Полный текст (10 576 стр.). Показаны 9521–9560 · переход к 9526.
стр. 9521
لأقوم، فإذا بعجوز قد دخلت فقالت: يا أبا يوسف، بنتك تقرئك السلام، وتقول لك: ما وصل إلي في ليلتي هذه من أمير المؤمنين إلا المهر الذي عرفته، وقد حملت إليك النصف منه، وخلفت الباقي لما أحتاج إليه، فقال: رديه، فوالله لا قبلتها، أخرجتها من الرق، وزوجتها أمير المؤمنين وترضى لي بهذا، فلم نزل نطلب إليه أنا وعمومتي حتى قبلها، وأمر لي منها بألف دينار.
كان حماد بن موسى صاحب أمر محمد بن سليمان والغالب عليه، فحبس سوار القاضي رجلاً في بعض ما يحبس فيه القضاة، فبعث حماد فأخرج الرجل من الحبس، فخاصمه إلى سوار فأخبره أن حماداً أخرج الرجل من الحبس، فركب سوار حتى دخل على محمد بن سليمان، وهو قاعد للناس، والناس على مراتبهم، فجلس حيث يراه محمد، ثم دعا قائداً من قواده، فقال: أسامع أنت أم مطيع؟ قال: نعم، قال: اجلس ها هنا فأقعده عن يمينه، ودعا آخر من نظرائه ففعل به ما فعل بالأول، فعل ذلك بجماعة من قواد سليمان ثم قال لهم: انطلقوا إلى حماد بن موسى فضعوه في الحبس، فنظروا إلى محمد بن سلمان فأعلموه ما أمرهم، فأشار إليهم أن افعلوا ما يأمركم، فانطلقوا إلى حماد فوضعوه في الحبس، وانصرف سوار إلى منزله، فلما كان بالعشي أراد محمد بن سليمان الركوب إلى سوار، فجاءته الرسل، فقالوا: إن الأمير على الركوب إليك، فقال: ا، نحن أولى بالركوب إليه، فركب إليه، فقال: كنت على المجيء إليك يا أبا عبد الله، فقال: ما كنت لأجشم الأمير ذلك، قال: بلغني ما صنع هذا الجاهل حماد، قال: هو ما بلغ الأمير، قال: فأحب أن تهب لي ذنبه، قال: أفعل أيها الأمير، اردد الرجل إلى الحبس، قال: نعم، بالصغر له والقماء، فوجه إلى الرجل فحبسه، وأطلق حماداً، وكتب بذلك صاحب الخبر إلى الرشيد، فكتب إلى سوار يحمده على ما صنع، وكتب إلى محمد بن سليمان كتاباً غليظاً يذكر فيه حماد ويقول: الرافضي ابن الرافضي، والله لولا أن الوعيد أمام العقوبة ما أدبته إلا بالسيف ليكون عظة لغيره، ونكالاً، يفتات على قاضي المسلمين في
стр. 9522
رأيه، ويركب هواه لموضعه منك، ويتعرض في الأحكام استهانة بأمر الله وإقداماً على أمير المؤمنين؟! وما ذلك إلا بك، وبما أرخيت من رسنه. تالله لئن عاد إلى مثلها ليجدني أغضب لدين الله، وأنتقم من أعدائه لأوليائه.
كان الرشيد يقول: أنا من أهل بيت عظمت رزيتهم، وحسنت بقيتهم، رزئنا رسول الله ﷺ وبقيت فينا خلافة الله . بينما الرشيد هارون يطوف بالبيت إذ عرض له رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أكلمك بكلام فيه غلظة فاحتمله لي، فقال: لا، ولا نعمة عين ولا كرامة، قد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني فأمر أن يقول له قولاً ليناً.
قال منصور بن عمار: ما رأيت أغزر دمعاً عند الذكر من ثلاثة: فضيل بن العياض، وأبو عبد الرحمن الزاهد، وهارون الرشيد.
قال شعيب بن حرب: بينا أنا في طريق مكة إذ رأيت هارون الرشيد، فقلت لنفسي: قد وجب عليك الأمر والنهي، فقالت لي: لا تفعل، فإن هذا الرجل جبار، ومتى أمرته ضرب عنقك، فقلت لنفسي: لابد من ذلك. فلما دنا مني صحت: يا هارون، قد أتعبت الأمة، وأتعبت البهائم، فقال: خذوه، فأدخلت عليه، وهو على كرسي وبيده عمود يلعب به، فقال: ممن الرجل؟ قلت من أفناء الناس، قال: ممن ثكلتك أمك؟ قلت: من الأبناء، قال: ما حملك على أن تدعوني باسمي؟! قال شعيب: فورد على قلبي كلمة ما خطرت لي قط على بال، قلت: أنا أدعو الله باسمه، فأقول: يا الله، يا رحمن، لا أدعوك باسمك؟ وما تنكر من دعائي باسمك؟ وقد رأيت الله سمى في كتابه أحب
стр. 9523
الخلق إليه محمداً، وكنى أبغض الخلق إليه: أبا لهب فقال: " تبت يدا أبي لهب " فقال: أخرجوه، فأخرجوني.
قال ابن السماك: قلت للرشيد هارون: يا أمير المؤمنين، إنك تموت وحدك، وتقبر وحدك، فاحذر المقام بتن يدي الجبار، والوقوف بين الجنة والنار، فإنك لا تقدم إلا على قادم مشغول، ولا يخلف إلا جاهل مغرور، يا أمير المؤمنين، إنما هو دبيب من سقم حتى يؤخذ بالكظم، وتزل القدم، ويقع الندم، فلا توبة تنال، ولا عثرة تقال، ولا يقبل فداء بمال، فجعل أمير المؤمنين يبكي حتى علا صوته، فالتفت إلي يحيى بن خالد فقال: قم، فقد شققت على أمير المؤمنين منذ الليلة، فقمت وأنا أسمع بكاءه.
لما لقي الرشيد هارون الفضيل بن العياض، قال له الفضيل: يا حسن الوجه، أنت المسؤول عن هذه الأمة، قال مجاهد: " وتقطعت بهم الأسباب " قال: الوصل التي كانت بينهم في الدنيا، فجعل هارون يبكي.
حج هارون وكان يأنس بسفيان بن عيينة، فقال لسفيان: أشتهي أن أرى الفضيل بن العياض، وأسمع كلامه، فقال له سفيان: إن علم أنك أمير المؤمنين لم ينبسط، قال: فكيف الوجه فيه؟ قال: نذهب إليه جميعاً وأنت متنكر، فمضيا، فقام سفيان على الباب، فقال: السلام عليك يا أبا علي، فقال الفضيل: من أنت؟ قال: سفيان، قال: ادخل يا أبا محمد، قال سفيان: ومن معي؟ قال: ومن معك، فدخلا، فأقبل الفضيل على سفيان فتحدثا ساعة، فقال له سفيان: يا أبا علي، هذا الفتى تعرفه؟ فنظر إليه فقال سفيان: هذا هارون أمير المؤمنين، فنظر إليه الفضيل فقال: يا حسن الوجه، قد قلدت أمراً عظيماً، فاتق الله في نفسك، وكان هارون من أحسن الناس وجهاً.
стр. 9524
قال الأصمعي: بعث إلي الرشيد، وقد زخرف مجلسه وبالغ فيها وفي بنائها، وصنع فيها طعاماً كثيراً، ثم وجه إلى أبي العتاهية فأتاه فقال: صف لنا ما نحن فيه من نعيم الدنيا. فأنشأ يقول: مجزوء الكامل
عش ما بدا لك سالماً ... في ظل شاهقة القصور
فقال: أحسنت ثم ماذا؟ فقال:
يسعى عليك بما اشتهيت ... لدى الرواح وفي البكور
فقال: ثم ماذا؟ فقال:
فإذا النفوس تقعقعت ... في ضيق حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقناً ... ما كنت إلا في غرور
فبكى هارون، فقال الفضل بن يحيى: بعث إليك أمير المؤمنين لتسره، فأحزنته، فقال هارون: دعه، فإنه رآنا في عمىً فكره أن يزيدنا عمىً.
قال أبو العتاهية: دخلت على هارون الرشيد، فقال لي: أبو العتاهية؟ قلت: أبو العتاهية، قال: الذي يقول الشعر؟ قلت: الذي يقول الشعر، قال: عظني وأوجز، فقال: البسيط
لا تأمن الموت في طرف ولا نفس ... وإن تمنعت بالحجاب والحرس
واعلم بأن سهام الموت قاصدة ... لكل مدرع منا ومترس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس
قال: فخر مغشياً عليه.
стр. 9525
جاء هارون الرشيد إلى باب عبد الله بن المبارك فاستأذن، فلم يأذن له، فكتب هارون في رقعة: الخفيف
هل لذي حاجة إليك سبيل ... لا طويل قعوده بل قليل
فكتب ابن المبارك على ظهر رقعته:
أنت يا صاحب الكتاب ثقيل ... وقليل من الثقيل طويل
لما حبس الرشيد أبا العتاهية جعل عليه عيناً يأتيه بما يقول، فوجده يوماً قد كتب على الحائط: الوافر
أما والله إن الظلم لؤم ... وما زال المسيء هو الظلوم
إلى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم
فأخبره بذلك الرشيد، فبكى، ودعا به، فاستحله، ووهب له ألف دينار.
