← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 9031–9070 · переход к 9036.

стр. 9031

لفرعون: أيها الملك! ما هذا الذي يعمل به هذا الساحر فنعمل مثله؟ قال: يعمل بالعصا. قالوا: نحن نعمل. قال: اعرضوا علي سحركم، فقام الذين يعلمون بالعصي والحبال فألقوها بين يدي فرعون، وسحروا أعين الناس، فإذا حبالهم عصيهم صارت حيات وأفاعي، ففرح بذلك فرعون واستبشر، وطمع أن يظفر بموسى، وظن عصيهم وحباهلم صارت حيات، فقال لهم اجهدوا على أن تغلبوه فإنه ساحر لم ير مثله. فقالوا: " إن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين "؟ يعني إن غلبنا إن لنا لمنزلة وفضيلة؟ قال فرعون: " نعم وإنكم إذاً لمن المقربين " في المجالس والدرجة عندي. فقالوا: أيها الملك واعد الرجل، فقال: قد واعدته يوم الزينة، وهو عيدكم الأكبر، ووافق ذلك يوم السبت، فخرج الناس لذلك اليوم. فقال فرعون أجمعوا " كيدكم ثم أءتوا صفاً " كل ألف ساحر صف، فكانوا خمسة وعشرين صفاً، وقيل: خمسة عشر صفاً، مع كل ساحر عمل ليس مع صاحبه، وخرج موسى وهارون، وبيد موسى عصاه في جودياءة وعباءة، حتى انتهوا إلى الصفوف، وخرج فرعون في عظماء قومه، فجلس على سريره، عليه خيمة ديباج ميل في ميل، ومعه هامان وزيره وقارون بين يديه، قد استكف له الناس، واجتمعا في صعيد واحد، وخرج الناس يقول بعضهم لبعض: ننظر من الغالب فنكون معه. فوقف موسى وهارون قبل السحرة، ف " قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذباً " يعني لا تقولوا على الله إلا الحق " فيسحتكم " يعني فيبعثكم " بعذاب، وقد خاب " يعني قد خسر " من افترى " قال " فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى " فصارت السحرة يناجي كل واحد صاحبه

стр. 9032

سراً يقول: ما هذا بقول ساحر، ولكن هذا كلام من الرب الأعلى فعرفوا الحق ثم نظروا إلى فرعون وسلطانه وبهائه، ونظروا إلى موسى في كشائه وعصاه، فنكسوا على رؤوسهم و" قالوا إن هذان لساحران " ألآية. ثم قال كبيرهم: " يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى " فهم موسى أن يلقي، فأمسك الله يده، وألقى على لسانه أن ابدؤوا فألقوا. فألقى كل رجل منهم ما كان في يده من حبل أو عصاً. قيل: إنهم أخرجوا ثلاثمائة وستين وسقاً ما بين عصا وحبل، فلما ألقوا قالوا " بعزة فرعون " يعني بإلهية فرعون " إنا لنحن الغالبون " يعني القاهرون " فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم " ملؤوا الدنيا في أعينهم حيات وأفاعي، فكان أول ما خطفوا بسحرهم بصر موسى وهارون، ثم فرعون والناس، وألقى كل رجل منهم ما كان في يده، فأقبلت الحيات والأفاعي فامتلأ الوادي يركب بعضها بعضاً وهرب الناس منهم " فأوجس " موسى " في نفسه خيفة " فقال: لقد كانت هذه عصاً في أيديهم وإنها صارت حيات، فظن موسى وخاف أن تكون صارت حيات كما صارت عصاه ثعباناً، فأوحى الله إليه أني بمكان أسمع وأرى، وجاء جبريل حتى وقف عن يمينه، بين موسى وهارون، قال: " لا تخف إنك أنت الأعلى، وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى " فذهب عن موسى ما كان يجد. وعن ابن عباس قال: مكث موسى في آل فرعون بعدما غلب السحرة عشرين سنة يريهم الآيات الجراد والقمل والضفادع فأبوا. وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : الطوفان: الموت.

стр. 9033

وقال ابن عباس: قوله: " تسع آيات " قال: اليد والعصا، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والسنين، ونقص من الثمرات. وقال لغيره: بدل " ونقص من الثمرات " والبحر. قال ابن شهاب: دخلت على عمر بن عبد العزيز فقال لي: يا بن شهاب! أخبرني عن قول الله " ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات " ما هن؟ قال: قلت: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ويده، والبحر، والطمسة، وعصاه. فقال عمر بن عبد العزيز: هكذا يكون العلم يابن شهاب. ثم قال: يا غلام! ائتني بالخريطة. فأتي بخريطة مختومة، ففكها ثم نثر ما فيها، فإذا فيها دراهم ودنانير وتمر وجوز وعدس وفول، فقال: كل يابن شهاب. فأهويت إليه، فإذا هو حجارة! فقلت: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا مما أصاب عبد العزيز بن مروان في مصر، إذ كان عليها والياً، وهو مما طمس الله عليه من أموالهم. وحدث من رأى بمصر النخلة مصروعة، وإنها لحجر. قال: ولقد رأيت ناساً كثيراً قياماً وقعوداً في أعمالهم، لو رأيتهم ما شككت فيهم قبل أن تدنو منهم أنهم أناس، وإنهم لحجارة. ولقد رأيت الرجل من رقيقهم، وإنه لحارث على ثورين وإنه وثوريه لحجارة. وعن محمد بن كعب " قال قد: أجيبت دعوتكما " قال: كان موسى يدعو وهارون يؤمن. وعن مجاهد قال: الطوفان: طاف عليهم الموت.

стр. 9034

وقال ابن عباس: الطوفان الغرق. قال وهب بن منبه: أرسل الله عليهم الطوفان وهو الماء، فمطرت عليهم السماء ثمانية أيام ولياليهن، لا يرون فيها شمساً ولا قمراً، وفاض الماء حتى ارتفع، وامتلأت الأنهار والآبار والبيوت، فخافوا الغرق، فصرخ أهل مصر إلى فرعون بصيحة واحدة، إنا نخاف الغرق، وإنا قد هلكنا جوعاً، فأرسل فرعون إلى موسى يدعوه إليه، فأتاه، فقال له فرعون: أيها الساحر! " ادع لنا ربك بما عهد عندك " يعني عهد إليك بزعمك أنك رسوله إننا لمهتدون إنا لمبايعوك " لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل " قال موسى: لست أدعو لكم أبداً ما سميتموني ساحراً. فعند ذلك " قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك " فدعا موسى ربه، فكشف الله عنهم الطوفان، فأقلعت السماء، وابتلعت الأرض، فنبتت زروعهم وكلؤهم وخصبوا خصباً لم يروا مثله قط في أرض مصر، فلما أبصروا الخصب نكثوا العهد وكذبوا موسى وقالوا: لقد كان ماكنا نحذر من هذا الماء رحمة وخصباً، جادت زروعنا وأخصبت بلادنا، فنقضوا العهد وقالوا: يا موسى لن نؤمن لك، ولن نرسل معك بني إسرائيل، فإنا كنا جزعنا من شيء كان خيراً لنا. فأوحى الله إلى موسى أن صل ركعتين، ثم أشر بعصاك نحو المشرق والمغرب. ففعل موسى، فأرسل الله عليهم الجراد من الأفقين أمثال الغمام المظلم الأسود، حتى امتلت أرضهم، وحال الجراد بينهم وبين السماء، حتى صارت الشمس كأنها في سحاب، فلحس الجراد ما أنبت الله من الزرع والكلأ، حتى لم يذر منه شيئاً، ثم توجهت نحو النخل والشجر، فجلعت تستقبل النخلة العظيمة فتأكلها، حتى تحفرها عن عروقها، ويستقبل بعضها الشجرة العظيمة المثمرة، فيقع بعضها في أعلاها وبعضها في أسفلها. فيأكلها حتى ما يرى فيها عود ولا ورقة، ويسمع لها قضم ثم تبتلعه كما يبتلع الجمل اللقمة،

стр. 9035

فما ينكشف الجراد عن شيء وقع عليه إلا صار ذلك المكان كأنما حرث بالبقر. قال ابن عباس: كان الجراد يأكل الأبواب والخشب، ومسامير الأبواب، ويقع في دورهم ومساكنهم، فلا يستطيع أحد منهم الخروج من بيته إلا أكله الجراد وثيابهم وشعورهم، وثبت الجراد عليهم ثمانية أيام ولياليها، لا يرون الأرض حتى ركب الجراد بعضه بعضاً ذراعاً من الأرض، فصرخ أهل مصر إلى فرعون فقالوا: يا سيدنا! إن هذا لا تقوم له حيلتنا، وكل مصيبة أهون علينا من الجوع، وإنه متى أصابنا الجوع ظهر علينا عدونا، وصار بعضنا خدماً لبعض، وإنا لم نر ساحراً قط مثله! إن سحره لم يزل يعظم حتى بلغ ما ترى، فادعه وعجل قبل الهلاك.

