← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 9486–9525 · переход к 9491.

стр. 9486

وإذاً لقام أكثر من عشرة أو عشرين رجلاً ليس منهم رجل إلا وهو يدعو إلى نفسه بالخلافة، ومع كل رجل منهم أكثر من عشرة آلاف يقاتل بعضهم بعضاً، ويشهد بعضهم على بعض بالكفر حتى يصبح المؤمن خائفاً على نفسه ودينه ودمه وأهله وماله، لا يدري أين يسلك، أو مع من يكون، غير أن الله بحكمه وعلمه ورحمته نظر لهذه الأمة؛ فجمعهم، وألف بين قلوبهم على رجل واحد ليس من الخوارج، فحقن الله به دماءهم، وستر به عوراتهم وعورات ذراريهم، وجمع به فرقتهم، وأمن به سبلهم، وقاتل به عن بيضة المسلمين عدوهم، وأقام له حدودهم، وأنصف به مظلومهم، وجاهد بظالمهم، رحمةً من الله تعالى، فقال: " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض " إلى " العالمين "، وقال: " اعتصموا بحبل الله جميعاً " إلى " تهتدون "، وقال تعالى: " إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا " إلى " الأشهاد ". فأين هم من هذه الآية؟ فلو كانوا مؤمنين نصروا. وقال تعالى: " ولقد سبقت كلمتنا " إلى " لهم الغالبون " فلو كانوا جند الله غلبوا ولو مرة واحدة في الإسلام. وقال الله تعالى: " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم " حتى " لا يشركون بي شيئاً "، وقال تعالى: " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ". وأنا أشهد أن الله قد أنفذ للإسلام ما وعده من الظهور والتمكين والنصر على عدوهم ومن خالف رأي جماعتهم. أفلا يسعك يا ذا خولان من أهل التوحيد وأهل القبلة وأهل الإقرار بشرائع الإسلام وسننه وفرائضه ما وسع نبي الله نوحاً من عبدة الأصنام والكفار، إذ قال له قومه: "

стр. 9487

أنؤمن لك واتبعك الأرذلون "؟ أو لا يسعك منهم ما وسع نبي الله وخليله إبراهيم من عبدة الأصنام إذ قال: " واجنبني وبني أن نعبد الأصنام " إلى " غفور رحيم "؟ أو لا يسعك ما وسع عيسى من الكفار الذين اتخذوه إلهاً من دون الله؟ إن الله قد رضي قول نوح وقول إبراهيم، وترك قول عيسى إلى يوم القيامة؛ ليقتدي به المؤمنون ومن بعدهم، يعني: " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم "، ولا يخالفون قول أنبياء الله ورأيهم، فمن نقتدي إذا لم نقتد بكتاب الله وقول أنبيائه ورأيهم؟ واعلم أن دخولك علي رحمة لك إن قبلت مني، وحجة عليك غداً عند الله إن تركت كتاب الله وعدت إلى رأي الحروراء. قال ذو خولان: فما تأمرني؟ فقال وهب: انظر زكاتك المفروضة، فأدها إلى من ولاه الله أمر هذه الأمة، وجمعهم عليه، فإن الملك من الله وحده وبيده، يؤتيه الله من يشاء، وينزعه ممن يشاء، فمن ملكه الله لم يقدر أحد أن ينزعه منه. فإذا أديت الزكاة المفروضة إلى ولي الأمر برئت منها، فإن كان فضل فصل به أرحامك ومواليك وجيرانك من أهل الحاجة وضيف إن ضافك. فقام ذو خولان، فقال: أشهد أني نزلت عن رأي الحرورية، وصدقت ما قلت. فلم يلبث ذو خولان إلا يسيراً حتى مات. كان وهب كتب كتاباً في القدر ثم ندم عليه. قال عمرو بن دينار: دخلت على وهب بن منبه، فقلت له: وددت أنك لم تكن كتبت في القدر كتاباً، فقال: وأنا والله لوددت كذلك. قال وهب بن منبه: كنت أقول بالقدر حتى قرأت بضعاً وسبعين كتاباً

стр. 9488

من كتب الأنبياء، في كلها: من جعل شيئاً من المشيئة إلى نفسه فقد كفر، فتركت قولي. وعن وهب قال: كان أهل العلم فيما مضى يضنون بعلمهم عن أهل الدنيا، فرغب أهل الدنيا في علمهم؛ فيبذلون لهم دنياهم، وإن أهل العلم اليوم بذلوا علمهم لأهل الدنيا؛ فزهد أهل الدنيا في علمهم؛ فضنوا عنهم بدنياهم. وقال وهب: كان العلماء فيما خلا حملوا العم، فأحسنوا حمله، فاحتاجت إليهم الملوك وأهل الدنيا، ورغبوا في علمهم، فلما كانوا بأخرة فشت علماء، فحملوا العلم، فلم يحسنوا حمله، وطرحوا علمهم على الملوك وأهل الدنيا، فاهتضموهم واحتقروهم. وقيل: يأتون من يغلق بابه، ويظهر فقره ويكتم غناه، ويتركون من بابه مفتوح بالغداة والعشي ونصف النهار. خطب وهب الناس على المنبر، فقال: احفظوا مني ثلاثاً: إياكم وهوى متبعاً، وقرين سوء، وإعجاب المرء بنفسه. وعن وهب بن منبه قال: دع المراء والجدال من أمرك، فإنه لن تعجز أحد رجلين: رجل هو أعلم منك، فكيف تعادي وتجادل من هو أعلم منك؟! ورجل أنت أعلم منه، فكيف تعادي وتجادل من أنت أعلم منه، ولا يطيعك؟! فاطو ذلك عنه. وعن وهب بن منبه قال: العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والعقل دليله، والصبر أمير جنوده، والرفق أبوه، واللين أخوه. وقال وهب: المؤمن ينظر ليعلم، ويسكت ليسلم، ويتكلم ليفهم، ويخلو ليغنم. قال وهب: الإيمان عريان، ولباسه التقوى، وزينته الحياء، وماله الفقه. وقال وهب لرجل من جلسائه: ألا أعلمك فقهاً لا يتعايا الفقهاء فيه؟ قال: بلى، قال: إن سئلت عن شيء عندك فيه علم فأخبر بعلمك، وإلا فقل: لا أدري.

стр. 9489

وقال وهب: ثلاث من كن فيه أصاب البر: سخاوة النفس، والصبر على الأذى، وطيب الكلام. قال رجل لابن وهب: إني مررت بفلان وهو يشتمك، فغضب وهب وقال: أما وجد الشيطان رسولاً غيرك؟ وفي رواية: بريداً غيرك. فلم يبرح حتى جاء الرجل الشاتم، فسلم على وهب: فرد ﵇، وصافحه، وأخذ بيده، وضحك في وجهه، وأجلسه إلى جنبه. قال وهب بن منبه: استكثر من الإخوان ما استطعت، فإنك إن استغنيت عنهم لم يضروك، وإن احتجت إليهم نفعوك. قال وهب: ترك المكافأة تطفيف، وقال الله : " ويل للمطففين ". وقال وهب بن منبه: إذا رأيت الرجل يمدحك بما ليس فيك فلا تأمنه أن يذمك بما ليس فيك. وقال وهب: إخفاؤك بعض الذل خير من انتصار يزيد صاحبه قماءة. جاء رجل إلى وهب، فقال: إن الناس قد وقعوا فيما وقعوا فيه، فقد حدثت نفسي ألا أخالطهم. فقال: لا تفعل، إنه لا بد للناس منك، ولا بد لك منهم، ولهم إليك حوائج، ولك إليهم حوائج، ولكن كن فيهم أصم سميعاً، أعمى بصيراً، سكوتاً نطوقاً. وقال وهب: لا يكون البطال من الحكماء، ولا ترث الزناة ملكوت السماء. قال وهب: لا يكون الرجل فقيهاً كامل الفقه حتى يعد البلاء نعمة، ويعد الرخاء مصيبة، وذلك أن صاحب البلاء ينتظر الرخاء، وصاحب الرخاء ينتظر البلاء. جاء رجل إلى وهب، فقال: علمني شيئاً ينفعني الله به. قال: أكثر من ذكر الموت، وأقصر أملك، وحصة ثالثة إن أنت أصبتها بلغت الغاية القصوى، وظفرت بالعبادة، قال: ما هي؟ قال: التوكل.

стр. 9490

وعن وهب قال: في حكمة الله مكتوب: من صبر على البلاء ورضي بالقضاء، وشكر النعماء، وزهد في الدنيا، فقد أرضى الله حق الرضاء. قال وهب: اعمل خيراً، ودعه على الله. قيل لوهب: لم زهدت في الدنيا؟ قال: بحرفين وجدتهما في التوراة: يا من لا يستتم سرور يوم، ولا يأمن على روحه يوماً، الحذر الحذر. وعن وهب أنه قال: إن من أعون الأخلاق على الدين الزهادة في الدنيا، وأوشكها ردى اتباع الهوى، ومن اتباع الهوى الرغبة في الدنيا، ومن الرغبة في الدنيا حب المال والشرف، ومن حب المال والشرف استحلال الحرام، ومن استحلال الحرام يغضب الله، وغضب الله الداء الذي لا دواء له إلا رضوان الله، ورضوان الله الدواء الذي لا يضر معه داء. فمن يرد أن يرضي الله يسخط نفسه. ومن لم يسخط نفسه لا يرضي ربه. إن كان كلما ثقل الإنسان شيء من أمر دينه تركه أوشك ألا يبقى معه شيء. قال وهب: مثل الدنيا والآخرة كمثل رجل له ضرتان، إن أرضى إحداهما أسخط الأخرى. وقال: لكل شيء طرفان ووسط، فإذا أمسكت بأحد الطرفين مال الآخر، وإذا أمسكت بالوسط اعتدل الطرفان. وقال: عليكم بالأوسط من الأشياء. وقال وهب: الدراهم والدنانير خواتيم الله في الأرض، فمن ذهب بخاتم الله قضيت حاجته. وعن وهب قال: من يرحم يرحم، ومن يصمت يسلم، ومن يجهل يغلب، ومن يعجل يخطئ، ومن يحرص على الشر لا يسلم، ومن لا يدع المراء يشتم، ومن لا يكره الشتم يأثم، ومن يكره الشر يعصم، ومن يتبع وصية الله يحفظ، ومن يحذر الله يأمن، ومن يتول الله يمتع، ومن لا يسأل الله يفتقر، ومن لا يكن مع الله يخذل، ومن يستعن بالله يظفر. قال وهب: ما عند الله شيء أفضل من العقل.

