← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 8751–8790 · переход к 8756.

стр. 8751

بيننا وبينه حاكمناه إلى الله بأسيافنا. فنزل معاوية، فأرسل إلى الرجل، فأدخل عليه فقال القوم: هلك الرجل. ففتح معاوية الأبواب، فدخل الناس عليه، فوجدوا الرجل معه على السرير، فقال معاوية للناس إن هذا أحياني أحياه الله، سمعت رسول الله ﷺ يقول: سيكون أئمة من بعدي، يقولون فلا يرد عليهم قولهم، يتقاحمون في النار كما تقاحم القردة. وإني تكلمت أول جمعة فلم يرد علي أحد، فخشيت أن أكون منهم؛ ثم تكلمت الثانية فلم يرد علي أحد، فقلت في نفسي: إني من القوم. فتكلمت الجمعة الثالثة، فقام هذا الرجل فرد علي، فأحياني أحياه الله، فرجوت أن يخرجني الله منهم. فأعطاه وأجازه. قيل: إن هذا القائل لمعاوية هذا القول أبو بحرية عبد الله بن قيس السكوني. وعن أبي مسلم الخولاني عن معاوية: أنه خطب الناس، وقد حبس العطاء شهرين أو ثلاثة، فقال له أبو مسلم: يا معاوية! إن هذا المال ليس بمالك ولا مال أبيك ولا مال أمك. فأشار معاوية إلى الناس أن امكثوا؛ فنزل واغتسل، ثم رجع فقال: أيها الناس! إن أبا مسلم ذكر أن هذا المال ليس بمالي ولا مال أبي ولا مال أمي، وصدق أبو مسلم، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: الغضب من الشيطان والشيطان من النار، والماء يطفئ النار، فإذا غضب أحدكم فليغتسل. اغدوا على عطائكم على بركة الله . وعن عطية بن قيس قال: خطبنا معاوية فقال: إن في بيت مالكم فضلاً عن عطائكم، وإني قاسم بينكم ذلك، فإن كان فيه قابلاً فضل قسمته عليكم، وإلا فلا عتيبة علي، فإنه ليس مالي، وإنما هو فيء الله الذي أفاء عليكم.

стр. 8752

وعن قتادة قال: لما انتهى كتاب الحكم بن عمرو إلى زياد كتب بذلك إلى معاوية، وجعل كتاب الحكم في جوف كتابه، فلما قدم الكتاب على معاوية خرج إلى الناس فأخبرهم بكتاب زياد وصنيع الحكم فقال: ما ترون؟ فقال بعضهم: أرى أن تصلبه. وقال بعضهم: أرى أن تقطع يديه ورجليه. وقال بعضهم: أرى أن تغرمه المال الذي أعطي. فقال معاوية: لبئس الوزراء أنتم! لوزراء فرعون كانوا خيراً منكم، أتأمروني أن أعمد إلى رجل آثر كتاب الله تعالى على كتابي، وسنة رسول الله ﷺ على سنتي، فأقطع يديه ورجليه؟! بل أحسن وأجمل وأصاب! فكانت هذه مما يعد من مناقب معاوية. قال أبو قبيل: كان معاوية قد جعل في كل قبيل رجلاً، وكان رجل منا يكنى أبا الجيش، يصيح في كل يوم، فيدور على المجالس: هل ولد فيكم الليلة ولد؟ هل حدث الليلة حدث؟ هل نزل بكم اليوم نازل؟ فيقولون: ولد لفلان غلام، ولفلان. فيقول: فما سمي؟ فيقال له، فيكتب، فيقول: هل نزل بكم الليلة نازل؟ فيقولون: نعم، نزل رجل من أهل اليمن، يسمونه وعياله، فإذا فرغ من القبيل كله أتى الديوان فأوقع أسماءهم في الديوان. قال عبيد بن سلمان الطابخي: كنت جالساً عند معاوية، فرأيته متواضعاً، ولم أر له سياطاً غير مخاريق كمخاريق الصبيان، من رقاع قد فتلت يفقعون بها.

стр. 8753

قال يونس بن حلبس: رأيت معاوية في سوق دمشق، على بغلة له، وخلفه وصيف قد أردفه، عليه قميص مرقوع الجيب، وهو يسير في أسواق دمشق. قال أبو إسحاق: ما رأيت بعد معاوية مثله. قال أبو بكر: وما ذكر عمر بن عبد العزيز! وفي رواية: وما استثنى أبو إسحاق عمر بن عبد العزيز! وقال مجاهد: لو رأيتم معاوية لقلتم هذا المهدي. وعن العتبي قال: قال معاوية: لا أضع لساني حيث يكفيني مالي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي. فإذا لم أجد من السيف بداً ركبته. وعنه، قال معاوية: أفضل ما أعطي الرجل العقل والحلم، وإذا ذكر ذكر، وإذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا غضب كظم، وإذا قدر غفر، وإذا أساء استغفر، وإذا وعد أنجز. وعن ابن عمر قال: ما رأيت أحداً بعد رسول الله ﷺ أسود من معاوية. وعنه قال: ما رأيت أحداً كان أسود من معاوية! قال: قلت: ولا عمر؟ قال: كان عمر خيراً من معاوية، وكان معاوية أسود منه. وفي حديث: قلت: هو كان أسود من أبي بكر؟ قال: أبو بكر كان خيراً منه، وكان هو أسود منه. قلت: فهو كان أسود من عمر؟ قال: عمر والله كان خيراً منه، وكان

стр. 8754

هو أسود منه. قلت: هو كان أسود من عثمان؟ قال: رحمة الله على عثمان، كان خيراً منه وهو أسود من عثمان. وعن ابن عباس قال: ما رأيت أحداً أخلق للملك من معاوية! كان الناس يردون منه أرجاء واد رحب، ليس بالضيق الحصر العصعص المتغضب - يعني ابن الزبير. زاد في رواية: العقص ابن الزبير. قوله: يردون منه أرجاء واد رحب: شبهه بواد واسع لا يضيق على من ورده للشرب. والرجا: حرفه وشفيره. والحصر: الممسك البخيل. والحصور: الضيق من الرجال. والعقص: السيئ الخلق، والمتلوي العسر. وفيه لغة أخرى: عكص، والشكس مثله. قال جعدة بن هبيرة لجلسائه وعواده: إني قد علمت ما لم تعلموا، وأدركت ما لم تدركوا، وإنه سيجيء بعد هذا - يعني معاوية - أمراء ليسوا من رجاله، ولا من ضربائه، ليس فيهم إلا أصعر أو أبتر، حتى تقوم الساعة. هذا السلطان سلطان الله جعله، وليس أنتم تجعلونه، ألا وإن للراعي على الرعية حقاً، وللرعية على الراعي حق، فأدوا إليهم حقهم، وإن ظلموكم فكلوهم إلى الله ﵎، فإنكم وإياهم تختصمون يوم القيامة، ألا وإن الخصم لصاحبه الذي أدى إليه الحق الذي عليه في الدنيا ثم قرأ: "

стр. 8755

فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ". حتى بلغ: " والوزن يومئذ القسط " وكذا قرأ " القسط ". قال كعب: لن يملك أحد من هذه الأمة ما ملك معاوية. قال معاوية: أنا أول الملوك. وقال: أنا أول ملك وآخر خليفة. وعن ابن عمر قال: معاوية من أحلم الناس. قالوا: يا أبا عبد الرحمن! وأبو بكر؟ قال: أبو بكر خير من معاوية، ومعاوية من أحلم الناس. قال مسلمة بن محارب: ذكر عبد الملك يوماً معاوية فقال: ما رأيت مثل ابن هند في حلمه واحتماله وكرمه! لقد خرج حاجبه في يوم رهان إلى المقصورة، وأنا وحدي فيها، فنظر إلي، ثم دخل وخرج معاوية، فقمت إليه فتوكأ علي حتى انتهى إلى الخيل، فأرسلت، فسبق، ثم خرج في الحلبة الأخرى، وصنع مثلها فسبق، ثم خرج في الحلبة الثالثة، فخفت أن يتشاءم بي فتنحيت، فطلبني فجئت، وتوكأ علي، وأجرى الخيل فسبق، فأقبل علي فقال: يا بن مروان، هكذا القرح، هات حوائجك. قلت: ما لي حاجة. قال: عزمت عليك. فما سألته شيئاً إلا أنعم لي وأضعف.