стр. 9036

فأرسل فرعون إلى موسى، فأتاه فقال له: " يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون " نحلف لك يا موسى " لئن كشفت عنا " هذا " لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل " فدعا موسى ربه فأرسل الله ريحاً شديدة فاحتملت الجراد فألقته في البحر، وانكشفت لهم الأرض، فلما نظر أهل مصر إلى الأرض فإذا هم قد بقي من زروعهم وكلئهم ما يكفيهم عامهم ذلك، وذلك في أرض لم تصل إليه الجراد، فأتوا موسى ونكثوا العهد وقالوا: بقي لنا ما نكتفي به سنتنا هذه، فلن نؤمن لك ولن نرسل معك بني إسرائيل. فلما علم الله ذلك من كفرهم أمر الله موسى أن امش إلى كثيب في ناحية كذا وكذا من أرض مصر، فاضربه بعصاك ثم انكته من نواحيه. فانطلق موسى إلى ذلك الكثيب فضربه بعصاه، فخرج عليهم مثل القمل - وقال بعضهم: البراغيث - والقمل هو هذا الدبى من الجراد، حتى خرج شيء لا يحصي عدده إلا الله، حتى امتلأت البيوت والأطعمة، ومنعتهم من النوم والقرار، فكان الرجل منهم لا يقر ليله ولا نهاره، ويصيح كهيئة المجنون قد اعترتهم الحكة، وأقبلت على بقية الزرع فأكلته حتى أخرجته من عروقه، فصرخ أهل مصر إلى فرعون: إنا قد هلكنا جوعاً إن لم ترسل إلى هذا الساحر يدعو لنا ربه أن يكشف عنا هذا العذاب. فأرسل فرعون إلى موسى، فأتاه فقال له: " يا أيها الساحر ادع لنا ربك " يكشف عنا، وإن فعل آمنا بك وأرسلنا معك بني إسرائيل. قال موسى: قد كنت حلفت لي واعطيتني عهداً إن كشف الله عنكم لتؤمنن بي، ولترسلن معي بني إسرائيل. قال: قد كان ذلك فيما مضى، ولكن المرة ادع لنا. قال موسى: لا أدعو لكم ما سميتموني ساحراً. فقال: يا موسى! ادع لنا ربك. فدعا موسى ربه، فأمات القمل، فلم يبق منه بأرض مصر شيء، فلما أن علم القوم أنه لم يبق لهم ما يعيشون به أتوا فرعون، فجعلوا يتوامرون ماذا يصنعون بموسى؟ قال: فاتفق أمرهم على أنه ساحر، وإنما غلبهم بسحره، فدعا فرعون موسى فقال: يا موسى! إن لم نؤمن لك هل يستطيع ربك أن يفعل بنا شراً مما فعل، فلن نؤمن لك ولن نرسل معك بني إسرائيل. فلما علم الله نكثهم أوحى إلى موسى أن يأتي البحر ثم يشير بعصاه، ففعل موسى فأرسل الله عليهم الضفادع، فتداعى بعضها بعضاً حتى أسمع أدناها أقصاها وما فوق الماء منها وما تحته، فخرج كل ضفدع خلقه الله في البحر، فلم يشعر الناس إلا والأرض مملوءة ضفادع، ثم توجهت نحو المدينة فدبت في أرضهم وبيوتهم، ومجالسهم وأجاجيرهم وفرشهم وأقبيتهم، وامتلأت الأطعمة والآنية، وكانوا لا يمشون ولا يقعدون إلا على الضفادع، وكان الرجل منهم لا يكشف عن ثوب ولا عن قدر ولا عن آنية إلا وجد فيه ضفادع ميتة، حتى إن الرجل كان ينام على فراشه مع أهله، فإذا انتبه من نومه وجد عليه من الضفادع ما لا يحصى، وقد ركب بعضها بعضاً، وجعل أهل المدينة لا يستطيعون أن، يأكلوا طعاماً من بين الضفادع. قال مجاهد: كانت الضفادع تسكن الحجرة، فلما أرسلها الله عذاباً على فرعون وقومه كانت تجيء حتى تقذف أنفسها في التنور المسجور والقدور، وهي تغلي غضباً لله، فشكر الله لها فأسكنها الماء، وجعل نقيقها النشيج.

стр. 9037

قال وهب: فلما آذى آل فرعون القذر والنتن، وأجهدهم البلاء الذي أصابهم من الضفادع صرخوا إلى فرعون، فأرسل إلى موسى فأتاه فقال: " يا أيها الساحر ادع لنا ربك " يدفع عنا هذا الرجز فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل. قال موسى: لولا الحجة والعذر الذي وضعه الله بيني وبينك ما فعلت. قال: فدعا ربه فماتت الضفادع، فجعلوا يكنسونها من بيوتهم ودورهم وأقبيتهم، ثم ينتقلونها إلى باب المدينة، حتى جعلت ركاماً، ثم أرسل الله عليهم مطراً وابلاً، فسال بالضفادع فأكفاها في البحر، فلما كشف الله عنهم الضفادع قالوا: ما فعل هذا إلا سحره، فلو صبرنا كانت تموت الضفادع، فنكثوا وقالوا: لن نؤمن لك ولن نرسل معك بني إسرائيل. فلما نكثوا أوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك النيل - وهو النهر الذي يشرب به أهل مصر - ففعل موسى فتحول النيل دماً عبيطاً، يرده بنو إسرائيل فيشربون ماء عذباً صافياً، ويرده قوم فرعون فتختضب بها أيديهم دماً، فجرت أنهارهم دماً وصارت ركاياهم دماً، فلم يقدر أحد منهم على ماء يشربه، وكانوا لا يستقون من بئر ولا نهر، ولا يغرفون من إناء إلا صار دماً، حتى قيل إن المرأة من آل فرعون كانت تخرج إلى المرأة من بني إسرائيل حين أجهدها العطش فتقول لها: اسقيني من مائك، فإني قد هلكت عطشاً. فترحمها فتغرف لها من جرتها أو قربتها فيعود الماء بإذن الله في إنائها دماً، وفي إناء الإسرائيلية ماء صافياً، حتى إن كانت المرأة من آل فرعون لتقول للمرأة من بني إسرائيل: اجعلي الماء في فيك ثم مجيه في في، فإذا مجته في فيها صار دماً. فمكثوا بذلك سبعة أيام ولياليهن، لا يقدرون على ماء حتى بلغهم الجهد. وقيل: إن آبارهم كانت قبل الدم دوداً أحمر، فاتخذ لها فرعون أكوازاً على فيها كهيئة الغرابيل يقال له البرقال، فعند ذلك صارت أنهارهم دماً، فصرخوا إلى فرعون: إنا قد هلكنا عطشاً، وإنه لا صبر لنا، وقد هلكت مواشينا وأنعامنا عطشاً. فأرسل فرعون إلى موسى فقال: بحق ربك الذي أرسلك إلينا لما دعوته أن يكشف عنا إننا لمهتدون.

стр. 9038

وهي مدتك هذه نعطيك عهداً أن لا ننكث، ونؤمن بك، ونرسل معك بني إسرائيل. قال موسى: يا فرعون! أليس تزعم أني ساحر وأني أصنع هذا بسحري؟ فكيف تأمرني أن أدعو ربي؟ قال: يا موسى! لا تؤاخذنا بما قد مضى، ولكن ادع لنا ربك مرتك هذه. فدعا موسى ربه، فكشف الله الرجز وشربوا من بعد الدم ماء عذباً صافياً، وما كان دعوة موسى في كل مرة إلا للحجة والعذر، والقدر الذي قدره الله، ورجاء أن يرجعوا ويوفوا بعهده، ويؤمنوا ويرسلوا معه بني إسرائيل، فلم يفوا، وعادوا إلى أمرهم، قال الله : فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون ". قالوا: وكان الطوفان ثمانية أيام حتى خافوا الغرق، وكان بين الطوفان وبين الجراد أربعون يوماً، وكان الجراد ثمانية أيام، وكان بين الجراد وبين القمل أربعون يوماً، وكان القمل ثمانية أيام، وكان بين القمل والضفادع أربعون يوماً، وكان الضفادع ثمانية أيام، وكان بين الضفادع والدم أربعون يوماً، وكان الدم ثمانية أيام. فقال الله لموسى: " أسر بعبادي " ليلاً " إنكم متبعون ". وعن ابن عباس أن الله أمهل لفرعون بين القولين حين قال " أنا ربكم الأعلى "، وقال: " ما علمت لكم من إله غيري " فأمهله أربعين سنة فيما بين القولين، فلذلك حكم ربنا تبارك وتقدس، ثم أخذه بنكال الآخرة والأولى؛ فأما الأولى فقال: " ما علمت لكم من إله غيري "، والآخرة حين حشر الناس في أمر فرعون فقال: " أنا ربكم الأعلى ". وعن محمد بن كعب قال: لقد ذكر لي أن فرعون خرج في طلب موسى على ستمائة ألف من الخيل دهم، كلها

стр. 9039

زرق حصان، سوى ما كان في جنده وسائر الخيل، فخرجوا في طلب موسى كما قال الله : " فأتبعوهم مشرقين " عند طلوع الشمس ولما انتهى موسى إلى بحر القلزم، لم يكن له عنه مصرف، واطلع عليهم فرعون في جنوده من خلفهم والبحر أمامهم، فظن بنو إسرائيل الظنون، وجعلوا يلومون موسى بقول الله : " فلما تراءى الجمعان " يعني الفريقان جند فرعون وأصحاب موسى " قال أصحاب موسى إنا لمدركون، قال كلا إن معي ربي سيهدين " يقول: وعدني وسينجز وعدي ولا خلف لموعد الله. فقال بنو إسرائيل لموسى: لم يدعنا بأرض مصر، أرض طيبة نعيش فيها، ونخدم فرعون وقومه، ولم نر هذا البلاء، هذا البحر أمامنا، وفرعون وجنوده من خلفنا، إن ظفر بنا قتلنا، وإن اقتحمنا في البحر غرقنا، لقد لقينا في سبيلك بلاء وشدة. ولما رأى موسى قومه وما يتضرعون ويستغفرون من ذنوبهم، ويقولون: يا موسى! سل لنا ربك يضرب لنا " طريقاً في البحر يبساَ "، فقد وعدنا بذلك بمصر، فاتبعناك وصدقناك وهذا فرعون وجنوده قد دنا منك. فانطلق موسى نحو البحر فقال: إن الله أمرني أن أسلك فيك طريقاً. وضرب بعصاه البحر من قبل أن يوحى إليه، فأنطلق الله البحر فقال له: يا موسى! أنا أعظم منك سلطاناً، وأشد منك قوة، وأنا أول منك خلقاً، وعلي كان عرش ربنا، وأنا لا يدرك قعري، ولا أترك أحداً يمر بي إلا بإذن ربي، وأنا عبد مأمور لم يوح الله إلي قبل شيئاً. ودنا فرعون وجنوده. فجاء موسى إلى

стр. 9040

قومه راجعاً، فأيس القوم، فأتاه جبريل بن يوحائيل المؤمن فقال له: يا موسى! يا نبي الله! أليس وعدك الله البحر؟ قال: نعم. قال: فلن يخلفك، فناج ربك. فبينا هو كذلك إذ جاءه خازن البحر فسلم عليه، فقال له: يا موسى! أتعرفني؟ قال: لا. قال: أنا خازن البحر. قال: فما أوحى الله إليك في أمر فرعون شيئاً؟ قال: يا موسى! والله إني لخامس خمسة من خزان الله، والله ما أدري ما الله صانع بعد بفرعون، ولقد خفي علي أمره، فإن الله وعدك وهو منجز ذلك، فتضرع إلى ربك. فتضرع موسى إلى الله وقال: يا رب! قد ترى ما يقول بنو إسرائيل وما قد كربهم، وما نزل بهم من سوء الظن، فأسألك بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف، فرج عنا هذا الكرب، ونجنا من فرعون، وأبدل لنا مكان الخوف أمناً، كي نسبحك كثيراً ونعبدك حق عبادتك. واختلط خيل فرعون بخيل موسى، وخرج فرعون معلماً على فرس، له حصان وكانت لحيته تغطي قربوس سرجه، ولمته من خلفه تغطي مؤخر سرجه، وعليه درع من ذهب، قد علاه بالأرجوان، فلما رأى ذلك الله مما دخل في قلب موسى وقلوب بني إسرائيل أوحى الله إلى موسى أني قد أدبت البحر أن يطيعك، فاضرب " بعصاك البحر " فضرب موسى البحر " فانفلق " اثنا عشر طريقاً، ودعا موسى أصحابه فقال لهم: هلموا فثم ثم. قال: اللهم أجعل هذا البحر غضباً ورجزاً ونقمة على فرعون وقومه، ونجنا جميعاً، فإنا جندك ونحن أهل الذنوب والخطايا. قال: فصار البحر كما قال الله اثني عشر طريقاً يابساً وهو قوله: " واترك البحر رهواً " يعني سهلاً دمثاً، لا تخاف دركاً من فرعون وجنوده، ولا تخشى البحر يغرقك ومن معك. قال: فلما كان البحر " كالطود العظيم " كل فرقة منه يعني كالجبل العظيم.

