Полный текст (10 576 стр.). Показаны 9381–9420 · переход к 9386.
стр. 9381
ولا غنماً أدين وكان رباً ... لنا في الدهر إذ حلمي صغير
أرباً واحداً أم ألف ربٍّ ... أدين إذا تقسمت الأمور
ألم تعلم بأن الله أفنى ... رجالاً كان شأنهم الفجور
وأبقى آخرين ببر قومٍ ... فيربو منهم الطفل الصغير
وبينا المرء يعثر ثاب يوماً ... كما يتروح الغصن المطير
فقال ورقة بن نوفل لزيد بن عمرو: من الطويل
رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما ... تجنبت تنوراً من النار حامياً
بدينك رباً ليس ربٌ كمثله ... وتركك جنان الجبال كما هيا
أقول إذا جاوزت أرضاً مخوفةً ... حنانيك لا تظهر علي الأعاديا
حنانيك إن الجن كانت رجاءهم ... وأنت إلهي ربنا ورجائيا
أدين لربٍّ يستجيب ولا أرى ... أدين لمن لا يسمع الدهر داعياً
أقول إذا صليت في كل بيعةٍ ... تباركت قد أكثرت باسمك داعيا
يقول: خلقت خلقاً كثيراً يدعون باسمك.
وريزة بن محمد بن وريزة
أبو هاشم الغساني الحمصي قدم دمشق.
حدث عن مؤمل بن يهاب بسنده إلى عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : إن فاطمة أحصنت فرجها، فحرم الله ذريتها على النار.
стр. 9382
أنشد وريزة لمحمد بن بكير من المنسرح
يا ساعة القبر أين زواري ... إذا تفردت بين أحجاري
يهجر ذكري ويحتمى وطني ... وتنقضي مدتي وآثاري
يا سفر الموت أنت مرتقبٌ ... إليك أقضي وجوه أسفاري
توفي وريزة بدمشق سنة إحدى وستين ومئتين.
وزير بن صبيح
أبو روح الثقفي من دمشق.
حدث عن يونس بن حلبس عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : " فرغ الله إلى كل عبد من خمس: من رزقه وأجله وعمله وأثره ومضجعه ".
وبه عن النبي ﷺ : في قول الله : " كل يومٍ هو في شأن "، قال: " من شأنه أن يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع قوماً، ويضع آخرين ".
وصبيح: بفتح الصاد وكسر الباء.
стр. 9383
وزبر بن القاسم بن وزير
أبو القاسم السلمي الجبيلي من أهل جبيل.
حدث بجبيل عن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي بسنده إلى ركب المصري قال: قال رسول الله ﷺ : " طوبى لمن تواضع من غير منقصة، وذل في نفسه من غير مسكنة، وأنفق مالاً جمعه من غير معصية، ورحم أهل الذل والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة، طوبى لمن ذل في نفسه، وطاب كسبه، وصلحت سريرته، وكرمت علانيته، وعزل عن الناس شره، طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله ".
وزير بن محمد بن الحكم
أبو العباس حدث عن عمار بن مطر العنبري بسنده إلى أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده، في الركعة الآخرة في صلاة الغداة قال: " اللهم أنج المستضعفين من عبادك، اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعباس بن أبي ربيعة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين مثل سني يوسف، اللهم العن فلاناً وفلاناً - بأسمائهم - فأنزل الله ﵎: " ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ".
توفي وزير بن محمد سنة خمس وستين ومئتين.
стр. 9384
وزير بن مسافر الجرشي
دمشقي.
أخبر عن جدته أم أبيه أنها سمعت أبا الدرداء يقول: تدفن في حواشي قبور المسلمين فإن ولدها لباقٍ وحسابها على الله .
قال أبو بكر:
هذه النصرانية تموت حبلى من المسلم، ويجعل وجهها إلى دبر القبلة لأن الولد في بطن أمه يكون وجهه إلى ظهر أمه.
وصيف بن عبد الله
أبو علي الرومي الحافظ الأشروسي حدث عن أبي يعقوب بن إسحاق بن العنبر بسنده إلى ابن عباس: أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن آتي البيت فأقبل أسفل الأسكفة، فقال: " قبل قدمي أمك فقد وفيت بنذرك ".
وحدث عن أبي عبد الله أحمد بن محمد بن زياد بسنده إلى عائشة عن النبي ﷺ قال: " إن من الشعر حكمة ".
وحدث عن سليمان بن سيف الحراني بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، قولوا: الثبات الثبات ولا قوة إلا بالله ".
وحدث عن أبي بسر داود بن سليمان بسنده إلى أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : " من صام يوماً في سبيل الله باعد الله بينه وبين النار بذلك اليوم سبعين خريفاً ".
стр. 9385
وضاح بن خيثمة
قيل: إنه أحد أصحاب عمر بن عبد العزيز.
قال وضاح: أمرني عمر بن عبد العزيز بإخراج من في السجن، فأخرجتهم إلا يزيد بن أبي مسلم، فنذر دمي، قال: فإني بإفريقية، قيل لي: قدم يزيد بن أبي مسلم، فهربت منه، فأرسل في طلبي، فأخذت، فأتي بي، فقال لي: وضاح، فكيف وضاح؟ قال: أما والله لطالما سألت الله أن يمكنني منك، قلت: وأنا والله لطالما استعذت بالله من شرك، قال: فوالله ما أعاذك، والله لأقتلنك ثم والله لأقتلنك، والله لو سابقني ملك الموت إلى قبض روحك لسبقته، السيف والنطع! قال: فجيء بالنطع، فأقعدت فيه، وكتفت، وقام قائم على رأسي بسيف مشهور، وأقيمت الصلاة، فخرج إلى الصلاة، فلما خر ساجداً أخذته سيوف الجند، فقتل، وجاءني رجل فقطع كتافي بسيفه، وقال: انطلق.
الوضين بن عطاء بن كنانة بن عبد الله بن مصدع
أبو كنانة الخزاعي، ويقال: أبو عبد الله أصله من بانياس، وسكن قرية كفر سوسية.
حدث عن سالم عن أبيه: أنه كان يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة، ويخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك.
وفي رواية: أنه كان يفصل بين شفعه ووتره من صلاة الليل بتسليمة، ويخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك بتسليمة.
стр. 9386
وحدث عن محفوظ بن علقمة الحضرمي بسنده إلى علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: " إنما العين وكاء السه، فمن نام فليتوضأ ".
وحدث عن يزيد بن مرثد عن أبي رهم اسمه أحزاب قال: قال النبي ﷺ : " ما اصطيد صيد في بر ولا بحر إلا بتضييعه التسبيح ".
الوضين دمشقي توفي سنة سبع وأربعين ومئة، وقيل: سنة تسع وأربعين، وقيل: سنة نيف وخمسين.
قال الوضين بن عطاء: استزارني أبو جعفر، وكانت بيني وبينه حالة قبل الخلافة، فصرت إلى مدينة السلام، فخلونا يوماً، فقال لي: يا أبا عبد الله، ما مالك؟ قلت: الذي تعرف يا أمير المؤمنين، قال: وما عيالك؟ قلت: ثلاث بنات والمرأة وخادم لهم، فقال لي: أربع في بيتك؟ قلت: نعم، قال: فوالله لردد ذلك حتى ظننت أنه سيمونني، ثم رفع رأسه، فقال: أنت أيسر العرب، أربعة مغازل تدور في بيتك.
وكان الوضين يرى القدر.
وثقه قوم وضعفه آخرون.
وقاص بن ربيعة
أبو رشدين العبسي من دمشق، وقيل: من حمص.
стр. 9387
حدث وقاص أن المستورد حدثهم أن رسول الله ﷺ قال: " من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها من جهنم، ومن اكتسى برجل مسلم ثوباً فإن الله يكسوه مثله من نار جهنم، ومن قام برجل مسلم مقام رياء وسمعة فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة ".