стр. 8756

قال قبيصة بن جابر: ما رأيت رجلاً أعظم حلماً، ولا أكثر سؤدداً، ولا ألين مخرجاً في أمر من معاوية. وقال: أيضاً: صحبت معاوية بن أبي سفيان، فما رأيت رجلاً أثقل حلماً، ولا أبطأ جهلاً، ولا أبعد أناة منه! وعن معاوية أنه قال: إني لأرفع نفسي أن يكون ذنب أوزن من حلمي. أسمع رجل مرة معاوية كلاماً شديداً غضب منه أهله، فقيل له: لو سطوت عليه لكان له نكالاً، قال: إني لأستحي أن يضيق حلمي عن ذنب أحد من رعيتي. قال رجل لمعاوية: يا أمير المؤمنين ما أحملك! قال: إني لأستحي أن يكون جرم رجل أعظم من حلمي. وعن سفيان قال: قال معاوية: إني لأستحي أن يكون ذنب أعظم من عفوي، أو يكون جهل أكثر من حلمي، أو تكون عورة لا أواريها بستري. وقال معاوية: ما شيء أحمد عاقبة من جرعة غيظ أتجرعها. خرج الحسين من عند معاوية، فلقي ابن الزبير، والحسين مغضب، فذكر الحسين أن معاوية ظلمه في حق له، فقال له الحسين: أخيره في ثلاث خصال، والرابعة الصيلم: أن يجعلك أو ابن عمر بيني وبينه، أو يقر بحقي ثم يسألني فأهبه له، أو يشتريه مني، فإن لم يفعل فو الذي نفسي بيده لأهتفن بحلف الفضول. فقال

стр. 8757

ابن الزبير: والذي نفسي بيده لئن هتف به وأنا قاعد لأقومن، أو قائم لأمشين، أو ماش لأشتدن، حتى تفنى روحي مع روحك، أو ينصفك. ثم ذهب ابن الزبير إلى معاوية فقال: لقيني الحسين فخيرني في ثلاث خصال، والرابعة الصيلم. قال معاوية: لا حاجة لنا بالصيلم، إنك لقيته مغضباً، فهات الثلاث خصال. قال: تجعلني أو ابن عمر بينك وبينه. فقال: قد جعلتك بيني وبينه أو ابن عمر، أو جعلتكما جميعاً. قال: أو تقر له بحقه. قال: فأنا أقر له بحقه وأسأله إياه. قال: أو تشتريه منه. قال: فأنا أشتريه منه. قال: فلما انتهى إلى الرابعة قال لمعاوية كما قال للحسين: إن دعاني إلى حلف الفضول أجبته. قال معاوية: لا حاجة لنا بهذه. قال: وبلغني أن عبد الرحمن بن أبي بكر ومسور بن مخرمة قالا للحسين مثل قول ابن الزبير، فبلغ ذلك معاوية وعنده جبير بن مطعم، فقال له معاوية: يا أبا محمد! كنا في حلف الفضول. قال له جبير: لا. وحكى الزبير نحو هذه القصة للحسن بن علي مع معاوية. قال العتبي: قدم معاوية المدينة، فخرج إلى العقيق وخرج الناس إليه، فضربت له أبنية، فجاء

стр. 8758

أبو غليط بن عتبة بن أبي لهب، فعمد إلى جمل أجرب، فهنأه بالقطران، وركب وأداره في الشمس حتى هرج، ثم قصد به نحو معاوية، فلما نظر إلى الأبنية حمل الجمل عليها، والناس عنده جلوس فأقبل الجمل يقطع تلك الأبنية، وفزع الناس! فقال معاوية: أيها الناس! اجلسوا، إن هذا بعض جنون آل أبي لهب. فقال أبو عليط: والله ما أنا بالمجنون، وما أتانا الجنون إلا من قبل حرب بن أمية! ما زال الشيطان يخنقه حتى مات. وكان حرب بن أمية مات مخنوقاً، ذكروا أن الجن خنقته فمات. دخل قوم من الأنصار على معاوية فقال لهم: يا معشر الأنصار! قريش لكم خير منكم لها؛ فإن يكن ذلك لقتلي أحد، فقد نلتم يوم بدر مثلهم؛ وإن يكن ذلك للأثرة، فو الله ما تركتم إلى صلتكم سبيلاً، لقد خذلتم عثمان يوم الدار، وقتلتم أنصاره يوم الجمل، وصليتم بالأمر يوم صفين. فتكلم رجل منهم فقال: أقلت قريش خير لنا منا لها؟ فإن فعلوا فقد أسكناهم الدار، وقاسمناهم الأموال، وبذلنا لهم الديار، ودفعنا عنهم العدو وأنت سيد قريش، فهل لهذا عندك جزاء؟ وأما قولك إن يكن ذلك لقتلى أحد، فإن قتيلنا وحينا ثائر؛ وأما ذكرك الأثرة، فإن رسول الله ﷺ أمرنا بالصبر عليها، وأما خذلان عثمان فإن الأمر في عثمان ما كان إلا جفلى - يريد الجمع - وأما قتل أنصاره يوم الجمل فما لا يعتذر منه؛ وأما قولك إنا صلينا بالأمر يوم صفين فإنا كنا مع رجل لم نأله خيراً. وقاموا وخرجوا، فقال معاوية: ردوهم، فو الله ما فرغ من كلامه حتى ضاق بي مجلسي! أما كان فيكم رجل يجيبه؟! فردوهم فترضاهم ووصلهم. جرى بين معاوية وبين أبي الجهم كلام، حتى كان من أبي الجهم إلى معاوية كلام غمه، فأطرق ثم رفع رأسه فقال: يا أبا الجهم! إياك والسلطان، فإنه يغضب غضب

стр. 8759

الصبيان، ويعاقب عقاب الأسد، وإن قليله يغلب كثير الناس. ثم أمر له بمال، فأنشأ أبو الجهم يقول: من الوافر نميل على جوانبه كأنا ... إذا ملنا نميل على أبينا نقلبه لنخبر حالتيه ... فنخبر منهما كرماً ولينا طاف الحسن بن علي مع معاوية، فكان يمشي بين يديه فقال: ما أشبه أليتيه بأليتي هند! فسمعه معاوية، فالتفت إليه فقال: أما إنه كان يعجب أبا سفيان. قال عبد الرحمن بن أبي الحكم لمعاوية: يا أمير المؤمنين! إن فلاناً يشتمني. قال: تطأطأ لها، تمر، فتجاوزك. قال رجل لمعاوية: ما رأيت أنذل منك! قال: بلى من واجه الرجال بمثله. قال معاوية: ما يسرني بذل الكرم حمر النعم. قال معاوية: يا بني أمية! قاربوا قريشاً بالحلم، فو الله إن كنت لألقى الرجل منهم في الجاهلية فيوسعني شتماً وأوسعه حلماً، فأرجع وهو صديقي، أستنجده فينجدني، وأثور به فيثور معي، وما رفع الحلم عن شريف شرفه ولا زاده إلا كرماً. قال معاوية: آفة الحلم الذل.

стр. 8760

قال معاوية: لا يبلغ الرجل مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله، وصبره شهوته، ولا يبلغ ذلك إلا بقوة الحلم. قال معاوية: العقل عقلان، عقل تجارب، وعقل نحيزة؛ فإذا اجتمعا في رجل، فذاك الذي لا يقام انفراداً له، وإذا انفردا كانت النحيزة أولاهما. قال أبو عبيدة: كان الرجل يقول لمعاوية: فو الله لتستقيمن يا معاوية، أو لنقومنك. فيقول: بماذا؟ فيقول: بالخشب. فيقول: إذاً أستقيم. قال هشام بن عروة: صلى بنا عبد الله بن الزبير الغداة ذات يوم، فوجم بعد الصلاة وجوماً لم يكن يفعله، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: لله در ابن هند! أما والله إن كنا نتخدعه فيتخادع لنا، وما ابن ليلة بأدهى منه، لله در ابن هند! أما والله إن كنا نفرقه فيتفارق لنا، وما الليث الحرب بأجرأ منه! كان والله كما قال بطحاء العذري: من المتقارب ركوب المنابر وثابها ... معن بخطبته مجهر تريع إليه فصوص الكلام ... إذا نثر الخطل المهمر

стр. 8761

كان والله كما قالت بنت رقيقة: من الهزج ألا ابكيه ألا ابكيه ... ألا كل الفتى فيه والله لوددت أنه بقي ما بقي أبو قبيس؛ لا يتحول له عقل، ولا تنتقص له قوة. قال: فعرفنا أن الشيخ قد استوحش له. قيل لمعاوية: من أسود الناس؟ قال: أسخاهم نفساً حين يسأل، وأحسنهم في المجالس خلقاً، وأحلمهم حين يستجهل. كان معاوية يتمثل بهذه الأبيات: من الوافر فما قتل السفاهة مثل حلم ... يعود به على الجهل الحليم فلا تسفه وإن ملئت غيظاً ... على أحد فإن الفحش لوم ولا تقطع أخاً لك عند ذنب ... فإن الذنب يغفره الكريم ذكر معاوية عند ابن عباس فقال: لله تلاد ابن هند، ما أكرم حسبه! وأكرم مقدرته! والله ما شتمنا على منبر قط، ولا بالأرض، ضناً منه بأحسابنا وحسبه. قال ابن عباس: قد علمت بما كان معاوية يغلب الناس، كانوا إذا طاروا وقع، وإذا وقعوا طار. قال زياد: ما غلبني معاوية في السياسة إلا في أمر واحد، استعمل رجلاً من بني تميم، فكسر

