Полный текст (10 576 стр.). Показаны 9451–9490 · переход к 9456.
стр. 9451
الوليد بن معاوية بن مروان بن عبد الملك
ويقال: الوليد بن معاوية بن عبد الملك بن مروان بن الحكم.
ويقال: الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم. والأول أثبت.
كان أميراً على دمشق في آخر أيام بني أمية حين افتتحها بنو العباس.
وأمه أم ولد بربرية، وهو أصيهب قريش الذي جاء في الملاحم ذكر قتله.
ويقال: إن أمه زينب بنت الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان ختن مروان بن محمد على ابنته.
كان عمر بن يزيد البصري يقول: يقتل أصيهب قريش من دمشق ومعه سبعون صديقاً هزم مروان بالزاب، ومضى حتى مر بدمشق وعليها الوليد بن معاوية بن مروان، وهو ختن لمروان متزوج بابنته أم الوليد.
فمضى، وخلفه بها حتى قدم عبد الله بن علي عليه، فحاصره أياماً، ثم فتحت المدينة، ودخلها عنوة، وقتل الوليد فيمن قتل. وهدم عبد الله بن علي حائط مدينتها.
وكان مدخل عبد الله بن علي دمشق سنة اثنتين وثلاثين ومئة.
قال عبد الأعلى بن مسهر: إن الوليد بن معاوية تحدر من الحائط من ناحية باب الفراديس وهو يقول: اللهم إني أحمدك يا إلهي على خذلانك إياي، فأتى دار ابن عروبة التي عند حمام أيوب، فقالت له عجوز: عندي مخبأ لرجل لا يوصل إليه؛ فقال له صالح بن محمد: نموت جميعاً ونحيا جميعاً.
стр. 9452
ودخلت الخراسانية، فقال رجل كان معهم: آتيكم بالسلاح؟ قال: نعم، قال: فخرجت، ثم جئت فوجدت الوليد بن معاوية، وصالح بن محمد، وزرعة بن إبراهيم قد قتلوا جميعاً.
ودخل عبد الله دمشق، ودخل الخضراء، فجلس مع ابنة مروان بن محمد على فراشها فاحزألت حتى ألقت نفسها على الجدار، فقال لها: يا بنت مروان، أين ابن الصناجة؟ - يعني زوجها الوليد بن معاوية -. فقالت: الرجال أعلم بالرجال.
فذكر أنهم قتلوا فيها أربعة آلاف.
وقيل: إن الوليد أسر من الخضراء. وقيل: إنه قتل قبل افتتاح دمشق في الفتنة التي وقعت بين أهلها في الحضرية واليمانية في هذه الحضار.
الوليد بن موسى القرشي
حدث عن منبه بن عثمان بسنده إلى أنس بن مالك عن النبي ﷺ : أن مؤمني الجن لهم ثواب، وعليهم عقاب، فسألناه عن ثوابهم وعن مؤمنيهم، فقال: على الأعراف، وليسوا في الجنة مع أمة محمد ﷺ ، فسألناه: وما الأعراف؟ قال: حائط الجنة، تجري فيه الأنهار، وتنبت فيه الأشجار والثمار.
وحدث عن الأوزاعي بسنده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : الشيبة نور، من خلع الشيبة فقد خلع نور الإسلام، فإذا بلغ الرجل أربعين سنة وقاه الله الأدواء الثلاثة: الجنون والجذام والبرص.
وحدث عنه بسنده إلى أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: آجال البهائم كلها من القمل والبراغيث والجراد والخيل والبغال والدواب كلها والبقر وغير ذلك، آجالها في التسبيح، فإذا انقضى تسبيحها قبض الله أرواحها، وليس إلى ملك الموت من ذلك شيء.
стр. 9453
طعن فيه قوم، وقالوا: أحاديثه كلها مناكير.
الوليد بن النضر
أبو العباس المسعودي الرملي قيل: إنه من أهل دمشق.
حدث عن ميسرة بن معبد بسنده إلى أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: اقتلوا الحيات، وعليكم بذي الطفيتين والأبتر: فإنهما يلتمسان البصر ويسقطان الحبل.
الوليد بن نمير بن أوس الأشعري
كان أبوه على قضاء دمشق.
حدث عن أبيه بسنده إلى أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : أكرموا الخبز: فإن الله سخر له بركات السماوات والأرض والحديد والبقر وابن آدم.
الوليد بن الوليد بن زيد
أبو العباس العبسي القلانسي من دمشق.
حدث عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن الفضل بن العباس، قال: كنت رديف النبي ﷺ يوم عرفة، فجاء رجل من أهل اليمن يسأله عن بعض الأمر، وخلفه امرأة ضخمة حسناء، قال: فجعلت أنظر نظراً، ففطن بي رسول الله ﷺ ،
стр. 9454
فأهوى بمخصرة، فوكزني بها، وقال: يا بن أخي هذا يوم من حفظ عينيه من النظر، ولسانه أن يتكلم بما لا يحل له غفر له إلى عام قابل من هذا.
وحدث عن ابن ثوبان عن مجاهد عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال:
ما من عبد صام يوماً في سبيل الله إلا زوج حوراء من الحور العين في خيمة من درة مجوفة، عليها سبعون حلة ليس منها حلة تشبه صاحبتها، على سرير من ياقوته حمراء موشحة بالدر، عليها سبعون ألف فراش، بطانتها من إستبرق، ولها سبعون ألف وصيفة لحاجاتها، وسبعون ألفاً لبعلها، مع كل وصيفة منهن سبعون ألف صحفة من ذهب، ليس منها صفحة إلا وفيها لون من الطعام ما ليس في الأخرى، يجد لذة آخرها كلذة أولها.
كان الوليد يرى القدر، وكان منكر الحديث.
الوليد بن الوليد بن سمرة
أبو عتبة القرشي حدث عن سعيد بن عبد العزيز قال: قال مكحول: لا تقصر الصلاة حتى تكون تمشي ميلاً.
الوليد بن هاشم أبو العباس
حدث عن معروف الخياط قال: خرجت مع واثلة بن الأسقع على حمار له أسود، عليه عمامة سوداء، قد ألقى عذبة إلى قدام، وعذبة إلى خلف حتى أتينا باب الفراديس، فشرب فقاعاً، وشربت معه.
стр. 9455
الوليد بن هشام بن معاوية
ابن هشام بن عقبة بن أبي معيط أبان بن أبي عمرو بن أمية أبو يعيش المعيطي القرشي حدث عن معذان بن طلحة اليعمري، قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، فقلت: أخبرني بعمل أعمله؛ يدخلني الله به الجنة، أو قال: قلت: بأحب الأعمال إلى الله، فسكت، ثم سألته، فسكت، ثم سألته الثالثة، فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: عليك بكثرة السجود؛ فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة.
قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء، فسألته، فقال لي مثل ما قال ثوبان.
قال رجاء بن أبي سلمة: سألت الوليد بن هشام عما غيرت النار، فقال: إني لست بالذي أسأل، قال: قلت: على ذلك، قال: كان مكحول - وكان ما علمتم فقهاً - يتوضأ. فحج فلقي من أثبت له الحديث أنه ليس فيه وضوء، فترك الوضوء.
قال الوليد بن هشام: أرسلت إلى ابن محيريز أسأله عن لبس اليلامق في الحرب، قال: فأرسل إلي: أتذكر أشد كراهية لما يكره عند الصفوف، - أو قال: للقتال - حين تعرض نفسك للشهادة؟ ولى عمر بن عبد العزيز الوليد بن هشام المعيطي على جند قنسرين، والفرات بن
стр. 9456
مسلم على خراجها، فتباغيا حتى بلغ الأمر بالوليد إلى أن هيأ أربعة نفر من كهول قنسرين، يشهدون على فرات أنه يدع الصلاة، ويفطر في شهر رمضان مقيماً صحيحاً، ولا يغتسل من الجنابة، ويأتي أهله وهي طامث.
فقدمواعلى عمر بن عبد العزيز، فشهدوا بهذه الشهادة، وهم مختضبون بالحناء.
فقال عمر: هذا في صلاته، فلم يصلها، إما تركها متعمداً، وإما ساهياً. ورأيتموه يفطر في شهر رمضان ولا ترون به سقاماً، ما أعلمكم أنه لا يغتسل من الجنابة، وبغشيانه أهله؟ والله ما هذا مما يشتم به، ولا سيما فرات في مثل عفافه وأمانته، يا غلام، انطلق بهؤلاء المشيخة السوء إلى صاحب الشرط، فمره فليضرب كل واحد منهم عشرين سوطاً على مفرق رأسه، وليرفق في ضربه لمكان أسنانهم، وبحسبهم من الفضيحة ما هم صائرون إليه، إن لم يتغمد الله ما كان منهم بعفوه.