стр. 9491

قال وهب: من أخلاق العاقل عشرة أخلاق: الحلم والعلم والرشد والعفاف والصيانة والحياء والرزانة ولزوم الخير والمداومة عليه، ورفض الشر وبغضه له ولأهله، وطواعية الناصح وقبوله منه. ويتشعب من كل خصلة منها عشرة أخلاق صالحة: فالحلم يتشعب منه: حسن العاقبة، والمحمدة في الناس، وشرف المنزلة، والتسليم من السفه، وركوب الجميل من الفعل، وصحبة الأبرار، ويرتدع عن الضعة، ويرتفع من الخساسة، وينتهي إليه البر، ويقربه معالي الدرجات. والعلم يتشعب منه: الشرف وإن كان دنيئاً، والعز وإن كان مهيناً، والغنى وإن كان فقيراً، والقوة وإن كان ضعيفاً، والنبل وإن كان حقيراً، والقرب وإن كان قصياً، والجود وإن كان بخيلاً، والحياء وإن كان صلفاً، والمهابة وإن كان وضيعاً، والسلامة وإن كان سفيهاً. وينشعب من الرشد: الرشاد والهدى والبر والتقى والعبادة والقصد والاقتصاد والثواب والكرم والصدق. وينشعب من العفاف: الكفاية والاستكانة والمصادقة والموافقة والنص واليقين والسداد والرضى والراحة. وينشعب من الصيانة: الكف والورع وحسن الثناء والتزكية والمروءة والتكرم والغبطة والسرور والمسالمة والتفكير. وينشعب من الحياء: البر والرقة والمخافة والسماحة والصحة والمداومة على الخير وحسن البشاشة والمطاوعة وذل النفس. وينشعب من الرزانة: الراحة والسكون وعلو وتمكين وتأن وحظوة وتكرم. وينشعب من المداومة على الخير: الصلاح والقرار والإخبات والإنابة والسؤدد والظفر والرضى في الناس وحسن العافية.

стр. 9492

وينشعب من كراهية الشر: حسن الأمانة، وترك الخيانة، واجتناب الشر، وحب الخير، وتحصين الفرج، وصدق اللسان، وحب التواضع لمن هو فوقه، والإنصاف لمن هو دونه، وحسن الجوار، ومجانبة خلطاء السوء. وينشعب من طاعة الناصح: زيادة في الفضل، وكمال في اللب، ومحمدة في العواقب، والسلامة من اللوم، والبعد من الطيش، واستصلاح المال، ومراقبة ما هو نازل، والاستعداد للعدو، والاستقامة على المنهاج، ولزوم الرشاد. فذلك مئة خصلة من أخلاق العاقل. ومن أخلاق الجاهل عشرة أخلاق سيئة: الطيش والسفه والضجر والعجلة والغضب والملامة والكذب وبغض الخير وحب الشر وطاعة الغاش. وينشعب من الطيش: سوء الصنيع، والمداومة على سوء صنيعه، وسوء المنزلة والصلف والردى والهوان والسفال والغل والقماء والرذل والغباء والذل. وينشعب من السفه كثرة الكلام في غير الحق فيما لا عليه ولا له. والخوض في الباطل، وصحبة الفجار، والإنفاق في السرف والاحتيال والبذخ، والمكر والخديعة والاغتيال والسباب. وينشعب من الضجر ترك الحق، والميل إلى الباطل والتردي ومتابعة الهوى، وقطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وسوء اليقين، والتفريط في العمل والنسيان والهم والخيلاء. وينشعب من العجلة الخسران والندامة وقلة الفهم وسوء المنظر، وفراق الصاحب وطلاق المرأة، وتضييع المال، وشماتة العدو، واكتساب الشر، واكتساب الملامة والندامة والمذمة. وينشعب من الغضب قتل النفس ظلماً، وركوب الصديق بالقبيح، وضرب

стр. 9493

الخادم، واقتحام في المعاصي، ومباشرة العيوب، ومصاولة الحميم ومصارمته، والأيمان الكاذبة، وفراق الأحبة ومصارمتهم، وسوء ذات البين، والتعب في طلب المعاذير. وينشعب من الملامة سوء المعاشرة، ومنابذة الصديق، وتقريب العدو، وحب الفاحشة، وبغض التقوى، وطاعة الغاش، والتجبر عند الناس، وخذلان الأصحاب، والميل إلى أهل العمى، والمسارعة إلى الشر. وينشعب من الكذب الغدر والفجور، والمقت عند ذوي الألباب وغيرهم، والفخر بالباطل، ومدحة الفاسقين، والإفراط في البذل، واختلاط العقل وحب الشقاء وأهله، وبغض السعادة وأهلها، والتهمة عند الخلق وإن صدق. وينشعب من بغض الخير طاعة الشيطان، ومعصية الرسل، والكسل عند الرشد، والمسارعة في الغي والجفاء والحقد والمذمة، والاستطالة، والتردي. وينشعب من حب الشر أكل الحرام، ومنع الصدقات، وتضييع الصدقات، والاستخفاف بالذنب، والانهماك في الطغيان والمعصية، واقتحام المهالك، واختيارالبلايا والشقاء، والثناء على أهل المنكر والرضى بصنيعهم، ومذمة الصالحين والطعن عليهم. وينشعب من طاعة الغاش: الصدود عن الخير والمعروف، والمسارعة إلى الشر والمنكر، واستحلال الفروج، وركوب الفواحش، وأذى الجيران، وبغض الإخوان، والإساءة إلى المرأة، والتواني عن النجاح، وبغض القرآن، ومعصية الرب. فتلك مئة خصلة سيئة من أخلاق الجاهل. قال وهب: كما تتفاضل الشجر بالثمار كذلك يتفاضل الناس بالعقل. قال وهب: المؤمن متفكر مذكر، من ذكر تفكر فعلته السكينة، قنع فلم يهتم، رفض الشهوات فصار حراً، ألقى الحسد، وظهرت له المحبة، زهد في كل فانٍ فاستكمل العمل؛ رغب في كل باق، فنهته المعرفة.

стр. 9494

قال وهب: الأحمق إذا تكلم فضحه حمقه، وإذا سكت فضحه عيه، وإذا عمل أفسد، وإذا ترك أضاع، لا علمه يعينه، ولا علم غيره ينفعه، تود أمه أنها ثكلته، وتود امرأته أنها عدمته، ويتمنى جاره منه الوحدة، ويأخذ جليسه منه الوحشة، وأنشد لمسكين الدارمي في ذلك: من الرمل اتق الأحمق أن تصحبه ... إنما الأحمق كالثوب الخلق كلما رفعت منه جانباً ... حركته الريح وهناً فانخرق أو كصدع في زجاج فاحش ... هل ترى صدع زجاج يتفق وإذا جالسته في مجلس ... أفسد المجلس منه بالخرق فإذا نهنهته كي يرعوي ... زاد جهلاً وتمادى في الحمق قال وهب: طوبى لمن شغله عيبه عن عيب أخيه، طوبى لمن تواضع لله من غير مسكنة، طوبى لمن تصدق من مال جمعه من غير معصية، طوبى لأهل الضر وأهل المسكنة، طوبى لمن جالس أهل العلم والحلم، طوبى لمن اقتدى بأهل العلم والحلم والخشية، طوبى لمن وسعته السنة فلم يعدها. عن ليث بن أبي سليم قال: قال لي مجاهد: احذر الهتاتين؛ فلا تكتب عنهما: عمرو بن شعيب ووهب بن منبه. يقال: هت الحديث يهته هتاً: إذا دخل فيه ما ليس منه؛ فأزاله عن معنى الصواب. وكان معنى الهتات: المكثر من غير إصابة. حبس وهب بن منبه فواصل ثلاثاً، فقيل له: ما هذا الصوم؟ فقال: نحن في طرف من عذاب الله، قال الله : " ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم

стр. 9495

وما يتضرعون "، أحدث لنا الحبس فأخذتنا زيادة عبادة. قال صالح بن طريف الضبي: لما قدم يوسف بن عمر العراق، فأتانا خبره بخراسان بكى صالح بن طريف، فاشتد بكاؤه، وقال: ضرب وهب بن منبه حتى قتله. مات وهب بن منبه بصنعاء سنة عشر ومئة، وقيل: سنة ثلاث عشرة، وقيل سنة أربع عشرة، وقيل: سنة ست عشرة، وعمره ثمانون سنة. وهب بن وهب بن كبير ابن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن عبد المطلب بن أسد أبو البختري الأسدي القاضي بالمدينة وبغداد كبير: بفتح الكاف، وكسر الباء المعجمة بواحدة. والبختري: بباء مفتوحة، وخاء معجمة، وتاء باثنتين. حدث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قال: إن أول سورة تعلمتها من القرآن " طه " وكنت إذا قلت: " طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى " قال ﷺ : لا شقيت يا عائش. ولاه هارون المدينة، وجعل إليه صلاتها وحربها وقضاءها. وكان سخياً مرياً من رجال قريش، وروى منكرات. وتوفي ببغداد سنة مئتين. قال أبو البختري: لأن أكون في قوم أعلم مني أحب إلي من أن أكون في قوم أنا أعلم منهم، لأني إن كنت أعلمهم لم أستفد، وإن كنت مع من هم أعلم مني استفدت.