стр. 8762

الخراج، ولحق بمعاوية. فكتب إليه إن هذا أدب سوء، فابعث به إلي. فكتب إليه: لا يصلح أن نسوس الناس أنا وأنت بسياسة واحدة؛ فإنا إن نشتد نهلك الناس، ونخرجهم إلى أسوأ أخلاقهم، وإن لنا جميعاً أبطرهم ذلك، ولكن ألين وتشتد، وتلين وأشتد، فإذا خاف خائف وجد باباً يدخله. وفي حديث آخر: ولتكن للشدة والفظاظة والغلظة، وأكون أنا للين والألفة والرحمة. كتب عمرو بن العاص إلى معاوية يعاتبه في التأني، فكتب إليه معاوية: أما بعد؛ فإن التفهم زيادة ورشد، وإن الرشيد من رشد عن العجلة، وإن الخائب من خاب عن الأناة، وإن المتثبت مصيب، أو كاد يكون مصيباً، وإن العجل يخطئ، أو كاد يكون مخطئاً، وإنه من لا ينفعه الرفق يضره الخرق، ومن لا تنفعه التجارب لا يدرك المعالي، ولا يبلغ الرجل مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله، وصبره شهوته، ولا يبلغ ذلك إلا بقوة الحلم. قيل لمعاوية: إنا نراك تقدم حتى نقول يقبل، وتتأخر حتى نقول لا يرجع! قال: أتقدم ما كان التقدم غنماً، وأتأخر ما كان التأخر حزماً. قال بعض الشعراء: من الطويل شجاع إذا ما أمكنتني فرصة ... وإن لم يكن لي فرصة فجبان

стр. 8763

قيل لمعاوية: من أحلم أنت أو زياد؟ قال: إن زياداً لا يترك إلا من يفترق عليه، وأنا أتركه يفترق علي ثم أجمعه. قال الشعبي: كان دهاة العرب أربعة. فذكر أحدهم معاوية: فأما معاوية فكان يدبر الأمر فيقع بعد عشرين سنة. خرج عبد الملك بن مروان ومعه نافع بن جبير بن مطعم، فوقف على راهب فذكر الراهب الخلفاء، فأطرى معاوية، فقال عبد الملك لنافع: لشد ما أطرى ابن هند! فقال نافع: إن ابن هند أصمته الحلم وأنطقه العلم، بجأش ربيط، وكف ندية. قال قبيصة بن جابر قال: لم أعاشر أحداً كان أرحب باعاً بالمعروف منك يا معاوية. وعن جويرية قال: قعد معاوية وعمرو ذات يوم، فقال معاوية: ما شيء أصبته أحب إلي من عين فوارة في أرض خوارة أصبتها من صاحبها بطيب نفسه. فقال عمرو: لكني لست هكذا، ما شيء أصبته أحب إلي من أن أصبح عروساً بعقيلة من عقائل العرب. ورجل جالس فقال: لكني لست هكذا، ما شيء أصبته أحب إلي من الفضل على الإخوان. فقال معاوية: أنا أحق بها منك لا أم لك. قال: فقد قدرت يا أمير المؤمنين. قال سعيد بن عبد العزيز: قضى معاوية عن عائشة ثمانية عشر ألف دينار. بعث معاوية إلى عائشة مرة بمئة ألف، فما أمست من ذلك اليوم حتى فرقتها، فقالت مولاة لها: لو اشتريت لنا من هذه الدراهم بدرهم لحماً. فقالت: لو قلت لي قبل أن أفرقها فعلت.

стр. 8764

قال عطاء: قدمت عائشة مكة، فأرسل إليها معاوية بطوق قيمته مئة ألف فقبلته. دخل الحسن بن علي بن أبي طالب على معاوية فقال: أما والله لأجيزنك اليوم بجائزة لم أجزها أحداً من قبلك من العرب، ولا أجيزها بعدك. قال: فأعطاه أربع مئة ألف فأخذها. دخل الحسن والحسين على معاوية فأمر لهما في وقته بمئتي ألف درهم وقال: خذاها وأنا ابن هند، ما أعطاها أحد قبلي، ولا يعطيها أحد بعدي. قال: فأما الحسن فكان رجلاً مسكيناً، وأما الحسين فقال: والله ما أعطى أحد قبلك ولا أحد بعدك لرجلين أشرف ولا أفضل منا. أرسل الحسن بن علي وابن جعفر إلى معاوية يسألانه المال. فبعث بمئة ألف درهم، أو لكل رجل منهما بمئة ألف فبلغ ذلك علياً فقال لهما: ألا تستحيان! رجل يطعن في عينه غدوة وعشية، تسألانه المال! قال: لأنك حرمتنا وجاد لنا. كان معاوية إذا تلقى الحسن بن علي قال له: مرحباً وأهلاً بابن رسول الله ﷺ ، وإذا تلقى عبد الله بن الزبير قال له: مرحباً بابن عمة رسول الله ﷺ . وأمر للحسن بن علي بثلاث مئة ألف، ولعبد الله بن الزبير بمئة ألف. أمر معاوية للحسن بن علي بمئة ألف درهم، فذهب بها إليه، فقال لمن حوله: من أخذ شيئاً فهو له. وأمر للحسين بن علي بمئة ألف فذهب بها إليه وعنده عشرة فقسمها عليهم عشرة آلاف عشرة آلاف، وأمر لعبد الله بن جعفر بمئة ألف فذهب بها إليه. فأرسلت إليه امرأته أرسل بها إلي. فأرسل إليها: تعالي أنت وجواريك، وصفقن وخذنها. ففعلن، فأخذنها. فقال معاوية: ما كان عليه لو لم يفعل هذا. فأمر لمروان بن

стр. 8765

الحكم بمئة ألف، فذهب بها إليه فقسم خمسين ألفاً وحبس خمسين ألفاً، وأمر لعبد الله بن عمر بمئة ألف، فقسم تسعين ألفاً وحبس عشرة آلاف فقال معاوية: مقتصد يحب الاقتصاد. وأمر لعبد الله بن الزبير بمئة ألف، فذهب بها إليه الرسول فقال: من أمرك أن تجيء بها بالنهار؟ ألا جئت بها بالليل. فبلغت معاوية فقال: خب ضب، كأنك به قد رفع ذنبه فقطع. وكان الحسن والحسين ﵄ يقبلان جوائز معاوية. كان لعبد الله بن جعفر من معاوية ألف ألف في كل عام ومئة حاجة، يختم معاوية على أصل الأديم ثم يقول: اكتب يا بن جعفر ما بدا لك فقضى عاماً حوائجه وبقيت حاجة لأهل الحجاز. وقدم أصبهبذ سجستان يطلب إلى معاوية أن يملكه سجستان ويعطي من قضاء حاجته ألف ألف درهم، وعند معاوية يومئذ وفد العراق: الأحنف بن قيس، والمنذر بن الجارود، ومالك بن مسمع، فأتاهم الأصبهبذ فقال له الأحنف: أيسرك أن نغرك؟ قال: لا. قال: فإنا لسنا بأصحابك، ولكن ائت عبد الله بن جعفر، فإن كان بقي لك شيء من حوائجه جعله لك. فأتى ابن جعفر فذكر له حاجته. فقال: بقيت لي حاجة كانت لغيرك، فأما إذ قصدتني فهي لك. ودخل ابن جعفر على معاوية يودعه فقال: بقيت لي حاجة كنت جعلتها لأهل الحجاز فعرض فيها أصبهبذ سجستان، فأنا أحب أن تملكه. فقال معاوية: إنه يعطى على حاجته هذه ألف ألف درهم. قال أبن جعفر: فذاك أحرى أن تقضيها. فقال: قد قضيت حاجتك؛ يا سعد! اكتب له عهده على سجستان. فكتب له عهده، فأخذه ابن جعفر والدهقان على الباب ينتظر ابن جعفر، فخرج فأعطاه العهد، فحمل له الأصبهبذ إليه من غد ألف ألف درهم وسجد له، فقال له ابن جعفر: اسجد لله ، واحمل هذا المال إلى رحلك، فإنا أهل بيت لا نبيع المعروف بالمن. فبلغ معاوية فقال: لأن يكون يزيد قالها