حدث بقية عن محمد بن زياد قال: قعد وقاص بن ربيعة ورجل من أصحاب النبي ﷺ قد سماه، قال بقية: فتركت أن أسميه لأنها غيبة، فذكر النساء، قال وقاص بن ربيعة: إن امرأتي لمن أجمل النساء، وإني لأمكث الشهر والشهرين والثلاثة لا أقربها، ولأن أكون في بيت مع أسد يهارني وأهاره أحب إلي من أن تكون مكانها مرأة شابة ليس بيني وبينها محرم قال صاحب النبي ﷺ : لكني لا أقول ذلك، قال: فابتلي بيتيمة كانت في حجره، ثم تزوجها بعد.
وكيع بن الجراح بن مليح
ابن عدي بن فرس بن جمحة. وفي نسبه اختلاف
أبو سفيان الرؤاسي الكوفي قدم دمشق.
حدث وكيع عن جعفر بن برقان بسنده إلى أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: " لقد هممت أن آمر بالصلاة، ثم آمر فتيتي، فيجمعوا حزم الحطب، ثم أحرق على أقوام لا يشهدون الصلاة ".
وحدث وكيع عن سعد بن أوس بسنده إلى شكل قال: قلت: يا رسول الله، علمني دعاء أنتفع به، قال: قل: " اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي وبصري وقلبي ومنيي ".
وكان وكيع تقةً مأموناً عالياً رفيعاً كثير الحديث، حجة.
стр. 9388
ولد وكيع سنة تسع وعشرين، وقيل: سنة ثمان وعشرين ومئة.
قال وكيع: أتيت الأعمش، فقلت: حدثني، فقال لي: ما اسمك؟ فقلت: وكيع، قال: اسم نبيل ما أحسب إلا ستكون أديباً، أين تنزل من الكوفة؟ فقلت: في بني رؤاس، فقال: أين من منزل الجراح بن مليح؟ قلت: ذاك أبي، وكان على بيت المال، فقال: اذهب فجئني بعطائي وتعال حتى أحدثك بخمسة أحاديث.
فجئت أبي فأخبرته، فقال: خذ نصف العطاء، واذهب به، فإذا حدثك بالخمسة فخذ النصف الآخر، واذهب به حتى تكون عشرة.
قال: فأتيته بنصف عطائه فأخذه، فوضعه في كفه، ثم سكت، فقلت: حدثني، قال: اكتب، فأملى علي حديثين، قال: قلت: وعدتني خمسة، قال: فأين الدراهم كلها؟ أحسب أن أباك أمرك بهذا، ولم يعلم أن الأعمش مدرب، قد شهد الوقائع، اذهب فجئني بتمامها، وتعال أحدثك بخمسة أحاديث، فجئته فحدثني بخمسة، فكان إذا كان كل شهر جئته بعطائه، فحدثني بخمسة أحاديث.
قال عبد الرزاق: رأيت الثوري وابن عيينة ومعمراً ومالكاً، ورأيت ورأيت، فما رأت عيناي قط مثل وكيع.
ذكر أحمد بن حنبل يوماً وكيعاً فقال: ما رات عيناي مثله قط، يحفظ الحديث جيداً، ويذاكر بالفقه فيحسن مع ورع واجتهاد، ولا يتكلم في أحد.
قال علي بن خشرم: رأيت وكيعاً ما رأيت بيده كتاباً قط، إنما هو حفظ، فسألته عن أدوية للحفظ، فقال: إن علمتك الدواء استعملته؟ قلت: إي والله، قال: ترك المعاصي، ما جربت مثله للحفظ.
стр. 9389
قال صالح بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي أيهما أثبت عندك: وكيع أو يزيد؟ قال: ما منهما بحمد الله إلا ثبت، قلت: فأيهما أصلح عندك في الإيمان؟ فقال: ما منهما بحمد الله إلا مؤمن، ولكن وكيعاً لم يتلطخ بالسلطان، وما رأيت أحداً أوعى للعلم من وكيع، ولا أشبه بأهل النسك منه.
قال مروان: ما رأيت فيمن لقيت أخشع من وكيع، ما وصف لي أحد قط إلا رأيته دون الصفة إلا وكيع، فإني رأيته فوق ما وصف لي.
قدم رجل إلى شريك القاضي رجلاً، فادعى عليه مئة ألف دينار، فأقر به، فقال شريك: أما إنه لو أنكر لم أقبل عليه شهادة أحد بالكوفة إلا شهادة وكيع بن الجراح وعبد الله بن نمير.
قال يحيى بن أكثم القاضي: صبحت وكيعاً في الحضر والسفر، فكان يصوم الدهر، ويختم القرآن كل ليلة.
وحدث بعض من كان يلزمه قال: كان لا ينام حتى يقرأ جزأه في كل ليلة ثلث القرآن، ثم يقوم في آخر الليل فيقرأ المفصل، ثم يجلس فيأخذ في الاستغفار حتى يطلع الفجر، فيصلي الركعتين.
حدث رجل من أهل بيت وكيع قال: أورثت وكيعاً أمه مئة ألف، وما قاسم وكيع ميراثاً قط.
قال: وكان يؤتى بطعامه ولباسه، ولا يسأل عن شيء، ولا يطلب شيئاً، وكان لا يستعين بأحد، ولا على وضوء، كان إذا أراد ذلك قام هو.
قال عبد الرحمن بن سفيان بن وكيع بن الجراح: حدثني أبي قال: كان أبي يصوم الدهر، فكان يبكر فيجلس لأصحاب الحديث إلى ارتفاع النهار، ثم
стр. 9390
ينصرف فيقيل إلى وقت صلاة الظهر، ثم يخرج فيصلي الظهر، فيقصد طريق المشرعة التي كان يصعد منها أصحاب الروايا فيريحون نواضحهم، فيعلمهم من القرآن ما إلى حدود العصر، ثم يرجع إلى مسجده، فيصلي العصر ويقرأ القرآن ويذكر الله إلى آخر النهار، ثم يدخل إلى منزله، وكان يفطر على نحو عشرة أرطال من الطعام، ثم يقدم إليه عشرة أرطال نبيذ، فيشرب منها ما طاب له على طعامه، ثم يجعلها بين يديه، ثم يقوم فيصلي ورده من الليل، فكلما صلى ركعتين أو أكثر من شفع أو وتر شرب منها حتى ينفذها، ثم ينام.
قال إسحاق بن البهلول: قدم علينا وكيع بن الجراح، فنزل في مسجد على الفرات، فكنت أصير إليه لاستماع الحديث منه، فطلب مني نبيذاً، فجئته بمخيشته ليلاً، فأقبلت أقرأ عليه الحديث وهو يشرب، فلما نفذ ما جئت به طفأ السراج، فقلت: ما هذا؟ فقال: لو زدتنا زدناك.
قال يحيى بن معين: سمعت رجلاً سأل وكيعاً فقال: يا أبا سفيان شربت البارحة نبيذاً، فرأيت فيما يرى النائم كأن رجلاً يقول لك: شربت خمراً. فقال وكيع: ذلك الشيطان.
قال نعيم بن حماد: تعشينا عند وكيع أو قال: تغذينا، فقال: أي شيء تريدون أجيئكم به، نبيذ الشيوخ أو نبيذ الفتيان؟ قال: قلت: تكلم بهذا، قال: هو عندي أحل من ماء الفرات.
قلت له: ماء الفرات لم يختلف فيه، وقد اختلف في هذا.
стр. 9391
قدم وكيع مكة حاجاً، فرآه بن عياض، وكان وكيع سميناً. فقال الفضيل: ما هذا السمن وأنت راهب العراق؟ فقال له وكيع: هذا من فرحي بالإسلام. فأفحمه.
قال سلم بن جنادة: جالست وكيع بن الجراح سبع سنين، فما رأيته بزق، ولا رأيته مس حصاة بيده، ولا رأيته جلس مجلسه فتحرك، وما رأيته إلا مستقبل القبلة، وما رأيته يحلف بالله.
