Полный текст (10 576 стр.). Показаны 9626–9665 · переход к 9631.
стр. 9626
قلت: وما هذه المولودة؟ قال: ابنة لي، قلت: هل لك أن تبيعنيها؟ قال: تقول لي هذا وقد أخبرتك أني من العرب من مضر؟ قلت: إني لا أشتري منك رقبتها، إنما أشتري منك روحها؟ قال: بكم؟ قلت: بناقتي، قال: على أن تزيدني بعيرك هذا، قلت: نعم، على أن ترسل معي رسولاً، فإذا بلغت أهلي دفعته إليه، ففعل. فلما بلغت أهلي دفعت الجمل للرسول، ثم فكرت ثم قلت: والله إن هذه لمكرمة ما سبقني إليها أحد من العرب، وكنت لا أسمع بموءودة إلا اشتريتها بناقتين عشراوين وجمل، فجاء الإسلام وقد استحييت ثلاث مئة وستين، من الموءودة، فقال رسول الله ﷺ : هذا باب من الخير، ولك أجره إذ من الله عليك بالإسلام. قال: وذلك مصداق قول الفرزدق:
وجدي الذي منع الوائدات ... وأحيا الوئيد فلم يوأد
مات غالب بن صعصعة أبو الفرزدق بسيف كاظمة، فدفن على رابية، فآلى الفرزدق على نفسه أن يكون قبر أبيه مأهولاً معموراً لا يستجير به أحد إلا أجاره، ولا يلوذ به عان إلا فكه، ولا يأتيه غارم إلا أدى عنه. فلما شرعت العداوة بين الفرزدق وبين بني جعفر بن كلاب، وعزم أن يهجوهم خرجت امرأة من رؤسائهم - قيل: إنها أم ذي الأهدام نفيع - ومضت إلى سيف كاظمة، وضربت على قبر أبي الفرزدق فسطاطاً، وأقامت به أياماً. فلما رحلت عنه حملت حصيات من قبره، فأتت بها الفرزدق، فألقتها بين يديه، وقالت له: سألتك بصاحب هذه التربة إلا أعفيتني من ذكرك في هجائك في شعر، قال: ورب الكعبة اليمانية لا ذكرتك بسوء أبداً، فهاجى بني جعفر بن كلاب. فلما صار إليها قال:
عجوز تصلي الخمس عاذت بغالب ... فلا والذي عاذت به لا أضيرها
لئن نافع لم يرع أرحام أمه ... وكانت كدلو لا يزال يعيرها
لبئس دم المولود مس ثيابها ... عشية نادى بالغلام بشيرها
стр. 9627
وإني على إشفاقها من مخافتي ... وإن عقها بي نافع لمجيرها
وكان رجل من بني منقر كاتب غلاماً له كان منشؤه البادية على ألف درهم على أن يؤديها إليه بعد حول، فسعى فيها، ومضى الحول، ولم يصل إليها، فخرج من البصرة متنكراً حتى أتى سيف كاظمة، فحمل من قبر غالب أبي الفرزدق حصيات وأتى بهن الفرزدق، وهو واقف بالمربد، يبيع إبلاً له، فألقاهن في حجره، وقال: إني مستجير غارم، قال: وما بك، لا أبالك؟ فأنشده:
بقبر ابن ليلى غالب عذت بعدما ... خشيت الردى أو أن أرد على قسر
بقبر امرئ تقري المئين عظامه ... ولم يك إلا غالباً ميت يقري
فقال لي استقدم أمامك إنما ... فكاكك أن تلقى الفرزدق في المصر
فقال له الفرزدق: مالك؟ قال: إني مكاتب، وقد عجزت، قال: وكم كتابك؟ قال: ألف درهم، قال: لك ألف لكتابك، وألف معونة لك، ولك ناقة سوداء، ولك كسوة سابغة، قال: فأعطني، قال: والله لا تريم من مكانك حتى أفي لك بما قلت، فعجل ذلك ليله.
ولما وجه الحجاج بتميم بن زيد إلى السند قدم البصرة فحمل من أهلها قوماً كثيراً، وحمل معه رجلاً قصاباً، يقال له خنيس. فلما نظرت أمه إلى ذلك ركبت بعيراً لها، ولحقت بقبر غالب، فحملت منه حصيات، ثم أتت بهن الفرزدق، فألقتهن على بابه، فخرج مذعوراً، فقال: ما بك؟ قالت: ابني وواحدي، قال: وأين هو؟ قالت: مع تميم بن زيد بالسند، فدعا برجل، فقال: اكتب ما أمليه عليك، فكتب:
стр. 9628
تميم بن زيد لا تكونن حاجتي ... بظهر فلا يعيا علي جوابها
وهب لي خنيساً واحتسب فيه منة ... لعبرة أم ما يسوغ شرابها
أتتني فعاذت يا تميم بغالب ... وبالحفرة السافي عليها ترابها
وقد علم الأقوام أنك ماجد ... وليث إذا ما الحرب شب شبابها
فلما قرأ تميم الكتاب لميدر حبيش، أم خنيس، فقال: انظروا من كان في هذا العسكر له هذا الاسم، فرجعوا به إلى الفرزدق، فأصابوا ستة نفر من خنيس وحبيش فوجه بهم إليه، وقيل إنه لما حضر إليه الستة نفر: سأل عن ابن العجوز البصرية فقال أحدهم: أنا هو، فكتب له منشور ونقل عطاؤه إلى البصرة، وكتب منشوراً: لا يزعجه أحد حتى يقول هو: قد فرغت من حاجة تميم بن زيد، وأعطاه ألف درهم، وحمله على البريد إلى البصرة، وأجاب الفرزدق عن كتابه، ووجه مع الجواب عشرة آلاف درهم ثم تأمل الخمسة الباقين، فقال: قد أتي بكم وكل واحد منكم يرجو، والرجاء ذمام، والله لا خيبت آمالكم، فكتب لكل واحد منهم منشوراً، وأمر لهم بنفقاتهم إلى مواطنهم.
قال عبد الكريم: دخلت على الفرزدق، فتحرك، فإذا في رجليه قيد، فقلت: ما هذا يا أبا فراس؟! قال: حلفت ألا أخرجه من رجلي حتى أحفظ القرآن.
قال جرير: نبعة الشعر الفرزدق.
قال ابن شبرمة: كان الفرزدق أشعر الناس.
стр. 9629
قال أبو عمرو بن العلاء: لم أر بدوياً أقام بالحضر إلا فسد لسانه غير رؤبة بن العجاج والفرزدق، كأنهما زادا على طول الإقامة جدة وحدة.
قال المبرد: قال لي الفتح بن خاقان: أيهما تقدم، الفرزدق أم جريراً؟ فقلت: كلاهما عندي غاية، وفي الذروة، وإنما أقول على قدر الخاطر: إذا أحببت المسامحة والسهولة، وقلة التكلف ملت إلى جرير، وإذا أحببت الركانة والرزانة ملت إلى الفرزدق.
قال أبو يحيى الضبي: لما هرب الفرزدق من زياد حين استعدى عليه بنو نهشل في هجائه أباهم أتى سعيداً، وهو على المدينة أيام معاوية، فاستجاره فأجاره، والحطيئة وكعب بن جعيل حاضراه فأنشده الفرزدق:
ترى النفر الجحاجح من قريش ... إذا ما الأمر في الحدثان آلى
بني عم النبي ورهط عمرو ... وعثمان الألى غلبوا فعالا
قياماً ينظرون إلى سعيد ... كأنهم يرون به هلالا
فقال الحطيئة: هذا والله الشعر، لا ما تعلل به منذ اليوم أيها الأمير، فقال كعب بن جعيل: فضله على نفسك، ولا تفضله على غيرك، فقال: بلى والله أفضله على نفسي وعلى غيري. أدركت من قبلك وسبقت من بعدك، لئن بقيت لتبرزن علينا. ثم قال له الحطيئة: يا غلام، أنجدت امك؟ قال: لا بل أبي. يريد الحطيئة: إن كانت أمك أنجدت، فإني أصبتها، فأشبهتني، فألفاه لقن الجواب فنعاه عليه
стр. 9630
الطرماح حين هجاه فقال:
فاسأل قفيرة بالمروت هل شهدت ... سوط الحطيئة بين السجف والنضد
أم كان في غالب شعر فيشبهه ... شعر ابنه فينال الشعر من صدد؟
جاءت به نطفةً من شر ما اتسقت ... منه إلى شر واد شق في بلد
كان الفرزدق جالساً في حلقة الحسن، فقال رجل: يا أبا سعيد، ما تقول في رجل قال فلان: طلقت امرأتي، وعتقت مملوكي، وفعلت وفعلت، فقال الفرزدق: يا أبا سعيد، أجيبه؟ قال: نعم، قال الفرزدق: أو ليس قد قلت في ذلك شعراً؟ فقال: وما قلت؟ وليس كل ما قلت يؤخذ به، فقال الفرزدق:
فلست بمأخوذ بشيء تقوله ... إذا لم تعمد عاقدات العزائم
فقال الحسن: أصاب أبو فراس، والقول ما قال أبو فراس.