стр. 9041

وتفرق الماء يميناً وشمالاً، وبدت الأرض يابساً، فقالت بنو إسرائيل: إنا نخاف أن يغرق بعضنا ولا يراه إخوانه، غير أنا نحب أن يكون البحر أبواباً، ليرى بعضنا بعضا، فصار لهم أبواباً ينظر بعضهم إلى بعض. وكان طول الطريق فرسخين، وعرضه فرسخاً، فأتبعه فرعون بجنوده. ولما جاز بنو إسرائيل البحر ولم يبق منهم أحد، بقي البحر على حاله، وأقبل فرعون عدو الله وهو على حصان من دهم الخيل، ووقف على شفير البحر، والبحر رهواً ساكناً على حاله، فأراد موسى أن يضرب بعصاه البحر فتركه كما كان، فأوحى الله إليه أن أترك " البحر رهواً إنهم جند مغرقون " فتركه على حاله خامداً، فلما أبصر فرعون البحر خامداً اثني عشر طريقاً يقول لجنوده: ألا ترون البحر كيف أطاعني، وإنما فعل هذا لتعظيمي وما ينشق إلا فرقاً مني لأنه علم أني سأتبع بني إسرائيل فأقتلهم، ولم يعلم عدو الله أن الله مكر به من حيث لا يشعر، فانطلق ليقتحم في البحر، وجالت الخيل فعاينت العذاب، فنفر الحصان الذي هو عليه، وجالت الخيل فأقحموها، فعاينت العذاب فلم تقتحم، وهابت أن تدخل البحر، فعرض له جبريل على فرس له أنثى ودق، فقربها من حصان فرعون، فشمها الفحل فتقدم جبريل أمام الحصان، فاتبعها الحصان وعليه فرعون، فلما أبصر جند فرعون أن فرعون دخل نادت أصحاب الخيل: يا صاحب الرمكة! على رسلك لتتبعك الخيل. فوقف جبريل حتى وافت الخيل ودخلوا البحر، وما يظن فرعون إلا أن جبريل فارس من أصحابه، فجعلوا يقولون له: أسرع الآن فقد دخلت الخيل، أسرع يسرع الخيل في إثرك. فجعل جبريل يخب إخباباً وهم في إثره لا يدركونه، حتى توسط بهم في أعمق مكان في البحر، وبعث الله ميكائيل على فرس آخر من خلفهم يسوقهم ويقول لهم: التحقوا بصاحبكم. حتى

стр. 9042

إذا فصل جبريل من البحر، ليس أمامه أحد من آل فرعون، وقف ميكائيل من الجانب الآخر ليس خلفه أحد، قالوا: وكان مع موسى ستمئة ألف، وأتبعهم فرعون على ألف ألف حصان سوى الإناث؛ وقيل: ألف ألف ومئتي ألف حصان؛ وقيل: إن مقاتلة بني إسرائيل يومئذ ستمئة ألف، وإن مقدمة فرعون كانوا ستمئة ألف، على خيل دهم سود غر محجلين، ليس فيها شية مخالفة لذلك، إلا أدهم أغر محجل؛ قال: فلما تتاموافيه أطبقت عليهم، فلذلك قال: " وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ". وعن أبي السبيل قال: لما انتهى موسى إلى البحر قال له: هن أبا خالد. فأخذه أفكل. يعني رعدة. وعن ابن عباس قال: قال موسى: يا رب! أمهلت فرعون أربع مئة سنة وهو يقول: " أنا ربكم الأعلى " ويكذب بآياتك ويجحد رسلك. فأوحى الله إليه: إنه كان حسن الخلق، سهل الحجاب، فأحببت أن أكافئه. قال سعيد بن جبير: سألت عبد الله بن عباس عن قول الله " وفتناك فتوناً " ما هو الفتون: استأنف النهار يا بن جبير! فإن له حديثاً طويلاً. فلما أصبحت غدوت عليه فقال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم من أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فقال بعضهم: إن بني إسرائيل لينظرون ذلك ما يشكون فيه، وقد كانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب، فلما ملك قالوا: ليس هكذا كان الله وعد إبراهيم. قال فرعون: كيف ترون؟ فذكر حديث قتل الأبناء، وما جرى على موسى، وذلك من الفتون. ثم ذكر رميه في اليم وأن الماء انتهى به إلى فرضة مستقى جواري امرأة فرعون

стр. 9043

وأنهن أخذنه وهممن بفتح التابوت، فقال بعضهن: إن في هذا مالاً، وإن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه. فحملنه فيه. فحملنه إليها فلما فتحته رأت غلاماً، فألقى الله عليها منه محبة، فسمع الذباحون بأمره، فأقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه، وذلك من الفتون. ثم ذكر أنها استوهبته من فرعون، وطلبت له ظئراً لترضعه، فلم يأخذ ثدي أحد منهن، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، وأمرت به فأخرج إلى السوق ومجمع الناس، ترجو أن تجد له ظئراً، " فبصرت به " أخته " عن جنب " والجنب: أن يسمو بصر الإنسان إلى الشيء البعيد، وهو إلى جنبه لا يشعر به، فقالت من الفرح: أنا " أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون " فأخذوها وقالوا: ما يدريك ما نصحهم له؟ هل يعرفونه؟ حتى شكوا في ذلك. وذلك من الفتون يا بن جبير. ثم ذكر أن أمه لما وضعته في حجرها أخذ ثديها ومصه حتى امتلأ جنباه رياً، وبشرت امرأة فرعون بذلك، وأتيت بها. فقالت لها امرأة فرعون امكثي عندي ترضعين ابني هذا. فقالت أم موسى: لا أستطيع أن أضيع بيني وولدي، فإن طابت نفسك أن تعطينيه فيكون معي لا آلوه خيراً فعلت. وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها فيه فتعاسرت على امراة فرعون وأيقنت أن الله منجز وعده. فرجعت إلى بيتها بابنها في يومها، فأنبته الله نباتاً حسناً، وحفظه لما قد مضى فيه، فلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية مجتمعين، يمتنعون به من السخرة والظم، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أريني ابني. فوعدتها يوماً تريها. فقالت امرأة فرعون لخزانها وقها رمتها: لا يبقي أحد منكم اليوم إلا استقبل ابني بهدية وكرامة لأرى ذلك فيه، وأنا باعثة أميناً يحصي كل ما يصنع كل إنسان منكم. فلم تزل الهدايا والكرامة والنحل تستقبله من حين

стр. 9044

خرج من بيت أمه إلى أن دخل بين امرأة فرعون، فلما دخل عليها نحلته وأكرمته وفرحت به ونحلت أمه وقالت: لآتين به فرعون فلينحلنه، وليكرمنه، فدخلت به عليه، فجعلته في حجره، فتناول لحية فرعون فمدها إلى الأرض، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون: ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه؟ إنه يذلك ويعلوك ويصرعك، فأرسل إلى الذابحين ليذبحوه. وذلك من الفتون يا بن جبير. ثم ذكر حديث الجمرتين واللؤلؤتين، وأن موسى تناول الجمرتين. ثم ذكر حديث الرجلين اللذين يقتتلان والوكز، وإرسال فرعون الذباحين لتقل موسى " وجاء رجل من أقصى المدينة " من شيعة موسى فاخبره الخبر. وذلك من الفتون. وذكر باقية الحديث إلى أن اجتمع السحرة وغلبوا " وانقلبوا صاغرين، وألقي السحرة ساجدين ". قال: وامرأة فرعون بارزة متبذلة، تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه، فمن رآها من آل فرعون ظن أن ابتذالها شفقة على فرعون وأشياعه. ثم ذكر حديث الآيات، ودخول موسى البحر وأصحابه، والتقاء البحر على فرعون وقومه. ولما جاوز موسى البحر قال أصحابه: إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق ولا نؤمن بهلاكه. فدعا ربه فأخرجه لهم ببدنه حتى استيقنوا بهلاكه. ثم مروا بعد ذلك على " قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون، إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعلمون " قد رأيتم من العبر وسمعتم بما يكفيكم ومضى، فأنزلهم موسى منزلاً ثم قال لهم: أطيعوا هارون، فإني قد استخلفته عليكم، وإني ذاهب إلى ربي وأجلهم ثلاثين يوماً أن يرجع إليهم فيها، فلما أتى ربه، فأراد أن يكلمه في ثلاثين يوماً، وقد صامهن ليلهن ونهارهن، كره أن يكلم ربه وريح فمه ريح فم الصائم، فتناول من نبات الأرض شيئاً فمضغه، فقال له ربه حين أتاه: لم أفطرت؟ - وهو أعلم بالذي كان - قال: يا رب! إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي

стр. 9045

طيب الريح. قال: أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، ارجع حتى تصوم عشراً ثم ائتني، ففعل موسى ما أمر به، فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم للأجل ساءهم ذلك، وكان هارون قد خطبهم فقال: إنكم خرجتم من مصر، ولقوم فرعون عندكم عوار وودائع ولكم فيهم مثل ذلك، وإني أرى أن تخمسوا مالكم عندهم، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عارية، ولسنا برادي إليهم شيئاً من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا، فحفر حفيراً، وأمر كل من عنده شيء من ذلك من متاع أو حلية أن يدفنوه في تلك الحفرة ثم أوقد عليه النار فأحرقه، فقال: لا يكون لنا ولا لهم. وكان السامري من قوم يعبدون البقر، جار لهم، ولم يكن من بني إسرائيل، فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا، فقضي له أن رأى أثر الرسول، فاخذ منه قبضة، فمر بهارون فقال له هارون: يا سامري! ألا تلقي ما في يدك وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك. فقال: هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر فلا ألقيها لشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها ما أريد أن يكون. فألقاها، ودعا له هارون فقال: أريد أن تكون عجلاً. فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد، فصار عجلاً أجوف، ليس فيه روح، له خوار. قال ابن عباس: لا والله ما كان له صوت قط، إنما كان الريح يدخل من دبره ويخرج من فيه، وكان ذلك الصوت من ذلك. فتفرق بنو إسرائيل فرقاً، فقالت فرقة: يا سامري! ما هذا؟ فأنت أعلم به؟ قال: هذا ربكم، ولكن موسى ضل الطريق. فقالت فرقة: لا نكذب بهذا " حتى يرجع إلينا موسى " فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه، ولا عجزنا عنه حين رأيناه؛ وإن لم يكن ربنا فإنا نتبع قول موسى، وقالت فرقه: هذا عمل الشيطان وليس بربنا ولا نؤمن به ولا نصدق به. وأشرب قومه في قلوبهم