أغلظ رجل لوكيع بن الجراح، فدخل وكيع بيتاً، فعفر وجهه في التراب، ثم خرج إلى الرجل، فقال: زد وكيعاً بدينه، فلولاه ما سلطت عليه.
قال بعض المشايخ: سألت وكيعاً عن مقدمه هو وابن إدريس وحفص على الرشيد هارون، فقال لي: ما سألني عن هذا أحد قبلك: قدمنا، فأقعدنا بين السريرين، فكان أول من دعا به أنا، فقال: يا وكيع، إن أهل بلدك طلبوا مني قاضياً، وسموك لي فيمن سموا، وقد رأيت أن أشركك في أمانتي وصالح ما أدخل فيه من أمر هذه الأمة، فخذ عهدك وامض. فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا شيخ كبير، وإحدى عيني ذاهبة، والأخرى ضعيفة. فقال هارون: اللهم غفراً، خذ عهدك أيها الرجل وامض. فقلت: يا أمير المؤمنين، إن كنت صادقاً إنه لينبغي أن تقبل مني، وإن كنت كاذباً فما ينبغي أن تولي القضاء كذاباً. فقال: اخرج، فخرجت.
ودخل ابن إدريس، وكان هارون قد وسم له من ابن إدريس وسم، يعني خشونة جانبه. فدخل فسمعنا صوت ركبتيه على الأرض حين برك، وما سمعناه يسلم إلا سلاماً خفياً، فقال له هارون: أتدري، لم دعوتك؟ قال: لا، قال: إن أهل بلدك طلبوا مني قاضياً وسموك لي فيمن سموا، وقد رأيت أن أشركك في أمانتي، وأدخلك في صالح ما أدخل فيه من أمر هذه الأمة، فخذ عهدك وامض. فقال له ابن إدريس: ليس أصلح للقضاء؛ فنكت هارون بأصبعه، وقال له: وددت أني لم أكن رأيتك. قال له
стр. 9392
ابن إدريس: وأنا وددت أني لم أكن رأيتك، فخرج.
ثم دخل حفص بن غياث، فقال له كما قال لنا؛ فقبل عهده، وخرج.
فأتانا خادم معه ثلاثة أكياس، في كل كيس خمسة آلاف دينار، فقال: أمير المؤمنين يقرئكم السلام، ويقول لكم: قد لزمتكم في شخوصكم مؤنة، فاستعينوا بهذه في سفركم.
فقال وكيع: أقر أمير المؤمنين السلام، وقل له: قد وقعت مني بحيث يحب أمير المؤمنين، وأنا عنهما مستغن، وفي رعية أمير المؤمنين من هو أحوج إليها مني، فإن رأى أمير المؤمنين أن يصرفها إلى من أحب.
وأما ابن إدريس فصاح به: مر من ها هنا. وقبلها حفص.
وخرجت الرقعة إلى ابن إدريس من بيننا: عافانا الله وإياك، سألناك أن تدخل في أعمالنا، فلم تفعل، ووصلناك من أموالنا، فلم تقبل، فإذا جاءك ابني المأمون فحدثه - إن شاء الله -.
فقال للرسول: إذا جاءنا مع الجماعة حدثناه - إن شاء الله -.
ثم مضينا، فلما صرنا إلى الياسرية حضرت الصلاة، فنزلنا نتوضأ للصلاة.
قال وكيع: فنظرت إلى شرطي محموم قائم في الشمس، عليه سوادة، فطرحت كسائي عليه، وقلت: تدفأ إلى أن أتوضأ.
فجاء ابن إدريس فاستلبه، ثم قال لي: رحمته!؟ لا رحمك الله في الدنيا، أحد يرحم مثل ذا؟! ثم التفت إلى حفص، فقال له: يا حفص، قد علمت حين دخلت إلى سوق
стр. 9393
أسد، فخضبت لحيتك، ودخلت الحمام أنك ستلي القضاء، لا والله، لا كلمتك حتى تموت! قال: فما كلمه حتى مات.
جاء رجل إلى وكيع بن الجراح فقال له: إني أمت إليك بحرمة، قال: وما حرمتك؟ قال: كنت تكتب من محبرتي في مجلس الأعمش.
قال: فوثب وكيع، فدخل منزله؛ فأخرج له صرة فيها دنانير، وقال: اعذرني فإني ما أملك غيرها.
وكان وكيع لا يغضب بواحدة، فإذا غضب سكن غضبه بالتؤدة والوقار.
وكان وكيع إذا أتى مسجد الجامع يوم الجمعة في يوم مطير كان يخرج ونعلاه في يده، يخوض في الطين، ثم يدخل فيصلي.
فقيل له: كان يغسل قدميه؟ قال: لا.
وكان لا يصحبه أحد إلى المسجد، فإن سأله أحد في الطريق كان لا يزيد على أن يقول: في الطريق؟! في الطريق؟! على التؤدة.
قال وكيع: لو علمت أن الصلاة أفضل من الحديث ما حدثتكم.
قيل لابن معين: قوم يقدمون عبد الرحمن بن مهدي على وكيع، فقال ابن معين: من قدم عبد الرحمن على وكيع فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
قال يعقوب بن سفيان: كان غير هذا أشبه بكلام أهل العلم، ومن يحاسب نفسه، وعلم أن كلامه من عمله لم يقل مثل هذا، وكيع خير فاضل حافظ.
стр. 9394
وسئل أحمد بن حنبل: إذا اختلف وكيع وعبد الرحمن بن مهدي بقول من نأخذ؟ فقال: عبد الرحمن يوافق أكثر، وخاصة في سفيان، - وكان معنياً بحديث سفيان -، وعبد الرحمن يسلم عليه السلف، ويجتنب شرب المسكر، وكان لا يرى أن يزرع في أرض الفرات.
قال علي بن عثمان بن نفيل: قلت لأحمد بن حنبل: إن فلاناً كان يقع في وكيع وعيسى بن يونس وابن المبارك. فقال: من كذب أهل الصدق فهو الكذاب.
قال يحيى بن معين: رأيت عند مروان بن معاوية لوحاً فيه أسماء شيوخ: فلان رافضي، وفلان كذا، وفلان كذا، ووكيع رافضي.
قال يحيى: فقلت له: وكيع خير منك، قال: مني؟ قلت: نعم، قال: فما قال لي شيئاً، ولو قال لي شيئاً لوثب أصحاب الحديث عليه.
قال: فبلغ ذلك وكيعاً، فقال: يحيى صاحبنا، قال: فكان بعد ذلك يعرف لي ويوجب.
وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يتحدث في مجلسه، ولا يقوم أحد من مجلسه، ولا يبرى فيه قلم، ولا يبتسم أحد، فإن تحدث أو برى صاح ونهى عنه، وكذا كان يكون ابن نمير، وكان يغضب ويصيح، وإذا رأى من يبري قلماً تغير وجهه غضباً.
وكان وكيع يكونون في مجلسه كأنهم في صلاة، فإن أنكر من أمرهم شيئاً انتعل ودخل.
قال أحمد بن حنبل: أخطأ وكيع بن الجراح في خمس مئة حديث.
قال علي بن المديني: كان وكيع يلحن، ولو حدثت عنه بألفاظه لكانت عجباً. كان يقول: حدثنا مسعر عن عيسة.
стр. 9395
قال وكيع: من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن القرآن محدث ومن زعم أن القرآن محدث فقد كفر.
قال وكيع: العاقل من عقل عن الله أمره، ليس من عقل تدبير دنياه.
حدث وكيع عن ابن أبي خالد عن البهي: أن أبا بكر جاء إلى النبي ﷺ بعد وفاته، فأكب عليه، فقبله، وقال: بأبي أنت وأمي، ما أطيب حياتك، وما أطيب ميتتك.
قال البهي: وكان النبي ﷺ ترك يوماً وليلة حتى ربا بطنه. وانثنت خنصره.
