفصل، ثم خيره بين حرب مجلية أو سلم مخزية. فإن اختار الحرب فانبذ إليه. فلما انتهى الكتاب إلى جرير أتى معاوية، فأقرأه إياه، فلما علم معاوية أن أهل الشام قد تابعوه، بعث إلى جرير أن الحق بصاحبك فقد أبى الناس إلا ما ترى. فانصرف جرير إلى علي فأخبره الخبر، وإن شرحبيل قدم على معاوية بأهل الشام فقال لمعاوية: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ . فبايعه وبايعه أهل الشام على ذلك، ثم إن معاوية قام فيهم خطيباً فقال: يا أهل الشام! إن علياً قتل خليفتكم، وفرق الجماعة، وأوقع بأهل البصرة، ولها ما بعدها، وقد تهيأ للمسير إليكم، وإيم الله لا يفل حدكم إلا قوم أصبر منكم، فاصبروا فإن الله مع الصابرين، وقد قال الله : " ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً " فأنا ولي عثمان وابن عمه، وأنتم أعواني على ذلك، فأعدوا للحرب وتهيؤوا للقاء. فقام معاوية بن حديج السكوني، وحوشب فقالوا: يا أمير المؤمنين! قد أتتنا أمدادنا على علي فإذا شئت. ولما ظهر أمر معاوية بالشام وتابعوه على أمره، دعا علي رجلاً فأمره أن يتجهز، وأن يسير إلى دمشق، وأمره إذا دخل إلى دمشق أناخ راحلته بباب المسجد، ثم يدخل المسجد ولا يحط عن راحلته من متاعها شيئاً، ولا يلقي عن نفسه من ثياب السفر شيئاً وقال له: إنك إذا فعلت ورأوا أثر الغربة والسفر عليك، سيسألونك من أين أقبلت؟ فقل من العراق، فإنك إذا قلت ذلك حشدوا إليك وسألوك ما الخبر وراءك؟

стр. 8736

فقل لهم: تركت علياً قد نهد إليكم في أهل العراق. فإنهم سيحشدون إليك، ثم انظر ما يكون من أمرهم. قال: فسار الرجل حتى أتى دمشق، ثم دخل المسجد ولم يحلل عن راحلته ولم ينزع عنه شيئاً من ثيابه فلما دخل المسجد، عرفوا أنه غريب، وأنه مسافر، فسألوه: من أين أقبلت؟ فقال: من العراق. فحشدوا إليه فقالوا: ما الخبر وراءك؟ قال: تركت علياً قد حشد إليكم ونهد في أهل العراق. فكثر الناس عليه يسألونه، وبلغ ذلك معاوية، فأرسل إلى أبي الأعور السلمي: ما هذا القادم الذي قد أظهر هذا الخبر؟ انطلق حتى تكون أنت الذي تشافهه وتسأله، ثم ائتني بالخبر، فأتاه أبو الأعور فساءله فأخبره، فأتى معاوية فأخبره بأن الأمر على ما انتهى إليك؛ فقال لأبي الأعور: ناد في الناس الصلاة جامعة. فنادى في الناس فجاء الناس فقيل لمعاوية شحن الناس المسجد وامتلأ منهم فخرج معاوية فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إن علياً قد نهد إليكم في أهل العراق فما الرأي؟ فضرب الناس بأذقانهم على صدورهم ولم يرفع إليه أحد طرفه، ولم يتكلم منهم متكلم، فقام ذو الكلاع الحميري فقال: يا أمير المؤمنين! عليك الرأي وعلينا ام فعال - قال: وهي بالحميرية يعني الفعال - فنزل معاوية عن المنبر وأمر أبا الأعور السلمي أن ينادي في الناس: أن اخرجوا إلى معسكركم، فإن أمير المؤمنين قد أجلكم ثلاثاً، فمن تخلف فقد أحل بنفسه. فخرج رسول علي فرجع إليه، فأخبره الخبر، فأمر علي قنبراً فنادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس في المسجد، وصعد علي المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن رسولي الذي أرسلته إلى الشام قد قدم علي وأخبرني أن معاوية قد نهد إليكم في أهل الشام، فما الرأي؟ قال: فأضب أهل المسجد يقولون: يا أمير المؤمنين! الرأي كذا، يا أمير المؤمنين! الرأي كذا. فلم يفهم علي كلامهم من كثرة من تكلم، ولم يدر