стр. 9496

دخل شاعر على أبي البختري وهب بن وهب، فأنشده: من الطويل إذا افتر وهب خلته برق عارض ... تنفق في الأرضين أسعده السكب وما ضر وهباً ذم من خالف الملا ... كما لا يضر البدر ينبحه الكلب لكل أناس من أبيهم ذخيرةٌ ... وذخر بني فهر عقيد الندى وهب فاستهل أبو البختري ضاحكاً، وسر سروراً شديداً، ثم دعا عوناً له، فأسر له شيئاً، فأتاه بصرة، فيها خمس مئة دينار، فدفعها إليه. وكان إذا أعطى عطاء قليلاً أو كثيراً أتبعه عذراً إلى صاحبه، وكان يتهلل عند طلب الحاجة إليه، حتى لو رآه من لا يعرفه لقال: هذا الذي قضيت حاجته. وكان أبو البختري جواداً سمحاً. قال محمد بن يزيد النحوي: دخل رجل باذ الهيئة على قوم، وهم على شراب لهم، فحطوا مرتبته في الشراب، فقال: من المتقارب نبيذان في مجلس واحد ... لإيثار مثر على مقتر ولو كنت تفعل ذا في الطعام ... لرمت قياسك في المسكر ولو كنت تفعل فعل الكرام ... سلكت سبيل أبي البختري تتبع إخوانه في البلاد ... فأغنى المقل عن المكثر فبعث إليه أبو البختري بألف دينار. ويروى قبل البيت الأول: تأمل قبيح الذي جئته ... تجده خلوف فم الأبخر

стр. 9497

وهذا من قبيح الهجاء، وفيه مبالغة في الذم. وفي هذا المعنى: من المتقارب رأيت نبيذان في مجلس ... فقلت لساق لنا ما السبب فقال الذي نحن في بيته ... يفضل قوماً بسوء الأدب كان أبو البختري قد مدحه الشعراء لسماحته وسعة عطائه ومكارمه وأخلاقه. وذمه الأئمة الأكابر وأعلام المحدثين، ونسبوه إلى الكذب فيما يرويه، ووضع كثيراً من الحديث الذي كان يمليه. قال أبو سعيد العقيلي - وكان من ظرفاء الناس وشعرائهم - قال: لما قدم الرشيد المدينة أعظم أن يرقى منبر النبي ﷺ في قباء أسود ومنطقة، فقال أبو البختري: حدثني جعفر بن محمد عن أبيه قال: نزل جبريل على النبي ﷺ ، وعليه قباء ومنطقة محتجزاً فيها بخنجر، فقال المعافى التميمي، وقال الجازري: المعادي التميمي: من السريع ويل وغول لأبي البختري ... إذا توافى الناس للمحشر من قوله الزور وإعلانه ... بالكذب في الناس على جعفر والله ما جالسه ساعةً ... للفقه في بدو ولا محضر ولا رآه الناس في دهر ... يمر بين القبر والمنبر يا قاتل الله ابن وهب لقد ... أعلن بالزور وبالمنكر يزعم أن المصطفى أحمداً ... أتاه جبريل النقي البري عليه خف وقباً أسود ... محتجزاً في الحقو بالخنجر وقف يحيى بن معين على حلقة أبي البختري، فإذا هو يحدث بهذا الحديث عن جعفر عن أبيه عن جابر، فقال له: كذبت يا عدو الله على رسول الله ﷺ ، قال: فأخذني الشرط، فقلت لهم: هذا يزعم أن رسول رب العالمين نزل على النبي ﷺ ، وعليه قباء، فقالوا لي: هذا - والله - قاض كذاب، وأفرجوا عني.

стр. 9498

دخل أبو البختري على الرشيد، وهو قاض، وهارون إذ ذاك يطير الحمام، فقال: هل تحفظ في هذا شيئاً. فقال: حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ كان يطير الحمام. فقال هارون: اخرج عني، ثم قال: لولا أنه رجل من قريش لعزلته. قال هارون لأبي البختري: أليس أخبرتني أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول إذا رأى الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وإذا رأى بعد الزوال فهو للمستقبلة؟ فقال: لا، فقال له المأمون: بلى والله لقد حدثتنا به في البستان، قال: صدقت. قال دحيم: كذابا هذه الأمة: صاحب طبرية وصاحب صيدا، الوليد بن سلمة وأبو البختري. قال إبراهيم الحربي لأحمد بن حنبل: تعلم أحداً روى: لا سبق إلا في خف أو حافر أو جناح؟ قال: ما روى هذا إلا ذاك الكذاب أبو البختري. ولما بلغ عبد الرحمن بن مهدي موت أبي البختري قال: الحمد لله الذي أراح المسلمين منه. وهذا وهم، فإن ابن مهدي مات سنة ثمان وتسعين ومئة، وأبو البختري مات سنة مئتين. وهيب بن حامد بن إبراهيم بن الوليد أبو الرضا العذري حدث عن أبي القاسم عبد الله بن محمد البجلي بسنده إلى عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: إن الله يحب الرفق في الأمر كله. عبد الله بن محمد هو تمام بن محمد داسة الحنائي.

стр. 9499

أسماء النساء على حرف الواو ولادة بنت العباس بن جزي ابن الحارث بن زهير بن جذيمة، العبسية أم الوليد وسليمان زوج عبد الملك بن مروان. لما دخل عبد الملك بولادة دخل عليه أبوها من الغد، فقال: كيف وجدت أهلك؟ قال: وجدتها قد ملأتني بالدم، قال: إنها من نساء يحتسبن على أزواجهن ذلك. أسماء الرجال على

стр. 9500

حرف الهاء هابيل بن آدم ﷺ وهو الذي قتله أخوه قابيل بجبل قاسيون عند مغارة الدم. قيل: إنه كان يسكن سطرا. لما هبط آدم إلى الأرض هبطت معه حواء وإبليس، فولدت لآدم هابيل وقابيل. وكان هابيل صاحب ماشية، وكان قابيل صاحب حرث. وكان قربانهما أن يتقربا بقربان، ثم يلقيانه على وجه الأرض، حتى تأتي نار فتأكله، أو يبليه الدهر. وكان هابيل يتقرب بجلة عنمه وخيارها، وكان قابيل يتقرب بزؤان ونفاية الحنطة، فتأتي نار من السماء فتأكل قربان هابيل، ولا تقرب قربان قابيل؛ فغاظه ذلك. فلقي إبليس، فقال: يا إبليس أتقرب أنا وأخي بقربانين، فتأتي نار، فتأكل قربانه، ولا تقرب قرباني. قال له إبليس: اقتله، تكون ملكاً تبحبح في الأرض، قال: وما القتل؟ قال: إذا رأيته راقداً فآذني به.

стр. 9501

فلما رقد هابيل أتى قابيل إلى إبليس، فآذنه، فانطلق معه حتى وقف على رأسه، فقال: خذ حجراً، فاضرب به رأسه، ففعل. فلما قتله حمله ثلاثة أيام، يطوف به الأرض، يظعن به إذا ظعن، وينزل به إذا نزل حتى بعث الله الغرابين، فاقتتلا، وقابيل ينظر إليهما، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له حتى أعمق، فدفنه، فقال الله تعالى: " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق " الآيات. وعن ابن عباس قال: كان لآدم ﵇ أربعة توءم، ذكر وأنثى من بطن، وذكر وأنثى من بطن، فكانت أخت صاحب الحرث جميلة، وكانت أخت صاحب الغنم قبيحة، فقال صاحب الحرث: أنا أحق بها، وقال صاحب الغنم: أنا أحق بها، أتريد أن تستأثر بوضاءتها علي؟ فتعال نقرب قرباناً، فإن تقبل قربانك فأنت أحق بها، وإن تقبل قرباني فأنا أحق بها. فقربا قربانهما، فجاء صاحب الغنم بكبش أبيض أعين أقرن، وجاء صاحب الطعام بصبرة من طعامه. فتقبل الكبش، فخزنه الله في الجنة أربعين خريفاً، وهو الكبش الذي ذبحه إبراهيم ﵇. فقال صاحب الحرث: " لأقتلنك "، فقال: " لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين " فقتله، فولد آدم كلهم من ذلك الكافر. وكان آدم يزوج ذكر هذا البطن من أنثى هذا البطن الآخر، وأنثى هذا البطن من ذكر هذا البطن الآخر. كان خارج باب الساعات صخرة يوضع عليها القربان، فما تقبل منه جاءت نار، فأخذته، وما لم يتقبل بقي على حاله.

