Полный текст (10 576 стр.). Показаны 8996–9035 · переход к 9001.
стр. 8996
موسى بن عبد الرحمن بن موسى بن محمد
ويقال ابن صالح، أبو عمران الصباغ إمام جامع بيروت.
حدث عن الحسن بن جرير بسنده إلى عقبة بن عامر: أن رجلاً سأل النبي ﷺ : أي الناس خير؟ قال: من يطعم الطعام، ويقرئ السلام على من عرف ومن لم يعرف.
وحدث عن عثمان بان خرزاذ بسنده إلى أنس أن النبي ﷺ قال: حبب إلي النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة.
موسى بن عبد العزيز بن الرماح الدمشقي
حث عن سفيان بن عيينة بسنده إلى ابن عباس قال: لما قتل ابن آدم أخاه قال آدم صلى الله على نبينا ولعيه السلام: من الوافر
تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي طعم ولون ... وفات بشاشة الوجه الصبيح
قتل قابيل هابيلاً أخاه ... فواحزني على الوجه المليح
فأجابه إبليس لعنه الله: من الوافر
стр. 8997
تنح عن البلاد وساكنيها ... فبي في الخلد ضاق بك السيح
وكنت بها وزوجك في رخاء ... وقلبك من أذى الدنيا مريح
فما انفكت مكايدتي ومكري ... إلى أن فاتك الثمن الربيح
فلولا رحمة الجبار أضحى ... بكفي من جنان الخلد ريح
موسى بن عبد الملك بن هشام أبو الحسين الكاتب من كتاب المتوكل، ورد معه دمشق.
قال موسى بن عبد الملك: رايت في النوم وأنا في الحبس قائلاً يقولك من مخلع البسيط
لا زلت تعلو بك الجدد ... نعم وحفت بك السعود
أبشر فقد آن ما تريد ... يبيد أعداءك المبيد
لم يمهلوا ثم لم يقاتلوا ... والله يأتي بما تريد
فاصبر فصبر الفتى حميد ... واشكر فمع شكرك المزيد
توفي أبو الحسين بن عبد الملك بالفالج سنة سبع وأربعين ومئتين.
موسى بن عقبة أبو محمد المدني مولى آل الزبير، صاحب المغازي.
حدث عن أم خالد بنت خالد - قال: لم أسمع أحداً يقول سمعت رسول الله ﷺ غيرها - قالت: سمعت النبي ﷺ يتعوذ من عذاب القبر.
كان بالمدينة شيخ يقال له شرحبيل أبو سعد، وكان من أعلم الناس بالمغازي، فاتهموه أن يكون يجعل لمن لا سابقة له سابقة، وكان قد أحتاج فأسقطوا مغازيه وعلمه،
стр. 8998
فسمع بذلك موسى بن عقبة فقال: وإن الناس قد اجترؤوا على هذا! فدب على كبر سنه وقيد من شهد بدراً فاحداً، ومن هاجر إل أرض الحبشة والمدينة، وكتب ذلك.
كان مالك إذا سئل عن المغازي قال: عليك بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة، فإنه أصح المغازي.
قال المسور بن عبد الملك المخزومي لمالك: يا أبا عبد الله! فلان كلمني يعرض عليك وقد شهد جده بدراً. فقال مالك: لا أدري ما تقولون، من كان في كتاب موسى بن عقبة قد شهد بدراً فقد شهد بدراً، ومن لم يكن في كتاب موسى بن عقبة فلم يشهد بدراً.
وعن هشام بن عروة قال: إنما كنت أجيء إلى المدينة من أجل موسى بن عقبة أنها، فلما مات موسى بن عقبة تركت المدينة، وكان مؤاخياً له، وكان هشام بن عروة إذا قدم المدينة أخلوا له مصلى النبي ﷺ .
توفي موسى بن عقبة سنة إحدى وأربعين، اثنتين وأربعين ومئة.
موسى بن علي بن رباح بن قصير
ابن القشيب بن يثيع بن أزدة بن حجر بن جزيلة ابن لخم بن عمرو أبو عبد الرحمن اللخمي المصري زفد على هشام بن عبد الملك من المغرب، وولي مصر للمنصور سنة تسني.
حدث عن أبيه بسنده إلى عمر قال: قال رسول الله ﷺ : فضل ما بين صيامكم وصيام أهل الكتاب أكلة السحر.
وحدث عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله ﷺ قال: الحسد في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فقام به، وأحل حلاله وحرم حرامه؛
стр. 8999
ورجل آتاه اله مالاً، فوصل به أقرباءه ورحمه، وعمل بطاعة الله؛ تمنى أن يكون مثله. ومن تكن فيه أربع فلا يضره مازوي عنه من الدنيا: حشن خليقة، وعفاف، وصدق حديث، وحفظ أمانة.
وعلي، بضم العين وفتح اللام، وكان يكره أن يقال له علي، ويقول: لا أجعل في حل من ينسبني إلى علي، أنا ابن علي بن رباح، ومن قال علي فقد اغتابني.
ولد موسى بن علي سنة سبع وثمانين، وتوفي سنة ثلاث وستين ومئة بالإسكندرية. وكان رجلاً صالحاً يتقن حديثه، من ثقات المصريين.
موسى بن علي بن محمد بن علي
أبو عمران النحوي الصقلي حدث عن عبد بن أحمد بسنده إلى بكير بن وهب الجزري قال: قال لي أنس: إني أحدثك حديثاً ما حدثته كل أحد، إن رسول الله ﷺ قام على باب بيت ونحن فيه فقال: الأئمة من قريش من بعدي، إن لهم عليكم حقاً، ولكم عليهم مثل ذلك، ما إن استرحموا رحموا، وإن عاهدوا اوفوا، وإن حكموا عدلوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجميعن.
قال أبو عمران: حفظت القرآن ولي تسع سنين، وجودته ولي إحدى عشرة سنة.
وتوفي أبو عمران سنة سبعين وأربع مئة.
стр. 9000
موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث
ويقال: عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم الخليل كليم الرحمن صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم روي أن قبره بين عليه وعويله وهما محلتان كانتا بقرب مسجد القدم.
ويقال إنه رئي في النوم قبره فيه، والصح أن قبره بيته بني إسرائيل وسأتي الاختلاف فيه.
والأطوار التي كلم الله تعالى موسى ﵇ عليها أربعة أطوار: طور سيناء وهو في البية بالقرب من بحر قلزم، والطور الذي ببيت المقدس، والطور الذي في طبرية عند أكسال، والطور الذي بدمشق، وهو جبل كوكب موضع الكنيسة الخربة، وقد بني في هذه المواضع كنائس باقية إلى الساعة إلا كنيسة كوكباً فإنها خراب.
روي أنه أول نبي بعث: إدريس، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم إسماعيل وإسحاق ويعقوب بن إسحاق، ثم يوسف بن يعقوب، ثم لوط، ثم هود، ثم صالح، ثم شعيب، ثم موسى وهارون.
وكان حاز حزا لفرعون فقال: إنه يولد في هذا العام غلام يذهب بملككم، وكان فرعون يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم حذراً لقول الحازي، وذلك قول اله : ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ومجعلهم الوارثين " إلى قوله: " يحذون " قوله: " ونجلعهم الوارثين " أي يرثوا الأرض بعد فرعون. قال: " وأوحينا إلى أم موسى " قال: قرر في نفسها " أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم " إلى قوله: " وهم لا يشعرون " قال: لا يشعرون أن هلالاكهم على
стр. 9001
يديه. وقوله: " لولا أن ربطنا على قلبها " قال: ربط الله على قلبها بالإيمان. وقوله: " وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً "، قال: من كل شيء إلا من ذكر موسى، و" إن كادت لتبدي به " فتقول: وابنياه.
ولما أكثر فرعون القتل في بني إسرائيل، ورأى عظماء قومه ما يصنع اجتمع نفر من عظمائهم وأشرافهم وذوي السن منهم، وقال بعضهم لبعض: ألا ترون إلى الملك يذبح الصغير من بني إسرائيل، وأن الكبار يموتون بآجالهم، وقد أسرع القوابل في نساء بنس إسرائيل وأمرهن أن لا يسقط على ايديهن وليد من بني إسرائيل إلا ذبحوه، وقد ترون ما يصنع بالحبالى، وكيف يعذبهن حتى يطرحهن حتى ما في بطونهن، فيوشك أن يفني بني إسرائيل ويستأصلهم، فنصير نحن بغير خدم، وتصير الأعمال التي كانوا يكفوناها في أعناقنا، وإنما بنو إسرائيل خدمنا وخولنا؛ فانطلقوا بنا إلى الملك حتى نشير عليه برأينا. فانطلقوا حتى دخلوا على فرعون فقالوا: أيها الملك! قد أفنيت بني إسرائيل، وقطعت النسل، وإنما هم خدمك، وهم لك خول طائعون، فاستبقهم لذلك ومر أن يرفع عنهم الذبح عاماً أو عامين حتى يشب الصغار.
فأمر فرعون أن يذبحوا عاماً ويستحيوا عاماً فحملت أم موسى بهارون في السنة التي لا يذبح فيها الغلمان، فولدت هارون علانية آمنة من الذبح حتى إذا كان العام القابل الذي يذبح فيه الغلمان حملت بموسى، فوقع في قلب أم موسى الهم والحزن من أجل موسى، تخشى عليه كيد فرعون، وكان هارون أكبر من موسى ﵉، ولما تقارب ولاد أم موسى كانت قابلة من القوابل التي وكلهن فرعون بحبالى بني إسرائيل مصافية لام موسى، فلما ضربها الطلق أرسلت إليها فقالت: قد ترين ما نزل بي، ولينفعني حبك إياي اليوم، فعالجت قبالها، فلما أن وقع موسى بالأرض هالها نور بين عينيه، فارتعش كل مفصل منها، ودخل حب مسوى في قلبها ثم قالت لها: يا هذه! ما جئت إليك إلا ومن رآني أقتل مولودك وأخبر فرعون، ولكن قد وجدت لابنك هذا حباً ما وجدت مثله، واحفظي ابنك، فإني أراه هو عدونا.