стр. 8737

المصيب من المخطئ. فنزل عن المنبر وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. ذهب بها ابن أكالة الأكباد - يعني معاوية. قال الأعمش: حدثني من رأى علياً يوم صفين يصفق بيديه ويعض عليهما ويقول: يا عجباً! أعصى ويطاع معاوية!. وعن علي قال: قنت رسول الله ﷺ أربعين ليلة دعا على حي من أحياء العرب. وقال علي: لا أزيد على قنوت رسول الله ﷺ . فقنت أربعين ليلة يدعو على معاوية بن أبي سفيان. وعن أبي عبيدة قال: قال معاوية: لقد وضعت رجلي في الركاب وهممت يوم صفين بالهزيمة، فما منعني إلا قول ابن الإطنابة حيث يقول: من الوافر أبت لي عفتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح وإكراهي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي قال علي بن المديني: سمعت سفيان يقول: ما كانت في علي خصلة تقصر به عن الخلافة، ولا كانت في معاوية خصلة ينازع علياً بها. قال إبراهيم بن سويد: قلت لأحمد بن حنبل: من الخلفاء؟ قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. قلت:

стр. 8738

فمعاوية؟ قال: لم يكن أحد أحق بالخلافة في زمان علي من علي ﵁، ورحم اله معاوية. قال محمد بن سعيد: ذكر قوم معاوية عند شريك، فقال بعضهم: كان حليماً. فقال: ليس بحليم من سفه الحق وقاتل علي بن أبي طالب. قال يزيد بن الأصم: لما وقع الصلح بين علي ومعاوية خرج علي فمشى في قتلاه فقال: هؤلاء في الجنة. ثم مشى في قتلى معاوية فقال: هؤلاء في الجنة، وليصير الأمر إلي وإلى معاوية، فيحكم لي ويغفر لمعاوية؛ هكذا خبرني حبيبي رسول الله ﷺ . وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : أول من يختصم في هذه الأمة بين يدي الرب علي ومعاوية، وأول من يدخل الجنة أبو بكر وعمر. قال ابن عباس: كنت جالساً عند النبي ﷺ وعنده أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية إذ أقبل علي بن أبي طالب فقال رسول الله ﷺ لمعاوية: أتحب علياً يا معاوية؟ فقال معاوية: إي والله الذي لا إله إلا هو إني لأحبه في الله حباً شديداً. فقال رسول الله ﷺ : إنها ستكون بينكم هنيهة. قال معاوية: ما يكون بعد ذلك يا رسول الله؟ فقال النبي ﷺ : عفر الله ورضوانه، والدخول إلى الجنة. قال معاوية: رضينا بقضاء الله. فعند ذلك نزلت هذه الآية: " ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل مايريد ". وعن عمر بن عبد العزيز قال: رأيت رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمر جالسان عنده، فسلمت وجلست، فبينا أنا

стр. 8739

جالس إذ أتي بعلي ومعاوية، فأدخلا بيتاً وأجيف عليهم الباب وأنا أنظر، فما كان بأسرع أن خرج علي وهو يقول: قضي لي ورب الكعبة. ثم ما كان بأسرع من أن خرج معاوية وهو يقول غفر لي ورب الكعبة. قال أبو القاسم ابن أخي أبي زرعة الرازي: جاء رجل إلى عمي أبي زرعة فقال له: يا أبا زرعة! أنا أبغض معاوية. قال: لم؟ قال: لأنه قاتل علي بن أبي طالب. فقال له عمي: إن رب معاوية رب رحيم، وخصم معاوية خصم كريم، فأيش دخولك أنت بينهما ﵃ أجمعين؟. سأل رجل أحمد بن حنبل عما جرى بين علي ومعاوية، فأعرض عنه، فقيل له: يا أبا عبد الله! هو رجل من بني هاشم، فأقبل عليه فقال: اقرأ: " تلك أمة قد خلت، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، ولا تسألون عما كانوا يعلمون ". سأل النضر أبو عمر الحسن فقال: أبو بكر أفضل أم علي؟ قال: سبحان الله! ولا سواء سبقت لعلي سوابق شركه فيها أبو بكر، وأحدث علي أحداثاً لم يشركه فيها أبو بكر، أبو بكر أفضل. قال: فعمر أفضل أم علي؟ فذكر مثل قوله الأول. قال: عمر أفضل. قال: فعلي أفضل أم عثمان؟ فذكر مثل قوله الأول ثم قال: عثمان أفضل. فطمع السائل قال: علي أفضل أم معاوية؟ قال: سبحان الله! ولا سواء، سبقت لعلي سوابق لم يشركه فيها معاوية وأحدث علي أحداثاً شركه معاوية في أحداثه، علي أفضل من معاوية. قال مغيرة: لما جاء قتل علي إلى معاوية جعل يبكي ويسترجع، فقالت له امرأته: تبكي عليه وقد كنت تقاتله؟! فقال لها: ويحك! إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم.