خرج الرشيد في بعض متنزهاته، فانفرد من الناس على نحو ميل، فرفع له خباء مضروب، فأمه، فإذا فيه أعرابي، فسلم عليه الرشيد، فقال له: من أنت؟ فقال: أنا من أبغض الناس إلى الناس، فقال الأعرابي:؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ أنت إذاً من معد، فمن أي معد؟ قال: من أبغض معد إلى معد، قال: أنت إذاً من مضر، فمن أي مضر أنت؟ قال: من أبغض مضر إلى مضر، قال: أنت إذاً من كنانة، فمن أي كنانة أنت؟ قال: من أبغض كنانة إلى كنانة، قال: إذاً أنت من قريش، فمن أي قريش أنت؟ قال: من أبغض قريش إلى قريش، قال: أنت إذاً من بني هاشم، فمن أي بني هاشم؟ قال: من أبغض بني هاشم إلى بني هاشم، قال: أنت إذاً من ولد العباس، فمن أي ولد العباس أنت؟ قال: من أبغض بني العباس إلى العباس، فوثب الأعرابي قائماً وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، وتوافت الجيوش، فقال الرشيد: احملوه قاتله الله ما أذهنه.
стр. 9526
قال سفيان بن عيينة: دخلت على هارون أمير المؤمنين فقال: أي شيء خبرك يا سفيان؟ فقلت: الوافر
بعين الله ما تخفي البيوت ... فقد طال التحمل والسكوت
فقال: يا فلان، مئة ألف لابن عيينة، تغنيه، وتغني عقبه، ولا ينقص بيت مال المسلمين من ذلك.
قال شبيب: كنا في طريق مكة، فجاء أعرابي في يوم صائف شديد الحر، ومعه جارية له سوداء، وصحيفة، فقال: أفيكم كاتب؟ قلنا: نعم، وحضر غداؤنا،؟؟؟ فقلنا له: لو أصبت من طعامنا، فقال: إني صائم، فقلنا له: أفي هذا الحر الشديد، وجفاء البادية تصوم؟! فقال: إن الدنيا كانت ولم أكن فيها، وتكون ولا أكون فيها، وإنما لي منها أيام قلائل، وما أحب أن أغير أيامي، ثم نبذ إلينا الصحيفة، فقال: اكتب، ولا تزيدن على ما أقول حرفاً: هذا ما أعتق عبد الله بن عقيل الكلابي جارية له سوداء يقال لها: لؤلؤة ابتغاء وجه الله، وجواز العقبة العظمى، وإنه لا سبيل لي عليها إلا سبيل الولاء والمنة لله الواحد القهار، قال الأصمعي: فحدثت بهذا الحديث الرشيد، فأمر أن يشترى له ألف نسمة ويعتقون، ويكتب لهم هذا الكتاب.
قال الأصمعي: قدم الرشيد هارون البصرة يريد الخروج إلى مكة، فخرجت معه، فلما صرنا بضرية فإذا أنا على شفير الوادي بصبية قدامها قصعة لها، وإذا هي تقول: الخفيف
طحطحتنا طحاطح الأعوام ... ورمتنا حوادث الأيام
стр. 9527
فأتيناكم نمد أكفاً ... لفضالات زادكم والطعام
فاطلبوا الأجر والمثوبة فينا ... أيها الزائرون بيت الحرام
من رآني فقد رآني ورحلي ... فارحموا غربتي وذل مقامي
فأخبرت أمير المؤمنين، وأنشدته ما قالت، فعجب، فقلت: آتيك بها؟ قال: بل نذهب إليها، فوقف عليها، فقلت لها: أنشديه ما كنت تقولينه، فأنشدته ولم تهبه، فقال: يا مسرور، املأ قصعتها دنانير، فملأها حتى فاضت.
قال أبو عبيدة: حج الرشيد على طريق البصرة، فمر منفرداً ومعه الفضل بن الربيع فإذا بأعرابيين على قعودين لهما، فقال أحدهما: الرجز
يا أيها المجمع هماً لاتهم ... إنك إن تقض إلى الحمى تحم
كيف توقيك وقد جف القلم ... وحطت الصحة منك والسقم
فقال الرشيد للفضل: يا عباسي، قل للمنشد يعيد، فقال الفضل: يا صاحب الشعر، أعد، فقال: لو قال لي هذا لفعلت - يعني الرشيد - قال الفضل: فهممت بالإقبال عليه، فغمزني الرشيد بالصبر، فقلت له: ولم لا تجيبني؟ فقال لي: الطويل
إذا ما رأى الناس الجواد ومقرفاً ... إذا حربا قالوا جواد ومقرف
стр. 9528
فقال الرشيد: يا عباسي، ادع لي أقرب الخدم منك، فدعوت خادماً، فقال له الرشيد: ما معك؟ قال: أربع مئة درهم، قال: ادفعها إلى المنشد، فأخذها، فضرب الآخر بيده على كتف صاحبه ثم قال: الوافر
وكنت جليس قعقاع بن عمرو ... ولا يشقى بقعقاع جليس
فقال الرشيد: يا عباسي، ادع لي أقرب الخدم منك، فدعوت خادماً، قال الرشيد: ما معك؟ قال: مئتا دينار، قال: ادفعها إلى المتمثل، فدفعها إليه.
قال أبو عبيدة: فسألني الفضل: ما قصة القعقاع؟ فقلت: أهدي إلى معاوية هدايا يوم المهرجان، فيها جامات ذهب وفضة، فدفع معاوية الجامات إلى جلسائه، ودفع إلى القعقاع جام ذهب، وفي القوم أعرابي لم يعط شيئاً، وهو إلى جانب القعقاع، فدفع القعقاع إليه الجام، فأخذه الأعرابي ونهض، وهو يقول:
وكنت جليس قعقاع بن عمرو ... ولا يشقى بقعقاع جليس
قال أبو محمد الزيدي: دخلت على الرشيد، فوجدته منكباً ينظر في ورقة فيها مكتوب بالذهب، فتبسم فقلت: فائدة، أصلحك الله، قال: نعم، وجدت هذين البيتين في بعض خزائن بني أمية فاستحسنتهما، وقد أضفت إليهما ثالثاً، وأنشدني: الطويل
إذا سد باب عنك من دون حاجة ... فدعه لأخرى ينفتح لك بابها
فإن قراب البطن يكفيك ملؤه ... ويكفيك سوآت الأمور اجتنابها
فلا تك مبذالاً لعرضك واجتنب ... ركوب المعاصي يجتنبك عقابها
قال الفضل بن الربيع: خرج الرشيد من عند زبيدة - وقد تغدى عندها ونام - وهو يضحك، فقلت: قد سرني سرور أمير المؤمنين، فقال: ما أضحك إلا تعجباً: أكلت عند هذه المرأة، ونمت، وسمعت رنة فقلت: ما هذا؟ قالوا: ثلاث مئة ألف دينار، وردت من مصر، فقالت: هبها لي يا بن عم، فدفعتها إليها، فما برحت حتى عربدت وقالت: أي خير رأيت منك!.
قال الأصمعي: سمعت بيتين لم أحفل بهما، قلت: هما على كل حال خير من موضعهما من الكتاب، فإني عند الرشيد يوماً وعنده عيسى بن جعفر، فأقبل علي مسرور الكبير، فقال:
стр. 9529
يا مسرور، كم في بيت مال السرور؟ قال: ليس فيه شيء، فقال عيسى: هذا بيت الحزن، قال: فاغتنم الرشيد، وأقبل على عيسى فقال: والله لتعطين الأصمعي سلفاً على بيت مال السرور ألف دينار، فاغتم عيسى وانكسر، فقلت في نفسي: جاء موضع البيتين فأنشدت الرشيد: الطويل
إذا شئت أن تلقى أخاك معبساً ... وجداه في الماضين كعب وحاتم
فكشفه عما في يديه فإنما ... تكشف أخبار الرجال الدراهم
قال: فتجلى عن الرشيد وقال: يا مسرور، أعطه سلفاً على بيت مال السرور ألف دينار، قال: فأخذت بالبيتين ألفي دينار، وما كان البيتان يسويان عندي درهمين.
قال الأصمعي: دخلت على هارون - ومجلسه حافل - فقال يا أصمعي، ما أغفلك عنا، وأجفاك لحضرتنا! قلت: يا أمير المؤمنين، ما ألاقتني بلاد بعدك حتى أتيتك، فأمرني بالجلوس فجلست، وسكت. فلما تفرق الناس إلا أقلهم نهضت، فأقعدني حتى خلا، قال: يا أبا سعيد، ما ألاقتني؟ قلت: أمسكتني يا أمير المؤمنين، وأنشدت:
كفاك كف ما تليق درهما ... جوداً وأخرى تعطي بالسيف الدما
فقال: أحسنت، وهكذا فكن، وقر نا في الملأ، وعلمنا في الخلاء، وأمر لي بخمسة آلاف دينار.
وقيل: إنه قال له: ما لاقتتني بعدك أرض. فلما خرج الناس قال له: ما معنى: ما لا قتتني أرض؟ قال: ما استقرت بي أرض، كما يقال: فلان لا يليق شيئاً أي: لا يستقر معه شيء، وقال له: هذا حسن، ولكن لا ينبغي أن تكلمني بين يدي الناس إلا بما أفهمه، فإذا خلوت فعلمني، فإنه إما أن أسكت فيعلم الناس أني لا أفهم، وإما أن أجيب بغير صواب، فيعلم الناس أني لم أفهم. قال الأصمعي: فعلمني أكثر مما علمته.
