← Тараджим

Тараджим · id 3118

مختصر تاريخ دمشق

ابن منظور

Полный текст (10 576 стр.). Показаны 9591–9630 · переход к 9596.

стр. 9591

هشام بن العاص بن وائل ابن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص، أبو مطيع كان يكنى أبا العاص فكناه النبي ﷺ أبا مطيع. أخو عمرو بن العاص، وهو أصغر من عمرو. صحب سيدنا محمد ﷺ وشهد له بالأيمان، وخرج إلى الشام مجاهداً، فقتل يوم أجنادين. وقيل: يوم يرموك. وقد كان دخل دمشق رسولاً من أبي بكر الصديق إلى ملك الروم. قال هشام بن العاص: بعثت أنا ورجل من قريش إلى هرقل صاحب الروم، ندعوه إلى الإسلام، فقدمنا الغوطة - يعني: دمشق - ونزلنا على جبلة بن الأيهم الغساني، فإذا هو على سرير له، فأرسل إلينا برسول نكلمه، فقلنا: لا نكلم رسولاً، إنما بعثنا إلى الملك، فإن أذن لنا كلمناه، وإلا لم نكلم الرسول، فأخبره الرسول بذلك، فأذن لنا، فكلمه هشام ودعاه إلى الإسلام، وعليه ثياب سواد، فقال له هشام: وما هذه التي عليك؟ قال: لبستها، وحلفت ألا أنزعها حتى أخرجكم من الشام، قلنا: ومجلسك هذا، فو الله لنأخذنه منك،

стр. 9592

ولنأخذن ملك الملك الأعظم إن شاء الله، أخبرنا بذلك نبينا ﷺ . قال: لستم بهم، بل هم قوم يصومون بالنهار، ويفطرون بالليل، فكيف صومكم؟ فأخبرناهن فملأ وجهه سواداً، فقال: قوموا، وبعث معنا رسولاً إلى الملك. فخرجنا. فلما كنا قريباً من المينة قال لنا الذي معنا: إن دوابكم هذه لا تدخل مدينة الملك، فإن شئتم حملناكم على براذين وبغال، قلنا: لا والله لا ندخل إلا عليها، فأرسلوا إلى الملك أنهم يأتون، فدخلنا على رواحنا متقلدين سيوفنا حتى انتهينا إلى غرفة له، فأنخنا في أصلها، وهو ينظر إلينا، فقلنا: لا إله إلا الله والله أكبر، والله يعلم لقد تنقضت الغرفة حتى صارت كأنها عذق تصفقه الرياح، وهو على فراش، وعنده بطارقته من الروم، وكل شيء في مجلسه أحمر، وما حوله حمرة، وعليه ثياب من الحمرة، فدنوا منه، فضحك، وقال: ما كان عليكم لو حييتموني بتحيتكم فيما بينكم، وعنده رجل فصيح بالعربية كثير الكلام، فقلنا له: إن تحيتنا فيما بيننا لا تحل عليك، وتحيتك التي تحيا بها لا يحل لنل أن نحييك بها، قال: كيف تحيتكم فيما بينكم؟ فقلنا: السلام عليك، قال: فكيف تحيون ملككم؟ قلنا: بها، قال: وكيف يرد عليكم؟ قلنا: بها، قال: كلامكم؟ قلنا: لا إله إلا الله والله أكبر. فلما تكلمنا بها قال: - والله يعلم لقد تنقضت الغرفة حتى رفع رأسه إليها. قال - فهذه الكلمة التي قلتموها، حيث تنقضت الغرفة كلما قلتموها في بيوتكم تنقض بيوتكم عليكم؟ قلنا: لا، ما رأيناها فعلت هذا قط إلا عندك، قال: لوددت أنكم كلما قلتم ينقض كل شيء عليكم، وأني خرجت من نصف ملكي، قلنا: لم؟ قال: لأنه كان أيسر لشأنها، وألا يكون من أمر النبوة، وأن يكون من خبل الناس. ثم سألنا عما أراد، فأخبرناه، ثم قال: كيف صلاتكم وصومكم؟ فأخبرناه، فقال: قوموا، فقمنا، فأنزلنا بمنزل حسن، ونزل كبير، فأقمنا ثلاثاً. فأرسل إلينا ليلاً، فدخلنا عليه، فاستعاد قولنا، فأعدناه ثم دعا بشيء كهيئة

стр. 9593

الربعة العظيمة مذهبة، فيها بيوت صغار، عليها أبواب، ففتح بيتاً وقفلاً، فاستخرج حريرة سوداء، فنشرها، وإذا فيها صورة حمراء، وإذا فيها رجل ضخم العينين، عظيم الأليتين، لم أر مثل طول عنقه، وليست له لحية، وله ضفيرتان أحسن ما خلق الله، قال: تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا آدم ﵇ وإذا هو أكثر الناس شعراً. ثم فتح لنا باباً آخر، فاستخرج منه حريرة حمراء، وفيها صورة بيضاء، وإذا له شعر كشعر القطط، أحمر العينين، ضخم الهامة، حسن اللحية، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا نوح. ثم فتح باباً آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فيها رجل شديد البياض، حسن العينين، صلب الجبين، طويل الخد، أبيض اللحية، كأنه يبتسم، قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا إبراهيم. ثم فتح باباً آخر، فإذا صورة بيضاء، وإذا والله رسول الله ﷺ قال: أتعرفون هذا؟ قلنا نعم، هذا محمد رسول الله ﷺ وبكينا، قال: والله يعلم إنه قام قائماً ثم جلس، ثم قال: والله إنه لهو، قلنا: نعم لهو، كما ننظر إليه، فأمسك ساعة ينظر إليها ثم قال: أما إنه كان آخر البيوت، ولكني عجلته لكم، لأنظر ما عندكم. ثم فتح باباً آخر فستخرج منه حريرة سوداء، وإذا فيها صورة أدماء سحماء، وإذا رجل جعد، قطط، غائر العينين، حديد النظر، عابس، متراكب الأسنان، مقلص الشفة، كأنه غضبان، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا موسى، وإلى جنبه صورة تشبهه، إلا أنه مدهان الرأس، عريض الجبين، في عينه قبل، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا هارون بن عمران.

стр. 9594

ثم فتح باباً آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل آدم، نشيط، ربعة، كأنه غضبان، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا لوط. ثم فتح باباً آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء فيها صورة رجل أبيض، مشرب حمرة، أقنى، خفيف العارضين، حسن الوجه، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا يعقوب. ثم فتح باباً آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فيها صورة رجل أبيض، حسن الوجه، أقنى الأنف، حسن الهامة، يعلو وجهه نور، يعرف في وجهه الخشوع، يضرب إلى الحمرة، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، فقال: هذا إسماعيل جد نبيكم ﷺ . ثم فتح باباً آخر، فستخرج منه حريرة بيضاء، فيها صورة كأنها صورة آدم، كأن الشمس وجهه، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا يوسف. ثم فتح باباً آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فيها صورة رجل أحمر، أخنس العينين، حمش الساقين، ضخم البطن، ربعة، متقلد سيفاً، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا داود. ثم فتح باباً آخر، فستخرج منه حريرة بيضاء، فبها صورة رجل ضخم الأليتين، طويل الرجلين، راكب فرساً، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا سليمان بن داود. ثم فتح باباً آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء فيها صورة بيضاء، فإذا رجل شاب، شديد سواد اللحية، كثير الشعر، حسن العينين، حسن الوجه، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا ابن مريم.؟ قلنا: لا، قال: هذا لوط. ثم فتح باباً آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء فيها صورة رجل أبيض، مشرب حمرة، أقنى، خفيف العارضين، حسن الوجه، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا يعقوب. ثم فتح باباً آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فيها صورة رجل أبيض، حسن الوجه، أقنى الأنف، حسن الهامة، يعلو وجهه نور، يعرف في وجهه الخشوع، يضرب إلى الحمرة، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، فقال: هذا إسماعيل جد نبيكم ﷺ . ثم فتح باباً آخر، فستخرج منه حريرة بيضاء، فيها صورة كأنها صورة آدم، كأن الشمس وجهه، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا يوسف. ثم فتح باباً آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فيها صورة رجل أحمر، أخنس العينين، حمش الساقين، ضخم البطن، ربعة، متقلد سيفاً، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا داود. ثم فتح باباً آخر، فستخرج منه حريرة بيضاء، فبها صورة رجل ضخم الأليتين، طويل الرجلين، راكب فرساً، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا سليمان بن داود. ثم فتح باباً آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء فيها صورة بيضاء، فإذا رجل شاب، شديد سواد اللحية، كثير الشعر، حسن العينين، حسن الوجه، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا ابن مريم.