стр. 9046

التصديق بما قال السامري في العجل، وأعلنوا أن لا يكذب به، فقال " لهم هارون " " يا قوم إنما فتنتم به، وإن ربكم " ليس هكذا. قالوا: فما بال موسى وعدنا ثلاثين ليلة ثم أخلفنا، فهذه أربعون قد مضت، وقال سفهاؤهم: أخطأ ربه فهو يطلبه ويتبعه. فلما كلم الله موسى وقال له ما قال، وأخبر بما لقي قومه " رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً " فقال لهم: ما سمعتم في القرآن " وأخذ برأس أخيه يجره إليه " " وألقى الألواح " من الغضب، ثم أنه عذر أخاه واستغفر له، وانصرف إلى السامري فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: قبضت " قبضة من أثر الرسول " وفطنت لها وعميت عليكم، فقذفتها " وكذلك سولت لي نفسي، قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس إن لك موعداً لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفاً " ولو كان إلهاً لم يخلص إلى ذلك منه. فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، اغتبط الذي كان رأيهم فيه رأي هارون وقالوا بجماعتهم لموسى: سل بنا ربك أن يفتح باب توبة نصنعها وتكفر عنا ما عملنا، فاختار " موسى قومه سبعين رجلاً " لذلك لا يألو الخير خيار بني إسرائيل، ومن لم يشرك في العجل، فانطلق بهم ليسأل لهم التوبة، فرجفت بهم الأرض فاستحيا نبي الله ﷺ من قومه ووفده حين فعل بهم ما فعل، و" قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا " وفيهم من كان الله قد اطلع على ما أشرب في قلبه من حب العجل وإيماناً به فلذلك رجفت بهم الأرض فقال " ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون، الذين يتبعون الرسول النبي

стр. 9047

الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ". فقال: يا رب! سألتك التوبة لقومي، فقلت إن رحمتك كتبتها لقوم غير قومي، فليتك أخبرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحومة. فقال الله له: إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم كل من لقي من ولد أو والد، فيقتله بالسيف لا يبالي من قتل في ذلك الموطن. وثاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون ما اطلع الله عليهم من ذنوبهم، واعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا به، فغفر الله للقاتل والمقتول. وسار موسى بهم متوجهاً نحو الأرض المقدسة، و" اخذ الألواح " بعد ما سكت عنه الغضب، وأمرهم بالذي أمرهم أن يبلغهم من الوظائف. فثقل ذلك عليهم وأبوا أن يقروا بها، فشق الله عليهم الجبل " كأنه ظلة " ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بإيمانهم وهم مصغون برؤوسهم ينظرون إلى الجبل وإلى الأرض، والكتاب بأيديهم، وهم ينظرون إلى الجبل مخافة أن يقع عليهم، ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة، فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون خلقهم خلقاً منكرة، ذكر من ثمارهم أمراً عجيباً من عظمها، فقالوا " يا موسى إن فيها قوماً جبارين " لا طاقة لنا بهم ولا " ندخلها أبداً ما داموا فيها " " فإن يخرجوا منها فإنا داخلون، قال رجلان من الذين يخافون " من الجبارين: آمنا بموسى - قال يزيد: هكذا قرأ ابن عباس: " من الجبارين آمنا بموسى " - وخرجا إليه فقالا: نحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم، فإنهم لا قلوب لهم ولا منعة عندهم، فادخلوا " عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ".

стр. 9048

ويقول أناس: إنهم من قوم موسى. وزعم سعيد بن جبير أنهما من الجبارين آمنا بموسى يقول: " من الذين يخافون " إنما أعني بذلك من الذين يخافهم بنو إسرائيل. " قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون " فأغضبوا موسى فدعا عليهم، فسماهم قوماً فاسقين، ولم يدع عليهم قبل ذلك لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم، حتى كان يومئذ، فاستجاب الله له، وسماهم كما سماهم موسى فاسقين، فحرمها " عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض " يصبحون كل يوم فيسيرون، ليس لهم قرار، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثياباً لا تبلى ولا تتسخ، وجعل بين ظهرانيهم حجراً مربعاً وأمر موسى بضربه بعصاه فانفجرت منه اثنتي عشرة عيناً، في كل ناحية ثلاثة أعين وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها فلا يرتحلون من منقلة إلا وجدوا ذلك الحجر منهم بالمكان الذي كان منه بالأمس. روي أن الله أهدى إلى موسى خمس دعوات، جاء بهن جبريل ﵇ في أيام العسر وقال: يا موسى! ادع بهذه الخمس دعوات، فإنه ليس عبادة أحب إلى الله من عبادة أيام العسر، أولاهن: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير. والثانية: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، إلهاً أحداً صمداً، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً. والثالثة: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أحداً صمداً. والرابعة: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير. والخامسة: حسبي الله وكفى، سمع الله لمن دعا، ليس وراء الله منتهى.

стр. 9049

فقال الحواريون - يعني لعيسى بن مريم -: ما ثواب من قال هؤلاء الكلمات؟ فقال: أما من قال الأولى مئة مرة فإنه لا يكون أحد من أهل الأرض عمل مثل ذلك ذلك اليوم، وكان أكثر العباد حسنات يوم القيامة. ومن قال الثانية مئة مرة كتبت له بها عشرة آلاف ألف حسنة، ومحي عنه بها عشرة آلاف ألف سيئة، ويفتح له بها عشرة آلاف ألف درجة، ونزل سبعون ألف ملك من سماء الدنيا رافعي أيديهم يصلون على من قالها. من قال الرابعة مئة مرة تلقاها ملك حتى يضعها بين يدي الرحمن ﵎، وينظر الله إلى من قالها، ومن ينظر الله إليه لا يشقى، قال عيسى: أخبرني ما ثواب الخامسة؟ قال جبريل: هي دعوتي، ولم يؤذن لي أن أفسرها. وعن ابن عباس في قوله: " إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم " يعني كان ابن عم موسى، وكان قارون بن يصهر بن لاوي. قالوا: وكان قارون قد خرج مع موسى منافقاً، فلم يزل على نفاقه على موسى وقومه، فأهلكه الله، وكان من بغيه أن امرأة بغية كانت تسمى بشيراً، دعاها قارون فقال لها: أعطيك مئة دينار، فانطلقي إلى محلة بني إسرائيل فقولي إن موسى أرسل إلي بهذه المئة دينار يدعوني إلى نفسه، فإذا فعلت فهذه المئة لك، وأعطيك مثلها، فانطلقت إلى محله بني إسرائيل، فهمت أن تقول ما قال لها قارون فحول الله كلامها فقالت: إن قارون أرسل إلي بهذه الدنانير وأمرني أن أعلم الناس أن موسى أرسل إلي بها وأنه راودني عن نفسي ويعطيني مثلها أيضاً. فغضب موسى غضباً شديداً ودخل بيته، فجاء بنو إسرائيل إلى قارون - وكان أغنى أهل زمانه - قالوا: ويحك يا قارون! ما حملك على ما صنعت!؟ هذا موسى نبي الله وهو

стр. 9050

ابن عمك وقد أهلك الله عدونا وبسط الله لك من الدينا ما لم يعطه أحداً من بني إسرائيل، فلا تفرح. يعني لا يحملنك على ما تصنع البطر، ولا تبطر إن الله لا يحب البطرين " وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا " يقول: لا تدع حظ آخرتك لدنياك وخذ لآخرتك من دنياك وقدم لها. قال قارون عند ذلك: " إنما أوتيته " يعني هذا المال " على علم عندي " موسى يمن علي أن الله رزقني. وكان يعلم علم الكيمياء، وهو صنعة الذهب، فخرجوا من عنده وأراد الله هلاكه، وأن يلحقه بصاحبه فرعون " فخرج على قومه في زينته " قال: خرج راكباً على برذون أشهب، عليه الأرجوان، على سرج مقدمه ذهب ومؤخره ذهب، مكلل بالدر والياقوت، وأخرج معه أربع مئة جارية، عليهن الأرجوان، في عنق كل واحدة منهن طوق من ذهب، عليهن الخفاف البيض، على بغال شهب، عليها سروج الذهب والفضة ومياثر الأرجوان، وأخرج أربع مئة غلام على أربع مئة دابة دهم وكمت، عليها سروج الذهب والفضة، عليهم ثياب الأرجون والخفاف، ثم أظهر ابن له، فحملته الرجال أمامه، وأظهر كنوزه من الدنانير والدراهم، وكانت عامة كنوزه الدنانير، فوضعها على عواتق الرجال يسير في محلة بني إسرائيل. قال قوم من بني إسرائيل وهم الذين وصفهم الله في كتابه: " قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون " من الأموال " إنه لذو حظ عظيم " يعني لذو حظ واف من الدنيا. " قال الذين أوتوا العلم " من بني إسرائيل للذين تمنوا مثل ما أعطي قارون " ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً ولا يلقاها إلا الصابرون " يعني طاعة الله والصبر عليه خير مما أعطي قارون يتباهى بأمواله. فأقبل موسى وهو شديد الغضب عليه، حنقاً حين انصرف إليه بنو إسرائيل الذين وعظوه،