стр. 8740

قال معاوية: ما روى أحد في الأمور ترويتي قط، إذا استلقيت على قفاي ووضعت إحدى رجلي على الأخرى؛ وما باده الأمور مثل عمرو بن العاص؛ وما رميت في مصممة مثل أبي الحسن علي بن أبي طالب قط. وعن أنس بن مالك قال: تعاهد ثلاثة رهط من أهل العراق على قتل معاوية وعمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة: فأقبلوا بعدما بويع معاوية على الخلافة حتى قدموا إيلياء يصلون من السحر ما قدر لهم، ثم سألوا بعض من حضر المسجد من أهل الشام عن ساعة يوافون فيها خلوة أمير المؤمنين وهو لنا فارغ وقالوا: إنا رهط من أهل العراق أصابنا غرم في أعطياتنا، فنريد أن نكلم أمير المؤمنين وهو لنا فارغ. فقالوا لهم: امهلوا حتى إذا ركب دابته فاعرضوا له فكلموه، فإنه يقف عليكم حتى تفرغوا من كلامه في حاجتكم. فعجلوا ذلك، فلما خرج معاوية لصلاة الفجر كبر، فلما سجد السجدة الأولى، انبطح أحدهم على ظهر الحرسي الساجد بينه وبين أمير المؤمنين، حتى طعن معاوية في مأكمته بخنجر في يده، فانصرف معاوية وقال للناس: أتموا صلاتكم. وأخذ الرجل فأوثق منه، فدخل معاوية ودعي له الطبيب، فقال له الطبيب: إن لم يكن هذا الخنجر مسموماً فليس عليك بأس. فأعد الطبيب عقاقيره التي يشرب إن كان مسموماً، ثم أمر من يعرفها من تباعه أن يسقيه إن عقل لسانه حتى يلحس، ثم لحس الخنجر فلم يجده مسموماً، فكبر وكبر من عنده، فخرج خارجة - وهو أحد بني عدي إلى الناس من عند معاوية فقال: هذا أمر عظيم ليس بأمير المؤمنين بأس، فحمد الله وأخذ

стр. 8741

يذكر الناس فشد عليه الحروريون الباقون بالسيف يحسبونه عمرو بن العاص، فضربه على الذؤابة فقتله، فرماه الناس بالثياب وتعاووا عليه حتى أخذوه وأوثقوه، واستل الثالث السيف فشد على أهل المسجد، فانكشف الناس، وصبر له سعيد بن مالك بن شهاب وعليه ممطر، تحته السبف مشرجاً على قائمه، فأدخل يده في الممطر يحل شرج السيف، فلم يفض لحله حتى غشيه الحروري، فنحاه لمنكبه الأيسر، فضربه الحروري ضربة خالطت سحره، ثم استل سعيد السيف فاختلف هو والحروري ضربتين، فضربه الحروري على عينه اليسرى ضربة ذهبت عينه، وضربه سعيد فطرح يمينه والسيف، ثم علاه سعيد بالسيف فقتل الحروري، ونزف سعيد فاحتمل نزيفاً، فدووي ثلاثين ليلة ثم توفي وهو يخبر من دخل عليه: أم والله لو شئت لانحزت مع الناس، ولكني تحرجت أن أوليه ظهري ومعي السيف. فدخل رجل من كلب على الذي طعن معاوية فقال: هذا طعن معاوية؟ قالوا: نعم. فامتلخ السيف فضرب عنقه، وأخذ الكلبي فسجن. وقالوا: قد اتهمت بنفسك. قال: إنما قتلته غضباً لله. فلما سئل عنه فوجد بريئاً أرسل، ودفع قاتل خارجة إلى أوليائه من بني عدي بن كعب، فقطعوا يده ورجله، وسمروا عينه، ثم حملوه حتى حلوا به العراق، فعاش كذلك حيناً، ثم تزوج امرأة فولدت له غلاماً فسمعوا به قد ولد له غلام، فقالوا: لقد عجزنا حين

стр. 8742

يترك قاتل خارجة يولد له الغلمان. فكلموا فيه معاوية، فأذن لهم في قتله فقتلوه، وقال الحروري الذي قتل خارجة حين ذكر له أنه قتل خارجة: أما والله ما أردت إلا عمرو بن العاص. فقال عمرو حين بلغته كلمته: ولكن أراد الله خارجة. قال الدارقطني: البرك بن عبد الله الخارجي هو الذي أراد قتل معاوية، فضربه بالسيف ففلق أليته. وهو بضم الباء وفتح الراء. وعن عمر قال: هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد، ثم في أهل أحد ما بقي منهم أحد، وفي كذا وفي كذا، وليس فيها الطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شيء. قال الأسود بن يزيد: قلت لعائشة رضوان الله عليها: ألا تعجبين لرجل من الطلقاء ينازع أصحاب محمد ﷺ في الخلافة!؟ قالت: وما تعجب من ذلك؟ هو سلطان الله يؤتيه البر والفاجر؛ وقد ملك فرعون أهل مصر أربع مئة سنة. وعن هزيل بن شرحبيل قال: صعد معاوية المنبر فقال: يا أيها الناس! ومن كان أحق بهذا الأمر مني؟ وهل بقي أحد أحق بهذا الأمر مني؟. قال سعيد بن عبد العزيز: كان علي بالعراق يدعى أمير المؤمنين، وكان معاوية بالشام يدعى الأمير، فلما مات علي دعي معاوية بالشام أمير المؤمنين.