стр. 9595

قلنا: من أين لك هذه الصور، لأنا نعلم أنها على ما صورت عليه الأنبياء، لأنا رأينا صورة نبينا مثله، فقال: إن آدم سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده، فأنزل عليه صورهم، وكانت في خزانة آدم عند مغرب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس، فدفعها إلى دانيال. ثم قال لنا: والله إن نفسي طابت بالخروج من ملكي، وأني كنت عبداً - لا يسرهم ملكه - حتى أموت. ثم أجازنا، فأحسن جائزتنا، وسرحنا، فلما أتينا أبا بكر الصديق، حدثناه بما رأينا، وما قال لنا، وما أجازنا، فبكى أبو بكر وقال: مسكين، لو أراد الله به خيراً لفعل. ثم قال: أخبرنا رسول الله ﷺ : إنهم واليهود يجدون نعت محمد ﷺ عندهم. وأم هشام بن العاص أم حرملة بنت هشام بن المغيرة. وكان قديم الإسلام بمكة. وهاجر إلى الحبشة في الهجرة الثانية وقدم مكة حين بلغه مهاجر النبي ﷺ إلى المدينة يريد اللحاق به، فحبسه أبوه وقومه بمكة حتى قدم بعد الخندق على رسول الله ﷺ المدينة، فشهد ما بعد ذلك من المشاهد. وقتل في اليرموك سنة خمس عشرة. وقيل: سنة ثلاث عشرة. وسعيد بضم السين، وفتح العين: سعيد بن سهم، وسهم بن عمرو بن هصيص هو جد السهميين. من ولده عمرو بن العاص، وأخوه هشام. قال عمر بن الخطاب: لما اجتمعنا للهجرة اتعدت وأنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص، وقلنا: الميعاد بيننا التناصب من أضاءة بني غفار، فمن أصبح منكم لم يأتها فقد حبس، فليمض

стр. 9596

صاحباه، فأصبحت عندها أنا وعياش بن أبي ربيعة، وحبس هشام، وفتن فافتتن. وقدمنا المدينة، فكنا نقول: ما الله بقابل من هؤلاء توبة، قوم قد عرفوا الله وآمنوا به وصدقوا برسوله، ثم رجعوا عن ذلك لبلاء أصابهم من الدنيا، وكانوا يقولونه لأنفسهم، فأنزل الله فيهم: " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله " إلى قوله " مثوى للمتكبرين " قال عمر: فكتبتها بيدي كتاباً ثم بعثت بها إلى هشام. قال هشام بن العاص: فلما قدمت علي خرجت بها إلى ذي طوى، فجعلت أصعد فيها وأصوب لأفهمها، فقلت: اللهم، فهمنيها، فعرفت أنما أنزلت فينا لما كنا نقول في أنفسنا، ويقال فينا، فرجعت فجلست على بعيري، فلحقت برسول الله ﷺ . وقتل هشام بأجنادين في ولاية أبي بكر ﵁. كان العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مئة بدنة، وإن هشام بن العاص نحر حصته خمسين بدنة. وإن عمراً سأل النبي ﷺ عن ذلك فقال: أما أبوك - وكان أقر بالتوحيد - فقمت وتصدقت عنه. نفعه ذلك. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ابنا العاص مؤمنان: هشام وعمرو. قال سعيد بن عمرو الهذلي: قدم رسول الله ﷺ مكة يوم الجمعة لعشر ليال بقين من رمضان، فبث السرايا في كل وجه، وأمرهم أن يغيروا على من لم يكن على الإسلام، فخرج هشام بن العاص في مئتين قبل يلملم. وعن علي بن رباح قال: أقبلت الروم يوم دالي في جمع كبير من الروم ونصارى العرب، عليهم نياق

стр. 9597

البطريق، فقال بعض القوم لبعض: إنه قد حضركم جمع عظيم، فإن رأيتم أن تناجزوا إلى نواظر الشام، إلى بيرين وقدس، وتكتبوا إلى أبي بكر فيمدكم، فقال هشام بن العاص إن كنتم تعلمون أنما النصر من عند العزيز الحكيم، فقاتلوا، وإن كنتم تنتظرون نصراً من عند أبي بكر ركبت راحلتي حتى ألق به، فقال بعض القوم: ما ترك لكم هشام بن العاص مقالاً، فقاتلوا، فقتل من المسلمين بشر كثير، وقتل هشام بن العاص، وهزم الله الروم، وقتل نياق البطريق، فمر رجل بهشام بن العاص وهو قتيل، فقال: رحمك الله، هذا الذي كنت تبتغي. قال هشام بن العاص يوم أجنادين: يا معشر المسلمين، إن هؤلاء القلعاء لا صبر لهم على السيف، فاصنعوا كما أصنع، فجعل يدخل وسطهم فيقتل النفر منهم حتى قتل. ورأى من المسلمين بعض النكوص عن العدو، فألقى المغفر عن وجهه وجعل يتقدم في نحر العدو وهو يصيح: يا معشر المسلمين، إلي إلي، أنا هشام بن العاص، أمن الجنة تفرون؟ حتى قتل. ولما انهزمت الروم يوم أجنادين انتهوا إلى موضع لا يعبره إلا إنسان إنسان، فجعلت الروم تقاتل عليه، وقد تقدموا، وعبروه، فتقدم هشام بن العاص، فقاتلهم عليه حتى قتل، ووقع على تلك الثلمة فسدها. فلما انتهى المسلمون إليها هابوا أن يوطئوه الخيل، فقال عمرو بن العاص: أيها الناس، إن الله قد استشهده، ورفع روحه، وإنما هو جثة، فأوطئوه الخيل، ثم أوطأه هو وتبعه الناس حتى قطعوه. فلما انتهت الهزيمة، ورجع المسلمون إلى العسكر كر عمرو بن العاص، فجمع لحمه وأعضاءه وعظامه، وحمله في نطع فواراه. ولما بلغ عمر بن الخطاب قتله قال: ﵀، فنعم العون كان للإسلام.

стр. 9598

قال أبو الجهم بن حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عمي ومعي شنة من ماء، فقلت: إن كان به رماق سقيته من الماء ومسحت به وجهه، فإذا أنا به ينشغ، فقلت: أسقيك؟ فأشار أي نعم، فإذا رجل يقول: آه، فأشار ابن عمي أن انطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فأتيته فقلت: أسقيك؟ قال: نعم، فسمع آخر يقول: آه، فأشار هشام أن انطلق إليه، فجئته فإذا هو قد مات، ثم رجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، ثم أتيت ابن عمي فإذا هو قد مات. قال عمرو بن شعيب: علق عمرو يوم اليرموك سبعين سيفاً بعمود فسطاطه قتلوا من بني سهم. دخل عمرو إلى الطواف، فتكلم فيه نفر من قريش، فقال لهم: ما قلتم؟ قالوا: تكلمنا فيك وفي أخيك هشام: أيكما أفضل، فقال: أفرغ من طوافي وأخبركم. فلما انصرف من طوافه قال: أخبركم عني وعنه: بيننا خصال ثلاث: أمه بنت هشام بن المغيرة، وأمي أمي، وكان أحب إلى أبيه مني، وفراسة الوالد في ولده فراسته، واستبقنا إلى الله فسبقني. وفي رواية: فبات وبت يسأل الله، وأسأله إياها، فلما أصبحنا رزقها وحرمتها، ففي ذلك يبين فضله علي. ٤٦ -

стр. 9599

هشام بن عبد الله الكناني روى عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ عن جبريل عن ربه قال: " من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، ما ترددت عن شيء أنا فاعله ما ترددت في قبض نفس مؤمن يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه. ومن عبادي المؤمنين من يريد باباً من العبادة فأكف عنها، لئلا يدخله عجب فيفسده ذلك. وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتنفل حتى أحبه، ومن أحببته كنت له سمعاً وبصراً ويداً ومؤيداً، دعاني فأحببته، وسألني فأعطيته، ونصح لي فنصحت له. وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك. وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، وإن بسطت يده أفسده ذلك. وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، ولو أسقمته لأفسده ذلك. وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا السقم، ولو أصححته لأفسده ذلك. إني أدبر عبادي بعلمي بقلوبهم، إني عليم خبير "؟؟. هشام بن عبد الله بن هشام أبو الوليد الخولاني قاضي داريا حدث عن أبي علي الحسن بن حبيب بن عبد الملك بسنده إلى أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا بال أحدكم فلا يأخذ ذكره بيمينه. ولا يتنفسن في الإناء ".

стр. 9600

هشام بن عبيد الله الدمشقي ويقال: ابن عبد الله - بن سلمى، أبو الوليد الكلبي، ويقال: الكلابي الدمشقي حدث عن أبي خليد عتبة بن حماد بسنده إلى عائشة قالت: " لم أر رسول الله ﷺ يصوم شيئاً من السنة أكثر من صيامه في شعبان. كان يصومه كله. وحدث عنه بسنده إلى أبي أيوب الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا بال أحدكم فلا يستقبل القبلة بفرجه، ولا يستدبرها. قال أبو أيوب الأنصاري: فأتينا الشام فوجدنا مرايض قد بنيت على القبلة، ونحن ننحرف ونستغفر الله. هشام بن عبد الملك بن مروان ابن الحكم، أبو الوليد الأموي بويع له بالخلافة بعد أخيه يزيد بن عبد الملك بعهد منه. وداره بدمشق الدار المعروفة بالقبابين عند باب الخواصين التي بعضها اليوم مدرسة الملك العادل نور الدين رحمه الله تعالى. قال الزهري: قال لي هشام: أبلغك أن رسول الله ﷺ أمر منادياً فينادي: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة؟ قال: قلت: نعم. وذلك قبل أن تنزل الفرائض.