стр. 9502

وكان هابيل صاحب غنم في سطرا، وكان قابيل في قينية صاحب زرع، وكان آدم في بيت أبيات، وكانت حواء في بيت لهيا. فجاء هابيل بكبش سمين من غنمه، فجعله على الصخرة، فأخذته النار، وجاء قابيل بقمح علث، فوضعه على الصخرة، فبقي على حاله، فحسده، وتبعه في الجبل، فأراد قتله، فلم يدر كيف يقتله، فجاء إبليس فأخذ حجراً، فجعل يضرب به رأس نفسه، فذهب، فأخذ حجراً ضرب رأس أخيه، فقتله، فصاحت حواء، فقال لها آدم: عليك وعلى بناتك، لا علي ولا على بني. قال الأوزاعي: من قتل مظلوماً كفر الله عنه كل ذنب، وذلك في القرآن: " إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ". قال الزهري: الكبش الذي فدى الله به إسماعيل كان الكبش الذي قربه هابيل. وعن وهب: أن الأرض نشفت دم ابن آدم، فلعن آدم الأرض، فمن أجل ذلك لا تنشف الأرض دماً بعد دم هابيل إلى يوم القيامة. كان كعب الأحبار يقول: الدم الذي على جبل قاسون هو دم ابن آدم.

стр. 9503

وعن أبي موسى أن النبي ﷺ قال: اكسر قسيكم - يعني في الفتنة - واقطعوا أوتاركم، والتزموا أجواف البيوت، وكونوا فيها كالخير من ابني آدم. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: ما يمنع أحدكم إذا جاءه من يريد قتله أن يكون مثل ابني آدم؟ القاتل في النار، والمقتول في الجنة. وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال عند فتنة عثمان: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. قال له الرجل: أفرأيت يا رسول الله إن دخل علي بيتي، وبسط إلي يده ليقتلني؟ فقال رسول الله ﷺ : كن كابن آدم. قال الحسن: أول من يفر يوم القيامة من أبيه إبراهيم، وأول من يفر من أمه إبراهيم، وأول من يفر من ابنه نوح، وأول من يفر من أخيه هابيل بن آدم، وأول من يفر من صحابته نوح ولوط، وتلا هذه الآية: " يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه "، فيرون أن هذه الآية نزلت فيهم. قال سالم بن أبي الجعد: إن آدم لما قتل أحد ابنيه الآخر مكث عامه لا يضحك حزناً عليه، فأتى على رأس المئة، فقيل له: حياك الله وبياك، وبشر بغلام، فعند ذلك ضحك. قلت: ما بياك؟ قال: أضحكك. وقيل: إنه مكث مئة سنة لا يضحك، وقال: من الوافر تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح

стр. 9504

تغير كل ذي لون وطعم ... وقل بشاشة الوجه الصبيح قتل قابيل هابيلاً أخاه ... فواحزناً مضى الوجه المليح فأجابه إبليس: من الوافر تنح عن البلاد وساكنيها ... فبي في الأرض ضاق بك الفسيح وكنت بها وزوجك في رخاء ... وقلبك من أذى الدنيا مريح فما انفكت مكايدتي ومكري ... إلى أن فاتك الثمن الربيح فلولا رحمة الجبار أضحى ... بكفك من جنان الخلد ريح هارون بن إبراهيم أبو محمد - أظنه - الأهوازي بصري. حدث عن محمد عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: صلاة المغرب وتر النهار، فأوتروا صلاة الليل، وصلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة من آخر الليل. هارون بن سعيد أبو عبد الرحمن الأصبهاني المعروف بالراعي العابد حدث عن إبراهيم بن يوسف بسنده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ للكاتب إذا كتب: ضع القلم على أذنك.

стр. 9505

هارون بن عبد الصمد بن عبدوس بن حسان أبو موسى النيسابوري الرخي حدث عن علي بن المديني بسنده إلى علي قال: قال رسول الله ﷺ : إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل حال، وليقل له: يرحمكم الله، وليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم. توفي هارون بن عبد الصمد سنة خمس وثمانين ومئتين. هارون بن عمران بن يزيد بن خالد بن أبي جميل القرشي حدث عن أبي الجماهر محمد بن عثمان السعدي إلى أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه. هارون بن عمر بن يزيد بن زياد ابن أبي زياد أبو عمر المخزومي من دمشق. حدث عن عبد الله بن يوسف بسنده إلى أبي الدرداء عن رسول الله ﷺ قال: فرغ الله إلى كل عبد من علمه وأجله ورزقه وأثره ومضجعه. وحدث بسنده إلى الزبير بن العوام قال: قال رسول الله ﷺ : فضل الله قريشاً بسبع خصال: فضلهم بأنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبد الله إلا قرشي، وفضلهم بأنه نصرهم يوم الفيل وهم مشركون، وفضلهم بأنه نزلت فيهم سورة من القرآن لم يدخل فيها أحد من العالمين، وهي " لإيلاف قريش " وفضلهم بأن فيهم الخلافة والحجابة والسقاية.

стр. 9506

وحدث الوليد عن مسلم بسنده إلى مالك بن أحمر: أنه لما بلغه مقدم رسول الله ﷺ تبوك ومكانه بها وفد إليه مالك بن أحمر، وقدم عليه بها وأسلم، فقبل إسلامه وبيعته، وسأله أن يكتب له كتاباً يدعو قومه إلى الإسلام، فكتب له كتاباً في رقعة من أدم. قال الوليد بن مسلم: فسألت سعيداً أن يقرئني كتابه، فذكر كبره وضعف بصره عن قراءته، وقال أبو أيوب بن محرز: فسله عنه فسيقرئك، قال: فلقيته، فأخرج إلي رقعة من أدم، عرضها أربع أصابع، وطولها شبر، قد كاد يتماح ما فيها، فقرأ علي أيوب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد بن عبد الله لمالك لن أحمر ولمن اتبعه من المسلمين أماناً لهم ما أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، واتبعوا المسلمين، وخالفوا المشركين، وأدوا الخمس من المغنم، وسهم الغارمين، وسهم كذا وكذا - انماح ذكر السهم الثاني -، وهم آمنون بأمان الله وأمان محمد ﷺ . وحدث عن مبشر بن إسماعيل بسنده إلى عبد الرحمن بن أبي عوف قال: لا تعادين رجلاً حتى تعرف الذي بينه وبين الله، فإن كان محسناً فيما بينه وبين الله لم يسلمه الله لعداوتك، وإن كان مسيئاً فيما بينه وبين الله كفاك عمله. حدث سنة اثنتين وعشرين ومئتين. هارون بن محمد بن بكار بن بلال العاملي حدث عن منبه بن عثمان بسنده إلى الحسن بن عبد الرحمن بن سمرة قال له: يا حسن سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تسأل الإمارة، فإنه من سألها وكل إليها، ومن ابتلي بها ولم يسألها أعين عليها.

стр. 9507

قال عمر بن عبد العزيز: إن هذا لشيء ما سألته الله قط. حدث عن محمد بن عيسى بسنده إلى معاذ بن جبل: أنه أتى رسول الله ﷺ إذ بعثه إلى اليمن، فقال: يا رسول الله أوصني، فقال احفظ لسانك. فكأن معاذاً تهاون بذلك؛ فقال له رسول الله ﷺ : ثكلتك أمك يا بن جبل وهل يكب الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟! وحدث عن مروان بسنده إلى عمر بن الخطاب: أنه ذكر لرسول الله ﷺ أنه تصيبه الجنابة من الليل، فقال رسول الله ﷺ : توضأ واغسل ذكرك، ثم نم. وحدث عن محمد بن سميع بسنده إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يقول: دية كلب الصيد أربعون درهماً، ودية كلب الغنم شاة سمينة، ودية كلب الحرث فرق من طعام، ودية كلب الحرس فرق من تراب، ليس لقاتله أن يمنعه، وليس لصاحبه أن يرده.

стр. 9508

١ - /هارون الرشيد بن محمد بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس أبو جعفر ويقال: أبو أمير المؤمنين بويع بالخلافة بعد موت أخيه موسى الهادي بعهد من أبيه المهدي. قدم الشام غير مرة للغزو. حدث هارون الرشيد عن جده المنصور عن أبيه محمد بن علي عن أبي هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب عن المقداد بن الأسود قال: قال رسول الله ﷺ : " لا نكاح إلا بولي، وما كان بغير ولي فهو مردود ". قال هارون على المنبر: حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : اتقوا النار ولو بشق تمرة. مر الرشيد بدير مران، فاستحسنه، وهو على تل تحته رياض زعفران وبساتين، فنزله، وأمر أن يؤتى بطعام خفيف، فأتى به، فأكل، وأتي بالشراب، ودعا بالندماء والمغنين، فخرج إليه صاحب الدير، وهو شيخ كبير هرم، فسأله واستأذنه في أن يأتيه بشيء من طعام الديارات، فأذن له، فإذا أطعمه نظاف، وإدام في نهاية الحسن، فأكل منها اكثر أكله، وأمره بالجلوس فجلس يحدثه، وهو يشرب إلى أن جرى ذكر بني أمية، فقال له الرشيد: هل نزل منهم أحد؟ فال: نعم، نزل بي الوليد بن يزيد وأخوه الغمر، فجلسا في هذا الموضع، فأكلا وشربا وغنيا. فلما دب فيهما السكر وثب الوليد إلى ذلك