стр. 8766

أحب إلي من خراج العراق! أبت بنو هاشم إلا كرماً. فقال ابن الزبير الأسدي: من الوافر تواكل حاجة الدهقان قوم ... هم الشفعاء من أهل العراق الأحنف وابن مسمع والمنادى ... به حين النفوس لدى التراقي وكان المنذر المأمول منهم ... وليس الدلو إلا بالعراق وقد أعطي عليها ألف ألف ... بنجح قضائها قبل الفراق فقالوا لا نطيق لها قضاء ... وليس لها سوى الضخم السياق فدونكها ابن جعفر فارتصدها ... وقد بقى من الحاجات باق فقد أدركت ما أملت منه ... فراح بنجحها رخو الخناق وجاء المرزبان بألف ألف ... فما زلت بصاحبنا المراقي فقال خدبها إنا أناس ... نرى الأموال كالماء المراق ولسنا نتبع المعروف منا ... ولا نبغي به ثمن المذاق كان لعبد الله بن جعفر من معاوية في كل سنة ألف ألف، فاجتمع عليه خمس مئة ألف دينار، فألح عليه غرماؤه فيها فاستأجلهم إلى أن يرحل إلى معاوية فأجلوه، فرحل إليه فمر بالمدينة على ابن الزبير فقال له: إلى أين؟ قال: أردت أمير المؤمنين يصل قرابتي ويقضي ديني. قال: لتجدنه متعبساً. فقال: بالله الثقة وعليه التوكل. فقال له ابن الزبير: هل لك في صاحب صدق؟ فقال: بالرحب والسعة. فرحلا جميعاً، فاستشرف أهل الشام عبد الله بن جعفر فقالوا: قدم ابن جعفر في غير وقته. فلما وصل استأذن على معاوية فأذن له، وأجلسه عن يمينه، ثم أذن لابن الزبير فأجلسه عن يمين ابن جعفر فساءله فأنعم السؤال ثم قال: ما أقدمك يا بن جعفر؟ قال: يا أمير المؤمنين

стр. 8767

تصل قرابتي وتقضي ديني. قال: وما دينك؟ قال: خمس مئة ألف. قال: قد فعلت. فأقبل عبد الله بن جعفر على ابن الزبير فقال: من الطويل لعمرك ما ألفيته متعبساً ... ولا ماله دون الصديق حراماً إذا ما ملمات الأمور احتوينه ... يفرج عنها كالهلال حسما فقال معاوية: كأنك مررت بابن الزبير فقال لك: أين تريد؟ فقلت: أمير المؤمنين يصل قرابتي ويقضي ديني، فقال لك لتجدنه متعبساً! فقال ابن جعفر: لا تظن إلا الخير يا أمير المؤمنين. فقال معاوية: يا ابن جعفر! من الكامل إني سمعت مع الصباح منادياً ... يا من يعين لما جد معوان طلب المروءة بالمروءة كلها ... حتى تحلق قي ذرى البنيان ما أقدمك يا بن الزبير؟ قال: يا أمير المؤمنين! تصل قرابتي وتقضي ديني. قال: وما دينك؟ قال: مئة ألف. قال: قد فعلت. ثم نهضا لقبضها فقال معاوية: يا بن جعفر، إن الألف ألف تأتيك لوقتها. قال ابن عباس لمعاوية: لا يخزيني الله ولا يسوؤني ما أبقى الله أمير المؤمنين. فأعطاه ألف ألف رقة وعروضاً وأشياء، وقال: خذها فاقسمها في أهلك. وعن قتادة قال: قال معاوية: واعجباً للحسن! شرب شربة من عسل يمانية بماء رومة فقضى نحبه! ثم قال لابن عباس: لا يخزيك الله ولا يسوؤك، ولا يخزيك في الحسن.

стр. 8768

فقال: أما ما أبقى الله لي أمير المؤمنين، فلن يسوءني الله، ولن يخزيني. فأعطاه ألف ألف ما بين عروض وعين. فقال: اقسم هذا في أهلك. قال عبد الله بن جعفر: كنت مع معاوية في خضراء دمشق، إذ طلعت رؤوس إبل من نقب المدينة فقال: مرحباً وأهلاً بفتيان من قريش، أنفقوا أموالهم في مروآتهم وأدنوا فيها، ثم قالوا: نأتي أمير المؤمنين فيخلف لنا أموالنا، ويقضي عنا ديوننا. والله لا يحلون عنده حتى يرجعوا بجميع ما سألوا. قال: فدخلوا على معاوية وأنيخت ركابهم، فخرجوا من عنده بحوائجهم حتى عادوا إلى ظهور رواحلهم منصرفين إلى أوطانهم. ثم شهدت عبد الملك بن مروان في تيك الخضراء، إذ طلعت رؤوس إبل من نقب المدينة، فقال عبد الملك: لا مرحباً ولا سهلاً، فتيان من فتيان المدينة، أنفقوا أموالهم وأدانوا فيها. فقالوا: نأتي أمير المؤمنين فيقضي عنا ديوننا، ويقرعنا للذاتنا. والله لا يحلون عنده حتى يرجعوا كما جاؤوا. قال: ثم أمر بهم فنخس بهم. قال: فعجبت لتباعد الأمرين مع قربهما. قيل لمعاوية: أيكم كان أشرف، أنتم أو بنو هاشم؟ قال: كنا أكثر أشرافاً وكانوا أشرف واحداً، لم يكن في بني عبد مناف مثل هاشم، فلما هلك كنا أكثر عدداً وأكثر أشرافاً، وكان فيهم عبد المطلب، ولم يكن فينا مثله، فصرنا أكثر عدداً وأكثر أشرافاً، ولم يكن فيهم واحد كواحدنا، وما كان إلا كقرار العين، حتى جاء شيء لم يسمع الأولون بمثله ولا يسمع الآخرون بمثله ﷺ .

стр. 8769

وعن مجالد بن سعيد أنه قال: رحم الله معاوية، ما كان أشد حبه للعرب! وعن ابن عباس: أن عمرو بن العاص قال لمعاوية بن أبي سفيان: رأيت فيما يرى النائم أبا بكر كئيباً حزيناً قد أخذ بضبعيه رجلان، قلت: بأبي أنت وأمي يا خليفة رسول الله ﷺ ! ما شأنك؟ أراك كئيباً حزيناً! قال: وكل بي هذان الرجلان ليحاسباني بما ترى. وإذا صحف ليس بالكثيرة، ورأيت عمر بن الخطاب كئيباً حزيناً، وقد أخذ بضبعيه رجلان، فقلت: بأبي وأمي أنت يا أمير المؤمنين! مالي أراك كئيباً حزيناً؟ قال: وكل بي هذان الرجلان ليحاسباني بما ترى. وإذا صحف مثل الحزورة - جبيل ليس بالضخم - ثم رأيت عثمان بن عثمان كئيباً حزيناً، فقال: وكل بي هذان يحاسباني بما ترى. وإذا صحف مثل الخندمة - جبل إذا دخلت البطحاء عن يسارك - ورأيتك يا معاوية كئيباً حزيناً وقد أخذ بضبعيك رجلان قد ألجمك العرق، فقلت: بأبي وأمي يا أمير المؤمنين! مالي أراك كئيباً حزيناً؟ فقلت: وكل بي هذان ليحاسباني بما ترى. وإذا صحف مثل أحد وثبير فقال معاوية: أما رأيت ثم دنانير مصر؟ قال العتبي: دخل عمرو بن العاص على معاوية وقد ورد عليه كتاب بعض ولاته فيه نعي رجل من السلف، فاسترجع معاوية فقال عمرو: من الوافر يموت الصالحون وأنت حي ... تخطأك المنايا لا تموت فقال معاوية: من الوافر أترجو أن أموت وأنت حي ... فلست بميت حتى تموت