стр. 9601

كان يزيد بن عبد الملك استخلف هشام بن عبد الملك وجعل ابنه الوليد بن يزيد ولي عهده، وأخذ على هشام العهد ألا يغيره عن ولاية عهده. وعلى هشام بن عبد الملك خرج زيد بن علي بالكوفة، وهشام هو الرابع - من ولد عبد الملك بن مروان لصلبه الذين كانوا خلفاء. وكان هشام يجمع المال، ويوصف بالحزم ويبخل، وهشام الذي حفر الهني وعمله، وكان قد اتخذ طرازاً، له قدر، واستكثر منه حتى كان يحمل ما أثر فيه من طرازه على تسع مئة جمل، وحمله على ذلك أن عمر بن عبد العزيز لما أتي بثياب سليمان بن عبد الملك ومتاعه لم يعرض لما قطع من الثياب وأثر فيه، فرأى هشام أنه إمام عدل، وأن من يأتي من أهل العدل يقتدى به، فجعل يتخذ المتاع للجند، ويؤثر فيه، ويلبسه ثم يدخره لولده، وكان يستجيده ويثمن فيه. وأم هشام بن عبد الملك فاطمة بنت هشام بن إسماعيل المخزومي. واستخلف هشام سنة خمس ومئة. وأتته الخلافة وهو بالزيتونة في منزله، فجاءه البريد بالعصا والخاتم، وسلم عليه بالخلافة، فركب من الرصافة إلى دمشق وهو ابن أربع وثلاثين سنة. ومات بالرصافة سنة خمس وعشرين ومئة، وهو ابن أربع وخمسين سنة، وكانت ولايته تسع عشرة سنة وسبعة أشهر وعشر ليال. وكان هشام جميلاً، أبيض، مسمناً، أحول، يخضب بالسواد. كان عبد الملك رأى في منامه أنه بال في المحراب أربع مرات، فدس من يسأل سعيد بن المسيب عنها - وكان سعيد يعبر الرؤيا، وعظمت على عبد الملك - فقال سعيد: يملك من ولده لصلبه أربعة، فكان هشام آخرهم. ولهشام يقول الوليد بن يزيد: هلك الأحوال المشو ... م فقد أرسل المطر

стр. 9602

قال محمد بن النحاس: كان لا يدخل بيت مال هشام مال حتى يسهد أربعون قسامة، لقد أخذ من حقه، ولقد أعطى كل ذي حق حقه. شتم هشام بن عبد الملك رجلاً من أشراف الناس يوماً وهو مغضب، فوبخه الرجل، فقال له: أما تستحي أن تشتمني وأنت خليفة الله في الأرض؟ فاستحيا منه، فقال له: اقتص مني، قال: إذاً أنا سفيه مثلك، قال: فخذ من ذلك عوضاُ من المال، قال: ما كنت لأفعل، قال: فهبها لله، قال: هي لله، ثم هي لك، قال: فنكس هشام رأسه، وقال: والله لا أعود أبداً إلى مثلها. قال سحبل بن محمد: ما رأيت أحداً من الخلفاء أكره إليه الدماء، ولا أشد عليه من هشام بن عبد الملك، ولقد دخله من مقتل زيد بن علي ويحيى بن زيد أمر شديد، وقال: وددت أني كنت أفتديتهما. ولقد ثقل عليه خروج زيد بن علي، فما كان شيء حتى أتي برأسه، وصلب بدنه بالكوفة. وولي ذلك يوسف بن عمر في خلافة هشام. ولما ظهر ولد العباس عمد عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس إلى هشام بن عبد الملك فأمر به، فأخرج من قبره، وصلبه، وقال: هذا بما فعل بزيد بن علي، وقيل: أحرقه. قعد هشام بن عبد الملك يوماً قريباً من حائط له، فيه زيتون، ومعه عثمان بن حيان المري، وهو يكلمه، إذ سمع هشام نفض الزيتون، فقال هشام لرجل: انطلق إليهم، فقل لهم: التقطوه لقطاً، ولا تنفضوه نفضاً، فتفقأ عيونه، وتكسر غصونه. وكان هشام بن عبد الملك يقول: ثلاث لا يضعن الشريف: تعاهد الصنيعة، وإصلاح المعيشة، وطلب الحق وإن قل.

стр. 9603

قال خالد بن صفوان: قدمت على هشام بن عبد الملك، فوجدته في بركة ماء، وفي البركة كراسي عليها أصحابه جلوس، عليهم المناديل، فأمر بثيابي فنزعت، وأعطيت منديلاً، فجلست على كرسي، فقال لي: يا خالد رب خالد قد جلس مجلسك هو أشهى إلي حديثاً، وأحب إلي قرباً منك، فعلمت أنه يريد خالداً القسري، فقلت: ما يمنعك من إعادته يا أمير المؤمنين؟ قال: إنه أدل فأمل، وأوجف فأعجف، ولم يدع لذي رجعة مرجعاً، ولا إلى عودة مطمعاً. ألا أخبرك عنه يا خالد؟ ما سألني حاجة قط حتى أكون أنا الذي أعرضها عليه، قال: قلت: ذاك أحرى أن تعيده يا أمير المؤمنين، قال: كلا: إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل ثم قلت: يا أمير المؤمنين، زدني في عطائي خمسة دنانير، قال: ولم يا خالد؟ أحديث عبادة؟ أم فتحت لأمير المؤمنين فتحاً؟ قلت: لا، قال: إذاً تكثر السؤال، ولا يستطيع ذلك بيت المال، قال: قلت: يا أمير المؤمنين، إن ابن أبي جمعة يقول: إذا المال لم يوجب عليك عطاءه ... حقيقة تقوى أو خليل تخالقه منعت وبعض المنع حزم وقوة ... ولم يفتلتك المال إلا حقائقه فقال: هو ذاك. فقيل لخالد: لم زينت له البخل؟ قال: ليقع المنع، فتكثر اللوام. قال هشام: ما بقي علي شيء من لذات الدنيا إلا وقد نلته، وما أتمنى إلا شيئاً واحداً: أخ أرفع مؤنة التحفظ فيما بيني وبينه.

стр. 9604

خرجت جارية لهشام بن عبد الملك، وعليها درع من لؤلؤ، فتحرش بها الأبرش الكلبي، قال: أتهبين لي هذا الدرع؟ فقالت: لأنت أطمع من أشعب، فقال هشام: وما أشعب؟ فجعلت تذكر له طرائف من طرائفه، فقال للكاتب: اكتب إلى المدينة: يرفع أشعب إلينا، فإن فيه ملهى، فكتب الكتاب، فلما قرأه هشام شقه، فقال الأبرش: مالك يا أمير المؤمنين؟ قال: استحييت أن يرد كتابي على أهل المدينة - دار الهجرة والسنة وأبناء المهاجرين والأنصار - يرفع إلي من عندهم مضحك، ثم أنشأ يقول: إذا أنت طاوعت الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال ويقال: إنه لم يقل من الشعر غير هذا البيت. قال منذر بن أبي ثور: أصبنا في خزائن هشام بن عبد الملك اثني عشر ألف قميص، كلها قد أثر بها. كتب هشام بن عبد الملك إلى أبيه عبد الملك: يا أمير المؤمنين، إنه قد حدثت في ابنك خصال ثلاث: يصعد المنبر فلا يستطيع الخطبة، وتوضع المائدة بين يديه فلا ينال منها إلا اليسير، وفي قصره مئة جارية لا يكاد يصل إلى كبير شيء منهن. فكتب إليه عبد الملك: أما قولك: إنك تصعد المنبر فلا تستطيع الخطبة، فإذا صعدت فارم بطرفك إلى مواخر الناس، فإنه يهون عليك من بين يديك. وأما قولك في الطعام فمر أن يستكثر من الألوان، فإنه لا يعدمك من كل لون لقمة. وأما قولك في الجواري فعليك بكل بيضاء بضة " ذات جمال " وحسن. قال أبو المليح: كنا قعوداً ومعنا صالح بن مسمار، فقالوا: سبق هشام، فقال: إنه والله ما سبق،

стр. 9605

ولكنه سبق، ولقد أجرى في غير ما أمر به، فقال بعضهم والله ما نشتهي أن يروى هذا عنا، قال: أبعدكم الله، والله لوددت أن الناس كلهم مثلي حتى نأتيه فنقول: اعدل في هذه الأمة، وإلا فاعتزل حتى يأتي من هو أولى بهذا المجلس منك. وكان هشام يفرح إذا سبق بالخيل فرحاً شديداً. قدم شاعر على هشام فأنشده: رجاؤك أنساني تذكر إخوتي ... ومالك أنساني بحرسين ماليا فقال هشام: ذلك أحمق لك. قال المسور بن مخرمة: قال عمر بن الخطاب لعبد الرحمن بن عوف: ألم يكن فيما تقرأ: قاتلوا في الله في آخر مرة، كما قاتلتم فيه أول مرة؟ قال: متى ذاك؟ قال: إذا كانت بنو أمية الأمراء، وبنو مخزوم الوزراء. لما بنى هشام بن عبد الملك الرصافة قال: أحب أن أخلو يوماً لا يأتيني فيه خبر غم،