سأل رجل الحسن - والفرزدق عنده - عن قول الله (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) ، فقال الفرزدق: تسأل أبا سعيد، وقد قلت بذلك شعراً؟ فقال له الحسن: ما هو؟ قال:
стр. 9631
وذات حليل أنكحتها رماحنا ... حلالا ومن بين بها لم تطلق
فتبسم الحسن ولم يرد عليه ما قال، قال: تحل لكم السبايا أن تطؤوهن بملك اليمين من غير أن يطلقهن أزواجهن.
أتى الفرزدق الحسن فقال: إني قد هجوت إبليس، فاسمع، قال: لا حاجة لنا بالقول، قال: لتسمعن أو لأخرجن، فأقول للناس: إن الحسن ينهى عن هجاء إبليس، فقال الحسن: اسكت، فإنك عن لسانه تنطق.
قال سلام بن مسكين: كنت في حبس بلال والفرزدق معي في السجن، فقلت: يا أبا فراس، تمزق أعراض الناس، وتتناولهم بلسانك! فقال لي: اسمع ما أقول: والله إنه ﵎ أحب إلي من نفسي التي بين جنبي، ومن عيني هاتين، ومن عشيرتي، أفترى الله يعذبني بعد هذا، إنه لأكرم من ذلك.
قيل لابن هبيرة: من سيد أهل العراق؟ قال: الفرزدق، هجاني ملكاً ومدحني سوقة. وقال لخالد حين قدم العراق:
ألا قطع الرحمن ظهر مطية ... أتتنا تخطى عن دمشق بخالد
وكيف يؤم الناس من كانت أمه ... تدين بأن الله ليس بواحد
وقال:
نزلت بجيله واسطاً فتمكنت ... ونفت فزارة عن قرار المنزل
стр. 9632
وقال:
لعمري لئن كانت بجيلة زانها ... جرير لقد أخزى بجيلة خالد
لقي الفرزدق شاب من أهل البصرة، فقال: يا أبا فراس، أسألك عن مسألة، قال: سل، قال: أيهما أحب إليك: تسبق الخير أو يسبقك؟ قال: يا بن أخي؟ لم تأل أن شددت وأحببت ألا تجعل لي مخرجاً، أفتجيبني أنت إن أجبتك؟ قال: نعم، قال: فاحلف، فغلظ عليه، ثم قال: نكون معاً، لا يسبقني ولا أسبقه. أسألك الآن؟ قال: نعم، قال: أيما أحب إليك: أن ترجع الآن على منزلك، فتجد امرأتك قابضة بكذا وكذا من رجل أو تجد رجلاً قابضاً على كذا وكذا منها؟ مر الفرزدق بمجلس لبني حرام ومعه عنبسة الفيل مولى عثمان بن عفان - وهو جد عبد الكريم بن روح - فقال: يا أبا فراس، متى تذهب إلى الآخرة؟ قال: وما حاجتك إلى ذلك؟ قال: اكتب معك إلى أبي، قال: أنا لا أذهب حيث أبوك، ابوك في النار. ولكن اكتب مع ريالوه واسطفانوس.
كان أسد بن عبد الله القسري شديد التعصب، فاجتمع عنده ذات يوم جماعة من الشعراء، فيهم الفرزدق، فقال له: أنشدنا، قال الفرزدق: فعلمت أنه يكره شعري، فقلت: أيها الأمير، لو أمرت غيري لأنشدك، فقال: أنشدني، ودعني من غيرك، فأنشدته قصيدة أقول فيها:
فإن الناس لولا نحن كانوا ... كما خرز تساقط من نظام
стр. 9633
قال: فبم؟ واضطرب، ثم أقبل علي كالمهدد، فقال: أنشدنا، ودعنا من فخرك، فأنشدته: البسيط
يختلف الناس ما لم نجتمع لهم ... فلا خلاف إذا ما استجمعت مضر
منا الكواهل والأعناق تقدمها ... والرأس منا وفيه السمع والبصر
ولا نلين لمن يبغي تهضمنا ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
فاربد وجهه، واضطرب، وقال: أي رأس منكم فيه السمع والبصر؟ قال الفرزدق: فبركت بين يديه، وقلت: على الخبير سقطت: قريش وكنانة، فلم يجد لي جواباً حين ذكرت قريشاً، ثم فكر فقال: كذبت، قريش سبط من الأسباط، وهي حيث جعلها الله أمةً وسطاً، فقلت: إن كانت قريش سبطاً، ولم تكن من مضر فهي إذاً من بني إسرائيل، فضحك الناس، وأمر بنا فأخرجنا.
ولما خاصمت الفرزدق زوجته نوار إلى عبد الله بن الزبير، وطلب فسخ نكاحها قال: الطويل
لعمري لقد أردى نواراً وساقها ... إلى الغور أحلام قليل عقولها
أطاعت بني أم النسير فأصبحت ... على قتب يعلو الفلاة دليلها
منها:
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها
وفيهن عن أبوالهن بسالة ... وبسطة أيد يمنع الضيم طولها
فدونكها يا بن الزبير فإنها ... مولهةً يوهي الحجارة قيلها
ولما طلق الفرزدق امرأته النوار ثلاثاً قال لأبي شفقل: امض بنا إلى الحسن نشهده
стр. 9634
على طلاق النوار، قال: فقلت له: أخشى أن يبدو لك فيها، فتشهد عليك الحسن، فتجلد، ويفرق بينكما، فقال: لا بد منه، فمضيا إلى الحسن، فأخبره، فقال له الحسن: قد شهدنا عليك، ثم بدا له بعد فادعاها، فشهد عليه الحسن، ففرق بينهما، فأنشأ يقول:
ندمت ندامة الكسعي لما ... مضت مني مطلقة نوار
وكانت جنتي فخرجت منها ... كآدم حين أخرجه الضرار
فلو أني ملكت يدي وقلبي ... لكان علي للقدر اختيار
ولما ماتت النوار امرأة الفرزدق أوصت أن يصلي عليها الحسن بن أبي الحسن البصري، فحضر جنازتها آجلاء أهل البصرة، والحسن على بغلته، والفرزدق على بعيره، فقال له الحسن: يا أبا فراس، ما يقول الناس؟ قال: يقول الناس: حضر الجنازة خير الناس وشر الناس، قال: ما أنا بخيرهم، ولا أنت بشرهم. يا أبا فراس، ما أغددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ ثمانين سنة. فقال الحسن بيده: نعم والله العدة. فلما صلى عليها الحسن مالوا إلى قبرها لدفنها، فأنشأ الفرزدق يقول:
أخاف وراء القبر إن لم يعافني ... أشد من القبر التهاباً وأضيقا
إذا جاءني يوم القيامة قائد ... عنيف وسواق يسوق الفرزدقا
لقد خاب من أولاد آدم من مشى ... إلى النار مغلول القلادة أزرقا
يساق إلى ذل الجحيم مسربلاً ... سرابيل قطران لباساً محرقا
стр. 9635
إذا شربوا فيها الصديد رأيتهم ... يذوبون من حر الصديد تمزقا
فبكى الحسن ثم التزم الفرزدق، وقال: لقد كنت من أبغض الناس إلي، وإنك اليوم من أحب الناس إلي.
شهد الحسن جنازة أبي رجاء العطاردي على بغلة، والفرزدق معه على بعيره، فقال له الفرزدق: يا أبا سعيد، يستشرفنا الناس، فيقولون: خير الناس، وشر الناس، فقال الحسن: يا أبا فراس، كم أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره، ذاك خير من الحسن، وكم من شيخ مشرك أنت خير منه يا أبا فراس، قال: الموت يا أبا سعيد، قال له الحسن: وما أعددت له يا أبا فراس؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة، قال: إن للا إله إلا الله شروطا، فإياك وقذف المحصنة، يا أبا فراس كم من محصنة قد قذفتها، فاستغفر الله، قال: فهل من توبة أبا سعيد؟ قال: نعم.