ولما حدث وكيع بهذا الحديث بمكة اجتمعت قريش، وأرادوا صلبه، ونصبوا خشبة ليصلبوه، فجاء سفيان بن عيينة، فقال: الله، الله، هذا فقيه أهل العراق، وابن فقيهه، وهذا حديث معروف. ثم قال ابن عيينة: لم أكن سمعت هذا الحديث إلا أني أردت تخليصه.
قال علي: وسمعت هذا الحديث من وكيع بعد ما أرادوا صلبه، فتعجبت من جسارته.
قال علي: وأخبرت عن وكيع أنه احتج، فقال: إن عدة من أصحاب النبي ﷺ قالوا: إن رسول الله ﷺ لم يمت، فأحب الله أن يريهم آية الموت، منهم عمر بن الخطاب.
قال قتيبة: حدث وكيع بهذا الحديث في مكة سنة حج فيها الرشيد فقدموه إليه، فدعا الرشيد سفيان بن عيينة وعبد المجيد ابن عبد العزيز بن أبي رواد.
فأما عبد المجيد فقال: يجب أن يقتل هذا، فإنه لم يرو هذا إلا وفي قلبه غش للنبي ﷺ .
فسأل الرشيد سفيان بن عيينة، فقال: لا يجب عليه القتل، رجل سمع حديثاً؛ فرواه، لا يجب عليه القتل. المدينة أرض شديدة الحر، توفي النبي ﷺ يوم الاثنين فترك
стр. 9396
إلى ليلة الأربعاء، لأن القوم كانوا في صلاح أمر أمة محمد، واختلفت قريش والأنصار، فمن ذلك تغير.
قال قتيبة: فكان وكيع إذا ذكر له فعل عبد المجيد، قال: ذلك رجل جاهل، سمع حديثاً لم يعرف وجهه، فتكلم بما تكلم.
وفي حديث آخر بمعناه: أنه لما حدث بهذا رفع أمره إلى العثماني، ودخل إليه سفيان، فكلمه فيه، فأبى العثماني إلا قتله. فقال له سفيان: إني لك ناصح، إن هذا من أهل العلم، وله عشيرة، وإن أقدمت عليه أقل ما يكون أن تقوم عليك عشيرته وولده بباب أمير المؤمنين، فيشخص لمناظرتهم. فعمل فيه كلام سفيان؛ وأطلقه.
قال الحارث بن صديق: فدخلت على العثماني، فقلت: الحمد لله الذي لم تقتل بهذا الرجل، وسلمك الله.
فقال: يا حارث ما ندمت على شيء ندامتي على.
خطر ببالي هذه الليلة حديث جابر بن عبد الله حولت أبي والشهداء بعد أربعين سنة، فوجدناهم رطاباً ينثنون، لم يتغير منهم شيء.
قال سعيد بن منصور: كنا بالمدينة، فكتب أهل مكة إلى أهل المدينة بالذي كان من وكيع وابن عيينة والعثماني. وقالوا: إذا قدم المدينة فلا تتكلوا على الوالي، وأرجموه بالحجارة حتى تقتلوه. فعزموا على ذلك. فقدم بريد على وكيع ألا يأتي المدينة، ويمضي من طريق الربذة. وكان جاوز مفرق الطريقين إلى المدينة، فلما أتاه البريد رجع إلى الربذة، ومضى إلى الكوفة.
стр. 9397
قال مليح بن وكيع: لما نزل بأبي الموت أخرج إلي يديه، فقال: يا بني ترى يدي ما ضربت بهما شيئاً قط.
قال مليح: وحدثني داود بن يحيى بن يمان قال: رأيت رسول الله صلى عليه وسلم في النوم، فقلت: يا رسول الله، من الأبدال؟ قال: الذين لا يضربون بأيديهم شيئاً، وإن وكيع بن الجراح منهم.
قال علي بن عثام: مرض وكيع: فدخلنا عليه نعوده، فقال: إن سفيان الثوري أتاني، فبشرني بجواره، فإني مبادر إليه.
توفي وكيع سنة ثمان وتسعين ومئة، وقيل: سنة ست وتسعين ومئة مصدره من الحج بفيد، وقيل: سنة سبع وتسعين ومئة، وهو ابن ست وستين.
قال سلمة بن عفار: رأيت وكيعاً في المنام، فقلت: ما صنع بك ربك؟ قال: الجنة، قلت: بأي شيء يا أبا سفيان؟ قال: بالعلم.
الوليد بن أحمد بن محمد بن الوليد
أبو العباس الزوزني الواعظ حدث عن عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بسنده إلى أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدخل بيتاً قمنا له.
وحدث عن عبد الرحمن بن أبي حاتم بسنده إلى أم سلمة: أنها سألت رسول الله ﷺ : أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار؟ قال: نعم، إذا خمر الدرع القدمين.
стр. 9398
توفي الوليد سنة ست وسبعين وثلاث مئة. وقيل: سنة خمس وسبعين.
الوليد بن بكر بن مخلد بن أبي زياد
أبو العباس الأندلسي الغمري من أهل سرقسطة.
حدث عن أبي الحسن علي بن أحمد بن زكريا بن الخصيب بسنده إلى ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : من عاد مريضاً لم يزل في خرفة الجنة، قيل: وما خرفة الجنة؟ قال: جناها والغمري: بالغين المعجمة. توفي الوليد بالدينور سنة اثنتين وتسعين وثلاث مئة.
الوليد بن جميل بن قيس
أبو الحجاج القرشي، وقيل: الكندي، وقيل: الكناني حدث عن القاسم عن أبي أمامة قال: ذكر لرسول الله ﷺ رجلان، أحدهما عالم والآخر عابد، فقال رسول الله ﷺ : فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، وقال رسول الله ﷺ : إن الله وملائكته وأهل أرضيه يصلون على معلم الناس الخير.
وفي حديث آخر: إن أهل السماء والأرض حتى الحوت في البحر يستغفرون لطالب العلم.
стр. 9399
وبه قال: قال رسول الله ﷺ : " أفضل الصدقات ظل فسطاط في سبيل الله أن منحة خادم في سبيل الله، أو طروقة فحل في سبيل الله ".
وبه قال: قال رسول الله ﷺ : " من رحم ولو ذبيحة عصفور ﵀ يوم القيامة ".
وبه: أن النبي ﷺ نهى عن صلاتين وعن صيامين وعن نكاحين وعن لباسين وعن بيعتين، وفسر ذلك.
الوليد بن الحارث السيكسكي
حدث عن منبه بن عثمان بسنده إلى أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله وتكفير للسيئات ومنهاة للإثم ومطردة للأذى عن الجسد.
ومن هذه الترجمة وترجمة وكيع بن الجراح قال العباس بن محمد: سمعت يحيى بن معين يقول: سمعت وكيعاً يقول كثيراً: وأي يوم لنا من الموت؟! قال يحيى: ورأيت وكيعاً أخذ في كتاب الزهد يقرؤه، فلما بلغ حديثاً منه ترك الكتاب، ثم قام فلم يحدث.
فلما كان الغد، وأخذ فيه، بلغ ذلك الحديث قام أيضاً ولم يحدث، حتى صنع ذلك ثلاثة أيام.
стр. 9400
قلت ليحيى: وأي حديث هو؟ قال: حديث مجاهد عن عبد الله بن عمر قال: أخذ رسول الله ﷺ ببعض جسدي، فقال: كن كأنك غريب في الدنيا أو عابر سبيل، واعدد نفسك من أهل القبور.
قال مجاهد: قال لي عبد الله بن عمر:
يا مجاهد، إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، خذ من صحتك قبل سقمك ومن حياتك قبل موتك، فإنك يا عبد الله لا تدري ما اسمك غداً.