стр. 9530
مازح الرشيد أم جعفر فقال لها: كيف أصبحت يا أم نهر، فاغتمت لذلك، ولم تدر ما معناه، فوجهت إلى الأصمعي فسألته عن ذلك، فقال لها: الجعفر: النهر الصغير، وإنما ذهب إلى هذا، فسكنت نفسها.
قال الأصمعي: دخلت على هارون الرشيد، فقال لي: إني أرقب ليلتي هذه، فقلت: لم، أنام الله عين أمير المؤمنين؟ قال: فكرت بالعشق مم هو؟ فلم أقف عليه، فصفه لي حتى أخاله جسماً، قال الأصمعي: لا والله ما كان عندي قبل ذلك منه شيء، فأطرقت ملياً ثم قلت: نعم يا سيدي، إذا توافقت الأخلاق المشاكلة، وتمازجت الأرواح المتشابهة ألفيت لمح نور ساطع يستضيء به العقل، وتنير لإشراقه طباع الجناة، ويتصور من ذلك النور خلق في النفس منصباً نحو جواهرها يسمى العشق. فقال: أحسنت والله، يا غلام، أعطه، وأعطه، فأعطيت ثلاثين درهم.
قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: دخلت على أمير المؤمنين الرشيد يوماً، فقال: أنشدني من شعرك، فأنشدته: الطويل
وآمرة بالبخل قلت لها اقصري ... فذلك شيء ما إليه سبيل
أرى الناس خلان الجواد ولا أرى ... بخيلاً به في العالمين خليل
ومن خير حالات الفتى لو علمته ... إذا نال خيراً أن يكون ينيل
عطائي عطاء المكثرين تكرماً ... وما لي كما قد تعلمين قليل
وإني رأيت البخل يزري بأهله ... ويحقر يوماً أن يقال بخيل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الفتى ... ورأي أمير المؤمنين جميل؟
فقال: لا كيف، إن شاء الله، يا فضل، أعطه مئة ألف درهم، لله در أبيات تأتينا
стр. 9531
بها، ما أحسن فصولها، وأثبت أصولها، فقلت: يا أمير المؤمنين، كلامك أجود من شعري، قال: أحسنت، يا فضل، أعطه مئة ألف أخرى.
قال الرشيد للمفضل الضبي: ما أحسن ما قيل في الذئب، ولك هذا الخاتم الذي في يدي، وشراؤه ألف وست مئة دينار؟ فقال: قول الشاعر: الطويل
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
قال: ما ألقي هذا على لسانك إلا لذهاب الخاتم، وحلق به إليه، فاشترته أم جعفر بألف وست مئة دينار، وبعثت به إليه وقالت: قد كنت أراك تعجب به، فألقاه إلى الضبي وقال: خذه وخذ الدنانير، فما كنا نهب شيئاً ونرجع فيه.
صنع الرشيد ذات ليلة بيتاً، واضطرب عليه الثاني، فقال: علي بالعباس بن الأحنف، فأتي به في جوف الليل على حال من الذعر عظيمة، فقال له الرشيد: لا ترع، قال: وكيف لا يكون ذلك وقد طرقت في منزلي في مثل هذا الوقت؟ فلم أخرج إلا والواعية فيه وأهلي لا يشكون في قتلي، فقال: أحضرتك لبيت قلته صعب علي أن أشفعه بمثله، قال: ما هو؟ قال: مجزوء الوافر
جنان قد رأيناها ... فلم نر مثلها بشرا
فقال العباس:
يزيدك وجهها حسناً ... إذا ما زدته نظرا
إذا ما الليل مال علي ... ك بالظلماء واعتكرا
стр. 9532
ودج فلم تر قمراً ... فأبرزها تر قمرا
فقال الرشيد: أول ما يجب أن ندفع إليك ديتك، إذ نزل بك هذا الروع وبعيالك منا، فأمر له بعشرة آلاف درهم وصرفه.
دخل العباس بن الأحنف على هارون الرشيد فقال له هارون: أنشدني أرق بيت قالته العرب، فقال: قد أكثر الناس في بيت جميل حيث يقول: الطويل
ألا ليتني أعمى أصم تقودني ... بثنية لا يخفى علي كلامها
فقال له هارون: أنت أرق منه حيث تقول: البسيط
طاف الهوى في عباد الله كلهم ... حتى إذا مر بي من بينهم وقفا
قال العباس: أنت أمير المؤمنين أرق قولاً مني ومنه حيث تقول: الوافر
أما يكفيك أنك تملكيني ... وأن الناس كلهم عبيدي
وأنك لو قطعت يدي ورجلي ... لقلت من الهوى أحسنت زيدي
فأعجب بقوله وضحك.
قال ابن المبارك: عشق هارون جارية، فأرادها، فذكرت أن أباه كان مسها، فشغف بها هارون حتى قال: الوافر
أرى ماء وبي عطش شديد ... ولكن لا سبيل إلى الورود
أما يكفيك أنك تملكيني ... وأن الناس كلهم عبيدي
وأنك لو قطعت يدي ورجلي ... لقلت من الرضى أحسنت زيدي
قال: فسأل أبا يوسف عنها، فقال: أو كلما قالت جارية تصدق؟ قال:
стр. 9533
ابن المبارك: فلا أدري ممن أعجب! من أمير المؤمنين حين رغب عنها، أو منها حين رغبت عن أمير المؤمنين، أو من أبي يوسف حين أمره بالهجم عليها.
قال إبراهيم الموصلي: قال لي غلامي: بالباب رجل حائك يستأذن، فقلت: مالي ولحائك؟ قال: لا أدري غير أنه حلف بالطلاق لا ينصرف حتى يكلمك بحاجته، قال: فأذنت له، فدخل، فقلت: ما حاجتك؟ قال: أنا رجل حائك، وكان عندي بالأمس جماعة فتذاكرنا الغناء والمتقدمين فيه، فأجمع من حضر أنك رأس القوم وبندارهم وسيدهم في هذه الصناعة، فحلفت بطلاق ابنة عمي وأعز الخلق علي ثقة مني بكرمك على أن تشرب عندي غداً، وتغنيني، فإن رأيت جعلني الله فداك أن تمن على عبدك بذلك فعلت، فقلت له: أين منزلك؟ قال: في دور الصحابة، قلت: فصف للغلام موضعه وانصرف، فإني رائح إليك، فوصف للغلام. فلما صليت الظهر ركبت، وأمرت الغلام أن يحمل معه قنينة وقدحاً ومصلى وخريطة العود، وصرت إلى منزله، ودخلت فقام إلي الحاكة فقبلوا أطرافي، وعرضوا علي الطعام، فقلت: قد تقدمت في الأكل، فشربت من نبيذي، وتناولت العود، فقلت: اقترح علي، فقال: غنني بحياتي: الطويل
يقولون لي لو كان بالرمل لم يمت ... نسيبة والطراق يكذب قيلها
فغنيت، فقال: أحسنت جعلني الله فداك، ثم قلت: اقترح، فقال: غنني بحياتي: الطويل
وخطا بأطراف الأسنة مضجعي ... وردا على عيني فضل ردائياً
فغنيت، فقال: أحسنت جعلني الله فداك، ثم شربت وقلت: اقترح، فقال: غنني بحياتي: الطويل
أحقاً عباد الله أن لست وارداً ... ولا صادراً إلا علي رقيب؟
стр. 9534
فقلت: يا بن اللخناء، أنت بابن سريج أشبه منك بالحاكة، فغنيته، ثم قلت: والله إن عدت ثانية حلت امرأتك لغلامي قبل أن تحل لك، ثم انصرف، وجاء رسول أمير المؤمنين الرشيد فمضيت إليه من فوري، فقال: أين كنت؟ قلت: ولي الأمان؟ قال: ولك الأمان، فحدثته، فضحك وقال: هذا أنبل حائك على ظهر الأرض، ووالله لقد كرمت في أمره، وأحسنت إجابته، وبعث إلى الحائك، فاستنطقه، وساءله فاستطابه، واستظرفه، وأمر له بثلاثين ألف درهم.
كتب هارون الرشيد إلى جارية له كان يحبها وكانت تبغضه: البسيط
إن التي عذبت نفسي بما قدرت ... كل العذاب فما أبقت ولا تركت
مازحتها فبكت واستعبرت جزعاً ... عني فلما رأتني باكياً ضحكت
فعدت أضحك مسروراً بضحكتها ... حتى إذا ما رأتني ضاحكاً فبكت
تبغي خلافي كما خبت براكبها ... يوماً قلوص فلما حثها بركت
كأنها درة قد كنت أذخرها ... ليوم عسر فلما رمتها هلكت
وأنشدوا هذه الأبيات لذؤيب.