ثم استوثق منهم بالكفلاء حتى يكون فرات هو الآخذ بحقه منهم، أو العافي عنهم، والعفو أقرب للتقوى وأقرب إلى الله. ثم أصلح بين الوليد وفرات.
قال: وقدم الوليد، ومعه رؤوس النبط بقنسرين، فكتب عمر بن عبد العزيز إلى الفرات يقدم.
وإنه لقاعد خلف سرير عمر إذ دخل الوليد والأنباط، فقال لهم عمر: ماذا أعددتم لأميركم في نزله لسيره إلي؟ قالوا: وهل قدم يا أمير المؤمنين؟ قال: ما علمتم؟ قالوا: لا والله.
فأقبل عمر على الوليد، فقال: يا وليد، إن رجلاً ملك قنسرين وأرضها خرج يسير في سلطانه وأرضه حتى انتهى إلي لا يعلم به أحد، ولا ينفر أحداً ولا يروعه، لخليق أن يكون متواضعاً عفيفاً.
قال الوليد: أجل والله يا أمير المؤمنين، إنه لعفيف، وإني له لظالم، وأستغفر الله، وأتوب إليه.
فقال عمر: ما أحسن الاعتراف وأبين فضله على الإصرار.
стр. 9457
وردهما عمر على عملهما. فكتب إليه الوليد مرائياً خديعة منه لعمر، وتزيناً بما هو ليس عليه: إني قدرت نفقتي لشهر، فوجدتها كذا وكذا درهماً، ورزقي يزيد على ما أحتاج إليه، فإن رأى أمير المؤمنين أن يحط فضل ذلك.
فقال عمر: أراد الوليد أن يتزين عندنا بما لا أظنه عليه، وإن كنت عازلاً أحداً عن ظن لعزلته.
ثم أمر بحط رزقه إلى الذي سأله.
ثم كتب إلى يزيد بن عبد الملك - وهو ولي عهد -: إن الوليد بن هشام كتب إلي كتاباً، أكبر ظني أنه تزين بما ليس عليه، ولو أمضيت شيئاً على ظني ما عمل لي أبداً، ولكن آخذ بالظاهر، وعند الله علم الغيب، فأنا أقسم عليك إن حدث بي حدث، وأفضى إليك الأمر، فسألك أن ترد إليه رزقه، وذكر أني نقصته، فلا يظفر منك بهذا، فإنما خادع الله، والله خادعه.
فلما استخلف يزيد كتب الوليد أن عمر نقصني وظلمني، فغضب يزيد، وعزله، وغرمه كل رزق جرى عليه في ولاية عمر كلها، وعزله يزيد، فلم يل له عملاً حتى هلك.
الوليد بن هشام بن يحيى بن يحيى بن قيس الغساني
حدث عن أبيه بسنده إلى عائشة ﵂ قال: قال النبي ﷺ : القطع في ربع دينار فصاعداً.
الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان
أبو العباس بويع له بعد عمه هشام بن عبد الملك بعهد أبيه يزيد بن عبد الملك وأم الوليد بن يزيد أم الحجاج بن محمد بن يوسف الثقفي.
стр. 9458
واستخلف الوليد بن يزيد سنة خمس وعشرين ومئة. وقيل: سنة ست وعشرين ومئة، وهو ابن ست وثلاثين سنة وشهرين وأيام.
وقيل: إنه ولد سنة سبع وثمانين، وقيل: سنة تسعين.
وكان وكلاء الوليد ختموا خزائن هشام، وبيوت أمواله، فلم يوجد له كفن يكفن فيه، وكفنه خادم له.
روي عم سعيد بن المسيب قال: ولد لأخي أم سلمة زوج النبي ﷺ غلام، فسموه الوليد، فقال رسول الله ﷺ : قد جعلتم تسمون بأسماء فراعنتكم، إنه سيكون رجل يقال له الوليد، هو أضر على أمتي من فرعون على قومه.
وكان الناس يرون أنه الوليد بن عبد الملك، ثم رأينا أنه الوليد بن يزيد؛ لفتنة الناس به حين خرجوا عليه، فقتلوه، فافتتحت الفتن على الأمة والهرج.
وفي حديث: دخل النبي ﷺ على أم سلمة، وعندها رجل، فقال: من هذا؟ قالت: أخي الوليد، قدم مهاجراً، فقال: هذا المهاجر. فقالت: يا رسول الله هذا الوليد، فأعاد وأعادت، فقال: إنكم تريدون أن تتخذوا الوليد حناناً! إنه يكون في أمتي فرعون يقال له الوليد، يسر الكفر، ويظهر الإيمان. وعرفت أم سلمة ما أراد من تحويل اسمه، فقالت: نعم يا رسول الله، هو المهاجر.
قال جعدي: لو رأيته يوم بدر، وجاء مقنعاً في الحديد، لا يرى منه إلا عيناه، وقف ودعا إلى البراز، فاستشرفه الناس، فقلنا: من هذا؟ قال: أنا ابن زاد الركب، فعرفنا أنه ابن
стр. 9459
أبي أمية، فقلنا: أيهم؟ قال: أنا ابن جذل الطعان. فعرفناه. فلم يلبث أن انصرف.
وجاء فارس في مثل حاله، ووقف في مثل موقفه، فاستشرفه الناس، فقلنا من هذا؟ فقال: أنا ابن زاد الركب، فعرفنا أنه ابن أبي أمية، فقلنا: أيهم؟ فقال: أنا ابن عبد المطلب، فعرفنا أنه زهير بن أبي أمية.
قال: فكان ابن عمتي أثبت مقاماً من أخيك.
كانت أم المهاجر بن أبي أمية، وأم أم سلمة بنت أبي أمية عاتكة بنت جذل الطعان. وكانت أم أخيهما لأبيهما زهير بن أبي أمية عاتكة بنت عبد المطلب بن هاشم.
وكان أبو أمية يلقب زاد الركب؛ لأنه لم يكن يترك أحداً يتزود ممن يخرج معه في سفر، ويكفي من رافقه زاده.
وكان يلقب بهذا اللقب أيضاً مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، وزمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي.
قال مروان بن أبي حفصة: قال لي هارون أمير المؤمنين: هل رأيت الوليد بن يزيد؟ قلت: نعم، قال: فصفه لي، فرمت أزحزح، فقال: إن أمير المؤمنين لا يكره ما تقول.
فقلت: كان من أجمل الناس وأشعرهم وأشدهم، قال: أتروي من شعره شيئاً؟ قلت: نعم.
دخلت عليه مع عمومتي، ولي جمة فينانة، فجعل يقول بالقضيب فيها، ويقول: يا غلام هل ولدتك شكر؟ - أم ولد كانت لمروان بن الحكم زوجها
стр. 9460
أبا حفصة - فقلت: نعم، فسمعته أنشد عمومتي: من السريع
ليت هشاماً عاش حتى يرى ... محلبه الأوفر قد أترعا
كلنا له الصاع التي كالها ... وما ظلمناه بها أصوعا
وما أتينا ذاك عن بدعة ... أحلها القرآن لي أجمعا
محلبه الأوفر: معناه: الإناء الذي يحلب فيه، بكسر ميمه. والمحلب: الذي يتطيب به. محلب مثل المندل: العود.
فأمر هارون بكتابتها، فكتبت.
كان الزهري يقدح أبداً عند هشام بن عبد الملك في خلع الوليد بن يزيد، ويعيبه، ويذكر أموراً عظيمة لا ينطق بها حتى يذكر الصبيان أنهم يخضبون بالحناء.
ويقول لهشام: ما يحل لك إلا خلعه، وكان هشام لا يستطيع ذلك؛ للعقد الذي عقد له، ولا يسوءه ما يصنع الزهري؛ رجاء أن يؤلب ذلك الناس عليه.
قال أبو الزناد: فكنت يوماً عند هشام في ناحية الفسطاط، وأسمع ذرق كلام الزهري في الوليد، وأنا أتغافل، فجاء الحاجب، فقال: هذا الوليد على الباب، فأدخله، فأوسع له هشام على فراشه، وأنا أعرف في وجه الوليد الغضب والشر.
فلما استخلف الوليد بعث إلي وإلى عبد الرحمن بن القاسم وابن المنكدر وربيعة، فأرسل إلي ليلة مختلياً بي، وقدم العشاء، وقال بعد حديث: يا بن ذكوان أرأيت يوم دخلت على الأحوال، وأنت عنده، والزهري يقدح في، أفتحفظ من كلامه يومئذ شيئاً؟
стр. 9461
فقلت: يا أمير المؤمنين، أذكر يوم دخلت وأنا أعرف الغضب في وجهك.
قال: كان الخادم الذي رأيت على رأس هشام نقل ذلك كله إلي، وأنا على الباب قبل أن أدخل إليكم، وأخبرني أنك لم تنطق عنه بشيء.
قلت: نعم، لم أنطق فيه بشيء يا أمير المؤمنين.