стр. 8770

انحدر عبد الله وعمرو ابنا عتبة إلى البصرة، فلقيا معاوية بالكوفة قالا: فقال لنا: يا أبناء أخي اتقيا الله، فإنها تكفي من غيرها، واشتريا بالمعروف عرضكما من الأذى، وذللا ألسنتكما بالوعد، وصدقاها منكما بالفعال، واعلما أن الطلب وإن قل أعظم من الحاجة قدراً وإن عظمت، واعلماً أن أغنى الناس من كثرت حسناته وأفقرهم من كثرت سيئاته، وأنه لا وجع أشد من الذنوب، وأن الدهر ليس بغافل عن من غفل. قيل لابن السماك: أي الأعداء لا يحب أن يعود صديقاً؟ قال: من سبب عداوته النعمة؛ يعني الحاسد. ثم قال ابن السماك: قال معاوية: كل الناس أستطيع أن أرضيه إلا حاسد نعمة، فإنه لا يرضيه إلا زوالها. قال معاوية: المروءة ترك اللذة، وعصيان الهوى. وقال معاوية: المروءة في أربع: العفاف في الإسلام، واستصلاح المال، وحفظ الإخوان، وعون الجار. وقال معاوية لبنيه: يا بني إنكم تجار قوم لا تجارة لهم غيركم، فلا يكون تجار أربح منكم، فإن أدنى ما يرجع به الخائب عنكم تخطئة ظنه فيكم. كان عبد الصمد بن علي لا يخضب، فقيل له: لو خضبت؛ قال أتشبه بشيخ من بني عبد مناف، كان له شأن، فقيل له: علي؟ قال: لم أرد علياً، إنما عنيت معاوية، كان لا يخضب. كان معاوية يقول الشعر، فلما ولي الخلافة أتاه أهله فقالوا: قد بلغت الغاية فما تصنع بالشعر؟ ثم ارتاح يوماً فقال: من الوافر سرحت سفاهتي وأرحت حلمي ... وفي على تحملي اعتراض على أني أجيب إذا دعتني ... إلى حاجاتها الحدق المراض

стр. 8771

قال الشعبي: أول من خطب جالساً معاوية، حين كثر شحمه، وعظم بطنه. وقال ميمون: أول من جلس على المنبر معاوية، واستأذن الناس في القعود، فأذنوا له. قال إبراهيم: أول من جلس في الخطبة يوم الجمعة معاوية. قال سعيد بن المسيب: أول من أذن وأقام يوم الفطر والنحر معاوية، ولم يكن قبل ذلك أذان ولا إقامة. وعن أبي هريرة: أنه حدث خلاد بن رافع عن صلاة رسول الله ﷺ فوصفها له، يكبر إذا سجد، وإذا رفع رأسه كصلاة الهاشميين. قال له خلاد: فمن أول من ترك ذلك؟ قال: معاوية. وعن ابن شهاب قال: أول من أخذ الزكاة من الأعطية معاوية بن أبي سفيان. وعن أبي كريب قال: تمتع رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، وأول من نهى عنها معاوية. يعني متعة الحج. قالوا: ولم يكن للدور أبواب، كان أهل العراق وأهل مصر يأتون بقطراتهم، فيدخلون دور مكة فيربطون بها، وأول من بوب معاوية. سئل الزهري عن أول من قضى: لا يرث المسلم الكافر؟ قال: مضت السنة من النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، أن لا يرث المسلم

стр. 8772

الكافر ولا الكافر المسلم؛ وكان معاوية أول من قضى بأن المسلم يرث الكافر، وأن الكافر لا يرث المسلم؛ ثم قضى بذلك بنو أمية بعد معاوية حتى كان عمر بن عبد العزيز، فراجع السنة الأولى، وقضى بأن لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، ثم رد ذلك هشام بن عبد الملك إلى قضاء معاوية، وبنو أمية بعد. وقال الزهري: كانت السنة الأولى أن دية المعاهد كدية المسلم، فكان معاوية أول من قصرها إلى نصف الدية، وأخذ نصف الدية لنفسه. وقال ميمون: أول من وضع شرف العطاء فصيرها إلى عشرين ألفاً، وأول من قتل صبراً معاوية. وعن البراء قال: مر أبو سفيان بن حرب برسول الله ﷺ ومعاوية خلفه، ورسول الله ﷺ في قنة، وكان معاوية رجلاً مستهاً فقال رسول الله ﷺ : اللهم عليك بصاحب الأسنة. قال محمد بن كعب: إنا لجلوس مع البراء في مسجد الكوفة إذ دخل قاص، فجلس فقص، ثم دعا للخاصة والعامة، ثم دعا للخليفة، ومعاوية يومئذ الخليفة، فقلنا للبراء: يا أبا إبراهيم! دخل هذا فدعا للخاصة والعامة، ثم دعا لمعاوية فلم نسمعك قلت شيئاً! فقال: إنا شهدنا وغبتم، وعلمنا وجهلتم، إنا بينا نحن مع رسول الله ﷺ بحنين إذ أقبلت امرأة حتى وقفت على رسول الله ﷺ فقالت: إن أبا سفيان وابنه معاوية أخذا بعيراً لي فغيباه علي. فبعث رسول الله ﷺ رجلاً إلى أبي سفيان بن حرب ومعاوية: أن ردا على المرأة بعيرها. فأرسلا: إنا والله ما أخذناه، وما ندري أين هو. فعاد إليها الرسول فقالا: والله

стр. 8773

ما أخذناه وما ندري أين هو. فغضب رسول الله ﷺ حتى رأينا لوجهه ظلالاً ثم قال: انطلق إليهما فقل لهما: بل والله إنكما صاحباه، فأديا إلى المرأة بعيرها. فجاء الرسول إليهما وقد أناخا البعير وعقلاه فقالا: إنا والله ما أخذناه، ولكن طلبناه حتى أصبناه. فقال لهما رسول الله ﷺ : اذهبا. قال نبيح الغنزي: كنت عند أبي سعيد الخدري وهو متكئ، فذكرنا علياً ومعاوية، فتناول رجل معاوية، فاستوى جالساً ثم قال: كنا ننزل رفاقاً مع رسول الله ﷺ ، وكنت في رفقة أبي بكر، فنزلنا على أهل أبيات - أو قال: بيت - قال: وفيهم امرأة حبلى، ومعنا رجل من أهل البادية، فقال لها البدوي: أيسرك أن تلدي غلاماً إن جعلت لي شاة؟ فولدت غلاماً فأعطته شاة، فسجع لها أساجيع، فذبحت الشاة وطبخت، فأكلنا منها ومعنا أبو بكر، فذكر أمر الشاة، فرأيت أبا بكر متبرزاً مستنتلاً يتقيأ، ثم أتي عمر بذلك الرجل البدوي يهجو الأنصار فقال عمر: لولا أن له صحبة من رسول الله ﷺ لا أدري ما نال فيها لكفيتكموه، ولكن له صحبة. وعن الحسن قال: قلت: يا أبا سعيد! إن ناساً يشهدون على معاوية وذويه أنهم في النار! فقال: لعنهم الله، وما يدريهم أنهم في النار؟ وعن الزهري قال: سألت سعيد بن المسيب عن أصحاب رسول الله ﷺ فقال لي: اسمع يا زهري من مات محباً لأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وشهد للعشرة بالجنة، وترحم على معاوية، كان حقيقاً على الله أن لا يناقشه الحساب. وعن ابن يزيد قال: ذكر معاوية عند حسن بن حي، فنالوا منه، فقال حسن: لو لم تكفوا عن

стр. 8774

معاوية، ألا إنه كان من عمال عمر بن الخطاب، وقد كانت له برسول الله ﷺ مصاهرة. سئل ابن المبارك عن معاوية فقيل له: ما تقول فيه؟ قال: ما أقول في رجل قال رسول الله ﷺ : سمع الله لمن حمده. فقال معاوية من خلفه: ربنا ولك الحمد. فقيل له: ما تقول في معاوية؟ هو عندك أفضل أم عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لتراب في منخري معاوية مع رسول الله ﷺ خير - أو أفضل - من عمر بن عبد العزيز. سأل رجل المعافي بن عمران فقال: يا أبا مسعود! أين عمر بن عبد العزيز من معاوية؟ فغضب من ذلك غضباً شديداً وقال: لا يقاس بأصحاب رسول الله ﷺ أحد! معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحي الله ، وقد قال رسول الله ﷺ : دعوا لي أصحابي وأصهاري، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وفي رواية: فغضب وقال: يوم من معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز عمره. ثم التفت إليه فقال: تجعل رجلاً من أصحاب محمد ﷺ مثل رجل من التابعين! وفي رواية عن الفضل بن عنبسة: أنه سئل: معاوية أفضل أم عمر بن عبد العزيز؟ فعجب من ذلك وقال: سبحان اللهّ أأجعل من رأى رسول الله ﷺ كمن لم يره؟! قالها ثلاثاً. وقال عبد الله بن المبارك: معاوية عندنا محنة، فمن رأيناه ينظر إلى معاوية شزراً اتهمناه على القوم، أعني على أصحاب محمد ﷺ . جاء رجل سفيان فقال: ما تقول في شتم معاوية؟ قال: متى عهدك بشتيمة فرعون؟ قال: ما خطر ببالي. قال: ففرعون أولى بالشتم. قال الربيع بن نافع: معاوية ستر أصحاب النبي ﷺ ، فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه.