زاد في آخر بمعناه: ثم وقف الحسن ملياً ثم قال: أما أنت يا أبا رجاء فقد استرحت من غموم الدنيا ومكابدتها، فجعل الله لك في الموت راحة طويلة، ثم أقبل على الفرزدق فقال: يا أبا فراس، كن من مثل هذا على حذر، فإنما نحن وأنت بالأثر، قال: فبكى الفرزدق ثم أنشأ يقول:
فلسنا بأنجى منهم غير أننا ... بقينا قليلا بعدهم وترحلوا
حدث محمد بن زياد - وكان في ديماس الحجاج زماناً حتى أطلقه سليمان حين قام - قال:
стр. 9636
انتهيت إلى الفرزدق، وهو ينشد بمكة، بالردم مديح سليمان:
وكم أطلقت كفاك من قيد بائس ... ومن عقدة ما كان يرجى انحلالها
كثيراً من الأسرى التي قد تكنعت ... فككت وأعناقاً عليها غلالها
فقلت: أنا أحدهم، فأخذ بيدي وقال: أيها الناس، سلوه فو الله ما كذبت: قال الفرزدق يذكر ولادة برة بنت مر قريشاً - يعني: أم النضر بن كنانة: الوافر
هم أبناء برة بنت مر ... فأكرم بالخؤولة والعموم
فما فحل بأنجب من قريش ... وما خال بأكرم من تميم
ومن شعر الفرزدق: " الكامل "
إن المهالبة الذين تحملوا ... دفع المكاره عن ذوي المكروه
زانوا قديمهم بحسن حديثهم ... وكريم أخلاق وحسن وجوه
قدم جرير على عمر بن عبد العزيز، وهو يتولى المدينة، فأنزله في دار، وبعث إليه بجارية تخدمه، فقالت له: إني أراك شعثاً، فهل لك في الغسل؟ فجاءته بغسل وماء، فقال لها: تنحي عني، ثم اغتسل. ثم قدم الفرزدق فأنزله داراً وبعث إليه بجارية، فعرضت عليه مثل ذلك، فوثب عليها، فخرجت إلى عمر، فنفاه من المدينة، وأجله ثلاثاً، ففي ذلك يقول:
توعدني وأجلني ثلاثاً ... كما لبثت لمهلكها ثمود
стр. 9637
فبلغ ذلك جرير فقال:
نفساك الأغر ابن عبد العزيز ... بحقك تنفى عن المسجد
وشبهت نفسك أشقى ثمود ... فقالوا ضللت ولم تهتد
وقد أخروا حين حل العذاب ... ثلاث ليال إلى الموعد
قدم الفرزدق المدينة في سنة جدبة، فمشى أهل المدينة إلى عمر بن عبد العزيز، وهو يومئذ أميرها فقالوا: إن الفرزدق قدم في هذه السنة الجدبة التي قد حلقت أموالها، وليس عند أحد ما يعطيه، فلو أن الأمير بعث إليه وأرضاه، وتقدم إليه ألا يعرض لأحد بمدح ولا هجاء. فبعث إليه عمر: إنك يا فرزدق قدمت مدينتنا هذه في هذه السنة الجدبة، وليس عند أحد ما يعطيه شاعراً، وقد أمرت لك بأربعة آلاف درهم، فخذها، ولا تعرض لأحد بمدح ولا هجاء. قال: فأخذها الفرزدق، ومر بعبد الله بن عمرو بن عثمان، وهو جالس في سقيفة داره، وعليه مطرف خز وجبة حمراء فقال:
أعبد الله أنت أحق ماش ... وساع بالجماهير الكبار
فللفاروق أمك وابن أروى ... أبوك فأنت منصدع النهار
هما قمرا السماء وأنت نجم ... به في الليل يدلج كل سار
فخلع عليه جبته والمطرف والعمامة، ودعا له بعشرة آلاف درهم، فسمع ذلك عمر بن عبد العزيز، فبعث إليه عمر: ألم أتقدم إليك يا فرزدق ألا تعرض لأحد بمدح
стр. 9638
ولا هجاء؟ اخرج، فقد أجلتك ثلاثاً، فإن وجدتك بعد ثلاث نكلت بك، فخرج الفرزدق وهو يقول:
توعدني وأجلني ثلاثاً ... كما وعدت لمهلكها ثمود
كان الحجاج يتمثل بهذا البيت من شعر الفرزدق لما مات ابنه:
فما ابنك إلا من بني الناس فاصبري ... فلن يرجع الموتى خنين المآتم
كان شاعر من بني حرام بن سماك قد هجا الفرزدق، فأخذوه، فأتوا به الفرزدق، وقالوا له: هذا بين يديك، فإن شئت فاضرب، وإن شئت فاحلق، لا عدوى، ولا قصاص، فخلى عنه وقال:
فمن يك خائفاً لأذاة شعري ... فقد أمن الهجاء بنو حرام
هم قادوا سفيههم وخافوا ... قلائد مثل أطواق الحمام
كتب الفرزدق إلى جرير كتاباً يدعوه إلى الصلح، ويقول: ذهبت أيامنا بالباطل وكرت أيامنا، وقطعنا الدهر بشتم العشيرة، فهلم إلى الصلح، فجعل جرير يقرئ كتابه الناس، ويقول: دعاني إلى الصلح، فإذا في آخر كتابه:
شهدت طهية والبراجم كلها ... أن الفرزدق نال أم جرير
وقال بعض الخلفاء لجرير والفرزدق: حتى متى لا تنزعان، فقال جرير: يا أمير المؤمنين، إنه يظلمني، قال: صدق، إني أظلمه، ووجدت أبي يظلم أباه.
خرج الفرزدق حاجاً فمر بالمدينة، فدخل على سكينة بنت الحسين بن علي بن
стр. 9639
أبي طالب مسلماً عليها، فقالت: يا فرزدق، من أشعر الناس؟ قال: أنا، قالت: ليس كما قلت، أشعر منك الذي يقول:
بنفسي من تجنبه عزيز ... علي ومن زيارته لمام
ومن أمسى وأصبح لا أراه ... ويطرقني إذا هجع النيام
فقال: لئن أذنت لي لأسمعنك من شعري أحسن من هذا، فقالت: أقيموه، فخرج. فلما كان الغد عاد إليها، فقالت: يا فرزدق، من أشعر الناس؟ قال: أنا، قالت: ليس كما قلت، أشعر منك الذي يقول:
لولا الحياء لهاجني استعبار ... ولزرت قبرك والحبيب يزار
كانت إذا هجر الضجيع فراشها ... خزن الحديث وعفت الأسرار
لا يلبث القرناء أن يتفرقوا ... ليل يكر عليهم ونهار
قال: لئن أذنت لي لأسمعنك من شعري ما هو أحسن من هذا، فأمرت به، فأخرج، فعاد إليها من الغد، وحولها جوار مولدات، كأن التماثيل عن يمينها وعن شمالها، فأبصر الفرزدق واحدة منهن، كأنها ظبية، أدماء، فمات عشقاً لها، وجنوناً بها، وقالت: يا فرزدق، من أشعر الناس؟ قال: أنا، قالت: ليس كذلك، أشعر منك الذي يقول:
إن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا
فقال: يا بنة رسول الله، إن لي عليك حقاً عظيماً لموالاتي لك ولآبائك، وإني صرت إليك من مكة قاصداً لك إرادة التسليم عليك، فلقيت في مدخلي إليك من التكذيب لي، وتعنيفي إياي أن أسمعك شعري ما قطع ظهري، وعيل صبري،
стр. 9640
والمنايا تغدو وتروع، ولا أدري لعلي لا أفارق المدينة حتى أموت، فإن أنا مت فمري من يدفني في درع هذه الجارية، وأومأ إلى الجارية التي كلف بها، فضحكت سكينة حتى كادت تخرج من بردها، وأمرت له بألف درهم وكسى وطيب، وأمرت له بالجارية يجتمع إليها وقالت: يا أبا فراس، إنما أنت واحد منا - أهل البيت - لا يسؤك ما جرى، خذ ما أمرنا لك به، وأحسن إلى الجارية، وأكرم صحبتها. قال الفرزدق: فلم أزل أرى البركة بدعائها في نفسي ومالي.
قال أبو عبيدة: أول حمام بني بالبصرة حمام منجاب السعدي، وإن الفرزدق كان ذات يوم على باب دربه في أطمار خز إذ مرت به امرأة نبيلة برزة، فقالت له: كيف الطريق إلى حمام منجاب؟ فقال: هاهنا، وأومأ إلى دربه. فلما ولجت المرأة الدرب كامشها فاحتملها، وقد علم الله ما كان بعد ذلك.
وحدث بعض أهله قال: كنت عند رأس الفرزدق ألقنه الشهادة، فكنت أقول: يا أبا فراس، قل لا إله إلا الله، فيقول:
يا رب قائلة يوماً وقد لعبت ... كيف الطريق إلى حمام منجاب
ثم يقول: نعم، لا إله إلا الله، إلي أن مات.