стр. 8743

قال الليث بن سعد: بويع معاوية بإيلياء في رمضان بيعة الجماعة، ودخل الكوفة سنة أربعين، وهو عام الجماعة. وقيل كان دخوله سنة إحدى وأربعين، وبويع بأذرح، بايعه الحسن بن علي. وقيل: إن أهل الشام بايعوا معاوية سنة سبع وثلاثين. وكان نقش خاتم معاوية: لكل عمل ثواب. وقيل: لا قوة إلا بالله. وكان آخر ما تكلم به معاوية: اتقوا الله فإنه لا يقين لمن لا يتقي الله. وعن الزهري: أن معاوية عمل سنتين ما يخرم عمل عمر، ثم إنه بعد. وعن سعيد بن سويد قال: صلى بنا معاوية بالنخيلة الجمعة في الضحى، ثم خطبنا فقال: ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا ولا لتحجوا ولا لتزكوا، قد عرفت أنكم تفعلون ذلك، ولكن إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم، فقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون. قال سفيان بن الليل: قلت للحسن بن علي لما قدم من الكوفة إلى المدينة: يا مذل المؤمنين. قال: لا تقل ذاك، فإني سمعت أبي يقول: لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك معاوية. فعلمت أن أمر الله واقع، فكرهت أن تهراق بيني وبينه دماء المسلمين. قال الشعبي: قيل للحارث الأعور: ما حمل الحسن بن علي على أن يبايع لمعاوية وله الأمر؟ قال: إنه سمع علياً يقول: لا تكرهوا إمرة معاوية.

стр. 8744

وعن الحارث قال: لما رجع علي من صفين علم أنه لا يملك، فتكلم بأشياء لم يكن يتكلم بها قبل ذلك، وقال أشياء لم يكن يقولها قبل ذلك، فقال: يا أيها الناس! لا تكرهوا إمارة معاوية، فو الله لو فقدتموه لقد رأيتم الرؤوس تندر من كواهلها كالحنظل. وعن أبي الدرداء أنه قال: لا مدينة بعد عثمان ولا رخاء بعد معاوية. ولما قدم معاوية المدينة يريد الحج دخل على عائشة فكلمها خاليين، لم يشهد كلامهما إلا ذكوان أبو عمرو مولى عائشة، فقالت له عائشة: أمنت أن أخبأ لك رجلاً يقتلك بقتلك أخي محمداً؟ قال معاوية: صدقت. فكلمها معاوية، فلما قضى كلامه تشهدت عائشة ثم ذكرت ما بعث الله به نبيه من الهدى ودين الحق، والذي سن الخلفاء بعده، وحضت معاوية على اتباع أمرهم فقالت في ذلك فلم تترك، فلما قضت مقالتها قال لها معاوية: أنت والله العالمة بأمر رسول الله ﷺ المناصحة المشفقة، البليغة الموعظة، حضضت على الخير وأمرت به، ولم تأمرينا إلا بالذي هو لنا، وأنت أهل أن تطاعي. فتكلمت هي ومعاوية كلاماً كثيراً. فلما قدم معاوية اتكأ على ذكوان، قال: والله ما سمعت خطيباً ليس رسول الله ﷺ أبلغ من عائشة. ولما قدم معاوية المدينة أرسل إلى عائشة رضوان الله عليها، أن أرسلي إلي