стр. 9002
فلما خرجت من عندها وحراس فرعون وعيونه على القوابل ينظرون أين يدخلن وأين يخرجن؛ فإن وجدوا قابلة تداهن أو تكتم، واطلعوا على ذلك منها قتلوها والمولود، فلما خرجت القابلة من عند أم موسى أبصرها بعض العيون، فجاء غل بابها ليدخلوا على أم موسى، وكانت أخت موسى قد سجرت تنورها لتخبز، فسمعت الجلبة بالباب فقالت: يا أمتاه! هذا الحرس بالباب. فلقت موسى في خرقة، ثم سولت لها نفسها، فوضعته في التنور وهو مسجور، وطاش عقلها فلم تعقل ما تصنع خوفاً على موسى، وكان ذلك إلهاماً من الله لما أراد بعبده موسى، فدخلوا فإذا التنور مسجور، وإذا أم موسى لم يتغير لها لون، ولم يظهر لها لين. فقالوا لها: ما أدخل عليك القابلة؟ قالت: هي مصافية لي. فدخلت علي زائرة، فخرجوا من عندها، فرجع إليها عقلها، فقالت لأخت موسى: فأين الصبي؟ قالت: لا أدري، فسمع صوت بكاه من التنور، فانطلقت إليه، وقد جعل الله عليه النار برداً وسلاماً، فاحتملت الصبي فأرضعته، وذلك قول الله : " وأوحينا إلى أم موسى " بعد ذلك، وإنما كان هذا الوحي إلهاماً من الله " أن أرضعيه " فأرضعته ولا تخاف شيئاً، فذلك قوله: " فإذا خفت عليه " فاجعليه في التابوت ثم اقذفيه في اليم " ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ".
وكانت أم موسى لما حملت به كتمت أمرها جميع الناس، فلم يطلع على حبلها أحد من خلق الله، وذلك شيء ستره الله لم أراد أن يمن به على بني إسرائيل.
فلما كانت السنة التي يولد فيها بموسى بعث فرعون القوابل وأمرهن يفتشهن النساء تفتيشاً لم يفتشنه قبل ذلك، ولم ينب بطن أم موسى ولم يتغير لونها، ولم يظهر لبنها، وكانت القوابل لا يعرضن لها، فلما كانت الليلة التي ولد فيها موسى ولدته أمه ولا رقيب عليها ولا قابلة، ولم يطلع أحد إلا أخته مريم، وأوحي الله إليها " أن أرضعيه فإذا خفت عليه " الآية، فكتمته أمه ثلاثة أشهر ترضعه في حجرها لا يبكي ولا يتحرك؛ فلما خافت عليه عملت له تابوتاً مطبقاً ومهدت له فيه، ثم ألقته في البحر ليلاً كما أمرها الله، فلما
стр. 9003
أصبح فرعون جلس في مجلسه على شاطئ النيل، فبصر بالتابوت فقال لمن حوله من خدمه: ائتوني بهذا التابوت، فوضع بين يديه وفتحه، فوجد فيه موسى، فلما نظر إليه فرعون قال: عبارني من الأعداء. فغاظه ذلك وقال: كيف أخطأ هذا الغلام الذبح؟! وكان فرعون قد استنكح امرأة من بني إسرائيل يقال لها آسية بنت مزاحم، وكانت من خيار النساء، ومن بنات الأنبياء، وكانت أماً للمسلمين، ترحمهم وتتصدق عليهم وتعطيهم، ويدخلون عليها، فقالت لفرعون وهي قاعدة إلى جنبه: هذا الولد أكبر من ابن سنة، وإنما أمرت أن يذبح الولدان لهذه السنة، فدعه يكن قرة " عين لي ولك، لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً وهم لا يشعرون " بأن هلاكهم على يده، فاستحياه فرعون وومقه، القي الله عليه محبته ورأفته، وقال لمرأته: عسى أن ينفعك فأما أنا فلا أريد نفعه. ولو أن عدو الله قال في موسى كما قالت أسية: عسى أن ينفعنا، لنفعه الله به، ولكنه أبى، للشقاء الذيس كتبه الله عليه.
وحرم الله المراضع على موسى ثمانية أيان ولياليهن، كلما أتي بمرضعة لم يقبل ثديها، فرق فرعون إليه ورحمه، وطلب له المراضع، وحزنت أم موسى وبكت عليه، حتى كانت أن تبدي به، ثم تداركها الله برحمته، وربط على قلبها، وقالت لأخته: تنكري واذهبي مع الناس فانظري ماذا يفعلون به. فدخلت أخته مع القوابل على أسية نبت مزاحم، فلما رأت وجدتهم بموسى وحبهم له ورأفتهم عليه قالت: " هل أذلكم على أهل بيت يكفلونه لكن وهم له ناصحون "؟ فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر، وما عاينت وما سمعت منهم، فانطلقت أم موسى حتى انتهيت إليهم متنكرة فقالت لهم: هل تريدون ظئراً؟ قالوا: نعم. فناولوها موسى، فوضعته في حجرها، فلما شم ريح أمه عرفها فوثب إلى ثدي أمه فمصه حتى روي، فلما رده الله إلى أمه وقبل ثديها استبشرت آسية وقالت لأم موسى: إن شئت امكثي عندي ترضعين ابني هذا، فإني لم أحب حبه شيئاً قط. فقالت لها أم موسى: لا أستطيع أن أترك بيتي وولدي وزوجي وأقيم عندك، ولكن إن طابت نفسك أن تدفعيه إلي، فأذهب به إلى بيتي، فيكون عندي لا ألوه خيراً.
стр. 9004
وذكرت أم موسى ما كان الله صنع لها في موسى فتعاسرت عليهم وعلمت أن الله مبلغ موسى ومنجز وعده. قال: فدفعت إليها ابنها، فرجعت به إلى بيتها، فبلغ من لطف الله لها ولموسى أن الله رد عليها ابنها، وعطف عليها فرعون وأهل بيته بالمنفعة حتى كأنهم كانوا من أهل بيت فرعون، من المان والسعة، فلم يزل موسى في كرامة الله ، وهو في منزل والدته، فلما ترعرع وشب وتكلم، وكانت امرأة فرعون إذا أرداته بعثت إليه، فيحمل إليها في الفرسان والخدم حتى يدخل عليها، ولما فطمته أمه ردته، فنشأ في حجر فرعون وامرأته يربيانه بأيديهما، واتخذاه ولداً، فبينا هو يلعب يوماً بين يدي فرعون، وبيده قضيب يلعب به إذ رفع القضيب فضرببه رأس فرعون، فغضب فرعون وتطير من ضربه حتى هم بقتله، فقالت آسية: أيها الملك! لا تغضب، ولا يشقق عليك، فإنه صبي صغير لا يعقل، جربه إن شئت، اجعل في هذا الطست جراً وذهباً، فانظر على أيهما يقبض، فأمر فرعون بذلك، فلما مد موسى يده ليقبض على الذهب قبض الملك الموكل به على يده فردها إلى الجمرة، فقبض عليها مويى، فألقاها في فيه، ثم قذفها حين وجد حرارتها، فقالت آسية لفرعون: أن أفل لك إنه لا يعقل شيئاً؟ فكف عنه فرعون وصدقها، وكان أمر بقتله.
ويقال: إن العقدة التي كانت في لسان موسى أثر تلك الجمرة التي التقمها.
ولما أرادت أم موسى أن تجل ولدها في التابوت انطلقت إلى نجار من مصر من قوم فرعون، فاشترت منه تابوتاً صغيراً، فقال لها النجار: ما تصنعين بهذا التابوت؟ قالت: ابن لي أخبؤة في التابوت - وكرهت أن تكذب - قال: ولم؟ قالت: أخشى عليه كيد فرعون. فلما اشترت منه التابوت وحملته انطلق النجار إلى الذباحين ليخبرهم بأمر أم موسى، فلما هم بالكلام أمسك الله لسانه، فلم يطق الكلام، وجعل يشير بيده، فلم يدر الأمناء ما يقول، فلما أعياهم أمره قال كبيرهم: اضربوا هذا المصاب، فضربوه حى أخرجوه، فلما انتهى إلى موضعه رد الله عليه لسانه فتكلم، فانطلق أيضاً يريد الأمناء، فأتاهم ليخربهم، فأخذ الله لسانه وبصره، فلم يطق الكلام ولم يبصر شيئاً، فضربوه
стр. 9005
وأخرجوه من عندهم لا يبصر شيئاً، فوقع في وادي يهودي فيه حيران، فجعل لله إن رد عليه لسانه وبصره أن لا يدل عليه، وأن يكون من تبعه، يحفظه حيث ما كان، فعرف الله منه الصدق، فرد عليه بصره ولسانه، فخر لله ساجداً وقال: يا رب! دلني على هذا العبد الصالح. فدله الله عليه، فخرج من الوادي فآمن به وصدق به، وعلم أن ذلك من الله.
وانطلقت أم موسى بالتابوت إلى منزلها فمهدت فيه لموسى ثم لفته في الخرق، ثم أدخلته التابوت، فأطلقت عليه، فنظرت ألسحرة والكهنة إلى نجم موسى، فإذا مجمه ورزقه قد غاص في الأرض، وخفي عليهم نجمه، وذلك حين أدخلته أمه في التابوت، فخفي على الكهنة، فلما أبصروا ذلك فرحوا فرحاً شديداً، ورفعوا أصواتهم بالغناء، وأسرعوا البشارة إلى فرعون وهم يظنون أن قد ظفروا بحاجتهم، وأن موسى قد قتل فيمن قتل من ولدان بني إسرائيل فقالوا: أيها الملك! إن نجم المولود الذي تحذر مه غاص في الأرض وذهب رزقه. ففرح فرعون وذهب عنه الغم، وظن أنها ستراح منه، فأمر للكهنة والسحرة بجوائز وكسوة، وأمر بالجهاز والخروج من الإسكندرية، وكان لفرعون يومئذ ابنة، لم يكن له ولد غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى فرعون، وكان بها برص شديد مسلخة برصاً، وكان فرعون جمع لها أطباء مصر والسحرة، فنظروا في أمرها وقالوا: إنها لا تبرأ إلا من قبل البحر، يؤخذ منه شيء شبه الإنسان، فيؤخذ منه ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا وكذا حين تشرق الشمس، فلما كان يوم الإثنين غدا فرعون إلى مجلس كان له على شفير النيل، ومعه امرأته آسية، وأقبلت ابنة فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل، فبينا هي كذلك مع جواريها تنضح الماء على وجوههن وتلاعبهن، وعمدت أم موسى إلى التابوت فقذفته في النيل، فانطلق الماء بالتابوت حتى توارى عنها، فجاء الشيطان فندمها وأنساها ما كان الله ألهمها إذ جعلته في التنور، فجعل الله عليه النار برداً وسلاماً؛ وندمت حين جعلته ي التابوت وقالت: لو ذبح ابني بين يدي كنت
стр. 9006
أكفنه وأدفنه في التراب، وكان أحب إلي وأسلي لهمي من أن ألقيه في البحر، فيأكله دواب البحر وحيتانه، ثم ذكرها الله ما أنساها الشيطان فقالت: إن الذي خلصه من النار سيحفظه في اليم، فاحتمل النيل التابوت حتى تعلق بشجرة مما يلي فرعون، فبينا فرعون في مجلسه إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج، فقال فرعون: إن هذا لشيء في البحر قد تعلق بالشجرة، ترفعه الأمواج وتضعه، ائتوني به. فابتدروه بالسفن من كل جانب، حتى وضعوه بين يده، فعالجوا فتح التابوت فلم يقدروا عليه، وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه فدنت آسية فرأن في جوف التابوت نرواً لم يره غيرها، للذي أراد الله أن يكرمها، فعالجته ففتحت التابوت، فإذا هي بصبي صغير فيمهده، فإذا نور بين عينيه، وقد جعل الله رزقه في البحر في إبهامه، وإذا إبهامه في فيه، يمصه لبناً، وألقي الله لموسى المحبة في قلب آسية، فلم يبق منها عضو ولا شعر ولا بشر إلا وقع فيه الاستبشار، فذلك قوله: " وألقيت عليك محبة مني "، وأحبه فرعون وعطف لعيه.