стр. 9509

الجرن فملأه وشرب به، وملأه، وسقى به أخاه الغمر، فما زالا يتعاطيانه حتى سكرا، وملأه لي دراهم، فنظر إليه الرشيد، فإذا هو عظيم لا يقدر على أن يشرب ملأه، فقال: أبى بنو أمية إلا أن يسبقونا إلى اللذات سبقًا لا يجاريهم أحد فيه، ثم أمر برفع النبيذ من بين يديه وركب من وقته. كان الرشيد يقول: الدنيا أربعة منازل قد نزلت منها ثلاثة: أحدها الرقة، والآخر دمشق، والآخر الري في وسطه نهر، وعن جنبيه أشجار ملتفة متصلة، وفيما بينهما سوق. والمنزل الرابع سمرقند، وهو الذي بقي علي أنزله، وأرجو ألا يحول الحول في هذا الوقت حتى أحل به. فما كان بين هذا وبين أن توفي إلا أربعة أشهر فقط. كان أبو جعفر الرشيد ولد بالري سنة ست وأربعين ومئة، وقيل: سنة سبع وأربعين، وقيل: ثمان، وقيل: تسع وأربعين، وقيل: سنة خمسين ومئة. وكان سنة يحج وسنة يغزو. قال أبو السعلي: الوافر فمن يطلب لقاءك أو يرده ... فبالحرمين أو أقصى الثغور ففي أرض العدو على طمر ... وفي أرض البنية فوق كور وما جاز الثغور سواك خلق ... من المستخلفين على الأمور وأم الرشيد والهادي واحدة هي الخيزران وفيها يقول الشاعر: الكامل يا خيزران هناك ثم هناك ... أمسى العباد يسوسهم ابناك

стр. 9510

واستخلف هارون يوم مات أخوه موسى، وكان هارون أبيض، طويلاً، مسمناً، جميلاً، قد وخطه الشيب. ولما بويع الرشيد في سنة سبعين ومئة في اليوم الذي توفي فيه الهادي ولد المأمون في تلك الليلة، فاجتمعت له بشارة الخلافة، وبشارة الولد، وكان يقال: ولد في هذه الليلة خليفة، وولي خليفة، ومات خليفة. وكان ينزل الخلد. وحكى بعض أصحابه أنه كان يصلي في كل يوم مئة ركعة إلى أن فارق الدنيا إلا أن تعرض له علة. وكان يتصدق في كل يوم من صلب ماله بألف درهم، وكان إذا حج حج معه مئة من الفقهاء وأبنائهم، وإذا لم يحج أحج في كل سنة ثلاث مئة رجل بالنفقة السابغة. وكان يقتفي أخلاق المنصور، ويعمل بها إلا في العطايا والجوائز، فإنه كان أسنى الناس عطية ابتداءً وسؤالاً، وكان لا يضيع عنده يد ولا عارفة. وكان لا يؤخر عطاءه، ولا يمنعه عطاء اليوم من عطاء غد. وكان يحب الفقه والفقهاء، ويميل إلى العلماء، ويحب الشعر والشعراء، ويعظم الأدب والأدباء، ويكره المراء في الدين والجدال، ويقول: إنه لخليق ألا ينتج خيراً، ويصغي إلى المديح ويحبه، ويجزل عليه العطاء ولاسيما إذا كان من شاعر فصيح مجيد. وكان نقش خاتم هارون بالحميرية، وخاتم الخاصة لا إله إلا الله. قال أبو معاوية الضرير: حدثت الرشيد هارون بقول النبي ﷺ : وددت إني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل. فبكى هارون حتى انتحب وقال له: يا أبا معاوية، ترى لي أن أغزو؟ قلت: يا أمير المؤمنين، مكانك في الإسلام أكبر، ومقامك أعظم، ولكن ترسل الجيوش.

стр. 9511

قال أبو معاوية: ما ذكرت النبي ﷺ بين يديه إلا قال: صلى الله على سيدي ومولاي. وفي سنة ست وثمانين ومئة أقام الحج الرشيد هارون، وجدد البيعة لابنه محمد المخلوع، وعبد الله المأمون، وكتب بينهما شروطا، وعلق الكتاب بالكعبة. وفي سنة تسعين غزا الرشيد الروم، وفرق القواد في بلادهم، وأقام هو بطوانة، وسأله الطاغية أن ينصرف عنه، ويعطيه مالاً، فأبى، أو يعطيه فدية وخراجاً، ويبعث إليه بجزية عن رأسه ورأس ابنه، فبعث إليه ثلاثين ألف دينار جزية، وأربعة دنانير جزية عن رأسه ودينارين عن رأس ابنه. وفي سنة ثلاث وسبعين ومئة حج بالناس هارون، وهي السنة التي قسم فيها للناس صغيرهم وكبيرهم درهماً درهماً. وفي سنة ثلاث وسبعين فتحت سمالوا. وفي سنة تسعين فتح هرقلة، وقال أبو العتاهية فيها: الكامل الحمد لله اللطيف بخلقه ... إنا لنجزع والإمام صبور فتحت هرقلة بعد طول تمنع ... إني بكل مسرة مسرور وإمامنا فيها أغر محجل ... وحجوله يوم القيامة نور إن حط رحل الحج أعمل سرجه ... للغزو ينجد مرة ويغور همم لهارون الإمام بعيدة ... أبداً لهن مواسم وثغور هارون شيد كل عز كان أس ... سه له المهدي والمنصور

стр. 9512

هارون هارون المدافع ربه ... عنه هو المحفوظ والمستور قفل الإمام وقد تكامل فيئه ... وأقام جزيته له النقفور روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : يكون من ولد العباس ملوك يلون أمر أمتي يعز الله بهم الدين. ومن بارع شعر أبي الشيص قوله يمدح الرشيد عند هزيمة نقفور وفتح بلاد الروم من قصيد: الطويل شددت أمير المؤمنين قوى الملك ... صدعت بفتح الروم أفئدة الترك قريت سيوف الله هام عدوه ... وطأطأت بالإسلام ناصية الشرك فأصبحت مسروراً ولا تعي ضاحكاً ... وأصبح نقفور على ملكه يبكي كان أبو معاوية الضرير عند الرشيد، فجرى الحديث إلى حديث أبي هريرة أن موسى لقي آدم، فقال: أنت آدم الذي أخرجتنا من الجنة؟ ... الحديث، فقال رجل قرشي كان عنده من وجوه قريش: أين لقي آدم موسى؛ فغضب الرشيد وقال: النطع والسيف، زنديق والله يطعن في حديث رسول الله ﷺ ، فما زال أبو معاوية يسكنه ويقول: كانت منه بادرة ولم يفهم يا أمير المؤمنين حتى أسكنه. وفي رواية: فغضب الرشيد وقال: من طرح إليك هذا؟ وأمر به فحبس، فقال: والله ما هو إلا شيء خطر ببالي، وحلف بالعتق وصدقة المال ومغلظات الأيمان ما سمعت من أحد، ولا جرى بيني وبين أحد في هذا الكلام. قال: فلما عرف الرشيد ذلك قال: فأمر به فأطلق، وقال: إنما توهمت أنه طرح إليه بعض الملحدين هذا الكلام الذي خرج منه، فيدلني عليهم فأستبيحهم، وإلا فأنا على يقين أن القرشي لا يتزندق. قال رجل من قواد هارون: دخلت على هارون وبين يديه رجل مضروب العنق، ورجل معه سيف ملطخ بالدم يمسحه على قفاه، ففزعت لما رأيته فقال: متلت هذا

стр. 9513

الرجل لأنه كان يقول: القرآن مخلوق، تقربت إلى الله بدمه. قال أبو بكر بن عياش: قلت لهارون: يا أمير المؤمنين، انظر هذه العصابة الذين يحبون أبا بكر وعمر، ويفضلونهم فأكرمهم يعز سلطانك، ويقوى، فقال: أولست كذلك؟ أنا والله كذلك، أنا والله كذلك، أنا والله أحبهم، وأحب من يحبهم، وأعاقب من يبغضهم. جاء جنديان يسألان عن منزل أبي بكر بن عياش، قال: فقلت: ما تريدان منه؟ فقالا: أنت هو؟ قلت: نعم، فقالا: أجب الخليفة، قلت: أدخل ألبس ثوبي، قالا: ليس إلى ذلك سبيل، فأرسلت من جاءني بثيابي، ومضيت معهم إلى الرشيد بالحيرة، فدخلت عليه، فقال: لا أرنا إلا قد رعناك. إن أبا معاوية الضرير حدثني بحديث عن رسول الله ﷺ : يكون قوم بعدي ينبزون بالرافضة فاقتلوهم، فانهم مشركون، فوالله لئن كان حقاً لأقتلنهم. فلما رأيت ذلك خفت منه، فقلت: يا أمير المؤمنين، لئن كان ذلك فإنهم ليحبونكم أشد من نبي الله، وهم إليك أميل، فسري عنه، ثم أمر لي بأربع بدر، فأخذتها. ولقيني رجل منهم فقال: يا أبا بكر، أخذت الدراهم، ما عذرك عند الله؟ فقلت: عذري عند الله أني خلصت من القتل. دخل ابن السماك على هارون فقال: يا أمير المؤمنين، تواضعك في شرفك أشرف من شرفك. وقال له مرة: يا أمير المؤمنين، إن الله لم يجعل أحداً فوقك، فلا ينبغي أن يكون أحد أطوع لله منك. قال ابن السماك: بعث إلي هارون فأتيته، فأخذني خصيان حتى انتهيا بي إليه في بهو، فقال لهما