الوليد بن حماد بن جابر
أبو العباس الرملي الزيات حدث عن عبد الرحمن الحلبي بسنده إلى أنس بن مالك قال: كنت مع رسول الله ﷺ فقال: يا أنس، خذ الإداوة فاستعذب لنا من ماء العقيق، قال: فأخذت الإداوة، ثم استعذبت له الماء، فلحقته عند مسجد بني سالم ومعه علي، فسمعته يقول لعلي: يا علي، ما من أهل بيت كانوا في حصرة إلا سيتبعهم بعد ذلك عزة، يا علي، كل نعيم يزول إلا نعيم الجنة، وكل هم قد انقطع إلا هم أهل النار، يا علي، عليك بالصدق وإن ضرك في العاجل كان فرجاً لك في الآجل.
قال: إذ نظر إلى أبي بكر وعمر يأتيان من قبل قباء، قال النبي ﷺ : سابقان، سابقان بالخير، حبهما إيمان، وبغضهما نفاق، أحبهما يا علي، قال: نعم، يا رسول الله، إني أحبهما، وقد والله ازددت لهما حباً، قال: أجل، فأحبهما، فإن حبهما إيمان، وبغضهما نفاق.
وحدث عن سليمان بن عبد الرحمن بسنده إلى أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اللهم توفني إليك فقيراً، ولا تتوفني غنياً، واحشرني في زمرة المساكين يوم
стр. 9401
القيامة؛ فإن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة ".
وذكر في هذه الترجمة حديثاً رواه أبو محمد عبد الله بن الفضل بن عاصم بن عمر بن قتادة عن أبيه عن جده إلى قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : " أنزل الله جبريل في أحسن ما كان يأتيني في صورة، فقال: إن الله يقرئك السلام يا محمد، ويقول لك: إني أوحيت إلى الدنيا أن تمرري وتكدري وتضيعي وتشددي على أوليائي كي يحبوا لقائي، فإني خلقتها سجناً لأوليائي، وجنة لأعدائي ".
الوليد بن حنيفة
أبو خزانة التميمي من بني ربيعة بن حنظلة.
شاعر معروف من بادية البصرة.
قال لقيط: قيل لأبي خزانة: لو أتيت يزيد بن معاوية لفرض لك وشرفك، وألحقك بعلية قومك، فلست دونهم.
وكان أبو حزانة يومئذ غلاماً حدثاً، وكان معاوية حياً، ويزيد يومئذ أمير. فلما أكثر قومه عليه في ذلك، وفي قولهم: إنك تشرف بمصيرك إليه، قال: " من الطويل "
يشرفني سيفي وقلب مجانب ... لكل لئيم باخل ومعلج
стр. 9402
وكري على الأبطال طرفاً كأنه ... ظليم وضربي فوق رأس المدجج
الأبيات.
فلما أكثر قومه عليه، وعنفوه في تأخره أتى يزيد بن معاوية، فأقام ببابه شهراً، فلم يصل إليه، فرجع، وقال: والله لا يراني ما حملت عيني الماء إلا أسيراً أو قتيلاً، وأنشأ يقول: " من الطويل "
فوالله لا آتي يزيد ولو حوت ... أنامله ما بين شرق إلى غرب
لأن يزيداً غير الله ما به ... جموح إلى السوء مصر على الذنب
فقل لبني حرب تقوا الله وحده ... ولا تسعدوه في البطالة واللعب
ولا تأمنوا التغيير إن دام فعله ... ولم ينهه عن ذاك شيخ بني حرب
أيشربها صرفاً إذا الليل جنة ... معتقة كالمسك تختال في القلب
ويلحى عليها شاربيها وقلبه ... يهيم بها إن غاب يوماً عن الشرب
وأبو حزانة بالنون: هو الوليد بن حنيفة.
كان لأبي حزانة جارية، يقال لها بشاشة، وكان بها معجباً، فاضطر إلى بيعها؛ فاشتراها منه عمر بن عبيد الله بن معمر بمال كثير، فلما دفع المال إليه، وقبضها ذهبت لتدخل، فتعلق بها أبو حزانة، وأنشأ يقول: " من الطويل "
تذكر من بشاشة اليوم حاجة ... أتت كمداً من حاجة المتذكر
ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرقنا شيء سوى الموت فاعذري
أبوء بحزن من فراقك موجع ... أناجي به قلباً طويل التفكر
عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر
فقال ابن معمر: فقد شئنا، هي لك وثمنها، خذ بيدها.
لما مات طلحة بن عبد الله طلحة الطلحات وهو على سجستان ولى
стр. 9403
عبد الملك بن مروان مكانه رجلاً من قريش دميماً قصيراً، وكان طلحة جميلاً جسيماً أبيض، فقال أبو حزانة التميمي: " من الرجز "
قد علم الجند غداة استعبروا ... والقبر بين الطيبين يحفر
أن لن يروا مثلك حتى يحشروا ... هيهات هيهات الجناب الأخضر
والنائل الغمر الذي لا ينزر ... يا طلح يا ليتك عنا تخبر
أنا أتانا خزز مؤزر ... شبرين للشابر حين يشبر
أنكره سريرنا والمنبر ... وقصرنا والمسجد المطهر
وخلف يا طلح منك أعور
قال أبو حزانة ليزيد بن المهلب: كيف أصبحت، أصلح الله الأمير؟ قال: كما تحب يا أبا حزانة، قال: لو كنت كذلك كنت قائماً مثلي، وكنت أنا قاعداً في مقعدك، وكان قميص ابني المرقوع على ابنك، والتومتان اللتان في أذن ابنك على ابني.
قال يزيد: فالحمد لله الذي جعلك كذا وجعلني كذا.
فقال: إلا أنني في ضيق أنتظر سعة، وأنت في سعة تنتظر ضيقاً.
قدم على أبي حزانة ابن عمر الأعرابي، فدعا بغدائه، فقام الأعرابي للخلاء، فصعد سطحاً، فرأى كوة في وسط السطح، فظن أنها مخرج، فجلس، فقضى حاجته على مائدة القوم.
فأمر بها أبو حزانة فرفعت، ونزل الأعرابي، فقال: أين غداؤكم؟ قال له أبو حزانة: أفسده علينا عشاؤك.
стр. 9404
الوليد بن سريع المخزومي الكوفي
مولى عمرو بن حريث وفد على سليمان بن عبد الملك.
حدث عن عمرو بن حريث قال: صليت خلف النبي ﷺ الفجر، فسمعته يقرأ: " فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس " قال: وكان لا يحني رجل منا ظهره حتى يستتم ساجداً.
قال الوليد بن سريع: بعثني الجراح بن عبد الله، وكان خليفة يزيد بن المهلب على العراق، فبعثني إلى سليمان بن عبد الملك.
وكان سليمان يسأل عن الأخبار والأمطار، وكنت لا أرتق بين كلمتين، وكانت الرسل إذ ذاك إنما بريدها الإبل، وكان الطريق على السماوة سماوة كلب.
فمررت على أعرابي مشتمل بكسائه، فقلت له: هل لك في درهمين؟ قال: فكيف لي بهما؟ فناولته إياهما، وقلت: كيف أقول إذا سئلت عن المطر؟ قال: أي مطر؟ قلت: مطرنا هذا.
قال: تقول: أصابنا أحسن مطر، عقد منه الثرى، واستأصل العود، وفاضت منه الغدر، على أني لم أر في ذلك وادياً دارئاً.
قال: قلت: أملها علي، فكتبتها، وحفظتها
стр. 9405
فلما أتيت باب سليمان أذن لي، وكان يؤذن لرسول صاحب العراق قبل الناس.
فلما دخلت استبطأت أن يسألني عن المطر حتى سألني، فقلت له الكلام.
فقال: أعد، فأعدت، فقال: إنه ليخيل إلى أمير المؤمنين أنك لست بأبي عذر هذا الكلام.
قلت: أجل، والله، يا أمير المؤمنين، ما أنا بأبي عذره، ولكني كنت لا أرتق بين كلمتين، وبلغني أن أمير المؤمنين يسأل عن الأخبار والأمطار. وحدثته حديث الكلبي.
فقال: قاتله الله، وقعت على ابن بجدتها، وفضلني في الجائزة والكسوة على الرسل.