وأقبلت ابنة فرعون، فلما أخرجوا الصبي من التابوت عمدت ابنة فرعون إلى ما كان يسيل من ريقه ولعابه فلطخت به برصها وقبلته وضمته إلى صدرها، وجعل فرعون يفعل كفعلها لما يرى من سرورهم به، فأخذته آسية فضمته إلى نفسها، فقالت الغواة من قوم فرعون: إنا نظن أن ذلك المولود الذي تحذر منه من بني إسرائيل، هو هذا رمي به في البحر فرقاً منك، فاقتله مه من قتلت منهم. فهم به فمنعه الله منه، فلما هم بقتله قالت إمراته آسية: لا تقتله " قرة عين لي ولك " لا تقتله " عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً " وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون فوهبه لها، وقال فرعون: أما أنا فلا حاجة لي فيه. فقالت لآسية: سميه. قالت سميته موشى. قيل: ولم سميته موشى؟ قالت لأنا وجدنا في الماء والشجر ف مه هو الماء وشى هو الشجر فسموه موشى، ماء وشجر.
стр. 9007
قال قتادة في قوله: " وألقيت عليك محبة مني "، قال: كانت ملاحة في عيني موسى لم يرهما أحد قط إلا أحبه.
وقال سلمة بن كهيل: " وألقيت عليك محبة مني "، قال: حببتك إلى عبادي.
وقال ابن المبارك: أوحى الله تعالى إلى موسى: تدري لم ألقيت عليك محبتي؟ قال: لا يا رب. قال: لأنك اتبعت مسرتي.
وقال أبو عمران الجوني: " ولتصنع على عيني " قال: تربى بعين الله .
وقال ابن عباس: في قوله: " وحرمنا عليه المراضع من قل " قال: ليس يعني النساء، ولكن يعني حلم الثدي، وكان لا يقبل ثدي امرأة، فجعل لا يقبل حلمة امرأة، فكبر ذلك على امرأة فرعون، فقالوا لها: أرسلي إلى نساء بني إسرائيل التي قتل أولادهن، لعلك تجدين من يقبل هذا الصبي ثديها منهن، فأرسلت، فجعلت تعرضهن على موسى مرضعاً بعد مرضع، فلم يقبل منهن شيئاً حتى أشفقت آسية أن يمتنع من الرضاع فيهلك، حتى جاءت أمه، فلما أن شم ريح أمه عرفها فوثب إلى ثدي أمه فمصه حتى روي.
وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: ليلة أسري بي مررت بموسى بن عمران فنعته النبي ﷺ فقال رجل - حسبته قال: مضطرب - رجل الرأس، كأنه من رجال شنوءة.
стр. 9008
وفي حديث جابر مثله، ورأيت عيسى، فإذا أقرب من رأيت به شبهاً عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم إليه السلام، فإذا أقرب من رأيت به شبهاً صاحبكم - يعني نفسه - ورأيت جبريل ﵇، فأقرب من رأيت به شبهاً دحية.
وعن ابن عباس: أن بني إسرائيل لما شب موسى نظروا إلى المبعث الذي كانوا يجدون في كتبهم، أن الله مخلص بني إسرائيل على يديه.
وقال وهب بن منبه: إنهم قالوا لموسى: إن آباءءنا أخبرونا أن الله يفرج عنا على يدي رجل أنت شبه، فتكون لنا الأرض كما كانت أول مرة في زمن يعقوب، وإنما سخط الله علينا وملك فرعون علينا لأنا لم نطعربنا، لم نصدق رسلنا فجعل موسى يقول لهم: أبشورا يا بني إسرائيل ثم أبشروا، فإني أرجو أن يكون قد تقارب ذلك، فاتقوا الله وأطيعوه، ولا تسخطوه كما أسخطمتوه أول مرة، فلا يرضى عنكم أبداً. قالوا: يا موسى! أما تقدر أن تشفع لنا إلى فرعون بمنزلتك عنده أن يرفه عنا شهراً من العمل، فقد قرحت أيدينا ومناكبنا من نقل الحجارة وبناء المدائن، فنستريح شهراً فقد كسرت ظهورنا وذهبت قوتنا. فقال لهم موسى: فهل تعلمون يا بني إسرائيل أن الذين أنتم فيه من البلاء عقوبة من الله للذين سلف من ذنوبكم. قالوا: يا موسى! ما منا صغير ولا كبير إلا وهو يعرف ذلك، مقر على نفسه بخطيئته. قال لهم موسى! ما منا صغير ولا كبير إلا وهو يعرف ذلك، مقر على نفسه بخطيئته. قال لهم موسى: فما عليكم من الشكر إن هلك عدوكم وفرج عنكم وردوكم إلى ملككم؟ قالوا: يا موسى! وهل يكون ذلك أبداً؟ قال عسى الله أن يفعل بكم ذلك، فينظر كيف شكركم وحمدكم عند الرخاء، وصبركم عند البلاء.
قال وهب: وكذلك الأنبياء يجري الله الحكمة على ألسنتهم من قبل الوحي، فقالوا: يا موسى! إذاً والله نكثر صلاتنا وصيامنا ونواسي المساكين في اموالنا ونظع الجائع، ونكسو العاري، ونطيع ربنا ورسلنا. قال موسى: يا بني إسرائيل! زعموا أن عبداً من عبيد الله غضباً عضباً في الله على قومه أنهم عبدوا الأوثان من دون الله، فعمد إلى تلك الأوثان فكسرها غضباً لله ؛ فأخذه قومه فالقوة في النار، فأمر الله النار أن تكون برداً وسلاماً، فأنجاه الله من تلك النار، لما علم من صدق نيته، قالوا:
стр. 9009
يا موسى! هذا هو إبراهيم الخليل بن تارح هو أبو إسحاق، وهو جد يعقوب، وهو إسرائيل أبونا.
فلما فرغوا من حديثهم خلابة فتى من قومه فقال لموسى: لولا أني أخاف لأخبرتك خبراً صادقاً إنك أنت الذي نرجوه، ولكنك من فرعون بمنزلة، وهو يحبك حباً شديداً. فقال له موسى: وإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب إلهاً واحداً، لا أحلف بعزة فرعون المخلوق الضعيف إلا ما أخبرتني الخبر كله. فقال له الفتى: يا موسى! أشهد بإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط أنك الذي نرجو وننتظر أن يهلك الله عدونا على يده ويفرج عنا به. قال له موسى: وإله بني إسرائيل إني لأحبكم حب الوالدة لودها وحب الأخ لأخيه؛ ولا يغرنكم حب فرعون إياي، فإن أكمن أنا ذاك أو غيري. قال: فلم يزل موسى يتآلفهم ويتآلف بهم ويتحدث معهم حتى صار موسى أحب إليهم من أبائهم وأمهاتهم، وصاروا إذا قعدوا ساعة كالغنم لا راعي لها. ثم إن موسى وأخاه ذلك الرجل في الله، وجرت بينهما المودة، ثم ثم إنه خلابه موسى لما أراد الله بذلك الفتى من السعادة، فأفشى إليه موسى سره وما هو عليه من يدنه، وأخذ عليه عهد الله وميثاقه ألا يخبر به أحداً حتى يظهر الله ذلك الأمر، فحلف الفتى بإله بني إسرائيل ليجتهدن في الأمر، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ولو أحرقت بالنار.
فأنبت اله موسى نباتاً حسناً حتى بلغ أشده، فآتاه الله حكماً وعلماً - يعني فهماً في دينه ودين آبائه وشرائعهم - وصار لموسى شيعة من بني إسرائيل يسمعون منه، يقتدون برأيه ويجتمعون إليه، فلما عرف ما هو عليه من الحق، وبان له أم ر فرعون وما هو عليه من الباطل، وعرف عداوته له ولبني إسرائيل علم أن فراق فرعون خير له في دينه ودنياه وأخرته. فتكلم موسى بالحق وعاب المنكر، ولم يرض بالباطل والظلم والإشراك بالله، حتى ذكر ذلك منه في مدينة مصر، وما صنع بأهلها، وحتى علموا أن دينه ورأيه مخالف لهم؛ فلما اشتد عليهم أمر موسى رفعوا أمره إلى فرعون، فأمرهم فرعون أن لا يعرضوا له إلا
стр. 9010
بخير، ونهاهم عنه حتى صار من أمر أهل مصر أنهم خافوا موسى خوفاً شديداً، وكن لا يلقى موسى أحداً منهم إلا هربوا منه حتى لا يستطيع أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل، ولا يصل إلى ظلمه ولا يسخره، وامتنعت بنو إسرائيل في كنف موسى كل الامنتاع، فلما اشتد عليهم أمر موسى نصبوا له العداوة في كل نواحي المدينة ليقتلوه، فصار من أمر موسى لا يدخل المدينة إلا خائفاً مستخفياً، فبينا موسى ذات يوم وهو داخل " المدينة على حين غفلة من أهلها " يعني عند الظهيرة وهم قائلون " فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته " يعني من شيعة موسى، والآخر " من عدوه " يعني من آل فرعون كافراً " فاسغائه الذي من شعته " وهو الإسرائيلي " على الذين من عدوه " يعني بع القطبي، وكان موسى أوتي بسطه في الخلق، وشدة في القوة، فدنا موسى منهما، فإذا هو بالفتى المؤمن الذي كان عاهده موسى وأفشى إليه سره، وقد تعلق به عظيم من عظماء الفراعنة، يريد أن يدخله على فرعون، فقال له موسى: ويحك، خل سبيله، قال له الفرعوني: هل تعلم يا موسى أن هذا الفتى سب سيدنا فرعون؟ فقال له موسة: كذبت يا خبيث؟ بل السيد الله، ولعنة الله على فرعون، فنازعه موسى فلم يخل عنه " فوكزه موسى " وكزة على قلبه " فقضى عليه " ولم يكن يريد قتله، وليس يراهما إلا الله والفتى الإسرائيلي الذي كان من شيعه موسى. فقال موسى حين قتل الرجل: " هذا من عمل الشيطان " يعني من تزيين الشيطان " إنه عدو مضل مبين، قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ".