стр. 8745

بأنبجانية رسول الله ﷺ وشعره، فأرسلت به، فأخذ الأنبجانية فلبسها، وأخذ شعره، فدعا بماء فغسله فشربه وأفاض على جلده. قال الشعبي: لما قدم معاوية المدينة عام الجماعة تلقته رجال من وجوه قريش فقالوا: الحمد لله الذي أعز نصرك وأعلى أمرك. فما رد عليهم جواباً حتى دخل المدينة، فقصد المسجد وعلا المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني والله ما وليت أمركم حين وليته إلا وأنا أعلم أنكم لا تسرون بولايتي ولا تحبونها، وإني لعالم بما في نفوسكم، ولكني خالستكم بسيفي هذا مخالسة، ولقد رمت نفسي على عمل ابن أبي قحافة فلم أجدها تقوم بذلك، وأردتها على عمل ابن الخطاب فكانت عنه أشد نفوراً، وحاولتها على مثل سنيات عثمان فأبت علي، وأين مثل هؤلاء؟ هيهات أن يدرك فضلهم أحد ممن بعدهم! رحمة الله ورضوانه عليهم، غير أني قد سلكت بها طريقاً لي فيه منفعة ولكم فيه مثل ذلك، ولكل فيه مؤاكلة حسنة، ومشاربة جميلة، ما استقامت السيرة وحسنت الطاعة، فإن لم تجدوني خيركم فأنا خيركم لكم؛ والله لا أحمل السيف على من لا سيف معه، ومهما تقدم مما قد علمتموه فقد جعلته دبر أذني، وإن لم تجدوني أقوم بحقكم كله فارضوا مني ببعضه، فإنها ليست بقائبة قوبها، وإن السيل إذا جاء يترى وإن قل أغثى. وإياكم والفتنة فلا تهموا بها فإنها تفسد المعيشة وتكدر النعمة، وتورث الأستئصال. وأستغفر الله لي ولكم. ثم نزل.

стр. 8746

وعن صالح بن كيسان: أن معاوية قدم المدينة أول حجة حجها بعد اجتماع الناس عليه، فلقيه الحسن والحسين ورجال من قريش، فتوجه إلى دار عثمان بن عفان، فلما دنا إلى باب الدار صاحت عائشة ابنة عثمان وندبت أباها فقال معاوية لمن معه: انصرفوا إلى منازلكم، فإن لي حاجة في هذه الدار. فانصرفوا ودخل فسكن عائشة وأمرها بالكف وقال لها: يا بنة أخي، إن الناس أعطونا سلطاناً فأظهرنا لهم حلماً تحته غضب، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد، فبعناهم هذا وباعونا هذا، فإن أعطيناهم غير ما اشتروا شحوا على حقهم، ومع كل إنسان منهم شيعة، وهو يرى مكان شيعتهم، فإن نكثنا به نكثوا بنا، ثم لا ندري أتكون لنا الدائرة أم علينا، وأن تكوني ابنة عمر أمير المؤمنين خير من أن تكوني أمة من إماء المسلمين. ونعم الخلف أنا لك بعد أبيك والسلام. وعن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: إذا رأيتم معاوية على هذه الأعواد فاقتلوه. فقام إليه رجل من الأنصار وهو يخطب بالسيف، فقال أبو سعيد: ما تصنع؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا رأيتم معاوية يخطب على الأعواد فاقتلوه. فقال له أبو سعيد: إنا قد سمعنا ما سمعت، ولكنا نكره أن يسل السيف على عهد عمر حتى نستأمره. فكتبوا إلى عمر في ذلك، فجاء موته قبل أن يجيء جوابه. وعنه أن رسول الله ﷺ قال: إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه. قال حماد بن زيد: قيل لأيوب: إن عمرو بن عبيد روى عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال: إذا رأيتم معاوية على المنبر فاقتلوه. فقال: كذب عمرو. وروي عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقبلوه، فإنه أمين مأمون.

стр. 8747

في إسناده إنكار. قال الأوزاعي: أدركت خلافة معاوية عدة من أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم سعد، وأسامة، وجابر، وابن عمر، وزيد بن ثابت، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد، ورافع بن خديج، وأبو أمامة، وأنس بن مالك ورجال أكثر من سمينا بأضعاف مضاعفة، كانوا مصابيح الهدى وأوعية العلم، حضروا من الكتاب تنزيله، وأخذوا عن رسول الله ﷺ تأويله؛ ومن التابعين لهم بإحسان إن شاء الله، منهم المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن محيريز، في أشباه لهم لم ينزعوا يداً عن مجامعة في أمة محمد ﷺ . وعن سعيد بن عبد العزيز قال: لما قتل عثمان واختلف الناس، لم تكن للناس غازية ولا صائفة حتى اجتمعت الأمة على معاوية سنة أربعين، وهي سنة الجماعة. فأغزى معاوية الصوائف وشتاهم بأرض الروم، ستة عشر صائفة، تصيف بها وتشتو، ثم تقفل وتدخل معقبتها. ثم أغزاهم معاوية ابنه يزيد في سنة خمس وخمسين، في جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ في البر والبحر، حتى أجاز بهم الخليج، وقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها. ثم قفل. قال سعد بن أبي وقاص: ما رأيت أحداً بعد عثمان أقضى بحق من صاحب هذا الباب - يعني معاوية. قدم المسور بن مخرمة وافداً على معاوية، فقضى حاجته ثم دعاه، فأخلاه فقال: يا مسور! ما فعل طعنك على الأئمة؟ فقال المسور: دعنا من هذا وأحسن فيما قدمنا له. قال معاوية: لا والله لتكلمن بذات نفسك، والذي تعيب علي. قال المسور: فلم أترك