ولما احتضر الفرزدق قال:
أروني من يقوم لكم مقامي ... إذا ما الأمر جل عن العتاب
إلى من تفزعون إذا حثوتم ... بأيديكم علي من التراب
قال أبو عمرو بن العلاء: حضرت الفرزدق، وهو يجود بنفسه، فما رأيت أحسن ثقة بالله منه. وذلك في أول سنة عشر ومئة. فلم أنشب أن قدم جرير من اليمامة، فاجتمع إليه الناس،
стр. 9641
فما وجدوه كما عهدوه، فقلت له في ذلك، فقال: أطفأ الفرزدق جمرتي، وأسال عبرتي، وقرب ميتي، ثم شخص إلى اليمامة، فنعي لنا في رمضان من تلك السنة.
وقيل: إن الفرزدق عاش حتى قارب المئة، ومات سنة أربع عشرة ومئة.
وكان له من الولد لبطة وسبطة وخبطة وركضة، فانقرض عقبه.
وقيل: إن جريراً مات بعده بأربعين يوماً.
قال لبطة بن الفرزدق: رأيت أبي في النوم، فقال لي: يا بني، نفعتني الكلمة التي خاطبت بها الحسن. يعني: لما قال له: ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة.
لما نعي الفرزدق إلى جرير، وهو بالبادية اعترض الطريق، فإذا أعرابي على قعود له، فقال له جرير: من أين؟ قال: من البصرة، قال: هل من حاسة خبر؟ قال: نعم، بينا أنا بالمربد فإذا جنازة عظيمة قد حفل لها الناس، فيها الحسن البصري، فقلت: من؟ قالوا: الفرزدق، فبكى جرير بكاءً شديداً، فقال له قومه: أتبكي على رجل يهجوك وتهجوه مذ أربعون سنة؟! قال: إليكم عني، فما تساب رجلان، ولا تناطح كيسان فمات أحدهما إلا تبعه الآخر عن قريب:
لعمري لئن كان المخبر صادقاً ... لقد عظمت بلوى تميم وجلت
فلا حملت بعد الفرزدق حرة ... ولاذات حمل من نفاس تعلت
هو الوافد المحبو والرافع الثأى ... إذا النعل يوماً بالعشيرة زلت
стр. 9642
همام بن قبيصة بن مسعود
ابن عمير بن عامر بن عبد الله بن الحارث النميري من أصحاب معاوية. شاعر فارس. شهد صفين مع معاوية، وكان مع الضحاك بن قيس يوم مرج راهط، وقتل يومئذ، وكان همام سيد قومه.
قال عمرو بن العاص لعبد الرحمن بن خالد: اقحم يا بن سيف الله، فتقدم بلوائه، وقدم أصحابه، فأقبل علي على الأشتر، فقال له: لقد بلغ لواء معاوية حيث ترى، فدونك القوم، فأخذ الأشتر لواء علي وهو يقول:
إني أنا الأشتر معروف الشتر ... إني أنا الأفعى العراقي الذكر
لست من الحي ربيع ومضر ... لكنني من مذحج الغر الغرر
فضارب القوم حتى ردهم، فانتدب لهم همام بن قبيصة، وكان مع معاوية، فشد نحو مذحج وهو يقول: مشطور الرجز
قد علمت حوراء كالتمثال ... أني إذا ما دعيت نزال
أقدم إقدام الهزبر الخال ... أهل العراق إنكم من بالي
حتى أنال فيكم المعالي ... أو أطعم الموت وتلكم حالي
في نصر عثمان ولا أبالي
فحمل عليه عدي بن حاتم الطائي وهو يقول:
يا صاحب الصوت الرفيع العالي ... إن كنت تبغي في الوغى نزال
فأقدم فإني كاشف عن حالي
стр. 9643
فالتقيا، فضربه عدي، وأخذ لواءه، واقتتل الناس قتالاً شديداً، فدعا علي ببغلة سيدنا رسول الله ﷺ ، فركبها، وتعصب بعمامة رسول الله ﷺ السوداء ثم نادى: أيها الناس، من يشري نفسه لله؟ من يبيع الله نفسه؟ هذا يوم له ما بعده، فانتدب معه ما بين عشرة آلاف إلى اثني عشر ألفاً، فتقدمهم علي وهو يقول:
دبوا دبيب النمل لا تقوتوا ... أصلحوا أمركم وبيتوا
حتى تنالوا الثأر أو تموتوا
فتبعه عدي بن حاتم وهو يقول:
أبعد عمار وبعد هاشم ... وابن بديل فارس الملاحم
نرجو البقاء ضل حكم الحاكم ... وقد عضضنا أمس بالأباهم
فاليوم لا نقرع سن نادم ... ليس امرؤ من يومه بسالم
وتبعه الأشتر في مذحج وهو يقول:
حرب بأسباب الردى تأجج ... يهلك فيها البطل المدجج
يكفيكها همدانها ومذحج
وحمل الناس حملة واحدة، فلم يبق لأهل الشام صف إلا أزالوه حتى أفضوا إلى معاوية، فدعا بفرسه لينجو عليه. قال معاوية: فلما وضعت رجلي في الركاب تمثلت بأبيات عمرو بن الإطنابة:
أبت لي عفتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي
стр. 9644
فأقام، فنظر معاوية إلى عمرو فقال: اليوم صبر، وغداً فخر، فقال عمرو: صدقت.
قدم أعرابي من بني هلال دمشق في خلافة معاوية، فأتى همام بن قبيصة النميري، فقال له رجل من بني هلال: أصابتني السنة، فأذهبت مالي، فجئت أطلب الفريضة، فكلم لي معاوية، فقال له: إن معاوية علي غضبان، ولست أدخل عليه، ولكني أكلم لك أذنه يدخلك عليه، فإذا وضع الطعام فكل، ثم علمه كلاماً يكلمه به إن لم يفرض له، فكلم له الآذن، فسأدخله. فلما وضع الطعام أكل الأعرابي ثم قام فقال: يا أمير المؤمنين، إنني من بني هلال أصابتني السنة، فأذهبت مالي، فجئت أطلب الفريضة، فقال: وكلما أصابت السنة أعرابياً أردنا أن نفرض له؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن جل من معك أهل اليمن، وقد كان فيهم ملك، فهم، لكنه صور، وقد حدثوا بأنه سيرجع إليهم، فإن رأيت إن تفرض لهذا الحي من مضر فتستظهر بهم، فافعل، فقال له معاوية: هذا كلام همام - فعرفه - أبا لدوائر تخوفاني؟! عليك وعلى همام لعنة الله ودائرة السوء، ثم أمر ففرض له. وبلغ هماماً الخبر، فقال: إن كنا لنعد عقل معاوية يفضل ألف رجل، فما زال به النساء والبنون والشفاعات حتى صار عقله إلى عقل مئة رجل.
لما بلغ يزيد بن معاوية أن أهل مكة أرادواابن الزبير على البيعة، فأبى، فأرسل النعمان بن بشير الأنصاري وهمام بن قبيصة النميري إلى ابن الزبير بن عوام إلى البيعة ليزيد على أن يجعل له ولاية الحجاز، أو ما شاء، وما أحب لأهل بيته من الولاية، فقدما على ابن الزبير، فعرضا عليه ما أمرهما يزيد، فقال ابن الزبير: أتأمروني ببيعة رجل يشرب الخمر، ويدع الصلاة، ويتبع الصيد؟ فقال همام: أنت أولى بذلك منه، فلطمه رجل من قريش، فرجعا إلى يزيد، فغضب، وحلف لا يقبل بيعته إلا وفي يده جامعة.
قال الحجاج لوازع بن ذؤالة الكلبي: كيف قتلت همام بن قبيصة؟ قال: مر بي
стр. 9645
والناس منهزمون، فلو شاء أن يذهب لذهب، فلما رآني قصدني، فضربته، وضربني، وسقط، فحاول القيام، فلم يقدر، فقال وهو في الموت:
تعست ابن ذات النوف أجهز على فتى ... يرى الموت خيراً من فرار وأكرما
ولا تتركني بالحشاشة إنني ... صبور إذا ما النكس مثلك أحجما
فدنوت منه فقال: أجهز علي، قبحك الله، فقد كنت أحب أن يلي هذا مني من هو أربط جأشاً منك، فاحتززت رأسه، وأتيت به مروان.
وكان مروان يقاتل الضحاك بن قيس بمرج راهط، فجاء روح بن زنباع الجذلمي فبشره بقتل الضحاك بن قيس، وقتل همام بن قبيصة، وقتل ابن معن السلمي، وقال ابن مقبل:
يا جذع آنف قيس بعد همام ... بعد المذبب عن أحسابها الحامي
يعني همام بن قبيصة.