قال الأصمعي: ما رأيت أثر النبيذ في وجه الرشيد قط إلا مرة واحدة: فإني دخلت عليه أنا وأبو جعفر الشطرنجي، فرأيته خاثراً، فقال لنا: استبقا إلى بيت، بل إلى أبيات، فمن أصاب ما في نفسي فله عشرة آلاف درهم. وفي رواية قال: كان الرشيد يهوى عنان جارية الناطفي، وكانت صيانته لنفسه تمنعه منها. قال الأصمعي: فما رأيته قط متبذلاً
стр. 9535
إلا مرة، فإني دخلت إليه، وفي وجهه تخثر، وعنده أبو جعفر الشطرنجي، فقال لنا: استبقوا، فمن أصاب ما في نفسي فله عشرة آلاف درهم، فوقع في نفسي أنه يريد عنان - فقال أبو جعفر بن أبي حفص الشطرنجي بجرأة العميان: الخفيف
مجلس ينسب السرور إليه ... لمحب ريحانه ذكراك
فقال: أحسنت، يا فضل، أعطه عشرة آلاف درهم، ثم قال: قد حضرني بيت ثان، قال: هات، فأنشد:
كلما دارت الزجاجة زادت ... هـ حنيناً ولوعة فبكاك
قال: أحسنت، يا فضل، أعطه عشرة آلاف درهم. قال الأصمعي: فنزل بي ما لم ينزل بي قط مثله، إن ابن أبي حفص يرجع بعشرين ألف دهم وبفخر ذلك المجلس، وأرجع صفراً منهما جميعاً، ثم حضرني بيت، فقلت: يا أمير المؤمنين، قد حضرني ثالث، قال: هاته، فأنشأت أقول:
لم ينلك المنى بأن تحضريني ... وتجافت أمنيتي عن سواك
فقال: أحسنت، يا فضل، أعطه عشرين ألف درهم ثم قال هارون: قد حضرني رابع، فقلنا: إن رأى أمير المؤمنين أن ينشده فعل، فأنشأ يقول:
فتمنيت أن يغشيني الله ... نعاسا لعل عيني تراك
فقلنا: يا أمير المؤمنين، أنت أشعر منا، فجوائزنا لأمير المؤمنين، فقال: جوائزكما لكما، وانصرفا.
قال أبو هفان: أهديت إلى الرشيد جارية في غاية الجمال والكمال، فخلا بها أياماً، وأخرج كل قينة من داره، واصطبح يوماً، فكان من حضر من جواريه للغناء والخدمة في الشراب وغيره زهاء ألفي جارية في أحسن زي، من كل نوع من أنواع الثياب والجواهر، واتصل الخبر بأم جعفر فغلظ عليها ذلك فأرسلت إلى علية تشكو إليها، فأرسلت إليها علية: لا يهولنك هذا، فوالله لأردنه، وأنا أعمل شعراً، وأصوغ فيه لحناً، وأطرحه على جواري،
стр. 9536
فلا تدعي عندك جارية إلا بعثت بها إلي وألبسيهن فاخر الثياب والحلي ليأخذن صوتاً مع جواري، ففعلت أم جعفر ما أمرتها. فلما جاء وقت العصر لم يشعر الرشيد إلا وعلية قد خرجت عليه من حجرتها، وأم جعفر قد خرجت من حجرتها معهما زهاء ألفي جارية من جواريهما وسائر جواري القصر، وكلهن في لحن واحد هزج صنعته علية: مجزوء الرجز
منفصل عني وما ... قلبي عنه منفصل
يا قاطعي اليوم لمن ... نويت بعدي أن تصل
فطرب الرشيد، وقام على رجليه حتى استقبل أم جعفر علية، وهو على غاية السرور، وقال: لم أر كاليوم قط، ثم قال: يا مسرور، لا يبقين في بيت المال درهم إلا نثرته، فكان مبلغ ما نثر يومئذ ست آلاف ألف درهم، وما سمع بمثل ذلك اليوم قط.
دخلت أعرابية على هارون الرشيد، فأخرج إليها ماردة وكانت ذات جمال وشكل، وكان الرشيد يحبها فأنشدته الأعرابية أشعاراً تمدحه ببعضها، وأنشدها الرشيد لنفسه في ماردة: الكامل
وتنال منك بحد مقلتها ... ما لا ينال بحده النصل
شغلتك وهي ككل منتصر ... لاقى محاسن وجهها شغل
فلوجهها من وجهها قمر ... ولعينها من عينها كحل
وإذا نظرت إلى محاسنها ... فلكل موضع نظرة قتل
فقالت الأعرابية: يا أمير المؤمنين، ما أدري أيهم أحسن: الشعر، أو من قاله، أو من قيل فيه، فأمر لها بجائزة.
كان الرشيد شديد الحب لهيلانة، وكانت قلبه ليحيى بن خالد، فدخل يوماً إلى يحيى قبل الخلافة، فلقيته في ممر، فأخذت بكمه فقالت: أما لنا منك يوم مرة؟ فقال لها: بلى، فكيف السبيل إلى ذلك، فقالت: تأخذني من هذا الشيخ، فقال ليحيى: أحب أن تهب لي فلانة، فوهبها له، وغلبت عليه، وكانت تكثر أن تقول: هي لانة،
стр. 9537
فسماها هيلانة. فأقامت عنده ثلاث سنين، وماتت، فوجد عليها وجداً شديداً، وأنشد: السريع
أقول لما ضمنوك الثرى ... وجالت الحسرة في صدري
اذهب فلا والله ما سرني ... بعدك شيء آخر الدهر
كتب هارون الرشيد إلى جاريته الخيزرانة وهي بمكة: الخفيف
نحن في أفضل السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتم السرور
عيب ما نحن فيه يا أهل ودي ... أنكم غبتم ونحن حضور
فأجدوا في السير بل إن قدرتم ... أن تطيروا مع الرياح فطيروا
فأجابته الخيزرانة:
قد أتانا الذي وصفت من الشو ... ق فكدنا وما فعلنا نطير
ليت أن الرياح كن يؤدين ... إليك الذي يجن الضمير
لم أزل صبه فإن كنت بعدي ... في سرور فدام ذاك السرور
أنشد عمران بن موسى المؤدب لهارون الرشيد في ثلاث حظيات كن عنده وهن قصف، وضياء، وخنث: الكامل
ملك الثلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي بكل مكان
ما لي تطاوعني البرية كلها ... وأطيعهن وهن في عصياني؟
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى ... وبه ملكن أعز من سلطاني
اشتريت للرشيد هارون جارية مدينية، فأعجب بها، وأمر الربيع أن يبعث في حمل أهلها ومواليها لينصرفوا بجوائزها، وأراد بذلك تسريتها، فوفد إلى مدينة السلام ثمانون رجلا، ووفد معهم رجل من أهل العراق استوطن المدينة كان يهوى الجارية. فلما بلغ الرشيد خبرهم أمر الفضل أن يخرج إليهم ليكتب اسم كل رجل منهم وحاجته ففعل
стр. 9538
حتى بلغ إلى العراقي فقال له: حاجتك؟ قال: إن كتبتها وضمنت لي عرضها مع ما يعرض أنبأتك بها، فقال: أفعل ذلك، قال: حاجتي أن أجلس مع فلانة حتى تغنيني ثلاثة أصوات، وأشرب ثلاثة أرطال، وأخبرها بما تجن ضلوعي من حبها، فقال الفضل: إنه موسوس، قال: يا هذا، قد أمرت أن تكتب ما يقول كل واحد، فاكتب ما أقول، واعرضه، فإن أجبت إليه، وإلا فأنت في أوسع العذر. فدخل الفضل مغضباً، فقرأ على الرشيد ما كتب، وقال: يا أمير المؤمنين، فيهم واحد مجنون سأل ما أجل مجلس أمير المؤمنين عن التفوه به فيه، فقال: قل ولا تجزع، فقال: قال كذا وكذا، قال: قل له: بعد ثلاث احضر لينجز لك ما سألت، وأنت تتولى الاستئذان له، ودعا بخادم، وقال: امض إلى فلانة، وقل لها حضر رجل وذكر كذا وكذا، وأجبناه إلى ما سأل، فكوني على أهبة، ثم أدى الفضل الرسالة إليه، فانصرف وحضر في اليوم الثالث، وعرف الرشيد خبره، فقال: يلقى له بحيث أرى كرسي فضة، وللجارية كرسي ذهب، وتخرج إليه، ويحضر ثلاثة أرطال، فجلس الفتى والجارية بإزائه، فحدثها والرشيد يراهما، فقال للخادم: لم تدخل لتشتو وتصيف، فأخذ رطلاً، وخر ساجداً وقال: إذا شئت أن تغني فغني: الطويل
خليلي عوجا بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند بأرضكما قصدا
وقولا لها ليس الضلال أجازنا ... ولكننا جزنا لنلقاكم عمدا
غداً يكثر الباركون منا ومنكم ... وتزداد داري من دياركم بعدا
فغنته، وشرب الرطل، وحادثها ساعة، فاستحثه الخادم، فأخذ الرطل بيده، وقال: غني جعلت فداك: الطويل
تكلم منا في الوجوه عيوننا ... فنحن سكوت والهوى يتكلم
ونغضب أحياناً ونرضى بطرفناوذلك فيما بيننا ليس يعلم
فغنته، وشرب الرطل الثاني، وحادثته ساعة، فاستعجله الخادم، فخر ساجداً يبكي، وأخذ الرطل بيده، واستودعها الله، وقام على رجليه، ودموعه تستبق استباق المطر، وقال: إذا شئت غني: السريع
стр. 9539
أحسن ما كنا تفرقنا ... وخاننا الدهر وما خنا
فليت ذا الدهر لنا مرة ... عاد لنا يوماً كما كنا
فغنته الصوت، فقلب الفتى طرفه، فبصر بدرج في الصحن، فأمها، وتبعه الخدم، ليهدوه الطريق، ففاتهم، وصعد الدرجة وألقى نفسه إلى الأرض على رأسه، فخر ميتاً، فقال الرشيد: عجل الفتى، ولو لم يعجل لوهبتها له.
قال عمار بن كثير الواسطي: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ما من نفس أشد علي موتاً من هارون أمير المؤمنين، فلوددت أن الله زاد من عمري في عمره، فكبر ذلك علينا. فلما مات هارون، وظهرت تلك الفتن، وكان من المأمون ما حمل الناس على أن القرآن مخلوق، قلنا الشيخ أعلم بما تكلم به.