وقيل: إن موسى نبي الله قال: يا رب؟ لا ترني النفس التي قتلت يوم القيامة. قال الرب: ألم أغفره لك يا موسى؟ قال: بلى، ولكن أخشى مما أرى من عذلك أن يكون لقلبي روعة يوم القيامة. قال: فجنبه ألا تراه.
وعن ابن عباس قال: إن موسى كان قد جعل الله له نوراً في قلبه قبل نبوته، فلما قتل الرجل خمد ذلك
стр. 9011
النور، فلم يحس به، فقال عند ذلك: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي. فعرف الله منه الندامة، فرد عليه النور في قلبه وغفر له، إنه هو الغفور الرحيم.
وكان موسى بعد ذلك خائفاً وجلاً، حتى جاءته النبوة، فأوحى الله إليه: لو أن النسمة التي قتلتها أقرت لي ساعة من نهار أني خالقها ورازقها لأذقتك طعم العذاب، ولكنها لم تقر لي ساعة من نهار أني خالقها ورازقها، فقد غفرت لك. فاطمأن بعد ذلك.
وعن ابن عباس:
في قوله : " وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى " قال: جاء خربيل بن نوحابيل خازن فرعون، وكان مؤمناً يكتم إيمانه مئة سنة، وكان هو حاضر فرعون حين ائتمروا في قتل موسى. قال: فخرج فأخذ طريقاً آخر، فأخبر موسى بما ائتمروا من قتله، وأمره بالخروج وقال: " إني لك من الناصحين " فخرج موسى على وجهه، فمر براعي، فألقى كسوته واخذ منه جبة من صوف بغير حذاء ولا رداء، فمضى " خائفاً يترقب " يخاف فرعون، وهو يتحسس الأخبار ولا يدري أين يتوجه، ولا يعرف الطريق إلا حسن ظنه بربه، فذلك قوله: " عسى ربي أن يهديني سواء السبيل " فهيأ الله تعالى له قصد السبيل - يعني الطريق إلى المدينة الذي قضى عليه، وما هو كائن من أمره. فخرج نحو مدين بغير زاد ولا ظهر، قال: " رب نجني من القوم الظالمين " فتعسف الطريق يأخذ يميمناً وشمالاً، يأكل النبت من الأرض وورق الشجر حتى تشقق شدقاه، وكان يرى خضرة النبت بين جلده وأمعائه، فأصابه
стр. 9012
الجهد والجوع حتى وقع إلى مدين، فذلك قوله : " ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون " أنعامهم، وكانوا أصحاب نعم وشاء " ووجد من " دون القوم " امرأتين تذوادان " غنمها عن الماء وهما ابنتا يثروب - وهو بالعربية شعيب - فقال موسى لهما: " ما خطبكما " يقول: ما شأنكما معتزلتين بغنمكما دون القوم لا تسقيان مع الناس؟. " قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء " ونحن بعد كما ترى إمراتين ضعيفتين لا نستطيع أن نزاحم الرجال " وأبونا شيخ كبير " لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، وليس أحد يقوم بشأنه ولا يعنيه في رعاية غنمه وسقيها، فنحن نرعاها ونتكلف سقيها، وكان شعيب صاحب غنم، وكذلك الأنبياء كانوا يقتنون الغنم.
قال ابن عباس: ما من بيت يكون تكون فيه شاة إلا نادى ملك من السماء: يا أهل البيت قدستم قدستم.
وقال رسول الله ﷺ : من أعيته المكاسب فعليه بتجارة الأنبياء. يعني الغنم، إنها إذا أقبلت أقبلت وإذا أدبرت أقبلت.
قال ابن عباس: لما ورد موسى ماء مدسن كان يتراءى خضرة البقل في بطنه من الهزال.
وعن مجاهد: في قوله حكاية عن موسى " رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير: قال: ما سأل الله إلا طعاماً يأكله وقال: كان يومئذ فقيراً إلى شق تمرة، ولزق بطنه بظهره من شدة الجوع. وقيل: ما كان معه رغيف ولا درهم وقيل: سأل الله تعالى فلقاً من الخبز يشد بها صلبه من الجوع، ولقد قال ذلك وهو من
стр. 9013
أكرم خلق الله عليه، ولقد أصابه م الجوع حتى لصق ظهره ببطنه، حتى تبين خضرة البقل من أعلى الجلد، حتى أتته الجارية.
سأل رجل ابن عيينة فقال: يا أبا محمد؟ أرأيت الرجل يعمل العمل لله يؤذن أو يؤم، أو يعين أخاه، أو يعمل شيئاً من الأعمال فيعطى الشيء؟ قال: يقبله، ألا ترى موسى لم يعمل للعمالة، إنما عمل لله، فعرض له رزق من الله فقبله وقرأ: " إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا " " فجاءته إحداهما تمشي على استحياء " فذهب معها، وإنما كان أول الأمر لله.
ولما أبصر موسى ما بالجارية من العري وما يبدو من ساقيها قال لها موسى: امشي خلفي رحمك الله وانعتي لي الطريق بكلامك، فإنا قوم لا ننظر إلى أدبار النساء. ففعلت ما أمرها موسى، فكلما عدا موسى يميمناً أو شمالاً تقول له: على يمينك دع شمالك؛ حتى دخل على شعيب، فلما دخل عليه دعا شعيب بطعام، فوضعه بين يديه، ثم قام من عنده شعيب، وأقسم لعيه إلا ما أكلت حتى أرجع إليك. وإنما صنع ذلك شعيب حين خرج من عند موسى كراهية أن يستحي من شعيب، فلا يشبع من الطعام، فلما فرغ موسى من الطعام دعا له بلين فسقاه، ثم سأله بعد ذلك عن أمره كله وما أخرجه من بلاده، فقص عليه موسى القصص، وأخبره بالذي أخرجه من بلاده، وأخبره بنسبه وممن هو، فعلم شعيب أن موسى من أهل بيت النبوة، فقال: " لا تخف نجوت من القوم الظالمين "، المسالة. فقالت إحدى ابنتي شعيب: " يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ".
وقيل: إن الذي قال له: " لا تخف نجوت من القوم الظالمين " ليس بشعيب، ولكنه سيد الماء يومئذ.
وعن أبي ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ : إن سئت أي الأجلين قضى
стр. 9014
موسى؟ فقل: خيرهما وأوفرهما؛ ون سئلت أي المرأتين تزوج؟ فقل الصغرى منهما، وهي التي جاءت وقالت: يا أبت استأجره.
قالوا: وقال لها أبوها: ما علمك بقوته وأمانته؟ فقالت: أما قوته فإنه رفع الحجر وحده ولا يطيق رفعه إلا عشرة، وأما أمانته فقوله: امشي خلفي وصفي لي الطريق، لا تصف الريح لي حسدك. فزاده ذلك فيه رغبة " قال: إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشراً فمن عندك، وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين "، أي من حسن الصحبة والوفاء بما قلت. قال موسى: " ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي " قال: نعم. قال: " والله على ما نقول وكيل ". فزوجه وأقام معه يكفيه ويعلم له في رغاية غنمه.
وعن أبي سعيد الخدري: عن النبي ﷺ ، عن جبريل، عن ميكائيل، عن الرفيع، عن إسرافيل، عن ذي العزة ﵎ أن موسى ﷺ قضى أتم الأجلين وأظنه عشر سنين.
قال عكرمة: لقيت الحسن بن علي فصافحته، قال: التقابل مصافحة المؤمن. قال: قلت أخبرني " وأما بنعمة ربك فحدث " قال: الرجل المؤمن يعمل عملاً صالحاً فيخبر به أهل بيته، قال: قلت أي الأجلين قضى موسى، الأول أو الآخر؟ قال: الآخر.
ولما رعى موسى ﵇ على صاحبه إلى الأجل الذي كان بينهما قال له صاحبه: كل شاة ولدت على غير لونها فلك ولدها. قال: فعمد فوضع حبالاً على الماء، فلما رأت الحبال فزعت فجالت جولة، فولدن كلهن برقاء إلا شاة واحدة، فذهب بأولادهن ذلك العام.
стр. 9015
وعن عتبة قال: كنا عند رسول الله ﷺ يوماً فقرأ سورة طسم، حتى إذا بلغ قصة موسى قال: إن موسى أجر نفسه ثمان سنين - أو قال عشر سنين - بعفة فرجه وطعام بطنه.
وعن عتبة بن الندر - وكان من أصحاب رسول الله ﷺ : أن رسول الله ﷺ قال من حدث: وإن نبي الله موسى ﷺ لما أراد فراق شعيب ﵇ قال لامراته: سلي أباك من نتاج غنمه ما يعيشون به، فأعطاها - وفي رواية فأعطاه - ما وضعت غنمه من قالب لون ذلك العام، فوقف موسى بإزاء الحوض، فلما وردت الغدير لم تصدر شاة إلا طعن جنبها بعصاة فوضعت قوالب ألوان، فوضعت اثنتين وثلاثين ليس فيهن فشوش ولاضبوب، ولامشة تفوت الكف، ولا ثغول؛ فإن فتحتم الشام وجدتم بقايا منها وهي السامرية.
الثغول: الواسعة ثقب الضرع، فلا يستمسك فيه اللبن، فيقطر من غير حلب وتنفش.