стр. 9514

هارون: ارفقا بالشيخ، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما مر بي يوم منذ ولدتني أمي أنا أنصب فيه من يومي هذا، فاتق الله يا أمير المؤمنين، واعلم أن لك مقاماً بين يدي الله أنت فيه أذل من مقامي هذا بين يديك، فاتق الله في خلقه، واحفظ محمداً في أمته، وانصح نفسك في رعيتك، واعلم أن الله أخذ سطواته وانتقامه منأهل معاصيه بكم، فاضطرب على فراشه حتى وقع على مصلى بين يدي فراشه، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا ذل الصفة، فكيف لو رأيت ذل المعاينة، فكادت نفسه تخرج، وكان يحيى بن خالد إلى جنبه، فقال للخصيين: أخرجاه، فقد أبكى أمير المؤمنين. بعث هارون إلى محمد بن السماك، فقال له يحيى بن خالد: أتدري لم بعث إليك أمير المؤمنين؟ قال: لا أدري، قال له يحيى: بعث لما بلغه عنك من حسن دعائك للخاصة والعامة، فقال له ابن السماك: أما ما بلغ أمير المؤمنين عني ذلك فبستر الله الذي ستره علي، ولولا ستره لم يبق لنا ثناء، ولا التقاء على مودة، فالستر هو الذي أجلسني بين يديك يا أمير المؤمنين. إني والله ما رأيت وجهاً أحسن من وجهك، فلا تحرق وجهك بالنار، فبكى هارون بكاء شديداً، ثم دعا بماء فاستسقى، فأتي بقدح فيه ماء، فقال: يا أمير المؤمنين، أكلمك بكلمة قبل أن تشرب هذا الماء؟ قال: قل ما أحببت، قال: يا أمير المؤمنين، لو منعت هذه الشربة إلا بالدنيا وما فيها، أكنت تفتديها بالدنيا وما فيها حتى تصل إليك؟ قال: نعم، قال: فاشرب، بارك الله فيك. فلما فرغ من شربه قال له: يا أمير المؤمنين، أرأيت لو منعت إخراج هذه الشربة منك إلا بالدنيا وما فيها، أكنت تفتدي ذلك بالدنيا وما فيها؟ قال: نعم، قال: يا أمير المؤمنين، فما تصنع بشيء شربة ماء خير منه؟ فبكى هارون واشتد بكاؤه، فقال يحيى بن خالد: يا بن السماك، قد آذيت أمير المؤمنين، فقال له: وأنت يا يحيى فلا تغرنك رفاهية العيش ولينه. قال يحيى بن خالد لابن السماك: إذا دخلت على هارون أمير المؤمنين فأوجز، ولا تكثر عليه، فدخل عليه، وقام بين يديه، فقال: يا أمير المؤمنين، إن لك بين يدي الله مقاماً، وإن لك من مقامك منصرفاً، فانظر إلى أين منصرفك: إلى الجنة أم إلى النار، فبكى هارون حتى كاد أن يموت.

стр. 9515

قال الفضيل بن عياض: لما قدم الرشيد بعث إلي، فذكر الحديث بطوله وقال: عظنا بشيء من علم، فقلت له: يا حسن الوجه، حساب هذا الخلق كلهم عليك، فجعل يبكي، ويشهق، قال: فرددتها عليه: يا حسن الوجه، حساب هذا الخلق كلهم عليك، فأخذني الخدم، فأخرجوني، وقالوا: اذهب بسلام. قال الأصمعي: كنت عند الرشيد يوماً، فرفع إليه في قاض كان استقضاه يقال له: عافية فكبر عليه، فأحضره، وفي المجلس جمع، فجعل يخاطبه، ويوقفه على ما رفع إليه، وطال المجلس، ثم إن أمير المؤمنين عطس فشمته من كان بالحضرة ممن قرب منه سواه، فإنه لم يشمته، فقال له الرشيد: ما بالك لم تشمتني كما فعل القوم؟! فقال له عافيه: لأنك يا أمير المؤمنين لم تحمد الله، ولذلك لم أشمتك، فإن النبي ﷺ عطس عنده رجلان، فشمت أحدهما، ولم يشمت الآخر، فقال: يا رسول الله، ما بالك شمت ذاك، ولم تشمتني؟ قال: لأن هذا حمد الله، فشمتناه، وأنت فلم تحمد الله فلم نشمتك، فقال له الرشيد: ارجع إلى عملك، أنت لم تسامح في عطسة تسامح في غيرها؟ وصرفه منصرفاً جميلاً، وزبر القوم الذين رفعوا عليه. قال عبد الله بن عبد العزيز العمري: قال لي موسى بن عيسى: ينتهي إلى أمير المؤمنين الرشيد أنك تشتمه، وندعو عليه، فبأي شيء استجزت ذلك منه يا عمري؟ قال: قلت: أما في شتمه، فهو والله أكرم علي من نفسي، وأما في الدعاء عليه، فو الله ما قلت: اللهم إنه قد أصبح عبئاً ثقيلاً على أكتافنا، لا تطيقه أبداننا، وقذى في عيوننا، لا تطرف عليه جفوننا، وشجاً في أفواهنا، لا تسيغه حلوقنا، فاكفنا مؤنته، وفرق بيننا وبينه، ولكني قلت: اللهم، إن كان قد تسمى بالرشيد ليرشد، فأرشده أو لغير ذلك فراجع به، اللهم، إن له في الإسلام بالعباس على كل مسلم حقاً، وله بنبيك قرابةً ورحماً، فقربه من كل خير، وبعده من كل شر، وأسعدنا به، وأصلحه لنفسه ولنا، فقال موسى: يرحمك الله يا أبا عبد الرحمن، كذلك لعمري كان ما فعلت.

стр. 9516

قال أبو معاوية: أكلت مع الرشيد هارون طعاماً يوماً، فصب على يدي رجل لا أعرفه، فقال الرشيد: يا أبا معاوية، هل تدري من يصب على يديك؟ قلت: لا، قال: أنا، قلت: أنت يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، إجلالا للعلم. قال يحيى بن أكثم: قال لي الرشيد: ما أنبل المراتب؟ قلت: ما أنت فيه يا أمير المؤمنين، قال: فتعرف أجل مني؟ قلت: لا، قال: لكني أعرفه، رجل في حلقة يقول: حدثنا فلان عن فلان قال: قال رسول الله ﷺ ... قلت: يا أمير المؤمنين، هذا خير منك وأنت ابن عم رسول الله ﷺ ، وولي عهد المسلمين؟ قال: نعم، ويلك،، هذا خير مني لأن اسمه مقترن باسم رسول الله ﷺ لا يموت أبدا، نحن نموت ونفنى، والعلماء باقون ما بقي الدهر. قال يحيى بن أكثم: قال لي الرشيد: ما أنبل المراتب؟ قلت: ما أنت فيه يا أمير المؤمنين، قال: فتعرف أجل مني؟ قلت: لا، قال: لكني أعرفه، رجل في حلقة يقول: حدثنا فلان عن فلان قال: قال رسول الله ﷺ ... قلت: يا أمير المؤمنين، هذا خير منك وأنت ابن عم رسول الله ﷺ ، وولي عهد المسلمين؟ قال: نعم، ويلك، هذا خير مني لأن اسمه مقترن باسم رسول الله ﷺ لا يموت أبدا، نحن نموت ونفنى، والعلماء باقون ما بقي الدهر. حدث أبو زرعة عن أبيه قال: كنا بالرقة وبيوتات الأموال تنقل إلى هارون الرشيد، فقدرناها أربعة آلاف وست مئة جمل، ألف وست مئة منها ذهب، وثلاثة آلاف ورق. قال الأصمعي: دخلت على هارون الرشيد يوم الجمعة، وهو يقلم أظفاره، فقلت له في ذلك: فقال: أخذ الأظفار يو الخميس من السنة. وبلغني أن أخذها يوم الجمعة ينفي الفقر. فقلت: يا أمير المؤمنين، وتخشى أنت أيضا الفقر؟ فقال: يا أصمعي، وهل أحد أخشى للفقر مني؟ حدث إبراهيم بن المهدي قال: كنت أتغدى مع الرشيد في يوم شات، فسأل صاحب المطبخ: هل عنده برمة من لحم الجزور، فأعلمه أنه عنده ألواناً منه، فأمره بإحضاره، فقدمت إليه صحفة، فأدخل لقمة منها في فيه، وحرك لحيته عليها مرتين، فضحك جعفر بن يحيى، فسأله الرشيد عن ضحكه، وأمسك عن المضغ، فقال: ذكرت كلاماً دار بيني وبين جاريتي البارحة،

стр. 9517

فضحكت، فقال الرشيد: هذا محال، فأخبرني بحقي عليك، قال إذا ابتلعت لقمتك حدثتك، فألقى لقمته من فيه تحت المائدة، فقال له جعفر: بكم يتوهم أمير المؤمنين أن هذا اللون يقوم عليه؟ فقال له الرشيد: أتوهمه يقوم بأربعة دراهم، فقال جعفر: إنه يقوم عليك بأربع مئة ألف درهم، قال: كيف؟ ويحك! فقال جعفر: سأل أمير المؤمنين صاحب المطبخ من أكثر من أربع سنين عن برمة من لحم جزور، فلم يجدها، فأنكر أمير المؤمنين ذلك علي وقال: لا يفت مطبخي لون يتخذ من لحم جزور في كل يوم، فأنا منذ ذلك اليوم أنحر جزوراً في كل يوم، فإن الخلفاء لا نبتاع لهم لحم الجزور من السوق، ولم يدع أمير المؤمنين بشيء من لحمها غلا يومه هذا. وكان الرشيد في أول طعامه، وكان أشد خلق الله تقززاً، فضرب الرشيد بيده اليمنى وجهه وفيها الغمر، ومد بها لحيته، ثم قال: هلكت ويلك يا هارون، واندفع يبكي، ورفعت المائدة، وطفق يبكي حتى آذنه المؤذنون بصلاة الظهر، فتهيأ للصلاة ثم أمر أن يحمل للحرمين ألفي ألف درهم يفرق في كل حرم ألف ألف، وأن يفرق في كل جانب من جانبي بغداد خمس مئة ألف درهم، وأن يفرق في كل مدينة من الكوفة والبصرة خمس مئة ألف درهم، وقال: لعل الله أن يغفر لي هذا الذنب، وصلى الظهر وعاد إلى مكانه يبكي إلى العصر، وقام فصلى، وعاد إلى مكانه إلى أن قرب ما بين العصر والمغرب، فأخبره القاسم بن الربيع أن أبا يوسف القاضي بالباب، فأذن له، فدخل، وسلم، فلم يرد عليه، وأقبل يقول: يا يعقوب، هلك هارون، فسأله عن القصة، فقال: يخبرك جعفر، وعاد لبكائه، فحدثه جعفر عن الجزور التي تنحر كل يوم، ومبلغ ما أنفق من الأموال، فقال له أبو يوسف: هذه الإبل التي كانت تبتاع كانت تترك إذا نحرت حتى تفسد وتنتن، ولا تؤكل لحومها، فيرمى بها؟ قال جعفر: اللهم، لا، قال أبو يوسف: فما كان يصنع بها؟ قال: يأكلها الحشم والموالي وعيال أمير المؤمنين، فقال أبو يوسف: الله أكبر، أبشر يا أمير المؤمنين بثواب الله على نفقتك، وعلى ما فتح لك من الصدقة في يومك هذا، ومن البكاء للتقية من ربك، فإني لأرجو ألا يرضى الله من ثوابه على ما داخلك من الخوف من سخطه عليك إلا بالجنة، فإنه يقول: " ولمن خاف مقام ربه جنتان " وأنا أشهد أنك خفت مقام