قال: قد كنت عاهدت الله لئن أمكنني القدرة بمثل هذا اليوم أن أقتل الزهري، فقد فاتني.
قال يحيى بن عبد الله بن بكير: كان الوليد بن يزيد يظن أن عند ربيعة ما كان عند الزهري، فكان يسأله، فلا يجد عنده ما أمل فيه، فسأله يوماً عن ناز له، فقال: ليس عندي فيه رواية، فقال الوليد: ولكن ذاك الذي فعل الله به في قبره وفعل، لو سقط قضيبي هذا من يدي لروى فيه شيئاً.
فقلت: ولم قال هذا في الزهري، أمن سوء رأي في الزهري.
فقال: نعم، كان الوليد فيه وفيه ...
كان الزهري يقول لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين، اخلع الوليد؛ فإن من الوفاء بعهد الله خلعك إياه. فقال: أخشى أن الأجناد يأبون ذلك. فقال الزهري: فوجهني حتى أسير في الأجناد جنداً جنداً فأخلعه، فأبى عليه. فأرسل الوليد إلى ماله ببداً وشغب، فعقر أشجاره. وخاصمه الزهري إلى عمر، وكان مال الزهري اشتراه
стр. 9462
من قوم كان النبي ﷺ أقطع لهم، فأخرج كتابه، وخاصم الوليد. فقال عمر للزهري: فإنه لا يحكم عليه إلا أنت، فاحكم عليه. فقال: يا أمير المؤمنين، يغرس لي مكان كل نخلة قطعها وشجرة نخلةً وشجرةً، ويعمرها حتى يبلغ ذلك مبلغ ما قطع لي، ويغرم لي مثلما كنت أستغل منها.
فأجاز حكمه عليه، وألزمه ذلك.
وكان الوليد يقول للزهري: إن أمكنني الله منك يوماً فستعلم. وكان الزهري يقول: إن الله أعدل من أن يسلط علي سفيهاً.
قال ابن بكير: وأنكر ربيعة وأبو الزناد ذلك، وقالا: ما كان وجه الحكم ما حكم به أبو بكر الزهري.
فبلغ ذلك الزهري، فقال الزهري: ذانك العلجان أفسد أهل تلك الحرة - يعني المدينة - كأنه قال: من قبل الرأي.
وأغرم الوليد ابني هشام مالاً عظيماً، وعذبهما حتى ماتا في عذابه.
وزاد أهل المدينة في أعطياتهم عشرة دنانير لكل إنسان، وأمر بهدم دار هشام.
أراد هشام بن عبد الملك أن يخلع الوليد بن يزيد ويجعل العهد لولده؛ فقال الوليد ابن يزيد: من الطويل
كفرت يداً من منعم لو شكرتها ... جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن
стр. 9463
رأيتك تبني جاهداً في قطيعتي ... ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني
أراك على الباقين مجنى ضغينة ... فيا ويحهم إن مت من شر ما تجني
كأني بهم يوماً وأكثر قيلهم ... ألا ليت أنا حين يا ليت لا تغني
وقال الوليد في ذلك: من الرجز
يا رب أمر ذي شؤون جحفل ... قاسيت فيه جلبات الأحول
وقال أيضاً حين مات هشام: من مجزوء الخفيف
هلك الأحول المشو ... م فقد سرح المطر
ثمت استخلف الولي ... د فقد أورق الشجر
جاء الوليد بن يزيد إلى هشام بن يزيد بن عبد الملك، فلما قام الوليد قام معه مسلمة بن هشام حتى ركب. فلما ركب قال مسلمة: ما اسمك؟ قال: رباح شارزنجي. فقال هشام: قاتله الله ما أظرفه، لولا ما علمت عليه من البطالة.
قال الهيثم عن عمران: سمعت الوليد بن يزيد خطيباً على المنبر، وقد زيد في أعطياتهم خمسة، فسمعته يقول: من الطويل
ضمنت لكم إن لم تعقني منيةً ... بأن سحاب الفقر عنكم ستقلع
قال حماد الراوية: كنت عند الوليد يوماً، فدخل عليه رجلان كانا منجمين، فقالا: نظرنا فيما أمرتنا به، فوجدناك تملك سبع سنين مؤيداً منصوراً، يستقيم لك الناس، ويجبى لك الخراج.
стр. 9464
قال حماد: فاغتنمتها، وأردت أن أخدعه كما خدعاه؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، كذبا؛ نحن أعلم بالرواية والآثار وضروب العلوم منهما، وقد نظرنا في هذا، ونظر الناس فيه قديماً، فوجدناك تملك أربعين سنة في الحال التي وصفا.
فأطرق الوليد، ثم رفع رأسه إلي، فقال: لا ما قال هذان يكسرني، ولا ما قلت يعزني، والله لأجبين هذا المال من حله جباية من يعيش الأبد، ولأصرفنه في حقه صرف من يموت في غد.
كان الوليد يتغدى، وابنه معه، فإذا هو يلوك لقمة يديرها؛ فقال: ويحك ألقها؛ فإنها على معدتك أشد منها على لسانك.
نظر الوليد بن يزيد إلى جارية نصرانية بالمدينة من أهيأ النساء، يقال لها سفرى، فجن بها، وجعل يراسلها، وتأبى عليه، حتى بلغه أن عيداً للنصارى قد قرب، وأنها ستخرج فيه، وكان في موضع العيد بستان حسن، والنساء يدخلنه، فصانع الوليد صاحب البستان أن يدخله؛ فينظر إليها، فتابعه، وحضر الوليد وقد تقشف وغير حليته.
ودخلت سفرى البستان، فجعلت تمشى حتى انتهت إليه، فقالت لصاحب البستان: من هذا؟ فقال لها: رجل مصاب، فجعلت تمازحه وتضاحكه حتى اشتفى من النظر إليها ومن حديثها.
فقل لها: ويلك تدرين من ذلك الرجل؟ قالت: لا، فقيل لها: الوليد، وإنما تقشف حتى ينظر إليك، فجنت به بعد ذلك، وكانت عليه أحرص منه عليها؛ فقال الوليد في ذلك: من الكامل
أضحى فؤادك يا وليد عميدا ... صباً قديماً للحسان صيودا
стр. 9465
من حب واضحة العوارض طفلةٍ ... برزت لنا نحو الكنيسة عيدا
ما زلت أرمقها بعيني وامق ... حتى بصرت بها تقبل عودا
عود الصليب فويح نفسي من رأى ... منكم صليباً مثله معبودا
فسألت ربي أن أكون مكانه ... وأكون في لهب الجحيم وقودا
قال المنصف: لم يبلغ الشيباني هذا الحد من الخلاعة إذ قال في عمرو النصراني: من الرجز
يا ليتني كنت له صليباً ... فكنت منه أبداً قريبا
أبصر حسناً وأشم طيباً ... لا واشياً أخشى ولا رقيبا
فلما ظهر أمر الوليد، وعلمه الناس قال: من الطويل
ألا حبذا سفرى وإن قيل إنني ... كلفت بنصرانية تشرب الخمرا
يهون علي أن نظل نهارنا ... إلى الليل لا أولى نصلي ولا عصرا
وللوليد في هذا النحو من الخلاعة والمجون وسخافة الدين ما يطول ذكره، وقد تضمن شعره من ركيك ضلاله وكفره ما شاع من أمره.
حكى خمار بالحيرة قال: ما شعرت يوماً، وقد فتحت حانوتي، إذا فوارس ثلاثة متلثمون بعمام خز، أقبلوا من طريق السماوة، فقال لي أحدهم: أنت مرعيداً الخمار؟ قلت: نعم، وكنت موصوفاً بالنظافة وجودة الخمر، وغسل الأواني، فقال: اسقني رطلاً.
فقمت، فغسلت يدي، ثم نقرت الدنان، ونظرت إلى أصفاها فنزلته، وأخذت قدحاً نظيفاً فملأته، ثم أخذت منديلاً جديداً، فناولته إياه، فشرب وقال: اسقني
стр. 9466
آخر، فغسلت يدي وتركت ذلك الدن وذلك القدح وذلك المنديل، ونقرت دناً آخر، فنزلت منه رطلاً في قدح نظيف، وأخذت منديلاً جديداً، فسقيته، فشرب، وقال: اسقني رطلاً آخر، فسقيته في غير ذلك القدح، وأعطيته غير ذلك المنديل، فشرب وقال: بارك الله عليك، فما أطيب شرابك وأنظفك! فما كان رأيي أشرب أكثر من ثلاثة، فلما رأيت نظافتك دعتني نفسي إلى شرب آخر، فهاته، فناولته إياه على تلك السبيل. ثم قال: لولا أسباب تمنع من بيتك لكان حبيباً إلي أن أجبس فيه بقية يومي هذا.
وولى راجعاً في الطريق الذي بدا منه، وقال: اعذرنا، ورمى إلي أحد الرجلين اللذين معه بشيء، فإذا صرة، فيها خمس مئة دينار، وإذا هو الوليد بن يزيد، أقبل من دمشق حتى شرب من شراب الحيرة، وانصرف.