همام بن محمد بن سعيد أراه
ابن عبد الملك بن الأموي حدث عن ميمون بن مهران قال:
قال لي عمر بن عبد العزيز: يا ميمون، احفظ عني أربعا: لا تصحبن سلطاناً، وإن أمرته بمعروف، ونهيته عن منكر، ولا تخلون بامرأة، وإن أقرأتها القرآن، ولاتصل من قطع رحمه، فإنه لك أقطع، ولا تكلمن بكلام اليوم تعتذر منه غداً.
стр. 9646
همام بن محمد بن أبي شيبان العبسي
حدث عن الوليد بن مسلم بسنده إلى أبي الدرداء عن النبي ﷺ في قول الله : " وكان تحته كنز لهما ". قال: ذهب وفضة.
همام بن الوليد الدمشقي
حدث عن صدقة بن عمر الغساني بسنده إلى الحسن قال: كان اسم كبش إبراهيم ﵇ حرير، واسم هدهد سليمان عبقر، واسم كلب أصحاب الكهف قطمير، واسم عجل بني إسرائيل الذي عبدته بهموت. وهبط آدم بالهند، وهبطت حواء بجدة، وهبط إبليس بدست ميسان. وهبطت الحية بأصبهان.
هميم بن همام بن يوسف
أبو العباس الطبري حدث عن هشام بن خالد الأزرق بسنده عن أنس أن رسول الله ﷺ سئل عن العجين وقع فيه قطرات من دم، فنهى رسول الله ﷺ عن أكله.
قال الوليد: لأن النار لا تنشف الدم.
وحدث عن هشام بن عمار بسنده عن أنس أن رسول الله ﷺ : أما الوقوف عشية عرفة فإن الله يهبط إلى السماء الدنيا، فيباهي بكم الملائكة، فيقول: هؤلاء عبادي، جاؤوني شعثاً غبراً يرجون رحمتي. فلو كانت ذنوبكم كعدد
стр. 9647
الرمل، وكعدد القطر أو الشجر لغفرتها لكم. أفيضوا عبادي، مغفوراً لكم، ولمن شفعتم له. توفي هميم بن همام سنة ثلاث وتسعين ومئتين.
هنبل بن محمد بن يحيى بن هنبل
أبو يحيى السليحي الحمصي حدث عن هشام بن عمار بسنده إلى أبي عنبة الخولاني قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى أقلع. وحدث عن محمد بن إسماعيل بن عياش بسنده إلى جابر عن النبي ﷺ قال: إن إبليس قد أيس أن يعبده المصلون، ولكن في التحريش بينهم.
هنيدة من أصحاب الوليد بن عبد الملك
قال الزهري: دخلت على عروة بن الزبير، وهو يكتب إلى هنيدة صاحب الوليد بن عبد الملك، وكان كتب يسأله عن قول الله : " يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن "، فكتب إليه أن رسول الله ﷺ صالح قريشاً يوم الحديبية على أن يرد عليهم من جاء بغير إذن ولي، فكان يرد الرجال، فلما هاجر النساء أبى الله ذلك - أن يردهن إذا امتحن بمحنة الإسلام، فزعمت أنها جاءت راغبة فيه - وأمره أن يرد صدقاتهن إليهم إذا حبسوا عنهم، وأن يردوا عليهم مثل الذي يرد عليهم إن فعلوا، فقال: " واسألوا ما أنفقتم ".
стр. 9648
هني مولى عمر بن الخطاب
﵁ كان عامل عمر على الحمى الذي حماه للمسلمين، وكان مع معاوية بصفين.
حدث هني أن أبا بكر الصديق لم يحم شيئاً من الأرض إلا للنفع، وقال: رأيت رسول الله ﷺ حماه، فكان يحميه للخيل التي يغزا عليها. وكانت إبل الصدقة إذا أخذت عجافاً أرسل بها إلى الربذة، وما والاها ترعى هناك، ولا يحمي لها شيئاً، ويأمر أهل المياه لا يمنعون من ورد عليهم أن يشرب معهم، ويرعى عليهم.
فلما كان عمر بن الخطاب، وكثر الناس، وبعث البعوث إلى الشام، وإلى مصر، وإلى العراق حمى الربدة، واستعملني على حمى الربدة.
كان عمر بن الخطاب استعمل مولى له يدعى هنياً على الحمى، فقال: يا هني اضمم جناحك عن الناس، واتق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مجابة، وأدخل رب الصريمة والغنيمة، وإياي ونعم ابن عفان وابن عوف، فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخل وزرع، وإن رب الصريمة والغنيمة إن تهلك ماشيته يأتيني بالبينة فيقول: يا أمير المؤمنين، يا أمير المؤمنين، أفتاركهم أنا لا أبالك؟ فالملأ والكلأ أيسر علي من الورق، وايم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم ومياههم، قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبراً.
قال هني مولى عمر بن الخطاب: كنت أول شيء مع معاوية على علي، فكان أصحاب معاوية يقولون: والله لا نقتل عماراً أبداً، إن قتلناه فنحن كما يقولون، فلما كان يوم صفين ذهبت أنظر في القتلى فإذا
стр. 9649
عمار بن ياسر مقتول. قال هني: فجئت إلى عمرو بن العاص، وهو على سريره، فقلت: أبا عبد الله، قال: ما تشاء؟ قلت: انظر أكلمك، فقام إلي، فقلت: عمار بن ياسر، ما سمعت فيه؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : تقتله الفئة الباغية، فقلت: هوذا والله مقتول، فقال: هذا باطل، فقلت: بصر عيني مقتول، قال: فانطلق فأرينيه، فذهبت. فأوقعته عليه، فساعة رآه امتقع، ثم أعرض في شق، وقال: إنما قتله الذي خرج به.
وفي رواية: إنما قتله أصحابه.
هود بن عبد الله بن رباح
ابن خالد بن الخلود بن عاد بن عوض بن إرم، ابن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو - إدريس - بن يارد بن مهلائيل بن قتبان، ابن أنوش بن شيث بن آدم نبي الله ﷺ وقال بعض النسابين إن هوداً هو عابر بن شالخ بن أفخشد بن سام بن نوح.
قيل: إن هوداً بنى الحائط القبلي من جامع دمشق. وقيل: إن قبره به. وقيل: قبره بمكة. وقيل: قبره باليمن.
وكان عاد ابن عوض بن إرم بن سام بن نوح. وكان الضحاك بن أهنوت من ولد قحطان، وهو أهنوت بن ملل بن لاوذ بن الغوث بن الفزر بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يعرب بن قحطان بن أنمر بن الهميسع بن نايت بن إسماعيل بن إبراهيم بن تارح، وهو آزر بن ناخور بن ارغوا بن اسروغ بن فالغ بن يقطن، وهو قحطان بن عابر، وهو
стр. 9650
هود النبي - صلى الله على نبينا وعليه وسلم - ابن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح.
وأول نبي بعثه الله إدريس ثم نوح ثم إبراهيم ثم إسماعيل وإسحاق ثم يعقوب ثم يوسف ثم لوط ثم هود بن عبد الله بن الخلود بن عاد بن عوض بن إرم بن سام بن نوح، وعاد وغبيل ابنا عوض بن إرم.
وعن ابن عباس قال: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح، وهود، ولوط، وصالح، وشعيب، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وعليهم وسلم. وليس من نبي له اسمان غير عيسى المسيح، ويعقوب إسرائيل. وكان أبو هود أول من تكلم بالعربية. وولد لهود أربعة، فهم العرب: قحطان، ومقحط، وقاحط، وقالع أبو مضر. وقحطان أبو اليمن، والباقون ليس لهم نسل.