стр. 8775

وعن أحمد بن حنبل أنه قال: إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من أصحاب محمد ﷺ بسوء فاتهمه على الإسلام. سئل أبو عبد الله عن رجل انتقص معاوية وعمرو بن العاص، أيقال له رافضي؟ قال: إنه لم يجتر عليهما إلا وله خبيئة سوء، ما يبغض أحد أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ إلا وله داخلة سوء. قال وكيع: معاوية بمنزلة حلقة الباب، من حركه اتهمناه على من فوقه. قال جعدة بن هبيرة في مرضه الذي هلك فيه لعواده وجلسائه: إني قد أدركت ما لم تدركوا، وعلمت ما لم تعلموا، إنه سيكون بعد هذا أمراء - يعني معاوية - ليسوا من ضربائه، ولا من رجاله، ليس منهم إلا أصعر أو أبتر، حتى تقوم الساعة، ألا وإن السلطان سلطان الله، جعله الله، ليس أنتم جعلتموه، ألا وإن للراعي على الرعية حقاً، وللرعية على الراعي حقاً، فأدوا إليهم حقهم، وإن ظلموكم حقكم فكلوهم إلى الله، فإنكم وإياهم مختصمون يوم القيامة، وإن الخصم لصاحبه، الذي أدى الحق الذي عليه في الدنيا. ثم قرأ: " فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين، فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين، والوزن يومئذ القسط ". قال أبو جعفر الرازي: وقع إلينا شيخ بخراسان ممن لقي بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، فسأله يزيد النخوي عن آية من كتاب الله، فقرأ فلحن، فقال يزيد: تلحن؟! فقال: إني سمعت

стр. 8776

الله عير بالذنب ولم أسمعه عير باللحن. فقال له يزيد: ما شهادتك على معاوية؟ قال: أنا على دين نوح " إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون ". قال إبراهيم بن ميسرة: ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنساناً قط إلا إنساناً شتم معاوية، فإنه ضربه أسواطاً. قال محمد بن الحسن: بينما أنا فوق جبل الأسود بالشام ناحية البحر إذ هتف هاتف وهو يقول: من أبغض الصديق فذاك زنديق، من أبغض عمر إلى جهنم زمر، من أبغض عثمان فذاك خصمه الرحمان، من أبغض علياً فذاك خصمه النبي، من أبغض معاوية تسحبه الزبانية، إلى نار الله الحامية، في السر والعلانية، ويرمى به في الهاوية، هكذا جزاء الرافضة، احذروا سلم العشرة، ممن سبقوا إلى الله وإلى الرسول، فهم خيرة الله من خلقه. قال الفقيه أبو طاهر الحسين بن منصور بن محمد بن يعقوب - وكان رجلاً سنياً شفعوياً، إلا أنه كان يتشيع قليلاً - قال: كنت أبغض معاوية وألعنه، فرأيت النبي ﷺ في النوم كأنه دخل داري، وفي الدار حمام، دخل الحمام واغتسل، فلما خرج من الحمام ركب بغلة، وكان بين يديه رجل قائم أصفر اللون، فسلمت على النبي ﷺ فقال لي: يا أبا طاهر لا تلعنه ولا تبغضه. قلت: من هو يا رسول الله؟ قال: هو معاوية بن أبي سفيان، أخي، كاتب الوحي. قال محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب - وكان من الأبدال - قال: رأيت النبي ﷺ في النوم جالساً، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي جلوس معه،

стр. 8777

ومعاوية قائم بين يديه، فأتي برجل، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! هذا يذكرنا وينتقصنا. فكأن النبي ﷺ انتهر الرجل - قال الحميدي: وكنت أعرف الرجل - فقال الرجل: أما هؤلاء فلا، ولكن هذا - يعني معاوية - فقال رسول الله ﷺ : ويلك! أو ليس معاوية من أصحابي؟! ويلك أو ليس معاوية من أصحابي؟! - ثلاثاً - وفي يد رسول الله ﷺ حربة، فدفعها إلى معاوية وقال: جأ بهذه في لبته. فوجأ بها في لبته؛ وانتبهت، فبكرت إلي منزل الرجل، فإذا الذبحة قد طرقته ومات في الليل. قال أبو عمرو: بلغني أن هذا الرجل راشد الكندي. قال إبراهيم بن الأشعث: ما سمعت الفضيل قط ذكر النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح إلا بكى وتنفس، أو رئي فيه الحزن. وكان إذا ذكر علياً وعثمان دمعت عيناه وأكثر الترحم عليهما، وسمعته يترحم على معاوية ويقول: كان من العلماء الكبار، من أصحاب النبي ﷺ ، ولكن ابتلي بحب الدنيا. قال العتبي: قيل لمعاوية: أسرع إليك الشيب. فقال: كيف لا يسرع إلي الشيب، ولا أعدم رجلاً من العرب قائماً على رأسي، يلقح لي كلاماً يلزمني جوابه، فإن أنا أصبت لم أحمد وإن أنا أخطأت سارت به البرد. وعن معاوية قال: لقد نتفت الشيب كذا وكذا سنة. وكان يخرج إلى مصلاه ورداؤه يحمل، فإذا دخل مصلاه جعل عليه، قال: وذاك من الكبر. ودخل عليه إنسان وهو يبكي فقال: ما يبكيك؟ قال: هذا الذي كنتم تمنون لي.

стр. 8778

قال يزيد بن أبي زياد: خرج معاوية حاجاً، فاطلع في بئر عادية فأصابته اللقوة، فخرج على الناس معصباً وجهه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إن ابن آدم بعرض بلاء؛ إما معافى فيشكر، وإما مبتلى فيصبر، وإما معاقب بذنب؛ ولست أعتذر من إحدى ثلاث: إن ابتليت فقد ابتلي الصالحون قبلي، وآمل أن أكون منهم، ولئن عوفيت فلقد عوفي الخطاؤون قبلي، وما آمن أن أكون أحدهم، ولئن ابتليت في أحسني فما أحصي صحيحي وإما أن تكون عقوبة من ربي. زاد في غيره: ولو كان الأمر إلى نفسي ما كان لي على ربي أكثر مما أعطاني، فأنا ابن بضع وستين، فرحم الله عبداً دعا لي بالعافية، فو الله لئن عتب علي بعض خاصتكم لقد كنت حدباً على عامتكم. قال: فعج الناس يدعون له، فبكى معاوية، فلما خرجوا من عنده قال له مروان بن الحكم: يا أمير المؤمنين! لم بكيت؟ قال: يا مروان! كبر سني، ودق عظمي، وابتليت في أحسن ما يبدو مني، وخشيت أن تكون عقوبة من ربي، ولولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي. وعن عبادة بن نسي قال: خطبنا معاوية بالصنبرة، قال: لقد شهد معي صفين ثلاث مئة من أصحاب رسول الله ﷺ ، ما بقي منهم أحد غيري، وإنما ذلك فناء قربي، وإن فناء الرجل فناء قرنه. ثم ودعنا وصعد الثنية، فكان آخر العهد به.

стр. 8779

ومن حديثين، عن عبادة بن نسي، وثمامة بن كلثوم: أن آخر خطبة خطبها معاوية أن قال: أيها الناس! إني من زرع قد استحصد، وقد طالت إمرتي عليكم حتى مللتموني ومللتكم، وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقي، وإني قد وليتكم ولن يليكم أحد بعدي إلا من هو شر مني، كما كان من قبلي خيراً مني، وقد قيل: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. اللهم إني قد أحببت لقاءك فأحب لقائي؛ ويا يزيد! إذا وفى أجلي فول غسلي رجلاً لبيباً، فإن اللبيب من الله بمكان فلينعم الغسل وليجهر بالتكبير، ثم اعمد إلى منديل في الخزانة، فيه ثوب من ثياب النبي ﷺ ، وقراضة من شعره وأظفاره، فاستودع القراضة أنفي وفمي وأذني وعيني، واجعل الثوب يلي جلدي دون أكفاني؛ ويا يزيد! احفظ وصية الله في الوالدين، فإذا أدرجتموني في جريدتي، ووضعتموني في حفرتي فخلوا معاوية وأرحم الراحمين. وفي رواية: وقطعوا تلك القلامة، واسحقوها واجعلوها في عيني، فعسى. كان أبو هريرة يمشي في سوق المدينة وهو يقول: اللهم لا تدركني سنة الستين، ويحكم، تمسكوا بصدغي معاوية، اللهم لا تدركني إمارة الصبيان. ولما احتضر معاوية جعل يقول: من الطويل لعمري لقد عمرت في الملك برهة ... ودانت لي الدنيا بوقع البواتر وأعطيت جم المال والحكم والنهى ... وسلم قماقيم الملوك الجبابر فأضحى الذي قد كان مما يسرني ... كحلم مضى في المزمنات الغوابر فيا ليتني لم أعن في الملك ساعة ... ولم أعن في لذات عيش نواضر