قال المنصف: وللوليد أشعار، ضمنها ما فجر به من خرقه وسفاهته وحمقه وخسارته، وهزله ومجونه، وسخافة دينه وركاكته، وما صرح به من الإلحاد في القرآن والكفر بمن أنزل عليه، وذكر أنه عارضها بشعره.
قال صالح بن سليمان:
أراد الوليد بن يزيد الحج، وقال: أشرب فوق ظهر الكعبة، فهم قوم أن يفتكوا به إذا خرج.
فجاؤوا إلى خالد بن عبد الله القسري، فسألوه أن يكون معهم، فأبى، فقالوا له: فاكتم علينا، فقال: أما هذا فنعم.
فجاء إلى الوليد، فقال له: لا تخرج، فإني أخاف عليك، قال: ومن هؤلاء الذين تخافهم علي؟ قال: لا أخبرك بهم، قال: إن لم تخبرني بهم بعثت بك إلى يوسف، قال: وإن بعثت بي إلى يوسف.
فيعث به إلى يوسف، فعذبه حتى قتله.
стр. 9467
ذكر الوليد ين يزيد عند المهدي، فقال رجل في المجلس: كان زنديقاً، فقال المهدي: مه، خلافة الله عنده أجل من أن يجعلها في زنديق.
روي عن أم الدرداء أنها قالت: إذا قتل الخليفة الشاب من بني أمية بين الشام والعراق مظلوماً لم تزل طاعة مستحق بها ودم مسفوك على وجه الأرض بغير الحق.
وعن أبي عبيدة بن الجراح عن النبي ﷺ قال: لا يزال هذا الأمر قائماً بالقسط حتى يثمله رجل من بني أمية.
لما أحاطوا بالوليد أخذ المصحف، وقال: أقتل كما قتل ابن عمي، يعني عثمان.
حدث عبد الله بن واقد الجرمي، وكان شهد قتل الوليد، قال: لما اجتمعوا على قتل الوليد قلدوا أمرهم يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، وبايعه من أهل بيته عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك.
فخرج يزيد بن الوليد، فأتى أخاه العباس ليلاً فشاوره في قتل الوليد، فنهاه عن ذلك.
وأقبل يزيد ليلاً حتى دخل مسجد دمشق في أربعين رجلاً، فكسروا باب المقصورة، ودخلوا على واليها، فأوثقوه، وحمل يزيد الأموال على العجل إلى باب المضمار.
وعقد لعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، ونادى مناديه: من ابتدر إلى الوليد فله ألفان، فابتدر معه ألفا رجل.
حدث يعقوب بن إبراهيم بن الوليد: أن مولى الوليد، لما خرج يزيد بن الوليد، خرج على فرس له، فأتى الوليد من يومه، فنفق فرسه حين بلغه.
стр. 9468
فأخبر الوليد، فضربه مئة سوط، وحبسه، ثم دعا أبا محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية، وأجازه، ووجهه إلى دمشق.
فخرج أبو محمد، فلما أتى إلى ذنبة أقام، فوجه يزيد بن الوليد إليه عبد الرحمن بن مصاد، فسالمه أبو محمد، وبايع ليزيد بن الوليد.
وأتى الوليد الخبر، وهو بالأغدف. والأغدف بن عاد، فقال له بيهس بن زميل الكلابي. ويقال: قال له يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية: يا أمير المؤمنين: سر حتى تنزل حمص؛ فإنها حصينة، ووجه الجنود إلى يزيد، فيقتل أو يؤسر.
فقال عبد الله بن عنبسة بن سعيد بن العاص: ما ينبغي للخليفة أن يدع عسكره ونساءه قبل أن يقاتل، ويعذر، والله مؤيد أمير المؤمنين وناصره.
فقال يزيد بن خالد: وماذا تخاف على حرمه؟ وإنما أتاه عبد العزيز بن الحجاج، وهو ابن عمهم.
فأخذ بقول ابن عنبسة، فقال له: الأبرش سعيد بن الوليد: يا أمير المؤمنين: تدمر حصينة، وبها قومي يمنعونك، فقال: ما أرى أن نأتي تدمر، وأهلها بنو عامر، وهم الذين خرجوا علي، ولكن دلني على منزل حصين.
فقال: أرى أن تنزل القريتين، قال: أكرهها، قال: فهذا الهزيم. قال: أكره اسمه، قال: فهذا البخراء قصر النعمان بن بشير، قال: ويحك! ما أقبح أسماء مياهكم.
стр. 9469
فأقبل في طريق السماوة، ونزل الريف، وهو في مئتين، فقال: من الطويل
إذا لم يكن خير مع الشر لم تجد ... نصيحاً ولا ذا حاجة حين تفزع
إذا ما هم جاؤوا بإحدى هناتهم ... حسرت لهم رأسي فلا أتقنع
فمر في شبكة للضحاك بن قيس الفهري، وفيها من ولده وولد ولده أربعون رجلاً.
فساروا وقالوا: إنا عزل، فلو أمرت لنا بسلاح، فما أعطاهم رمحاً ولا سيفاً.
فقال له بيهس: إذا أبيت أن تمضي إلى حمص وتدمر، فهذا الحصن البخراء - البخراء شرقي حمص في البرية - فإنه حصين، وهو من بناء العجم فانزله.
قال: فإني أخاف الطاعون، قال: الذي يراد بك أشد من الطاعون. فنزل حصن البخراء.
قال: فندب يزيد بن الوليد الناس مع عبد العزيز، ونادى مناديه: من سار معه فله ألفان؛ فانتدب ألفا رجل؛ فأعطاهم ألفين ألفين، وقال: موعدكم بذنبة.
فوافى بذنبة ألف ومئتان، فقال لهم: موعدكم مصنعة بني عبد العزيز بن الوليد بالبرية، فوافاه بها ثمان مئة، فسار فتلقاهم ثقل الوليد، فأخذوه، ونزلوا قريباً من الوليد.
стр. 9470
وأتاه رسول العباس بن الوليد: إني آتيك؛ فقال الوليد: أخرجوا سريراً فأخرجوا سريراً، فجلس عليه، وقال: علي توثب الرجال وأنا أثب على الأسد والخضر الأفاعي؟ وهم ينتظرون العباس.
فتلقاهم عبد العزيز، على الميمنة حوي بن عمرو، وعلى المقدمة منصور بن جمهور، وعلى الرجالة عمارة بن أبي كلثم.
وركب عبد العزيز بغلاً له أدهم وبعث إليهم زياد بن حصين يدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، فقتله قطري مولى الوليد.
فانكشف أصحاب يزيد، فدخل عبد العزيز، فكر في أصحابه، وقد قتل من أصحابه عدة، وحملت رؤوسهم إلى الوليد وهو على باب حصن البخراء، قد أخرج لواء مروان بن الحكم الذي كان عقده بالجابية.
وقتل من أصحاب الوليد يزيد بن عثمان الخشبي.
وبلغ عبد العزيز مسير العباس بن الوليد، فأرسل منصور بن جمهور في خيل، وقال: إنكم تلقون العباس في الشعب ومعه بنوه، فخذوهم.
فخرج منصور والخيل فإذا هم في الشعب بالعباس في ثلاثين من بنيه، فقال له: اعدل إلى عبد العزيز، فشتمهم، فقال له منصور: والله لئن تقدمت لأنفذن حصينك.
стр. 9471
قال نوح بن عمرو: الذي لقي العباس بن الوليد يعقوب بن عبد الرحمن بن سليم.
فعدل به إلى عبد العزيز، فأبى عليه، فقال هل: يابن قسطنطين، لئن أبيت علي لأضربن الذي فيه عيناك، فنظر العباس إلى هرم بن عبد الله بن دحية، فقال: من هذا؟ قال يعقوب بن عبد الرحمن بن سليم، فقال: أما والله إن كان لبغيضاً إلى أبيه أن يقف ابنه هذا الموقف.
وعدل به إلى عسكر عبد العزيز، ولم يكن مع العباس أصحابه، وكان قد تقدمهم مع ثلاثة، فقال: إنا لله، فأتوا به عبد العزيز، فقال له: بايع لأخيك يزيد بن الوليد، فبايع، ووقف.
ونصبوا راية، وقالوا: هذه راية العباس بن الوليد، وقد بايع لأمير المؤمنين يزيد بن الوليد.
فقال العباس: إنا لله، خدعة من خداع الشيطان، هلك بنو مروان، فتفرق الناس عن الوليد، فأتوا العباس وبعد العزيز، وظاهر الوليد بين درعين، وأتوه بفرسين: السندي والذائد، فقاتلهم، فناداهم رجل: اقتلوا عدو الله قتلة قوم لوط، ارموه بالحجارة.