стр. 9606

فما انتصف النهار حتى أتته ريشة دم من بعض الثغور، فأوصلت إليه، فقال: ولا يوماً واحداً؟! قال الهيثم: كان هشام بن عبد الملك جباراً، فأمر أن يفرش له في قصر بين شجر وكروم، وصور من النبت، ففرش بأفخر الفرش، وأحضر ندماءه، وأمر الحجاب بحفظ الأبواب، فبينا هو جالس إذا أقبل رجل جهير الصوت، جميل، كأن الشمس تطلع من ثيابه، فشخص هشام ينظر إليه متعجباً من هيئته، فألقى إليه صحيفته، ثم ذهب، فلم ير، فإذا فيها: بئس الزاد إلى المعاد، العدوان على العباد. فأحضر الحجاب فسألهم عن الرجل، فقالوا: ما رأينا أحداً، فصرف ندماءه، وقال: تكدر علينا هذا اليوم، ولم يمض عليه بعد ذلك شهر حتى مات. قال عمر بن علي: مشيت مع محمد بن علي إلى داره، فقلت له: إنه قد طال ملك هشام وسلطانه، وقد قرب من العشرين، وقد زعم الناس أن سليمان سأل ربه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فزعم الناس أنها العشرون، فقال: ما أدري ما أحاديث الناس، ولكن أبي حدثني عن أبيه عن علي عن النبي ﷺ قال: " لن يعمر الله ملكاً في أمة نبي مضى قبله ما بلغ بذلك النبي من العمر في أمته. فإن الله عمر نبيه ﷺ ثلاث عشرة بمكة وعشراً بالمدينة ". قال عبد الله بن الزبير: إنه سمع علياً يقول: هلاك بني أمية على رجل، الأحول منهم. قال مسلم بن إبراهيم: يعني: هشاماً.

стр. 9607

قال سالم كاتب هشام بن عبد الملك: خرج علينا هشام يوماً، هادلاً عنقه، مرخياً عنان دابته، مسترخية ثيابه عليه، فسار قليلاً، ثم إنه انتبه، فجذب عنان برذونه، وسوى عليه ثيابه ثم قال للربيع - وكان على حرسه -: ادع لي الأبرش بن الوليد، فأقبل عليه الأبرش، فقال: يا أمير المؤمنين، لقد رأيت اليوم منك شيئاً، قال: وما هو؟ فأخبره بحاله التي خرج عليهم فيها، قال: ويحك يا أبرش! كيف لا أكون بذلك، وزعم أهل العلم بالنجوم أني أموت إلى ثلاثة وثلاثين يوماً من يومي هذا؟ فكتبت: ذكر أمير المؤمنين أنه مسافر إلى ثلاثة وثلاثين يوماً من يومي هذا وأدرجت الكتاب، وختمته. فلما كان في الليلة التي صبيحتها ثلاثة وثلاثون يوماً أتاني خادم، فقال: أدرك أمير المؤمنين، وائت بالدواء معك - وكان دواء الذبحة، يكون معه - فذهبت بالدواء إليه، فجعل يتغرغر به، وما يسكن عنه ما يجد، حتى مضى من الليل شيء، ثم قال: انصرف، ودع الدواء عندي، فقد وجدت بعض الراحة، فانصرفت إلى منزلي، فلم أنم حتى سمعت الصراخ عليه. قال هشام يوماً، وهو يسير في موكبه: يا لك دنيا! ما أحسنك! لولا أنك ميراث لآخرك، وآخرك كأولك. فلما حضرته الوفاة نظر إلى ولده يبكون حوله، فقال: جاد لكم هشام بالدنيا، وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما جمع، وتركتم عليه ما كسب، ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له! كان نقش خاتم هشام: الحكم للحكم الحكيم. حبس هشام بن عبد الملك عياض بن مسلم كاتب الوليد بن يزيد، وضربه، وألبسه المسوح. فلم يزل محبوساً حتى مات هشام. فلما ثقل هشام وصار في حد لا يرجى لمن كان مثله في الحياة رهقته غشية، وظنوا أنه مات، فأرسل عياض بن مسلم إلى الخزان أن احتفظوا بما في أيديكم، ولا يصلن أحد إلى شيء، وأفاق هشام من غشيته، فطلبوا من

стр. 9608

الخزان شيئاً، فمنعوهم، فقال هشام: إنا كنا خزاناً للوليد. ومات هشام من ساعته فخرج عياض من الحبس، فختم الأبواب والخزائن، وأمر بهشام فأنزل عن فراشه، ومنعهم أن يكفنوه من الخزائن، فكفنه غالب مولى هشام. ولم يجدوا قمقماً يسخن فيه الماء حتى استعاروه، فقال الناس: إن في هذا لعبرة لمن اعتبر. مر أعرابي بقبر هشام، وخادم له قائم عليه يقول: يا أمير المؤمنين، فعل بنا بعدك كذا وكذا. فقال له الأعرابي: إيه، لو نشر لأخبرك أنه لقي أشد مما لقيتم. كان مكحول يقول: اللهم، لا تبقني بعد هشام. وكان هلاك معاوية سنة ستين، وهلاك هشام سنة خمس وعشرين ومئة. وعن عبد الرحمن قال: قال رسول الله ﷺ : " ترفع زينة الدنيا سنة خمس وعشرين ومئة. " قال اسحاق بن البهلول: قلت لابن أبي فديك: ما معناه؟ قال: زينتها: نور الإسلام وبهجته. وفي آخر بمثله يعني بالزينة: الرجال. مات هشام من ورم أخذه في حلقه، يقال له الحرذون، بالرصافة - رصافة هشام - وعمره إحدى وستون سنة. وقيل: ثلاث وخمسون سنة. وصلى عليه الوليد بن يزيد. وقيل: صلى عليه مسلمة بن هشام. هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة أبو الوليد السلمي الظفري خطيب دمشق، ومقرئ أهلها. أحد المكثرين الثقات.

стр. 9609

حدث عن مالك بن أنس عن الزهري عن أنس ابن مالك، أن رسول الله ﷺ دخل مكة يوم الفتح وكان على رأسه المغفر. ولد هشام بن عمار سنة ثلاث وخمسين ومئة. وكان هشام يحرك الزبل كل يوم بأربعة دوانيق، فيشتري بها ورقاً، ويكتب الحديث. وقد رويت هذه الحكاية عن هشام بن خالد. قال: وهي به أشبه. قال هشام بن عمار: باع أبي عمار بيتاً له بعشرين ديناراً، وجهزني للحج. فلما صرت إلى المدينة أتيت مجلس مالك بن أنس، ومعي مسائل أريد أن أسأله عنها، فأتيته وهو جالس في هيئة الملوك، وغلمان قيام، والناس يسألونه، وهو يجيبهم. فلما انقضى المجلس قال بعض أصحاب الحديث: سل عما معك، فقلت له: يا أبا عبد الله، ما تقول في كذا وكذا؟ فقال: حصلنا على الصبيان! يا غلام، احمله، فحملني كما حمل الصبي، وأنا يومئذ غلام مدرك، فضربني بدرة مثل درة المعلمين سبع عشرة درة، فوقفت أبكي، فقال لي مالك: ما يبكيك؟ أوجعتك هذه؟ قلت: إن أبي باع منزله، ووجه بي أتشرف بك، وبالسماع منك فضربتني، فقال: اكتب، فحدثني سبعة عشر حديثاً، وسألته عما كان معي من المسائل فأجابني، ﵀. وفي آخر بمعناه: قلت له: زدني من الضرب، وزد في الحديث، فضحك مالك وقال: اذهب. وفي آخر بمعناه قال: جئت إلى منزله، فإذا هو شديد الاحتجاب، فلقيته في الطريق، فقلت: يا أبا عبد الله، أنا غلام من أصحاب الحديث، إن رأيت أن تأمر لي بشيء أكتبه عنك، فقال لي: وحديث رسول الله ﷺ يكتب على الطريق؟! وأمر بضربي. الحديث.