والضبوب: من الضب، وهو الحلب بالإبهام؛ والضرع - وأحسب ذلك يفعل بالشاة إذا كانت ضيقة مخرج اللبن. الكمشة: القصيرة الضرع، التي يفوت ضرعها كف الحالب، فلا يتمكن من حلبها. والثغول: التي لها حلمة زائدة، يقال لها الثغل.
وفي حديث عن وهب، أن شعيباً زوجة ابنته الكبرى أسفورياً، وقيل صفورياً وهي التي كان أرسلها أبوها لتعو له موسى، فأقام موسى معه يكفيه رعاية غنمه وما يحتاج إليه منه، حتى توفي بشرطه، فلما قضي موسى الأجل قال لشعيب: أريد أن أنصرف بأهلي فانظر إلى أمي وأخي وأهل بيني. قال له شعيب: يا موسى؟؟! ضع يدك على ما شئت من مالي، فإنما هو من مال الله، ثم من بكرتك؛ قال: وذلك أن الله ثمر لشعيب ماله وكثره له، ورأى شعيب البركة في منزله بدخول موسى، فقال موسى:
стр. 9016
حبي متاع قليل أعيش به أيام حياتي، ودابة أحمل عليها ابنتك وحمار أحمل عليه زادنا ومتاعنا. قال له شعيب: وما تريد غير هذا؟ موسى: وهذا كثير.
ولما أراد موسى الخروج قال له شعيب: ادخل المخدع الذي فيه العصي، فخذ منها عصا وأتني بها. فدخل، فمد يده إلى العصي، فوقعت في يده منها عصا فأخرجها، فلما أبصرها شعيب ضحك قال: ردها. فردها مكانها وخرج إلى شعيب فقال له: اذهب فأتني بعصاً أخرى، فدخل فمد يده، فوقعت تلك العصا في ديه، فأخرجها إلى شعيب فإذا هي هية.
فزعم وهب أنه رده سبع مرات، كل ذلك تقع العصا في يده، فقال شعيب: يا موسى! أنت صاحبها فاتوص بعصاك خيراً واحتفظ بها، فإنك سترى منها أمراً عجيباً من أمر الله وسلطانه. فزعم وهب أنها هي التي أخرجها آدم من الجنة.
قال ابن عباس: كان عصا موسى من عوسج، وكان يستظل بها من الشمس، ويستضيء بها في ظلمة الليل، ويضرب بها الحجر فيخرج الماء، ويضرب بها الأرض فتنبت له البقل، وكانت من عوسج، وما جعلت بعها عصا من عوسج.
وفي رواية: ولم يسخر العوسج لأحد بعده.
وعن ابن عباس:
في قوله تعالى: " لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون ". قال ابن عباس: أضلوا الطريق وكانوا شاتين، فلما رأى النار قال: " لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى " أهتدي به إلى الطريق، فإن لم أجد أحداً يهديني أتيتكم بنار تستدفئون بها.
وعن وهب بن منبه قال: خرج موسى ومعه أهله يؤم الشام، وأكبر همه طلب أخيه هارون وأخته مريم، وهما
стр. 9017
بأرض مصر في مملكة فرعون، وهم موسى الاجتماع لهما والرخوج من أرض مصر فسار في البرية غير عارف بطرقها ولا معالمها، غير أنه يؤم الغرب ويجع الشرق، ويرى أنه الوجه إلى أرض مصر، فلم يزل كذلك حتى ألجأه المسير إلى جانب الطور الأيمن في البقينة المباركة، في عشية شاتيه شديدة البرد والظلمة، فعمد إلى زنده فقحها فلم تنور شيئاً ولم تزدد إلا نداوة، وكان عهده أن زنده لا يقدح بها إلا مرة حتى تنور فيها النار، فلما آيس مه تركه.
ولما عند موسى ﵊ وعلى نبينا - نحو النار التي رأى وانتهى إليها، رأى ناراً عظيمة تتوقد من فرع شجرة خضراء، سديدة الخضرة، يقال لها العليق، لا تزداد النار فيما يرى إلا عظماً وتضرماً، ولا تزداد الشجرة على شدة الحريق إلا خضرة وحسناً، فأعجبته ولا يدري على ما يضع أمرها، إلا أنه ظن أهها شجرة تحترق، أوقد إليها موقد قبالها، وأنه ظن أنها تمنع النار أن تحرقا شدة خضرتها وكثرة مائها، فوقف وهو يرجو أن يسقط منها شيء يقتبسه، فلما طال ذلك عليه ارتم إليها ضغثاً من رقاق الحطب والشيح، ثم أهوى به ليقتبس من لهبها، فلما فعل ذلك مالت إليه كأنها تريده، فاخر عنها وهابها، ثم عاد فطاف بها، فلم تزل تطعمه ويطمع بها، ويطوف حولها، ثم لم يك شيء بأوشك من طرفة عين من خمودها حتى كأن لم تكن، فعند ذلك أعجبه شأنها، ونظر في أمرها وتدبر فقال: نار توق في جوف شجرة لا تحرقها! وتمنعه فلا يقتبس منها، ثم خمدوها على قدر عظمها في أوشك من طرفة عين! إن لهذه لشأنا! فوضع أمرها على أنها مأمورة، أو مصنوعة لا تدري لما أمرت ولا من أمرها، ولا لمن
стр. 9018
صنعت ولا من صنعها؟ فوقف متحيراً لا يدري، أيرجع أم يقيم؟ ثم رمى بطرفه نحو فرعها، فإذا هي أشد ما كانت خضرة، وإذا خضرتها ساطعة في السماء، ينظر إليها تشتق الظلام وتجلوه، ثم لم تزل الخضرة تنور وتسفر وتبيض، حتى عاد نوراً ساطعاً ما بين السماء والأرض، فيها شعاع الشمس، تكل دونه الأبصار، فلما نظر إليها تكاد تخطف بصره، خمر عينيه بثوبه ولصق بالأرض، فعند ذلك اشتد رعبه، وهمه وأحزنه شأنها، وجعل يسمع الحس والوجس، إلا أنه يسمع شيئاً لم يسمع السامعون مثله عظماً لا يدري ما هو، فلما اشتد به الخول وبلغه الكرب، وكاد أن يخالط في عقله نودي من السجرة أن يا موسى! فأسرع الإجابة - وما ذلك منه حينئذ إلا للاستئناس بالصوت حين سمعه، لما قد بلغه من الوحشة والخوف - فقال: لبيك لبيك - مراراً - إني أسمع الصوت ولا أرى مكانك فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك ومعك وأمامك وخلفك، ومحيط بك، وأقرب إليك منك من نفسك. فلما سمع هذا علم موسى أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله ، قال: كذلك أنت يا إلهي، أكلامك أسمع أم رسولك؟ فقال: بل الكلام كلامي والنور نوري، وأنا رب العالمين، يا موسى! أنا الذي أكلمك فأذن مني. فجمع يديه في العصا، ثم تحامل حتى استقل قائماً وما كاد، فأرعدت فرائصه، وانكسر قلبه ولسانه، وطاش عقله، ولم يبق منه عظم يحمل آخر، وصار بمنزلة الميت إلا أن روح الحياة تجري فيه، فبعث الله إليه ملكاً كأحسن شيء خلقه الله، فشد له عضده وظهره، ورجاه وبشره، فرجف وهو مرعوب، فلما انتهى إلى الشجرة قال له: اخلع " نعليك إنك بالواد المقدس " فخلعهما، وكانت نعلاه من جلد حمار ميت فطير - يعني غير مدبوغ - فخلعهما ثم قال: " وما تلك بيمينك يا موسى، قال هي عصاي " قال: ما تصنع بها؟ - ولا أحد أعلم بذلك منه جل وعز - قال: " أوتكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى " قال: قد علمتها وكانت مآرب موسى أنها كانت
стр. 9019
عصا له شعبتان ومحجن تحت الشعبتين، وزج في طرفها، فكان يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، وإذا طالت شجرة حناها بالمحجن، وإذا أراد أن يقوس شجرة تطول لها لواها بالشعبتين، وكان إذا مشى ألقاها على عاتقه، فيعلق بها قوسه وكنانته ومرجمته وحلابه وإرادته، وزاداً إن كان مع، وإذا ارتعى في البرية التي ليس فيها ظل ركزها في الأرض، ثم أعرض زنده بين شعبتيها ثم ألقي عليها كساءه، فاستظل ما كان مرتاعاً، وكان إذا ورد ماء يقصر عنه رشاؤه وصل الرشاء بالمحجن؛ وكان يقاتل بها السباغ عن غنمه.