стр. 9051

وأخبروه بما هو له حظ إن فعل من الإحسان فيما أعطاه الله. قالوا: إنهم قالوا لقارون: انظر إلى ما أعطاك الله فاقسمه في فقراء قومك وأهل بيتك. قال قارون: يعينون بذلك موسى وهارون، وهما أقرب بني إسرائيل إلى مال جمعته على علم عندي من صنعه الذهب؟ والله لا أفعل. فلما سمع ذلك موسى كبر عليه وظن موسى أنما ظن قارون أني طمعت في ماله؟ فخرج موسى حين قيل له: هذا قارون قد أقبل. فقال موسى: اللهم إني أسألك بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب أن تأمر الأرض أن تطيعين. فأوحى الله إلى الأرض أن أطيعي عبدي موسى. فقالت الأرض - وأنطقها الله -: يا موسى! مرني فأطيعك، قال: خذي قارون وما معه. قال: فأخذت قارون ومن معه من الغلمان والجواري، وتركت أموالهم ودوابهم، فقيل لقارون: هذا موسى قد دعا عليك - وهو يسيخ في الأرض - فنادى قارون: يا موسى! أنا ابن عمك قارون فارحمني. قال موسى: خذيه. فأخذتهم الأرض إلى ركبهم، فنادى: يا موسى! إن ربك رحيم فارحمني. قال موسى: خذيهم. فأخذتهم إلى أوساطهم. قال قارون: يا موسى! أتوب وأرجع. قال: خذيهم. فأخذتهم. فلم يزل قارون يدعو موسى حتى دعاهم سبعين مرة، كل ذلك يقول للأرض: خذيهم، حتى ابتلعتهم وبقيت الأموال. فتحدث بنو إسرائيل فقالوا: إنما دعا عليه وترك الأموال لما يريدها لنفسه. فقال موسى: يا رب! وأمواله. فخسف الله بها الأرض، فهم يتجلجلون فيها إلى الأرض السابعة إلى يوم القيامة، تسيخ كل يوم على قدر قامته، فلما رأى ذلك بنو إسرائيل قال الذين " تمنوا مكانه بالأمس " فإنهم تمنوا غدوة، وخسف بقارون عشية، فلما أصبحوا قال: " ويكاد الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده " " ويكأنه " يعني: ألم تر أنه " لا يفلح الكافرون ". فلما عاينوا بعد ما صنع الله بقارون خافوا على أنفسهم، قالوا " لولا أن من الله علينا لخسف بنا " فأوحى الله إلى موسى فقال: يا موسى! عبدي قارون وهو

стр. 9052

ابن عمك، دعاك سبعين مرة فلم ترحمه! وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني، لو دعاني من ذلك سبع مرات لنجيته ولاستجبت به. فقال موسى: أنت الرحيم يا رب! ومنك الرحمة، وإنما اشتد غضبي لله، إنه اختار دعاء المخلوق على الخالق. قال علي بن زيد بن جدعان: سمعت عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي وهو مستند إلى المقصورة، فذكر سليمان بن داود وما آتاه الله من الملك، ثم قرأ هذه الآية: " أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين " حتى بلغ " فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر " ولم يقل هذا من كرامتي، ثم قال إن " ربي غني كريم " ثم ذكر قارون وما أوتي من الكنوز فقال " إنما أوتيته على علم عندي " قال: بلغنا أنه أوتي الكنوز والمال حتى جعل باب داره من ذهب، وجعل داره كلها من صفائح الذهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون إليه ويروحون، يطعمهم الطعام ويتحدثون عنده. وساق الحديث. وقيل: إن موسى لما أتى قومه وأمرهم بالزكاة جمعهم قارون فقال: هذا جاءكم بالصوم والصلاة وأشياء تحتملونها، أفتحتملون أن تعطوه أموالكم؟ قالوا: ما نحتمل أن نعطيه أموالنا، فما ترى؟ قال: أرى أن ترسلوا إليه بغي بني إسرائيل فتأمرونها أن ترميه بأنه أرادها على نفسها. وساق الحديث. وروي عن وهب بن منبه: أن موسى لم يدخل أرض مصر، إنما بعث جندين، كل جند اثنا عشر ألفاً، فالله أعلم أي ذلك كان؛ وأما ما فسره المفسرون أنه قد رجع إلى أرض مصر لقول الله : " كذلك وأورثناها بني إسرائيل " الجنان والعيون والزروع والكنوز والمقام الكريم التي كانت لآل فرعون.

стр. 9053

وعن أبي يوسف - وكان يهودياً فأسلم - أن موسى لما عبر ببني إسرائيل البحر أقام بأرض الشام سنة لا يكلم ولا ينزل عليه وحي، فشق ذلك عليه، وزعم أنه كان إذا كلمه الله يمكث أربعين ليلة مبرقعاً، من رآه غشي عليه مما يغشي وجهه من النور فقام على جبل بريحاء بفلسطين، فنادى الرحمن وهو عليه فقال: إلهي! ذهب روحي، وانقطع ظهري ولم ينزل علي وحي ولا كلمة منذ سنة - وبكى بكاء شديداً - فإن كان ذلك لذنوب رأيتها من بني إسرائيل فعفوك اللهم، وإن كان لأمر رأيته مني فهذه يدي وهذه ناصيتي، خذ اليوم رضاك من نفسي. قال له: يا موسى! أتدري لم كلمتك؟ قال: إلهي أنت أعلم. قال: لم يتواضع لي عبد من ولد آدم تواضعك، فلذلك كلمتك، فبعزة وجهي لأنزلن على جبال العرب نوراً أملأ به ما بين المشرق والمغرب، ولأخرجن من ولد قادر بن إسماعيل نبياً أمياً عربياً، ولتسبحن عظيمة قريتي عروباً بتسبيح ذلك النبي وتقديسه وليحملن ذلك النور من عظيمة قريتي عروباً إلى مشارق الأرض ومغاربها، ولا يبقى من ولد آدم جنس إلا جاءني منه بشر كثير، عدد نجوم السماء وتراب الأرض على جبال كوثى، وكوثى: مكة بالعبرانية كلهم يؤمن بي رباً وبه رسولاً، يكفرون بملك آبائهم ويبرؤون

стр. 9054

منها. قال موسى: سبحانك يا رب! تقدست، لقد كرمت هذا النبي وشرفته. فقال الله له: يا موسى! إني أنتقم من عدوه في الدنيا والآخرة، وأظهر دعوته على كل دعوة وأسلطه ومن اتبعه على البر والبحر، وأخرج لهم من كنوز الأرض، وأذل من خالف شريعته في هذا العالم؛ يا موسى! العدل رتبته، والقسط زينته، بعزة وجهي لأستنقذن به فئاماً من الناس عظيماً، حتمت يوم خلقت السموات والأرض أني مسبب ذلك الأمر على يدي محمد، وقضيت أني جاعل العز في الأرض والنبوة في الأجراء والرعاء. فقال له موسى لقد كرمت هذا النبي وشرفته! أي رب! أخبرني بعلامتهم من ولد بني آدم. قال: الأرز على أنصافهم ويغسلون أطرافهم، وهم رعاة الشمس، يخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتي، يقاتلون صفاً في سبيلي، رهبان بالليل، ليوث بالنهار، طوبى لتلك القلوب والأرواح التي أخلصت لي لم يسيروا بأرواحهم إلى غيري قط، يصفون لي في مساجدهم كما تصف الملائكة حول عرشي، فهم أوليائي وأنصاري، أنتقم بهم من عبدة الأوثان، وهم الذين ينصروني. قال له موسى: أي رب! ما بعثت في الأنبياء مثلي، ولم تكلم منهم غيري. قال له: أما في بني إسرائيل فلا أقيم مثلك، ولكني باعث في بلعم نبياً هو مثلك. قال: أي رب، هل أنت معطيه قرباناً مثل قرباننا؟ قال: قربانهم أفضل من قربانكم، تأكل قربانكم النار، فتنطلق به، ولهم في قربانهم أجران اثنان، يذبحون لي في غداة واحدة، يذكر اسمي ويهريقون الدماء لي فآجرهم، ويطعمون اللحم إخوانهم فآجرهم. فتحت الدنيا بإبراهيم، وختمتها بمحمد ﷺ ، مثل كتابه الذي يجيء به - فاعرفوه يا بني إسرائيل - مثل السقاء المملوء لبناً يخاض فيخرج زبده، فهو كذلك كتاب الله، يقرأ عليكم لم تسمعوا بمثله قط، فيه خبر الكتب كلها، قضاء إلهي أنه يختم بكتابه الكتب، وبشريعته الشرائع، فمن أدركه فلم يؤمن به ويدخل في شريعته فهو من إلهي ومني بريء؛ وإنهم يبنون الصوامع في مشارق الأرض ومغاربها، إذا ذكروا اسم إلهي ذكروا اسم ذلك النبي معه، لا يزول ذكره من الدنيا حتى تزول. وإن داود النبي صلى الله على نبينا وعليه وسلم، لما بنى بيت المقدس صلى ركعتين ثم قال أي رب! بنيت لك بيتاً أتعبد لك فيه. فنزل عليه الوحي، قال الله: ويحك

стр. 9055

عبدي داود! أي بيت يسعني وأي سماء تسعني وأي أرض تسعني؟ أنا أعظم من ذلك كله، وسأضرب لك مثلاً فاعقله: السموات السبع وما فيهن من الملائكة والأرض جميعاً، وما فيهن من البحار والجبال تحت عرشي بمنزلة القنديل المعلق، قال له داود: سبحانك! تقدست أنت كما شئت أن يكون! وكما قلت لنفسك وفوق ما تقول إلى خلائقك. قال الله: أجل فسبحني وقدسني، واصنع كما تصنع الأمة التي أخرتها على هذا العالم. قال له: رب! وأي أمة هي؟ قال: هي أمة أحمد. قال: أي رب! أخبرني بعلامتهم. قال: إذا فرغوا كبروني، وإذا غضبوا هللوني، وإذا تنازعوا سبحوني. وقيل: إنهم تاهوا في اثني عشر فرسخاً أربعين عاماً، وجعل لهم حجر مثل رأس الثور، يحمل على ثور، فإذا نزلوا منزلاً وضعوه، فضربه موسى ﷺ بعصاه " فانفجرت منه اثنتا عشر عيناً " وإذا ساروا حملوه على ثور واستمسك الماء. وعن ابن وهب: أن الله لما حرم عليهم أن يدخلوا الأرض المقدسة أربعين سنة يتيهون في الأرض، شكوا إلى موسى فقالوا: ما نأكل؟ فقال: إن الله سيأتيكم بما تأكلون. قالوا: من أين لنا إلا أن تمطر علينا خبزاً. قال: إن الله سينزل عليكم خبزاً مخبوزاً. فكان ينزل عليهم المن، فسئل وهب: ما المن؟ قال الخبز الرقاق مثل الذرة أو مثل النقي. قالوا: وما نأتدم؟ وهل بدلنا من اللحم؟ قال: فإن الله يأتيكم به. قالوا: من أين إلا أن تأتينا به الريح. قال: فإن الريح تأتيكم به. فكانت الريح تأتيهم بالسلوى. فسئل وهب: ما السلوى؟ قال: فإن الريح تأتيكم به. فكانت الريح تأتيهم منه، فيأخذون منه من سبت إلى سبت. قالوا فما نلبس؟ قال: لا يخلق لأحد ثوب أربعين سنة، قالوا: فما نحتدي؟ قال: لا ينقطع لأحدكم شسع أربعين سنة. قالوا: فإنه يولد فينا أولاد فما نلبسهم؟ قال: الثوب الصغير على الكبير يشب معه. قالوا: فمن أين لنا الماء؟ قال: يأتيكم به الله. قالوا: من أين إلا أن يخرج لنا من الحجر. فأمر الله موسى أن يضرب بعصاه الحجر. قالوا: فيما نبصر؟ فإنها تغشانا الظلمة. فضرب له عمود من نور في وسط عسكرهم،