стр. 9610

كان هشام بن عمار إذا مشى أطرق إلى الأرض، لا يرفع رأسه إلى السماء حياء من الله . قال هشام بن عمر: الخلفاء الراشدون المهديون خمسة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز. قال عبدان: كنا لا نصلي خلف هدبة من طول صلاته، يسبح في الركوع والسجود نيفاً وثلاثين تسبيحة، وكان من أشبه خلق الله بهشام بن عمار: لحيته، ووجهه، وكل شيء منه حتى صلاته. قال عبدان: كان هشام بن عمار يخطب على المنبر يوم الجمعة، فقلت له يوماً: يا أبا الوليد، خطبتك هذه لا تشبه سائر خطبك في سائر الأيام، تلك كانت أبلغ. قال: اسكت يا صبي، ما أعدت خطبة منذ عشرين سنة. قال هشام يوماً في خطبته: قولوا الحق ينزلكم الحق منازل أهل الحق يوم لا يقضى إلا بالحق. كان هشام بن عمار ثقة، صدوقاً، كبير المحل، وكان يأخذ عن الحديث، ولا يحدث ما لم يأخذ. قال هشام بن عمار: سألت الله سبع حوائج، فقضى لي منها ستاً، والواحدة ما أدري ما صنع فيها: سألته أن يغفر لي ولوالدي، وهي التي لا أدري ما صنع فيها. وسألته أن يرزقني الحج ففعل. وسألته أن يعمرني مئة سنة ففعل، وسألته أن يجعلني مصدقاً على

стр. 9611

رسول الله ﷺ ففعل، وسألته أن يجعل الناس يغدون إلي في طلب العلم ففعل، وسألته أن أخطب على منبر دمشق ففعل، وسألته أن يرزقني ألف دينار حلالاً ففعل. فقيل له: كل شيء قد عرفناه فألف دينار حلال، من أين لك؟ قال: وجه المتوكل ببعض ولده ليكتب عني لما خرج إلينا، ونحن نلبس الأزر، ولا نلبس السراويلات، فجلست، فانكشف ذكري، فرآه الغلام، قال: استتر يا عم، قلت: رأيته؟ قال: نعم، فقلت له: أما إنه لا ترمد عينك أبداً إن شاء الله ز فلما دخل على المتوكل ضحك، فسأله، فأخبره بما قلت، فقال: فأل حسن تفاءل لك به رجل من أهل العلم. احملوا إليه ألف دينار، فحملت إلي، فأتتني من غير مسألة، ولا استشراف نفس. قال أبو علي صالح بن محمد الحافظ: كنت عند هشام بن عمار بدمشق إذ جاءه رجل، فقال: ممن أنت؟ قال: من بني مجداف، قال: ثم من بني من؟ قال: ثم من بني سكان، قال: ثم من بني من؟ قال: من بني دقل، فقال هشام: لا أعرف هذا النسب في العرب، فضحكت. فقال هشام: مم تضحك؟ فقال: إنما هذا رجل جاء يطنز بك، فقال هشام: ما أشركم يا أهل العراق. قال أبو علي: وجاءه رجل، وقال هشام: مم أنت؟ قال: من بني لازب، فقال هشام٠ لا أعرف بني لازب في العرب، ثم قال لي: تعرف بني لازب؟ قلت: إنما يسند إلى قول الله " من طين لازب ". فضحك هشام. قال أبو بكر أحمد بن المعلى: رأيت هشام بن عمار في النوم، والمشايخ متوافرون، سليمان بن عبد الرحمن وغيره، وهو يكنس المسجد، فماتوا، وبقي هو آخرهم.

стр. 9612

توفي هشام سنة خمس وأربعين ومئتين، وهو ابن اثنتين وتسعين سنة. هشام بن الغاز بن ربيعة أبو العباس ويقال: أبو عبد الله - الجرشي دمشقي. حدث عن نافع ابن عمر، أن رسول الله ﷺ وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فيها، فقال للناس: أي يوم هذا؟ قالوا: هذا يوم النحر، قال: فأي بلد هذا؟ قالوا: هذا البلد بلد حرام، قال: فأي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام، قال: هذا يوم الحج الأكبر، دماؤكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام كحرمة هذا البلد في هذا اليوم، ثم قال: هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: فطفق رسول الله ﷺ يقول: اللهم، اشهد، ثم ودع الناس، فقالوا: هذه حجة الوداع. وحدث هشام بن الغاز عن نافع عن ابن عمر، أنه أقرع لابنه أبي عبيد وهي امرأته، فسار مسيرة ليلتين في ليلة. فلما غربت الشمس قلنا: الصلاة، أصلحك الله، فسكت، فتركناه، وقلنا: هو أعلم. فلما اشتبكت النجوم نزل فصلى المغرب، ثم توضأ فصلى العشاء الآخرة، ثم ركب، فقال: دعوتموني إلى صلاة المغرب، وإني سرت كما سار رسول الله ﷺ ، وصليت كما صلى. قال هشام بن الغاز: كنت جالساً مع مكحول في مسجد دمشق، وسليمان بن موسى في ناس ناحية، فسئل سليمان: أتقتل النصرانية المسلمة؟ فقال: لا، فقال بعض جلسائه: بلى، فالتفت إلى مكحول فقال: ألا تسمع ما يقول هؤلاء؟ يقولون: إن النصرانية تقتل المسلمة، فما

стр. 9613

تقول؟ فالتفت إلي مكحول وقال: إنه لأحمق، يسألني: تقتل النصرانية المسلمة؟ وأم القسري نصرانية، وأم نمير نصرانية! والغاز: بالزاي. والجرشي: بضم الجيم، وفتح الراء، وكسر الشين المعجمة. وكان هشام ثقة، صالح الحديث، من خيار الناس. توفي سنة ثلاث وخمسين ومئة. وقيل: سنة تسع وخمسين. وقيل: سنة ست وخمسين. وكان على بيت مال أبي جعفر. هشام بن محمد بن أحمد بن علي ابن هشام، أبو محمد التيملي الكوفي الحافظ حدث عن أبي الطيب محمد بن الحسين التيملي البزاز بسنده إلى علي قال: قال رسول الله ﷺ : " اغتنموا دعاء ضعفاء أمتي، فإنه يستجاب لهم فيكم، ولا يستجاب لهم في أنفسهم ". وحدث عن أحمد بن محمد بن حماد الواعظ بسنده إلى عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " إن من الشعر حكماً، وأصدق بيت تكلمت به العرب ": ألا كل شيء ما خلا الله باطل توفي هشام بن محمد سنة اثنتين وأربع مئة. وجرحه قوم.

стр. 9614

هشام بن محمد بن جعفر بن هشام ابن عبد ربه بن زيد بن خالد بن قيس أبو عبد الملك الكندي، وقيل: أبو الوليد أخو جعفر المعروف بابن بنت عدبس الدمشقي. حدث عن أبي عمرو عثمان بن خرزا بسنده إلى أبي جحيفة قال: سمعت النبي ﷺ يخطب وهو يقول: لا يزال أمر أمتي صالحا حتى يمضي اثنا عشر خليفة. كلهم من قريش. وعدبس، بفتح العين والدال وتشديد الباء المعجمة بواحدة هو جعفر بن محمد يعرف بابن بنت عدبس، وأخوه هشام بن محمد بن جعفر بن هشام. هشام بن مصاد بن زياد أبو زياد الكلبي ثم العليمي أخو معاوية وعبد الرحمن ويزيد بني مصاد. من فرسان كلب. قال هشام بن مصاد: كنت جالسا مع عمر بن عبد العزيز نتحدث إذ بكى عمر، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما يبكيك؟ قال: يا هشام، إن في الجسد مضغة إليها يأوي خيره وشره، فأصلحوا قلوبكم تصلحوا، فإنه لا عمل لمن لا نية له، ولا آخر لمن لا خشية له، وإن أيمن أحدكم وأشأمه لسانه، فمن حفظ لسانه أراح نفسه، وسلم المسلمون منه. وإن أقواما صحبوا سلطانهم بغير ماحق عليهم فعاشوا بخلاقهم، وأكلوا بألسنتهم، وخلفوا الأمة بالمكر والخيانة

стр. 9615

والخديعة. ألا وكل ذلك في النار. ألا فلا يقربنا من أولئك أحد ولاسيما خالد بن عبد الله، وعبد الله بن الأهتم، فإنهما رجلان بينان وبعض البيان يشبه السحر. ألا وإن كل راع مسؤول عن رعيته، وكلأ وزير مأخوذ بجنايته، ومعروض عليه قوله، لا إقالة له فيه، فمن صحبنا بخمس، فأبلغنا حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ودلنا على ما لاهتدى له من العدل، وأعاننا على الخير، وترك مالا يعنيه، وأدى الأمانة التي حملها منا ومن جماعة المسلمين فحيهلا به، ومن كان على غير ذلك ففي غير حل من صحبتنا، والدخول علينا. ثم جاء مزاحم فقال: يا أمير المؤمنين، هذا محمد بن كعب بالباب، قال: أدخله. فلما دخل - وعمر يمسح عينيه من الدموع - قال: ما الذي أبكاك يا أمير المؤمنين؟ قال هشام: فأخبرته الحديث، فقال محمد: يا أمير المؤمنين، إنما الدنيا سوق من الأسواق، فمنها خرج الناس بما ضرهم، ومنها خرجوا بما نفعهم، وكم من قوم قد غرهم مثل الذي أصبحنا فيه حتى أتاهم الموت، فاستوعبهم، فخرجوا منها ملومين، لم يأخذوا منها لما أحبوا من الآخرة عدة، ولا لما كرهوا جنة، واقتسم ما جمعوا من لا يحمدهم، وصاروا إلى من لا يعذرهم، فنحن محقوقون أن ننظر إلى تلك الأعمال التي نغبطهم بها أن نخلفهم فيها، وأن ننظر إلى تلك الأعمال التي نتخوف عليهم منها أن نكف عنها، فاتق الله يا أمير المؤمنين، واجعل عقلك في شيئين: انظر الذي يجب أن يكون معك إذا قدمت على ربك فابتغ به البدل حيث يوجد البدل، ولا تذهبن إلى سلعة قد بارت على من كان قبلك ترجو أن تجوز عنك، فاتق الله يا أمير المؤمنين، وافتح الأبواب، وسهل الحجاب، وانصر المظلوم، ورد المظالم. ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان بالله : من إذا رضي لم يدخل رضاه في الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له. هشام بن مطيع الدمشقي أحد شيوخ الصوفية. كان أحسن خلق الله كلاماً. نظر يوما إلى رجل، يساوم بغلام جميل ليشتريه، فقام ينظر حتى قطع أمره مع صاحبه، وهم أن يزن له، فجلس إلى جانبه، فقال: يا أخي، إني ما عرفتك، ولا عرفتني، ولا كلمتك، ولا كلمتني،