فلما سمع ذلك دخل القصر، وأغلق الباب، وأحاط عبد العزيز وأصحابه بالقصر.
فدنا الوليد من الباب، فقال: أما فيكم رجل شريف له حسب وحياء أكلمه؟ فقال له يزيد بن عنبسة: كلمني، قال: من أنت؟ قال: يزيد بن عنبسة، قال: يا أخل السكاسك، ألم أزد في أعطياتكم؟ ألم أدفع عنكم المؤن؟ ألم أعط فقراءكم؟ ألم أخدم زمناكم؟
стр. 9472
فقال: ما ننقم عليك في أنفسنا، ولكنا ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله، وشرب الخمر، ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله.
قال: حسبك، فلعمري لقد أكثرت وأغرقت، إن فيما أحل الله لي سعة عما ذكرت.
ورجع إلى الدار، فجلس، وأخذ مصحفاً، وقال: يوم كيوم عثمان، ونشر المصحف يقرأ.
فعلوا الحائط، فكان أول من علا الحائط يزيد بن عنبسة، فنزل إليه، وسيف الوليد إلى جنبه، فقال له يزيد: نح سيفك.
فقال له الوليد: لو أردت السيف كان لي ولك حال غير هذه، فأخذ بيد الوليد وهو يريد أن يحبسه ويؤامر فيه، فنزل من الحائط عشرة، فضربه عبد السلام اللخمي على رأسه، وضربه السري بن زياد بن أبي كبشة على وجهه، وجروه بين خمسة ليخرجوه، فصاحت امرأة كانت معه في الدار؛ فكفوا عنه لم يخرجوه.
واحتز أبو علاقة القضاعي رأسه، وأخذ عقباً، فخاط الضربة التي في وجهه.
وقدم بالرأس على يزيد روح بن مقبل، وقال: أبشر يا أمير المؤمنين بقتل الفاسق الوليد وأسر العباس. ويزيد يتغذى؛ فسجد ومن كان معه.
وقدم يزيد بن عنبسة، وأخذ بيد يزيد، وقال: قم يا أمير المؤمنين، وأبشر بنصر الله.
فاختلج يزيد يده من كفه، وقال: اللهم، إن كان هذا لك رضى فسددني.
وقال ليزيد بن عنبسة: هل كلمكم الوليد؟ قال: نعم، كلمني من وراء الباب، وقال: أما فيكم ذو حسب فأكلمه؟ فكلمته، ووبخته، فقال: حسبك، فقد لعمر أغرقت وأكثرت، أما والله لا يرتق فتقكم، ولا يلم شعثكم، ولا تجمع كلمتكم.
стр. 9473
قال المثنى بن معاوية:
أتيت الوليد، فدخلت من مؤخر الفسطاط، فدعا بالغداء، فلما وضع يده أتاه رسول أم كلثوم بنة عبد الله بن يزيد بن عبد الملك، فأخبره أن عبد العزيز بن الحجاج قد نزل اللؤلؤة، فلم يلتفت إليه، وأتاه خالد بن عثمان، وكان على شرط، برجل من بني حارثة، فقال: إني كنت بدمشق مع عبد العزيز، وقد أتيتك بالخبر، وهذه ألف وخمس مئة قد أخذتها، وحل همياناً من وسطه، وأراه قد نزل اللؤلؤة، وهو غاد منها إليك، فلم يجبه.
والتفت إلى رجل إلى جنبه، فكلمه بكلام لم أسمعه، فسألت بعض من كان بيني وبينه عما قال؛ فقال: سأله عن النهر الذي حفر بالأردن: كم بقي منه. وأقبل عبد العزيز من اللؤلؤة.. الحديث.
وكان يزيد بن الوليد جعل في رأس الوليد مئة ألف.
وأقبل أبو الأسد مولى خالد بن عبد الله القسري، فسلخ من جلدة الوليد قدر الكف، فأتى بها يزيد بن خالد بن عبد الله.
وانتهب الناس عسكر الوليد وحراسه.
ولما قتل الوليد قطعت كفه اليسرى، فبعث بها إلى يزيد، فسبقت الرأس، وصلت يوم الجمعة، ووصلت الرأس من الغد، فنصبه الناس بعد الصلاة؛ فقال يزيد بن فروة مولى بني مروان: إنما ينصب رأس الخارجي، وهو ابن عمك وخليفة، ولا آمن إن نصبته أن ترق له قلوب الناس؛ فيغضب له أهل بيته.
قال: والله، إلا نصبته، فنصبه على رمح، ثم قال: انطلق، فطف به دمشق، وأدخله دار أبيه.
стр. 9474
ففعل، وصاح الناس وأهل الدار، ثم رده إلى يزيد، فقال له: انطلق به إلى منزلك.
فمكث عنده قريباً من شهر، ثم قال: ادفعه إلى أخيه سليمان، وكان أخوه سليمان ممن يسعى على أخيه.
فغسل ابن فروة الرأس، ووضعه في سفط، وأتى به سليمان، فنظر إليه سليمان، فقال بعدالة: أشهد أنه كان شروباً للخمر ماجناً فاسقاً، ولقد أرادني على نفسي الفاسق.
فخرج ابن فروة، فتلقته مولاة للوليد، فقال لها: ويحك! ما أشد ما شتمه! زعم أنه أراده على نفسه! قالت: كذب والله الخبيث، ما فعل، ولئن كان أراده على نفسه فقد فعل، وما كان ليقدر على الامتناع منه.
ويزيد بن الوليد الذي قتل الوليد بن يزيد هو ابن عمه الذي يقال له الناقص، سار إليه في التدرية، فقتلوه بالبخراء، وقتل أهل مصر أميرهم.
وقيل: إنه حمل إلى دمشق سراً، ودفن خارج باب الفراديس.
وعن سيار بن سلامة أنه قال لما قتل الوليد: إنكم لترسون خبراً - يقال: بلغني رس من خبر وذرء من خبر - إن كان حقاً لا يبقى أهل بيت من وتر إلا دخل عليهم منه مكروه.
قال سفيان: لما قتل الوليد كان بالكوفة رجل، يكون بالشام، وأصله كوفي، سديد عقله، قال لخلف بن حوشب لما وقعت الفتنة: اصنع طعاماً، واجمع بقية من بقي، فجمعهم، فقال سليمان الأعمش: أنا لكم النذير: كف رجل يده، وملك لسانه، وعالج قلبه.
ولما قتل الوليد قال خلف بن خليفة: من الطويل
стр. 9475
لقد سلبت كلب وأسباب مذحج ... صدى كان يزقو ليله غير راقد
تركن أمير المؤمنين بخالد ... مكباً على خيشومه غير ساجد
فإن تقطعوا منا مناط قلادة ... قطعنا به منكم مناط قلائد
وإن تشغلونا عن ندانا فإننا ... شغلنا الوليد عن غناء الولائد
وإن سافر القسري سفرة هالك ... فإن أبا العباس ليس بشاهد
فقال حسان بن جعدة الجعفري يكذب خلف بن خليفة في قوله: من البسيط
إن امرأ يدعي قتل الوليد سوى ... أعمامه لمليء النفس بالكذب
ما كان إلا امرأ حانت منيته ... سارت إليه بنو مروان بالعرب
الوليد بن يزيد الخزاعي
حدث عن عمر بن عبد العزيز قال: حدثوا أهل العراق، ولا تحدثوا عنهم، وعلموهم، ولا تعلموا منهم.
وهب بن الأسود
ويقال: ابن مسعود الثقفي والأول أصح.
وفد على مروان بن الحكم، فقال له مروان: يا وهب، ما المروءة؟ قال: العفاف في الدين، والصنيعة في المال.
وقيل: إنه قال له: ما المروءة فيكم؟ قال: بر الوالدين، وإصلاح المال.
وقيل: إنه قال: العفاف وإصلاح المال، فقال مروان: عل بعبد الملك وعبد العزيز، فقال: اسمعا ما يقول عمكما.
стр. 9476
قال: فما السؤدد بينكم؟ قال: الحلم والنائل. قال: أي بني اسمعوا.
فلما استخلف عبد الملك ركب يوماً حتى انتهى إلى عين الأسد حول مدينة دمشق، فمر بغنم له، فإذا شاة جرباء، فنزل، فحسر عن ذراعه، ودعا بزيت وقطران، وأخذ الشاة؛ فقال له الراعي: تكفى يا أمير المؤمنين، فقال له: ويحك! فأين قول وهب بن مسعود لأمير المؤمنين؟!
وهب بن أكيدر بن عبد الملك بن عبد الحق
ويقال وهب بن عبد الملك بن أكيدر الكندي، ويقال: الكلبي من دومة الجندل.
حدث عن أبيه قال: كتب رسول الله ﷺ لأكيدر كتاباً، فيه أمان لهم من الظلم، ولم يكن معه خاتم، فختمه لهم بظفره.
وهب بن جابر الهمداني الحيواني الكوفي
حدث عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا ينبغي للمسلم أن يضيع من يقوت.