стр. 8780

وكنت كذي طمرين عاش ببلغة ... من الدهر حتى زار ضنك المقابر وتمثل وقد تعرى ورأى تحول جسمه وتغيره فقال: من مجزوء الرجز أرى الليالي مسرعات النقض حنين طولي وركبن بعضي أقعدنني من بعد طول النهض قال عمرو بن عتبة: لما اشتكى معاوية شكاته التي هلك فيها أرسل إلى أناس من بني أمية، فخص ولم يعم فقال: يا بني أمية! إنه لما قرب مالم يكن بعيداً وخفت إن يسبقكم الموت إلي سبقته بالموعظة إليكم، لا لأرد قدراً، ولكن لأبلغ عذراً؛ لو وزنت بالدنيا لرجحت بها، ولكني وزنت بالآخرة فرجحت بي، إن الذي أخلف لكم من الدنيا أمر ستشاركون فيه، أو تغلبون عليه، والذي أخلف عليكم من رأي أمر مقصور عليكم نفعه إن فعلتموه، مخوف عليكم ضرره إن ضيعتموه، فاجعلوا مكافأتي قبول وصيتي: إن قريشاً شاركتكم في نسبكم، وبنتم منها بفعالكم، فقدمكم ما تقدمتم فيه، إذ أخر غيركم ما تأخروا له، وبالله لقد جهر لي فعلمت، ونغم لي ففهمت، حتى كأني أنظر إلى أبنائكم بعدكم نظري إلى آبائهم قبلهم، إن دولتكم ستطول، وكل طويل مملول وكل مملول مخذول، فإذا انقضت مدتكم كان أول

стр. 8781

تخاذلكم فيما بينكم، واجتماع المختلفين عليكم، فيدبر الأمر بضد الحسن الذي أقبل به، فلست أذكر عظيماً يركب منه، ولا حرمة تنتهك إلا والذي أكف عن ذكره أعظم، فلا معول عليه عند ذلك أفضل من الصبر، وتوقع النصر، واحتساب الأجر فيما دكم القوم دولتهم، امتداد الغنانين في عنق الجواد، فإذا بلغ الله بالأمر أمده، وجاء الوقت المحتوم، كانت الولة كالإناء المكفو، فعندها أوصيكم بتقوى الله الذي لم يتقه غيركم فيكم، فجعل العافية لكم والعافية للمتقين. ولما احتضر معاوية أوصى بنصف ماله أن يرد إلى بيت المال، كأنه أراد أن يطيب له، لأن عمر بن الخطاب قاسم عماله. ولما كبر معاوية خرجت به قرحة في ظهره، فكان إذا لبس دثاراً ثقيلاً - والشام أرض باردة - أثقله ذلك وغمه، فقال: اصنعوا لي دثاراً خفيفاً دفياً من هذه السخال، فصنع له، فلما ألقي عليه سار إليه ساعة ثم غمه فقال: جافوه عني. ثم لبسه ثم غمه، فألقاه، ففعل ذلك مراراً ثم قال: قبحك الله من دار، ملكتك أربعين سنة، عشرين خليفة، وعشرين إمارة، ثم صيرتني إلى ما أرى! قبحك الله من دار. وقيل: إنه أصابته قرة شديدة في مرضه، فألقي عليه ثوب حواصل، فأدفأه، وخف عليه فما لبث أن ثقل عليه فقال ما قال. دخل عمرو بن سعيد على معاوية في مرضه الذي مات فيه فقال: يا أمير

стр. 8782

المؤمنين! ما رأيت أحداً من أهل بيتك في مثل حالك إلا مات. فقال معاوية: من الوافر فإن المرء لم يخلق حديداً ... ولا هضباً توقله الوبار ولكن كالشهاب يرى ويخبو ... وحادي الموت عنه ما يحار فهل من خالد إما هلكنا ... وهل بالموت يا للناس عار قال عبد الملك بن عمير: لما ثقل معاوية، وتحدث الناس أنه بالموت قال لأهله: احشوا عيني إثمداً، وأوسعوا رأسي دهناً، ففعلوا وبرقوا وجهه بالدهن، ثم مهد له، فجلس فقال: أسندوني. ثم قال: ائذنوا للناس فليسلموا قياماً ولا يجلس أحد. فجعل الرجل يدخل فيسلم قائماً، فرآه متكحلاً متدهناً فيقول الناس: هو لما به، وهو أصح الناس! فلما خرجوا من عنده قال معاوية: من الكامل وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لاتنفع

стр. 8783

قال: وكان به النفاثة، فمات من يومه ذلك. ولما مرض معاوية أخرج يديه كأنهما عسيبا نخل فقال: هل الدنيا إلا ما ذقنا وجربنا؟ والله لوددت أني لم أغبر فيكم إلا ثلاثاً ثم ألحق بالله . قالوا: يا أمير المؤمنين! إلى رحمة الله ورضوانه. فقال معاوية: إلى ما شاء الله من قضاء قضاه لي، قد يعلم الله أني لم آل. ولو أراد أن يغير لغير. قال محمد بن عقبة: كان معاوية أميراً عشرين سنة، وخليفة عشرين سنة، فلما نزل به الموت قال: ليتني كنت رجلاً من قريش بذي طوى وأني لم أل من هذا الأمر شيئاً. قال أبو السائب المخزومي: لما حضرت معاوية الوفاة تمثل: من الخفيف إن تناقش يكن نقاشك يا رب ... ب عذاباً لا طوق لي بالعذاب أو تجاوز تجاوز العفو فاصفح ... عن مسيء ذنوبه كالتراب قال أبو عبد الله بن المنادر: تمثل معاوية عند الموت: من المنسرح لو فات شيء يرى لفات أبو ... حيان لا عاجز ولا وكل الحول القلب الأريب ولا ... يدفع ريب المنية الحيل

стр. 8784

وعن عوانة قال: لما حضرت معاوية الوفاة احتوشه أهله فقال لهم وهم يقلبونه: إنكم لتقلبون أمراً حولاً قلباً إن نجا من النار غداً. ثم قال: من البسيط: لقد جمعت لكم من جمع ذي نشب ... وقد كفيتكم الترحال والنصبا وقال أبو بردة: قال معاوية وهو يقلب في مرضه، وقد صار كأنه سعفة محترقة: أي شيخ تقلبون إن نجاه الله من النار غداً. وفي رواية: إن وقي كبة النار. قال ابن الأعرابي: تقدم رجلان إلى معاوية فادعى أحدهما على صاحبه مالاً، وكان المدعى قبله حولاً قلباً مخلطاً مزيلاً، فأنشأ معاوية يقول: من البسيط أنى أتيح لها حرباء تنضبة ... لا يرسل الساق إلا ممسكاً ساقا

стр. 8785

ثم دعا بمال، فأعطى المدعي وفرق بينهما. قال محمد بن سيرين: لما مرض معاوية نزل عن السرير، فكشف ما بينه وبين الأرض، وجعل يلزق ذا الخد مرة بالأرض، وذا الخد مرة بالأرض، ويبكي ويقول: اللهم إنك قلت في كتابك الكريم: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " فاجعلني ممن تشاء أن تغفر لهم. ولما حضر معاوية الموت تمثل: من الطويل هو الموت لا منجى من الموت والذي ... أحاذر بعد الموت أدهى وأفظع ثم قال: اللهم أقل العثرة، واعف عن الزلة وعد بحلمك على من لا يرجو غيرك، فإنك واسع المغفرة، ليس من خطيئة مهرب إلا إليك. قال ابن عباس: ولما احتضر معاوية قال: يا بني! إني كنت مع رسول الله ﷺ على الصفا، وإني دعوت بمشقص، فأخذت من شعره وهو في موضع كذا وكذا، فإذا أنا مت فخذ ذلك الشعر، فاحشوا به فمي ومنخري. قالوا: ولما قال ذلك تمثلت ابنته: من الطويل إذا مت مات الجود وانقطع الندى ... من الناس إلا من قليل مصرد وردت أكف السائلين وأمسكوا ... من الدين والدنيا بخلف مجدد