стр. 9616

وقد رأيتك على أمر لم يسعني فيك إلا تسديدك، وبذل النصيحة لك، فإنه أول ما يجب للمسلم على أخيه النصيحة إذا رآه على حالة لا يرضاها، وقد رأيتك تنظر إلى هذا الغلام نظرا، لا ينظر مؤمن إلى مثله إلا من غفلة اشتغل بها عن طاعة ربه، ثم رأيتك وأنت تريد أن تزن فيه مالاً لا أدري ما أقول فيه: أحلال هو أم حرام، فلئن كان حراماً فحقيق على مثلك ألا يجمع على نفسه أمرين، وإن كان حلالاً فينبغي أن تضعه في موضع يشبع الحلال. واعلم أنه لم يصب المؤمن بمصيبة، ولا بلي ببلية أعظم عليه من نكتة تسكن في قلبه، فينقطع بها عن طاعة ربه . هشام بن يحيى بن يحيى بن قيس أبو الوليد - ويقال: أبو عثمان - الغساني حدث عن أبيه عن عمرة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : القطع من ربع دينار فصاعداً. وحدث عن عروة بن رويم بسنده إلى عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : من كان وصلةً لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في مبلغ بر أو تيسير عسرة أعانه الله على إجازة الصراط يوم القيامة عند دحض الأقدام. وفي رواية: ثبت الله قدمه يوم القيامة عند دحض الأقدام. وحدث عن أبيه قال: سمعته يقول: لا تحزنوا ابني، فقد بلغني أن الفرحة تشب الصبي.

стр. 9617

قال إبراهيم بن هشام: أقبل رجل إلى أبي هشام بن يحيى فقال: اكتب إلى مالك بن دلهم إلى مصر يستعملني، فكتب له الكتاب. فلما عنونه كتب: من هشام بن يحيى إلى مالك بن دلهم، فقال له الرجل: ما آخذ الكتاب حتى تبدأ بمالك في العنوان، فقال: ويحك! هذا سبيلي وسبيل من أكتب إليه، فكتب له الذي أراد. فلما ورد على مالك إلى مصر قال: ما هذا كتابه، إنه عودني أنه يبدأ بنفسه في كتابه، قال له الرجل: قد أراد أن يفعل ذلك، وأنا سألته هذا، قال: لست أقبله حتى ترجع إليه، فيكتب بخطه، فرجع إلى أبي من مصر، فكتب له وبدأ بنفسه. فلما ورد الكتاب على مالك قال: الآن صح كتابه، فولاه ما أراد. كان هشام بن يحيى جليسا لسعيد بن عبد العزيز، فقال له يوما: كان عندنا صاحب شرطة يقال له عبيدة بن رياح، وكان غشوماً ظلوماً، فأتته امرأة، فقالت: إن ابني يعقني، ويظلمني، فأرسل معها الشرط، فلما صاروا بها في الطريق قالوا لها: إن أخذ ابنك ضربه أو قتله، قالت: كذا؟ قالوا: نعم، فمرت بكنيسة على بابها شماس، فقالت: خذوا هذا، هذا ابني، فقالوا له: أجب عبيدة بن رياح. فلما مثل بين يديه قال له: تضرب أمك، وتعقها؟ قال: ما هي أمي، قال: وتجحدها أيضا؟ خذوه، فضربه ضرباً وجيعاً، وأرسله، فقالت: إن أرسلته معي ضربني، فقال: هاتوه، فأركبها على عنقه وقال: كروا عليه النداء، وقولوا: هذا جزاء من يضرب أمه، ويعقها، فمر به رجل ممن يعرفه، فقال له: ما هذا؟ فقال: من لم يكن له أم فليمض إلى عبيدة بن رياح حتى يجعل له أما.

стр. 9618

هضاب بن طوق اللخمي الكاتب ولي هضاب خراج دمشق، ومساحتها في ولاية المنصور. كان المنصور بعث المعدلين يعني: المساح إلى أجناد الشام سنة أربعين وإحدى وأربعين ومئة، فعدلوا الأراضي ما في أيدي المسلمين والأنباط على تعديل مسمى، ولم يعدل الغوطة في تلك السنة حتى بعث المنصور هضاب بن طوق ومحرز بن زريق، فعدلوا الأشربة بالغوطة، وأمرهم ألا يضعوا أيديهم على شيء من القطائع القديمة ولا الأشربة خراجا، وأن يمضوها لأهلها عشرا، ووضعوا الخراج على ما بقي منها بأيدي الأنباط، وعلى الأشربة المحدثة بعد سنة مئة إلى السنة التي عدل فيها. هقل واسمه محمد ويقال: عبد الله - ولقبه: هقل - بن زياد بن عبيد الله، ويقال: ابن عبيد أبو عبد الله السكسكي من دمشق. حدث عن الأوزاعي قال: قال عطاء عن ابن عباس أن رجلا أصابته جراحة على عهد رسول الله ﷺ فأصابته جنابة، فاستفتى، فأفتي بالغسل، فاغتسل فمات، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: قتلوه، قتلهم الله. ألم يكن شفاء العي السؤال؟ قال عطاء: فبلغنا أن رسول الله ﷺ سئل عن ذلك فقال: لو غسل جسده وترك رأسه حيث أصابه الجرح أجزأه. وحدث عن هشام بن حسان القردوسي بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وليشرب بيمينه، وليأخذ بيمينه، وليعط بيمينه، وإن

стр. 9619

الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله، ويعطي بشماله، ويأخذ بشماله. وحدث عن الأوزاعي بسنده إلى أبي سعيد الخدري قال: نهى رسول الله ﷺ عن اختناث الأسقية. قال: وهو الشرب من أفواهها. كان هقل ثقة، حافظا، متقنا، توفي سنة تسع وسبعين ومئة. همام بن أحمد ويقال: ابن محمد - بن عبد الباقي أبو مروان القرشي، قال: ويظن أنه همام بن أبي شيبان حدث عن أبيه عن مروان بن عبد الملك بن عبد الله بن عبد الملك قال: لما أراد الوليد بن عبد الملك بناء مسجد دمشق احتاج إلى صناع كثير، فكتب إلى الطاغية بأن وجه إليه بأربع مئة صانع من صناع الروم، فإني أريد أن أبني مسجداً لم يبن من مضى قبلي، ولا من يكون بعدي مثله، فإن أنت لم تفعل غزوتك بالجيوش، وأخربت الكنائس في بلدي، وكنيسة بيت المقدس، وكنيسة الرها، وسائر آثار الروم في بلدي، فأراد الطاغية أن يفضه عن بنائه، ويضعف عزمه، فكتب إليه: لئن كان أبوك فهمها، وغفل عنها إنها لوصمة عليك، وإن كنت فهمتها وغيبت عن أبيك إنها لوصمة عليه، وأنا موجه إليك ما سألت، فأراد أن يعمل له جوابا، فحشر له عقلاء من الرجال في خطة المسجد، يتفكرون في ذلك، فدخل الفرزدق، فقال: ما بال الناس مجتمعين؟ فقيل له: السبب كيت وكيت، فقال: أنا أجيبه من كتاب الله. قال الله تبارك الله من قائل: " ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكماً وعلماً " فسري عنه.