стр. 8748

شيئاً أعيبه عليه إلا بينته له. قال معاوية - لا برئ من الذنب -: فهل تعد يا مسور ما نلي من الإصلاح في أمر العامة؟ فإن الحسنة بعشر أمثالها؛ أم تعد الذنوب وتترك الحسنات؟ قال المسور: لا والله ما نذكر إلا ما نرى من هذه الذنوب. قال معاوية: فإنا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم يغفرها الله؟ قال مسور: نعم. قال معاوية: فما يجعلك أحق أن ترجو المغفرة مني، فو الله لما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكني والله لا أخير بين أمرين بين الله، وبين غيره إلا اخترت الله على ما سواه، وأنا على دين يقبل الله فيه العمل، ويجزي فيه بالحسنات، ويجزي فيه بالذنوب، إلا أن يعفو عمن شاء، فأنا أحتسب كل حسنة عملتها بأضعافها، وإذا رأى أموراً عظاماً لا أحصيها ولا يحصيها من عمل لله في إقامة صلوات المسلمين، والجهاد في سبيل الله، والحكم بما أنزل الله؛ والأمور التي ليست تحصيها وإن عددتها لك؛ فتفكر في ذلك، قال المسور: فعرفت أن معاوية قد خصمني حين ذكر لي ما ذكر. قال عروة: فلم نسمع المسور بعد ذلك يذكر معاوية إلا صلى عليه. قال ثابت مولى سفيان: سمعت معاوية وهو يقول: إني لست بخيركم، وإن فيكم من هو خير مني، عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وغيرهما من الأفاضل، ولكني عسيت أن أكون أنكاكم في عدوكم وأنعمكم لكم ولاية، وأحسنكم خلقاً. وفي رواية: أن أكون أنفعكم ولاية وأدركم حلباً. قال يونس بن حلبس: سمعت معاوية على منبر دمشق يوم الجمعة يقول: يا أيها الناس! اعقلوا قولي، فلن تجدوا أعلم بأمور الدنيا والآخرة مني، أقيموا وجوهكم وصفوفكم في الصلاة، فلتقيمن وجوهكم وصفوفكم في الصلاة، أو ليخالفن الله بين قلوبكم. خذوا على أيدي سفهائكم، فلتأخذن

стр. 8749

على أيدي سفهائكم، أو ليسلطن الله عليكم، فليسومنكم سوء العذاب. تصدقوا، ولا يقول الرجل إني مقل، فإن صدقة المقل أفضل من صدقة الغني. إياي وقذف المحصنات، وأن يقول الرجل سمعت وبلغني، فلو قذف امرأة على عهد نوح لسئل عنها يوم القيامة. وعنه قال: سمعت معاوية على منبر دمشق يقول: يا أهل قردا! يا أهل زاكية! يا داني البثنية! الجمعة الجمعة. وربما قال: يا أهل فنن! يا قاصي الغوطة! الجمعة الجمعة، لا تدعوها. وعن أيوب بن ميسرة: أن معاوية كان يبعث حرساً من حرسه إلى كناكر وزاكية وقردا فيقول: إن هذا يوم عاشوراء، وكان النبي ﷺ يصومه ونحن صائمون، فمن أحب أن يصومه فليصمه. وعن ابن أبي ملكية قال: أوتر معاوية بعد العشاء بركعة، وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس فأخبره بذلك، فقال: دعه فإنه قد صحب رسول الله ﷺ . وفي رواية أن ابن عباس قال: أصاب أي بني! ليس أحد منا أعلم من معاوية، هي واحدة، أو خمس، أو سبع، إلى أكثر من ذلك، الوتر ما شاء.