стр. 9518

ربك، فسري عن الرشيد وطابت نفسه، ووصل أبا يوسف بأربع مئة ألف درهم، وصلى المغرب ودعا بطعامه وأكل، فكان غداؤه في اليوم عشاءه. قال عمرو بن بحر: اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لأحد من جد ولا هزل: وزراؤه البرامكة، لم ير مثلهم سخاء وسرواً، وقاضيه أبو يوسف، وشاعره مروان بن أبي حفصة، كان في عصره كجرير في عصره، ونديمه عم أبيه العباس بن محمد صاحب العباسية، وحاجبه الفضل بن الربيع أتيه الناس وأشده تعاظماً، ومغنيه إبراهيم الموصلي واحد عصره في صناعته، وضاربه زلزل، وزامره برصوما، وزوجته أم جعفر أرغب الناس في خير، وأسرعهم إلى كل بر، أدخلت الماء الحرم بعد امتناعه، إلى أشياء من المعروف. كان عبيد الله بن ظبيان قاضي الرقة، وكان الرشيد إذ ذاك بها، فجاء رجل فاستعذر عليه من عيسى بن جعفر، فكتب إليه ظبيان: أما بعد. أبقى الله الأمير وحفظه، أتاني رجل ذكر أنه فلان بن فلان، وأن له على الأمير - أبقاه الله - خمس مئة ألف درهم، فإن رأى الأمير حفظه الله أن يحضر معه بمجلس الحكم أو يوكل وكيلاً يناظر خصمه فعل، ودفع بالكتاب إلى الرجل، فأتى به باب عيسى بن جعفر، ودفع الكتاب إلى حاجبه، فأوصله إليه، فقال: كل هذا الكتاب، فرجع إلى القاضي فأخبراه، فكتب إليه: أبقاك الله وحفظك وأمتع بك، حضر رجل يقال له فلان بن فلان، فذكر أن له عليك حقاً فصر به معه إلى مجلس الحكم أو وكيلك، إن شاء الله، ووجه بالكتاب مع عونين من أعوانه، فحضرا باب عيسى، ودفعا الكتاب إليه، فغضب، ورمى به،

стр. 9519

فانطلقا فأخبره، فكتب إليه: حفظك الله، وأبقاك، وأمتع بك، لا بد من أن تصير أنت وخصمك إلى مجلس الحكم، فإن أبيت أنهيت أمرك إلى أمير المؤمنين، ووجه بالكتاب مع عدلين، فقعدا على باب عيسى حتى خرج، فقاما إليه، ودفعا إليه كتاب القاضي، فلم يقرأه، ورمى به، فأبلغاه ذلك، فختم قمطره وانصرف، وقعد في بيته، فبلغ الخبر الرشيد، فدعاه، وسأله عن أمره، فأخبره بالقصة عن آخرها، حرفاً حرفاً، فقال لإبراهيم بن عثمان: صر إلى باب عيسى بن جعفر، واختم عليه أبوابه كلها، ولا يخرجن أحد، ولا يدخلن أحد عليه حتى يخرج إلى الرجل من حقه أو يصير معه إلى الحاكم، فأحاط إبراهيم بداره، ووكل بها خمسين فارساً، وغلقت أبوابه، فظن عيسى أنه قد حدث للرشيد رأي في قتله، ولم يدر ما سبب ذلك، وجعل يكلم الأعوان من خلف الباب، وارتفع الصياح من داره، وصرخ النساء، فأمرهن أن يسكتن، وقال لبعض غلمان إبراهيم: ويلك ما حلنا؟ فأخبره خبر ابن ظبيان، فأمر أن يحضر خمس مئة ألف درهم من ساعته، وتدفع إلى الرجل، فجاء إبراهيم إلى الرشيد، فأخبره، فقال: إذاً قبض الرجل ماله فافتح أبوابه. قال بشر بن الوليد: كنت عند أبي سفيان يعقوب بن إبراهيم القاضي، فحدثنا بحديث طريف قال: بينا أنا البارحة أويت إلى فراشي فإذا داق يدق الباب، فخرجت فإذا هرثمة بن أعين قال: أجب أمير المؤمنين، فقلت: يا أبا حاتم، بي لك حرمة، فإن أمكنك أن تدفع بذلك إلى الغد، فلعله أن يحدث له رأي، فقال: ما لي إلى ذلك سبيل، قلت: تأذن لي أن أصب علي ماء وأتحنط؟ فإن كان أمر من الأمور كنت قد أحكمت شأني، وإن رزق الله

стр. 9520

العافية فلن يضر، فدخلت وفعلت ما أردت، ومضينا، فإذا مسرور واقف، فقال له هرثمة: قد جئت به. قال: فقلت لمسرور: يا أبا هاشم، هذا وقت ضيق، فتدري لم طلبني أمير المؤمنين؟ قال: لا، قلت: فمن عنده؟ قال: عيسى بن جعفر، قلت: ومن؟ قال: ما عنده ثالث، قال: مر، فإذا صرت إلى الصحن فإنه في الرواق، وهو ذلك جالس، فحرك رجلك بالأرض، فإنه سيسألك، فقل: أنا. ففعلت، فقال: من؟ قلت: يعقوب، قال: ادخل، فدخلت، فإذا هو جالس وعنده عيسى بن جعفر، فسلمت، فرد وقال: أظننا روعناك، قلت: إي والله، وكذلك من خلفي. قال اجلس، ثم التفت إلي فقال: يا يعقوب، تدري لما دعوتك؟ قلت: لا، قال: دعوتك لأشهدك على هذا، إن عنده جارية سألته أن يهبها لي فامتنع، وسألته أن يبيعها فأبى، والله لئن لم يفعل لأقتلنه، قال: فالتفت إلى عيسى، وقلت: وما بلغ الله بجارية تمنعها أمير المؤمنين، وتنزل نفسك هذه المنزلة؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ فقال لي: عجلت علي في القول قبل أن تعرف ما عندي: إن علي يميناً بالطلاق والعتاق وصدقة ما أملك ألا أبيع هذه الجارية، ولا أهبها، فالتفت إلي الرشيد فقال: هل له في ذلك من مخرج؟ قلت: نعم، يهب لك نصفها، ويبيعك نصفها، فيكون لم يبع ولم يهب. قال عيسى: ويجوز ذلك؟ قلت: نعم. قال: فأشهدك أني قد وهبت له نصفها، وبعته النصف الباقي بمئة ألف دينار، فقال: الجارية، فأتي بالجارية وبالمال، فقال: خذها يا أمير المؤمنين، بارك الله لك فيها. قال: يا يعقوب، بقيت واحدة، قلت: ما هي؟ قال: هي مملوكة، ولا بد أن تستبرأ، ووالله إن لم أبت معها ليلتي أظن نفسي ستخرج، قلت: يا أمير المؤمنين، تعتقها، وتتزوجها، فإن الحرة لا تستبرأ، قال: فإني قد أعتقتها، فمن يزوجنيها؟ قلت: أنا، فدعا بمسرور وحسين، فخطبت وحمدت الله، ثم زوجته على عشرين ألف دينار، ودعا بالمال فدفعه إليها ثم قال: يا يعقوب، انصرف، وقال: يا مسرور، احمل إلى يعقوب مئتي ألف درهم، وعشرين تختاً ثياباً، فحمل ذلك معي. قال بشر بن الوليد: فالتفت إلى يعقوب فقال: هل رأيت بأساً فيما فعلت؟ قلت: لا، قال: فخذ منها حقك، قلت: وما حقي؟ قال: العشر، فشكرته، وذهبت