стр. 8786

كلا يا أمير المؤمنين، يدفع الله عنك. فقال معاوية متمثلا: من الكامل وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع ثم أغمي عليه، ثم أفاق، فقال لمن حضره من أهله: اتقوا الله فإن الله يقي من اتقاه، ولا تقى لمن لا يتقي الله. ثم قضى ﵀. قال مكحول: لما حضرت معاوية الوفاة جمع بنيه وولده ثم قال لأم ولد له: أريني الوديعة التي استودعتك إياها. قال: فجاءت بسفط مختوم، مقفلاً عليه، قال: فظننا أن فيه جوهراً، فقال: إنما كنت أدخر هذا لهذا اليوم. ثم قال: افتحيه. ففتحته فإذا منديل عليه ثلاثة أثواب فقال: هذا قميص رسول الله ﷺ كساني، وهذا رداء رسول الله ﷺ كساني لما قدم من حجة الوداع. قال: ثم مكثت بعد ذلك ملياً ثم قلت: يا رسول الله! اكسني هذا الإزار الذي عليك. قال: إذا ذهبت إلى البيت أرسلت به إليك يا معاوية. قال: ثم إن رسول الله ﷺ أرسل به إلي، ثم إن رسول الله ﷺ دعا الحجام، فأخذ من شعره ولحيته فقلت: يا رسول الله هب لي هذا الشعر. قال: خذه يا معاوية. فهو مصرور في طرف الرداء، فإذا أنا مت، فكفنوني في قميص رسول الله ﷺ وأدرجوني في ردائه وأزروني بإزاره، وخذوا من شعر رسول الله ﷺ فاحشوا به شدقي ومنخري وذروا سائره على صدري، وخلوا بيني وبين رحمة أرحم الراحمين. وعن الشافعي قال: كان يزيد في بعض المواضع، فجاءه الرسول بمرض معاوية، فركب وهو يقول: من البسيط

стр. 8787

جاء البريد بقرطاس يخب به ... فأوجس القلب من قرطاسه فزعا وقال: إنه حضر ودخل إلى معاوية وهو مغمور. قالوا: والصحيح أن يزيد لم يدركه حياً وإنما جاء بعد موته. ولما مات معاوية أخرجت أكفانه فوضعت على المنبر، ثم قام الضحاك بن قيس الفهري خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن أمير المؤمنين معاوية كان في جد العرب، وعوذ العرب؛ وحد العرب، قطع الله به الفتنة وملكه على العباد، وسير جنوده في البر والبحر، وبسط به الدنيا، وكان عبداً من عبيد الله، دعاه الله فأجابه، فقد قضى نحبه رحمة الله عليه، وهذه أكفانه، فنحن مدرجوه فيها ومدخلوه قبره، ومخلوه وعمله فيما بينه وبين ربه، إن شاء رحمه، وإن شاء عذبه، ثم هو الهرج إلى يوم القيامة، فمن أراد حضوره بعد الظهر فليحضره، فإنا رائحون به. وصلى عليه الضحاك بن قيس الفهري، وكان يزيد غائباً حين مات معاوية بحوارين، فلما ثقل معاوية أرسل إليه الضحاك، فقدم وقد مات معاوية ودفن، فلم يأت منزله حتى أتى قبره، فصلى عليه ودعا له، ثم أتى منزله فقال: من البسيط

стр. 8788

جاء البريد بقرطاس يخب به ... فأوجس القلب من قرطاسه فزعا قلنا لك الويل ماذا في صحيفتكم ... قالوا الخليفة أمسى مثبتاً وجعا فمادت الأرض أو كادت تميد بنا ... كأن أعين من أركانها انقلعا لما انتهينا وباب الدار منصفق ... لصوت رملة ريع القلب فانصدعا من لا تزل نفسه توفي على شرف ... توشك مقادير تلك النفس أن تقعا أودى ابن هند وأودى المجد يتبعه ... كانا تكونا جميعاً قاطنين معاً أغر أبلج يستسقي الغمام به ... لو قارع الناس عن أحلامهم قرعا وما أبالي إذا أدركن مهجته ... ما مات منهن بالبيداء أو ظلعا ثم خطب يزيد الناس فقال: إن معاوية كان عبداً من عبيد الله، أنعم الله عليه ثم قبضع الله، وهو خير ممن بعده، ودون من قبله، ولا أزكيه على الله، هو أعلم به، إن عفا عنه فبرحمته، وإن عاقبه فبذنبه، وقد وليت الأمر من بعده، ولست آسى على طلب، ولا أعتذر من تفريط، وإذا أراد الله شيئاً كان. اذكروا الله واستغفروه. فقال أبو الورد العنبري يرثي معاوية: من الوافر ألا أنعى معاوية بن حرب ... نعاة الحل للشهر الحرام نعاه الناعجات بكل فج ... خواضع في الأزمة كالسهام فهاتيك النجوم وهن خرس ... ينحن على معاوية الشآمي

стр. 8789

وقال أيمن بن خريم: من الوافر رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا ورد شعورهن السود بيضاً ... ورد وجوههن البيض سودا فإنك لو شهدت بكاء هند ... ورملة إذ يصفقن الخدودا بكيت بكاء معولة قريح ... أصاب الدهر واحدها الفريدا قال سعيد بن حريث: لما كان الغداة التي مات معاوية في ليلتها فزع الناس إلى المسجد، ولم يكن خليفة قبله في الشام غيره، فلما ارتفع النهار وهم يبكون في الخضراء، وابنه يزيد غائب في البرية، وهو ولي عهده، وكان خليفته على دمشق الضحاك بن قيس إذ قعقع باب النحاس الذي يخرج إلى المسجد من الخضراء، فدلف الناس إلى المقصورة، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا رجل على يده اليسرى ثياب ملفوفة، فإذا هو الضحاك بن قيس، فاتكأ على المنبر بيده اليسرى، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إني قائل لكم قولاً، فرحم الله امرأ وعى ما سمع مني، تعلمون أن معاوية كان حد العرب، مكن الله له في البر والبحر، وأذاقكم معه الخفض والطمأنينة، ولذاذة العيش - وأهوى بيده إلى فيه - وإنه هلك ﵀ وهذه أكفانه على يدي ونحن مدرجوه فيها ودافنوه وإياها، ثم هي البلايا والملاحم والفتن، وما توعدون إلى يوم القيامة. ثم دخل الخضراء، فلم يخرج إلا لصلاة الظهر، فصلى ثم أخرجوا جنازة معاوية،

стр. 8790

فدفنوه، فلبثنا حتى كان مثل يوم الجمعة، فبلغنا أن ابن الزبير خرج بالمدينة وحارب، وكان معاوية قد غشي عليه قبل ذلك غشية، فركب به الركبان، فلما بلغ ذلك ابن الزبير خرج، ثم كان مثل ذلك اليوم الجمعة المقبلة صلى بنا الضحاك بن قيس الظهر، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: تعلمون أن خليفتكم يزيد بن معاوية، قد أظلكم، ونحن خارجون غداً وملتقوه، فمن أحب أن يتلقاه معنا فعل. فركبنا الصبح، وسار إلى ثنية العقاب، وما بين باب توما وبين ثنية العقاب بيت مبني بقرى إلى قرى العجم، فلما صعدنا في ثنية العقاب إذا بأثقال يزيد قد تحدرت في الثنية، ثم سرنا غير كثير، فإذا يزيد في ركب من أخواله من كلب، وهو على بختي له رحل ورائطة مثنية في عنقه، ليس عليه سيف ولا عمامة، وكان رجلاً كثير اللحم، عظيم الجسم، كثير الشحم، كثير الشعر، وقد أجفل شعره وشعث، فسلم الناس عليه وعزوه، ودنا منه الضحاك بن قيس بين أيديهم فليس منا أحد يتبين كلامه، إلا أنا نرى فيه الكآبة والحزن وخفض الصوت، والناس يعيبون منه ذلك ويقولون: هذا الأعرابي الذي ولاه أمر الناس، والله سائله عنه! وسار مقبلاً إلى دمشق فقلنا: يدخل من باب توما، حتى دنا منها فلم يفعل، ومضى مع الحائط إلى باب الشرقي، فقال الناس: يدخل من باب الشرقي، فإنه باب خالد بن الوليد الذي دخل منه حين فتح. فلما دنا من الباب أجازه إلى باب كيسان، ثم أجاز باب كيسان إلى باب الصغير، فلما وافى الباب رمى بزمام بختيته فاستناخ ثم تورك فبرك، ونزل الضحاك بن قيس، ومضى يمشي بين يديه إلى قبر معاوية، فصلى عليه وصففنا خلفه، وكبر أربعاً ثم أمر بنعليه حين خرج من المقابر فركبها حتى أتى الخضراء ثم أذن المؤذن الصلاة جامعة، لصلاة الظهر، وقد اغتسل ولبس ثياباً نقية وجلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر موت معاوية قال: إن
следующие страницы →