قال وهب بن جابر: كنت في بيت المقدس، فجاء مولى لعبد الله بن عمرو، فقال: إني أريد أن أقيم ههنا شهر رمضان، فقال له عبد الله: تركت لأهلك ما يقوتهم؟ قال: لا، قال: فارجع، فاترك عندهم ما يقوتهم؛ إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت.
وهب بن جابر ثقة.
стр. 9477
وهب بن زمعة بن أسيد
ابن أحيحة بن خلف بن وهب بن حذافة أو دهبل الجمحي، الشاعر من أهل مكة. قدم دمشق.
خرج أبو دهبل يريد الغزو - وكان رجلاً جميلاً صالحاً - فلما كان بجيرون جاءته امرأة، فأعطته كتاباً، فقالت له: اقرأ هذا، فقرأه لها. ثم ذهبت، فدخلت قصراً، ثم خرجت إليه، فقالت: لو تبلغت إلى هذا القصر، فقرأت الكتاب على امرأة فيه كان لك أجر - إن شاء الله - فدخل القصر، فإذا جوار كثير، فأغلقن عليه باب القصر، وإذا امرأة جميلة قد أتته، فدعته إلى نفسها، فأبى؛ فأمرت به فحبس في بيت من القصر، وأطعم وسقي قليلاً قليلاً حتى ضعف، وكاد أن يموت، ثم دعته إلى نفسها؛ فقال: أما حرام فلا يكون ذلك أبداً، ولكن أتزوجك، قالت: نعم. فتزوجها، وأمرت به فأحسن إليه حتى رجعت إليه نفسه، فأقام معها زماناً طويلاً، لم تدعه يخرج من القصر، حتى يئس منه أهله وولده، وزوج أولاده بناته، واقتسموا ميراثه، وأقامت زوجته تبكي عليه، ولم تقاسمهم ماله، ولا أخذت شيئاً من ميراثه، وجاءها الخطاب، فأبت، وأقامت على الحزن والبكاء عليه.
فقال أبو دهبل لامرأته يوماً: إنك قد أثمت في وفي ولدي؛ فأذني لي أن أخرج إليهم، وأرجع إليك.
فأخذت عليه أيماناً ألا يقيم إلا سنة حتى يعود إليها، وأعطته مالاً كثيراً.
فخرج إلى أهله، وأتى زوجته وما صارت إليه من الحزن، ونظر إلى ولده ممن
стр. 9478
اقتسم ماله، فقال: ما بيني وبينكم عمل، أنتم ورثتموني وأنا حي، فهو حظكم، والله لا يشرك زوجتي فيما قدمت به أحد.
وقال لزوجته: شأنك بهذا المال، فهو لك، ولست أجهل ما كان من وفائك.
فأقام معها، وقال في الشامية: - ويروى لعبد الرحمن بن حسان وليس بصحيح -: من الخفبف
صاح حيا الإله حياً ودوراً ... عند أصل القناة من جيرون
فبتلك اغتربت في الشام حتى ... ظن أهلي مرجمات الظنون
وهي زهراء مثل لؤلؤة الغوا ... ص ميزت من جوهر مكنون
وفيها:
ثم فارقتها على خير ما كا ... ن قرين مفارقاً لقرين
وبكت خشية التفرق والبي ... ن بكاء الحزين نحو الحزين
فأسألي عن تذكري واكتئابي ... كل أهلي إذا هم عذلوني
فلما جاء الأجل أراد الخروج إليها، فجاءه موتها؛ فأقام.
كان عبد الله بن الزبير استعمل المغيرة بن عبد الله بن خالد على ناحية من اليمن، وكان المغيرة شريفاً، ووفد عليه أبو دهبل الجمحي، فقال له: من مجزوء الكامل
يا ناق سيري واشرقي ... بدم إذا جئت المغيرة
سيثيبني أخرى سوا ... ك وتلك لي منه يسيره
إن ابن عبد الله نع ... م فتى الندى وابن العشيرة
حلو الحلاوة دهثم ... جلد القوى مر المريره
كفاه كفا ماجد ... حر سحائبه مطيره
стр. 9479
تتحليان ندى إذا ... ضنت به النفس العسيره
ولأبي دهبل يمدح عبد الله الأزرق: من الكامل
عقم النساء فما تلدن شبيهه ... إن النساء بمثله عقم
غض الكلام من الحياء تخاله ... ضمناً وليس بجسمه سقم
خرج أبو دهبل يريد مصر، ثم رجع من الطريق. وقال في زوجته أم دهبل: من الخفيف
اسلمي أم دهبل قبل هجر ... وتقص من الزمان وعصر
واذكري كري المطي إليكم ... بعدما قد توجهت نحو مصر
إن تكوني أنت المقدم قبلي ... وأطع يثو عند قبرك قبري
قال إبراهيم بن أبي عبد الله: فرأيت قبريهما بتهامة بعليب في موضع واحد.
وهب بن سعد بن أبي سرح
ابن الحارث بن حبيب بن جذيمة، ويقال: وهب بن عبد الله بن أبي سرح له صحبة. شهد بدراً ومؤتة، واستشهد بها.
وآخى رسول الله ﷺ بين وهب بن سعد وسويد بن عمرو، وقتلا شهيدين يوم مؤتة سنة ثمان، وهو ابن أربعين سنة، وشهد أحداً والخندق والحديبية وخيبر.
стр. 9480
وهب بن سلمان بن أحمد
ابن عبد الله بن أحمد أبو القاسم السلمي المعروف بابن الزلف، الفقيه الشافعي حدث بسنده إلى أنس قال: قال النبي ﷺ : إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، وإن الصدقة تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار، والصلاة نور المؤمن، والصوم جنةٌ من النار.
ولد أبو القاسم سنة ثمان وتسعين وأربع مئة، وتوفي سنة تسع وأربعين وخمس مئة.
وهب بن منبه بن كامل بن سيج
أبو عبد الله الأبناوي الذماري الصنعاني اليماني حدث وهب عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : يخرج من عدن اثنا عشر ألفاً ينصرون الله ورسوله، وهم خير من بيني وبينهم.
وحدث عن أخيه عن معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تلحفوا في المسألة، فوالله لا يسألني أحد شيئاً، فتخرج له مسألته شيئاً فيبارك له فيه.
ولد وهب سنة أربع وثلاثين في خلافة عثمان ﵁.
دخل سليمان بن عبد الملك مسجد دمشق فإذا نقش في حجر، فقال لمن معه: ما هذا النقش؟ قالوا: ما ندري، قال: ابعثوا إلى أناس من النصارى واليهود.
стр. 9481
قال: فجاؤوه بأناس، فقالوا: ما نعرف، فقيل: يا أمير المؤمنين ابعث إلى وهب بن منبه، فإنه يقرأ الكتاب.
فبعث إليه، فعرفه، فإذا هو يا بن آدم لو رأيت يسير ما بقي من أجلك لزهدت في طويل ما ترجو من أملك، وإنما تلقى ندمك، لو قد زلت بك قدمك، فأسلمك أهلك وحشمك، وانصرف عنك الحبيب، وودعك القريب، فلا أنت إلى أهلك بعائد، ولا في عملك زائد، فاعمل ليوم القيامة قبل الحسرة والندامة.
زاد في آخر وقصرت من حرصك وحيلك، وابتغيت الزيادة في عملك.
ومنبه: من أهل هراة، خرج فوقع إلى فارس أيام كسرى، وكسرى أخرجه من هراة، وهراة من خراسان، أسلم على عهد سيدنا رسول الله ﷺ ، فحسن إسلامه.
عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : يكون في أمتي رجلان: أحدهما يقال له وهب، يهب الله له الحكمة والأخبار، وآخر يقال له عيلان هو شر على أمتي من إبليس.
ويروى هو أضر.
كان وهب تابعياً ثقة على قضاء صنعاء.
قال وهب بن منبه: يقولون: إن عبد الله بن سلام كان أعلم أهل زمانه، وإن كعباً أعلم أهل زماني، أفرأيت من جمع علمهما، أهو أعلم أم هما؟ حدث كثير بن عبيد: أنه سار مع وهب حتى باتوا في دار بصعدة عند رجل من أهلها، فأنزلوا
стр. 9482
مصابيحهم، وخرجت ابنة الرجل، فرأت عنده مصباحاً، فاطلع إليه صاحب المنزل؛ فرآه صاف قدميه في ضياء كأنه بياض الشمس.
فقال الرجل: رأيتك الليلة في هيئة ما رأيت فيها أحداً، قال: وما الذي رأيت؟ قال: رأيتك في ضياء أشد من الشمس، قال: اكتم ما رأيت.
قال المثنى بن الصباح: رأيت وهب بن منبه أربعين سنة لم يسب شيئاً فيه الروح، ولبث عشرين سنة لم يجعل بين العشاء والصبح وضوءاً.