стр. 9521

لأقوم، فإذا بعجوز قد دخلت فقالت: يا أبا يوسف، بنتك تقرئك السلام، وتقول لك: ما وصل إلي في ليلتي هذه من أمير المؤمنين إلا المهر الذي عرفته، وقد حملت إليك النصف منه، وخلفت الباقي لما أحتاج إليه، فقال: رديه، فوالله لا قبلتها، أخرجتها من الرق، وزوجتها أمير المؤمنين وترضى لي بهذا، فلم نزل نطلب إليه أنا وعمومتي حتى قبلها، وأمر لي منها بألف دينار. كان حماد بن موسى صاحب أمر محمد بن سليمان والغالب عليه، فحبس سوار القاضي رجلاً في بعض ما يحبس فيه القضاة، فبعث حماد فأخرج الرجل من الحبس، فخاصمه إلى سوار فأخبره أن حماداً أخرج الرجل من الحبس، فركب سوار حتى دخل على محمد بن سليمان، وهو قاعد للناس، والناس على مراتبهم، فجلس حيث يراه محمد، ثم دعا قائداً من قواده، فقال: أسامع أنت أم مطيع؟ قال: نعم، قال: اجلس ها هنا فأقعده عن يمينه، ودعا آخر من نظرائه ففعل به ما فعل بالأول، فعل ذلك بجماعة من قواد سليمان ثم قال لهم: انطلقوا إلى حماد بن موسى فضعوه في الحبس، فنظروا إلى محمد بن سلمان فأعلموه ما أمرهم، فأشار إليهم أن افعلوا ما يأمركم، فانطلقوا إلى حماد فوضعوه في الحبس، وانصرف سوار إلى منزله، فلما كان بالعشي أراد محمد بن سليمان الركوب إلى سوار، فجاءته الرسل، فقالوا: إن الأمير على الركوب إليك، فقال: ا، نحن أولى بالركوب إليه، فركب إليه، فقال: كنت على المجيء إليك يا أبا عبد الله، فقال: ما كنت لأجشم الأمير ذلك، قال: بلغني ما صنع هذا الجاهل حماد، قال: هو ما بلغ الأمير، قال: فأحب أن تهب لي ذنبه، قال: أفعل أيها الأمير، اردد الرجل إلى الحبس، قال: نعم، بالصغر له والقماء، فوجه إلى الرجل فحبسه، وأطلق حماداً، وكتب بذلك صاحب الخبر إلى الرشيد، فكتب إلى سوار يحمده على ما صنع، وكتب إلى محمد بن سليمان كتاباً غليظاً يذكر فيه حماد ويقول: الرافضي ابن الرافضي، والله لولا أن الوعيد أمام العقوبة ما أدبته إلا بالسيف ليكون عظة لغيره، ونكالاً، يفتات على قاضي المسلمين في

стр. 9522

رأيه، ويركب هواه لموضعه منك، ويتعرض في الأحكام استهانة بأمر الله وإقداماً على أمير المؤمنين؟! وما ذلك إلا بك، وبما أرخيت من رسنه. تالله لئن عاد إلى مثلها ليجدني أغضب لدين الله، وأنتقم من أعدائه لأوليائه. كان الرشيد يقول: أنا من أهل بيت عظمت رزيتهم، وحسنت بقيتهم، رزئنا رسول الله ﷺ وبقيت فينا خلافة الله . بينما الرشيد هارون يطوف بالبيت إذ عرض له رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أكلمك بكلام فيه غلظة فاحتمله لي، فقال: لا، ولا نعمة عين ولا كرامة، قد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني فأمر أن يقول له قولاً ليناً. قال منصور بن عمار: ما رأيت أغزر دمعاً عند الذكر من ثلاثة: فضيل بن العياض، وأبو عبد الرحمن الزاهد، وهارون الرشيد. قال شعيب بن حرب: بينا أنا في طريق مكة إذ رأيت هارون الرشيد، فقلت لنفسي: قد وجب عليك الأمر والنهي، فقالت لي: لا تفعل، فإن هذا الرجل جبار، ومتى أمرته ضرب عنقك، فقلت لنفسي: لابد من ذلك. فلما دنا مني صحت: يا هارون، قد أتعبت الأمة، وأتعبت البهائم، فقال: خذوه، فأدخلت عليه، وهو على كرسي وبيده عمود يلعب به، فقال: ممن الرجل؟ قلت من أفناء الناس، قال: ممن ثكلتك أمك؟ قلت: من الأبناء، قال: ما حملك على أن تدعوني باسمي؟! قال شعيب: فورد على قلبي كلمة ما خطرت لي قط على بال، قلت: أنا أدعو الله باسمه، فأقول: يا الله، يا رحمن، لا أدعوك باسمك؟ وما تنكر من دعائي باسمك؟ وقد رأيت الله سمى في كتابه أحب

стр. 9523

الخلق إليه محمداً، وكنى أبغض الخلق إليه: أبا لهب فقال: " تبت يدا أبي لهب " فقال: أخرجوه، فأخرجوني. قال ابن السماك: قلت للرشيد هارون: يا أمير المؤمنين، إنك تموت وحدك، وتقبر وحدك، فاحذر المقام بتن يدي الجبار، والوقوف بين الجنة والنار، فإنك لا تقدم إلا على قادم مشغول، ولا يخلف إلا جاهل مغرور، يا أمير المؤمنين، إنما هو دبيب من سقم حتى يؤخذ بالكظم، وتزل القدم، ويقع الندم، فلا توبة تنال، ولا عثرة تقال، ولا يقبل فداء بمال، فجعل أمير المؤمنين يبكي حتى علا صوته، فالتفت إلي يحيى بن خالد فقال: قم، فقد شققت على أمير المؤمنين منذ الليلة، فقمت وأنا أسمع بكاءه. لما لقي الرشيد هارون الفضيل بن العياض، قال له الفضيل: يا حسن الوجه، أنت المسؤول عن هذه الأمة، قال مجاهد: " وتقطعت بهم الأسباب " قال: الوصل التي كانت بينهم في الدنيا، فجعل هارون يبكي. حج هارون وكان يأنس بسفيان بن عيينة، فقال لسفيان: أشتهي أن أرى الفضيل بن العياض، وأسمع كلامه، فقال له سفيان: إن علم أنك أمير المؤمنين لم ينبسط، قال: فكيف الوجه فيه؟ قال: نذهب إليه جميعاً وأنت متنكر، فمضيا، فقام سفيان على الباب، فقال: السلام عليك يا أبا علي، فقال الفضيل: من أنت؟ قال: سفيان، قال: ادخل يا أبا محمد، قال سفيان: ومن معي؟ قال: ومن معك، فدخلا، فأقبل الفضيل على سفيان فتحدثا ساعة، فقال له سفيان: يا أبا علي، هذا الفتى تعرفه؟ فنظر إليه فقال سفيان: هذا هارون أمير المؤمنين، فنظر إليه الفضيل فقال: يا حسن الوجه، قد قلدت أمراً عظيماً، فاتق الله في نفسك، وكان هارون من أحسن الناس وجهاً.

стр. 9524

قال الأصمعي: بعث إلي الرشيد، وقد زخرف مجلسه وبالغ فيها وفي بنائها، وصنع فيها طعاماً كثيراً، ثم وجه إلى أبي العتاهية فأتاه فقال: صف لنا ما نحن فيه من نعيم الدنيا. فأنشأ يقول: مجزوء الكامل عش ما بدا لك سالماً ... في ظل شاهقة القصور فقال: أحسنت ثم ماذا؟ فقال: يسعى عليك بما اشتهيت ... لدى الرواح وفي البكور فقال: ثم ماذا؟ فقال: فإذا النفوس تقعقعت ... في ضيق حشرجة الصدور فهناك تعلم موقناً ... ما كنت إلا في غرور فبكى هارون، فقال الفضل بن يحيى: بعث إليك أمير المؤمنين لتسره، فأحزنته، فقال هارون: دعه، فإنه رآنا في عمىً فكره أن يزيدنا عمىً. قال أبو العتاهية: دخلت على هارون الرشيد، فقال لي: أبو العتاهية؟ قلت: أبو العتاهية، قال: الذي يقول الشعر؟ قلت: الذي يقول الشعر، قال: عظني وأوجز، فقال: البسيط لا تأمن الموت في طرف ولا نفس ... وإن تمنعت بالحجاب والحرس واعلم بأن سهام الموت قاصدة ... لكل مدرع منا ومترس ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس قال: فخر مغشياً عليه.

стр. 9525

جاء هارون الرشيد إلى باب عبد الله بن المبارك فاستأذن، فلم يأذن له، فكتب هارون في رقعة: الخفيف هل لذي حاجة إليك سبيل ... لا طويل قعوده بل قليل فكتب ابن المبارك على ظهر رقعته: أنت يا صاحب الكتاب ثقيل ... وقليل من الثقيل طويل لما حبس الرشيد أبا العتاهية جعل عليه عيناً يأتيه بما يقول، فوجده يوماً قد كتب على الحائط: الوافر أما والله إن الظلم لؤم ... وما زال المسيء هو الظلوم إلى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم فأخبره بذلك الرشيد، فبكى، ودعا به، فاستحله، ووهب له ألف دينار. خرج الرشيد في بعض متنزهاته، فانفرد من الناس على نحو ميل، فرفع له خباء مضروب، فأمه، فإذا فيه أعرابي، فسلم عليه الرشيد، فقال له: من أنت؟ فقال: أنا من أبغض الناس إلى الناس، فقال الأعرابي:؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ أنت إذاً من معد، فمن أي معد؟ قال: من أبغض معد إلى معد، قال: أنت إذاً من مضر، فمن أي مضر أنت؟ قال: من أبغض مضر إلى مضر، قال: أنت إذاً من كنانة، فمن أي كنانة أنت؟ قال: من أبغض كنانة إلى كنانة، قال: إذاً أنت من قريش، فمن أي قريش أنت؟ قال: من أبغض قريش إلى قريش، قال: أنت إذاً من بني هاشم، فمن أي بني هاشم؟ قال: من أبغض بني هاشم إلى بني هاشم، قال: أنت إذاً من ولد العباس، فمن أي ولد العباس أنت؟ قال: من أبغض بني العباس إلى العباس، فوثب الأعرابي قائماً وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، وتوافت الجيوش، فقال الرشيد: احملوه قاتله الله ما أذهنه.
следующие страницы →