стр. 9620

همام بن إسماعيل أظنه ابن عبيد الله بن أبي المهاجر حدث عن زمعة بن يزيد عن جبير عن أبي الدرداء - قال: لا أعلمه إلا رفعه - قال: من قال في أمر مسلم ما ليس فيه ليؤذيه حبسه الله في ردغة الخبال يوم القيامة حتى يقضى بين الناس. همام بن غالب بن صعصعة ابن ناجية بن عقال بم محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم أبو فراس بن أبي خطل التميمي البصري الشاعر، المعروف بالفرزدق وفد على معاوية يطلب ميراث عمه الحتات، ووفد على الوليد بن عبد الملك، وعلى هشام بن عبد الملك، وقيل إنه لم يفد إلا على هشام. قال همام: حدثني الطرماح بن عدي الشاعر قال: لقيت نابغة بني جعدة الشاعر، فقلت له: لقيت النبي ﷺ ؟ قال: نعم، وأنشدته قصيدتي التي أقول فيها: بلغنا السماء مجدنا وجدودنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

стр. 9621

قال: فرأيت النبي ﷺ وقد بدا الغضب في وجهه، فقال: إلى أين يا أبا ليلى؟ فقلت: إلى الجنة يا رسول الله، قال: أجل إن شاء الله. فلما رأيته سري عنه قلت: ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذاما أورد الأمر أصدرا فقال لي النبي ﷺ : لا يفضض الله فاك. مرتين. قال الفرزدق: رآني أبو هريرة فقال لي: يا فرزدق، إني أراك صغير القدمين، وأنا سمعته ﷺ يقول: إن لي حوضا كما بين أيلة وعمان، فإن استطعت أن يكون لقدميك عليه موضع فافعل. وفي آخر بمعناه: فاطلب لهما موضعاً في الجنة، فقلت: إن لي ذنوباً كثيرة، فقال: لا تأيس، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن بالمغرب بابا مفتوحا لا يغلق - زاد في رواية -: حتى تطلع الشمس من مغربها. وفي آخر فقال: إن التوبة لا تزال تقبل ما لم تطلع الشمس من مغربها. عمل عبد عمل من شيء.

стр. 9622

وفي حديث آخر فقال: إن قدميك صغيرتان، وكم من محصنة قد قذفتها، وإن لرسول الله ﷺ حوضاً ما بين أيلة إلى كذا وكذا، وهو قائم بذناباه يقول: إلي إلي، فإن استطعت فلا تحرمه. قال: فلما قدمت قال: ما صنعت من شيء فلا تعظمه. وللفرزدق رحلة مع أبيه، وهو صغير إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. قال الفرزدق: دخلت مع أبي على علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وبين يديه سيوف يذوقها، فقال لأبي: من أنت؟ قال: غالب بن صعصعة، قال: ذو الإبل الكثيرة؟ قال: نعم. قال: فمت فعلت؟ قال: ذعذعتها النوائب والحقوق، فقال: ذلك خير سبيلها، من هذا معك؟ فقال: هذا ابني همام، وهو يقول الشعر، فقال: علمه القرآن، فهو خير له. سمي الفرزدق لشبه وجهه بالخبرة، وهي فرزدقة. واسمه همام. والفرزدق: الرغيف الضخم الذي تتخذ منه النساء الفتوت، ويقال للقطعة من العجين التي تبسط فيخبز منها، شبه وجهه بذلك لأنه كان غليظاً جهماً. قال الجارود: كان رجل من بني رياح يقال له: ابن وثيل - وكان شاعراً - أتى الفرزدق بماء بظهر الكوفة على أن يعقر هذا مئة من الإبل، وهذا مئة من الإبل إذا وردت الماء. فلما وردت الإبل قاما إليها بالسيوف يكسعان عراقيبها، فخرج الناس على الحمران والبغال

стр. 9623

يريدون اللحم، وعلي بن أبي طالب ﵇ بالكوفة، فخرج على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء، وهو ينادي: يا أيها الناس، لا تأكلوا من لحومها، فإنه أهل لغير الله. كان بسر بن سعيد من العباد المنقطعين وأهل الزهد في الدنيا، وكان ثقة، كثير الحديث، ورعا، وكان قد أتى البصرة في حاجة له، ثم أراد الرجوع إلى المدينة، فرافقه الفرزدق الشاعر. فلم يشعر أهل المدينة إلا وقد طلعا عليهم في محمل، فعجب أهل المدينة لذلك. وكان الفرزدق يقول: ما رأيت رفيقاً خيراً من بسر بن سعيد. وكان بسر يقول: ما رأيت رفيقاً خيراً من الفرزدق. قال الفرزدق: لقيت أبا هريرة بالشام، فقال لي: أنت الفرزدق؟ قلت: نعم، قال: أنت الذي يقول الشعر؟ قلت: نعم، قال: اتق وانظر، فلعلك إن بقيت أن تلقى قوماً يخبرونك أن الله لن يغفر لك فلا تقنطن من رحمة الله. قال الفرزدق: رأيت أنف عرفجة من ذهب، وكان أصيب أنفه يوم الكلاب، فاتخذ أنفاً من فضة، فأنتن عليه، فرأيته بعد ذلك صنعه من ذهب. وزعم منصور بن سعيد أن النبي ﷺ أمره بذلك. قال الفرزدق: خرجت من البصرة أريد العمرة، فرأيت عسكرا في البرية، فقلت: عسكر من

стр. 9624

هذا؟ قالوا: عسكر الحسين بن علي ﵇، فقلت: لأقضين بحق رسول الله ﷺ فيه، فأتيته، فسلمت، فقال: من الرجل؟ فقلت: الفرزدق بن غالب، قال: هذا نسب قصير، فقلت: أنت أقصر مني نسباً، أنت ابن رسول الله ﷺ ، فقال لي: أبو من؟ قلت: أبو فراس، فقال لي: يا أبا فراس، كيف خلقت الناس؟ ومن أين؟ وإلى أين؟ قلت: من البصرة، أريد العمرة، وما سألت عنه من أمر الناس فقلوبهم معك، وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء، فاغرورقت عيناه، وقال: هكذا الناس في كل زمان أتباع لذي الدينار والدرهم، والدين لغو على ألسنتهم، فإذا فحصوا بالابتلاء قل الديانون. قال الفرزدق: لقيت حسناً، فقلت: يا أبي أنت لو أقمت حتى يصدر الناس لرجوت أن ينقصف أهل الموسم معك، فقال: لم آمنهم يا أبا فراس، قال: فدخلت مكة، فإذا فسطاط وهيئة، فقلت: لمن هذا؟ قالوا: لعبد الله بن عمرو بن العاص، فأتيته، فإذا شيخ أحمر، فسلمت: فقال: من؟ قلت: الفرزدق، أترى أن أنصر حسيناً، قال: إذاً تصيب أجراً وذخراً، قلت: بلا دنيا، فأطرق ثم قال: يا بن غالب، لتتمن خلافة يزيد، فانظرن، فكرهت ما قال، فسببت يزيد ومعاوية، قال: مه، قبحك الله، فغضبت فشتمته وقمت. فلو حضره حشمه لأوجعوني. فلما قضيت الحج رجعت، فإذا عير، فصرخت، ألا بايعا الحسين، فردوا على الأفناء. قال إسماعيل بن يسار: لقي الفرزدق حسيناً، فسلم عليه، فوصله بأربع مئة دينار، فقالوا: يا أبا عبد الله، تعطي شاعراً متهتراً؟! فقال: إن خير ما أمضيت من مالك ما وقيت به عرضك، والفرزدق شاعر لا يؤمن، فقال قوم لإسماعيل: وما عسى أن يقول في الحسين، ومكانه مكانه، وأبوه وأمه من قد علمت؟ قال: اسكتوا، فإن الشاعر ملعون، إن لم يقل في أبيه وأمه قال في نفسه.

стр. 9625

قال الفرزدق: لما خرج الحسين لقيت عبد الله بن عمرو قلت له: إن هذا الرجل قد خرج فما ترى؟ قال: أرى أن تخرج معه، فإنك إن أردت دنيا أصبتها، وإن أردت آخرة أصبتها، فرحلت نحوه. فلما كنت ببعض الطريق بلغني قتله، فرجعت إلى عبد الله فقلت: أين ما قلت لي؟ قال: كان رأياً رأيته. قال مغيرة: لم يكن أحد من أشراف العرب بالبادية كان أحسن ديناً من صعصعة جد الفرزدق، ولم يهاجر، وهو الذي أحيا ألف موءودة، وحمل على ألف فرس، وهو الذي افتخر به الفرزدق، فقال: المتقارب ومنا الذي منع الوائدات ... فأحيا الوئيد فلم يوأد قال صعصعة بن ناجية: أتيت النبي ﷺ فأسلمت، وعلمني آياً من القرآن، فقلت: يا رسول الله، إني عملت في الجاهلية أعمالاً، فهل في ذلك من أجر، قال: وما هي؟ قال: أضللت ناقتين لي عشراوين، فخرجت أبغيهما على جمل لي، فبينا أنا أسير إذ رفع لي بيتان في فضاء من الأرض، فقصدت نحوهما، فإذا في أحدهما شيخ، فقلت: هل أحسست من ناقتين عشراوين، قال: وما نارهما؟ قلت: ميسم بني دارم، قال: قد وجدتهما، وقد ولدتهما، وظأرتا على أولادهما، وقد أحيا الله بهما أهل بيت من قومك من مضر، فبينا هو يخاطبني إذ قالت امرأة من البيت الآخر: قد ولدت، قد ولدت، قال: وما ولدت؟ إن كان غلاما فقد شاركنا في قومنا، وإن كان جارية فادفناها،