стр. 9056

أضاء عسكرهم كله. قالوا: فيما نستظل؟ فإن الشمس علينا شديدة؟ قال يظلكم الله بالغمام. قال وهب بن منبه: إن الله أوحى إلى موسى أن سر ببني إسرائيل حتى تدخل الأرض المقدسة، فقد كتبتها لكم، فاخرج إليها فجاهد من فيها بمن معك من بني إسرائيل، فإني ناصركم. قال: فانطلق موسى بمن معه من بني إسرائيل فقالوا: يا موسى! إنا لا نعرف الطريق، ولا علم لنا بالأرض ومدخلها ومخرجها، ورجالها وحصونها. قال: فبعث موسى هؤلاء الاثنا عشر النقباء إلى الأرض، ليتحسسوا لهم الأرض، وأقام موسى مكانه وجعل عليهم يوشع بن نون. وكالب بن يوفنا، وكان فيما بين الشام وبينهم مفاوز ليس بها ماء ودعا لهم موسى بالرزق، فأنزل الله عليهم في مسيرهم المن والسلوى، وفجر لهن الحجارة عيوناً ماء من موضع موسى إلى أرض أريحا، وأقام موسى بمكانه، فقالت بنو إسرائيل: كيف لنا بهذا المسير البعيد الذي لا تقوى فيه على حمل الماء وصنعة الطعام؟ يعول الرجل منا أربع مئة عيل، فأي ماء يسعهم وأي طباخ يوسعهم، وأي دار تكنهم حتى تبلغهم؟ وأي خباء يسعهم؟ وإنما معناه الثياب والذهب والفضة، وليس بيننا وبين الأرض المقدسة مدائن الأسواق؛ فادع لنا ربك يكفينا مؤنة هذا السعي. فأوحى الله إلى موسى أني قد سمعت الذين قالوا، فاعلمهم أني قد أعلمتك وأعطيتك ما سألوا، فقل لهم: أما ما سألتم من الطعام، فإن الله يمطر لكم السماء بالمن - خبزاً مخبوزاً، طعمه كطعم الخبز المأدوم بالسمن والعسل - ومسخر لكم الريح فتنسف لكم طير السلوى، فتوسعكم لحماً ما أكلتم. وأما ما تحتاجون إليه من الماء فيفجر لكم من الحجر ماء رواءاً حيث نزلتم، فيوسعكم لشربكم وطهوركم؛ وأما ما أردتم من الكن والظل، فيسخر لكم الغمام فيظلكم من فوقكم ويكنكم من البرد والحر والريح. قالوا: يا موسى! نقيم حتى يرجع إلينا النقباء، فيخرجونا، فنرى

стр. 9057

رأينا، فأمر موسى النقباء أن يسيروا، فأتوا الأرض المقدسة، وارتحل موسى ومعه بنو إسرائيل، فكان إذا نزلوا ضرب بعصاه " الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً " فكانت تجري إلى كل سبط عين تدخل عسكرهم، وكانت السماء تمطر عليهم خبز المن، مثل خبز الماء، طعمه طعم الخبز المأدوم بالسمن والعسل، وتنسف عليهم الريح طير السلوى، وتذري رأسه عنه فيصير مصفى ليس فيه ريش فيصبح في العسكر ركامان عظيمان من خبز وطير، فيأكلون ويحملون. وعن وهب: أن بني إسرائيل لما أيقنوا أن لا يرجعوا إلى مصر، ولا يدخلوا الأرض المقدسة قالوا لموسى: لابد لنا من كتاب نقرؤه، وشرائع أحكام. فسأل ربه فقال: نعم يا موسى. فواعده أن يخرج إل طور سيناء، وواعده ثلاثين يوماً؛ قال: واستخلف موسى على قومه هارون وقال: إني منصرف إليكم بعد أربعين يوماً، وآتيكم بأحكام وشرائع. قال: فانطلق موسى معه جبريل، حتى انتهى إلى طور سيناء، وطهر ثوبيه، وكلمه ربه، فلما سمع كلام ربه طمع في رؤيته فقال موسى " رب أرني أنظر إليك قال " يا موسى! " لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني " يقول: أي لا تستطيع أن تنظر إلي، وسأجعل بيني وبينك علماً إن استطاع ذلك العلم النظر إلي فسوف تراني. قال ابن عباس: في قوله: " وكلم الله موسى تكليماً " قال: يعني بالتكلم مشافهة. وقال: إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة، واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمداً بالرؤية. وقال كعب الأحبار: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى ﷺ فرآه محمد ﷺ ، وكلمه موسى مرتين.

стр. 9058

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : لما ذهب أخي موسى إلى مناجاة ربه قال: يا موسى! ما هذا الذي في يدك؟ قال: يا رب! خاتم حديد. وفي رواية قال: شيء من حلي الرجال. قال: اجعله ورقاً، واجعل فصه من عقيق، وانقش عليه " لكل أجل كتاب ". وفي رواية قال: فيه شيء من اسمي أو من كلامي؟ قال: لا. قال ما كتب فيه " لكل أجل كتاب ". وعن كعب قال: أن الله أعطى محمداً ﷺ ليلة أسري به أربع آيات، ما أعطاها أحد قبله. قول الله : " لله ما في السماوات وما في الأرض " إلى آخر السورة، وهي ثلث الكتاب، وآية الكرسي، وأعطى الله موسى غيرها حين قربه نجياً، وأمره أن يدعو بهن، فدعا فاطمأن وقوي على احتمال النبوة وحفظ ما ناجاه ربه. قال: قل يا موسى: اللهم لا تولج الشيطان في قلوبنا، وخلصنا منه ومن كل شر من أجل أن لك الملكوت والأيد والسلطان والملك والحمد والأرض والسماء، والبقاء دهر الداهرين أبد الآبدين أبداً آمين آمين. فدعا بهن، فاطمأن، ثم ناجاه ربه . وقيل: إن الله ، حين ناجى موسى قال: يا موسى بن عمران! يا صاحب جبل لبنان، قم بين يدي مقام العبد الذليل المعترف بذنبه. وكان فيما علمه أن قال له: اقرأ في دبر كل صلاه آية الكرسي، فمن قرأها في دبر كل صلاة أعطيته قلوب الشاكرين، وأعمال الصديقين، وثواب النبيين، وبسطت عليه يميني بالرحمة، ولم يحجبه عن الجنة شيء إلا ملك الموت، فيقبض روحه فيدخل الجنة. زاد في رواية: فقال موسى: يا رب! من يدوام على ذلك؟ قال: يا موسى! يداوم

стр. 9059

على ذلك نبي أو صديق أو عبد قد رضيت عنه، أو عبد أريد أن أقبله. وعن أبي هريرة قال: عرض رجل من اليهود سلعة، فأعطي بها شيئاً فأبى، ثم قال: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فسمعها رجل من الأنصار فلطمه، فقال: نقول والذي اصطفى موسى على البشر، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا! فانطلق اليهودي إلى رسول اله ﷺ فقال: با أبا القاسم! إن لي ذمة وعهداً. فقال: وما ذاك؟ قال: ما بال فلان لطمني؟! فأرسل رسول الله ﷺ إلى الأنصاري فقال: ما يقول هذا؟ قال: يا رسول الله! يقول والذي اصطفى موسى على البشر وأنت بين أظهرنا! فغضب رسول الله ﷺ عليه وسلم حتى رئي ذلك في وجهه، ثم قال لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من بعث، أو في أول منبعث، فإذا بموسى ﵇ آخذ بالعرش، فما أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أو بعث قبلي، ولا يقولن أحد إني أفضل من يونس بن متى. وفي رواية: فلا أدري، أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله . وعن عوف بن مالك: أن النبي ﷺ قال: إن الأنبياء ليكاثرون بأممهم، وقد كثرتهم إلا موسى بن عمران، وإني لأرجو أن أكثره ولقد أوتي موسى بن عمران خصلات لم يعطهن نبي: أنه مكث يناجي ربه أربعين يوماً، لا ينبغي لمناجيين أن يتناجيا أطول من نجواهما. وأن ربك تحود بدفنه وقبره فلم يطلع عليه أحد، وهو يوم يصعق الناس قائم عند العرش، لا يصعق معهم. وعن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : إن موسى قال: يا رب! أرنا آدم الذي أخرجنا من الجنة. فأراه الله آدم، فقال: أنت أبونا آدم، نفخ الله فيك من روحه، وعلمك الأسماء كلها، وأمر الملائكة فسجدوا

стр. 9060

لك؟ قال: نعم. قال: فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ قال له آدم: ومن أنت؟ قال: أنا موسى. قال أنت نبي بني إسرائيل؟ أنت الذي كلمك الله من وراء حجاب، ولم يجعل بينك وبينه رسولاً من خلقه؟ قال: نعم. قال: فيم تلومني في شيء سبق من الله فيه القضاء قبل؟ فقال النبي ﷺ عند ذلك: فحج آدم موسى فحج أدم موسى. وفي رواية بمعناه: تلومني على أمر قدره الله علي أن أعمله قبل أن يخلق السموات والأرض! وفي رواية: بكم تجد الذي عملت كتب علي قبل أن أخلق؟ قال: بأربعين سنة. قال فلم تلومني يا موسى؟! وعن الشعبي: في قول الله ﵎: " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله " قال: موسى ﵇ والصلاة " ورفع بعضهم درجات " قال: محمد ﷺ . " وآتينا عيسى ابن مريم البينات " فكان الشعبي يقول: هؤلاء أشراف الرسل يوم القيامة. وعن أنس: أن الناس ذكروا يوم القيامة عند رسول الله ﷺ فقال: والذي نفسي بيده، إني لسيد الناس يوم القيامة ولا فخر، وإن بيدي لواء الحمد، وإن تحته آدم ومن دونه ولا فخر. قال: ينادي الله يومئذ آدم فيقول: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك. فيقول: اخرج من ذريتك بعث النار. فيقول: يا رب! وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين. فيخرج مالا يعلم عدده إلا الله. قال: فيأتون آدم فيقولون: يا آدم! أنت أكرمك الله، وخلقك بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسكنك جنته، وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع لذريتك، تحرق اليوم بالنار. فيقول آدم: ليس ذلك إلي اليوم، ولكن سأرشدكم، عليكم بنوح. فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح! اشفع