فكانت هذه من مآربه التي أراد أن يقص، ولكن منعه من ذلك الخوف، فأجمع القصة بقوله: " ولي فيها مآرب أخرة، قال ألقها يا موسى " فظن موسى أنه يقول ارفضها ولا تقبض بها " فألقاها موسى على وجه الرفض، ثم حانت منه نظرة، فإذا هو بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون! في مثل بدن البختي العظيم، إلا أنه أطول منه، مسرعة تدب على قوائم قصار غلاظ شداد، قد جعلت الشعبتان له فم مثل القليب الواسع، فيها أضراس وأنياب وقد جعل له عرفاً نابتاً له شعر مثل شعر البازل، قد جعل له عينان يتوقدان ناراً، وجعل يدب كأنه يبتغي شيئاً ليأخذه، إلا أنه ليمر بالشجرة العظيمة فيطعن بناب من أنيابه في أصلها، فيجدلها، ثم يبتلعها، ويمر بالصخرة العظيمة مثل الحلقة فيبتلعها حتى أنه ليسمع تقعقع الصخرة في جوفها، فلما عاين موسى ذلك " ولى مدبراً ولم يعقب " فذهب على وجهه حتى أمعن، وظن أنه قد أعجز الحية، ثم ذكر أنه هو فاستحيا، ثم نودي يا موسى! ارجع حيث كنت. فرجع وهو شديد الخوف فقال: " خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى "، فأدركه وعليه
стр. 9020
جبة من صوف، فلف كم جبته على يده، فقال له الملك: يا موسى! أرأيت لو أذن لها في الذي تحاذر، أكانت المدرعة تغني عنك شيئاً؟ قال موسى: لا، ولكني ضعيف، خلقت من ضعف، قال له: أخرج يدك، فكشف عن يده فقال: أدخلها في فيه. فوضهعا في في الحية حتى حبس الأضراس والأنياب، ووجد ذلك بيده في موضعها الذي كان يضعها بين الشعبتين، فقبض عليها فإذا هي هصا كما كانت، قال: فال له: ادن منس سا موسى، فدنا منه فقال: أخرج يدك من جيبك فأخرجها فإذا الشعاع مثل شعاع الشمس " بيضاء من غير سوء " يعني من غير برص؛ فقال له: العصا آية، ويدك " آية أخرى، لنريك " بعدهما " من آياتنا الكبرى ". ادن مني، فإني موقفك اليوم مكاناً لا ينبغي لبش من بعدك أن يقوم مقامك أدنيتك وقربتك حتى سمعت كلامي وكنت بأقرب المنازل والأمكنة منين فاسمع قولي واحفظ وصيتي وارع عهدي، وانطلق برسالتي فإنك تسمعني وتعيني، وأنا معك أيدي ونصري، وسألبسك جبة من سلطاني تستكمل بها القوة في أمري، وأنت جند من جندي، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي، بطر نعمتي وأمن مكري، وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر ربوبيتي وعبد دوني وتمثل بي، وزعم أنه لا يعرفني، وإني أقسم بعزتي لولا الحجة العذر اللذان وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار، تغضب لغضبه السماوات والرض والجبال، إن آذن للسماء حصبته، وإن آذن للأرض ابتلعته وإن آذن للجبال درمته، وإن آذن للبحار غرقته، ولكنه هان علي وسقط من عيني، ووسعه حلمي واستغنت بما عندي وحق ي، إني أنا الغني، غنى غيري، فبلغه رسالتي، وادعه إلى عبادتي وتوحيدي، وإخلاص اسمي، وحذره نقمتي وبأسي، وأخبره أنه لا يقوم شيء لغضبي، وذكره أيامي، وقل له فيما بين ذلك قولاً ليناً لعله يتذكر أن يهشى، ولا يغرنك ما ألبسته من لباس الدنيا، فإن ناصيته بيدي، ليس يطرف ولا ينظر ولا يتنفس إلا يإذني، وقل له أجب ربك، فإنه واسع المغفرة، قد أمهلك منذ أرعبمئة سنة في كلها أنت تبارزه بالمحاربة، وتتسمى به وتتمثل به، وتصد عباده عن سبيله، وهو يمطر عليك السماء، وينبت لك الأرض، ويلبسك العافية، لم تسقم ولم تهرم، ولم تفتقر، ولم تغلب، ولو شاء أن يعجل لك ويبتليك ويسلبك ذلك فعل، يعني بالفقر والهرم، ولكنه ذو أناة وحلم عظيم. " قال
стр. 9021
رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري ".
وعن ابن مسعود، عن رسول الله ﷺ قال: يوم كلم الله موسى كانت عليه جبة صوف وكساء صوف، وسراويل صوف، وكمة صوف، ونعلان من جلد حمار غير ذكي.
وعن أبي قلابة قال: تدرون لم قال الله تعالى: اخلع " نعليك إنك بالواد المقدس طوى "؟ قال: كانت نعلاه من جلد حمار ميت، فأحب أن يباشر القدس بقدميه.
قال وهل بن منبه: لما كلم الله تعالى موسى صلى الله على نبينا وعليه يوم الطور، كان على موسى جبة من صوف مخللة بالعيدان، مخروم وسطه بشريط ليف، وهو قائم على جبل قد أسند ظهره إلى صخرة من الجبل، فقال الله: يا موسى! إني قد أقيمك مقاماً لم يقمع أحد قلبك ولا يقومه أحد بعك، وقرتبك مني نجياً. قال موسى: إلهي! ولم أقمتني هذا المقام؟ قال: لتواضعك يا موسى. فلما سمع لذاذة الكلام من ربه نادى: إلهي! أقريب فأناجيك، أم بعيد فأناديك؟ قال: يا موسى! أنا جليس من ذكرني.
وعن ميسرة
في قوله: " وقربناه نجياً " قال: أدني حتى سمع صريف الأقلام في الألواح.
وعن الحسن " تخرج بيضاء من غير سوء " قال: أخرجها كأنها والله المصباح، فعلم موسى أ، قد لقي ربه. وقيل: أخرجها كأنها الثلج.
стр. 9022
وقال ابن عباس: كانت عليه جبة صوف، كمها إلى مرفقه، ولم يكن لها أزرار، فأدخل يده في جيبه فإذا هي بيضاء تبرق مثل النور، فخروا على وجوههم.
قال الحسن: لما كلم الله موسى ضرب على قلبه بصفائح النور، ولولا ذاك أطاق كلام الله .
وعن أبي الحويرث قال: إنما كلم الله موسى بما يطيق من كلامه، لو تكلم بكلامه لم يطقه شيء.
قال وهب: قرأت في بعض الكتب التي أنزل الله من السماء: إن الله قال لموسى: أتدري لأي شيء كلمتك؟ قال: لأي شيء؟ قال: لأني اطلعت في قلوب العباد فلم أر قلباً أشد حباً لي من قلبك.
وقال وهب: اطلع الله على قلوب الآدميين فلم يجد قلباً أشد تواضعاً له من قلب موسى، فخصه بالكلام لتواضعه.
قالوا: وأوحى الله تعالى إلى الجبال إني ملكم عليك عبداً من عبيدي، فتطاولت الجبال لتكلمه عليها، وتواضع الطور، قال: إن قدر شيء كان. قال: فكلمه عليه لتواضعه.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول اله ﷺ : لما كلم الله موسى ﵇ كان يبصر حثيث النمل على الصفا في الليلة المظلمة من مسيرة عشرة فراسخ.
وعن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية قال: مكث موسى أربعين ليلة بعدما كلمه الله لا يراه أحد إلا مات من نور رب العالمين.
وفي رواية أخرى: لا ينظر أحد إلى وجهه إلا هرب من نور رب العالمين ﵎.
стр. 9023
وعن عائشة ﵂ قالت: كن لما لم ترج أرجى منك لما ترجو، فإن موسى بن عمران خرج يقتبس ناراً فرجع بالنبوة.
وعن أنسقال: قال رسول الله ﷺ : إن موسى بن عمران ما كلم في الأرض، إنما كان يبعث إليه جبريل يجلس من الجنة، ويضع تحته كرسياً مكللاً بالجوهر، فيكلمه حيث يشاء.
ومما أنشد وهب بن ناجية المري: من الخفيف
كن لما لا ترجو من الأمر أرجى ... منك يوماً لما له أنت راجي
إن موسى مضى ليقبس ناراً ... من ضياء رآه والليل داجي
فأتى أهله وقد كلم الله ... هـ وناجاه وهو خير مناجي
وكذا الأمر ربما ضاق بالمر ... ء فتتلوه سرعة الإنفراج
روي أن موسى قام في بني إسرائيل بخطبة أحسن فيها فأعجب بها! فقال به بنو إسرائيل أفي الناس أعلم منك؟ قال: لا. فأوحى الله غليه: إن في الناس من هو أعلم منك. قال: يا رب! ومن أعلم مني وقد آتيتني التوراة، فيها علم كل شيء. فأوحى الله إليه: أعلم منك عبد من عبادي، حملته الرسالة، ثم بعته إلى ملك جبار عنيد، فقطع يديه ورجليه، وجدع أنفه، فأعدت إليه ما قطع منه ثم أعدته إليه رسولاً يأتيه فولى وهو يقول: رضيت لنفسي ما رضيت لي، ولم يقل كما قلت أنت عند أول: إني أخاف أن يقتلون.
وعن عائشة أنها خرجت في بعض ما كانت تعتمر، فنزلت ببعض الأعراب، فسمعت رجلاً يقول: أي أخ كان أنفع لأخيه؟ قالوا: لا ندري. قال: أنا والله أدري، قالت عائشة: فلمته في
стр. 9024
نفسي حين لا يستثني أنه يعلم أي أخ كان أنفع لأخيه حتى قال: موسى ين سأل لأخيه النبوة. فقلت: صدقت.
وعن ابن عباس في قوله:
" إنا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى " قال: هذه مقالة موسى ﵇. وكان هارون بمصر فقال موسى: رب إن أخي هارون رجل ضعيف وأنا أقوى منه، وقد تخوفت وهو أضعف مني فيتخوف أيضاً أو أن يطغى فيقتلنا " قال: لا تخافا إنني معكما " شاهد لكما عند فرعون، أسمع قولكما وقوله، فأرى وأنظر إليكما " فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم " وفي البنيان ونقل الحجارة، وقتل الأنبياء، واستخدام النساء وأشباه ذلك " قد جئناك بآية من ربك " يعني بعبرة، إن لم تصدقنا قلنا: " والسلام على من اتبع الهدى " يعني والسلام من ربنا على من اتبع دينه ومنهاجه " إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب " بأنا لسنا رسله " وتولى " عما جئناه، وقولا له فيما بين ذلك: يا فرعون، " هل لك إلى أن تزكى " يعني أن تصلح " وأهديك إلى ربك فتخشى " يعني فتخاف، وأره يا موسى آياتي الكبرى، وأخبر أني أنا الغفور الرحيم، وأني إلى العفو والمغفرة أسرع مني إلى العقوبة والغضب، ولا يروعنك يا موسى ما ترى من عظمة فرعون، وشدة سلطانه، فإن ذلك بعيني، ولو شئت أن أسلط عليه أوهن خلقي وأضعفه لقتله، ولكن قد أمهلته منذ أربع مئة سنة لكتون لي الحجة عليه.
وعن ابن عباس في قوله: " اذهب أنت وأخوك بآياتي " يعني باليد والعصا. قال:
стр. 9025
ففصل برسالة ربه، وشيعته الملائكة يصافحونه، ويدعون له بالنصر والظفر على عدوه.