стр. 9626

قلت: وما هذه المولودة؟ قال: ابنة لي، قلت: هل لك أن تبيعنيها؟ قال: تقول لي هذا وقد أخبرتك أني من العرب من مضر؟ قلت: إني لا أشتري منك رقبتها، إنما أشتري منك روحها؟ قال: بكم؟ قلت: بناقتي، قال: على أن تزيدني بعيرك هذا، قلت: نعم، على أن ترسل معي رسولاً، فإذا بلغت أهلي دفعته إليه، ففعل. فلما بلغت أهلي دفعت الجمل للرسول، ثم فكرت ثم قلت: والله إن هذه لمكرمة ما سبقني إليها أحد من العرب، وكنت لا أسمع بموءودة إلا اشتريتها بناقتين عشراوين وجمل، فجاء الإسلام وقد استحييت ثلاث مئة وستين، من الموءودة، فقال رسول الله ﷺ : هذا باب من الخير، ولك أجره إذ من الله عليك بالإسلام. قال: وذلك مصداق قول الفرزدق: وجدي الذي منع الوائدات ... وأحيا الوئيد فلم يوأد مات غالب بن صعصعة أبو الفرزدق بسيف كاظمة، فدفن على رابية، فآلى الفرزدق على نفسه أن يكون قبر أبيه مأهولاً معموراً لا يستجير به أحد إلا أجاره، ولا يلوذ به عان إلا فكه، ولا يأتيه غارم إلا أدى عنه. فلما شرعت العداوة بين الفرزدق وبين بني جعفر بن كلاب، وعزم أن يهجوهم خرجت امرأة من رؤسائهم - قيل: إنها أم ذي الأهدام نفيع - ومضت إلى سيف كاظمة، وضربت على قبر أبي الفرزدق فسطاطاً، وأقامت به أياماً. فلما رحلت عنه حملت حصيات من قبره، فأتت بها الفرزدق، فألقتها بين يديه، وقالت له: سألتك بصاحب هذه التربة إلا أعفيتني من ذكرك في هجائك في شعر، قال: ورب الكعبة اليمانية لا ذكرتك بسوء أبداً، فهاجى بني جعفر بن كلاب. فلما صار إليها قال: عجوز تصلي الخمس عاذت بغالب ... فلا والذي عاذت به لا أضيرها لئن نافع لم يرع أرحام أمه ... وكانت كدلو لا يزال يعيرها لبئس دم المولود مس ثيابها ... عشية نادى بالغلام بشيرها

стр. 9627

وإني على إشفاقها من مخافتي ... وإن عقها بي نافع لمجيرها وكان رجل من بني منقر كاتب غلاماً له كان منشؤه البادية على ألف درهم على أن يؤديها إليه بعد حول، فسعى فيها، ومضى الحول، ولم يصل إليها، فخرج من البصرة متنكراً حتى أتى سيف كاظمة، فحمل من قبر غالب أبي الفرزدق حصيات وأتى بهن الفرزدق، وهو واقف بالمربد، يبيع إبلاً له، فألقاهن في حجره، وقال: إني مستجير غارم، قال: وما بك، لا أبالك؟ فأنشده: بقبر ابن ليلى غالب عذت بعدما ... خشيت الردى أو أن أرد على قسر بقبر امرئ تقري المئين عظامه ... ولم يك إلا غالباً ميت يقري فقال لي استقدم أمامك إنما ... فكاكك أن تلقى الفرزدق في المصر فقال له الفرزدق: مالك؟ قال: إني مكاتب، وقد عجزت، قال: وكم كتابك؟ قال: ألف درهم، قال: لك ألف لكتابك، وألف معونة لك، ولك ناقة سوداء، ولك كسوة سابغة، قال: فأعطني، قال: والله لا تريم من مكانك حتى أفي لك بما قلت، فعجل ذلك ليله. ولما وجه الحجاج بتميم بن زيد إلى السند قدم البصرة فحمل من أهلها قوماً كثيراً، وحمل معه رجلاً قصاباً، يقال له خنيس. فلما نظرت أمه إلى ذلك ركبت بعيراً لها، ولحقت بقبر غالب، فحملت منه حصيات، ثم أتت بهن الفرزدق، فألقتهن على بابه، فخرج مذعوراً، فقال: ما بك؟ قالت: ابني وواحدي، قال: وأين هو؟ قالت: مع تميم بن زيد بالسند، فدعا برجل، فقال: اكتب ما أمليه عليك، فكتب:

стр. 9628

تميم بن زيد لا تكونن حاجتي ... بظهر فلا يعيا علي جوابها وهب لي خنيساً واحتسب فيه منة ... لعبرة أم ما يسوغ شرابها أتتني فعاذت يا تميم بغالب ... وبالحفرة السافي عليها ترابها وقد علم الأقوام أنك ماجد ... وليث إذا ما الحرب شب شبابها فلما قرأ تميم الكتاب لميدر حبيش، أم خنيس، فقال: انظروا من كان في هذا العسكر له هذا الاسم، فرجعوا به إلى الفرزدق، فأصابوا ستة نفر من خنيس وحبيش فوجه بهم إليه، وقيل إنه لما حضر إليه الستة نفر: سأل عن ابن العجوز البصرية فقال أحدهم: أنا هو، فكتب له منشور ونقل عطاؤه إلى البصرة، وكتب منشوراً: لا يزعجه أحد حتى يقول هو: قد فرغت من حاجة تميم بن زيد، وأعطاه ألف درهم، وحمله على البريد إلى البصرة، وأجاب الفرزدق عن كتابه، ووجه مع الجواب عشرة آلاف درهم ثم تأمل الخمسة الباقين، فقال: قد أتي بكم وكل واحد منكم يرجو، والرجاء ذمام، والله لا خيبت آمالكم، فكتب لكل واحد منهم منشوراً، وأمر لهم بنفقاتهم إلى مواطنهم. قال عبد الكريم: دخلت على الفرزدق، فتحرك، فإذا في رجليه قيد، فقلت: ما هذا يا أبا فراس؟! قال: حلفت ألا أخرجه من رجلي حتى أحفظ القرآن. قال جرير: نبعة الشعر الفرزدق. قال ابن شبرمة: كان الفرزدق أشعر الناس.

стр. 9629

قال أبو عمرو بن العلاء: لم أر بدوياً أقام بالحضر إلا فسد لسانه غير رؤبة بن العجاج والفرزدق، كأنهما زادا على طول الإقامة جدة وحدة. قال المبرد: قال لي الفتح بن خاقان: أيهما تقدم، الفرزدق أم جريراً؟ فقلت: كلاهما عندي غاية، وفي الذروة، وإنما أقول على قدر الخاطر: إذا أحببت المسامحة والسهولة، وقلة التكلف ملت إلى جرير، وإذا أحببت الركانة والرزانة ملت إلى الفرزدق. قال أبو يحيى الضبي: لما هرب الفرزدق من زياد حين استعدى عليه بنو نهشل في هجائه أباهم أتى سعيداً، وهو على المدينة أيام معاوية، فاستجاره فأجاره، والحطيئة وكعب بن جعيل حاضراه فأنشده الفرزدق: ترى النفر الجحاجح من قريش ... إذا ما الأمر في الحدثان آلى بني عم النبي ورهط عمرو ... وعثمان الألى غلبوا فعالا قياماً ينظرون إلى سعيد ... كأنهم يرون به هلالا فقال الحطيئة: هذا والله الشعر، لا ما تعلل به منذ اليوم أيها الأمير، فقال كعب بن جعيل: فضله على نفسك، ولا تفضله على غيرك، فقال: بلى والله أفضله على نفسي وعلى غيري. أدركت من قبلك وسبقت من بعدك، لئن بقيت لتبرزن علينا. ثم قال له الحطيئة: يا غلام، أنجدت امك؟ قال: لا بل أبي. يريد الحطيئة: إن كانت أمك أنجدت، فإني أصبتها، فأشبهتني، فألفاه لقن الجواب فنعاه عليه

стр. 9630

الطرماح حين هجاه فقال: فاسأل قفيرة بالمروت هل شهدت ... سوط الحطيئة بين السجف والنضد أم كان في غالب شعر فيشبهه ... شعر ابنه فينال الشعر من صدد؟ جاءت به نطفةً من شر ما اتسقت ... منه إلى شر واد شق في بلد كان الفرزدق جالساً في حلقة الحسن، فقال رجل: يا أبا سعيد، ما تقول في رجل قال فلان: طلقت امرأتي، وعتقت مملوكي، وفعلت وفعلت، فقال الفرزدق: يا أبا سعيد، أجيبه؟ قال: نعم، قال الفرزدق: أو ليس قد قلت في ذلك شعراً؟ فقال: وما قلت؟ وليس كل ما قلت يؤخذ به، فقال الفرزدق: فلست بمأخوذ بشيء تقوله ... إذا لم تعمد عاقدات العزائم فقال الحسن: أصاب أبو فراس، والقول ما قال أبو فراس. سأل رجل الحسن - والفرزدق عنده - عن قول الله (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) ، فقال الفرزدق: تسأل أبا سعيد، وقد قلت بذلك شعراً؟ فقال له الحسن: ما هو؟ قال:
следующие страницы →