اختصم الوليد بن سريع وأخته كلثم إلى عبد الملك بن عمير قاضي الكوفة، فتوجه للقضاء على الوليد، فحكم عليه عبد الملك، فقال هذيل: " من الطويل "
أتاه وليد بالشهود يقودهم ... على ما أدعى من صامت المال والخول
يسوق إليه كلثماً وكلامها ... شفاء من الداء المخامر والخبل
فأدلى وليد عند ذاك بحجة ... وكان وليد ذا كراء وذا جدل
وكان لها دل وعين كحيلة ... فأدلت بحسن الدل منها وبالكحل
فأفتنت القطي حتى قضى لها ... بغير قضاء الله في الحشر والطول
إذا ذات دل كلمته لحاجة ... فهم بأن يقضي تنحنح أو سعل
стр. 9406
ومر بعينيه ولاك لسانه ... ورا كل شيء ما خلا شخصها جلل
فلو أن من في القصر يعلم علمه ... لما استعمل القبطي فينا على عمل
له حين يقضي للنساء تخاوص ... وكان وما منه التخاوص والحول
فقال عبد الملك: والله إن التنحنح ليأخذني ولياً في الخلاء فإرده.
وقيل لعبد الملك: القبطي: لأن بعض أمهاته كانت قبطية؛ فنسب إليها وقيل: إنما قيل له القبطي؛ لأنه كان له فرس يدعى القبطي؛ فغلب عليه.
ووقف رجل لعبد الملك بن عمير القبطي، فقال له: أين عبد الملك بن عمير القبطي؟ فقال له: إن كنت تريد عبد الملك بن عمير اللخمي فهو أنا، وإن كنت تريد القبطي فها هو ذا واقف على آريه، يعني الفرس.
الوليد بن سريع المحاربي
روى عن سليمان بن حبيب بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " العجماء جرحها جبار، والمعدن جبار والبئر جبار، وفي الركاز الخمس " وإن ناقة لآل البراء بن عازب أفسدت على قوم حوائطهم، فتقاضوا إلى رسول الله ﷺ ، فقضى رسول الله ﷺ على أهل الحوائط حفظ حوائطهم بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظ مواشيهم بالليل.
стр. 9407
الوليد بن سليمان بن أبي السائب
أبو العباس القرشي مولاهم حدث عن علي بن يزيد بسنده إلى أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ " ستكون فتن، يصبح الرجل فيها مؤمناً، ويمسي كافراً إلا من أحياه الله بالعلم ".
وحدث عن ربيعة بن يزيد بسنده إلى عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى اله عليه وسلم وانتجى عثمان، فقال: " إن الله مقمصك بعدي قميصاً، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني ".
وحدث عن أبي الأشعث الصنعاني قال: سمعت عبد الله بن عمرو يرويه، قال هشام: وجده يرويه قال: من قرض بيت شعر بعد العشاء لم تقبل له صلاة حتى يصبح.
وروى في هذه الترجمة حديثاً عن ابن أبي السائب، يعني عبد العزيز عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله، أبايعك على أن أدخل الجنة؟ فقال: نعم، فمد يده، فبايعته، فما رأيت بناناً قط أشد بياضاً ولا ألين من كف رسول الله ﷺ .
وحدث عبد العزيز بن الوليد قال: نهاني أبي ألا أجلس الخادم معي على المائدة، وكان إذا قامت في حاجة أمسك يده، ولا يأكل حتى تجيء الخادم.
الوليد بن سليمان بن عبد الصمد بن ثابت
أبو محمد الطائي الحمصي حدث عن أبي بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث بسنده إلى عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها.
стр. 9408
الوليد بن شجاع بن الوليد بن قيس
أبو همام بن أبي بدر بن أبي همام السكوني البغدادي حدث عن أبيه بسنده إلى جابر بن سمرة عن رسول الله ﷺ قال: " إني فرطكم على الحوض وإن بعد ما بين طرفيه كما بين صنعاء وأيلة، كأن الأباريق فيه النجوم ".
وحدث عن الوليد بن مسلم بسنده إلى أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ : متى وجبت لك النبوة؟ قال: " بين خلق آدم ونفخ الروح فيه ".
وحدث عن عبد الله بن وهب بسنده إلى عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ فرض فيما سقت السماء والأنهار والعيون العشر، وفيما سقي بالنواضح نصف العشر.
زاد في رواية: أو كان عثرياً العشر.
توفي الوليد بن شجاع سنة ثلاث وأربعين ومئتين. وقيل: سنة اثنتين وأربعين.
قال أبو يحيى مستملي أبي همام: رأيت أبا همام في المنام على رأسه قناديل معلقة، فقلت: يا أبا هما، بماذا نلت هذه القناديل؟ قال: هذا بحديث الحوض، وهذا بحديث الشفاعة، وهذا بحديث كذا وهذا بحديث كذا.
стр. 9409
الوليد بن صالح الدمشقي
حدث عن الوليد بن الوليد بسنده إلى عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " ما من مولود إلا مكتوب في تشبيك رأسه خمس آيات من سورة التغابن ".
الوليد بن صبح
قال: صليت مع عمر بن عبد العزيز صلاة الصبح بدير سمعان، فلما سلم خرجت أتعثر بثوبي من إغلاسها. قال: ما أظن الوليد أدرك عمر بن عبد العزيز.
الوليد بن أبي عائشة الرقي
قدم على عمر بن عبد العزيز متظلماً في مال، فثبتت عنده البينة، وكتب إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بدفعه إليه، فقال له: أقم، وأراجع أمير المؤمنين.
قال: فأقمت أياماً، ثم أتيت خناصرة فإذا جنازة، فقلت: أصلي على هذه الجنازة، وأستريح ليلتي، ثم أغدو.
قال: فجاء عمر، فصلى عليها، ثم قعد، وقعد عن يمينة رجل وعن شماله رجل، وقعدت ناحية ممسك رأس دابتي.
قال: فأمطرت السماء: فجلل صاحبيه بطيلسانه، ثم نظر إلي فقال: كأن عليك
стр. 9410
أثر السفر؟ قلت: نعم، قال: وممن أنت؟ قلت: من الكوفة، كتب لي أمير المؤمنين إلى عبد الحميد في مظلمة. قال: فعرفته فقمت إليه، فقال لي: أنى به؟ وقال لي: أقم حتى أراجع أمير المؤمنين، قال: وفعل؟ قلت: نعم.
قال: ادعوا لي كاتباً، فجاء، فقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبد الحميد، أما بعد: فإن كنت غررتني بكسائك المرفوع وعمامتك الحرقانية ففعل الله لك وفعل، إني أكتب إليك في الشيء، فتراجعني فيه، حتى لو كتبت إليك في شاة لكتبت إلي: أعفراء هي أو سوداء؟ كأنك قد أمنت المنايا بيني وبينك، فإذا أتاك كتابي هذا فادفع إلى الرجل ماله، فإن بدا لك أن تراجعني فراجعني.
فلولا أني قلت: أستريح، وأريح دابتي لرجعت لحاجتي، ولم أدخل.
الوليد بن العباس
أظنه دمشقياً.
روى عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ من بني لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة.
الوليد بن عبد الرحمن بن هانئ وهو أبو مالك
أبو العباس الهمداني أخو يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك قاضي عمر بن عبد العزيز على نواحي دمشق.
стр. 9411
حدث الوليد أن أبا إدريس الخولاني حدثهم أن النواس بن سمعان حدثهم أن رسول الله ﷺ قال: ما من قلب رجل إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن يقيمه إن شاء ويرفعه إن شاء، والميزان بيد الرحمن، يرفع أقواماً، ويضع آخرين إلى يوم القيامة.
وحدث عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : يجير على المسلمين بعضهم.
وحدث الوليد عن أبي عبيد الله عن أبي الدرداء قال: لا وتر وراء عمود والإمام في الصلاة.