стр. 8750

وفي رواية: أنه قيل لابن عباس: إن معاوية لم يوتر حتى أصبح، فأوتر بركعة. فقال: إن أمير المؤمنين عالم. وعن القاسم بن محمد قال: قال معاوية: قال رسول الله ﷺ : إذا صلى الأمير جالساً فصلوا جلوساً. قال القاسم: فتعجب الناس من صدق معاوية! قال البيهقي: فهذا جعفر بن محمد يرويه ويصدق القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، فيما يحكيه من تصديق الناس معاوية، والناس إذ ذاك، من بقي من الصحابة، ثم أكابر التابعين، ونحن نزعم أنه كان منسوخاً. وعن محمد بن سيرين قال: كان معاوية لايتهم في الحديث عن رسول الله ﷺ . وكان معاوية قليل الحديث عن رسول الله ﷺ . قال رجاء بن حيوة: كان معاوية ينهى عن الحديث يقول: لا تحدثوا عن رسول الله ﷺ . قال: وما سمعته يروي عن رسول الله ﷺ إلا يوماً واحداً. وعن أبي قبيل حيي بن هانئ: أن معاوية صعد المنبر يوم الجمعة فقال عند خطبته: أيها الناس! إن المال مالنا، والفيء فيئنا، من شئنا أعطيناه، ومن شئنا منعناه. فلم يحبه أحد. فلما كان الجمعة الثانية قال مثل ذلك، فلم يجبه أحد. فلما كانت الجمعة الثالثة قال مثل مقالته، فقام إليه رجل ممن حضر المسجد فقال: يا معاوية! كلا، إنما المال مالنا، والفيء فيئنا، من حال

стр. 8751

بيننا وبينه حاكمناه إلى الله بأسيافنا. فنزل معاوية، فأرسل إلى الرجل، فأدخل عليه فقال القوم: هلك الرجل. ففتح معاوية الأبواب، فدخل الناس عليه، فوجدوا الرجل معه على السرير، فقال معاوية للناس إن هذا أحياني أحياه الله، سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيكون أئمة من بعدي، يقولون فلا يرد عليهم قولهم، يتقاحمون في النار كما تقاحم القردة. وإني تكلمت أول جمعة فلم يرد علي أحد، فخشيت أن أكون منهم؛ ثم تكلمت الثانية فلم يرد علي أحد، فقلت في نفسي: إني من القوم. فتكلمت الجمعة الثالثة، فقام هذا الرجل فرد علي، فأحياني أحياه الله، فرجوت أن يخرجني الله منهم. فأعطاه وأجازه. قيل: إن هذا القائل لمعاوية هذا القول أبو بحرية عبد الله بن قيس السكوني. وعن أبي مسلم الخولاني عن معاوية: أنه خطب الناس، وقد حبس العطاء شهرين أو ثلاثة، فقال له أبو مسلم: يا معاوية! إن هذا المال ليس بمالك ولا مال أبيك ولا مال أمك. فأشار معاوية إلى الناس أن امكثوا؛ فنزل واغتسل، ثم رجع فقال: أيها الناس! إن أبا مسلم ذكر أن هذا المال ليس بمالي ولا مال أبي ولا مال أمي، وصدق أبو مسلم، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: الغضب من الشيطان والشيطان من النار، والماء يطفئ النار، فإذا غضب أحدكم فليغتسل. اغدوا على عطائكم على بركة الله . وعن عطية بن قيس قال: خطبنا معاوية فقال: إن في بيت مالكم فضلاً عن عطائكم، وإني قاسم بينكم ذلك، فإن كان فيه قابلاً فضل قسمته عليكم، وإلا فلا عتيبة علي، فإنه ليس مالي، وإنما هو فيء الله الذي أفاء عليكم.

стр. 8752

وعن قتادة قال: لما انتهى كتاب الحكم بن عمرو إلى زياد كتب بذلك إلى معاوية، وجعل كتاب الحكم في جوف كتابه، فلما قدم الكتاب على معاوية خرج إلى الناس فأخبرهم بكتاب زياد وصنيع الحكم فقال: ما ترون؟ فقال بعضهم: أرى أن تصلبه. وقال بعضهم: أرى أن تقطع يديه ورجليه. وقال بعضهم: أرى أن تغرمه المال الذي أعطي. فقال معاوية: لبئس الوزراء أنتم! لوزراء فرعون كانوا خيراً منكم، أتأمروني أن أعمد إلى رجل آثر كتاب الله تعالى على كتابي، وسنة رسول الله ﷺ على سنتي، فأقطع يديه ورجليه؟! بل أحسن وأجمل وأصاب! فكانت هذه مما يعد من مناقب معاوية. قال أبو قبيل: كان معاوية قد جعل في كل قبيل رجلاً، وكان رجل منا يكنى أبا الجيش، يصيح في كل يوم، فيدور على المجالس: هل ولد فيكم الليلة ولد؟ هل حدث الليلة حدث؟ هل نزل بكم اليوم نازل؟ فيقولون: ولد لفلان غلام، ولفلان. فيقول: فما سمي؟ فيقال له، فيكتب، فيقول: هل نزل بكم الليلة نازل؟ فيقولون: نعم، نزل رجل من أهل اليمن، يسمونه وعياله، فإذا فرغ من القبيل كله أتى الديوان فأوقع أسماءهم في الديوان. قال عبيد بن سلمان الطابخي: كنت جالساً عند معاوية، فرأيته متواضعاً، ولم أر له سياطاً غير مخاريق كمخاريق الصبيان، من رقاع قد فتلت يفقعون بها.