قال وهب: أوحى الله إلى هارون ﵇ يبشره بنبوة موسى وأنه قادم عليه، وأنه قد جعله وزيراً ورسولاً مع موسى إلى فرعون وملئه، فإذا كان يوم الجمعة لغرة ذي الحجة، قبل طلوع الشمس، ينظر إلى شاطئ النيل، فإنها السعة التي تلتقي أنت وأخوك موسى. قال: فأقبل موسى في ذلك الوقت، وخرج هارون من عسكر بني إسرائيل، حتى التقي هو وموسى على شاطئ النيل، فلقيه فقال له موسى: انطلق بنا إلى فرعون، فانطلقا على وجوههما حتى انتهيا إلى فرعون، وهو في مدينة لها سبعة وسبعون مدينة، في كل مدينة سبعون ألف مقاتل، بين كل مدينتين الزراع والأنهار، تأتي عليهم الحقب، لا يموت منهم ميت وهو في مجلس له، يرقى فيه سبعة آلاف درجة، إذا رقي على دابته رفع لها كفلها حتى يحاذي منسجها، وإذا هبط رفع له منسجها حتى يحاذى بكفلها، لا يسعل ولا يبول ولا يمتخط ولا يتغوط إلا في كل عشرة أيام مرة. قد أنبت حول مدائنة الغياض، وألقيت فيها الأسد، وجعل ساستها يشلونها على من يشاء، ويكفونها عمن يشاء، وطرق فيما بينهما إلى أبواب مدائنه، من أخطأها ووقع في تلك الأسد مزقته، وقد جعل فرعون بني إسرائيل عساكر من وراء مدينة يعملون له، فذو القوة منهم قد قرحت عواتقهم من نقل الحجارة والطين، ومن دون ذلك قد قرحت أيديهم من العمل ومن دونهم يؤدي الخراج؛ فمن غابت له الشمس قبل أن يؤدي الذي عليه غلت يده إلى عنقه شهراً وعمل بشماله، والنساء ينسجن ثياب الكتان، فكانوا على ذلك حتى بعث الله موسى، فسبحان الله ما أعظم سلطانه وأعلى شأنه وعن ابن عباس قال: لما قال الله لموسى: " اذهب إلى فرعون إنه طغى " قال: يا رب أذهب إلى
стр. 9026
فرعون وقد أعطيته من زينة الدينا وسلطانها فأذهب إليه في رساستي هذه؟ قال: نعم يا موسى إني معك " أسمع وأرى " فقال له موسى: فنعم يا رب. فلما قال له هامان: أما وجد ربك رسولاً غيرك في جودياك هذه، ذكر موسى قول ربه إني معك " أسمع وأرى " قال له موسى: نعم إني رسول الله إليكم على رغم أنفك. فقال له هامان: أيها الساحر لا يغرنك طاعة الأبواب لك، وما تبصبصت لك الأسد إنما كان ذلك من كيد سحرك، سوف تعلم أنه ليس لك إله غير فرعون.
قال وهب:
أوحى الله إلى موسى: يا موسى؟ لو شئت أن أزينكما بزينة يعلم فرعون حين ينظر إليه أن قدرته تعجز عما أوتيتما فعلت، ولكن أرغب بكما عن ذلك، وأزويه عنكما، وهكذا أفعل بأوليائي، إني لأذودهم عن نعيمها ورجائها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مواقع الهلكة، وإني لأحميهم عيشها وسلوتها كما يجنب الراعي الشفيق أبله مبارك العرة، وما ذاك لهوانهم علي، ولكنهم استكملوا نصيبهم من كرامتي سالماً موفراً لم يكلمه الطمع، ولا يطعنه الهوى؛ واعلم أنه لن يتزين لي العباد بزينة أبلغ فيما عندي من الزهد في الدنيا، إنما هي زينة الأبرار عندي، وآنق ما يزين به العباد في عيني منها، لباس يعرفون به السكينة والخشوع، سيماهم النحول والسجود، أولئك أوليائي حقاً، فإذا
стр. 9027
لقيتهم فاخفض لهم جناحك، وذلل لهم قلبك ولسانك، واعلم أن من أهان لي ولياً وأخافه فقد بادرني بالمحاربة وبادأني، وعرضني بنفسه، ودعاني إليها، وأنا أسرع إلى نصرة أوليائي، أفيظن الذي يحاربني فيهم أنه يقوم لي؟ أم يظن الذي يعاديني فيهم أنه يعجزني، أم يظن الذي يبادرني إليهم أنه يسبقني أو يفوتني؟ كيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة؟ ولاأكل نصرتهم إلى غيري؛ يا موسى أنا إلهك الديان، لا تستذل الفقير ولا تغبط الغني بشيء، وكن عند ذكري خاشعاً، وعند تلاوة وحيي طامعاً، أسمعني لذاذة التوارة بصوت حزين.
وعن الضحاك قال: دعا موسى حين وجه إلى فرعون، ودعا رسول الله ﷺ يوم حنين، ودعا كل مكروب: كنت وتكون، كنت حياً، لا تموت، تنام العيون وتنكدر النجوم، وأنت حي قيوم، لا تأخذك سنة ولا نوم.
وعن وهب: أن موسى لما دخل على فرعون كان أمامه سلطان الله ، وعن يمينه ملائكة الله، وعن يساره ملائكة الله ﵎، فلما رأى ذلك سرير فرعون اهتز حتى رجف عليه فرعون وتغير لونه، وجعل يقطر منه البول، ولم يستطع النظر إلى موسى، وذلك من قدرة الله أن اهتز سريره، والله يفعل ما يشاء.
وعنه قال: إن موسى حين " قال رب المشرق والمغرب وما بينهما " عباد له " إن كنتم تعقلون " قال فرعون: يا موسى؟ ما عقلت هذا وما عقل أحد أن له إلهاً غيري ف " لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين " يقول: لأجلدنك في السجن أبداً. فقال له موسى: " أولو جئتك بشيء مبين " يعني باني قد جئتك بشيء مبين، يعني برهاناً بيناً يحول بينك وبين ما تريد، وتعلم صدقي وكذبك، وأينا على الحق، قال له فرعون: " فأت به إن كنت من الصادقين " قال: فهز موسى عصاه ثم
стр. 9028
ألقاها " فإذا هي ثعبان مبين، ونزع يده فإذا بيضاء للناظرين " لها شعاع كشعاع الشمس، قال له فرعون: هذه يدك! فلما قالها فرعون أدخلها موسى جيبه، ثم أخرجها الثانية لها نور تكل منه الأبصار، لها نور ساطع في السماء قد أضاءت ما حولها، فدخل نورها في البيوت، وتنور منها المدينة، ويرى من الكوة، ومن وراء الحجب، فلم يستطع فرعون النظر إليها، ثم ردها موسى في جيبه ثم أخرجها فإذا هي على لونها الأول.
وعن ابن عباس: كانت السحرة بضعاً وثلاثين ألفاً.
وقال ابن المنكدر: كانوا ثمانين ألفاً.
وقال الكلبي: كانوا اثنين وسبعين ساحراً، اثنان من آل فرعون وسبعون من بني إسرائيل.
قال وهب بن منبه:
إن موسى لما ألقى عصاه فصارت العصا ثعباناً أعظم ثعبان نظر إليه الناظرون، أسود مدلهم، يدب على قوائم غلاظ، فصار في مثل بدن البختي العظيم، إلا أنه أطول منه بدناً وعنقاً ومشفراً، وإن له ذنباً يقوم عليه، يشرف على حيطان المدينة رأسه وعنقه، ثم يقع على أرض، فلا يلوي على شيء إلا حطمه، ويحش بقوائمه الصخر والرخام والحيطان والبيوت حتى يرمي بعضها على بعض، فما مر بشيء إلا حطمه بكلكله، يتنفس في البيوت فيشتعل كل شيء فيه ناراً، وله عينان تتوقدان ناراً، ومنخران يخرج منهما الدخان، وقد صار له المحجن عرفاً علو ظهره، وشعره أسود
стр. 9029
غلاظ مثل الرماح الطوال، لا يصيب منه شيء إلا قطعه، وقد جعلت الشعبتان له فم مثل القليب الواسع، يخرج منه رياح السموم، لا يصيب أحداً منهم نفحة إلا صار أسود مثل الليل الدامس، في فيه أضراس وأنياب، وفي أعلى شدقه اثنتان وسبعون ضرساً، وفي أسفله مثل ذلك، له صرير يصم من سمعه، ما يسمع الرجل كلام جليسه إذا صرت أضراسه بعضها على بعض، فإنه ليهدر مثل البعير، يتزبد شدقاه زبداً أبيض، يتطاير لعابه فلا تقع منه قطرة على أحد إلا اشتعل برصاً، فأدخل الثعبان أحد شدقيه تحت سرير فرعون، والآخر فوقه، وفرعون على سريره فسلح في ثيابه، فلما عاين الناس ذلك من أمر الثعبان، وكان قد اجتمع أهل المدينة بأسرها، فلما انهزموا ولوا ذاهبين، تزاحموا في الأبواب وتضاعفوا وضاق عليهم، فوطئ بعضهم بعضاً، فمات يومئذ خمسة وعشرون ألفاً، وقام فرعون فوقع عن سريره، وكان الله قد أملاه حتى صار آية، كان يمكث أربعين يوماً لا يخرج من بطنه شيء، ولا يحدث إلا في كل أربعين يوماً مرة، فلما كان يومئذ أحدث في ثيابه، حتى علم بذلك جلساؤه، وكان يأكل ويشرب جاهداً، لا يبصق ولا يتمخط ولا يتنخع ولايسعل، ولا تذرف عيناه، ولا يمرض ولا يصدع ولا يسقم ولا يهرم ولا يفتقر، شاب السن، والله يملي له أربع مئة سنة، فلما كان يوم الثعبان، وعاين ما عاين أحدث وامتخط وبصق، وأخذه الصداع والمرض، واختلف بطنه أربعين مرة، فلم يزل بعد ذلك يختلف حتى مات؛ فلما عاين من أمر موسى والثعبان خاف أن يدخل قومه من ذلك الرعب مثل الذي دخله فيؤمنوا به.
قال الحسن: لما عاين فرعون من أمر موسى والثعبان قال له فرعون: يا موسى! ارجع يومك هذا وكف ثعبانك هذا - يقول سراً دون أصحابه - وقال لأصحابه: " إن هذا لساحر عليم " فدعا موسى فقال له: يا موسى! ألا رفقت بالأمر، قتلت خمسى وعشرين ألفاً أبهذا أمرك ربك الذي بعثك؟ قال: يا فرعون! أنت فعلت هذا. يا فرعون! أسألك واحدة وأعطيتك أربعاً. قال: وما الذي تسألني؟ قال: أسألك أن تعبد الله ولا تشرك به
стр. 9030
شيئاً، وأعطيتك الشباب لا تهرم، والملك لا ينازعك فيه أحد، والصحة لا تسقم، والجنة خالداً. قال فرعون، ورفع وخضع، حتى استأمر آسية بنت مزاحم فدخل عليها فقال: يا آسية! ألا ترين إلى موسى إلى ما يدعوني وما أعطاني؟ قالت: وما هو؟ قال: يدعوني إلى أن أعبد الله ولا أشرك به شيئاً، وأن لي الشباب فلا أهرم، والملك لا ينازعني فيه أحد، والصحة لا أسقم، والجنة خالداً. قالت يا فرعون! وهل رأيت أحداً يصيب هذا فيدعه؟ فخرج فدعا هامان لا يعرف له نسب، وكان إبليس يتارءى لفرعون في صورة الإنس يغويه، فقال له: أنا أذرك شاباً، قال فخضبه بالسواد، وهو أول من خضب بالسواد، فدخل على آسية فقال: يا آسية! ألا ترين، صرت شاباً. فقال: من فعل هذا بك؟ قال: هامان. قالت: ذاك إن لم ينصل.