وكان من قصة هود، كيف بعثه الله من بعد نوح أن عاداً كانوا أصحاب أوثان يعبدونها من دون الله، وذلك إنما عبدت الأصنام العرب أصنام قوم نوح بعد نوح، فتفرقوا في عباداتهم للأوثان، وفرقوا أصنام قوم نوح بينهم، فكانت هذيل بن مدركة بن خندف اتخذوا سواعاً إلهاً يعبدونه، وكانت لهم برهاط من أرض الحجاز، وكانت كلب بن وبرة من قضاعة اتخذوا وداً إلهاً يعبدونه بدومة الجندل، وكانت أنعم من طيء، وأهل جرش من مذحج من تلك القبائل من أهل اليمن اتخذوا يعوق إلهاً يعبدونه بجرش، وكانت خيوان - بطن من همدان - بأرض همدان من اليمن، وكانت
стр. 9651
ذو الكلاع اتخذوا بأرض حمير نسراً إلهاً يعبدونه من دون الله. وكانت قوم هود وهم عاد أصحاب أوثان، يعبدونها من دون الله اتخذوا أصناماً على مثال ود وسواع ويغوث ونسر، فاتخذوا صنماً، يقال له: صمود، وصنماً يقال له: الهبار، فبعث الله إليهم هوداً. فكان هود من قبيلة يقال لها: الخلود، وكان من أوسطهم نسباً، وأفضلهم موضعاً، وأشرفهم نفساً، وأصبحهم وجهاً، وكان في مثل أجسامهم، أبيض جعداً، بادي العنفقة، طويل اللحية، فدعاهم إلى الله، وأمرهم أن يوحدوا الله، ولا يجعلوا مع الله إلهاً غيره، وأن يكفوا عن ظلم الناس، لم يذكر أنه أمرهم بغير ذلك، ولم يدعهم إلى شريعة، ولا إلى صلاة، فأبوا ذلك وكذبوه " وقالوا من أشد منا قوة " فنزل الله " وكانوا بآياتنا يجحدون ". قال الله : " وإلى عاد أخاهم هوداً " الآية. وكان هود من قومهم، ولم يكن أخاهم في الدين، " قال يا قوم اعبدوا الله "، يعني: وحدوا الله، ولا تشركوا به شيئاً، " ما لكم " يقول: ليس لكم " من إله غيره أفلا تتقون " يعني: فكيف لا تتقون؟ " واذكروا إذ جعلكم خلفاء " يعني: سكاناً في الأرض: " من بعد قوم نوح "، فكيف لا تعتبرون فتؤمنوا، وقد علمتم ما أنزل بقوم نوح من النقمة حين عصوه، واذكروا ما أتى إليكم " وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله "، يعني: هذه النعم " لعلكم تفلحون " وكانت منازلهم وجماعتهم حيث بعث الله هوداً فيهم بالأحقاف. والأحقاف: الرمل، ما بين عمان إلى حضرموت باليمن كله، وكانوا مع ذلك قد أفسدوا في الأرض كلها، وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم الله، يقول الله : " واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف "، يعني:
стр. 9652
دكادك الرمل حيث منازلهم.
روى الزهري: أن رسول الله ﷺ سأل ربه أن يريه رجلاً من قوم عاد، فأراه رجلاً رجلاه في المدينة ورأسه بذي الحليفة.
وعن يحيى بن يعلى قال: قال هود لقومه حين أظهروا عبادة الأوثان: يا قوم، إني بعثة الله إليكم، وزعيمه فيكم، فاتقوه بطاعته، وأطيعوه بتقواه، فإن المطيع لله يأخذ لنفسه من نفسه بطاعة الله للرضا، وإن العاصي لله يأخذ لنفسه من نفسه بمعصية الله للسخط، وإنكم من أهل الأرض، والأرض تحتاج إلى السماء، والسماء تستغني بما فيها، فأطيعوه تستطيبوا حياتكم، وتأمنوا ما بعدها، وإن الأرض العريضة تضيق عن التعرض لسخط الله.
وعن الضحاك قال: أمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين، وكانت الرياح عليهم من غير مطر ولا سحاب.
وعن جابر بن عبد الله قال: إذا أراد الله بقوم سوءاً حبس عنهم المطر، وحبس منهم كثرة الرياح. قال: فلبثوا بذلك ثلاث سنين لا يستغفرون الله، فقال لهم هود: " استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً "، يعني: برزق متتابع " ويزدكم قوة إلى قوتكم ". يعني: في الغنى والعدد " ولا تتولوا مجرمين "، فأبوا إلا تمادياً. فلما أصابهم الجهد أنفوا أن يطلبوا إلى هود أن يستسقي لهم، ونزل بهم البلاء، وجهدوا، فطلبوا إلى الله الفرج، وكان طلبتهم عند البيت الحرام، مسلمهم، ومشركهم، فتجمع بها ناس كثير مختلفة أديانها، وكلهم معظم لمكة، يعرف حرمتها ومكانتها من الله .
стр. 9653
وعن ابن عباس قال:
كانوا إذا أتوا مكة - عظمها الله تعالى - ليسألوا الله صعدوا الصفا ثم دعوا بحوائجهم، وسألوا الله تعالى، فيأتيهم بما سألوا. فانطلق وفد عاد فصعدوا الصفا، يقدمهم قيل بن عتر. فلما استووا على الصفا يريدون أن يسألوا، فقال قيل عاد حين دعا بإله هود: إن كان هود صادقاً فاسقنا، فإنا قد هلكنا، فإنا لم نأتك لمريض تشفيه، ولا لأسير فتفاديه، فأنشأ الله ثلاث سحابات بيضاء، وحمراء، وسوداء، وناداه مناد من السماء: يا قيل، اختر لنفسك وقومك من هذه السحابات، قال قيل: أما البيضاء فجفاء لا ماء فيها، وأما الحمراء فعارض، وأما السوداء فهي مطلخمة، وهي أكثر ماء، فقد اخترت السوداء. فناداه مناد فقال: اخترت رماداً رمدداً، لا تبقي من آل عاد أحداً، لا والداً تترك ولا ولداً، إلا جعلته همداً، إلا بنو اللوذية الغمدا - وإنما يعني الفهدا: السام، وبنو اللوذية: بنو لقيم بن هزال بن هويلة بنت بكر، وكانوا سكاناً بمكة مع إخوانهم، لم يكونوا مع عاد بأرضهم، فهم عاد الآخرة، ومن كان من نسلهم الذين بقوا من عاد - وساق الله السحابة التي اختار قيل بن عتر بما فيها من النقمة إلى عاد، حتى تخرج عليهم من واد لهم يقال له: المغيث، وقيل: إن الوادي يقال له: الريان. كانوا إذا قحطوا فجاءتهم الريح من تلك الناحية مطروا. فلما رأوها جثلة من
стр. 9654
ناحية الريان، أو المغيث استبشروا بها، فقالوا: قد جاءنا وفدنا بالمطر قالوا لهود: أين ما كنت توعدنا؟ ما قولك إلا غرور " هذا عارض ممطرنا ". يقول الله لهود: قل لهم " بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها " أي: كل شيء مرت به. فكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح امرأة يقال لها: مهد. فلما تبينت ما فيها صاحت، وصعقت، فلما أفاقت قيل: ماذا رأيت يا مهد؟ قالت: رأيت ريحاً، فيها كشهب النار، أمامها رجال يقودونها.
وروى العلماء: أن الريح التي سخرها الله على عاد الجنوب العقيم، وأنه إنما أرسل عليهم منها مثل حلقة الخاتم، ولو أرسل عليهم مثل منخر الثور ما تركت على ظهر الأرض شيئاً إلا أهلكته.
وعن الحارث بن حسان قال: مررت بعجوز بالربذة، منقطع بها من بني تميم، فقالت: أين تريدون، فقلنا: نريد رسول الله ﷺ ، قالت: فاحملوني معكم، فإن لي إليه حاجة. قال: فدخلت المسجد، فإذا هو غاص بالناس، وإذا راية سوداء تخفق، فقلت: ما شأن الناس اليوم؟ فقالوا: هذا رسول الله ﷺ يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهاً، فقلت: يا رسول الله، إن رأيت أن تجعل الدهناء حجازاً بيننا وبين تميم فافعل، فإنها كانت لنا خاصة، قال: فاستوفزت العجوز، وأخذتها الحمية، فقالت: يا رسول الله، أين يضطر مضطرك؟ قلت: يا رسول الله، حملت هذه، ولا أشعر أنها كائنة لي خصماً، قال: قلت: أعوذ بالله أن أكون كما قال الأول، قال رسول الله ﷺ : وماذا قال الأول؟ قال:
стр. 9655
على الخبير سقطت، قال رسول الله ﷺ : هيه، يستطعمه الحديث، قال: إن عاداً أرسلوا وافدهم قيلاً، فنزل على معاوية بن بكر شهراً، يشكر له الخمر التي شربها عنده. قال: فمرت سحابات سود، فنودي أن خذها رماداً رمدداً، لا تذر من عاد أحداً.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : نصرت بالصبا، وأهلك عاد بالدبور، وما أرسلت عليهم إلا مثل الخاتم - وفي رواية: مثل فص الخاتم -، فمرت بأهل البادية فحماتهم ومواشيهم، فجعلتهم بين السماء والأرض. فلما رأى ذلك أهل الحاضرة من عاد الريح وما فيها " قالوا هذا عارض ممطرنا " فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " ما أرسل الله سفياً من الريح إلا بمكيال، ولا قطرة ماء إلا بميزان، إلا يوم نوح وعاد، فإن الماء يوم نوح طغى على الخزان، فلم يكن لهم عليه سلطان، ثم قرأ: " إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية ". وإن الريح يوم عاد عتت على الخزان، ثم قرأ: " ريح صرصر عاتية ".
وقيل: إن الريح العقيم في الأرض السابعة.