قال إسماعيل بن فروخ: أنشدنا أمير المؤمنين الرشيد لنفسه، وقد صعب عليه الصعود في عقبة همذان، فقال: البسيط
حتى متى أنا في حل وترحال ... وطول هم بإدبار وإقبال
ونازح الدار ما ينفك مغترباً ... عن الأحبة لا يدرون ما حالي
بمشرق الأرض طوراً ثم مغربها ... لا يخطر الموت من حرصي على بالي
ولو قنعت أتاني الرزق في دعة ... إن القنوع الغنى لا كثرة المال
قال زكريا بن سعد الوصيف: كان الرشيد ذات يوم في مقيله إذ رأى في منامه كأن رجلاً وقف على باب مجلسه، فضرب بيده إلى عود من الباب ثم أنشأ يقول: الطويل
стр. 9540
كأني بهذا القصر قد باد آهله ... وأقفر منه ربعه ومنازله
وصار عميد القصر من بعد بهجة ... وملك إلى قبر عليه جنادله
فلم يبق إلا ذكره وحديثه ... تبكي عليه بالعويل حلائله
ثم خرج إلى طوس، فلما نزل حلوان العراق هاج به الدم، فأجمع المتطببون أن دواءه الجمار، فوجه إلى دهقان حلوان، فسأل عن النخل، فقال: ليس بهذا البلد نخلة إلا النخلتان اللتان على عقبة حلوان، فوجه إليهما من قطع إحداهما، فأكل هارون جمارها، فسكن عنه الدم، فترحل، فمر عليهما، فرأى على القائمة منهما مكتوباً: الخفيف
أسعداني يا نخلتي حلوان ... وابكيا لي من صرف هذا الزمان
أسعداني وأيقنا أن نحساً ... سوف يلقاكما فتفترقان
ولعمري لو ذقتما حرق الفر ... قة أبكاكما الذي أبكاني
فقال هارون: عز والله علي أن أكون أنا نحسهما، ولو علمت بهذا الكتاب ما قطعتها ولو تلفت نفسي.
لما حضر هارون الرشيد الوفاة جاءت إحدى جواريه إليه تبكي عند رأسه، فرفع رأسه إليها، وأنشأ يقول: السريع
باكيتي من جزع أقصري ... قد غلق الرهن بما فيه
لما حضرت الرشيد الوفاة كان ربما غشي عليه فيفتح عينيه، فيغشى عليه، ثم نظر إلى الربيع واقفاً على رأسه فقال: يا ربيع الطويل
أحين دنا ما كنت أرجو دنوه ... رمتني عيون الناس من كل جانب
فأصبحت مرحوماً وكنت محسداً ... فصبراً على مكروه مر العواقب
стр. 9541
سأبكي على الوصل الذي كان بيننا ... وأندب أيام السرور الذواهب
وأعتقل الأيام بالصبر والعزا ... عليك وإن جانبت غير مجانب
قال مسرور الخادم: أمرني هارون أمير المؤمنين لما احتضر أن آتيه بأكفانه، فأتيته بها، ينتقيها على عينه، ثم أمرني، فحفرت قبره، ثم أمر فحمل إليه، فجعل يتأمله ويقول: " ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانية " ويبكي، ثم تمثل ببيت شعر.
قال أحمد بن محمد الأزدي: جعل هارون أمير المؤمنين يقول وهو يموت: واسوءتاه من رسول الله ﷺ .
استخلف الرشيد هارون سنة سبعين ومئة، وتوفي سنة ثلاث وتسعين ومئة بطوس، ودفن بقرية يقال لها سناباذ. وأتت الخلافة ابنه محمد الأمين وهو ببغداد، وتوفي الرشيد وهو ابن ست وأربعين سنة.
قال بعضهم: قرأت على خيام هارون أمير المؤمنين بعد منصرفهم من طوس، وقد مات هارون: السريع
منازل العسكر معموره ... والمزل الأعظم مهجور
خليفة الله بدر البلى ... تسفي على أجداثه المور
أقبلت العير تباهي به ... وانصرف تندبه العير
стр. 9542
هارون الواثق بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد
ابن محمد المهدي بن عبد الله المنصور أبو جعفر، وقيل أبو القاسم أمه أم ولد اسمها قراطيس. استخلف بعد أبيه المعتصم بعهد منه. قدم دمشق مع أبيه في خلافة عمه.
حدث الواثق عن أبيه عن المأمون عن الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه عن أبيه عن ابن عباس قال: لا تذهب الدنيا حتى يبعث الله شاباً منها، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، فيعود الأمر فيه كما بدأ.
قلت يطمع في ذلك فتيانكم، ولا يطمع فيه شيوخكم، قال: يفعل الله ما يشاء، ذلك عزم. قال رجل لابن عباس: إن ابن الزبير يزعم بأن المهدي منهم، فقال: لا ورب الكعبة، ولو كان زمانه لكنته، ولكنه من ولدي.
ولد الواثق بطريق مكة سنة تسعين ومئة، وولي الخلافة سنة سبع وعشرين ومئتين، وتوفي سنة اثنتين وثلاثين ومئتين. وقيل: ولد سنة ست وتسعين ومئة. وقيل: سنة أربع وتسعين. وبويع الواثق في اليوم الذي توفي فيه أبوه المعتصم بسر من رأى. وورد رسوله بغداد يوم الجمعة على إسحاق بن إبراهيم، فلم يظهر ذلك، ودعا للمعتصم على منبري بغداد وهو ميت. فلما كان الغد يوم السبت أمر إسحاق بن إبراهيم الهاشميين والقواد والناس بحضور دار أمير المؤمنين، فحضروا، فقرأ كتابه على الناس بنعي أبيه، وأخذ البيعة، فبايع الناس.
لما مات المعتصم، وولي الواثق كتب دعبل بن علي الخزاعي أبياتاً، وأتى بها الحاجب، فقال: أبلغ أمير المؤمنين السلام، وقل: مديح لدعبل، فأخذ الحاجب
стр. 9543
الطومار فأدخله على الواثق ففضه فإذا فيه: البسيط
الحمد لله لا صبر ولا جلد ... ولا رقاد إذا أهل الهوى رقدوا
خليفة مات لم يحزن عليه أحد ... وآخر قام لم يفرح به أحد
فمر هذا ومر الشر يتبعه ... وقام هذا فقام الويل والنكد
فطلب، فلم يوجد دخل هارون بن زياد مؤدب الواثق على الواثق، فأكرمه، وأظهر من بره ما شهر به، فقيل له: من هذا يا أمير المؤمنين الذي فعلت به ما فعلت؟ قال: هذا أول من فتق لساني بذكر الله ، وأدناني من رحمة الله .
قال يحيى بن أكثم: ما أحسن أحد إلى آل أبي طالب من خلفاء بني العباس ما أحسن إليهم الواثق، ما مات وفيهم فقير.
قال أبو عثمان المازني: كتب الواثق في حملي، فحملت، وأدخلت عليه، وهو عليل، فقال: يا بكر، لك ولد؟ قلت: لا، قال: فلك امرأة؟ قلت: لا، قال: فمن خلفت بالبصرة؟ قلت: أختي، قال: أكبر منك أم أصغر؟ فقلت: أصغر مني، قال: فما قالت المسكينة؟ قلت: قالت لي ما قالت ابنة الأعشى لأبيها: المتقارب
تقول ابنتي حين جد الرحيل ... أرانا سواء ومن قد يتم
فيا أبتا لا تزل عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم
ترانا إذا أضمرتك البلاد ... نجفى وتقطع منا الرحم
قال: ما رددت عليها المسكينة؟ قال: رددت عليها ما قال جرير لابنته: الوافر
стр. 9544
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح
فضحك ثم أمر لي بخمس مئة دينار.
كتب محمد بن حماد إلى الواثق: الطويل
جذبت دواعي النفس عن طلب الغنى ... وقلت لها كفي عن طلب النزر
فإن أمير المؤمنين بكفه ... مدار رحا الأرزاق دائبة تجري
فوقع: جذبك نفسك عن امتهانها دعا إلى صونك بسعة فضلي، فخذ ما طلبت هنيئاً.
قال المهتدي: كنت أمشي مع الواثق في صحن داره، فقال: اكتب: الوافر
تنح عن القبيح ولا ترده ... ومن أوليته حسناً فزده
ستكفى من عدو كل كيد ... إذا كاد العدو ولم تكده
ثم قال: اكتب: البسيط
هي المقادير تجري في أعنتها ... فاصبر فليس لها صبر على الحال
ومما روي من شعر الواثق: البسيط
حين استتم بأرداف تجاذبه ... واخضر فوق قناع الدر شاربه
وتم في الحسن فالتامت ملاحته ... وما زجت بدعاً من عجائبه
كلمته بجفون غير ناطقة ... فكان من رده ما قال حاجبه
قال حمدون بن إسماعيل: كان الواثق مليح الشعر، وكان يحب خادماً أهدي له من مصر، فأغضبه الواثق يوماً ثم سمعه يوماً يقول لبعض الخدم: هو يروم أن أكلمه، ما أفعل، فقال الواثق: وله فيه لحن: البسيط
стр. 9545
إن الذي بعذابي ظل مفتخراً ... ما أنت إلا مليك جار إذ قدرا
لولا هواه تجارينا على قدر ... وإن أفق منه يوماً ما فسوف يرى
قال أحمد بن حمدون: كان بين الواثق وبين بعض جواريه شر، فخرج كسلان، فلم أزل أنا والفتح نحتال لنشاطه، فرآني أضحك الفتح بن خاقان، فقال: قاتل الله ابن الأحنف حيث يقول: البسيط
عدل من الله أبكاني وأضحككم ... فالحمد لله عدل كل ما صنعا
اليوم أبكي على قلبي وأندبه ... قلب ألح عليه الحب فانصدعا
للحب في كل عضو لي على حدة ... نوع تفرق عنه الصبر واجتمعا
فقال الفتح: أنت يا أمير المؤمنين في وضع التمثل موضعه أشعر منه وأظرف.