وقال وهب: لقد قرأت ثلاثين كتاباً نزل على ثلاثين نبياً.
ولبث وهب أربعين سنة لا يرقد على فراش.
كان وهب إذا قام إلى الوتر قال: الحمد لله، الحمد للدائم السرمد، حمداً لا يحصيه العدد، ولا يقطعه الأبد، كما ينبغي لك أن تحمد، وكما أنت له أهل، وكما هو لك علينا حق.
كان وهب بن منبه يحفظ كلامه كل يوم، فإن سلم أفطر، وإلا طوى.
قال الجعد بن درهم: ما كلمت عالماً قط إلا غضب، وحل حبوته غير وهب بن منبه.
قال سماك بن الفضل: كنا عند عروة بن الزبير وإلى جنبه وهب بن منبه، فجاء قوم، فشكوا من عاملهم شيئاً، فتناول وهب عصاً كانت في يد عروة، فضرب بها رأس العامل حتى سال دمه؛ فضحك عروة، واستلقى على قفاه، وقال: يعيب علينا أبو عبد الله الغضب، وهو يغضب.
стр. 9483
فقال وهب: وما لي لا أغضب وقد غضب الذي خلق الأحلام؟! إن الله تبارك وتقدس يقول: " فلما آسفونا انتقمنا منهم "، يقول: أغضبونا.
قيل لوهب: كنت ترى الرؤيا تحدثنا بها، فلا نلبث أن نراها كما رأيت، قال: هيهات! ذهب ذلك عني منذ وليت القضاء.
قال عبد الرزاق: قلت لمعمر: إن أبي أخبرني أن وهباً ولي القضاء في زمن عمر بن عبد العزيز، قال: فلم يحمد، فممه؟ فتبسم، ثم قال - لا يرفع صوته -: فإن الحسن ولي القضاء في زمن عمر فلم يحمد، فممه؟ كان وهب بن منبه على بيت مال اليمن، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز: إني فقدت من بيت مال المسلمين ديناراً؛ فكتب إليه: إني لا أتهم دينك ولا أمانتك، ولكني أتهم تضييعك وتفريطك، وأنا حجيج المسلمين في أموالهم، ولأشحهم عليك أن تحلف، والسلام.
قال داوود بن قيس: كان لي صديق من أهل بيت خولان، يقال له أبو شمر ذو خولان، فخرجت من صنعاء أريد كرنبة، فوجدت كتاباً مختوماً، في ظهره: إلى أبي شمر ذي خولان. فجئته، فوجدته حزيناً، فسألته، فقال: قدم رسول من صنعاء، فذكر لي أن أصدقاء لي كتبوا إلي كتاباً وضيعه الرسول، قلت: فهذا الكتاب قد وجدته، فقرأه، فقلت: أقرئنيه، قال: إني أستحدث سنك، قلت: وما فيه؟ قال: ضرب الرقاب، قلت: لعله كتبه إليك ناس من أهل حروراء في زكاة مالك، قال: من أين تعرفهم؟ قلت: إني وأصحاب لي نجالس وهب بن منبه، فيقول لنا: أيها الأحداث احذروا هؤلاء الأغمار
стр. 9484
هؤلاء الحروراء، لا يدخلوكم في رأيهم المخالف، فإنهم غرة لهذه الأمة.
فدفع إلي الكتاب، فإذا فيه: إنا نوصيك بتقوى الله وحده لا شريك له، فإن دين الله رشد وهدى في الدنيا، ونجاة ونور في الآخرة، وإن دين الله طاعة الله، ومخالفة من خالف سنة نبيه وشريعته، فإذا جاءك كتابنا فانظر أن تؤدي ما افترض الله عليك من حقه، تستحق بذلك ولاية الله وولاية أوليائه والسلام.
فقلت: إني أنهاك عنهم، قال: كيف أتبع قولك وأترك قول من هو أقدم منك؟ قلت: أفتحب أن ندخلك على وهب بن منبه؟ ومسعود بن عوف وال على اليمن، فوجدنا عند وهب نفراً من جلسائه.
فقال بعضهم: من هذا الشيخ؟ فقلت: هذا أبو شمر ذي خولان، وله حاجة يريد أن يستشير أبا عبد الله في بعض أمره؛ فقام القوم.
فقلت: يا أبا عبد الله إن ذا خولان من أهل القرآن وأهل الصلاح فيما علمنا، وأخبرني أنه عرض له نفر من حروراء، وقالوا له: زكاتك التي تؤديها إلى الأمراء لا تجزي عنك فيما بينك وبين الله؛ لأنهم لا يضعونها في مواضعها؛ فأدها إلينا، فإنا نضعها في مواضعها، نقسمها في فقراء المسلمين، ونقيم الحدود، ورأيت أن كلامك يا أبا عبد الله أشفى له من كلامي، وذكر لي أنه يؤدي إليهم الثمرة، للواحد مئة فرق على دوابه.
فقال له وهب: يا ذا خولان، أتريد أن تكون بعد الكبر حرورياً تشهد على من هو خير منك بالضلالة؟ فماذا أنت قائل لله غداً حين يقفك الله ومن شهدت عليه؟ الله يشهد له بالإيمان، وأنت تشهد عليه بالكفر؟! والله يشهد له بالهدى وأنت تشهد عليه بالضلالة؟! فأين تقع إذا خالف رأيك أمر الله وشهادتك شهادة الله؟! أخبرني يا ذا خولان ما يقولون لك؟
стр. 9485
فقال خولان: إنهم يأمروني ألا أتصدق إلا على من يرى رأيهم، ولا أستغفر إلا له.
فقال له وهب: صدقت، هذه محنتهم الكاذبة. فأما قولهم في الصدقة: فإنه قد بلغني: أن رسول الله ﷺ ذكر أن امرأة من أهل اليمن دخلت النار في هرة ربطتها، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.
أفإنسان ممن يعبد الله ويوحده ولا يشرك به شيئاً أحب إلى الله من أن تطعمه من جوع أو هرة؟! والله تعالى يقول في كتابه: " ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً " الآيات، إلى قوله: " وكان سعيكم مشكوراً ". ثم قال وهب ما كاد ﵎ أن يفرغ من تعديد ما أعد الله لهم بذلك الطعام في الجنة وأما قولهم: لا تستغفر إلا لمن رأى رأيهم: أفهم خير من الملائكة؟! والله تعالى يقول: " والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض "، وأنا أقسم بالله ما كانت الملائكة ليقدروا على ذلك ولا ليفعلوا حتى أمروا به؛ لأن الله قال: " لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون "، وفسر ذلك في قوله: " الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا " الآيات.
ألا ترى يا ذا الخولان أني قد أدركت صدر الإسلام؟ فوالله ما كانت الخوارج جماعة قط إلا فرقها الله على شر حالاتهم، وما أظهر أحد منهم رأيه قط إلا ضرب الله عنقه، وما اجتمعت الأمة على رجل قط من الخوارج، ولو أمكن الله الخوارج من رأيهم فسدت الأرض، وقطعت السبل، وقطع الحج من بيت الله الحرام، وعاد أمر الإنسان جاهلية،
стр. 9486
وإذاً لقام أكثر من عشرة أو عشرين رجلاً ليس منهم رجل إلا وهو يدعو إلى نفسه بالخلافة، ومع كل رجل منهم أكثر من عشرة آلاف يقاتل بعضهم بعضاً، ويشهد بعضهم على بعض بالكفر حتى يصبح المؤمن خائفاً على نفسه ودينه ودمه وأهله وماله، لا يدري أين يسلك، أو مع من يكون، غير أن الله بحكمه وعلمه ورحمته نظر لهذه الأمة؛ فجمعهم، وألف بين قلوبهم على رجل واحد ليس من الخوارج، فحقن الله به دماءهم، وستر به عوراتهم وعورات ذراريهم، وجمع به فرقتهم، وأمن به سبلهم، وقاتل به عن بيضة المسلمين عدوهم، وأقام له حدودهم، وأنصف به مظلومهم، وجاهد بظالمهم، رحمةً من الله تعالى، فقال: " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض " إلى " العالمين "، وقال: " اعتصموا بحبل الله جميعاً " إلى " تهتدون "، وقال تعالى: " إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا " إلى " الأشهاد ". فأين هم من هذه الآية؟ فلو كانوا مؤمنين نصروا. وقال تعالى: " ولقد سبقت كلمتنا " إلى " لهم الغالبون " فلو كانوا جند الله غلبوا ولو مرة واحدة في الإسلام. وقال الله تعالى: " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم " حتى " لا يشركون بي شيئاً "، وقال تعالى: " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ".
وأنا أشهد أن الله قد أنفذ للإسلام ما وعده من الظهور والتمكين والنصر على عدوهم ومن خالف رأي جماعتهم.