توفي الوليد سنة خمس وعشرين، أو ست وعشرين، أو سبع وعشرين ومئة، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.
الوليد بن عبد الرحمن الجرشي
حدث عن جبير بن نفير الحضرمي عن أبي ذر قال: صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا نحواً من ثلث الليل، فلما كانت الليلة السادسة لم يقم بنا، ثم قام بنا ليلة خمس وعشرين حتى ذهب نحو من شطر الليل، فقلت: يا رسول الله، لو نفلتنا قيام بقية ليلتنا هذه، فقال: إنه من صلى مع الإمام حتى ينصرف حسبت له بقية قيام ليلته.
قال: فلما بقي أربع لم يقم بنا، فلما بقي ثلاث من الشهر أرسل إلى نسائه وأهله، فقام بنا حتى حسبنا أن يفوتنا الفلاح، قلت: وما الفلاح.؟ قال السحور، قال: ثم لم يقم بنا بقية الشهر.
والجرشي: بضم الجيم، وفتح الراء، وكسر الشين المعجمة.
كلم رجل الوليد بن عبد الرحمن في حاجة وهو على الغوطة من قبل هشام بن عبد الملك، فقال: قد حلفت على مثل هذه الحاجة.
стр. 9412
فقال له الرجل: إن لم تكن حلفت بيمين قط إلا بررتها؛ فما أحب أن أكون أول من أحنثك، وإن كنت ربما حلفت باليمين، فرأيت غيرها خيراً منها فكفرتها، فلست أحب أن أكون أهون إخوانك عليها.
فقال: سحرتني، وقضى حاجته.
الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم
أبو العباس الأموي بويع له بالخلافة بعد أبيه بعهد منه سنة ست وثمانين، ومولده سنة خمس وأربعين، وقيل: سنة خمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين قال الزهري: كتب الوليد بن عبد الملك إلى عمر أن يقطع يد رجل ضرب آخر بالسيف، قال: فقطع عمر لتلك، وكانت من ذنوبه التي كان يستغفر الله منها.
وأم الوليد ولادة بنت العباس بن جزي بن الحارث بن زهير العبسية.
كانت أم الوليد عبسية، وأم مصعب بن الزبير كلبية، فقال رجل من عبس: " من المتقارب "
فليت لنا مصعباً بالوليد ... وعبد العزيز بيحي بديلاً
أنحن قعدنا بأبنائنا ... أم القوم أنجب منا فحولاً
стр. 9413
وكان الوليد أكبر أولاد عبد الملك، وكان أبوه وأمه يترفانه، فشب بلا أدب، وكان ذميماً، وإذا مشى توذف يعني بتختر، وكان شائل الأنف فقال فيه: " من المتقارب "
فقدت الوليد وأنفاً له ... كنثل الفصيل أبى أن يبولا
فلما ولي الخلافة دخل عليه أعرابي، فمت بصهر بينه وبين بعض قرابته، فقال: من حتنك؟ فوجم الأعرابي وقال: بعض هذه الأطباء.
فقال سليمان: إنما يريد أمير المؤمنين: من ختنك؟ فقال الأعرابي: نعم، فلان.
وكان الوليد طويلاً أسمر جميلاً، فيه فطس، في وجهه أثر جدري خفي، بمقدم لحيته شيب ليس في لحيته ورأسه غيره.
قال روح بن زنباع: دخلت على عبد الملك بن مروان وهو مهموم؛ فقلت: ما هذه الكآبة التي بأمير المؤمنين - لا يسوءه الله ولا يخزيه -؟ قال: فكرت فيمن أوليه أمر العرب؛ فلم أجد، قال: قلت: فأين أنت عن الوليد؟ قال: إنه لا يحسن النحو؛ فقال لي: رح إلي العشية، فإني سأظهر كآبة، فسلني: مم ذاك؟ وخلني والوليد.
قال: فرحت إليه والوليد عنده، وقد أظهر كآبة، فقلت: ما هذه الكآبة التي بأمير المؤمنين، لا يسوءه الله، ولا يخزيه؟ قال: فكرت فيمن أوليه أمر العرب: فلم أجده.
قلت: فأين أنت عن ريحانة قريش وسيدها الوليد؟ قال: يا روح، إنه لا يلي أمر العرب إلا من تكلم بكلامهم.
стр. 9414
فقام الوليد من ساعته، وجمع أصحاب النحو، ودخل إلى بيت وهم معه، وطين عليه وعليهم الباب، وأقاموا ستة أشهر، ثم خرج منه، وهو يوم خرج أجهل بالنحو منه يوم دخل، فقال عبد الملك: أما إنه قد أعذر.
قال العتبي: لما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة جمع ولده، وفيهم مسلمة، وكان سيدهم، فقال: أوصيكم بتقوى الله، فإنها عصمة باقية، وجنة واقية، وهي أحصن كهف وأزين خلية، ليتعطف الكبير منكم على الصغير، وليعرف الصغير منكم حق الكبير، مع سلامة الصدور والأخذ بجميل الأمور، وإياكم والفرقة والخلاف، فبها هلك الأولون، وذل ذوو العز المعظمون، انظروا مسلمة، فاصدروا عن رأيه؛ فإنه بابكم الذي تفترقون، ومجنكم الذي به تستجنون، وأكرموا الحجاج؛ فإنه وطأ لكم المنابر، وأثبت لكم الملك، وكونوا بني أم بررة، وإلا دبت بينكم العقارب، كونوا في الحرب أحراراً وللمعروف مناراً، واحلولوا في مرارة، ولينوا في شدة، وضعوا الذخائر عند ذي الأحساب والألباب، فإنه أصون لأحسابهم، وأشكر لما يسدى إليهم.
ثم أقبل على الوليد ابنه، فقال: لا ألفينك إذا مت تجلس تعصر عينيك، وتخن خنين الأمة - الخنين: البكاء - ولكن شمر وأتزر، البس جلد نمر، ودلني في حفرتي، وخلني وشأني، وعليك وشأنك، ثم ادع الناس إلى البيعة، فمن قال هكذا فقل بالسيف هكذا.
ثم أرسل إلى عبد الله بن يزيد بن معاوية وخالد بن أسيد، فقال: هل تدريان لم بعثت إليكما؟ قالا: نعم، لترينا أثر عافية الله إياك، قال: لا، ولكن قد حضر من الأمر ما تريان، فهل في أنفسكما من بيعة الوليد شيء؟ فقالا: لا، والله ما نرى أحداً أحق بها منه بعدك يا أمير المؤمنين.
قال: أولى لكما، أما والله لو غير ذلك قلتما لضربت الذي فيه أعينكما.
стр. 9415
ثم رفع فراشه، فإذا السيف مشهور، ولم يزل بين مقالتين حتى فاظ، مقالته الأولى: " من الوافر "
فهل من خالد إما هلكنا ... وهل بالموت يا للناس من عار
ومقالته الثانية: الحمد لله الذي لا يبالي من أحد من خلقه، وترك صغيراً أو كبيراً.
حتى مات؛ فسجاه الوليد، وكان هشام أصغر ولده، فقال: " من الطويل "
وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما
فلطمه الوليد، وقال: اسكت يا بن الأشجعية، فإنك أحول أكشف، تنطق بلسان شيطان، ألا قلت: " من الطويل "
إذا مقرم منا ذرا حد نابه ... تخمط منا ناب آخر مقرم
قال مسلمة: إياكم والضجاج، فإنكم إن صلحتم صلح الناس، وإن فسدتم كان الفساد أسرع، ثم قال: " من الطويل "
لقد أفسد الموت الحياة وقد أتى ... على شخصه يوم علي عصيب
стр. 9416
فإن تكن الأيام أحسن مرة ... إلي فقد عادت لهن ذنوب
أتى بعد حلو العيش حتى أمره ... نكوب على آثارهن نكوب
فقال سليمان: مات والله أمير المؤمنين، وصار في منزلة هو فيها والذليل الضعيف سواء.