أمر الواثق ابن أبي دواد يصلي بالناس في يوم عيد، وكان عليلاً، فلما انصرف قال له: يا أبا عبد الله، كيف كان عيدكم؟ قال: كنا في نهار لا شمس فيه، فضحك، وقال: يا أبا عبد الله، أنا مؤيد بك، وكان ابن أبي دواد قد استولى على الواثق وحمله على التشدد في المحنة، ودعا الناس إلى القول بخلق القرآن. ويقال: إن الواثق رجع عن ذلك القول بعد موته.
قال صالح بن علي بن يعقوب بن المنصور الهاشمي: حضرت المهتدي بالله أمير المؤمنين وقد جلس للنظر في أمور المتكلمين في دار العامة، فنظرت إلى قصص الناس تقرأ عليه من أولها إلى آخرها، فيأمر بالتوقيع فيها، وينشأ الكتاب عليها ويحرر، ويختم، ويدفع إلى صاحبه بين يديه، فسرني ذلك، واستحسنت ما رأيت منه، فجعلت أنظر إليه، ففطن، ونظر إلي،
стр. 9546
فغضضت عنه حتى كان ذلك مني ومنه مراراً ثلاثاً، إذا نظر غضضت، وإذا شغل نظرت، فقال: يا صالح، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، فقال: في نفسك منا شيء تريد أن تقوله، قلت: نعم، حتى إذا قام قال للحاجب: لا يبرح صالح، وانصرف الناس، وأذن لي، وهمتني نفسي، فدخلت، وجلست، فقال: يا صالح، تقول لي ما دار في نفسك، أو أقول أنا ما دار في نفسي أنه دار في نفسك؟ قلت: يا أمير المؤمنين، ما تأمر به، فقال: دار في نفسي أنك استحسنت ما رأيت منا، فقلت: أي خليفة خليفتنا إن لم يكن يقول بخلق القرآن، فورد على قلبي أمر عظيم، ثم قلت: يا نفس، هل تموتين قبل أجلك، وهل تموتين إلا مرة واحدة، وهل يجوز الكذب في جد أو هزل؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، ما دار في نفسي إلا ما قلت، فأطرق ملياً ثم قال: ويحك! اسمع مني ما أقول، فوالله لتسمعن الحق، فسر عني، وقلت: يا سيدي، ومن أولى بقول الحق منك، وأنت خليفة رب العالمين، وابن عم سيد المرسلين؟ فقال: ما زلت أقول إن القرآن مخلوق صدراً من أيام الواثق حتى أقدم أحمد ابن أبي دواد علينا شيخاً من أهل الشام، من أهل أذنة مقيداً، وهو جميل الوجه تام القامة، حسن الشيبة، فرأيت الواثق قد استحيا منه، ورق له، فما زال يدينه، ويقربه حتى قرب منه، فسلم الشيخ، فأحسن، ودعا، فأبلغ وأوجز، فقال له الواثق: اجلس ناظر ابن أبي دواد على ما يناظرك عليه، فقال له الشيخ: يا أمير المؤمنين، إن أبي دواد يضوى ويضعف عن المناظرة، فغضب الواثق، وعاد مكان الرقة له غضباً عليه، وقال: أبو عبد الله بن أبي دواد يضوى، ويضعف عن مناظرتك أنت؟! فقال الشيخ: هون عليك يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن تحفظ علي وعليه ما نقول، قال: افعل. فقال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن مقالتك هذه هي مقالة واجبة، داخلة في عقدة الدين، فلا يكون الدين كاملاً حتى يقال فيه بما قلت؟ قال: نعم، قال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن رسول الله ﷺ حين بعثه الله إلى عباده، هل سن رسول الله ﷺ شيئاً مما أمره الله به في أمر دينهم؟ فقال: لا، قال الشيخ: فدعا رسول الله ﷺ الأمة إلى مقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دواد، فقال الشيخ: تكلم،
стр. 9547
فسكت، فقال الشيخ للواثق: يا أمير المؤمنين، واحدة. فقال الواثق: واحدة.
فقال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن الله حين أنزل القرآن على رسول الله ﷺ فقال: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً " كان الله الصادق في إكمال دينه، أو أنه الصادق في نقصانه حتى يقال فيه بمقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دواد، فقال الشيخ: أجب يا أحمد، فلم يجب، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، اثنتان، فقال الواثق: نعم. فقال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن مقالتك هذه، علمها رسول الله ﷺ أم جهلها؟ قال ابن أبي دواد: علمها، قال: فدعا الناس إليها؟ فسكت، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين ثلاث، فقال الواثق ثلاث.
قال الشيخ: يا أحمد، فاتسع لرسول الله ﷺ أن علمها وأمسك عنها كما زعمت، ولم يطالب أمته بها؟ قال: نعم. قال الشيخ: واتسع لأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان وعلي ﵃؟ قال ابن أبي دواد: نعم، فأعرض الشيخ عنه، وأقبل على الواثق، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قدمت القول إن أحمد يضوى ويضعف عن المناظرة، يا أمير المؤمنين، إن لم يتسع لك من الإمساك عن هذه المقالة ما زعم هذا أنه اتسع لرسول الله ﷺ ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي فلا وسع الله على من لم يتسع له ما اتسع لهم - أو قال: فلا وسع الله عليك - فقال الواثق: نعم، إن لم يتسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله ﷺ ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي فلا وسع الله علينا. اقطعوا قيد الشيخ. فلما قطع القيد ضرب الشيخ بيده إلى القيد حتى يأخذه، فجاذبه الحداد عليه، فقال الواثق: دع الشيخ يأخذه، فأخذه في كمه. فقال له الواثق: لم جاذبت الحداد عليه؟ قال: لأني نويت أن أوصي أن يجعل بيني وبين كفني حتى أخاصم به هذا الظالم عند الله يوم القيامة، أقول: يا رب، سل عبدك هذا: لم قيدني، وروع
стр. 9548
أهلي وولدي وإخواني بلا حق أوجب ذلك علي، وبكى الشيخ، وبكى الواثق، وبكينا، وسأله الواثق أن يجعله في حل، فقال: والله لقد جعلتك في حل وسعة من أول يوم إكراماً لرسول الله ﷺ إذ كنت رجلاً من أهله، فقال الواثق: لي إليك حاجة، فقال: إن كانت ممكنة فعلت، فقال الواثق: تقيم عندنا فننتفع بك، وينتفع بك فتياننا، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، إن ردك إلى الموضع الذي أخرجني عنه هذا الظالم أنفع لك من مقامي عندك، وأصير إلى أهلي وولدي أكف دعاءهم عليك، فقد خلفتهم على ذلك، قال الواثق: فتقبل منا صلةً تستعين بها على دهرك، قال: يا أمير المؤمنين، لاتحل لي، أنا عنها غني، وذو مرة، سوي، فقال: سل حاجة، قال: أو تقضيها؟ قال: نعم، قال: يخلى لي السبيل الساعة إلى الثغر، قال: قد أذنت لك، فسلم عليه وخرج. قال المهتدي: فرجعت عن هذه المقالة، وأحسب أن الواثق رجع عنها منذ ذلك الوقت.
وفي حديث آخر بما معناه: وسقط ابن أبي دواد في عينه، ولم يمتحن بعد ذلك أحداً.
لما احتضر الواثق جعل يردد هذين البيتين: البسيط
الموت فيه جميع الخلق مشترك ... لا سوقة منهم يبقى ولا ملك
ما ضر أهل قليل في تفاقرهم ... وليس يغني على الإملاك ما ملكوا
ثم أمر بالبسط، فطويت، وألصق خده بالأرض، وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه، ارحم من قد زال ملكه.
حدث محمد أمير البصرة قال: كنت أحد من مرض الواثق، لما مات، فكنت واقفاً بين يديه مع جماعة إذ لحقته غشية، فما شككنا أنه مات فقال بعضنا لبعض: تقدموا، فاعرفوا خبره، فما جسر أحد منهم يتقدم، فتقدمت أنا. فلما صرت عند رأسه، وأردت أن أضع يدي على
стр. 9549
أنفه أختبر نفسه لحقته إفاقة، ففتح عينيه، فكدت أن أموت فزعاً من أن يراني مشيت في مجلسه إلى غير رتبتي، فرجعت إلى الخلف، وتعلقت قبيعة سيفي بعتبة المجلس، وعثرت به، فاتكأت عليه، فاندق سيفي، وكاد أن يدخل في لحمي ويجرحني، فسلمت وخرجت. فاستدعيت سيفاً ومنطقة فلبستها، وجئت حتى وقفت في مرتبتي ساعة. فتلف الواثق بلا شك، فتقدمت، فسددت لحييه، وغمضته، وسجيته، ووجهته إلى القبلة، وجاء الفراشون فأخذوا ما تحته في المجلس ليردوه إلى الخزائن، لأن جميعه مثبت عليهم، وترك وحده في البيت، وقال لي ابن أبي دواد القاضي: إنا نريد أن نتشاغل بعقد البيعة، ولا بد أن يكون أحدنا يحفظ الميت، فكن أنت ذلك الرجل، وكنت من أخصهم به لأنه أحبني حتى لقبني الواثقي، باسمه، فحزنت عليه، فرددت باب المجلس، وجلست في الصحن عند الباب أحفظه. وكان المجلس في بستان عظيم، فحسست بعد ساعة في البيت بحركة أفزعتني، فدخلت أنظر ما هي، فإذا بجرذون من دواب البستان قد جاء حتى استل عين الواثق فأكلها، فقلت: لا إله إلا الله، هذه العين التي فتحها من ساعة - فاندق سيفي هيبة لها - صارت طعمة لدابة ضعيفة، وجاؤوا فغسلوه، فسألني ابن أبي دواد عن عينه فأخبرته.