أفلا يسعك يا ذا خولان من أهل التوحيد وأهل القبلة وأهل الإقرار بشرائع الإسلام وسننه وفرائضه ما وسع نبي الله نوحاً من عبدة الأصنام والكفار، إذ قال له قومه: "
стр. 9487
أنؤمن لك واتبعك الأرذلون "؟ أو لا يسعك منهم ما وسع نبي الله وخليله إبراهيم من عبدة الأصنام إذ قال: " واجنبني وبني أن نعبد الأصنام " إلى " غفور رحيم "؟ أو لا يسعك ما وسع عيسى من الكفار الذين اتخذوه إلهاً من دون الله؟ إن الله قد رضي قول نوح وقول إبراهيم، وترك قول عيسى إلى يوم القيامة؛ ليقتدي به المؤمنون ومن بعدهم، يعني: " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم "، ولا يخالفون قول أنبياء الله ورأيهم، فمن نقتدي إذا لم نقتد بكتاب الله وقول أنبيائه ورأيهم؟ واعلم أن دخولك علي رحمة لك إن قبلت مني، وحجة عليك غداً عند الله إن تركت كتاب الله وعدت إلى رأي الحروراء.
قال ذو خولان: فما تأمرني؟ فقال وهب: انظر زكاتك المفروضة، فأدها إلى من ولاه الله أمر هذه الأمة، وجمعهم عليه، فإن الملك من الله وحده وبيده، يؤتيه الله من يشاء، وينزعه ممن يشاء، فمن ملكه الله لم يقدر أحد أن ينزعه منه.
فإذا أديت الزكاة المفروضة إلى ولي الأمر برئت منها، فإن كان فضل فصل به أرحامك ومواليك وجيرانك من أهل الحاجة وضيف إن ضافك.
فقام ذو خولان، فقال: أشهد أني نزلت عن رأي الحرورية، وصدقت ما قلت.
فلم يلبث ذو خولان إلا يسيراً حتى مات. كان وهب كتب كتاباً في القدر ثم ندم عليه.
قال عمرو بن دينار: دخلت على وهب بن منبه، فقلت له: وددت أنك لم تكن كتبت في القدر كتاباً، فقال: وأنا والله لوددت كذلك.
قال وهب بن منبه: كنت أقول بالقدر حتى قرأت بضعاً وسبعين كتاباً
стр. 9488
من كتب الأنبياء، في كلها: من جعل شيئاً من المشيئة إلى نفسه فقد كفر، فتركت قولي.
وعن وهب قال: كان أهل العلم فيما مضى يضنون بعلمهم عن أهل الدنيا، فرغب أهل الدنيا في علمهم؛ فيبذلون لهم دنياهم، وإن أهل العلم اليوم بذلوا علمهم لأهل الدنيا؛ فزهد أهل الدنيا في علمهم؛ فضنوا عنهم بدنياهم.
وقال وهب: كان العلماء فيما خلا حملوا العم، فأحسنوا حمله، فاحتاجت إليهم الملوك وأهل الدنيا، ورغبوا في علمهم، فلما كانوا بأخرة فشت علماء، فحملوا العلم، فلم يحسنوا حمله، وطرحوا علمهم على الملوك وأهل الدنيا، فاهتضموهم واحتقروهم.
وقيل: يأتون من يغلق بابه، ويظهر فقره ويكتم غناه، ويتركون من بابه مفتوح بالغداة والعشي ونصف النهار.
خطب وهب الناس على المنبر، فقال: احفظوا مني ثلاثاً: إياكم وهوى متبعاً، وقرين سوء، وإعجاب المرء بنفسه.
وعن وهب بن منبه قال: دع المراء والجدال من أمرك، فإنه لن تعجز أحد رجلين: رجل هو أعلم منك، فكيف تعادي وتجادل من هو أعلم منك؟! ورجل أنت أعلم منه، فكيف تعادي وتجادل من أنت أعلم منه، ولا يطيعك؟! فاطو ذلك عنه.
وعن وهب بن منبه قال: العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والعقل دليله، والصبر أمير جنوده، والرفق أبوه، واللين أخوه.
وقال وهب: المؤمن ينظر ليعلم، ويسكت ليسلم، ويتكلم ليفهم، ويخلو ليغنم.
قال وهب: الإيمان عريان، ولباسه التقوى، وزينته الحياء، وماله الفقه.
وقال وهب لرجل من جلسائه: ألا أعلمك فقهاً لا يتعايا الفقهاء فيه؟ قال: بلى، قال: إن سئلت عن شيء عندك فيه علم فأخبر بعلمك، وإلا فقل: لا أدري.
стр. 9489
وقال وهب: ثلاث من كن فيه أصاب البر: سخاوة النفس، والصبر على الأذى، وطيب الكلام.
قال رجل لابن وهب: إني مررت بفلان وهو يشتمك، فغضب وهب وقال: أما وجد الشيطان رسولاً غيرك؟ وفي رواية: بريداً غيرك.
فلم يبرح حتى جاء الرجل الشاتم، فسلم على وهب: فرد ﵇، وصافحه، وأخذ بيده، وضحك في وجهه، وأجلسه إلى جنبه.
قال وهب بن منبه: استكثر من الإخوان ما استطعت، فإنك إن استغنيت عنهم لم يضروك، وإن احتجت إليهم نفعوك.
قال وهب: ترك المكافأة تطفيف، وقال الله : " ويل للمطففين ".
وقال وهب بن منبه: إذا رأيت الرجل يمدحك بما ليس فيك فلا تأمنه أن يذمك بما ليس فيك.
وقال وهب: إخفاؤك بعض الذل خير من انتصار يزيد صاحبه قماءة.
جاء رجل إلى وهب، فقال: إن الناس قد وقعوا فيما وقعوا فيه، فقد حدثت نفسي ألا أخالطهم. فقال: لا تفعل، إنه لا بد للناس منك، ولا بد لك منهم، ولهم إليك حوائج، ولك إليهم حوائج، ولكن كن فيهم أصم سميعاً، أعمى بصيراً، سكوتاً نطوقاً.
وقال وهب: لا يكون البطال من الحكماء، ولا ترث الزناة ملكوت السماء.
قال وهب: لا يكون الرجل فقيهاً كامل الفقه حتى يعد البلاء نعمة، ويعد الرخاء مصيبة، وذلك أن صاحب البلاء ينتظر الرخاء، وصاحب الرخاء ينتظر البلاء.
جاء رجل إلى وهب، فقال: علمني شيئاً ينفعني الله به. قال: أكثر من ذكر الموت، وأقصر أملك، وحصة ثالثة إن أنت أصبتها بلغت الغاية القصوى، وظفرت بالعبادة، قال: ما هي؟ قال: التوكل.
стр. 9490
وعن وهب قال: في حكمة الله مكتوب: من صبر على البلاء ورضي بالقضاء، وشكر النعماء، وزهد في الدنيا، فقد أرضى الله حق الرضاء.
قال وهب: اعمل خيراً، ودعه على الله.
قيل لوهب: لم زهدت في الدنيا؟ قال: بحرفين وجدتهما في التوراة: يا من لا يستتم سرور يوم، ولا يأمن على روحه يوماً، الحذر الحذر.
وعن وهب أنه قال: إن من أعون الأخلاق على الدين الزهادة في الدنيا، وأوشكها ردى اتباع الهوى، ومن اتباع الهوى الرغبة في الدنيا، ومن الرغبة في الدنيا حب المال والشرف، ومن حب المال والشرف استحلال الحرام، ومن استحلال الحرام يغضب الله، وغضب الله الداء الذي لا دواء له إلا رضوان الله، ورضوان الله الدواء الذي لا يضر معه داء. فمن يرد أن يرضي الله يسخط نفسه. ومن لم يسخط نفسه لا يرضي ربه. إن كان كلما ثقل الإنسان شيء من أمر دينه تركه أوشك ألا يبقى معه شيء.
قال وهب: مثل الدنيا والآخرة كمثل رجل له ضرتان، إن أرضى إحداهما أسخط الأخرى.
وقال: لكل شيء طرفان ووسط، فإذا أمسكت بأحد الطرفين مال الآخر، وإذا أمسكت بالوسط اعتدل الطرفان. وقال: عليكم بالأوسط من الأشياء.
وقال وهب: الدراهم والدنانير خواتيم الله في الأرض، فمن ذهب بخاتم الله قضيت حاجته.
وعن وهب قال: من يرحم يرحم، ومن يصمت يسلم، ومن يجهل يغلب، ومن يعجل يخطئ، ومن يحرص على الشر لا يسلم، ومن لا يدع المراء يشتم، ومن لا يكره الشتم يأثم، ومن يكره الشر يعصم، ومن يتبع وصية الله يحفظ، ومن يحذر الله يأمن، ومن يتول الله يمتع، ومن لا يسأل الله يفتقر، ومن لا يكن مع الله يخذل، ومن يستعن بالله يظفر.
قال وهب: ما عند الله شيء أفضل من العقل.
следующие страницы →