وقال عطاء بن يسار: قلت لكعب: من ساكن الأرض الثانية؟ قال: الريح العقيم. لما أراد الله أن يهلك قوم عاد أوحى إلى خزنتها أن افتحوا منها بابا، قالوا: يا ربنا، مثل منخر الثور؟ قال: إذاً تكفأ الأرض بمن عليها. قال: ففتحوا منها مثل حلقة الخاتم.
стр. 9656
وقيل: لما أوحى الله إلى العقيم أن تخرج على قوم عاد، فينتقم له منهم، فخرجت بغير كيل على قدر منخر ثور حتى رجفت الأرض ما بين المشرق والمغرب، فقال الخزان: يا رب، لن نطيقها، ولو خرجت على حالها لأهلكت ما بين مشارق الأرض ومغاربها، فأوحى الله إليها أن ارجعي، فرجعت، على قدر خرق الخاتم، وهي الحلقة، فأوحى الله تعالى إلى هود أن يعتزل بمن معه من المؤمنين في حظيرة، فاعتزلوا، وخط عليهم خطاً، وأقبلت الريح، فكانت لا تدخل حظيرة هود، ولا تجاوز الخط، وإنما يدخل عليهم منها بقدر ما تلذ به أنفسهم، وتلين على الجلود، وإنها لتمر من عاد بالظعن فتحتمله بين السماء والأرض، فتدمغهم بالحجارة. وأوحى الله إلى الحيات والعقارب أن يأخذوا عليهم الطرق، فلم تعد غادياً يجاوزهم.
وعن مالك بن أنس قال: سئلت امرأة من بقية قوم عاد: أي عذاب الله رأيت أشد؟ قالت: كل عذاب شديد، وسلام الله ورحمته ليلة الريح فيها، قالت: ولقد رأيت العير تحملها الريح بين السماء والأرض.
قال الضحاك بن مزاحم: لما أهلك الله عاداً، ولم يبق منهم إلا هود والمؤمنون فتنجست الأرض من أجسادهم أرسل الله عليها دكادك الرمل، فرمستهم، فكان يسمع أنين الرجل من تحت الرمل من مسيرة يوم، فقال الله لنبيه ﷺ : " كذبت ثمود وعاد بالقارعة فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية " يعني بالصرصر: الباردة، كانت تقع على الجلد فتحرقه برداً حتى ينكشط عن اللحم، ثم تصير اللحم كقطع النار " عاتية " يعني: عتت على الخزان، " سخرها عليهم " يعني أنه سلطها عليهم " سبع ليال وثمانية أيام حسوماً " هبت عليهم يوم الأربعاء غدوة، وسكنت يوم الأربعاء عشية " حسوماً ": متصلات، مستقبلات، مشؤومات " فترى القوم فيها صرعى " وذلك أنهم صفوا صفوفاً، وحفروا تحت أرجلهم إلى الركب، ورمسوها
стр. 9657
بالثرى كي لا تزيلهم الريح، فقالوا: " من أشد منا قوة " فأمهلهم الله ثمانية أيام ليعتبر عباده، فكانت الريح تعصفهم، وتضرب بعضهم بعضاً، ولا تلقيهم، فلما كان يوم الثامن دخلت من تحت أرجلهم، فاحتملتهم، فضربت بهم الأرض، فذلك قوله: " تنزع الناس " " كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية ".
قال وهب بن منبه: هلكت عاد، فلم يبق على الأرض منهم أحد، وما أتت الريح على شيء من النبات والشجر إلا جعلته كالرميم. فكان الرجل منهم ستين ذراعاً، وكانت هامة الرجل مثل القبة العظيمة، وكانت عين الرجل ليفرخ فيها السباع، وكذلك مناخرهم. وكان أول من عذب الله من الأمم قوم نوح ثم عاد ثم ثمود، فكانوا هؤلاء أول من كذب المرسلين. يقول الله : " كذبت قوم نوح المرسلين إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون " قال: ومن بعد قوم نوح " كذبت عاد المرسلين إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون " قال: ومن بعد عاد " كذبت ثمود المرسلين " وقال : " كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود ".
حدث عبد الله قال: ذكر الأنبياء عند النبي ﷺ . فلما ذكر هود قال: ذاك خليل الله.
стр. 9658
قال الخضر بن محمد بن شجاع الحراني: أتينا عبد الله بن المبارك بالكوفة، فأتاه رجل فقال: أرأيت الرجل يدعو، يبدأ بنفسه؟ فقال: روينا إلى ابن عباس أنه قال: قال النبي ﷺ : يرحمنا الله وأخا عاد.
وروى أبي بن كعب عن النبي ﷺ : رحمة الله علينا، وعلى أخي موسى. في قصة الخضر.
وكان النبي ﷺ إذا ذكر الأنبياء بدأ بنفسه، فقال: رحمة الله علينا وعلى هود وصالح.
وعن أبي العالية في قوله : " فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل " نوح وهود وإبراهيم، فأمر رسول الله ﷺ أن يصبر كما صبر هؤلاء. وكانوا ثلاثة، ورسول الله ﷺ رابعهم ﵇ ورحمة الله: قال نوح: " يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله " إلى آخرها، فأظهر لهم المفارقة. وقال هود حين قالوا: " إن تقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون " فأظهر لهم المفارقة. وقال لإبراهيم: " قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم " إلى آخر الآية، فأظهر لهم المفارقة. وقال محمد ﷺ : " إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله " فقام رسول الله ﷺ عند الكعبة، فقرأها على المشركين، فأظهر لهم المفارقة.
стр. 9659
وعن ابن عباس قال: حج النبي ﷺ . فلما آتى وادي عسفان قال: يا أبا بكر، أي واد هذا؟ قال: هذا عسفان، قال: لقد مر بهذا الوادي نوح وهود وإبراهيم صلوات الله عليهم، على بكرات لهم، حمر، خطمهن الليف، أزرهم العباء، وأرديتهم النمار، يحجون البيت العتيق.
وعن عروة بن الزبير أنه قال: ما من نبي إلا وقد حج البيت إلا ما كان من هود وصالح. ولقد حجه نوح. فلما كان في الأرض ما كان من الغرق أصاب البيت ما أصاب الأرض، وكان البيت ربوة حمراء، فبعث الله هوداً، فتشاغل بأمر قومه حتى قبضه الله إليه، فلم يحجه حتى مات. ثم بعث الله صالحاً، فتشاغل بأمر قومه حتى قبضه الله إليه، فلم يحجه حتى مات. فلما بوأه الله لإبراهيم حجه. ثم لم يبق نبي بعده إلا حجه.
وعن عثمان بن أبي العاتكة قال: قبلة مسجد دمشق قبر هود النبي ﷺ .
وعن ابن سابط قال: بين المقام والركن وزمزم قبر تسعة وسبعين نبياً، وإن قبر هود، وشعيب، وصالح، وإسماعيل في تلك البقعة.
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : مكة لا يسكنها سافك دم، ولا تاجر بربا، ولا مشاء بنميمة. قال: ودحيت الأرض من مكة، وكانت الملائكة تطوف بالبيت، وهي أول من طاف به. وهي الأرض التي قال الله: " إني جاعل في الأرض خليفةً ". وكان النبي من الأنبياء إذا هلك قومه،
стр. 9660
فنجا هو والصالحون معه أتاها بمن معه، فيعبدون الله حتى يموتوا فيها. وإن قبر نوح، وهود، وشعيب، وصالح بين زمزم وبين الركن والمقام.
قال عثمان ومقاتل: في المسجد الحرام بين زمزم والركن قبر تسعين نبياً منهم هود، وصالح، وإسماعيل. وقبر آدم، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف في بيت المقدس.
وعن علي أنه قال لرجل من حضرموت: أرأيت كثيباً أحمر تخالطه المدرة الحمراء بذي أراك وسدر، كثير ماء، حبه كذا وكذا بين أرض حضرموت، هل رأيته؟ قال: نعم والله إنك لنعت نعت رجل رآه، قال: لا، ولكني حدثت عنه، وفيه قبر هود صلوات الله عليه وسلم، عند رأسه شجرة، إما سلم، وإما سدرة.
قال إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة: ما يعلم قبر نبي من الأنبياء إلا ثلاثة: قبر إسماعيل، فإنه تحت الميزاب بين الركن والبيت، وقبر هود، فإنه في حقف تحت جبل من جبال اليمن، عليه شجرة تندى وموضعه أشد الأرض خيراً، وقبر رسول الله ﷺ . فإن هذه قبورهم بحق. وقيل: إن هوداً عمر مئة وخمسين سنة.
هود بن عطاء يمامي وقع إلى الشام
حدث عن أنس بن مالك عن أبي بكر قال: نهى رسول الله ﷺ عن ضرب المصلين.