وكان الواثق أبيض إلى الصفرة، جسيماً، حسن الوجه، جميلاً، في عينه اليمنى نكتة بياض.
هارون بن معاوية أبي عبيد الله الأشعري
عم معاوية بن أبي صالح حدث عن محمد بن أبي قيس بسنده إلى أبي ليلى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : " تمسكوا بطاعة أئمتكم، لا تخالفوهم، فإن طاعتهم طاعة الله، وإن معصيتهم معصية الله، فإن الله بعثني أدعو إلى سبيله بالحكمة، والموعظة الحسنة، فمن خلفني في ذلك فهو مني وأنا منه.
стр. 9550
هارون بن موسى بن شريك
أبو عبد الله التغلبي المقرئ المعروف بالأخفش حدث عن سلام بن سليمان بسنده إلى ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الروم: " الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوةً ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبةً " برفع الضاد من ضعف في هذا كله.
قال أبو عبد الله الأخفش: دخلت مع مشايخ دمشق أعود أبا مسهر ابن عبد الأعلى بن مسهر الغساني، فسمعته يترنم لهذا البيت: الطويل
يسر الفتى ما كان قدم من تقى ... إذا نزل الداء الذي هو قاتله
ذكر الأخفش أنه مولده سنة مئتين، وتوفي سنة اثنتين وتسعين ومئتين. وقيل: توفي سنة إحدى وتسعين ومئتين.
هارون بن أبي الهيذام
واسم أبي الهيذام محمد بن هارون أبو يزيد العسقلاني مولى آل عثمان بن عفان قيم مسجد الرملة.
حدث عن الحارث بن عبد الله بسنده إلى جابر بن سمرة قال: رأيت أصحاب النبي ﷺ يتناشدون الشعر، ويضحكون ورسول الله ﷺ جالس معهم، يبتسم إليهم.
стр. 9551
هارون بن يزيد الشاري النيسابوري
ابن أخت مخلد بن مالك حدث عن سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي بسنده إلى ابن عمر أن النبي ﷺ كان يدعو: اللهم، عافني في قدرتك، وأدخلني في رحمتك، واقبض أجلي في طاعتك واختم لي بخير عملي، واجعل ثوابه الجنة.
هاشم بن بلال
ويقال: ابن سلال، ويقال: سلام بن أبي سلام، أبو عقيل الحبشي دمشقي.
حدث عن سابق بن ناجية عن أبي سلام قال: رأيت رجلاً في مسجد حمص، فقيل لي: إن هذا قد خدم النبي ﷺ قال: فلقيته، فقلت: حدثني حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ لم يتداوله بينك وبينه الرجال، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من مسلم يقول إذا أصبح ثلاثاً، وثلاثاً إذا أمسى: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً إلا كان حقاً على الله أن يرضيه يوم القيامة.
وعقيل: بفتح العين وكسر القاف. وكان هاشم ثقة.
هاشم بن خالد بن أبي جميل
أبو مسعود القرشي من دمشق.
стр. 9552
حدث عن عمه صالح الأوقص عن أبي جمرة عن ابن عباس قال: لا تكسروا الرمانه من رأسها، فإن فيها دودة يعتري منها الجذام.
قال هاشم بن خالد: سمعت أبا سليمان الداراني يقول لأحمد بن أبي الحواري: خذ ممن جرب، ودع عنك الوصافين.
وقال هاشم: سمعت أبا سليمان يقول: من لا يسأل الله يغضب عليه، فأنا أسأله لعيالي حتى الملح.
وقال هاشم: سمعت أبا سليمان يقول: أيما رجل أم قوماً فسبح بهم أكثر من ثلاث فقد ظلم من خلفه، وإن نقص فقد خانهم. قال: وسمعته يقول: ما أحب أن أجعل بيني وبين القبلة مبتدعاً.
قال: وسمعته يقول: لولا أن الله ﵎ أمر بالتعوذ من الشيطان الرجيم ما تعوذت به أبدا، لأنه لا يقدر لي على ضر ولا نفع.
هاشم بن زايد
ويقال: ابن زيد الدمشقي حدث عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن كل ذي ناب من السباع، وعن الحمر الأهلية، وعن المجثمة، وأن توطأ الحبال من السبي حتى يضعن.
وبه أن رسول الله ﷺ قال: من مس ذكره فليتوضأ. كان هاشم ضعيف الحديث.
стр. 9553
هاشم بن سعيد البعلبكي
والد محمد بن هاشم حدث عن يزيد بن زياد البصري بسنده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه حتى يصيب منها جميعاً، فإن الدنيا بلاغ إلى الآخرة.
هاشم بن عتيبة بن أبي وقاص
مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهري، المعروف بالمرقال قيل: إن له صحبة، ولم يثبت. ولد في عهد رسول الله ﷺ وروى عنه. وروي عنه حديث عن النبي ﷺ . أصيبت عينه يوم اليرموك، وكان مع علي في حروبه في الجمل وصفين. وقتل بصفين.
حدث هاشم عن النبي ﷺ قال: " يظهر المسلمون على جزيرة العرب ".
وورد في موضع آخر أن هشاماً حدث عن أبيه قال: أقبلت نحو النبي ﷺ وهو في جماعة فهبت أن أتقدم، فتقدمت، فسمعته يقول: " يظهر المسلمون على فارس، وتظهر فارس على الروم، ثم يظهر المسلمون على الأعور الدجال ".
وأكثر ما روي هذا الحديث عن نافع بن عتبة أخي هاشم بن عتبة. فإنه روى عن النبي ﷺ أنه قال: "
стр. 9554
تقاتلون جزيرة العرب فيفتح الله، ثم تقاتلون فارس فيفتح الله، ثم تقاتلون الروم فيفتح الله، ثم تقاتلون الدجال فيفتحه الله. " وكان جابر بن سمرة راويه عن نافع يقول: لا يخرج الدجال حتى تخرج الروم.
وهاشم بن عتبة هو القائل: مشطور الرجز
أعور يبغي أهله محلا
قد عالج الحياة حتى ملا
لا بد أن يفل أو يفلا
وكان بالشام، فأمد به عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص في سبعة عشر رجلاً من جند الشام. وفيه يقول عامر بن واثلة: مشطور الرجز
يا هاشم الخيرجزيت الجنه
قاتلت في الله عدو السنه
أفلج بما فزت به من منه
وقطعت رجله يوم صفين قبل أن يقتل، فجعل يقاتل من دنا منه وهو بارك، ويتمثل: مشطور الرجز
الفحل يحمي شوله معقولا
كان هاشم بن عتبة يوم صفين على أربعة آلاف قد شروا بأنفسهم الموت. وكان أعور، وكانت راياتهم سوداً، وكان بإزائهم عمرو بن العاص مع معاوية، وكان هاشم يدب دبيباً، فقال عمرو: إن كان ذا دأب صاحب الرايات السود تفانت العرب اليوم،
стр. 9555
يا وردان دونك رايتي فاجعلها عند باب الله ومحمد - ابني عمرو - فقال معاوية: أشهد لئن نقضت رايتك لينتقضن الصف، فقال: الليث يحمي شبليه، لا خير فيه بعد ابنيه، هما ابناي، ليسا ابنيك. فلما رآه يبطئ السير أتاه عمار بن ياسر فسفع رأسه بالرمح ثم قال: الرجز
أكل يوم لم ترع ولم ترع ... لا خير في أعور جناب الفزع
فقال عمار: من هؤلاء بإزائنا؟ فقالوا: عبد الله ومحمد ابنا عمرو، فخرج إليه عمار، فقال: يا عبد الله بن عمرو، فخرج إليه رجل، فقال: قد أسمعته، فمن أنت؟ قال: أنا عمار بن ياسر، ويحك! ما تقول لله حين تفضي إليه؟! وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ويح لعمار، تقتله الفئة الباغية، فوالله لأقتلن اليوم. قال: أنشدك الله يا عمار أسمعت رسول الله ﷺ حيث جاء عمرو يستعدي علي فقال: إن عبد الله يعصيني، فقال لي رسول الله ﷺ : لا تعص عمراً، فهذا أمر عمرو، وقد أمرني رسول الله ﷺ ألا أعصيه، وأنا أكره الناس لهذا.
ورئي عمرو بن العاص وهو على المنبر من عجل يجر به جراً، مشرف على الناس ينظر إليهم، وهو يقول لابنه عبد الله بن عمرو: يا عبد الله، أقم الصف، قص الشارب، فإن هؤلاء أخطؤوا خطيئة قد بلغت السماء، ثم قال: علي السلاح، فألقي بين يديه مثل الحرة السوداء، ثم قال: خذ يا فلان، عليكم بالدجال هاشم بن عتبة.