стр. 9061

لذرية آدم. فيقول: ليس ذلك إلي، ولكن عليكم بعبد اصطفاه الله بكلامه ورسالته، وصنع على عينه، وألقي عليه محبة منه، موسى، وأنا معكم. فيأتون موسى، فيقولون: يا موسى! أنت عبد اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وصنعت على عينه، وألقي عليك محبة منه، اشفع لذرية آدم لا تحرق اليوم بالنار فيقول ليس ذلك إلي اليوم، عليكم بروح الله وكلمته، وعيسى. فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى! أنت روح الله وكلمته، اشفع لذرية آدم لاتحرق اليوم بالنار. فيقول: ليس ذلك إلي اليوم، ولكن سأرشدكم، عليكم بعبد جعله الله رحمة للعالمين، أحمد، وأنا معكم فيأتون أحمد، فيقول: يا أحمد! جعلك الله رحمة للعالمين، أحمد، وأنا معكم فيأتون أحمد، فيقول: يا أحمد! جعلك الله رحمة للعالمين، اشفع لذرية آدم لاتحرق اليوم بالنار. فأقول: نعم، أنا صاحبها. قال: فآتى حتى آخذ بحلقه الجنة، فيقال: من هذا؟ فأقول: أحمد. قال: فتفتح لي، فإذا نظرت إلى الجبار لا إله إلا هو خررت ساجداً، ثم يفتح لي من التحميد والثناء على الرب شيئاً لا يفتح لأحد من الحق، ثم يقال: ارفع، سل تعط، واشفع تشفع. فأقول: يا رب! ذرية آدم لا تحرق اليوم بالنار. فيقول الرب ﷻ : اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال قدر قيراط من إيمان فأخرجوه، ثم يعودون إلي يقولون: ذرية آدم لا يحرقون اليوم بالنار. قال: فأتى حتى آخذ بحلقة الجنة، فيقال: من هذا؟ فأقول: أحمد. فيفتح لي، فإذا نظرت إلى الجبار لا إله إلا هو خررت ساجدا، فأسجد مثل سجودي أول مرة ومثله معه، فيفتح لي من الثناء على الله والتحميد مثلما فتح لي أول مرة. فيقال: ارفع رأسك، سل تعط، واشفع تشفع. فأقول: يا رب! ذرية آدم لا تحرق اليوم بالنار. فيقول الرب: اذهبوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فاخرجوه قال: ثم أتي حتى أصنع ما صنعت أول مرة، فإذا نظرت إلى الجبار عز جلاله خررت ساجداً، فأسجد كسجودي أول مرة ومثله معه، ويفتح لي من الثناء والتحميد مثل ذلك. ثم يقال: ارفع رأسك سل تعط، واشفع تشفع. فأقول: يا رب! ذرية آدم لا تحرق اليوم بالنار. فيقول الرب: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه. فيخرجون مالا يعلم عدده إلا الله، ويبقى أكثر، ثم يؤذن لآدم

стр. 9062

بالشفاعة، فيشفع لعشرة آلاف ألف، ثم يؤذن للملائكة والنبيين فيشفعون، ثم يؤذن للمؤمنين فيشفعون، وإن المؤمن يشفع يومئذ لأكثر من ربيعة ومضر. وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ . ليس أحد من أهل الجنة إلا يدعى باسمه إلا آدم فإنه يكنى أبا محمد، وليس أحد من أهل الجنة إلا وهم جرد مرد إلا ما كان من موسى بن عمران، فإنه له لحية تبلغ سرته. قال موسى لربه يوم الطور: أي رب! إن كلمتني فمن قبلك، وإن صليت فمن قبلك، وإن صمت فمن قبلك، وإن أرسلتني فمن قبلك، وإن بلغت رسالتك فمن قبلك، فكيف أشكرك؟ قال: يا موسى! الآن علمت أنك قد شكرتني، حيث علمت أنه من قبلي. وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : لما كلم الله موسى في الأرض كان جبريل يأتيه من حلل الجنة وبكرسي مرصع بالدر والجوهر، فيجلس عليه ويرفعه الكرسي، فيرفعه حيث شاء ويكلمه حيث شاء. قال عطاء بن السائب: كان لموسى قبة طولها ست مئة ذراع يناجي فيها ربه. وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: إن الله ناجى موسى بمئة ألف كلمة وأربعين ألف كلمة، في ثلاثة أيام وصايا كلها، فلما سمع موسى كلام الآدميين مقتهم مما وقع في مسامعه من كلام الرب، فكان فيما ناجاه: يا موسى! إنه لم يتصنع لي المتصنعون بمثل الزهد في الدنيا، ولم يتقرب إلي المتقربون بمثل الورع، عما حرمت عليهم، ولم يتعبد العابدون بمثل البكاء من خيفتي. قال موسى: يا إله البرية كلها! ويا مالك يوم الدين، ويا ذا الجلال والإكرام، وما أعددت لهم وماذا جزيتهم؟ قال: يا موسى! أما الزاهدون في الدنيا فإني أبحتهم الجنة يتبوؤون منها

стр. 9063

حيث يشاؤون، وأما الورعون عما حرمت عليهم فإنه ليس من عبد يلقاني يوم القيامة إلا ناقشته الحساب لنفسه مما في يديه، إلا ما كان من الورعين فإني أستحييهم وأجلهم وأكرمهم وأدخلهم الجنة بغير حساب، أما البكاؤون من خيفتي فلهم الرفيق الأعلى، لا يشاركون فيه. وعن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: إن موسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم قال: أي رب! عبدك المؤمن تقتر عليه في الدنيا! قال: فيفتح له باب إلى الجنة فينظر إليها، وقال: يا موسى! هذا ما أعددت له. قال موسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم: أي رب! وعزتك وجلالك، لو كان أقطع اليدين والرجلين يسحب على وجهه منذ يوم خلقته إلى يوم القيامة، وكان هذا مصيره لم ير بؤساً قط. قال: ثم قال موسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم: أي رب! عبدك الكافر يوسع عليه في الدنيا! قال: يفتح له باب من النار، فيقال: يا موسى! هذا ما أعددت له. فقال موسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم: أي رب! وعزتك وجلالك، لو كانت له الدنيا منذ يوم خلقته إلى يوم القيامة، وكان هذا مصيره كأن لم ير خيراً قط. قال أبو أيوب المقرئ: كلم الله موسى مئة ألف كلمة وأربعة وعشرين ألف كلمة، ذكر كلمة كلمة، قال له: يابن عمران! كل خدن لا يؤازرك على طاعتي فاتخذه عدواً كائناً من كان. قال وهب بن منبه: إن الله كلم موسى في ألف مقام، وكان إذا كلمه رئي النور على وجهه ثلاثة أيام، ولم يمس موسى ﵇ امرأة منذ كلمه ربه. وعن كعب قال: قال موسى: أقريب فأناجيك أم بعيد فاناديك؟ قال: يا موسى! أنا جليس من ذكرني. قال: يا رب! فإنا نكون من الحال على حال نعظمك ونجلك أن نذكرك عليها.

стр. 9064

قال: وما هي؟ قال: الجنابة والغائط. قال: يا موسى! اذكرني على كل حال. وفي رواية: إني أكون على الحال التي أجلك عن أن أذكرك عليها: الخلاء والرجل من أهله. قال: يا موسى، اذكرني على كل حال. وفي رواية: الغائط، وإهراقه الماء، والجنابة، وعلى غير وضوء. وفيه قال: يا رب! كيف أقول؟ قال: تقول سبحانك وبحمدك، لا إله إلا أنت تحميني الأذى، سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت تقيني الأذى. وعن مكحول قال: أغار الضحاك بن معد - يعني ابن عدنان - على نبي إسرائيل في أربعين رجلاً من بني معد، عليهم دراريع الصوف، خاطمي خيلهم بحبال الليف، فقتلوا وسبوا وظفروا، فقالت بنو إسرائيل: يا موسى! إن بني معد أغاروا علينا، وهم قليل، فكيف لو كانوا كثيراً، وأغاروا علينا وأنت نبينا، فادع الله عليهم. فتوضأ موسى وصلى، وكان إذا أراد من الله حاجة صلى ثم قال: يا رب! إن بني معد أغاروا على بني إسرائيل فقتلوا وسبوا وظفروا، فسألوني أن أدعوك عليهم. فقال الله : لا تدع عليهم فإنهم عبادي، وإنهم ينتهون عند أول أمري، وإن فيهم نبياً أحبه وأحب أمته. قال: يا رب! ما بلغ من محبتك له؟ قال: أغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال: يا رب! ما بلغ من محبتك لأمته؟ قال: يستغفرني مستغفرهم فأغفر له، ويدعوني داعيهم فأستجب له. قال: يا رب! فاجعلهم من أمتي. قال: نبيهم منهم. قال: يا رب! فاجعلني منهم. قال: تقدمت واستأخروا. وعن كعب قال: قال موسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم ناجاه ربه: أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك؟ قال الله : يا موسى! أنا جليس من ذكرني. ثم قال: يا موسى! أتريد أن أقرب من مجلسك يوم القيامة؟ فلا تنهر السائل، ولا تقهر اليتيم، وجالس

стр. 9065

الضعفاء، وارحم المساكين، وأحب الفقراء، ولا تفرح بكثرة المال، فإن كثرة المال تفسد القلب وتقسيه؛ يا موسى! استمع وأنصت واحفظ، وأمر بني إسرائيل أن يتبعوا راكب الحمار، ابن العذارء البتول، يبعث من جبل صهيون يصنع بالآيات والعجائب، ويحيي الموتى ويبرئ الأكمة والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير بإذني، ويبشر بالنبي العربي الأمي من ولد قيدار بن إسماعيل، يبعث من بين جبلي قدس، صاحب الجمل، صاحب الهراوة - وهي العصا - والتاج - وهي العمامة - والنعلين، يبعث في آخر الزمان على فترة من الرسل، اسمه محمد في القرآن، وفي الإنجيل أحمد، وفي التوارة أحيد، افتح به وأختم، لم تلد النساء قبله ولا بعده، الأكحل العينين، الصلت الجبين، المقرون الحاجبين البادي النفقة الرجل الشعر، الشثن البنان، الحسن الثغر، المفلج الثنايا، الكث اللحية، النكاح للنساء، ذو النسل القليل، نسله من صديقة، لها في الجنة قصر من ذهب، ليس فيه صدع ولا وصل، ولا نصب ولا صخب، له منها ابنة لها فرخان مستشهدان، أمته خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، يرضون مني باليسير أعطيه إياهم، وأرضى منهم باليسير من العلم، أدخل أحدهم الجنة بشهادة أن لا إله إلا الله، يقاتل بقضيب الحديد وتقاتل أمته بقضيب الشجر، صفهم في قتالهم كصفهم في صلاتهم، يأتزرون على أنصافهم، ويطهرون أطرافهم، جعلت لهم الأرض مسجداً وطهوراً، يصلون حيث أدركتهم صلاتهم ولو كانوا على كناسة، لمناديهم في الصلاة ذوي في جو السماء، تفتح لهم أبواب السماء، أنزل عليهم رحمتي، أشداء على الكفار، متوادون بينهم، إذا رأيتهم عرفتهم أنهم أهل ركوع وسجود، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، يقاتلون في صفوفاً وزحوفاً، ويصلون لي ركوعاً وسجوداً، وقياماً وقعوداً، أناجيلهم في صدورهم، وقربانهم في بطونهم، نساؤهم أيامى لطول غيبة أزواجهم وما هم بأيامى، وأولادهم يتامى لطول غيبة آبائهم، يطلبون الجهاد بكل أفق، رهبان الليل أسود النهار، أعطيهم من قبل أن يسألوني، وأستجب لهم من قبل أن يدعوني؛ ذلك فضلي أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم، أظهره على الدين كله ولو كره