قال ابن عباس:
لما قال فرعون للملأ من قومه: " إن هذا لساحر عليم " قالوا له: ابعث إلي السحرة. فقال فرعون لموسى: يا موسى! اجعل " بيننا وبينك موعداً لا نخلفه " فتجتمع أنت وهارون ويجتمع السحرة. فقال موسى: " وموعدكم يوم الزينة " ووافق ذلك يوم السبت أول يوم من السنة، وهو يوم النيروز " وأن يحشر الناس ضحى " يعني وأن يحشرهم ويجمعهم ضحى - وقيل كان يوم عاشوراء - فاجتمعت السحرة " لميقات يوم معلوم "، وقيل: " هل أنتم مجتمعون، لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين " فاجتمع خمسة عشر ألف ساحر، ليس فيهم ساحر إلا وهو يحسن من السحر مالا يحسن صاحبه، وكان كبراؤهم ألف ساحر، وهم الذين عملوا بالعصي والحبال، فقالوا
стр. 9031
لفرعون: أيها الملك! ما هذا الذي يعمل به هذا الساحر فنعمل مثله؟ قال: يعمل بالعصا. قالوا: نحن نعمل. قال: اعرضوا علي سحركم، فقام الذين يعلمون بالعصي والحبال فألقوها بين يدي فرعون، وسحروا أعين الناس، فإذا حبالهم عصيهم صارت حيات وأفاعي، ففرح بذلك فرعون واستبشر، وطمع أن يظفر بموسى، وظن عصيهم وحباهلم صارت حيات، فقال لهم اجهدوا على أن تغلبوه فإنه ساحر لم ير مثله. فقالوا: " إن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين "؟ يعني إن غلبنا إن لنا لمنزلة وفضيلة؟ قال فرعون: " نعم وإنكم إذاً لمن المقربين " في المجالس والدرجة عندي. فقالوا: أيها الملك واعد الرجل، فقال: قد واعدته يوم الزينة، وهو عيدكم الأكبر، ووافق ذلك يوم السبت، فخرج الناس لذلك اليوم. فقال فرعون أجمعوا " كيدكم ثم أءتوا صفاً " كل ألف ساحر صف، فكانوا خمسة وعشرين صفاً، وقيل: خمسة عشر صفاً، مع كل ساحر عمل ليس مع صاحبه، وخرج موسى وهارون، وبيد موسى عصاه في جودياءة وعباءة، حتى انتهوا إلى الصفوف، وخرج فرعون في عظماء قومه، فجلس على سريره، عليه خيمة ديباج ميل في ميل، ومعه هامان وزيره وقارون بين يديه، قد استكف له الناس، واجتمعا في صعيد واحد، وخرج الناس يقول بعضهم لبعض: ننظر من الغالب فنكون معه. فوقف موسى وهارون قبل السحرة، ف " قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذباً " يعني لا تقولوا على الله إلا الحق " فيسحتكم " يعني فيبعثكم " بعذاب، وقد خاب " يعني قد خسر " من افترى " قال " فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى " فصارت السحرة يناجي كل واحد صاحبه
стр. 9032
سراً يقول: ما هذا بقول ساحر، ولكن هذا كلام من الرب الأعلى فعرفوا الحق ثم نظروا إلى فرعون وسلطانه وبهائه، ونظروا إلى موسى في كشائه وعصاه، فنكسوا على رؤوسهم و" قالوا إن هذان لساحران " ألآية. ثم قال كبيرهم: " يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى " فهم موسى أن يلقي، فأمسك الله يده، وألقى على لسانه أن ابدؤوا فألقوا. فألقى كل رجل منهم ما كان في يده من حبل أو عصاً. قيل: إنهم أخرجوا ثلاثمائة وستين وسقاً ما بين عصا وحبل، فلما ألقوا قالوا " بعزة فرعون " يعني بإلهية فرعون " إنا لنحن الغالبون " يعني القاهرون " فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم " ملؤوا الدنيا في أعينهم حيات وأفاعي، فكان أول ما خطفوا بسحرهم بصر موسى وهارون، ثم فرعون والناس، وألقى كل رجل منهم ما كان في يده، فأقبلت الحيات والأفاعي فامتلأ الوادي يركب بعضها بعضاً وهرب الناس منهم " فأوجس " موسى " في نفسه خيفة " فقال: لقد كانت هذه عصاً في أيديهم وإنها صارت حيات، فظن موسى وخاف أن تكون صارت حيات كما صارت عصاه ثعباناً، فأوحى الله إليه أني بمكان أسمع وأرى، وجاء جبريل حتى وقف عن يمينه، بين موسى وهارون، قال: " لا تخف إنك أنت الأعلى، وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى " فذهب عن موسى ما كان يجد.
وعن ابن عباس قال: مكث موسى في آل فرعون بعدما غلب السحرة عشرين سنة يريهم الآيات الجراد والقمل والضفادع فأبوا.
وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : الطوفان: الموت.
стр. 9033
وقال ابن عباس: قوله: " تسع آيات " قال: اليد والعصا، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والسنين، ونقص من الثمرات.
وقال لغيره: بدل " ونقص من الثمرات " والبحر.
قال ابن شهاب:
دخلت على عمر بن عبد العزيز فقال لي: يا بن شهاب! أخبرني عن قول الله " ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات " ما هن؟ قال: قلت: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ويده، والبحر، والطمسة، وعصاه. فقال عمر بن عبد العزيز: هكذا يكون العلم يابن شهاب. ثم قال: يا غلام! ائتني بالخريطة. فأتي بخريطة مختومة، ففكها ثم نثر ما فيها، فإذا فيها دراهم ودنانير وتمر وجوز وعدس وفول، فقال: كل يابن شهاب. فأهويت إليه، فإذا هو حجارة! فقلت: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا مما أصاب عبد العزيز بن مروان في مصر، إذ كان عليها والياً، وهو مما طمس الله عليه من أموالهم.
وحدث من رأى بمصر النخلة مصروعة، وإنها لحجر. قال: ولقد رأيت ناساً كثيراً قياماً وقعوداً في أعمالهم، لو رأيتهم ما شككت فيهم قبل أن تدنو منهم أنهم أناس، وإنهم لحجارة. ولقد رأيت الرجل من رقيقهم، وإنه لحارث على ثورين وإنه وثوريه لحجارة.
وعن محمد بن كعب " قال قد: أجيبت دعوتكما " قال: كان موسى يدعو وهارون يؤمن.
وعن مجاهد قال: الطوفان: طاف عليهم الموت.
стр. 9034
وقال ابن عباس: الطوفان الغرق.
قال وهب بن منبه: أرسل الله عليهم الطوفان وهو الماء، فمطرت عليهم السماء ثمانية أيام ولياليهن، لا يرون فيها شمساً ولا قمراً، وفاض الماء حتى ارتفع، وامتلأت الأنهار والآبار والبيوت، فخافوا الغرق، فصرخ أهل مصر إلى فرعون بصيحة واحدة، إنا نخاف الغرق، وإنا قد هلكنا جوعاً، فأرسل فرعون إلى موسى يدعوه إليه، فأتاه، فقال له فرعون: أيها الساحر! " ادع لنا ربك بما عهد عندك " يعني عهد إليك بزعمك أنك رسوله إننا لمهتدون إنا لمبايعوك " لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل " قال موسى: لست أدعو لكم أبداً ما سميتموني ساحراً. فعند ذلك " قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك " فدعا موسى ربه، فكشف الله عنهم الطوفان، فأقلعت السماء، وابتلعت الأرض، فنبتت زروعهم وكلؤهم وخصبوا خصباً لم يروا مثله قط في أرض مصر، فلما أبصروا الخصب نكثوا العهد وكذبوا موسى وقالوا: لقد كان ماكنا نحذر من هذا الماء رحمة وخصباً، جادت زروعنا وأخصبت بلادنا، فنقضوا العهد وقالوا: يا موسى لن نؤمن لك، ولن نرسل معك بني إسرائيل، فإنا كنا جزعنا من شيء كان خيراً لنا. فأوحى الله إلى موسى أن صل ركعتين، ثم أشر بعصاك نحو المشرق والمغرب. ففعل موسى، فأرسل الله عليهم الجراد من الأفقين أمثال الغمام المظلم الأسود، حتى امتلت أرضهم، وحال الجراد بينهم وبين السماء، حتى صارت الشمس كأنها في سحاب، فلحس الجراد ما أنبت الله من الزرع والكلأ، حتى لم يذر منه شيئاً، ثم توجهت نحو النخل والشجر، فجلعت تستقبل النخلة العظيمة فتأكلها، حتى تحفرها عن عروقها، ويستقبل بعضها الشجرة العظيمة المثمرة، فيقع بعضها في أعلاها وبعضها في أسفلها. فيأكلها حتى ما يرى فيها عود ولا ورقة، ويسمع لها قضم ثم تبتلعه كما يبتلع الجمل اللقمة،
стр. 9035
فما ينكشف الجراد عن شيء وقع عليه إلا صار ذلك المكان كأنما حرث بالبقر.
قال ابن عباس:
كان الجراد يأكل الأبواب والخشب، ومسامير الأبواب، ويقع في دورهم ومساكنهم، فلا يستطيع أحد منهم الخروج من بيته إلا أكله الجراد وثيابهم وشعورهم، وثبت الجراد عليهم ثمانية أيام ولياليها، لا يرون الأرض حتى ركب الجراد بعضه بعضاً ذراعاً من الأرض، فصرخ أهل مصر إلى فرعون فقالوا: يا سيدنا! إن هذا لا تقوم له حيلتنا، وكل مصيبة أهون علينا من الجوع، وإنه متى أصابنا الجوع ظهر علينا عدونا، وصار بعضنا خدماً لبعض، وإنا لم نر ساحراً قط مثله! إن سحره لم يزل يعظم حتى بلغ ما ترى، فادعه وعجل قبل الهلاك.
следующие страницы →