стр. 8753

قال يونس بن حلبس: رأيت معاوية في سوق دمشق، على بغلة له، وخلفه وصيف قد أردفه، عليه قميص مرقوع الجيب، وهو يسير في أسواق دمشق. قال أبو إسحاق: ما رأيت بعد معاوية مثله. قال أبو بكر: وما ذكر عمر بن عبد العزيز! وفي رواية: وما استثنى أبو إسحاق عمر بن عبد العزيز! وقال مجاهد: لو رأيتم معاوية لقلتم هذا المهدي. وعن العتبي قال: قال معاوية: لا أضع لساني حيث يكفيني مالي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي. فإذا لم أجد من السيف بداً ركبته. وعنه، قال معاوية: أفضل ما أعطي الرجل العقل والحلم، وإذا ذكر ذكر، وإذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا غضب كظم، وإذا قدر غفر، وإذا أساء استغفر، وإذا وعد أنجز. وعن ابن عمر قال: ما رأيت أحداً بعد رسول الله ﷺ أسود من معاوية. وعنه قال: ما رأيت أحداً كان أسود من معاوية! قال: قلت: ولا عمر؟ قال: كان عمر خيراً من معاوية، وكان معاوية أسود منه. وفي حديث: قلت: هو كان أسود من أبي بكر؟ قال: أبو بكر كان خيراً منه، وكان هو أسود منه. قلت: فهو كان أسود من عمر؟ قال: عمر والله كان خيراً منه، وكان

стр. 8754

هو أسود منه. قلت: هو كان أسود من عثمان؟ قال: رحمة الله على عثمان، كان خيراً منه وهو أسود من عثمان. وعن ابن عباس قال: ما رأيت أحداً أخلق للملك من معاوية! كان الناس يردون منه أرجاء واد رحب، ليس بالضيق الحصر العصعص المتغضب - يعني ابن الزبير. زاد في رواية: العقص ابن الزبير. قوله: يردون منه أرجاء واد رحب: شبهه بواد واسع لا يضيق على من ورده للشرب. والرجا: حرفه وشفيره. والحصر: الممسك البخيل. والحصور: الضيق من الرجال. والعقص: السيئ الخلق، والمتلوي العسر. وفيه لغة أخرى: عكص، والشكس مثله. قال جعدة بن هبيرة لجلسائه وعواده: إني قد علمت ما لم تعلموا، وأدركت ما لم تدركوا، وإنه سيجيء بعد هذا - يعني معاوية - أمراء ليسوا من رجاله، ولا من ضربائه، ليس فيهم إلا أصعر أو أبتر، حتى تقوم الساعة. هذا السلطان سلطان الله جعله، وليس أنتم تجعلونه، ألا وإن للراعي على الرعية حقاً، وللرعية على الراعي حق، فأدوا إليهم حقهم، وإن ظلموكم فكلوهم إلى الله ﵎، فإنكم وإياهم تختصمون يوم القيامة، ألا وإن الخصم لصاحبه الذي أدى إليه الحق الذي عليه في الدنيا ثم قرأ: "

стр. 8755

فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ". حتى بلغ: " والوزن يومئذ القسط " وكذا قرأ " القسط ". قال كعب: لن يملك أحد من هذه الأمة ما ملك معاوية. قال معاوية: أنا أول الملوك. وقال: أنا أول ملك وآخر خليفة. وعن ابن عمر قال: معاوية من أحلم الناس. قالوا: يا أبا عبد الرحمن! وأبو بكر؟ قال: أبو بكر خير من معاوية، ومعاوية من أحلم الناس. قال مسلمة بن محارب: ذكر عبد الملك يوماً معاوية فقال: ما رأيت مثل ابن هند في حلمه واحتماله وكرمه! لقد خرج حاجبه في يوم رهان إلى المقصورة، وأنا وحدي فيها، فنظر إلي، ثم دخل وخرج معاوية، فقمت إليه فتوكأ علي حتى انتهى إلى الخيل، فأرسلت، فسبق، ثم خرج في الحلبة الأخرى، وصنع مثلها فسبق، ثم خرج في الحلبة الثالثة، فخفت أن يتشاءم بي فتنحيت، فطلبني فجئت، وتوكأ علي، وأجرى الخيل فسبق، فأقبل علي فقال: يا بن مروان، هكذا القرح، هات حوائجك. قلت: ما لي حاجة. قال: عزمت عليك. فما سألته شيئاً إلا أنعم لي وأضعف.
следующие страницы →