стр. 9066

المشركون فأفتح لهم فتحاً يسيراً، وأنصره نصراً عزيزاً، أجعله أول شافع، أول مشفع، أختم به الأنبياء، وأفتح به الشفاعة؛ يا موسى! مر بني إسرائيل أن لا يغيروا نعته، ولا يكتموا صفته، وإنهم لفاعلون. قال: فخر موسى ساجداً ﷺ وقال: إلهي! لقد أكرمت هذا العبد وهذه الأمة. فقال الله: يا موسى! " إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من االشاكرين ". قالوا: ولما قرب الله موسى نجياً بطور سيناء قال: يا موسى! إذا جعلت لك قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراً وزوجة تعين على الخير فلم أخزن عنك من الخير شيئاً، ومن أخزن عنه هذا فلم أفتح له من الخير شيئاً. وعن وهب قال: أوحى الله ﵎ إلى موسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم: يا موسى بن عمران! إن الذي لك عندي، على قدر ما لي عندك. وعن الحسن قال: أوحى الله إلى موسى ﵇: اتخذ طاعتي تجارة يأتك الربح من غير بضاعة. ولما كلم الله موسى اعتزل النساء وترك اللحم، فبلغ ذلك أخاه، فاعتزل النساء وترك اللحم، ثم لم يلبث أن تزوج وأكل اللحم، فقيل لموسى: إن أخاك هارون قد أكل اللحم وتزوج. قال: لكني لا أرجع في شيء تركته لله. وفي مناجاة موسى قال: رب! هذه الأمة التي أجدها في كتابي مرحومة؟ قال: تلك أمة أحمد، أعطيهم القليل فيرضون به، وأرضى منهم من العمل بالقليل، وأدخلهم الجنة بلا إله إلا الله. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إن موسى لما نزلت عليه التوراة وقرأها، فوجد فيها ذكر هذه الأمة، قال:

стр. 9067

يا رب! إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب! إني أجد في الألواح أمة هم الشافعون المشفوع لهم فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب! إني أجد في الألواح أمة هم المستجيبون المستجاب لهم، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب! إني أجد في الألواح أمة أنا جيلهم في صدورهم، يقرؤونه ظاهراً، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. يا رب! إني أجد في الألواح أمة يأكلون الفيء، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب! إني أجد في الألواح أمة يجعلون الصدقة في بطونهم، يؤجرون عليها، فاجعلها أمتي، قال تلك أمة أحمد. قال: يا رب! إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة، وإن عملها كتبت له عشر حسنات، فاجعلها أمتي، قال تلك أمة أحمد. قال: يارب! إني أجد الألواح أمة إذا هم أحدهم بسيئة لم يعلمها لم تكتب، وإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب! إني أجد في الألواح أمة يؤتون العلم الأول والآخر فيقتلون فيروز الضلالة المسيح الدجال، فاجعلها أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب! فاجعلني من أمة أحمد. فأعطى عند ذلك خصلتين. فقال: يا موسى " إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ". قال قد رضيت يا رب. وعن نوف قال: لما انطلق موسى بوفد بني إسرائيل ناجاه ربه فقال: إني أبسط لكم الأرض مسجداً ووضوءاً، تصلون حيث أدركتم الصلاة، إلا في حمام أو مرباض - وفي رواية: أو مرحاض - أو عند قبر، وأجعلكم تقرؤون التوراة على ظهر ألسنتكم، ذكركم وأنثاكم، وصبيانكم. فقالوا: لا نصلي إلا في كنيسة، ولا نستطيع أن نحمل السكينة في قلوبنا،

стр. 9068

فاجعل لنا تابوتاً تحمل فيه، ولا تقرأ التوراة إلا نظراً. قال: " فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة " حتى أتم الآية. قال: يا رب! اجعلني نبيهم. قال: إن نبيهم منهم. قال: رب فأخرني حتى أكون منهم. قال: إنك لن تدركهم. قال: رب جئت بوفادة قومي، فجعلت الوفادة لغيرهم. قال: " ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون " فكان نوف يقول: احمدوا ربكم شهد غيبتكم وأخذ بسهمكم، وجعل وفادة بني إسرائيل لكم. زاد في رواية أخرى، في ذكر صدقاتهم يأكلون في بطونهم، قال: وكان من قبلنا يقربون صدقاتهم فإن تقبلت منهم جاءت النار فأكلتها وإن لم تقبل منهم تركت، فجاءت السباع فأكلتها. قال الأعمش: قال الله تعالى: " وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك " نودي: يا أمة محمد! قد أجبتكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني. وعن المقدام بن معدي كرب أن موسى لم يزل مغطياً وجهه منذ كلمه ربه. جاء إبليس إلى موسى وهو يناجي ربه فقال له الملك: ويحك، وما ترجو منه وهو على هذه الحال يناجي ربه؟ قال: أرجو منه ما رجوت من أبيه آدم وهو في الجنة. ولما كلم الله تعالى موسى عرض إبليس على الجبل، فإذا جبريل قد وافاه فقال: اخز يا لعين، أيش تعمل ها هنا؟ قال: جئت أتوقع من موسى ما توقعت من أبيه. فقال له جبريل: اخز يا لعين. ثم قعد جبريل يبكي حيال موسى، فأنطق الله الجبة - أو

стр. 9069

الزرمانقة - فقالت: يا جبريل، أيش هذا البكاء؟ قال: إني في القرب من الله، وإني لأشتهي أن أسمع كلام الله كما سمعه موسى. فقالت الجبة: يا جبريل! أنا جبة موسى، وأنا على جلد موسى، أنا أقرب إلى موسى أو أنت؟! والكلام هو ألطف اللغات، وهو مثل الرعد القاصف، يا جبريل، أنا لا أسمعه تسمعه أنت! بينا موسى جالس في بعض مجالسه إذ جاءه إبليس وهو في برنس يتلون عليه ألواناً، فلما دنا منه خلع البرنس ثم أقبل إلى موسى فقال: من أنت؟ قال: أنا إبليس. قال: أنت فلا مرحباً بك، وما جاء بك؟ قال: جئت لأسلم عليك لمكانك من الله ومنزلتك منه. قال: فما هذا البرنس؟ قال: به أختطف قلوب بني آدم. قال: فأخبرني ما الذنب الذي إذا أذنب ابن آدم استحوذت عليه؟ قال: إذا أعجبته نفسه، واستكبر عمله، ونسي ذنبه استحوذت عليه، وأوصيتك بثلاثة أشياء. قال: وما هي؟ قال: لا تخل بامرأة لا تحل لك، فإنه ما خلا رجل بامرأة لا تحل له إلا كنت أنا صاحبه دون أصحابي حتى أفتنه بها، ولا تعاهد لله عهداً إلا كنت صاحبه دون أصحابي، حتى أحول بينه وبين الوفاء به، ولا تهمن بصدقة إلا أمضيتها، فوالله ما هم أحد بصدقة إلا كنت أنا صاحبه دون أصحابي، حتى أحول بينه وبين الوفاء بها. ثم ولى وهو يقول: ياويله! - ثلاث مرات - علم موسى ما يحذره ابن آدم. لقي إبليس موسى ﷺ فقال: يا موسى! أنت الذي اصطفاك الله برسالته، وكلمك تكليماً، وأنا من خلق الله، أذنبت وأنا أريد أن أتوب فاشفع لي إلي ربي أن يتوب علي. قال موسى: نعم. فدعا موسى ربه فقال: يا موسى! قد قضيت حاجتك. فلقي موسى إبليس فقال: قد أمرت أن تسجد لقبر آدم ويتاب عليك فاستكبر

стр. 9070

وغضب فقال: لم أسجد له حياً أسجد له ميتاً! ثم قال إبليس: يا موسى! إن لك علي حقاً بما شفعت لي إلى ربك، فاذكرني عند ثلاث لا أهلكك فيهن: اذكرني حين تغضب، فإن روحي في قلبك وعيني في عينك، وأجري منك مجرى الدم؛ واذكرني حين تلقى الزحف فإني آتي ابن آدم حين يلقى الزحف، فأذكره ولده وزوجته وأهله حتى يولي، وإياك أن تجالس امرأة ليست بذات محرم فإني رسولها إليك ورسولك إليها. وعن مجاهد: في قوله ولقد " آتينا موسى الكتاب والفرقان " قال: الكتاب: هو الفرقان، سمي فرقاناً لأنه فرق بين الحق والباطل. وعن ابن عباس قال: لما انتهى موسى إلى ربه لميقاته قال له: أأكتب - أو أنا أكتب - لك الألواح، وإن قومك يسجدون لغيري. قال: فما ألقى الألواح لقول ربه حتى نظرهم بعينيه يسجدون للعجل، فلما رآهم ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه. وعن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فيما أعطى الله موسى في الألواح في أول ما كتب عشرة أبواب: يا موسى! لا تشرك بي شيئاً فقد حق القول مني: لتلفحن وجوه المشركين النار، واشكر لي ولوالديك أقك المتألف، وأنسى لك في عمرك، وأحييك حياة طيبة وأقلبك إلى خير منها؛ ولا تقتل النفس التي حرمت إلا بالحق، فتضيق عليك الأرض برحبها، والسماء بأقطارها، وتبوء بسخطي في النار؛ ولا تحلف باسمي كاذباً ولا آثماً، فإني لا أظهر ولا أزكي من لم ينزهني ولم يعظم أسمائي؛ ولا تحسد الناس على ما أعطيتهم من فضلي، ولا تنفس عليهم نعمتي ورزقي، فإن الحاسد عدو لنعمتي، راد لقضائي، ساخط لقسمتي التي أقسم بين عبادي، ومن يكن كذلك فلست منه وليس مني، ولا تشهد بما لم يع سمعك، ويحفظ عقلك،
следующие страницы →