قال الأحنف بن قيس: أتى إلي كاتب عمار بن ياسر يؤمئذ، وبيني وبينه رجل من بني السمين فتقدمنا معه، ودنونا من هاشم بن عتبة فقال له عمار: احمل فداك أبي وأمي، ونظر عمار إلى رقة في الميمنة، فقال هاشم: يا عمار، إنك رجل تأخذك خفة في الحرب، وإنما
стр. 9556
أزحف باللواء زحفاً، وأرجو أن أنال بذلك حاجتي، وإني إن خففت لم آمن الهلكة، وقال معاوية لعمرو بن العاص: ويحك يا عمرو! أرى اللواء مع هاشم كأنه يرقل به إرقالاً، وإنه إن زحف به زحفاً إنه لليوم الأطم بأهل الشام. فلم يزل به عمار حتى حمل، فبصر به معاوية، فوجه نحوه حماة أصحابه، ومن يزن بالبأس والشدة إلى ناحيته. وكان ذلك الجمع إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، ومعه يؤمئذ سفيان قد تقلد واحداً، وهو يضرب بالآخر، فأطافت به خيل علي، فقال عمرو: ابني، ابني، فقال له معاوية: اصبر، فإنه لا بأس عليه، فقال عمرو: لو كان يزيد بن معاوية لصبرت، فلم يزل حماة أهل الشام يدعون عنه حتى نجا هارباً على فرسه، هو ومن معه. وقال عمار حين نظر إلى راية عمرو بن العاص: والله إن هذه لراية قاتلها ثلاث عركات، وما هذه بأرشدهن.
حدث أبو إسحاق أن علياً صلى على عمار بن ياسر، وهاشم بن عتبة، فجعل عماراً مما يليه، وهاشماً أمام ذلك، وكبر عليهما تكبيراً واحداً خمساً أو ستاً أو سبعاً. والشك من أشعث بن سوار راويه عن أبي إسحاق. وكانت صفين سنة سبع وثلاثين.
هاشم بن عمرو بن هاشم
أبو عمرو البيروتي حدث عن أبيه بسنده إلى ابن عباس قال: إن السنة مضت من رسول الله ﷺ قال: " إنه أيما عبد خرج من العدو إلينا فهو حر، وإن خرج بعد الصلح فهو عبد. "
стр. 9557
هاشم بن محمد بن أحمد بن إسماعيل
ابن سيار أبو العهد التميمي الشاعر، المعروف بالمتيم من شعره: مجزوء الخفيف
كنت وحدي ومن توحد ما شاء يفعل
فتأهلت والفقير بلاه التأهل
زلة زلها حليم وذو الجهل يجهل
ربما يجهل المغفل من حيث يعقل
ومن شعره: الطويل
بروحي وجسمي من يرائي ببغضتي ... ويضمر إشفاقاً علي كإشفاقي
يسارقني لحظاً ويطرق خفيه ... وأسرق منه اللحظ من تحت إطراقي
فيعرف أسراري وأعرف سره ... فحاجاتنا تقضى وسر الهوى باق
هاشم بن مرثد بن سليمان
ابن عبد الصمد - ويقال: عبد الله - بن عبد ربه بن أيوب ابن مرهوب الطبراني الطيالسي، مولى ابن عباس حدث عن مروان بن صالح بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " تفضل صلاة الرجل في الجماعة على صلاته وحده بخمسة وعشرين جزءاً ".
هاشم المرادي شاعر .
اجتمع الطرماح الطائي وهاشم المرادي ومحمد بن عبد الله الحميري عند معاوية بن
стр. 9558
أبي سفيان فأخرج بدرة، فوضعها بين يديه ثم قال: يا معشر شعراء العرب، قولوا قولكم في علي بن أبي طالب، ولا تقولوا إلا الحق، فأنا نفي من صخر بن حرب إن أعطيت هذه البدرة إلا من قال الحق في علي، فقام الطرماح فوقع في علي، فقال له معاوية: اجلس، فقد علم الله نيتك، ورأى مكانك، ثم قام هاشم المرادي، فوقع فيه أيضاً، فقال له معاوية: اجلس مع صاحبك، فقد عرف الله مكانكما، فقال عمرو بن العاص لمحمد بن عبد الله الحميري - وكان حاضراً -: تكلم، ولا تقولن إلا الحق، ثم قال لمعاوية: قد آليت أنك لا تعطي هذه البدرة إلا قائل الحق في علي بن أبي طالب، قال: نعم، فقام محمد بن عبد الله فتكلم ثم قال: الوافر
بحق محمد قولوا الحق ... فإن الإفك من شيم اللئام
أبعد محمد بأبي وأمي ... رسول الله ذي الشرف التمام
أليس علي أفضل خلق ربي ... وأشرف عند تحصيل الأنام
ولا ينه هي الأيمان حقاً ... فذرني من أباطيل الكلام
وطاعة ربنا فيها وفيها ... شفء للقلوب من السقام
علي إمامنا بأبي وأمي ... أبو الحسن المطهر من أثام
إمام هدى حباه الله علماً ... به عرف الحلال من الحرام
فلو أني قتلت النفس حباً ... له ما كان فيها من غرام
يحل النار قوم أبغضوه ... وإن صلوا وصاموا ألف عام
ولا والله ما تركوا صلاة ... بغير ولاية العدل الإمام
أمير المؤمنين بك اعتمادي ... وبعدك بالأئمة اعتصامي
فهذا القول لي دين وهذا ... إذا أنشدت في ملأ كلامي
فقال معاوية: أنت أصدق القوم قولاً فخذ البدرة.
محمد بن السائب الكلبي وابنه هشام من رواة هذا الحديث كذابان رافضيان.
стр. 9559
هامة بن الهيم بن لاقيس بن إبليس
قيل: إنه من مؤمني الجن، وممن لقي النبي ﷺ ، وذكر أنه لقي نوحاً، وهوداً، وصالحاً، ويعقوب، ويوسف، وإلياس، وموسى بن عمران، وعيسى بن مريم، وأنه شهد قتل هابيل بن آدم، وكان قتله بدمشق على ما ذكر.
حدث عمر بن الخطاب قال: بينا نحن قعود مع رسول الله ﷺ على جبل من جبال تهامة إذ أقبل شيخ بيده عصاً، فسلم على النبي ﷺ ، وقال: نغمة الجن ومشيتهم، من أنت؟ قال: أنا هامة بن الهيم بن لاقيس ابن إبليس، فقال له النبي ﷺ : فما بينك وبين إبليس إلا أبوان، قال: لا، قال: فكم أتى عليك من الدهر؟ قال: قد أفنيت الدنيا وعمرها إلا قليلاً، ثم قال: كنت وأنا غلام ابن أعوام أفهم الكلام وآمر بالآثام، وآمر بإفساد الطعام، وقطيعة الأرحام، فقال رسول الله ﷺ : بئس لعمر الله عمل الشيخ المتوسم، والغلام المتلوم، فقال: زدني من التعداد، إني تائب إلى الله. فإني كنت مع نوح في مسجده مع من آمن به، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى عليهم، وأبكاني، وقال: لا جرم إني على ذلك من النادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، فقلت: يا نوح، إني كنت ممن شرك في دم قابيل وهابيل، فهل تجد لي من توبة؟ قال: يا هامة، نعم، مر بالخير، وافعله قبل الحسرة والندامة، إني قرأت فيما أنزل الله على آدم وعلي أنه ليس من عبد تاب إلى الله بالغاً ذنبه ما بلغ إلا تاب الله عليه، فقم، وتوضأ، واسجد لله سجدتين، ففعلت من ساعتي بما أمرني به، فناداني: ارفع رأسك، فقد نزلت توبتك من السماء، فخررت لله ساجداً حولاً. وكنت مع هود في مسجده مع من آمن به من قومه، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى عليهم، وأبكاني، وقال:
стр. 9560
لا جرم، إني على ذلك من النادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، وكنت مع صالح في مسجده مع من آمن به من قومه، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى عليهم وأبكاني، وقال: لا جرم، إني على ذلك من النادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين. زاد في رواية: وكنت مع إبراهيم خليل الرحمن لما ألقي في النار، فكنت بينه وبين المنجنيق حتى أخرجه الله منه. وكنت زواراً ليعقوب. وكنت مع يوسف بالمكان الأمين، وكنت آلف إلياس في الأدوية، وأنا ألقاه الآن. وإني لقيت موسى بن عمران، فعلمني من التوراة شيئاً، وقال: إني لقيت عيسى بن مريم فأقرئه مني السلام. وإني لقيت عيسى فأقرأته من موسى السلام وقال لي عيسى: إن لقيت محمداً فأقرئه مني السلام، - زاد في رواية: قد بلغت وآمنت بك -.
فأرسل النبي ﷺ عينيه بالبكاء وقال: على عيسى السلام ما دامت الدنيا، وعليك يا هامة لأدائك الأمانة، فقال هامة: يا رسول الله، افعل بي ما فعل موسى، إنه علمني من التوراة شيئاً، فعلمه رسول الله ﷺ سورة " إذا وقعت " و" المرسلات " و" عم يتساءلون " و" إذا الشمس كورت " و" الحمد " والمعوذتين، و" قل هو الله أحد " وقال: ارفع إلينا حوائجك يا هامة، ولا تدع زيارتنا. قال عمر: فقبض رسول الله ﷺ ولم ينعه إلينا، ولست أدري أحي هو أم ميت.
следующие страницы →