стр. 9661
وحدث عن أنس قال: كان في عهد رسول الله ﷺ رجل يعجبنا تعبده واجتهاده، فذكرناه لرسول الله ﷺ باسمه، فلم يعرفه، ووصفناه بصفته، فلم يعرفه، فبينا نحن نذكره إذ طلع الرجل، قلنا: هوذا، قال: إنكم لتخبرون عن رجل إن على وجهه سفعة من الشيطان، فأقبل حتى وقف عليهم، ولم يسلم، فقال له رسول الله ﷺ : أنشدك بالله، هل قلت حين وقفت على المجلس: ما في القوم أحد أفضل - أو خير - مني؟ قال: اللهم، نعم، ثم دخل يصلي، فقال رسول الله ﷺ : من يقتل الرجل؟ فقال أبو بكر: أنا، فدخل عليه، فوجده يصلي، فقال: سبحان الله، أقتل رجلاً يصلي، وقد نهى رسول الله صلى الله عليهم وسلم عن ضرب المصلين؟ فخرج، فقال رسول الله ﷺ : ما فعلت؟ قال: كرهت أن أقتله، وهو يصلي، وقد نهيت عن ضرب المصلين. قال: من يقتل الرجل؟ قال عمر: أنا، فدخل، فوجده واضعاً وجهه، قال عمر: أبو بكر أفضل مني، فخرج، فقال رسول الله ﷺ : مه؟ قال: وجدته واضعاً وجهه لله، فكرهت أن أقتله، قال: من يقتل الرجل؟ فقال علي: أنا، قال: أنت إن أدركته، فدخل عليه فوجده قد خرج، فرجع إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: مه؟ قال: وجدته قد خرج، فقال: لو قتل ما اختلف من أمتي رجلان كان أولهم وآخرهم.
قال محمد بن كعب: هو الذي قتله علي ذو الثدية.
هوذة
شهد بدراً مع المشركين، وأسلم بعد ذلك، ووفد على معاوية، روى الشعر.
قال: قدم على معاوية رجل يقال له: هوذة، فقال له معاوية: هل شهدت
стр. 9662
بدراً؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، علي، لا لي، قال: فكم أتى عليك؟ قال: أنا يومئذ قمد قمدود، مثل الصفا والجلمود، كأني أنظر إليهم، وقد صفوا لنا صفاً طويلاً، وكأني أنظر إلى بريق سيوفهم كشعاع الشمس من خلال السحاب، فما أشفقت حتى غشيتنا عادية القوم، في أوائلهم علي بن أبي طالب، ليثاً، عبقرياً، يفري الفريا، وهو يقول: لن يأكلوا التمر ببطن مكة، لن يأكلوا التمر ببطن مكة، يتبعه حمزة بن عبد المطلب، في صدره ريشة بيضاء، قد أعلم بها، كأنه جمل يخطم بنساء، فرغت عنهما، وأحالا على حنظلة - يعني أخا معاوية - عمل ولا كفران لله زلت، فليت شعري متى أرحت، يا هوذة؟ قال: والله يا أمير المؤمنين، ما أرحت حتى نظرت إلى الهضبات من أرثد، فقلت: ليت شعري، ما فعل حنظلة؟ فقال له معاوية: أنت بذكرك لحنظلة كذكر الغني أخاه الفقير، فإنه لا يكاد يذكره إلا وسنان أو متواسناً.
قالوا: ولا يصح لهوذة صحبة، لأن إسلامه كان بعد وفاة النبي ﷺ .
هلال بن ضيغم السلامي
قال الوليد: غزا صالح بن علي سنة ثلاث وأربعين ومئة بمن معه من أهل خراسان، ووجه هلال بن ضغيم السلامي - من أهل دمشق - في جماعة من أهل دمشق، فبنوا على جسر سيحان حصن أذنة.
стр. 9663
هلال بن سراج بن مجاعة
ابن مرارة بن سلمى بن زيد بن عبيد الحنفي اليمامي وفد على عمر بن عبد العزيز في خلافته.
حدث عن أبيه قال: أعطى رسول الله ﷺ مجاعة بن مرارة أرضاً باليمامة يقال لها: الفورة. قال: وكتب له بذلك كتاباً: من محمد رسول الله للمجاعة بن مرارة، من بني سلمى، إني أعطيته الفورة، فمن حاجه فيها فليأتني. وكتب يزيد.
وحدث هلال بن سراج عن أبيه عن جده مجاعة، أنه أتى النبي ﷺ يطلب دية أخيه، قتله بنو سدوس بن ذهل، فأخذ من ذلك طائفة، وأسلمت بنو سدوس، فجاؤوا إلى بكر بكتاب النبي ﷺ ، فكتب له
стр. 9664
باثني عشر ألف صاع من صدقة اليمامة: أربعة قمح، وأربعة تمر، وأربعة شعير. وكان في كتاب النبي ﷺ لمجاعة: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب محمد رسول الله ﷺ لمجاعة بن مرارة من بني سلمى بن زيد، إني قد أعطيته مئة من الإبل، من أول خمس يخرج من مشركي بني سدوس بن ذهل عقبة من أخيه. قالوا: ثم إن هلال بن سراج وفد إلى عمر بن عبد العزيز بكتاب سيدنا رسول الله ﷺ بعدما استخلف عمر، فأخذه فقبله، ووضعه على عينيه، ومسح به وجهه رجاء أن يصيب وجهه موضع يد سيدنا رسول الله ﷺ .
وفي حديث عمر بن عبد العزيز أنه قال لهلال بن سراج بن مجاعة: يا هلال، هل بقي من كهول بني مجاعة أحد؟ قال: نعم، وشكير كثير، فضحك عمر، وقال: كلمة عربية. وقوله: شكير كثير يريد أن فيهم أخداناً. وأصل الشكير: الورق الصغار ينبت في أصول الكبيرات، وهو أيضاً النبت أول ما يطلع. يقال: بدا شكير النبت: أي شيء قليل، دقيق، وكذلك هو من الشعر والوبر والصوف. وإذا شاخ الرجل دق شعره ولان وصار كالشكير. والشكير في الشجر ورق يخرج في أصل الشجرة، وقد يستعار الشكير فيسمى به صغار الأشياء. قال الراعي يذكر إبلاً:
حتى إذا خشيت تبقي طرقها ... وأبى الرعاء شكيرها المنخولا
يريد أخذ العمال السمان، ورد الرعاء الصغار التي قد تنحل ما فيها.
стр. 9665
هلال بن عبد الأعلى
ولاه عمر بن عبد العزيز قنسرين. فلما دخل عليه ليودعه قال: يا هلال، اغد علينا الغداة. فغدا عليه، فدخل ودخلت معه وبين يدي عمر المصحف يقرأ فيه. فلما سلم قال: أغدوت مودعاً؟ قال: نعم، قال: إني موصيك، فاتق الله يكفك، وخف الله يخف منك سواه، وآثر الحق، واعمل به، وإذا ورد عليك مني أمر وافق الحق فأنفذه، وإذا ورد عليك منا أمر رأيت الحق في غيره فاكتب إلينا فيه، فنعقب ما رأيت، فإن كان ما رأيت حقاً أمرناك فأنفذته، وإن كان الحق في غيره كتبنا إليك، فانتهيت إليه. وهذا النبطي - وأشار إلى رجل في الدار - فقال: ما له يا أمير المؤمنين؟ قال: استوص به، قال: يا أمير المؤمنين، أصغ عنه الجزية؟ قال: لا، إن الله جعل الجزية على من انحرفعن القبلة، ورضي بالذلة، قال: يا أمير المؤمنين، أستعين به؟ قال: لا، قال: يا أمير المؤمنين، فإن نازع إلى أحد أو خاصمه، أميل إليه، أو أحنق له؟ قال: لا، قال: فما تنفعه وصيتك فيه، فخفض له عمر القول ثم قال له: ويحك يا هلال! إن الوالي إذا شاء عدل وأحسن، وإذا شاء عدل وأساء.
هلال بن عبد الرحمن القرشي
مولاهم المصري ووفد على عمر بن عبد العزيز.
قال هلال: بعثني حيان بن سريج إلى عمر بن عبد العزيز، وكتب معي في سبقه للخيل، فالتفت عمر إلى عراك بن مالك، فقال: يا عراك، هل سبق النبي ﷺ الخيل؟ قال: قد أجراها، قال: هل علمت أنه جعل له سبقاً؟ قال: لا، قال عمر: أو لست أعلم الناس بأصحاب الخيل، ينطلقون إلى صبيان صغار فيحملونهم على خيل مضمرة قد اعترمت رؤوسها، ثم يسرحونها، فمنهم من يخر فيموت، ومنهم من تنكسر يده، فإن
следующие страницы →