ثم صعد الوليد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ، ثم قال: إنا لله، وإنا إليه راجعون، يا لها مصيبة، ما أعظمها وأقطعها وأخصها وأعمها وأوجعها! موت أمير المؤمنين، ويا لها نعمة، ما أعظمها وأجسمها وأوجب للشكر لله علي فيها خلافته التي سرنا بها.
فكان أول من عزى نفسه وهنأها. ثم قال: انهضوا فبايعوا على بركة الله، فلما بايعه الناس جلس مجلس عبد الملك، وجمع أهل بيتهم قال: " من الكامل "
انفوا الضغائن والتحاسد بينكم ... عند المغيب وفي الحضور الشهد
فصلاح ذات البين طول مقامكم ... إن مد في عمري وإن لم يمدد
فلمثل ريب الدهر إلف بينكم ... بتواصل وتراحم وتودد
وانفوا الضغائن والتخاذل بينكم ... بتكرم وتآزر وتغمد
حتى تلين جلودكم وقلوبكم ... لمسود منكم وغير مسود
إن القداح إذا اجتمعن فرامها ... بالكسر ذو حنق وبطش أيد
عزت فلم تكسر وإن هي بددت ... فالوهن والتكسير للمتبدد
قال عبد الله بن عبد الملك بن مروان: قال لي الوليد: كيف أنت والقرآن؟ قلت: يا أمير المؤمنين أختمه في كل جمعة،
стр. 9417
قلت: فأنت يا أمير المؤمنين؟ قال: وكيف مع ما أنا فيه من الشغل؟ قلت: على ذلك؟ قال: في كل ثلاث.
قال: فذكر ذلك لإبراهيم بن أبي عبلة؛ فقال: كان يختم في شهر رمضان سبع عشرة مرة.
قال إبراهيم بن أبي عبلة: رحم الله الوليد، وأين مثل الوليد؟ افتتح الهند والأندلس، رحم الله الوليد، وأين مثل الوليد؟ هدم كنيسة دمشق، وبنى مسجد دمشق، رحم الله الوليد، وأين مثل الوليد؟ كان يعطيني قصاع الفضة أقسمها على قراء مسجد بيت المقدس.
لما هدم الوليد بن عبد الملك كنيسة دمشق كتب إليه ملك الروم: إنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها، فإن كان حقاً فقد أخطأ أبوك، وإن كان باطلاً فقد خالفته.
فكتب إليه: " وداوود وسليمان إذ يحكما في الحرث " إلى آخرها.
خرج الوليد بن عبد الملك من الباب الأصفر، فوجد رجلاً عند الحائط الشرقي عند المئذنة الشرقية، يأكل وحده، فجاء فوقف على رأسه، فإذا هو يأكل خبزاً وتراباً.
فقال: ما شأنك انفردت من الناس؟ قال: أحببت الوحدة. قال: فما حملك على أكل الخبز بالتراب وحده، أما في بيت المسلمين ما يجري عليك؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين ولكن رأيت القنوع.
قال: فمضى الوليد إلى مجلسه، وأحضره، فقال: إن لك لخبراً، أخبرني به وإلا ضربت ما فيه عيناك.
قال: أنا رجل كنت جمالاً، معي ثلاثة أجمال موقرة طعاماً، حتى أتيت مرج
стр. 9418
الصفر أريد الكسوة، فدخلت خربة أبول، فرأيت البول ينصب في شق، فاتبعته، فإذا غطاء على حفير، فنزلت، فإذا مال صبيب، فأنخت رواحلي، وفرغت أعكامي. وأوقرتها ذهباً، وغطيت الموضع.
فلما سرت غير يسير وجدت معي مخلاة، فيها طعام، فنزلت الكسوة، ففرغتها، ورجعت إلى الموضع لأملأها من الذهب، فخفي عني الموضع، وأتعبني الطلب.
فرجعت إلى الجمال، فلم أجدها، ولم أجد الطعام، فآليت على نفسي ألا آكل شيئاً إلا الخبز بالتراب.
فقال الوليد: كم لك من العيال؟ فذكر له عياله، قال: نجري عليك من بيت المال، ولا تستعمل في شيء، فإن هذا هو المحروم.
وذكر أن الإبل جاءت إلى بيت مال المسلمين، فأناخت به، فأخذها أمين الوليد، فطرحها في بيت المال.
قال الوليد بن عبد الملك: لولا أن الله ذكر آل لوط في القرآن ما ظننت أن أحداً يفعل هذا.
قرأ الوليد بن عبد الملك على المنبر: " يا ليتها كانت القاضية " وضم التاء، وتحت المنبر عمر بن عبد العزيز وسليمان بن عبد الملك، فقال سليمان: وددتها والله لو قال: يا ليتها كانت عليك، وأرحتنا منك.
دخل سليمان بن عبد الملك على الوليد بن عبد الملك وهو يجود بنفسه، فلما رآه
стр. 9419
قال: أجلسوني، أجلسوني، فقال متمثلاً: " من الكامل "
وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع
فقال سليمان:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع
قال عمر بن عبد العزيز: كنت فيمن نزل الوليد بن عبد الملك في قبره، فنظرت إلى ركبتيه قد جمعتا إلى عنقه، فقال ابنه: عاش والله أبي، عاش والله أبي، فقلت: عوجل أبوك ورب الكعبة، قال: فاتعظ بها عمر بعده.
وفي حديث: فلما تناولناه من السرير، ووقع على أيدينا اضطرب في أكفانه، فقال ابنه: أبي أبي. قال: قلت: ويحك إن أباك ليس بحي، ولكنهم يلقون ما ترى.
وقال عمر بن عبد العزيز ليزيد بن المهلب حين ولاه سليمان العراق: اتق الله يا يزيد، فإنا لما دفنا الوليد ارتكض في أكفانه.
قوله: ركض في لحده: أي ضرب برجله الأرض.
قيل: إن الوليد هلك بدير المران وحمل على أعناق الرجال، فدفن بباب الصغير، وصلى عليه عمر بن عبد العزيز، وكان سليمان غائباً ببيت المقدس.
وتوفي الوليد سنة ست وتسعين، وكانت خلافته عشر سنين إلا أشهراً.
وقيل: إنه هلك بدمشق، وصلى عليه ابنه عبد العزيز.
وبويع سليمان بن عبد الملك أخوه.
стр. 9420
الوليد بن عبيد بن يحي بن عبيد بن شملال
البحتري، أبو عبادة، ويكنى أيضاً أبو الحسن الطائي الشاعر من أهل منبج.
شاعر، سائر القول مغلق مفتن في أنواع الشعر، تغني شهرته عن وصفه. مدح جماعة من الخلفاء والأمراء. وقدم دمشق مع المتوكل. وفي نسبه اختلاف.
والبحتري: بتاء مضمومة مثناة.
قال صالح بن الأصبغ التنوخي المنبجي: رأيت البحتري ههنا قبل أن يخرج إلى العراق يمدح أصحاب البصل والباذنجان، ثم كان منه ما كان.
وكانت كنيته أبو الحسن، وكناه المتوكل أبا عبادة.
وقيل: إنه كان يكنى بهما، فأشير عليه في أيام المتوكل أن يقتصر على أبي عبادة؛ فإنها أشهر.
وامتدح البحتري أبا الجيش بن طولون بقصيدته التي يقول فيها: " من البسيط "
وقد رأيت جيوش النصر منزلة ... على جنود أبي الجيش بن طولونا
يوم الثنية إذ يثني بكرته ... في النقع خمسين ألفاً أو يزيدونا
ويوم الثنية: هو اليوم الذي أوقع بابن أبي الساج، فانصرف عنه منهزماً.
اجتمع في دار أبي عبد الله بن المعتز يوماً البحتري وأبو العباس محمد بن يزيد المبرد في سنة ست وسبعين ومئتين، وقد أنشد البحتري شعراً في معنى قد قال في مثله أبو تمام،
следующие страницы →